اﻹمام الباقر وأخلاق الشيعة
وكالة شفقنا
2022/07/06

قال اﻹمام الباقر (صلوات الله وسلامه عليه): إنّما كانت شيعة عليّ المتباذلون في ولايتنا، المتحابّون في مودّتنا، المتزاورون لإحياء أمرنا، إن غضبوا لم يظلموا، وإن رضوا لم يسرفوا، بركة لمن جاوروا، سلم لمن خالطوا”(١).

هذا الحديث سنده معتبر، رواته كلهم موثقون رجالياً، فيه الكثير من التربية العالية للشيعة اتجاه بعضهم البعض، واتجاه المختلفين معهم، وكل فقرة منه يمكن الاستشهاد عليها بأحاديث مستفيضة وردت عن النبي وآله (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين)، فالحديث ذو مضامين أخلاقية عالية.

ففي الفقرات التي تخص تعامل المؤمنين مع بعضهم يقول الإمام عليه السلام: “المتباذلون في ولايتنا المتحابّون في مودّتنا، المتزاورون لإحياء أمرنا…”.

فلنقف عندها متأملين:

  • المتباذلون في ولايتنا
  • المتحابون في مودتنا

مع وضوح المعنى المقصود في البذل والتحاب بين أهل الولاية والمودة بعضهم مع البعض الآخر، فلا بأس بالتبرك والاستزادة بأمثلة من أحاديث الباقر (عليه السلام) التي تصب في تأكيد تلك المعاني.

عن اﻹمام الباقر (عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)‏: “المؤمنون إخوة يقضي بعضهم حوائج بعض فبقضاء بعضهم حوائج بعضهم، يقضي اللّه حوائجهم يوم القيامة”(٢).

وعنه(عليه السلام): “من حقّ المؤمن على أخيه المؤمن، أن يشبع جوعته ويوارى عورته، ويفرّج عنه كربته ويقضي دينه، فإذا مات خلفه في أهله وولده”(٣).

وعنه (عليه السلام): “إن المؤمنين إذا التقيا وتصافحا أدخل اللّه يده بين أيديهما فصافح أشدّهما حبا لصاحبه”(٤).

وعنه(عليه السلام) يقول: قال رسول اللّه (صلّى اللّه عليه وآله)‏: “فمن سرّ مؤمنا فقد سرّني ومن سرّني فقد سر اللّه”(٥).

نعم هذه هي توصية اﻹمام الباقر (عليه السلام) وهي نفسها توصية آبائه وأبنائه الطاهرين.

المقياس هو الورع والتقوى

ومن المؤسف أن تخرج بعض الأصوات النشاز (وهي قليلة بحمد الله تعالى) لتبث التفرقة بين المؤمنين وَفْقاً لـانتماءاتهم المناطقية والمكانية والقومية، فتفضل بعضهم على بعض من هذه الجهة كبعض المتمرجعين الذين ينادون بالقومية، وأنه يجب أن يكون المرجع الديني في منطقة ما من أهلها وقومها!

وأيضا كبعض الجهلة من عامة الناس الذين يسمون انفسهم بالمثقفين، وهم أبعد ما يكون عن الثقافة والوعي، الذين يرون أنفسهم أعلى شأنا من غيرهم لأنهم من قوم كذا أو منطقة كذا في ثقافة خطيرة تخالف تعليمات الدين والنبي والأئمة الطاهرين الذين لم يجر على ألسنتهم قط تقسيم المؤمنين بهذه اللحاظات السقيمة,

بل دائما المقياس هو مقياس الورع والتقوى والاجتهاد في طاعة الله تعالى.

لنقرأ بتمعن هذا الحديث صحيح السند عن اﻹمام الباقر (عليه السلام) في كيفية العلاقة بين أرواح المؤمنين عبر البلدان، والذي يرويه الكليني (رحمه الله) عن جابر الجعفي قال:

“تقبضت بين يدي أبي جعفر (عليه السلام) فقلت: جعلت فداك ربما حزنت من غير مصيبة تصيبني أو أمر ينزل بي حتى يعرف ذلك أهلي في وجهي، وصديقي.

فقال: نعم يا جابر إن الله عز وجل خلق المؤمنين من طينة الجنان وأجرى فيهم من ريح روحه، فلذلك المؤمن أخو المؤمن لأبيه وأمه. فإذا أصاب روحا من تلك الأرواح في بلد من البلدان حزن حزنت هذه لأنها منها”(٦) .

المتزاورون لإحياء أمرنا

إحياء الأمر وما أراك ما إحياء الأمر. هذه العبارة جاءت في نصوص عدّة تحث فيها المؤمنين على السعي لذلك.

وعلى هذا فإن إحياء أمرهم (عليهم السلام) هو إحياء للدين وتعاليمه، باعتبارهم الممثل الشرعي له من قبل الله تعالى.

والإحياء مفهوم تندرج تحته عدة مصاديق كأحياء علومهم وفقههم ومواعظهم وتعريف الناس بفضلهم وإقامة شعائرهم وإبراز مظلوميتهم وكيفية صبرهم وتضحيتهم في سبيل الله تعالى والدين.

وكما في الفقرة السابقة نستزيد علما من باقر العلم في الحث على إحياء أمرهم (عليهم السلام).

عن اﻹمام الباقر (عليه السلام): “اجتمعوا وتذاكروا، تحف بكم الملائكة، رحم الله من احيا امرنا”(٧).

وعنه (عليه السلام): “تزاوروا في بيوتكم فإن ذلك حياة لأمرنا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا”(٨).

عن خيثمة قال: دخلت على أبي جعفر (عليه السلام) أودعه فقال: يا خيثمة أبلغ من ترى من موالينا السلام وأوصهم بتقوى الله العظيم وأن يعود غنيهم على فقيرهم وقويهم على ضعيفهم وأن يشهد حيهم جنازة ميتهم وأن يتلاقوا في بيوتهم، فإن لقيا بعضهم بعضا حياة لامرنا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا…”(٩).

“عن عبد الحميد الواسطي، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: قلت له: أصلحك الله لقد تركنا أسواقنا انتظارا لهذا الأمر حتى ليوشك الرجل منا أن يسأل في يده؟

فقال: يا عبد الحميد أترى من حبس نفسه على الله لا يجعل الله له مخرجا؟ بلى والله ليجعلن الله له مخرجا، رحم الله عبدا أحيا أمرنا…”(١٠).

صفات المؤمنين في كلام اﻹمام الباقر

هذا كله في الفقرات الخاصة بتعامل المؤمنين في الوسط الإيماني، أما ما ورد في باقي الحديث المبارك فانه عام يلاحظ فيه تعامل المؤمنين مع بعضهم ومع غيرهم ممن يختلفون معهم في المذهب أو الدين حيث ذكر اﻹمام (عليه السلام) في صفات المؤمنين أنهم:

  • إن غضبوا لم يظلموا
  • وإن رضوا لم يسرفوا
  • بركة لمن جاوروا
  • سلم لمن خالطوا

هذه الفقرات الأربع بمفاهيمها الواضحة والتي لسانها لسان الإطلاق، فهذه الصفات ينبغي للشيعي أن يتصف بها قبال جميع الناس فعدم الظلم وعدم الإسراف، وحسن الجوار، وحسن المخالطة، ينبغي أن تكون من الصفات غير الخافية على المؤمنين بل ينبغي أن يُعرَفوا بها و يُشار اليهم بواسطتها، حتى يقال “هذا أدب جعفر”.

فالغضب لله مثلا يكون بميزانه ولا يكون فيه تعدي على الآخرين، فالمؤمن المظلوم مثلا لم يُفتح له الباب على مصراعيه لكي ينال من ظالمه، ولو بالباطل، بل انه مقيد بالحق وبموضع الظلامة وما يختص بها، لئلا يتحول إلى ظالم بدوره.

ومن الملفت في حديث أهل البيت (عليهم السلام) أنهم حتى في الدعاء من المظلوم على ظالمه يريدونه بقدر وبحق، فإذا زاد عن حده عُدَّ المظلوم ظالما!

إلى هذه الدرجة يريدون من المؤمن أن يكون مثالياً والسبب واضح فالمفروض أن خطهم هو الحق والكمال فمن ينتمي إليه ينبغي أن يكون مؤهلا، وبتلك الصفات العالية، بقدر الإمكان.

وأما الحال في الرضا فكذلك يكون على الموازين فلا مسوغ للإفراط والإسراف، واختراع الحوادث والصفات لمن نحبهم ونرضى عنهم، وجعلهم المقدمين على كل احد ومعاملتهم معاملة المعصومين، فان هذا الإسراف مما يضعف مصداقية المؤمن عند الناس إذن تقل ثقتهم فيه.

وأما كون المؤمن بركة لمن يجاور، سلم لمن يخالط فهذا من الأخلاق المبرزة للنبي وأهل بيته (صلوات الله تعالى عليهم أجمعين).

وسيرتهم تنقل لنا عشرات الحوادث في هذا المجال مع المخالف والموالف بل حتى مع الأعداء في بعض الظروف، والمغرر بهم، مما أدى إلى هدايتهم إلى الحق لما وجدوا من الخلق الكريم، فالناس قسم منهم يعاني القصور في فهم الحق لا التقصير، ويجب أن يكون التعامل مختلفا وليس من العدل المساواة بينهم.

تقبل اﻵخر والتعاطي معه

ومما يؤسف له أن سيرة الشيعة الناصعة في هذا المجال وانفتاحهم وتقبلهم للتعاطي مع الآخر في مجالات العلم والدرس والحياة والعيش السلمي، المعروفون بها عبر تاريخهم دون التنازل عن الثوابت والحق في اعتقاداتهم.

هذه السيرة التي ورثها الشيعة عن أئمتهم، وسار عليها نواب إمامنا المنتظر (أرواحنا لتراب مقدمه الفداء) من مراجع الطائفة الإعلام، يراد لها من بعض المتطرفين أن تنتهي، ويحل محلها الطريقة التكفيرية والاستعدائية لعوام الناس، خلافا لتوصيات الأئمة، ومنهم الباقر(عليه السلام).

هؤلاء الذين ظهروا على حين غرة في فضائيات صفراء تدعو إلى الكراهية، وتعمد استفزاز الآخرين، وجعل الوسط الشيعي وسطا مخيفا بحيث لا يأمن فيه المخالف على نفسه. تماما كما يحدث للشيعي في بعض المناطق التي يخاف فيها على نفسه من التواجد فيها، فتتساوى الكفتان.

وعلى هذا لا يكون للشيعة ميزة أخلاقية وإنسانية، وينتهي مفهوم (سلم لمن خالطوا).

ولكن بحمد الله تعالى هذه الأصوات البائسة سرعان ما تكشفت حقيقتها عندما تورطت في الإساءة إلى العلماء الأعلام المراجع الكرام، لينفر الناس منهم بعد ذلك.

وليس بغريب بعد أن كان علماؤنا ومراجعنا ينهجون منهج أهل البيت (عليهم السلام) الأصيل في التعامل مع الآخر بحسب الضوابط الشرعية، بلا إفراط ولا تفريط بل في وضع الأشياء مواضعها.

وهذه هي النمرقة الوسطى التي وصف بها أهل البيت انفسهم، وأرادوا لشيعتهم أن يتصفوا بها أيضا.

قال اﻹمان الباقر عليه السلام : “يا معشر الشيعة، شيعة آل محمد، كونوا النمرقة الوسطى، يرجع إليكم الغالي، ويلحق بكم التالي…”(١١). فإن هذا المنهج لا يروق لهؤلاء العدائيين.

وأخيرا لنتأمل بمضامين هذا الحديث القيم عن إمامنا الباقر(عليه السلام) وهو يتكلم مع جابر الجعفي، والذي ينقله لنا الشيخ الكليني (رحمه الله):

“يا جابر أيكتفي من ينتحل التشيع أن يقول بحبنا أهل البيت؟! فوالله ما شيعتنا إلا من اتقى الله وأطاعه، وما كانوا يعرفون يا جابر إلا بالتواضع والتخشع والأمانة وكثرة ذكر الله والصوم والصلاة والبر بالوالدين، والتعاهد للجيران من الفقراء وأهل المسكنة والغارمين والأيتام وصدق الحديث وتلاوة القرآن وكف الألسن عن الناس إلا من خير، وكانوا أمناء عشائرهم في الأشياء.

قال جابر: فقلت: يا ابن رسول الله ما نعرف اليوم أحدا بهذه الصفة.

فقال: يا جابر لا تذهبن بك المذاهب حسب الرجل أن يقول: أحب عليا وأتولاه ثم لا يكون مع ذلك فعالا؟!

فلو قال: إني أحب رسول الله، فرسول الله (صلى الله عليه وآله) خير من علي (عليه السلام) ثم لا يتبع سيرته ولا يعمل بسنته ما نفعه حبه إياه شيئا، فاتقوا الله واعملوا لما عند الله، ليس بين الله وبين أحد قرابة، أحب العباد إلى الله عز وجل [وأكرمهم عليه] أتقاهم وأعملهم بطاعته.

يا جابر والله ما يُتقرٓب إلى الله تبارك وتعالى إلا بالطاعة، وما معنا براءة من النار ولا على الله لاحد من حجة، من كان لله مطيعا فهو لنا ولي، ومن كان لله عاصيا فهو لنا عدو، وما تنال ولايتنا إلا بالعمل والورع.”(١٢).

وكذلك نقله كلاً من الشيخ الصدوق (رحمه الله) في كتابه (صفات الشيعة)، والشيخ الطوسي (رحمه الله) في كتابه (الأمالي)، وبعض منه رواه ابن شعبة الحراني (رحمه الله) في كتابه (تحف العقول).

والشواهد كثيرة على هذا الموضوع، نكتفي بهذا القدر منها.

عظم الله تعالى أجوركم بمصاب الإمام الباقر عليه السلام ورزقنا وإياكم زيارته وشفاعته.

والسلام عليه يوم ولد ويوم استشهد ويوم يبعث حيا، والحمد لله أولاً وآخراً وصلى الله على محمد وآله أبدا.

عبدالناصر السهلاني

_______________________________

(١) (الخصال للصدوق: ص٣٩٧)
(٢) (امالي المفيد: ص ٩٧)
(٣) (الكافي: ج٢، ص١٦٩)
(٤) (الكافي: ج٢، ص١٧٩)
(٥) (الكافي: ج٢، ص ١٨٨)
(٦) (الكافي: ج٢، ص ١٦٦)
(٧) (مصادقة الاخوان للصدوق: ص٣٨)
(٨) (الخصال للصدوق: ص٢٢)
(٩) (الكافي:ج٢، ص١٧٥)
(١٠) (الكافي:ج٨، ص٨٠)
(١١) (الكافي: ج٢، ص٧٥)
(١٢) (الكافي: ج٢، ص٧٤)

[38: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني