الصفحة 135

في حرب الجمل:

أما بالنسبة لما جرى في حرب الجمل، واعتراضهم على أمير المؤمنين (عليه السلام) في أمر الغنائم، فإنه صريح في حقيقة ما كان يعتلج في نفوسهم، وقد صرحوا به بعد التحكيم بعد خروجهم عليه صلوات الله وسلامه عليه..

فهؤلاء، قوم قد طغت عليهم أطماعهم، وكانوا يعانون من الجهل والغباء، ولاسيما بالنسبة للأحكام الإسلامية، ثم قلة الدين، لم يستطيعوا أن يفهموا سرّ حرمان علي (عليه السلام) إياهم من السبي مادام قد أعطاهم من الغنائم في حرب الجمل، أو أنهم لم يمكنهم تقبل هذا الحرمان:

يقول النص التاريخي: «.. فأتاهم علي في جيشه، وبرزوا إليه بجمعهم، فقال لهم قبل القتال: ماذا نقمتم مني؟!

فقالوا: أول ما نقمنا منك: أنا قاتلنا بين يديك يوم الجمل، فلما انهزم أصحاب الجمل أبحت لنا ما وجدنا في عسكرهم، ومنعتنا من سبي نسائهم وذراريهم؛ فكيف استحللت مالهم، دون نسائهم والذرية؟!

فقال: إنما أبحت لكم أموالهم بدلاً عما كانوا أغاروا عليه من بيت مال البصرة، قبل قدومي عليهم، والنساء والذرية لم يقاتلونا. وكان لهم حكم الإسلام بحكم دار الإسلام، ولم يكن منهم ردّة عن الإسلام؛ ولا يجوز استرقاق من لم يكفر، وبعد.. لو أبحت لكم النساء، أيكم يأخذ عائشة في سهمه؟!

فخجل القوم من هذا الخ..»(1).

____________

(1) الفرق بين الفرق ص78 وراجع: الفتوح لابن اعثم ج4 ص122/123 وقرب الإسناد ـ ط حجرية ص62، والبداية والنهاية ج7 ص282 وراجع ص245 وفيها: أنهم سألوه

=>


الصفحة 136
وتذكر بعض المصادر أن اعتراضهم إنما كان على ابن عباس، فأجابهم بما ذكرناه آنفاً(1).

وفي نص آخر: أنه (عليه السلام) قال: «وإنما لكم ما حوى عسكرهم، وما كان في دورهم فهو ميراث لذريتهم، فإن عدا علينا أحد منهم اخذناه بذنبه، وإن كف عنا لم نحمل عليه ذنب غيره، يا أخا بكر،

____________

<=

أن يقسم فيهم أموال طلحة والزبير، فأبى فطعنوا عليه الخ، وذخائر العقبى ص232 وأنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص360 و262 والجمل ص216 و217 والمناقب لابن شهر آشوب ج1 ص268 وجواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار ج6 ص417 عن المعتزلي الحنفي وغيره وص420/421 وأحاديث أم المؤمنين عائشة للعسكري ص181/182 وتاريخ الطبري ج3 ص545 و543 والكامل للمبرد ج3 ص238 والعقد الفريد ج4 ـ ص331 وتلبيس إبليس ص92 وكنز العمال ج11 ص309 و325 و326 و327 و330 والبحار طبع قديم ج8 ص564 و565 و570 و573 عن كشف الغمة وغيره، والمسترشد في إمامة علي بن أبي طالب ص70 وجامع بيان العلم ج2 ص127 و128 وترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق، [بتحقيق المحمودي] ج3 ص151 و156 والمصنف ج1 ص158 و159 ومستدرك الحاكم ج2 ص151 وتلخصيه للذهبي بهامش نفس الصفحة والخصائص للنسائي ص146 و148 والمناقب للخوارزمي ص184 والكامل لابن الأثير ج3 ص259 و255 والفصول المهمة لابن الصباغ ص66 و67 و93 و96، والإمامة والسياسة ج1 ص77 و149 وتذكرة الخواص ص99 وراجع ص105 وكشف الغمة ج1 ص265 والبدء والتاريخ ج5 ص223 و224 والفائق ج4 ص129 ومناقب الإمام علي (عليه السلام) لابن المغازلي ص408 و410 وبهج الصباغة ج7 ص171 و172 عن المسترشد. وراجع ص176 عن المبرد، والوسائل ج11 ص58 و59 ـ باب25 الجهاد حديث 5 و7. وجواهر الكلام ج21 ص336 و337.

(1) راجع: مجمع الزوائد ج6 ص240 وخصائص الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) للنسائي ص147 و148 والمناقب للخوارزمي ص184 و185 وترجمة الإمام علي (عليه السلام) من تاريخ دمشق [بتحقيق المحمودي] ج3 ص151 وعن: البداية والنهاية ج7 ص276 و281 وعن تاريخ اليعقوبي ج2 ص167 وعن المناقب لابن شهر أشوب ج1 ص267.


الصفحة 137
لقد حكمت فيهم بحكم رسول الله (صلى الله عليه وآله) في أهل مكة، قسَّم ما حوى العسكر، ولم يعرض لما سوى ذلك، وإنما اتبعت أثره حذو النعل بالنعل..» إلى أن قال: «فإن أنتم لم تصدقوني وأكثرتم علي، ـ وذلك أنه تكلم في هذا الأمر غير واحد ـ فأيكم يأخذ عائشة بسهمه»؟

إلى أن قالت الرواية: «وتنادى الناس من كل جانب: أصبت يا أمير المؤمنين، أصاب الله بك الرشاد والسداد»(1).

وفي نص آخر: أن الخوارج «لعنوا علياً في تركه اغتنام أموالهم، وسبي ذريتهم، ونسائهم»(2).

من سيرة علي (عليه السلام) في حرب الجمل:

ولتوضيح ما صنعه علي (عليه السلام) في غنائم حرب الجمل، وهو ما أثار حفيظة «الخوارج» نقول: إنهم يقولون: إنه (عليه السلام): «لما قسم ما حواه العسكر أمر بفرس فيه كادت أن تباع؛ فقام إليه رجل فقال: يا أمير المؤمنين، هذه الفرس لي كانت، وإنما أعرتها لفلان، ولم أعلم أنه يخرج عليها؛ فسأله البينة على ذلك؛ فأقام البينة: أنها عارية، فردها، وقسم ما سوى ذلك»(3).

ويقولون أيضاً: «.. فجعلوا يمرون بالذهب والفضة في معسكرهم،

____________

(1) أحاديث أم المؤمنين عائشة ص181/182 عن كنز العمال ج8 ص215 و217 ومنتخبه ج6 ص315 و331 وراجع جواهر الأخبار والآثار المطبوع بهامش البحر الزخار ج6 ص420/421 والبحار ـ ط قديم ج8 ص564/565.

(2) الملل والنحل ج1 ص116 وأحاديث أم المؤمنين عائشة ج1 ص188 عنه وعن الفرق ص58 وعن التبصير ص27.

(3) الجمل ص216 و217.


الصفحة 138
والمتاع لا يعرض له أحد، إلا ما كان من السلاح الذي قاتلوا به، والدواب التي حاربوا عليها. الخ..»(1).

«وجمع ما كان في العسكر من شيء ثم بعث به إلى مسجد البصرة، أن من عرف شيئاً فليأخذه إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان، فإنه مما بقي ما لم يعرف، خذوا ما أجلبوا به عليكم من مال الله عز وجل، لا يحل لمسلم من مال المسلم المتوفى شيء، وإنما كان ذلك السلاح في أيديهم من غير تنفل من السلطان»(2).

وقال المسعودي: «.. وقبض ما كان في معسكرهم من سلاح، ودابة، ومتاع، وآلة، وغير ذلك، فباعه وقسمه بين أصحابه، وأخذ لنفسه، كما أخذ كل واحد ممن معه من أصحابه، وأهله، وولده خمس مئة درهم؛ فأتاه رجل من أصحابه؛ فقال: يا أمير المؤمنين، إني لم آخذ شيئاً، وخلفني عن الحضور كذا، وأدلى بعذره، فأعطاه الخمس مئة التي كانت له»(3).

نعم.. إن سيرة أمير المؤمنيين (عليه السلام) في مثل هذه المواقع هي سيرة الإسلام المحمدي الأصيل، وهي منة من الله سبحانه على عباده لابد لهم أن يعرفوها ويعترفوا بها ليخلصوا له العبادة، وليتحسسوا عظمة الإسلام، ولأجل ذلك نجده (عليه السلام) يسعى إلى تنبيه الناس إلى ذلك، فهو يقول:

____________

(1) الأخبار الطوال ص151.

(2) تاريخ الطبري ج3 ص543 وراجع ص545 وراجع البداية والنهاية ج7 ص245 والكامل لابن الأثير ج3 ص255 و259 والفصول المهمة لابن الصباغ ص67.

(3) مروج الذهب ج2 ص371.


الصفحة 139
«أرأيتم، لو أني غبت عن الناس من كان يسير فيهم بهذه السيرة؟!»(1).

وعن أبي البحتري قال: لما انهزم أهل الجمل قال علي: «لا يطلبن عبد خارجاً من العسكر. وما كان من دابة أو سلاح فهو لكم. وليس لكم أم ولد. والمواريث على فرائض الله. وأي امرأة قتل زوجها فلتعتد أربعة أشهر وعشراً.

قالوا: يا أمير المؤمنين، تحل لنا دماؤهم ولا تحل لنا نساؤهم؟!

فقال: كذلك السيرة في أهل القبلة.

فخاصموه، قال: فهاتوا سهامكم، وأقرعوا على عائشة؛ فهي رأس الأمر، وقائدهم.

قال: ففرقوا، وقالوا: نستغفر الله!

فخصمهم علي»(2).

علي (عليه السلام) لم يخمس أهل الجمل:

ورووا أيضاً: «أن علياً لم يخمس أهل الجمل..»(3).

ولكن في نص آخر: أنه (عليه السلام) قال لهم حينما اعترضوا عليه: «وإن لكم في خمسه لغنى، فيومئذٍ تكلمت الخوارج»(4).

فالظاهر أن من قال إنه (عليه السلام) لم يخمس، يريد أنه لم يخمس

____________

(1) المصنف ج10 ص124.

(2) كنز العمال ج11 ص326 و327 عن ابن أبي شيبة.

(3) أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص261.

(4) تاريخ الطبري ج3 ص545.


الصفحة 140
أموالهم التي لم يقاتلوا بها، ولم تكن في الغنائم.. وكذا لم يخمس السلاح الذي للسلطان لأنه أرجعه إلى بيت المال.

ومن قال إنه خمسهم مراده: أنه خمس الكراع والسلاح الذي قاتلوه به.

آخر الدعاوى:

وأخيراً نقول: إن البعض يحاول أن يدعي: أن من أهم عوامل نشوء «الخوارج» هو عبد الله بن سبأ، ومبادؤه، التي منها جرأته على الخلفاء والأئمة، والحكم بتكفيرهم(1).

ولعله أخذ ذلك من بعض المستشرقين الذي أثار هذه النقطة بالذات, ثم حاول مناقشة هذا الزعم، فكان مما ذكره:

أن «الخوارج» أنفسهم كانوا ينعتون خصومهم الشيعة في الكوفة بنعت السبئية تحقيراً وذماً لهم (2).

ونقول:

لا ندري من أين تأكد لهؤلاء: أن ابن سبأ قد ترك هذا الأثر العظيم في «الخوارج» وفي غيرهم، وبهذه السرعة الفائقة؟! حتى أصبحت نحلة السبأية ديناً شائعاً، ووصفاً مشيناً ينعت به هذا الفريق من الناس؛ وذاك؟!

وابن سبأ إنما غالى في أمير المؤمنين (عليه السلام)، فلاقى جزاءه على يد أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه؟!

____________

(1) راجع: أدب المعتزلة ص27 و28 وهامش ص24.

(2) راجع: الخوارج والشيعة ص38. وارجع في الهامش إلى تاريخ الطبري ج2 ص43.


الصفحة 141
وحديث الجرأة على الخلفاء، والأئمة قد بدا من عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) حينما قيل له (صلى الله عليه وآله) وهو في مرض موته: إن النبي ليهجر. وقبل ذلك حين كانوا يعترضون عليه في الحديبية، ويقولون لا نعطي الدنية في ديننا، وغير ذلك.

وأية مبادئ جاء بها ابن سبأ، وبثها بين الناس يمكنهم أن يثبتوها بالدليل وبالحجة؟!

ولماذا تعلموا من ابن سبأ الجرأة على الخلفاء، ولم يتعلموا غلوه في أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى حد التأليه؟!

وإذا كان «الخوارج» ينعتون خصومهم بالسبئية، فكيف يأخذون من ابن سبأ وعنه مبادئه. ويتأثرون بحالاته؟!


الصفحة 142

الصفحة 143

الفصل الثاني:
قبل المواجهة



الصفحة 144

الصفحة 145

سياسات علي (عليه السلام) مع «الخوارج»:

لم يكن علي (عليه السلام) ذلك الرجل الذي يريد أن تكون له السلطة والهيمنة القاهرة التي يحبس معها الناس أنفاسهم خوفاً ورعباً. بل هو يريد أن يحفظ الأمن، وأن يربي الناس، ويعلمهم، ويهديهم سبيل الرشاد، والسداد، وأن يحكم فيهم بحكم الله سبحانه، ويفقههم في الدين.

إنه لا يريد أن يخاف الناس منه، بل يريدهم أن يخافوا الله سبحانه. ولا يريد منهم مراعاة خواطره، والتأقلم مع مزاجه، بل يريدهم أن يراعوا التوجيه الإلهي، والحكم الشرعي. وأن يحفظوا دينهم، وأنفسهم.

ولأجل ذلك، فهو لا يخشى على ضياع شيء احتفظ به لنفسه يخاف فقده. وليس في حياته نقطة ضعف يخشى اطلاّع الناس عليها.

إذن.. فلماذا لا يعطي الناس حرية الكلام، والجهر بما يضمرونه، والافصاح عما يفكرون به ويتصورونه؟!

وحتى لو كان الحاكم الإسلامي غير معصوم فلماذا يمنع الناس من مطالبته بتصحيح الخطأ، وإعادة الأمور إلى نصابها.

نعم.. وهذا هو مبدأ علي (عليه السلام) في سياساته مع «الخوارج» وغيرهم، فقد

الصفحة 146
رووا: أن رجلاً من «الخوارج» جاء إلى علي (عليه السلام)، فقال: يا أمير المؤمنين، هذا يسبك.

قال: فسبه كما سبني.

قال: ويتوعدك.

قال: لا أقتل من لم يقتلني.

ثم قال: لهم علينا ثلاث: أن لا نمنعهم المساجد أن يذكروا الله فيها، وأن لا نمنعهم الفيء مادامت أيديهم في أيدينا. وأن لا نقاتلهم حتى يقاتلونا(1).

تحرك «الخوارج»: خلاصة تاريخية:

ولأجل أن تتضح الأمور لابد من العودة إلى النصوص التاريخية لنستنطقها، ولنتعرف من خلالها على سير الأحداث..

فنقول:

إنه حين بلغ علياً (عليه السلام) ما جرى بين أبي موسى وعمرو بن العاص في دومة الجندل كتب (عليه السلام) إلى ابن الكواء، والراسبي، وزيد بن الحصين، ومن معهم من الناس، يطلب منهم الالتحاق به، ليتوجه إلى حرب معاوية.

فرفضوا ذلك، وقالوا له: إنما غضبت لنفسك، وطلبوا منه أن يشهد على نفسه بالكفر، ثم ينظرون فيما بينهم وبينه، فأيس (عليه السلام) منهم.

ويقولون: إنه (عليه السلام) «رأى أن يدعهم، ويمضي بالناس إلى أهل الشام، فيناجزهم. فقام في أهل الكوفة، فحمد الله، وأثنى عليه، ثم قال: أما

____________

(1) كنز العمال ج11 ص287 و308 عن أبي عبيد، والبيهقي، وابن أبي شيبة.


الصفحة 147
بعد، فإن من ترك الجهاد.. الخ..».

«فبينما علي (رض) معهم في الكلام، أتاه الخبر: أن «الخوارج» خرجوا على الناس. وأنهم قتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله)، وبقروا بطن امرأته، وهي حامل. وقتلوا ثلاث نسوة من طيء، وقتلوا أم سنان.

فلما بلغ علياً (رض) ذلك بعث إليهم الحرث بن مرة العبدي، ليأتيهم، وينظر صحة الخبر فيما بلغه عنهم، ويكتب به إليه، ولا يكتمه شيئاً من أمرهم.

فلما دنا منهم، وسألهم قتلوه. وأتى علياً (رض) الخبر بذلك وهو بمعسكره فقال الناس: يا أمير المؤمنين، على ما ندع هؤلاء وراءنا يخلفونا في أموالنا، وعيالنا؟! سر بنا إليهم، فإذا فرغنا منهم سرنا إلى أعدائنا من أهل الشام.

وجاءهم منجم يقال له: مسافر بن عدي الأزدي. فطلب منه أن يسير إليهم في ساعة معينة، وإلا فإنه سيلقى وأصحابه ضرراً شديداً، ومشقة عظيمة. فخالف علي (رض)».

ثم لما قرب منهم طلب أن يسلموه قتلة إخوانه ليقتلهم بهم، ويكف عنهم حتى يلقى أهل الشام، فلعل الله أن يأخذ بقلوبهم ويردهم إلى خير مما هم عليه.

فقالوا: كلنا قتلناهم، وكلنا مستحلون لدمائكم، وأموالكم، ودمائهم.

ثم كلمهم قيس بن سعد بن عبادة، فلم يستجيبوا الخ..(1).

____________

(1) نور الأبصار ص101 والفصول المهمة لابن الصباغ المالكي ص90 و92. وغير ذلك كثير.


الصفحة 148
وقد لخص أمير المؤمنيين (عليه السلام) ما جرى بينه وبين «الخوارج» في كلام وجهه إلى أصحابه فكان مما قال: «حتى إذا عاثوا في الأرض مفسدين وقتلوا المؤمنين أتيناهم فقلنا لهم: ادفعوا إلينا قتلة إخواننا.

فقالوا: كلنا قتلهم، وكلنا استحللنا دماءهم ودماءكم.

وشدت علينا خيلهم ورجالهم؛ فصرعهم الله مصارع القوم الظالمين. ثم أمرتكم أن تمضوا من فوركم ذلك إلى عدوكم، فإنه أفزع لقلوبهم، وأنهك لمكرهم، وأهتك لكيدهم، فقلتم.. الخ..»(1).

ونلاحظ هنا: أن ما فعله (عليه السلام) حيث أمرهم بالمضي من فورهم إلى عدوهم، مع ملاحظة الأمور التي ذكرها.. قد جاء مطابقاً لفعل رسول الله (صلى الله عليه وآله)، حيث لاحق جيش أبي سفيان بعد أحد حتى بلغ حمراء الأسد، وكان الذين معه هم خصوص من أصيبوا في غزوة أحد، كما هو معلوم، فراجع كتابنا: الصحيح من سيرة النبي للإطلاع على تفاصيل ما جرى.

أذى «الخوارج» لعلي (عليه السلام):

وحين يواجه الإنسان التحدي من الآخرين، والتعدي عليه من دون مبرر مقبول أو معقول.. ويكون غير قادر على رد التحدي، والثأر لنفسه، فليس له أن يدعي: أن هذا الضعف صفح، وأن الهروب عفو.

وأما حين يكون قادراً على ردع المعتدي. فإن كان عفوه يمثل

____________

(1) الإمامة والسياسة ج1 ص157 وأنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص367 و368.


الصفحة 149
تفريطاً بما لا يحق له التفريط به، أو تشجيعاً وإغراءً بالعدوان على الضعفاء، فليس له الحق في أن يبادر إلى هذا العفو، بل لابد له من أن يمارس الردع المؤثر والفاعل، والقوي والحاسم.

فإذا انحصر الأذى بشخصه، ثم كظم غيظه، مع قدرته على ردّ الحجر من حيث جاء، فذلك هو الصفح الجميل، والعفو عن الذنب، الذي دعا إليه الإسلام والقرآن.

وهذه هي حاله (عليه السلام) مع هؤلاء القوم، الذين كانوا يؤذونه ويصفح عنهم، ويذنبون معه، ويعتدون عليه ويعفو ويتجاوز رفقا بهم، واستصلاحاً لهم.

ومن أمثلة ذلك: أنه كان يخطب يوماً؛ فقال: إذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليمس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة.

فقال رجل من «الخوارج»: قاتله الله كافراً ما أفقهه.

فوثب القوم ليقتلوه.

فقال (عليه السلام): «رويداً إنما هو سب بسب، أو عفو عن ذنب»(1).

وقال علي بن البطريق: «إن علياً كان قد مرن على سماع قول «الخوارج» أنت كافر. وقد كفرت»(2).

الموقف الشرعي الدقيق:

وإن معالجة أمير المؤمنين (عليه السلام) لأمر «الخوارج» قد جاء النموذج الأمثل، والمثل الرائع للحكمة، والروية، والأناة والحزم،

____________

(1) الشيعة في التاريخ ص42 ونهج البلاغة ج3 ص254.

(2) راجع مصادر نهج البلاغة ج4 ص 297 عن شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص470.


الصفحة 150
والمرونة، ثم هو التجسيد الدقيق للالتزام بحدود الله، والسياسة الربانية للعباد والبلاد.

وقد لخص (عليه السلام) موقفه من هؤلاء القوم، بعد أن ذكر أمر الحكمين، بقوله: «.. فانخذلت عنا فرقة منهم، فتركناهم ما تركونا»(1).

وذكر (عليه السلام) أيضاً موقفه هذا بصورة أكثر تفصيلاً، فقال: «إن سكتوا تركناهم ـ أو قال: عذرناهم ـ وإن تكلموا حججناهم، وإن خرجوا علينا قاتلناهم»(2).

وفي نص آخر: أنه (عليه السلام) سمع رجلاً من «الخوارج» يقول: لا حكم إلا لله ـ تعريضاً به في التحكيم يوم صفين ـ فقال علي (عليه السلام): «كلمة حق أريد بها باطل».

ثم قال: «لكم علينا ثلاثة: لا نمنعكم مساجد الله تذكرون اسم الله. ولا نمنعكم من الفيء مادامت أيديكم معنا. ولا نبدؤكم بقتال»(3).

وحتى بعد أن انتهى من حرب النهروان فإنه (عليه السلام) لم يغير سياسته هذه معهم، فقد روي:

عن أبي خليفة الطائي، قال: «لما رجعنا من النهروان لقينا ـ قبل أن ننتهي إلى المدائن ـ أبا العيزار

____________

(1) الغارات ج1 ص213 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج6 ص98 والإمامة والسياسة ج1 ص177 و135 والبحار ج30 ص2 وج33 ص571 ونهج السعادة ج5 ص245.

(2) أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص352 وبهج الصباغة ج7 ص155 و54 و142 والكامل لابن الأثير ج3 ص334 و335 ونقل عن الطبري أيضاً.

(3) الإلمام ج1 ص36.


الصفحة 151
الطائي، فقال لعدي: يا أبا طريف، أغانم سالم؟ أم ظالم آثم؟

قال: بل غانم سالم.

قال: الحكم إذن إليك!

فقال الأسود بن يزيد، والأسود بن قيس المراديان ـ وكانا مع عدي ـ: ما أخرج هذا الكلام منك إلا شر، وإنا لنعرفك برأي القوم.

فأخذاه، فأتيا به علياً، فقالا: إن هذا يرى رأي «الخوارج»، وقد قال كذا وكذا لعدي.

قال: فما أصنع به؟!

قالا: تقتله.

قال: أقتل من لا يخرج علي؟!

قالا: فتحبسه.

قال: وليست له جناية أحبسه عليها؟! خليا سبيل الرجل»(1).

صلوات الله وسلامه: على علي أمير المؤمنين، مثال العدل، ومعدن الفضل، ونبراس الهدى وعلم التقى. ولعن الله مناوئيه، وشانئيه، وحاسديه وأصلاهم جهنم وساءت مصيرا.

الفساد والافساد:

وقد بذل أمير المؤمنيين (عليه السلام) محاولات كثيرة، لإقناعهم بالحق، ومنعهم من شق عصا الطاعة.. «وقد خطب علي (رض) بخطب ذوات عدد» على حد قول

____________

(1) تاريخ بغداد ج14 ص365 و366.


الصفحة 152
الصنعاني(1). وقد أورد في نهج البلاغة عدداً منها(2).

بالإضافة إلى أنه كان يحاول الاتصال بأولئك الذين يعتزمون الالتحاق بهم، وينهاهم عن ذلك، وقد «وعظهم بكل قول، وبصّرهم بكل وجه فلم يرجعوا»(3).

ثم إنهم.. رغم ذلك كله وسواه: «قتلوا عدة نساء، وسبوا، وفعلوا أفاعيل من هذا القبيل»(4).

وقال البري التلمساني: «ثم اجتمعوا، وشقوا عصا المسلمين، ونصبوا راية الخلاف، وسفكوا الدماء، وقطعوا السبل، وقتلوا عبد الله بن خباب بن الأرت ذبحاً. وقيل: إنهم ضربوا عنقه، وبقروا بطن امرأته، وهي حبلى»(5).

وقد ذكر أيضاً: أنهم قتلوا رسول أمير المؤمنيين (عليه السلام) إليهم، وهو الحارث بن مرة العبدي(6).

وقتلوا ثلاث نسوة فيهن أم سنان، قد صحبت النبي (صلى الله عليه وآله). وذبحوا ابن خباب، وبقروا بطن امرأته(7).

____________

(1) نظم درر السمطين ـ ص117..

(2) راجع على سبيل المثال: نهج البلاغة ـ الخطب رقم 121 و123 و118 ج2 ص7 و11 و2 والخطبة رقم 117 ص117.

(3) الفخري في1 الآداب السلطانية ص94.

(4) الفخري في الآداب السلطانية ص94.

(5) الجوهرة في نسب علي (عليه السلام) وآله ص103 وراجع البداية والنهاية ج7 ص288.

(6) راجع مروج الذهب ج2 ص404 و405 والإمامة والسياسة ج1 ص147 وغير ذلك.

(7) الإمامة والسياسة ج1 ص147 ومروج الذهب ج2 ص404 وفيه: وقتلوا غيرها من النساء. والكامل لابن الأثير ج3 ص342 وذكر فيه أم سنان بالإضافة إلى النسوة الثلاث وراجع أنساب الأشراف ج2 ص368.


الصفحة 153
وقال عبد الله بن شداد لعائشة، عن علي (عليه السلام): «والله، ما بعث إليهم حتى قطعوا الطريق، وسفكوا الدماء، وقتلوا ابن خباب، واستحلوا أهل الذمة»(1).

«واعترضوا الناس، وأخذوا الأموال، والدوابّ، والكراع، والسلاح، ودخلوا القرى، وساروا حتى انتهوا إلى النهروان.

فلما لحقهم علي (عليه السلام).. أقام أياماً يدعوهم، ويحتج عليهم، فأبوا أن يجيبوا، وتعبأوا لقتاله.

فعبأ الناس، ثم خرج إليهم، فدعاهم، فأبوا، وبدأوه بالقتال، فقاتلهم، وقتلهم»(2).

ويلاحظ: أن أفاعيلهم هذه لم ترض أصحابهم أنفسهم، فإنهم: «ساروا حتى قطعوا النهروان، وافترقت منهم فرقة يقاتلون [يقتلون] الناس. فقال أصحابهم: ما على هذا فارقنا علياً، فلما بلغ علياً صنيعهم.الخ..»(3).

ولعل هذا قد سهل عودتهم، حينما وعظهم علي (عليه السلام)، واحتج عليهم، وبصّرهم.

ومهما يكن من أمر، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) أراد قبل أن يبادر إلى حرب هؤلاء القوم أو يوضح للناس حالهم، ليكونوا على بصيرة من أمرهم، وعلى يقين بصحة ما يقدمون عليه فأخبر الناس بأن حديث

____________

(1) تهذيب تاريخ دمشق ج7 ص305 والبداية والنهاية ج7 ص281 ومسند أحمد ج1 ص86 و87 وغير ذلك من مصادر ذكرناها في موضع آخر من هذا الكتاب.

(2) جواهر الأخبار والآثار [مطبوع بهامش البحر الزخار] ج2 ص371.

(3) راجع: منتخب كنز العمال [بهامش مسند أحمد] ج5 ص429 وكنز العمال ج11 ص271 ورمز فيه إلى: [ابن راهويه. ش.ع.وصحّح].


الصفحة 154
المارقة ينطبق على هؤلاء، وقال: بعد ذكره لذلك الحديث:

«.. والله إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله»(1).

الرسول اليهودي في أمان:

ومن المفارقات: أن «الخوارج» قد قتلوا رسول علي (عليه السلام) إليهم، وهو الحارث بن مرة العبدي ـ كما أشرنا إليه في فقرة: «الفساد والإفساد». فعاد أمير المؤمنيين (عليه السلام) فأرسل إليهم رسولاً من يهود السواد [وذلك لكي لا يقتلوه كما قتلوا رسوله المسلم؛ فإنهم لا يستحلون قتل غير المسلمين] فطلب منهم أن يبعثوا إليه بقتلة إخوانه، ثم يتركهم إلى أن يفرغ من معاوية.

فبعثوا إليه: كلنا قتلة أصحابك، وكلنا مستحل لدمائهم، مشتركون في قتلهم(2).

والظاهر: أن رسل علي (عليه السلام) إلى «الخوارج» كانوا كثيرين. وقد ذكرت بعض المصادر: أنه (عليه السلام) أرسل إليهم البراء بن عازب، وأنه بقي يدعوهم ثلاثة أيام(3).

____________

(1) المصنف للصنعاني ج10 ص148 وفي هامشه عن المصادر التالية: مسلم ج1 ص343 وفرائد السمطين ج1 ص276 و116 وعن الطبقات الكبرى ج4 – قسم2 ص36 والبيهقي ج8 ص170 وكنز العمال ج11 ص280 ورمز إلى البيهقي، ومسلم، وعبد الرزاق، وخشيش، وابي عوانة، وابن أبي عاصم. وراجع: الرياض النضرة ج3 ص225 ونزل الأبرار ص60 وفي هامشه عن مسلم ج2 ص748.

(2) مروج الذهب ج2 ص405.

(3) تاريخ بغداد ج1 ص 177.

 


الصفحة 155

هذا عدا عن صعصعة، وابن عباس وقيس بن سعد وغيرهم. ممن كانوا مهتمين بمحاججتهم، ومحاولة إقناعهم.

تناقضات في موقف «الخوارج»:

ويذكر المؤرخون، والنص هنا لابن قتيبة: أن الخوارج «.. بينما هم يسيرون، فإذا هم برجل يسوق امرأته على حمار له؛ فعبروا إليه الفرات، فقالوا له: من أنت؟

قال: أنا رجل مؤمن.

قالوا: فما تقول في علي بن أبي طالب؟

قال: أقول: إنه أمير المؤمنين، وأول المسلمين إيماناً بالله ورسوله.

قالوا: فما اسمك؟

قال: أنا عبد الله بن خباب بن الأرت، صاحب رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم.

فقالوا له: أفزعناك؟

قال: نعم.

قالوا: لا روع عليك، حدثنا عن أبيك بحديث سمعه من رسول الله، لعل الله ينفعنا به.

قال: نعم، حدثني عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)، أنه قال: ستكون فتنة بعدي، يموت فيها قلب الرجل، كما يموت بدنه، يمسي مؤمناً، ويصبح كافراً.

فقالوا: لهذا الحديث سألناك. والله، لنقتلنك قتلة ما قتلناها أحداً. فأخذوه وكتفوه. ثم أقبلوا به، وبامرأته، وهي حبلى متم، حتى نزلوا تحت نخل؛ فسقطت رطبة منها؛ فأخذها بعضهم؛ فقذفها في فيه.


الصفحة 156
فقال له أحدهم: بغير حل، أو بغير ثمن أكلتها؟.

فألقاها من فيه.

ثم اخترط بعضهم سيفه، فضرب به خنزيراً لأهل الذمة؛ فقتله.

قال له بعض أصحابه: إن هذا من الفساد في الأرض.

فلقي الرجل صاحب الخنزير، فأرضاه من خنزيره.

فلما رأى منهم عبد الله بن خباب ذلك، قال: لئن كنتم صادقين فيما أرى؛ ما علي منكم بأس. ووالله، ما أحدثت حدثاً في الإسلام، وإني لمؤمن، وقد أمنتموني؛ وقلتم: لا روع عليك.

فجاؤوا به، وبامرأته؛ فأضجعوه على شفير النهر، على ذلك الخنزير، فذبحوه، فسال دمه في الماء.

ثم أقبلوا على امرأته، فقالت: إنما أنا امرأة، أما تتقون الله؟

فبقروا بطنها، وقتلوا ثلاث نسوة؛ فيهن أم سنان، قد صحبت النبي (عليه الصلاة والسلام).

فبلغ علياً خبرهم؛ فبعث إليهم الحارث بن مرة؛ لينظر فيما بلغه من قتل عبد الله بن خباب والنسوة، ويكتب إليه بالأمر.

فلما انتهى إليهم ليسألهم، خرجوا إليه فقتلوه.

فقال الناس:

يا أمير المؤمنين، تدع هؤلاء القوم وراءنا يخلفوننا في عيالنا وأموالنا سيرنا إليهم، فإذا فرغنا منهم نهضنا إلى عدونا من أهل الشام»(1).

____________

(1) راجع: الإمامة والسياسة ج1 ص146/147 والبداية والنهاية ج7 ص288. ومصادر كثيرة أخرى سيأتي شطر منها حين نتحدث عن مفاصل من هذا النص، في دلالاتها في

=>


الصفحة 157

السم في الدسم:

وقد لفت نظرنا ما ذكرته بعض الروايات التي تحدثت عن ابن خباب، فهي تقول: «أتوا على عبد الله بن خباب وهو في قرية له، قد تنحى عن الفتنة، فأخذوه وقتلوه»(1).

ومع أنه سيأتي: في العنوان التالي ما يثبت عدم صحة دعوى اعتزاله في بيته، فإننا نطلب من القارئ الكريم أن يتأمل في هذا الكلام الذي ينضح بالسم، حيث يراد بكلمة «قد تنحى عن الفتنة» الإيحاء بوجود شبهة في صوابية موقف أمير المؤمنين (عليه السلام)، وعدم ظهور الحق لهم حتىصح التعبير عنها بأنها فتنة.. وبذلك يمكن التخفيف من جريمة المارقة، وتوجيه اتهام لأمير المؤمنين (عليه السلام) في قتله إياهم..

ابن خباب من عمال أمير المؤمنيين (عليه السلام):

وإذا كانت هذه الرواية تقول: إنهم قد أتوا ابن خباب إلى منزله، فاستخرجوه، وقتلوه.. فإن ثمة نصوصاً أخرى تقول:

إنه كان مستطرقاً، ومعه زوجته أو أم ولده، فالتقوه وقتلوه..ولعل هذا لا يختلف عن قولهم:

إن الصريم لقي عبد الله بن خباب بالبدار ـ قرية بالبصرة ـ وهو متوجه إلى علي (عليه السلام) بالكوفة، معه امرأته، وولده، وجاريته(2).

____________

<=

الفصول المختلفة.

(1) كنز العمال ج11 ص27 عن مصادر كثيرة مثل: مسدد، والطيالسي، وخشيش في الاستقامة عن أبي مجلز. ورواه ابن النجار، عن يزيد بن رويم.

(2) مجمع الزوائد ج6 ص230.


الصفحة 158
وفي نص آخر: إن علياً (عليه السلام) كان قد أرسله عاملاً عليهم فقتلوه(1).

وهذا النص لا يتعارض مع النص الآخر الذي يقول: «.. أرسله إليهم علي فقتلوه. فأرسل إليهم: أقيدونا بعبد الله فقالوا: كيف نقيدك، وكلنا قتله؟!»(2).

هذا.. وقد صرح ابن شهر آشوب: بأنه كان عاملاً لعلي (عليه السلام) على النهروان(3).

وإن كان المسعودي يقول: إنه رحمه الله كان عاملاً لعلي (عليه السلام) على المدائن(4).

والظاهر: أن المسعودي يتحدث عن مرحلة سابقة. بحيث يكون عاملاً لأمير المؤمنيين (عليه السلام) على المدائن مدة، ثم صار عاملاً له على النهروان..

ولنا أن نحتمل: أن ولايته على النهروان لم تتم، إن أخذنا بنظر الاعتبار تعبير الطوسي رحمه الله بأن علياً (عليه السلام) قد أرسله عاملاً عليهم، فقتلوه..

تخصيص المطالبة بابن خباب:

إن مراجعة كتب التاريخ تعطينا:

____________

(1) المبسوط للشيخ الطوسي ج7 ص270.

(2) تهذيب الكمال ج14 ص447.

(3) مناقب آل أبي طالب ج3 ص188.

(4) مروج الذهب ج2 ص404.


الصفحة 159
أن «الخوارج» قد قتلوا حتى رسل علي (عليه السلام) إليهم، وهو أمر يرفضه الوجدان الإنساني، وجريمة يأنف من ارتكابها حتى أهل الجاهلية.. بل لقد قتلوا النساء والأطفال. الأمر الذي يربأ بنفسه من ارتكابه حتى أحط الناس وأرذلهم..

فهل يتورعون بعد هذا عن قتل إنسان مستطرق، ثم بقر بطن امرأته. فكيف إذا كان عاملاً لعلي (عليه السلام) فعلاً، أو حتى فيما سبق؟كما ذكرته بعض الروايات.

ولعل مطالبته (عليه السلام) بقتلة ابن خباب إنما كانت من جهة أنهم كانوا قد بدأوا جرائمهم به وبأم ولده..

وإلا، فإن أمير المؤمنين (عليه السلام) لم يكن يميز بين مسلم ومسلم، في التزام توفير الأمن له، وفي الاقتصاص ممن يعتدي عليه..

ويدلنا على ذلك موقفه (عليه السلام) ممن يعتدي على المرأة المعاهدة، فيأخذ منها بعض حليها، دون أن يعترضه أحد حيث اعتبر أنه لو أن امرءاً مسلماً مات من هذا أسفاً ما كان عنده ملوماً، بل كان به جديراً.. (1)

مع أن المرأة المعاهدة ليست على دينه، ولا هي في درجة المرأة المسلمة، ولا هو مسؤول عن حمايتها..

كما أن الذي يموت أسفاً هو إنسان مسلم له كرامته الكبيرة عند

____________

(1) راجع: نهج البلاغة ج1 ـ الخطبة 27 وهي خطبة الجهاد وراجع: عيون الأخبار لابن قتيبة ج2 ص236 والأخبارالطوال ص211 والكامل في الأدب ج1 والعقد الفريد ج4 ص69 والكافي ج5 ص4 والأغاني ج15 ص45 ومقاتل الطالبيين ص27 ومعاني الأخبار ص309 وأنساب الأشراف ج2 ص442 والبيان والتبيين ج1 ص170 والغارات للثقفي وغير ذلك.


الصفحة 160
الله، ومع أن الاعتداء على تلك المرأة لم يصل إلى درجة قتلها، ولا جرحها، ولا هتك حرمتها بالاعتداء على عرضها مثلاً، ولو في أدنى مستوياته، بل كان بسبب أخذ بعض حليها منها.

خوارج البصرة هم المفسدون:

وقد ذكرت بعض النصوص: أن خوارج البصرة هم الذين قتلوا ابن خباب. وقد احتج عمر بن عبد العزيز على اثنين من «الخوارج» فقال: «فأخبراني عن أهل النهروان، وهم أسلافكم، هل تعلمان أن أهل الكوفة خرجوا فلم يسفكوا دماً، ولم يأخذوا مالاً. وأن من خرج إليهم من أهل البصرة قتلوا عبد الله بن خباب وجاريته، وهي حامل؟!

قالا: نعم..»(1).

وفي نص أن عمر بن عبد العزيز احتج على بعض «الخوارج»؛ فكان مما قال: «فأهل النهروان خرج أهل الكوفة منهم، فلم يقتلوا ولا استعرضوا، وخرج أهل البصرة فقتلوا عبد الله بن خباب، وجارية حاملاً، ولم يتبرأ من لم يقتل ممن قتل واستعرض»(2).

وقال ابن الأثير: «قيل: لما أقبلت الخارجة من البصرة، حتى دنت من النهروان رأى عصابة منهم رجلاً يسوق امرأة على حمار، فدعوه، فانتهروه، وأفزعوه..»(3).

____________

(1) الكامل في التاريخ ج5 ص47.

(2) العبر وديوان المبتدأ والخبر ج3 ص162.

(3) الكامل في التاريخ ج3 ص341 وأنساب الأشراف ج2 ص367 و368.


الصفحة 161
ثم ذكر ما جرى له، وقتلهم إياه.

أضاف نص آخر: «أنهم سألوه عن أبي بكر وعمر، وعثمان، وعلي، فأثنى عليهم خيراً، فذبحوه فسال دمه في الماء، وقتلوا المرأة وهي حامل متم. فقالت: أنا امرأة، ألا تتقون الله، فبقروا بطنها، وذلك سنة سبع وثلاثين»(1).

ونقول:

إننا لا نملك تفسيراً لهذا الفرق الظاهر بين سلوك خوارج البصرة وخوارج الكوفة، سوى أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد عاش مع أهل الكوفة، وعرفوا الكثير من القيم والمبادئ والأخلاق من خلاله (عليه السلام)، فهو القائل لأهل العراق: «وركزت فيكم راية الإيمان، وعرفتكم حدود الحلال والحرام » فتأثير علي (عليه السلام) فيهم، قد أوجب اختلاف حالاتهم وممارساتهم، كما رأينا..

الكوفيون.. وقتال «الخوارج»:

ثم إن النص الذي قدمناه تحت عنوان تناقضات في موقف «الخوارج»، قد صرحت الفقرة الأخيرة منه بأن أهل الكوفة (الناس) هم الذين طلبوا من أمير المؤمنين (عليه السلام) أن يبادر إلى دفع شر «الخوارج»، بعد أن أفسدوا في الأرض، بقتلهم الأبرياء، وقطعهم السبيل.

مع أن بعض النصوص تقول: إن علياً (عليه السلام) قد بذل جهداً كبيراً في بعث الناس لقتالهم.. وان الذين أجابوه كانوا جماعة يسيرة..

فأي ذلك هو الذي كان؟!

____________

(1) أسد الغابة ج3 ص150.


الصفحة 162
إننا في مقام الإجابة على هذا السؤال نقول:

إن كثيرين من الذين خرجوا على أمير المؤمنين (عليه السلام) كانوا بالنسبة إلى الكوفيين ـ وهم جيش علي (عليه السلام) ـ الابناء، والإخوان، وذوي القربى.. إذن، فقد كان من الطبيعي أن يترددوا ويتباطؤا في الإقدام على قتال جيش يضم كثيرين من هؤلاء. فكيف إذا فرض أن يكون هذا القتال شرساً وضارياً إلى حد أن تُستأصل شأفتهم أو تكاد؟!

ولأجل ذلك، ولأنه لا مجال للقصاص قبل الجناية فقد كان من الطبيعي أن يمهل علي (عليه السلام) «الخوارج»، ويتركهم، ويتحمل ما يواجهونه به من أذى مادام أنهم لم يخلّوا بالأمن، ولم يخرجوا عن دائرة الانضباط.

أما حين ارتكبوا الجرائم والعظائم، وأفسدوا حياة الناس، فإن عليه من موقع كونه المسؤول الأول عن حياة الناس، وعن أمنهم بمختلف وجوهه أن يعيد الأمور إلى نصابها، وأن يطالبهم بإنصاف الناس من أنفسهم.

حتى إذا ظهر إصرارهم على التزام خط الفساد والافساد، لم يبادر إلى الانتقام لنفسه، بل عفا عنهم في كل ما آذوه به، ولكنه بالنسبة لحفظ الواقع العام أوقع بهم العقوبة الإلهية التي يستحقونها.

وقد ساعد ما أظهره «الخوارج» من قوة وغلظة، وإصرار على هتك الحرمات، وعلى ارتكاب أعظم الموبقات ـ قد ساعد الكوفيين على تلمّس خطرهم العظيم، وإدراك أن الناس إذا كانوا يحبون الراحة، فإن عليهم أن يعرفوا أن الذهاب إلى حرب معاوية معناه أن يواجهوا خطرين.

أحدهما: أمامهم وهو معاوية.

والآخر: خلفهم وهو «الخوارج».


الصفحة 163
وسيكون خطر «الخوارج» أشد لأنه يتهدد العيال والذرية والأموال. فعليهم أن يختاروا درأ هذا الخطر أولاً.. ويبقى خطر معاوية بانتظار عزمة صادقة من عزمات أهل الإيمان والنجدة.

ولن يفيدهم شيئاً إصرارهم على التثاقل عن مواجهته. بل هو سيوقعهم ربما بأعظم الكوارث، وأشد النكبات، وقد حصل ذلك بالفعل؛ وذلك بعد شهادة أمير المؤمنين (عليه السلام). وبعد ما جرى للإمام الحسن الزكي صلوات الله عليه.

ما جرى..

ولكن رغم ذلك كله.. فإن إدراك الكوفيين لهذه الحقيقة لم يفد في إيجاد الحماس لديهم لقتال «الخوارج»، وذلك لأكثر من سبب، والشاهد على ذلك أنه حين خطبهم علي (عليه السلام) قبل خروجه إلى النهروان لم يجبه إلا اليسير منهم(1).

وقد رضي أمير المؤمنيين (عليه السلام) بمن أجابه، وسار بهم إلى حرب «الخوارج» في النهروان. وكان الذين نفروا معه لا يتجاوزون الأربعة آلاف مقاتل، كما ورد في بعض النصوص، وقيل غير ذلك..

وكان لابد له (عليه السلام) من أن يعمل على ترسيخ يقين أصحابه بحقانية هذه الحرب، بما كان يملكه من حجج قاطعة لأي عذر، ومزيلة لأي ريب وقد تمكن من ذلك بالفعل، وأعانه «الخوارج» على أنفسهم.. إلى حد أن أهل الكوفة رضوا باستئصال شأفة «الخوارج» أو كادوا، دون أن يجدوا في أنفسهم أي حرج أو أسف.. ودون أن يصدر منهم أي

____________

(1) الفتوح لابن اعثم ج4 ص100.


الصفحة 164
اعتراض ذي بال..

وقد حسم الأمر بصورة قاطعة ونهائية ما ظهر لهم بما لا مجال فيه للريب أو للشك من أن النبي (صلى الله عليه وآله) قد أخبر بقتلهم، وهذا ما أكدته لهم العلامات المتصلة بالغيب التي عاينوها في أكثر من موقف في سير الأحداث مع هؤلاء القوم..

ولم يكن إخباره (عليه السلام) للناس بصورة قاطعة بعدم عبور «الخوارج» للنهر هو الأول، ولا كان كشف حقيقة ذي الثدية هو آخر هذه الإخبارات الغيبية التي ساعدت على حسم الأمر بصورة نهائية في عقل ووجدان الناس الذين قتلوا «الخوارج» أو قاتلوهم معه.

وكان الذي أقنعهم بالمسير إلى «الخوارج» هو إخباره (عليه السلام) للناس بأمر ذي الثدية، وأنه في «الخوارج»، فقد روي عن زيد بن وهب الجهني: أنه كان في الجيش مع علي كرم الله وجهه، الذين ساروا إلى «الخوارج»، فقال علي كرم الله وجهه: أيها الناس، إني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: «يخرج قوم من أمتي يقرؤون القرآن ليس قراءتكم إلى قراءتهم بشيء، ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء، يقرؤون القرآن يحسبون أنه لهم، وهو عليهم، لا تجاوز صلاتهم تراقيهم، يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية، لو يعلم الجيش الذين يصيبونهم ما قضي لهم على لسان نبيهم (صلى الله عليه وآله) لا اتكلوا على العمل.

وآية ذلك: أن فيهم رجلاً له عضد ليس له ذراع، على رأس عضده مثل حلمة الثدي، عليه شعرات بيض.


الصفحة 165
فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام، تتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم؟!

والله، إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس، فسيروا على اسم الله.

قال زيد بن وهب: فلما التقينا وعلى «الخوارج» يومئذٍ عبد الله بن وهب الراسبي، فقال لهم: ألقوا الرماح، وسلوا سيوفكم من جفونها، فإني أخاف أن يناشدكم يوم حروراء(1).

فرجعوا ورموا برماحهم، وسلوا السيوف. وشجرهم الناس برماحهم.

قال: وقتل بعضهم إلى بعض، وما أصيب من الناس يومئذٍ إلا رجلان.

فقال علي كرم الله وجهه: التمسوا فيهم المخدج، فالتمسوه فلم يجدوه.

فقام علي كرم الله وجهه بنفسه حتى أتى ناساً قد قتل بعضهم على بعض، قال: أخرجوهم، فوجدوه مما يلي الأرض، فكبر، ثم قال: صدق الله، وبلغ رسوله.

فقام إليه عبيدة السلماني، فقال: يا أمير المؤمنين، بالله الذي لا إله إلا هو، لسمعت هذا الحديث عن رسول الله (صلى الله عليه وآله)؟! فقال: أي والله الذي لا إله إلا هو.. حتى استحلفه ثلاثاً، وهو يحلف له»(2).

كما أنه (عليه السلام) قد قال لأصحابه: حين انتهى من قتال «الخوارج» ولم يجدوا في بادئ الأمر ذا الثدية: ائتوني بالبغلة فإنها هادية

____________

(1) في صحيح مسلم: أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء. وهو الصحيح.

(2) نزل الأبرار ص60 و61 وفي هامشه عن صحيح مسلم ج2 ص748 و749.


الصفحة 166
مهدية. فأتوه بها فركبها.. ثم تذكر الرواية عثورهم على المخدج..

وسيأتي: أنها كانت بغلة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وسلم(1).

وعلى كل حال: فإن النص القائل بأن أهل الكوفة هم الذين طلبوا البدء بقتال «الخوارج» (2) فهو إن صح، فإنما كان بعد أن رأوا ان امتناعهم عن ذلك سوف يؤدي بهم إلى مواجهة خطرين لا قبل لهما بهما، هما معاوية من جهة، و«الخوارج» من جهة. وقد أوضح لهم ذلك (عليه السلام) بصورة جلية بعد أن ذكر لهم (عليه السلام) حديث ذي الثدية حيث قال: «افتذهبون إلى معاوية واهل الشام، وتتركون هؤلاء يخلفونكم في دياركم وأموالكم؟ والله، إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم، فإنهم قد سفكوا الحرام، وأغاروا في سرح الناس»(3).

وفي نص آخر: «لما خرجت «الخوارج» بالنهروان قام علي رضي الله عنه في

____________

(1) راجع: كنز العمال ج11 ص275 ومجمع الزوائد ج6 ص41 عن الطيالسي والمحاسن والمساوئ ج2 ص99 وخصائص الإمام علي (عليه السلام) للنسائي ص144 وفي هامشه عن تاريخ بغداد ج7 ص237 وج1 ص160.

(2) راجع: الفخري في الآداب السلطانية ص94 وراجع الكامل في التاريخ ج3 ص342 والبداية والنهاية ج7 ص288 وأنساب الأشراف ج2 ص368.

(3) المصنف للصنعاني ج10ص148 وفي هامشه عن السنن الكبرى ج8 ص170 وعن مسلم ج1ص343 وراجع: كنز العمال ج11 ص271 و280 عن خشيش، وابي عوانة، وعبد الرزاق، ومسلم وابن أبي عاصم والبيهقي، وعن ابن راهويه، وابن أبي شيبة وغيرهما ومنتخب كنز العمال [مطبوع بهامش مسند أحمد] ج5 ص429 والرياض النضرة ج3 ص225 ونظم درر السمطين ص116 ومجمع الزوائد ج6ص238 وفرائد السمطين ج1 ص286 ونزل الأبرار ص60 وكفاية الطالب ص177 والبداية والنهاية ج7ص291 وراجع مسند أحمد ج1 ص91 و92.


الصفحة 167
أصحابه فقال: إن هؤلاء القوم قد سفكوا الدم الحرام، وأغاروا في سرح الناس. وهم أقرب العدو إليكم. وإن تسيروا إلى عدوكم أنا أخاف أن يخلفكم هؤلاء في أعقابكم الخ..»(1).

فأدركوا: أن عليهم أن يطيعوا علياً فيما يأمرهم به، فإنه الصواب بعينه، وهكذا كان.

____________

(1) مسند أحمد ج1 ص91.


الصفحة 168

الصفحة 169
 

الفصل الثالث:
في المواجهة


الصفحة 170

الصفحة 171

الجيشان:

سيأتي أن عدد «الخوارج» الذين قتلوا في النهروان كان يتراوح ما بين الألف وخمس مئة قتيل، وعشرة آلاف. ورقم الأربعة آلاف هو المرجح من بين تلك الأقوال لدى عدد من المؤرخين.

وإذا كان الذين قتلوا هم جميع جيشهم، ولم يفلت منهم إلا أقل من عشرة، فانه يصبح واضحاً أن هذا الرقم بالذات هو عدد جيشهم في واقعة النهروان.

وأما بالنسبة لعدد جيش علي (عليه السلام)، فإنه كان قليلاً فقد كان معه (عليه السلام) جمعية يسيرة، لأنه إنما جاء ليردهم بالكلام حسبما قاله ابن حبان(1)..

وأما قول بعضهم إن عدد جيشه (عليه السلام) كان اثني عشر ألفاً(2)، فهو بعيد.

ويؤيد قول ابن حبان: أن ابن اعثم يذكر: أن أمير المؤمنين (عليه السلام) قد بذل محاولات جادة لجمع الناس لحرب «الخوارج»، وخطب

____________

(1) الثقات ج2 ص296.

(2) أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص271..


الصفحة 172
الناس لأجل ذلك عدة مرات.

وبعد خطبته الثالثة: أجابه الناس سراعاً، فاجتمع إليه أربعة آلاف رجل، أو يزيدون، قال: فخرج بهم من الكوفة وبين يديه عدي بن حاتم الطائي، يرفع صوته، وهو يقول:


نسير إذا ما كاع قوم وبلدوابرايات صدق كالنسور الخوافق(1)

ويشهد لذلك أيضاً، ما عرفناه، عن أهل العراق، من أنهم بعد حرب صفين كانوا شديدي التخاذل عن الحرب، وأن علياً (عليه السلام) قد لاقى الأمرين في استنفارهم لحرب معاوية، ولم يتمكن من ذلك حتى استشهد صلوات الله وسلامه عليه، والغصة في قلبه والشكوى منهم على لسانه.

علي (عليه السلام) والمنجم:

وروى ابن ديزيل قال: عزم علي (عليه السلام) على الخروج من الكوفة إلى الحرورية. وكان في أصحابه منجّم، فقال له: يا أمير المؤمنين، لا تسر في هذه الساعة، وسر على ثلاث ساعات مضين من النهار، فإنك إن سرت في هذه الساعة أصابك وأصحابك أذى، وضر شديد، وإن سرت في الساعة التي أمرتك بها ظفرت وظهرت، وأصبت ما طلبت.

فقال (عليه السلام): أتدري ما في بطن فرسي هذه، أذكر هو أم أنثى؟

قال: إن حسبت علمت.

فقال علي (عليه السلام): من صدقك بهذا فقد كذب القرآن، قال الله تعالى:

____________

(1) الفتوح لابن اعثم ج4 ص105..


الصفحة 173
(إن الله عنده علم الساعة، وينزل الغيث، ويعلم ما في الأرحام)، الآية.

ثم قال (عليه السلام):

إن محمداً صلى الله عليه ما كان يدعي علم ما ادّعيت علمه، اتزعم أنك تهدي إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها؟ وتصرف عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها؛ فمن صدقك بهذا فقد استغنى عن الاستعانة بالله جل ذكره في صرف المكروه عنه.

وينبغي للموقن بأمرك أن يوليك الحمد دون الله جل جلاله؛ لأنك بزعمك هديته إلى الساعة التي يصيب النفع من سار فيها، وصرفته عن الساعة التي يحيق السوء بمن سار فيها. فمن آمن بك في هذا لم آمن عليه أن يكون كمن اتخذ من دون الله ضداً ونداً.

اللهم لا طير إلا طيرك، ولا ضر إلا ضرك، ولا إله غيرك.

ثم قال: نخالف ونسير في الساعة التي نهيتنا عنها.

ثم أقبل على الناس فقال:

أيها الناس، إياكم والتعلم للنجوم إلا ما يهتدى به في ظلمات البر والبحر، إنما المنجم كالكاهن، والكاهن كالكافر، والكافر في النار.

أما والله لئن بلغني أنك تعمل بالنجوم لأخلدنك السجن أبداً ما بقيت، ولأحرمنك العطاء ما كان لي من سلطان.

ثم سار في الساعة التي نهاه عنها المنجم، فظفر بأهل النهر، وظهر عليهم.

ثم قال: لو سرنا في الساعة التي أمرنا بها المنجم لقال الناس: سار في الساعة التي أمر بها المنجم، فظفر وظهر. أما أنه ما كان لمحمد

الصفحة 174
صلى الله عليه منجم ولا لنا من بعده، حتى فتح الله علينا بلاد كسرى وقيصر. أيها الناس توكلوا على الله، وثقوا به فإنه يكفي ممن سواه(1).

وإن هذا البيان المسهب منه (عليه السلام) يغني عن أي بيان، بل هو أغنى بيان وأوفاه فكل لسان سواه عييّ، وكل من يدعي المعرفة عنده غبي، فصلوات الله وسلامه عليه وعلى الأئمة من ولده الطاهرين.

التحدي الفاشل لليقين بالغيب:

قد ذكرت النصوص: أن الحرورية جاءوا فكانوا أولاً من وراء النهر، فأخبروا علياً بذلك. فقال: والله، لايقتل اليوم رجل من وراء النهر.

فقالوا له: قد نزلوا: فأعاد (عليه السلام) قوله هذا.. ثم أعادوا قولهم، فكرر (عليه السلام) مقالته.

وقالت الحرورية، بعضهم لبعض: يرى علي أنا نخافه؟!.. فأجازوا أي عبروا النهر.

فقال (عليه السلام) لأصحابه: «لا تحركوهم حتى يحدثوا».

ثم تذكر الرواية: أنهم ذهبوا إلى منزل ابن خباب، وكان على شط الفرات، فأخرجوه.. ثم قتلوه وشقوا عما في بطن أم ولده.

فطالبهم (عليهم السلام) بقاتله، فقالوا: كلنا قتله.. فأعادوا عليهم ذلك ثلاثاً، فسمعوا نفس الإجابة. فقتلوهم جميعاً، ثم طلب منهم أن يطلبوا المخدج في القتلى، فقالوا: ما وجدنا، فقال: والله ما كذبت ولا كذبت.. ثم

____________

(1) شرح النهج للمعتزلي ج2 ص270.


الصفحة 175
تذكر الرواية أنه (عليه السلام) بحث بين القتلى حتى وجده في حفرة فيها قتلى كثير الخ..(1).

فترى انه (عليه السلام) لا يقبل ما أخبروه به من أنهم قد عبروا النهر، ويقسم أنه لا يقتل رجل من وراء النهر.

بل إنه يحدد موقع قتلهم بصورة دقيقة وواضحة، بعد أن أقسم له من أخبره ثلاث مرات: أنه رآهم قد عبروا النهر، لما بلغهم وصوله (عليه السلام) خوفاً من قتاله. فلا يقبل منه، ويقسم على عدم صحة ما أخبره به، وذلك في النص التالي:

وذكر المدائني قال: لما خرج علي (عليه السلام) إلى أهل النهر أقبل رجل من أصحابه ممن كان على مقدمته يركض، حتى انتهى إلى علي (عليه السلام)، فقال:

البشرى يا أمير المؤمنين.

قال: ما بشراك؟

قال: إن القوم عبروا النهر لما بلغهم وصولك؛ فأبشر؛ فقد منحك الله أكتافهم.

فقال له: الله! أنت رأيتهم عبروا؟!

قال: نعم.

فأحلفه ثلاث مرات، في كلها يقول: نعم.

فقال علي (عليه السلام): والله، ما عبروه، ولن يعبروه، وإن مصارعهم لدون النطفة. والذي فلق الحبة، وبرأ النسمة لن يبلغوا الأثلاث، ولا قصر

____________

(1) راجع: تاريخ بغداد ج1 ص205ز206 وراجع ج2 ص290 و291 وأمثال هذا الحديث مذكور في عشرات المصادر التي تتحدث عن حرب النهروان..

 


الصفحة 176
بوازن حتى يقتلهم الله، وقد خاب من افترى.

قال: ثم أقبل فارس آخر يركض، فقال كقول الأول، فلم يكترث علي (عليه السلام) فجال في متن فرسه.

قال: فيقول شاب من الناس: والله لأكونن قريباً منه، فإن كانوا عبروا النهر لأجعلن سنان هذا الرمح في عينه. أيدعي علم الغيب؟!

فلما انتهى (عليه السلام) إلى النهر وجد القوم قد كسروا جفون سيوفهم، وعرقبوا خيولهم، وجثوا على ركبهم، وحكموا تحكيمة واحدة، بصوت عظيم، له زجل.

فنزل ذلك الشاب: فقال: يا أمير المؤمنين، إني كنت شككت فيك آنفاً، وإني تائب إلى الله وإليك!

فقال علي (عليه السلام): إن الله هو الذي يغفر الذنوب، فاستغفره(1).

إذا عرف السبب بطل العجب:

ويوضح بعضهم السبب في الاعتقاد بأنهم قد عبروا النهر على النحو التالي: «إن الخوارج قصدوا جسر النهر، وكانوا غربه، فقال لعلي أصحابه: إنهم قد عبروا النهر.. فقال: لن يعبروا.

فأرسلوا طليعة، فعاد وأخبرهم انهم عبروا النهر.

وكان بينهم وبينه عطفة من النهر، فلخوف الطليعة منهم لم يقربهم؛

____________

(1) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص272 عن المدائني في كتاب الخوارج. ومناقب علي بن أبي طالب لابن المغازلي ص406 و407 وراجع الفتوح لابن اعثم ج4 ص120..


الصفحة 177
فعاد فقال: إنهم قد عبروا النهر.

فقال علي: والله ما عبروه، وإن مصارعهم لدون الجسر، والله، لا يقتل منكم عشرة، ولا يسلم منهم عشرة.

فتقدم علي إلى «الخوارج»، فرآهم عند الجسر لم يعبروه.

وكان الناس قد شكوا في قوله، وارتاب به بعضهم. فلما رأوا «الخوارج» لم يعبروا كبروا، وأخبروا علياً بحالهم، فقال: والله، ما كذبت ولا كذبت الخ..»(1).

ومن كل هذا يتجلى لهم يقين علي (عليه السلام) بالغيب الذي يخبرهم به، حتى إنه لا يتزعزع حتى مع تعدد المخبرين بخلافه، وحتى مع حلفهم ثلاث مرات على صحة ما يخبرون به.

وذلك لأنه (عليه السلام) يرى الأمور على حقيقتها، إلى درجة أنه لو كشف له الغطاء، ما ازداد يقيناً.

احتجاجات علي (عليه السلام) وتراجعات «الخوارج»:

لقد كانت احتجاجات علي (عليه السلام) وأصحابه على «الخوارج» كثيرة، وكانت لها آثارها الإيجابية الكبيرة.. حيث رجع منهم الألوف التي قد تصل إلى العشرين ألفاً حسب بعض النصوص.

وقد ذكرنا شطراً من تلك الاحتجاجات في فصل مستقل غير اننا نشير هنا إلى بعض ما يكشف لنا حجم تأثير تلك الاحتجاجات، وذلك من خلال تراجع الألوف من «الخوارج» بسبب تلك الاحتجاجات، فنقول:

إنهم يروون: أنه بسبب احتجاجات ابن عباس على الخوارج «رجع

____________

(1) الكامل في التاريخ ج3 ص345.


الصفحة 178
منهم عشرون ألفاً، وبقي منهم اربعة آلاف فقتلوا»(1).

وقال ابن اعثم، وابن شهر آشوب، والإربلي: «استأمن إليه منهم ثمانية آلاف، وبقي على حربه آربعة آلاف»(2).

وقيل: «بل استأمن إليه منهم ألفان»(3).

وقال أبو وائل: «خرجنا أربعة آلاف فخرج إلينا علي، فما زال يكلمنا حتى رجع منا ألفان»(4).

وذكر ابن عساكر: أنه قد نتج عن الاحتجاج عليهم أن «رجع ثلثهم، وانصرف ثلثهم، وقتل سائرهم على ضلالة»(5).

غير أن البعض يذكر: ان احتجاج ابن عباس عليهم في حروراء لم يؤثر شيئاً، وطلبوا علياً ليكلمهم، فلما كلمهم علي (عليه السلام) رجع ابن الكواء، وعشرة من أصحابه(6)، وأقام الباقون على غيهم. وأمَّروا عليهم الراسبي، وعسكروا بالنهروان، فسار إليهم علي (عليه السلام) حتى بقي على فرسخين منهم. وكاتبهم، وراسلهم، فلم يرتدعوا.

فأرسل إليهم ابن عباس، فكلمهم وكان علي (عليه السلام) وراءه يسمع ما

____________

(1) مجمع الزوائد ج6 ص241 وقال: رواه الطبري، وأحمد بعضه، ورجالهما رجال للصحيح.

(2) الفتوح ج4 ص125 والمناقب لابن شهر آشوب ج3 ص189، وكشف الغمة ج1 ص365 و367.

(3) مصادر هذا النص كثيرة فراجع: الخصائص للنسائي ص147، وشرح النهج للمعتزلي ج4 ص99 وستأتي مصادر أخرى إن شاء الله تعالى..

(4) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج4 ص99..

(5) ترجمة الإمام علي من تاريخ دمشق [بتحقيق المحمودي] ج3 ص152..

(6) راجع: كشف الغمة للأربلي ج1 ص264 و265.


الصفحة 179
يقولون.

فتقدم علي (عليه السلام) إليهم، فكلموه، وذكروا ما نقموه عليه، فأجابهم عنها، فاستأمن ثمانية آلاف.

فأمرهم بأن يعتزلوه في ذلك الوقت، ثم حارب الباقين، فقتلهم. وكانوا أربعة آلاف(1).

ولعل بعض المؤرخين يتحدث عن مرحلة وواقعة، ويتحدث غيره عن مرحلة وواقعة أخرى، فإن الألفين إنما رجعوا حين كلمهم ابن عباس. ويبدو أن ذلك كان بتوجيه وتلقين مباشر حيناً، وبمشاركة حيناً آخر من أمير المؤمنين (عليه السلام) نفسه.

ونسجل ملاحظة هنا: وهي أن من يراجع احتجاجات ابن عباس يجد أنها قوية وحاسمة، وقد نص عدد من المؤرخين على ان ألفين على الأقل قد رجعوا نتيجة لتلك الاحتجاجات فلا يصح قولهم: إن احتجاجاته لم تؤثر شيئاً.

ويقال: إنه بعد أن احتج عليهم ابن عباس: «رجع عبد الله بن الكواء في ألفي رجل، وبقي الباقون، وأمروا عليهم عبد الله بن وهب الراسبي، ثم سمّوا الراسبية. ثم أخذوا في الفساد؛ فقال علي (عليه السلام): دعوهم.

حتى إذا أخذوا الأموال وسفكوا الدماء، ومروا بالمدائن ولقيهم عبد الله بن خباب..».

إلى أن يقول النص: «فقتلوه، وبقروا عن بطن امرأته، وقتلوا نسوة، وولداناً؛ فخرج إليهم، وقال:

إدفعوا إلينا قتلة إخواننا، ونحن تاركوكم.

____________

(1) راجع: كشف الغمة ج1 ص265 و267.


الصفحة 180
فأبوا عليه، وثاروا به؛ فتهيأ علي (عليه السلام) لقتالهم، ودعا المسلمين إليهم؛ فقتلهم بالنهروان»(1).

بهذا وعظهم (عليه السلام):

قد عرفنا أنه (عليه السلام) قد خطب «الخوارج» بخطب ذات عدد، وأنه قد ردهم بكلامه الحلو في غير موطن.. مما يعني أن تجمع النهروان لم يكن هو الأول، ولا كان هو الأخير في سلسلة بغيهم على إمامهم، وجمعهم الجموع لحربه (عليه السلام).

ونورد هنا فقرة واحدة مما خطبهم (عليه السلام) يوم النهروان، فقد قال:

«نحن أهل بيت النبوة، وموضع الرسالة، ومختلف الملائكة، وعنصر الرحمة، ومعدن العلم والحكمة، نحن أفق الحجاز، بنا يلحق البطيء، وإلينا يرجع التائب»(2).

ويلاحظ: أن هذه هي نفس كلمات الإمام الحسين (عليه السلام)، التي واجه بها الوليد بن عتبة، حين طلب منه البيعة ليزيد لعنه الله. ثم يلاحظ: أن هذه الصفات تناقض تماماً صفات «الخوارج»، حسبما سيأتي بعض التوضيح له في فصول هذا الكتاب..

آخر ما وعظهم به علي (عليه السلام):

«لما استوى الصفان بالنهروان تقدم أمير المؤمنين علي بن أبي

____________

(1) البدء والتاريخ ج5 ص136 و137..

(2) راجع: نهج البلاغة ج2 ص283..


الصفحة 181
طالب (عليه السلام) بين الصفين، ثم قال:

أما بعد.. أيتها العصابة التي أخرجتها عادة المراء والضلالة، وصدف بها عن الحق الهوى والزيغ، إني نذير لكم أن تصبحوا غداً صرعى بأكناف هذا النهر، أو بملطاط من الغائط، بلا بينةٍ من ربكم، ولا سلطان مبين.

ألم أنهكم عن هذه الحكومة، وأحذركموها، وأعلمكم أن طلب القوم لها دهن منهم، ومكيدة. فخالفتم أمري، وجانبتم الحزم فعصيتموني، حتى أقررت بأن حكمت، وأخذت على الحكمين، فاستوثقت، وأمرتهما أن يحييا ما أحيا القرآن، ويميتا ما أمات القرآن، فخالفاً أمري، وعملا بالهوى، ونحن على الأمر الأول، فأين تذهبون، وأين يتاه بكم».

ثم تذكر الرواية: أن خطيبهم طلب من علي (عليه السلام) أن يتوب من الكفر كما تابوا فقال علي (عليه السلام): أصابكم حاصب ولا بقي منكم وابر، أبعد إيماني بالله، وجهادي في سبيل الله، وهجرتي مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) أقر بالكفر؟! لقد ضللت إذاً وما أنا من المهتدين، ولكن منيت بمعشر أخفّاء الهام سفهاء الأحلام، والله المستعان.

ثم حمل عليهم، فهزمهم(1) وسنتحدث عن بعض تفاصيل الحرب فيما يأتي

____________

(1) الموفقيات ص325 و327 والخطبة موجودة في تاريخ الأمم والملوك ج4 ص62 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج1 ص458 والإمامة والسياسة ج1 ص109 والمستدرك على نهج البلاغة ص68 راجع الأخبار الطوال ص207 و208.


الصفحة 182

كيفية إقرارهم بقتل ابن خباب:

وقد بادر أمير المؤمنين (عليه السلام) إلى انتزاع اعتراف من القتلة بما صدر عنهم، حيث يقول النص التاريخي: إنه (عليه السلام) قال: «الله أكبر، نادوهم: اخرجوا إلينا قاتل عبد الله بن خباب. قالوا: كلنا قتله، فناداهم ثلاثاً كل ذلك يقولون هذا القول»(1).

وفي نص آخر: أنه (عليه السلام) قال: «.. أيكم قتل عبد الله بن خباب بن الأرت وزوجته، وابنته، يظهر لي أقتله بهم، وأنصرف عهداً إلى مدة، حكم الله أنتظر فيكم؟

فنادوا: كلنا قتل ابن خباب، وزوجته، وابنته، وأشرك في دمائهم.

فناداهم أمير المؤمنين: إظهروا إلي كتائب، وشافهوني بذلك؛ فإني أكره أن يقر به بعضكم في الضوضاء، ولا يقر بعض ولا أعرف ذلك في الضوضاء، ولا استحل قتل من لم يقر بقتل من أقر، لكم الأمان حتى ترجعوا إلى مراكزكم كما كنتم.

ففعلوا، وجعلوا كلما جاء كتيبة، سألهم عن ذلك؛ فإذا أقروا عزلهم ذات اليمين، حتى أتى على آخرهم.

ثم قال: إرجعوا إلى مراكزكم. فلما رجعوا ناداهم ثلاث مرات: رجعتم كما كنتم قبل الأمان من صفوفكم؟

فنادوا كلهم: نعم.

فالتفت إلى الناس؛ فقال: الله أكبر، الله أكبر، والله، لو أقر بقتلهم

____________

(1) تاريخ بغداد ج1 ص206.


الصفحة 183
أهل الدنيا، وأقدر على قتلهم لقتلتهم، شدوا عليهم، فأنا أول من شد عليهم.

وعزل بسيف رسول الله (صلى الله عليه وآله) ثلاث مرات، كل ذلك يسويه على ركبتيه من اعوجاجه. ثم شد الناس معه؛ فقتلوهم، فلم ينج منهم تمام عشرة ».

ثم تذكر الرواية: أنهم لما لم يجدوا ذا الثدية قال: ائتوني بالبغلة؛ فإنها هادية مهدية، فركبها، ثم انطلق حتى وقف على قليب الخ..(1).

علي (عليه السلام) يدعوهم إلى حكم المصحف:

وتذكر رواية جندب أنه (عليه السلام) بعد أن ردّ قول الذين أخبروه بأنهم قد عبروا النهروان.

بل في بعض الروايات: أنه (عليه السلام) كان يقسم أنهم لم يعبروه، وأن مصارعهم دونه(2).. قد أخبر جندباً بأنه سوف يرسل إليهم رجلاً يقرأ المصحف؛ فيدعوهم إلى كتاب الله وسنة نبيه، ولكنهم سوف يقتلونه. وأنه لن يقتل من أصحابه (عليه السلام) عشرة، ولا ينجو منهم عشرة. قال جندب:

«.. فانتهينا إلى القوم، وهم في معسكرهم الذي كانوا فيه، لم يبرحوا. فنادى علي في أصحابه، فصفّهم. ثم أتى الصف من رأسه ذا إلى رأسه ذا، مرتين. ثم قال:

من يأخذ هذا المصحف، فيمشي به إلى هؤلاء القوم، فيدعوهم إلى

____________

(1) مناقب الإمام علي (عليه السلام)، لابن المغازلي ص413 و414. وفي هوامشه عن مصادر كثيرة أخرى فلتراجع، وقاموس الرجال ج5 ص436/437 عن أبي عبيدة وشرح النهج للمعتزلي ج2 ص282 عن أبي عبيدة.

(2) راجع: مروج الذهب ج2 ص405.


الصفحة 184
كتاب الله [ربهم]، وسنة نبيهم، وهو مقتول. وله الجنة؟!

فلم يجبه إلا شاب من بني عامر بن صعصعة.

فقال له علي: خذ.

فأخذ المصحف [فقال له]: أما إنك مقتول، ولست مقبلاً علينا بوجهك حتى يرشقوك بالنبل.

فخرج الشاب بالمصحف إلى القوم، فلما دنا منهم حيث يسمعون قاموا، ونشبوا الفتى قبل أن يرجع [قال] فرماه إنسان؛ فأقبل علينا بوجهه، فقعد.

فقال علي: دونكم القوم.

قال جندب: فقتلت بكفي هذه [بعد ما دخلني ما كان دخلني] ثمانية قبل أن أصلي الظهر. وما قتل منا عشرة، وما نجا منهم عشرة، كما قال»(1).

تأثير نهج علي (عليه السلام) في «الخوارج»:

إن أهل العراق لم يعرفوا علياً إلا لمدة وجيزة كانت مليئة بالحروب والمآسي، مشحونة بالكوارث على مختلف المستويات، والاتجاهات.

وكان العراقيون يعيشون أجواء الحرب والقتال منذ عهد عمر بن الخطاب، الذي جعل العراق منطلقاً لحملاته العسكرية في فتوحات بلاد فارس، وسائر المناطق الشرقية..

____________

(1) راجع: كنز العمال ج11 ص276 عن الطيالسي، مجمع الزوائد ج6 ص241 و242 عن الطبراني في الأوسط. وذكره أيضاً في منتخب كنز العمال. مطبوع مع مسند أحمد..


الصفحة 185
وقد تحدثنا عن الحالات التي كان العراقيون يعيشونها قبل عهد أمير المؤمنين علي (عليه السلام)..

وكان لوجود أمير المؤمنين فيما بين أظهر العراقيين تلك الفترة الوجيزة، برغم كل ما واجهه من انشغالات وصوارف أثر في عقليتهم وثقافتهم، ثم في حالاتهم الإيمانية. وحتى في وعيهم السياسي والديني، وفي مختلف شؤونهم..

حتى إنه (عليه السلام) ليقول لأهل العراق: «ركزت فيكم راية الإيمان ووقفتكم على حدود الحلال والحرام»(1).

بل إن معاوية حينما واجه عكرشة بنت الأطرش، لم يجد مناصاً من الاعتراف بتأثير أمير المؤمنيين (عليه السلام) في أهل العراق حيث قال ـ كما تقدم ـ: «هيهات يا أهل العراق نبهكم علي بن أبي طالب فلن تطاقوا»(2).

علي (عليه السلام) لا يبدؤهم بالقتال:

وكما كان رسول الله (صلى الله عليه وآله) لا يبدأ أحداً بقتال.. كان علي كذلك، ولم يكن موقفه من «الخوارج»، إلا امتداداً لهذه السياسة.. فقد قال علي (عليه السلام) لأصحابه:

«كفوا عن الخوارج حتى يبدؤوكم»(3).

____________

(1) نهج البلاغة ج1 ص168 بشرح عبده. المطبعة الرحمانية بمصر.

(2) العقد الفريد ج2 ص112 وبلاغات النساء ص104 ـ ط سنة 1972م وصبح الأعشى..

(3) أنساب الأشراف [بتحقيق المحمودي] ج2 ص371 ونور الأبصار ص102 والبداية والنهاية ج7 ص289 وشرح نهج البلاغة للمعتزلي ج2 ص271 و272 وغير ذلك من

=>


الصفحة 186
وقد كانت هذه السياسة معروفة عنه (عليه السلام)، وقد أخذها عنه شيعته الأبرار أيضاً(1). فكانت البدأة بالقتال تأتي من قبل محاربيه (عليه السلام) ومنهم «الخوارج» في مختلف المواطن.

ومن المضحك المبكي: أن نجد في أتباع الخط الأموي من يحاول ـ أحياناً ـ أن يقلد أمير المؤمنين (عليه السلام) في هذه الناحية، فقد «كان المهلب يقول لبنيه: لا تبدأوا «الخوارج» بقتال حتى يبدؤوكم، ويبغوا عليكم، فإنهم إذا بغوا عليكم نصرتم عليهم»(2).

والأدهى والأمر أننا نجد حتى «الخوارج» الذين كان دينهم الإجرام والقسوة إلى درجة ذبح الأطفال، وبقر بطون النساء، والغارات التي لا ترحم.. ـ نجد ـ: أنهم في بعض الأحيان تصدر منهم أفعال تأثروا فيها بما أشاعه (عليه السلام) في الناس.. ومنها عدم البدء بالقتال؛ فإن أبا حمزة الخارجي حين التقى بمحاربيه في قديد، قال لأصحابه: «كفوا عنهم ولا تقاتلوهم حتى يبدؤوكم بالقتال، فواقفوهم، ولم يقاتلوهم، فرمى رجل الخ..»(3).

لا تتبعوا مولياً:

وكان من سيرة علي (عليه السلام) أن يأمر أصحابه: أن لا يتبعوا مولياً، ولا يجهزوا على جريح.. وقد أمرهم في النهروان أيضاً بأن لا يتبعوا

____________

<=

مصادر ستأتي في فقرة تفاصيل منسقة..

(1) البرصان والعرجان ص333.

(2) شرح نهج البلاغة ج4 ص196 والكامل في الأدب ج3 ص381..

(3) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص112 وراجع: العقود الفضية ص203.


الصفحة 187
مولياً(1).

فقلده أبو حمزة الخارجي مع محاربيه في قديد أيضاً، فإنه لم يسمح باتباع المدبر، ولا بالإجهاز على جريح حين طلب منه ذلك، وقال: «لا أخالف سيرة أسلافنا»(2).

مع أن سيرة أسلافه كانت ضد ذلك، كما هو معلوم.

إقامة الحجة أولاً:

وكان علي (عليه السلام) لا يقاتل أحداً حتى «الخوارج» إلا بعد أن يقيم عليه الحجة، وكذلك قال أبو حمزة الخارجي لأصحابه، حين التقى بابن عطية: «لا تقاتلوهم حتى تختبروهم، فصاحوا، فقالوا: يا أهل الشام، ما تقولون في القرآن والعمل؟ الخ..»(3).

____________

(1) تاريخ بغداد ج1 ص160.

(2) شرح نهج البلاغة للمعتزلي ج5 ص112.

(3) المصدر السابق ج5 ص123.