الحقائق
في
تاريخ الإسلام
والفتن والأحداث

حسن المصطفوي




بسم الله الرحمن الرحيم


13

بسم الله الرحمن الرحيم

    الحمد لله الذي من علينا بتوفيقه ، وأيدنا في تأليف هذه الرسالة بفضله ، وقد جاءت محتوية على حقائق من تاريخ الإسلام ، وباحثه عن أحداث حدثت وبدع ابتدعت في المسلمين ، معتمدة على اصول التاريخ والحديث وصحاحها ، ومستخرجة من الكتب المؤلفة في القرون الاولى ، وها نحن نذكر مزايا ما يختص بهذا الكتاب الشريف ، ليكون القاريء على بصيرة تامة .
    1 ـ اعتمدنا في هذه الرسالة على الكتب المعتبرة من اهل السنة ، المؤلفة خلال خمسة قرون من صدر الاسلام ، من كتب الأدب والحديث والتاريخ والصحاح والسنن والسير والرجال والتفسير .
    2 ـ وقد نقلنا عن الكتب المعتمدة المؤلفة المتأخرة ، عند الحاجة تأييدا وتكميلا للبحث الوارد المنظور ، لا مستندا عليها .
    3 ـ ذكرنا في آخر الكتاب فهرسا جامعا للقسمين من الكتب المنقول عنها مشيرا الى خصوصيات الطبع والتجزئة .
    4 ـ اعتمادنا في نقل الروايات على المشاهدة والقراءة في الاصول المستند اليها ، من دون ان نتصرف فيها بشيء ، وأحيانا اسقطنا جملة أو جملات لا ربط لها بموضوع البحث ، حذرا من الاطالة ، ووضعنا مكانها نقاط مترادفة .
    5 ـ ذكرنا بعد نقل الروايات ما يستفاد منها على طريق الاجمال والاشارة ، من دون قول بالرأى والنظر الشخصي ، أو كلام موهن ينشأ من الجهل والعصبية ، وما نريد إلا


14
الهداية واصلاح أنفسنا ، والوقاية من الضلالة والغواية .
    6 ـ اعرضنا عن نقل الأحاديث المكررة الواردة بأسناد مختلفة ، ولا سيما في مسند أحمد ، طلبا للاختصار وتركا للمجادلة ، وإنما نروي الحديث بواحد من طرقه .
    7 ـ ابتدأنا في الكتاب بفتنة ـ وصية رسول الله (ص) ـ وهذه اول فتنة حدثت في الاسلام ، واول احدوثه ظهرت في المسلمين ، شتتتشملهم وفرّقت جمعهم .
    8 ـ قد ثبتت بصحاح الروايات المروية في الكتاب : أن الفتن المعنونة فيها بدع وأحداث ظهرت في الإسلام ، وهذه البدع أوجبت انحراف المسلمين وميلهم عن الحقائق وعن اهل بيت النبي الأطهار ، الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا . وقد قال رسول الله (ص) : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي نسئل الله الباري عز اسمه التوفيق والسداد .

12 | 5 | 52 ـ هـ
حسن المصطفوي ـ طهران




15

بسم الله الرحمن الرحيم

    ألحمد لله الذي هدانا الى اتباع أوليائه ، والصلوة والسلام على أشرف رسله وافضل انبيائه ، وعلي ابن عمه وخليفته والمعصومين من آله .
    وبعد : فإن اكمل الأديان الالهية هو دين الاسلام الذي جاء به خير الأنام ، عليه افضل التحية والسلام . وان اقرب الناس من الحق هم المسلمون ، الذين يتبعون الرسول خاتم النبيين ، ويعلمون بما جاء به من عند رب العالمين .
    « هو الذي بعث في الاميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة » ـ الجمعة 3 ـ « كنتم خير امة اخرجت للناس ، تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله » ـ آل عمران ـ 110 .
    نعم كان المسلمون طول حياة رسول الله « ص » امة واحدة ، يعيشون تحت راية الحق ، وفي ظل كتاب الله الحكيم ، يهتدون بهداه ، ويقتدون بنوره .
    ثم بعد ارتحال رسول الله « ص » صاحب الدعوة افترقت الملة الاسلامية ، وصاروا في ارتياب وحيرة ، صاروا بعد الهجرة أعرابا ، وبعد المولاة أحزابا ، ما يتعلقون من الاسلام الا باسمه ، ولا يعرفون من القرآن لا رسمه ، وخلطوا الحق بالباطل ، واضاعوا ما أوصاهم الرسول ، وضلوا عن سواء الطريق .
    انهم ارتدوا عن عترة النبي الأكرم ، وهم اهل بيت النبوة ، وموضع الرسالة ومختلف الملائكة ، ومهبط الوحي ، وخزّان العلم ، ومعدن الحكمة ، وقد قال رسول الله « ص » : إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي . وقال الله تعالى « إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا » .


16


17

« توصية اهل البيت »

    كان رسول الله « ص » طول حياته يوصي المسلمين ويعرفهم باهل بيته ، ويقول فيهم :
    أذكركم الله في اهل بيتي .
    إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيرا .
    اللهم هؤلاء آلي فصلّ على محمد وعلى آل محمد .
    كل بني اثنى فإن عصبتهم لأبيهم ما خلا ولد فاطمة فإني أنا عصبتهم وأنا أبوهم .
    واهل بيتي أمان لأمتي فإذا ذهب اهل بيتي أتى أمتي ما يوعدون .
    أنا حرب لمن حاربكم وسلم لمن سالمكم .
    أحبوا أهل بيتي بحبي .
    إن اول من يدخل الجنة أنت وفاطمة والحسن والحسين .
    أني وإياك وهذا النائم يعني عليا وهما الحسن والحسين لفي مكان واحد يوم القيامة .
    يا علي الناس من شجر شتى وانا وأنت من شجرة واحدة .
    وكان مما أنعم الله على علي بن أبي طالب انه كان في حجر .


18
    رسول الله « ص » قبل الاسلام .
    وانه اول من اسلم .
    إن اول من يشري نفسه ابتغاء رضوان الله علي بن أبي طالب .
    أمر بسد الابواب إلا باب علي .
    انه كان صاحب لواء رسول الله « ص » يوم بدر وفي كل مشهد .
    اللهم لا تُمتني حتى تُريني عليا .
    لا تشكوا عليا فإنه لأخشن في ذات الله من أن يشكى .
    من كنت مولاه فعلي مولاه .
    من آذى عليا فقد آذاني .
    اللهم وال من والاه وعاد من عاداه وانصر من نصره واخذل من خذله .
    من سب عليا فقد سبني ومن سبني فقد سب الله .
    ما دعوت لنفسي بشيء الا دعوت لك بمثله .
    وما دعوت بشيء الا استجيبت لي الا انه قيل لي لا نبي بعدي .
    أنت تُبين لامتي ما اختلفوا فيه بعدي .
    هذا أخي في الدنيا والآخرة .
    أنت اخي ترثني وأرثك .
    من اطاع عليا فقد اطاعني ومن عصى عليا فقد عصاني .
    الله أدر الحق معه حيث دار .
    علي مع القرآن والقرآن مع علي لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض .
    من فارقك يا علي فقد فارقني ومن فارقني فقد فارق الله .
    فاختار الله رجلين احدهما ابوك والآخر بعلك .
    أنا سيد ولد آدم وعلي سيد العرب .
    والويل لمن أبغضك بعدي .
    أنه سيد المسلمين وامام المتقين وقائد الغرالمحجّلين .
    يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله ليس بفرار .


19
    اللهم اكفه اذى الحر والبرد .
    لمبارزة علي بن أبي طالب لعمرو بن عبد ود افضل من اعمال امتي الى يوم القيامة .
    امرني بحب اربعة وأخبرني انه يحبهم .
    لا يحب عليا منافق ولا يبغضه مؤمن .
    اللهم ائتني بأحب خلقك إليك يأكل معي .
    ان عليا مني وأنا منه وهو ولي كل مؤمن بعدي .
    وهو وليكم بعدي .
    أما ترضى أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى الا أنه لا نبي بعدي .
    أنت يا علي صفيي وأميني .
    لا يؤدي عني إلا رجل من أهل بيتي .
    من يريد أن يحيى حياتي ويموت موتي ويسكن جنة الخلد التي وعدني ربي فليتول علي بن أبي طالب فإنه لن يخرجكم من هدى .
    لا فتى إلا علي ولا سيف إلا ذوالفقار .
    ليبعثن الله عليكم رجلا يضرب رقابكم على الدين قد امتحن .
    هذا فاروق هذه الأمة وهذا الصديق الأكبر ويعسوب المؤمنين .
    النظر إلى وجه عليّ عبادة .
    إن عليا أقرب الناس برسول الله « ص » .
    ادفع هذه الأترجة الى ابن عمك ووصيك علي .
    أنا دار الحكمة وعلي بابها .
    أنا مدينة العلم وعلي بابها فمن أراد المدينة فليأت الباب .
    ان الله سيهدي قلبك ويثبّت لسانك .
    إن الأمة ستغدر بك بعدي .
    هذا أمير البررة وقاتل الفجرة منصور من نصره

*   *   *


20
    هذه الأحاديث خلاثة ما قيل في آل النبي الأكرم وفي الامام علي بن أبي طالب ، الصادرة عن رسول الله « ص » طول حياته ، بمسمع من المسلمين ومرأى منهم ، وقد روتها صحاح كتب الحديث لأهل السنة والجماعة .
    نعم ! هذه الكلمات الإلهية نطق بها لسان الوحي وصدرت عن سيد المرسلين ورسول رب العالمين ، وما ينطق عن الهوى أن هو الإ وحي يوحى ، فعرّف للمسلمين ابن عمه اميرالمؤمنين علي بن أبي طالب ، وأشار في مقامات مختلفة وفي موارد مقتضية الى خلافته ووصايته وعلمه وحكمته وولايته وقربه وطهراته ، ولزوم طاعته وحبه ونصرته وكونه مع الحق ومع القرآن ومع الله ومع الرسول ، والى أنه الصديق الأكبر والفاروق و الولي والمختار من الله وسيد العرب وإمام المتقين واحب الخلق عند الله وأول من أسلم وأول من شرى نفسه وصاحب اللواء وأخو رسول الله « ص » وبمنزلة هارون من موسى .
    إن رسول الله « ص » قد عرف للمسلمين مقام علي بن أبي طالب « ع » في موارد كثيرة ، وذكر فضائله ومناقبه في طول حياته ، وصرح بوصايته وولايته وخلافته بعبارات صريحة واشارات لطيفة وكنايات حسنة ، لا يرتاب فيها طالب الحقيقة ، ومن جاهد فينا لنهدينّهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين .

« تقديم علي بن أبي طالب « ع » »
    ان رسول الله « ص » قدم اميرالمؤمنين علي بن أبي طالب « ع » على جميع الصحابة وحتى على أبي بكر وعمر وعثمان في موارد كثيرة وأعلم الناس بفضله وتقدمه واولويته وقربه .
    منها ـ في الدعوة لأكل الطير معه ، ومنها ـ في توليته في فتح خيبر ، ومنها ـ في اداء البراءة ، ومنها ـ في غدير خم ، ومنها ـ في المؤاخاة لنفسه ، ومنها ـ في غزوة الخندق ، وفي موارد اخر ، كما ان رسول الله « ص » قدم اسامة على رؤوس المهاجرين والأنصار وأمّره عليهم ، وقال في جواب اعتراضهم : ان طعنتم في امارته فقد كنتم تطعنون في إمرة أبيه من قبل ، وأيم الله ان كان لخليقا للامارة ،


21
وان ان أحب الناس إلي .
    إن الناس لم يتمكنوا من الطعن في علي « ع » زمان حياة رسول الله « ص » لشدة قربه منه ولعظمة مقامه عنده وكونه أحب الناس اليه وانه اخوه وابن عمه وصهره بل وكنفسه ، كما في الآية الكريمة ـ قل تعالوا ندع أبنائنا وأبنائكم وأنفسنا وأنفسكم ، وقوله « ص » ـ ان عليا مني وأنا منه ، وأنا وأنت من شجرة واحدة ، ما دعوت لنفسي بشيء الا دعوت لك بمثله . وقال « ص » لا تشكوا عليا فإنه لأخشن في ذات الله من أن يشكى ، ومن عصى عليا فقد عصاني ، ومن آذى عليا فقد آذاني ، وما يقرب منها .
    ثم اذا ارتحل رسول الله ( ص ) فعلوا ما فعلوا وقالوا ما قالوا وطعنوا ما طعنوا ، آذوا عترة رسول الله ، وخالفوا اهل البيت ، بل عادوهم وأبغضوهم وفارقوهم ، ودعوهم الى البيعة والطاعة والخضوع ، وأخذوا ما في ايديهم ، وأمالوا الناس عنهم ، حتى قال بعضهم : والله لأحرقن عليكم أو لتخرجن الى البيعة . وقال سلمان : كرداد ونا كردادأي : عملتم وما عملتم ، لو بايعوا عليا لأكلوا من فوقهم ومن تحت ارجلهم .
    في مسند أحمد : قال رسول الله « ص » : ليردن عليّ الحوض اقوام فاذا رأيتهم اختلجوا دوني ، فأقول : أي ربّ ! اصحابي ! اصحابي ! فيقال انك لا تدري ما أحدثوا بعدك (1) .
    والعجب من هؤلاء الرجال كيف نسوا في مدة قليلة ما قال رسول الله « ص » : انما فاطمة بضعة مني فمن أغضبها أغضبني ، وان الله يغضب لغضب فاطمة ، ويؤذيني ما آذاها ومن آذى رسول الله فقد حبط عمله ، واذا دخلت عليه قام اليها واخذ بيدها وقبّلها ، واجلسها في مجلسه ، أنا الشجرة وفاطمة فرعها ، وروايات آخر .
    فهؤلاء أحدثوا ، وأبدعوا ما أبدعوا ، وظهرت الفتن ، واستترت

1 ـ مسند أحمد ، ج 5 ص 400 وقريبا منها ص 393 .


22
الحقائق ، وانكسفت شموس المعرفة ، وشاعت الآراء والأهواء المختلفة ، الى أن قال علي « ع » : اما والله لقد تقمّصها فلان وأنه ليعلم أن محلي منها محل القطب من الرحى ينحدر عني السيل ولا يرقى اليّ الطير ، فسدلت دونها ثوبا وطويب عنها كشحا ، وطفقت ارتئي بين أن أصول بيد جذّاء أو أصبر على طخية عمياء (1) .
    اللهم إنا خرجنا نشكوا اليك فقد نبيّنا ، وتظاهر الزمان علينا ، وكثرة توارد الفتن علينا ، وشدة المحن المستصعبة .

« الولاية تكوينية لا تشريعية »

    ومن عقائدهم الواهية السخيفة أن النبي والامام ليسا بممتازين عن سائر الناس ، ولا فرق بينهما وبين أفراد اخر الا بتعلق تكليف به من الله ينصبه علما لرسالته وتبليغ احكامه ، أو بتصويب الناس واختيارهم وانتخابهم من يشاؤون ولو لم يكن أعلم الامة وأفضلها واتقاها ، وهم في هذا القول شركاء الكفار ، حيث قالوا ـ فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا الا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة .
    نعم لهم أعين لا يُبصرون بها الحقائق والآيات الإلهية ، ولهم آذان لا يسمعون بها الأصوات الغيبية والدعوات الربانية ، ولا يرون الا ظواهر هذا العالم ، ولا يقبلون كرامة ولا فضيلة ومقاما الا بما يشاهدون بنظرهم المادي المحدود ، ثم يسوّون بين افراد الناس ، ولا يختارون من اصطفاه الله واختاره .
    أخبار اصبهان : عن أبي هريرة قال : سمعت النبي « ص » يقول : اذا خلق الله خلقا للخلافة مسح بيمينه على ناصيته (2) .
    أقول : الناصية عنوان الوجه ، وفيها يظهر اثر النور والظلمة والتوجه الى الله تعالى . ومن مسحت ناصيته بيد الله تعالى فهو على نور من ربه . وهذا في مقابل

1 ـ نهج البلاغة خطبة 4 .
2 ـ أخبار اصبهان ج 1 ص 130 .



23
من أخذت ناصيته ، كما قال تعالى : يُعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام .
    وقد قال الله تعالى : أم يحسدون الناس على ما آتيهم من فضله فقد آتينا آل ابراهيم الكتاب والحكمة وآتيناهم ملكا عظيما . وقال تعالى ـ ان الله اصطفى آدم ونوحا وآل ابراهيم وآل مران على العالمين . وقال تعالى ـ يا مريم ان الله اصطفيك ، وطهرك ، واصطفيك على نساء العالمين . وقال تعالى ـ ان الله اصطفاه عليكم وزاده بسطة في العلم والجسم والله يؤتي ملكه من يشاء .
    وانهم لم يفهموا أن التكليف والتشريع تابع للتكوين ، ولا يكلف الله نفسا الا وسعها ، ولا يُكلف الله نفسا الا ما آتاها ، ولا تُكلف نفس الا وسعها . فكما ان الحيوان ليس له وسع التكاليف الانسانية ؛ فالانسان العادي ليس له وسع الوحي والالهام والتكليم ، ولا يمكن تعلق التكليف والتشريع الا بعد أن آتى الله ما به يتحقق الاستعداد والتحمل والوسع ، وكما ان الاستعداد من جهة الصفات النفسانية والأخلاق باطنية مختلفة شدة وضعفا كذلك مراتب النفوس ودرجاتها متفاوتة . بل الصفات والأخلاق النفسانية والقوى الباطنية كلها من اطوار النفس ، والنفس في وحدتها كل القوى .
    وهذا امر ثابت في الفلسفة الالهية ، بل أمر مسلّم محسوس مقطوع لمن تدبر ونظر ثم نظر وتدبر ، ولا ينكره الا من حُرم من البصيرة ، وأبعده الله عن الحقيقة ، وليس له من الروحانية نصيب ، وفي أبصارهم غشاوة .

« الامام من هو ؟ »

    إن النبي : هو المبعوث من الله تعالى بالوحي والالهام ، لأداء الأحكام وتشريع الدين وبيان الحقائق وتنظيم القوانين والاداب في الشؤون المختلفة . والامام : هو المحيط بتلك الأحكام العالم بتلك الحقائق والعارف بتلك الآداب والقوانين علما من لدن حكيم خبير ، لا بالعلم التحصيلي وبالطرق المتداولة المعمولة بين الناس . فالنبي هو المؤسس والشارع ، والامام هو وارثه وخليفته


24
وولي امره وحافظ دينه وشارح معارفه واحكامه وآدابه .
    وكما أن علوم النبي ومعارفه حضورية ومن الله كذلك علوم الامام ومقاماته الروحانية ليس باكتسابية بل من الله تعالى ، ولذا ترى احاطتهم بالعلوم والمعارف الحقة وعلمهم بالأحكام والآداب الاسلامية ، من دون الدرس والتحصيل والبحث والتتلمذ والتجربة ، ومن أول أوان الامامة الى آخرها بل وقبلها ، وفي زمان الصباء والشباب وبعدها ، ومن دون أن يقولوا خلافا ، ويرتكبوا سهوا وخطاء ، أو يخالف قولهم أحكام النبي ، أو يخالف حكم واحد منهم واحدا آخر ، ومن دون أن يحتاجوا الى الفكر والتدبر والتأمل .
    وهذا من المحالات في سائر افراد الناس ، وان بلغوا في تحصيل العلم ما بلغوا ، فإن الانسان محل السهو والنسيان ، وليس كل مجتهد مصيب ، وكل عالم ما جهله أكثر مما علمه ، وكفى المرء نبلا أن تُعد معايبه .
    قال اميرالمؤمنين « ع » : منها يعني آل النبي عليه الصلاة والسلام : موضع سره ، ولجأ امره ، وعيبة علمه ، وموئل حكمه ، وكهوف كتبه ، وجبال دينه ، بهم اقام انحناء ظهره ، وأذهب ارتعاد فرائصه ... لا يقاس بآل محمد صلى الله عليه وآله من هذه الامة احد ، ولا يُسوّى بهم من جرت نعمتهم عليه ابدا ، هم اسا الدين وعماد اليقين ، اليهم يفيء الغالي ، وبهم يلحق التالي ، ولهم خصائص حق الولاية ، وفيهم الوصية والوراثة ، الآن اذ رجع الحق الى اهله ، ونقل الى منتقله (1) .
    فاذا كان في الامة بعد ارتحال الرسول « ص » من هذه صفتهم : فكيف يعقل أن يتوجه الى آخرين ، وكيف يجوّز العقل أن يختار الناس لها من يشاؤون ، وكيف يرضى الله تعالى ورسوله أن يتقدم من هو متأخر ، وأن يُنصب للاصلاح والتعليم والتربية وحفظ المعارف من يحتاج الى اصلاح امره وتربية نفسه وتحصيل العلوم والمعارف ، وكيف يكلف الناس من جهة الشرع أو العقل أن يطيعوا ويتبعوا ممن هو في مرتبتهم ، بل وفيهم من هو أحق وأفضل ، بل وفيهم من

1 ـ نهج البلاغة خطبة 2 .


25
لهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة .

« شكوى اميرالمؤمنين علي « ع » »

    يقول علي « ع » في النهج حتى اذا قبض الله رسوله صلى الله عليه وآله ، رجع قوم على الأعقاب ، وغالتهم السبل ، واتكلوا على الولائج ، ووصلوا غير الرحم ، وهجروا السبب الذي أمروا بمودته ، ونقلوا البناء عن رص أساسه ، فبنوه في غير موضعه ، معادن كل خطيئة (1) .
    وفي مستدرك الحاكم عن علي « ع » قال : ان مما عهد الي النبي « ص » ان الإمة ستغدر بي بعده (2) .
    ويروي ايضا عن ابن عباس قال ، قال النبي « ص » : اما انك ستلقى بعدي جهدا ! قال : ي سلامة من ديني ؟ قال : في سلامة من دينك .
    وعن علي « ع » قال : قال لي رسول الله « ص » : ان الامة ستغدر بك بعدي وأنت تعيش على ملتي وتقتل على سنتي من أحبك أحبني ومن أبغضك ابغضني ، وان هذه ستُخضب من هذا يعنى لحيته من رأسه (3) .
    اقول : راجع في تحقيق غدر الامة مبحث وصية رسول الله « ص » وفتنة السقيفة من هذا الكتاب ، ثم الى مباحث اخر ، حتى تعلم ما صنعوا بعد نبيهم ، بل غدرهم في آخر ساعات من حياته ، ومخالفتهم وصية رسول الله « ص » .
    ويشير علي « ع » الى خلاصة غدرهم ونتيجة صنيعهم في حقه :
    في تاريخ الطبري : عن علي « ع » : أن النبي « ص » قبض وما أرى أحد أحق بهذا الأمر منّي ، فبايع الناس أبا بكر فبايعت كما بايعوا ، ثم أن ابا بكر هلك وما أرى أحدا أحق بهذا الأمر منّي فبايع الناس عمر بن الخطاب فبايعت كما بايعوا ، ثم ان عمر هلك وما ارى احدا احق بهذا الأمر مني فجعلني سهما من

1 ـ نهج البلاغة 150 .
2 ـ مستدرك الحاكم ج 3 ص 140 .
3 ـ نفس المصدر ص 142 .



26
ستة أسهم فبايع الناس عثمان فبايعت كما بايعوا ، ثم سار الناس الى عثمان فقتلوه ثم أتوني فبايعوني طائعين غير مكرهين ، فانا مُقاتل من خالفني بمن اتبعني ، حتى يحكم الله بيني وبينهم (1) .
    اقول : الولاية الحقيقية بجعل الله تعالى واعطائه ، وهي مرتبة تكوينيّة روحانية ومقام معلوم لا يزيد باقبال الناس وتوجههم ، ولا ينقص بادبارهم واعراضهم . كما ورد بأن الامام كالكعبة يؤتى ولا يأتي . وأما الإمارة والخلافة الظاهرية فهي تتحصل باقبال الناس وتوجههم واعتبارهم ، وتنتقي بأدبارهم ومخالفتهم فإن اساس هذه الخلافة تحقق السلطنة الظاهرية والنفوذ والحكومة والغلبة للحاكم ، بأي وسيلة كان وبأي طريق وقع حق أو باطل . ولكل من هاتين الخلافتين آثار واحكام شرعية وعقلية وعرفية ، ولا ربط باحديهما الى الاخرى .
    ثم ان الأحق بالولاية الظاهرية من كانت له ولاية حقيقية باطنية ، فإنه أولى لاجراء الأحكام والقوانين الدينية ، وهو أعلم باصلاح امور الناس دنيوية وأخروية ، وانه مأمون عن الانحراف والضلال والاضلال ، وهو احرى بالاتباع والاهتداء ، وهذا معنى قوله « ع » : وما أرى احدا أحق بهذا الأمر مني .
    ولما كان الامام له أن يفسرا الحقائق ويبيّن الأحكام ويحفظ معارف الدين ويدفع الشكوك والشبهات فليس من وظائفه أن يأتي الناس ويدعوهم اليه ويبلّغ الأحكام ويجاهد في التبليغ والدعوة . بل لهم ان يأتوا الامام ، ويستفيدوا من محضره ، ويهتدوا بهديه ، ويستنيروا بنوره ، ويستكملوا بتعاليمه وتربيته .
    ومن الأسف : ان اكثر الناس عن طريق السعادة لناكبون ، وعن صراط الحقيقة لمعرضون ، وعن الله وعن رسوله وعن اوليائه لمعتزلون ، يريدون متاعا من الحياة الدنيا وهو عن الآخرة غافلون .
    وما أقبح ما صنعوا حيث خالفوا أهل بيت رسول الله « ص » وأعرضوا عن طريقة أئمة الهدى ، الذين قال فيهم الرسول : اني تارك فيكم الثقلين كتاب الله

1 ـ تاريخ الطبري ج 5 ص 171 .


27
وعترتي ما ان تمسكتم بهما لن تضلوا ابدا . بل ولم يقنعوا ولم يكتفوا بتركهم والاعراض عنهم ، وشرعوا بالتهمة والسب والشتم . وكادوا يظنون ان هذا المنكر من المعروف ، وانهم يتقربون بها الى الله تعالى ، فانظر ماذا يقول الامام علي بن الحسين « ع » في ديدنهم .
    في الطبقات قال منهال : دخلت على علي بن الحسين فقلت : كيف اصبحت اصلحك الله ؟ فقال : ما كنت أرى شيخا من اهل المصر مثلك لا يدري كيف اصبحنا فأما اذ لم تدر فاخبرك : اصبحنا في قومنا بمنزلة بني اسرائيل في آل فرعون إذ كانوا يذبحون ابناءهم ويستحيون نساءهم ، وأصبح شيخنا وسيدنا يُتقربُ الى عدونا بشتمه أو سبه على المنابر ! واصبحت قريش تعد ان لها الفضل على العرب ! لأن محمدا « ص » منها ، لا يعد لها فضل الا به ، واصبحت العرب مقره لهم بذلك ، واصبحت العرب تعد ان لها الفضل على العجم لأن محمدا « ص » منها لا يعد لها فضل الا به ، واصبحت العجم مقره لهم بذلك ، فلئن كانت العرب صدقت ان لها الفضل على العجم وصدقت قريش ان لها الفضل على العرب لأن محمدا « ص » منها : إن لنا أهل البيت الفضل على قريش لأن محمدا « ص » منا ، فاصبحوا يأخذون بحقنا ولا يعرفون لنا حقا ، فهكذا اصبحنا اذ لم تعلم كيف اصبحنا (1) .

« من هم اهل البيت ؟ »

    أهل الرجل واهل بيته خواصه ، والخواص تختلف مصداقا باختلاف الموارد والأفراد والحالات .
    فأهل النبي من خاصة أهله الذين لهم اختصاص بالنبي من جهة الايمان والروحانية والمعرفة .
    وأهل النبي بعد ارتحاله هم الذين يختصون به في زمان حياته وبعد رحلته

1 ـ الطبقان ج 5 ص 219 .


28
ولا ينقطع اختصاصهم بالموت .
    فاهل بيت كل رجل خواصه بحسب حاله ومقامه .
    وقد يكون الولد خارجا عن الأهل اذا انقطع الاختصاص وانتفى الارتباط ، كما قال الله تعالى : انه ليس من اهلك انه عمل غير صالح .
    فاللازم في مفهوم الأهل هو قيد الاختصاص ، واطلاقه على الزوجة والأولاد ، من جهة اختصاصهم بالرجل ، واذا فقد الاختصاص انتفت الأهلية .
    ويقال اهل القرية ، أهل المدينة ، أهل الكتاب ، أهل الله ، أهل المعرفة ، أهل العلم ، أهل البيت ، أهل التقوى ، أهل الذكر .
    ولما كان هذا المفهوم عنوانا كليا غير متعين فقد عرّف رسول الله « ص » اهل بيته وعيّن الخواص من عموم اهله وصرّح بأسمائهم واشخاصهم في الأحاديث الآتية ، ثم وصى بهم وذكر مقاماتهم .

« أهل البيت وآل محمد »

    مسند أحمد : عن ام سلمة قالت : بينما رسول الله « ص » في بيتي يوما اذ قالت الخادم : ان عليا وفاطمة بالسدة ، فقال لي قومي فتنحّي لي عن اهل بيتي قال فقمت فتنحيّت في البيت قريبا ، فدخل علي وفاطمة معهما الحسن والحسين وهما صبيان صغيران ، فاخذ الصبيين فوضعهما في حجره فقبلهما واعتنق عليا باحدى يديه وفاطمة باليد الأخرى فقبل فاطمة وقبل عليا فاغدف عليهم خميصة سواداء ، فقال اللهم اليك لا الى النار انا وأهل بيتي قالت : فقلت وانا يا رسول الله فقال : وأنت (1) .
    وعن ام سلمة : ان رسول الله « ص » قال لفاطمة ائتيني بزوجك وابنيك ، فجاءت بهم ، فالقى عليهم كساء فدكيا ثم وضع يده عليهم ثم قال : اللهم ان هؤلاء آل محمد فاجعل صلواتك وبركاتك على محمد وعلى آل محمد انك حميد

1 ـ مسند أحمد ج 6 ص 296 .


29
مجيد ، قالت فرفعت الكساء لأدخل معهم فجذبه من يدي وقال انك الى خير .
    اقول : كلمة وأنت في الحديث الأول تصديق بكونها الى الله لا الى النار ، لا في كونها من اهل البيت ، ويؤيّد هذا المعنى قوله « ص » في الحديث الثاني ـ إنك الى خير ـ حيث استدعت أن تكون معهم وتدخل في الكساء .

« اهل البيت والثقلين »

    في صحيح مسلم : باسناده عن زيد بن أرقم قال يا ابن اخي والله لقد كبرت سني وقدم عهدي ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله « ص » فما حدثتكم فاقبلوا وما لا فلا تكلّفونيه ، ثم قال : قام رسول الله « ص » فينا خطيبا بماء يدعى خمّا بين مكة والمدينة فحمد الله واثنى عليه ووعظ وذكر ، ثم قال اما بعد : ألا ايها الناس فانما أنا بشر يوشك أن يأتي رسول ربي فاجيب ، وانا تارك فيكم ثقلين اولهما : كتاب الله فيه الهدى والنور ، فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به ، فحثّ على كتاب الله ورغّب فيه ، ثم قال : واهل بيتي ، اذكّركم الله في اهل بيتي اذكّركم الله في اهل بيتي اذكّركم الله في اهل بيتي ، فقال له حصين ومن أهل بيته يا زيد أليس نساؤه من اهل بيته ؟ قال : نساؤه من اهل بيته ، ولكن اهل بيته من حرم الصدقة بعده قال : ومن هم ؟ قال : آل علي وآل عقيل وآل جعفر وآل عباس (2) .
    اقول : نقل في حاشية الكتاب ، قال القاضي : يعني أن نساءه من أهل مسكنه ولسن المراد ، وإنما اهل بيته واهله وعصبته ـ انتهى .
    وفي تعميم الكلمة حتى تشمل آل عقيل وآل جعفر وآل عباس نظر لا يخفى على البصير ، وهو تفسير بالرأي .

1 ـ مسند أحمد ج 6 ص 323 .
2 ـ صحيح المسلم ج 7 ص 122 .
3 ـ مسند أحمد ج 4 ص 367 .