“ما عزت دعوة من دعاكم”.. الإمام علي لما ابتلي بأناس “مجتمعة أبدانهم متفرقة أهواؤهم”
وكالة انباء براثا
2021/05/04

في إحدى خُطَب الإمام علي (ع) التي يوبخ بها الذين يدَّعون الولاء قال :” أيها الناس المجتمعة أبدانهم المتفرقة أهواؤهم! ما عزت دعوة من دعاكم” من هنا يمكننا الخوض في واحدة من أعظم ما أبتليَ به الامام  (ع).

لقد كان الإمام علي عليه السلام يعسوب الدين بنص النبي الأكرم (ص)، فقد ورد فيما روى الخوارزمي بإسناده عن رسول الله صلّى الله عليه وآله وسلّم أنّه قال: «يا علي أنت سيد المسلمين وإمام المتقين ،وقائد الغر المحجّلين ويعسوب الدين» ..

وبذلك لا يمكن للمؤمن أن يلتحق بدين الله، ويسير بهديه، من دون الانضمام الى جبهة علي والانصهار في حزبه وشيعته الذين قال عنهم النبي صلى الله عليه وآله فيما رويَ ” عن أبي عبد الله، عن آبائه عليهم السلام قال:« قال رسول الله صلى الله عليه وآله: إذا كان يوم القيامة يؤتى بأقوام على منابر من نور، تتلألأُ وجوههم كالقمر ليلة البدر، يغبطهم الأولون والآخرون، ثم سكت، ثم أعاد الكلام ثلاثا، فقال عمر بن الخطاب: بأبي أنت وأمي هم الشهداء؟ قال: هم الشهداء وليس هم الشهداء ،الذين تظنون، قال: هم الأنبياء؟ قال: هم الأوصياء؟ قال: هم الأوصياء وليس هم الأوصياء الذين تظنون، قال: فمن أهل السماء أو من أهل الأرض؟ قال: هم من أهل الأرض، قال: فأخبرني من هم، قال: فأومأ بيده إلى علي عليه السلام فقال: هذا وشيعته” .

وكما أن اليعسوب في أمة لا يمكن أن يتعدد، كذلك الإمام الحقيقي لقيادة الأمة لا يمكن ان يكون اثنين أو ثلاثة أو أكثر وهذا ما أطبق عليه أهل العقول مما لا حاجه لبيانه من شدة ظهوره ، فلا عذر لمن يدّعي أنه اهتدى بنجم آخر من النجوم ليبرر ابتعاده عن علي عليه السلام، فالاهتداء بالنجوم لا يكون مُبرَّراً شرعياً، إلا إذا كان بالتناوب الزمني أي أن النجم إذا اختفى يمكنك الاهتداء بغيره من النجوم ليكون علامة الطريق والاتجاه الصحيح في حالك الظلام ،وهذا هو بالضبط ما تعتقد به الإمامية أعزهم الله في شأن الأئمة الإثني عشر من ذرية الإمام علي عليه السلام .

لكن … !! هل يكفي أن يقول المسلم أنه يتولى علياً (ع) ليسلم من حساب الله تعالى يوم القيامة وتبرأ ذمته ؟

يقول الله تبارك وتعالى في محكم الذكر العظيم ” وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِاللَّهِ وَبِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ ” ٨ البقرة.

إذن فمجرد قول القائل أنه يتولى علياً (ع) لا يكون سببًا في نجاته، فلابد من النظر ملياً في حقيقة ذلك التولي، والتَحَقق في صفة أولئك الذين يدعون اتّباعهم لعلي عليه السلام، فهناك كلام للإمام علي وشكوى امتلأت به خطبه والموروث من حديثه، ومن ذلك ما ورد في احدى خطبه يقول ” أَيُّهَا الشَّاهِدةُ أَبْدَانُهُمْ، الْغَائِبَةُ عَنْهُمْ عُقُولُهُمْ، الْـمُخْتَلِفَةُ أَهْوَاؤُهُمْ، المُبْتَلَى بِهمْ أُمَرَاؤُهُمْ، صَاحِبُكُمْ يُطِيعُ اللهَ وَأَنْتُمْ تَعْصُونَهُ، وَصَاحِبُ أَهْلِ الشَّامِ يَعْصِي اللهَ وَهُمْ يُطِيعُونَهُ، لَوَدِدْتُ وَاللهِ أَنَّ مُعَاوِيَةَ صَارَفَني بِكُمْ صَرْفَ الدِّينَارِ بِالدِّرْهَمِ، فَأَخَذَ مِنِّي عَشَرَةً مِنْكُمْ وَأَعْطَانِي رَجُلاً مِنْهُمْ” .. عجيب هذه الحال التي وصل اليها شيعة الإمام علي عليه السلام بحيث أنه مستعد ان يستبدل العشرة منهم بواحد من أصحاب معاوية، فبمثل هكذا شيعة وموالين، كيف يمكن لمشروع علي عليه السلام أن يتم ويأخد طريقه في النجاح؟!

للأسف هكذا هي صفة أكثر أتباع الإمام علي (ع)، تراهم فتعجبك أجسامهم ويغرك منطقهم وشدة تعلقهم بإمامهم، لكنهم بالحقيقة مجرد أعداد لا قيمة لها، عندما يجد الجد ويحين لشجرة البصيرة أن تؤتي أُكُلَها، فلا تجد اكثرهم قد سقاها واعتنى بها، فمن الطبيعي ان لا تعطي إلا الصريم.

لقد كان لمعركة صفين أبلغ الأثر في تصنيف أصحاب الإمام علي عليه السلام ،ففتنة رفع المصاحف أعطت درساً واضحاً بيّناً في ما يتوجب على المؤمن أن يفعله في مثل هكذا فِتن، يُستهدف بها الوعي.

نعم.. لقد كانت فتنة رفع المصاحف، المستهدف بها هو الوعي بشكل واضح، ولذلك تمايزت الجموع وانكشف الخداع، وأعني هنا خداع النفس، لأن الكثير ممن أصابته الفتنة لم يكن يتوقع في يوم من الأيام، أنه ممكن أن يكون ضحية خداع فينقلب ولاؤه الى هذا المستوى من السقوط، وذلك لأنه لم يتنبه مطلقاً الى وجوب اختبار بصيرته، ومدى ثباتها وقدرتها على مواجهة الابتلاءات ..

لقد انهارت صروح الولاء بمجرد أن أصبح الوعي أمام امتحان البصيرة ،ولا يخفى أن من كان ثابتاً على النهج العلوي، لم تكن أعدادهم قليلة، لكن للأسف لم يكونوا من القوة التي تصلح ان يواجه بها الإمام تلك الخديعة.

إن هذا الدرس العلوي الذي حفظه لنا التاريخ، يتكرر كثيراً ويفشل في اجتياز امتحانه أكثر الأمة، وفي كل مرة يفضح الله تعالى اولئك الذين لا يتجاوز ولاؤهم لقلقة السنتهم، ويؤكدون في كل مرة أنهم مجرد ظاهرة صوتية، يمكن إسكاتها بأقل جهد، بل ويتحولون الى قتلة ماهرين، لا يتورعون عن رفع شاب بريء على أعمدة الوثبة، أو زناة يفترشون الطوابق العالية من المطعم التركي، لرسم سياسة هدم القيم والأخلاق، لكن الفارق اليوم ان المصاحف كانت مفردة الفساد، لقد جعلوا من الفساد ذريعةً لهدم القيم، والسخرية من العقائد والتجاوز على العلماء، ونشر الرذيلة وإشاعة المثلية والفاحشة، وبالمقابل كان للفاسدين دورهم في استثمار الولاء الصوري لعلي عليه السلام في جلب المزيد من المنافع الشخصية التي نقلت البلد الى اسفل مهاوي السقوط ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

رياض البغدادي/ 

[12: عدد الزيارات]

تعليقات الزوار

الاسم
البريد الالكتروني
النص
الكود الامني