أهل البيت عليهم السلام و الفرق الضالة

لقد أدرك أعداء الاسلام أن أهل البيت (ع) مصدر الأصالة و النقاء،و مفزع المسلمين في الشدائد و المحن،لهم مقام و حرمة في نفوس أبناء الاسلام كافة.

فالكل ينظر إليهم بالاحترام و التقدير،و يقدس ما يصدر عنهم،و ينتهي إليهم،لذلك حاولت العناصر المخربة و المدسوسة أن تتجه إلى مصدر الأصالة و النقاء فتتستر تحت ظلاله،و ترفع كذبا و زيفا شعار الولاء لأهل البيت (ع) ،الذين لعنوهم و تبرؤوا منهم،و لتخطط بكيد و خبث لهدم عقيدة التوحيد و القضاء على رسالة الاسلام و تشويه منهج أهل البيت (ع) ،الدعاة إلى الله،و الامناء على رسالة التوحيد،فافتعلوا عقائد ضالة و فلسفات منحرفة،فقالوا بحلول اللهـجل و علا عن ذلك علوا كبيراـفي أجساد الأئمة،و قالوا بتفويض الله الامور من الرزق و التأثير في الخلق و الجنة و النار إلى أئمة أهل البيت (ع) .

بل و ينسب بعضهم الألوهية لأئمة أهل البيت (ع) ،كل ذلك كيدا للاسلام و أهله،و هدما لعقيدة التوحيد،و كان وراء هذه التيارات العناصر المجوسية و المانوية و المزدكية و أمثالها،التي أعلنت نفاقا الدخول في الاسلام و لم تؤمن به،كما شارك الفكر اليهودي و النصراني المحرف بهذه الحملة التخريبية (1) .

و كم استطاعوا عن هذا الطريق من بلبلة العقول،و زرع الشبهات،و دس الروايات و المفاهيم الضالة،و نسبتها لأهل البيت كذبا و تزويرا.لذا فقد تصدى نفر من العلماء الأعلام و صنفوا كتب الرجال،و فرزوا العناصر المدسوسة لتشخيص الكذابين و الوضاعين و أصحاب العقائد الضالة من عهد رسول الله (ص) و حتى آخر سلسلة أئمة أهل البيت (ع) لإسقاط كل رواية مدسوسة،و لكشف كل راو متستر دساس،كما فعل النجاشي في كتابه المعروف برجال النجاشي،و الشيخ الطوسي في كتابيه الفهرست و رجال الطوسي،و غيرها.

و يحدثنا التاريخ عن وجود فرق ضالة و منحرفة نسبت نفسها لأهل البيت (ع) كالغلاة و المفوضة،و قد تبرأ أهل البيت منهم و لعنوهم و طردوهم و أبعدوهم،بل و حكم فقهاء الامامية بنجاسة الغلاة و المفوضة.

و قد عد النوبختي (2) فرقا عديدة من الغلاة و المفوضة في كتابه فرق الشيعة،و ذكر مواقف أئمة أهل البيت (ع) منهم،نذكر منها:

«و أما أصحاب (أبي الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع الأسدي) و من قال بقولهم فإنهم افترقوا لما بلغهم أن أبا عبد الله جعفر بن محمد الامام الصادق (ع) لعنه و برئ منه و من أصحابه» .

إلى أن قال:

«و فرقة منهم قالت إن أبا عبد الله جعفر بن محمد (الصادق) هو اللهـجل و عز و تعالى علوا كبيراـو إن أبا الخطاب نبي مرسل.

فرقة قالت:جعفر بن محمد هو الله عز و جلـو تعالى الله عن ذلك علوا كبيراـو انما هو نور يدخل في أبدان الأوصياء فيحل فيها،فكان ذلك النور هو جعفر بن محمد (الصادق) ثم خرج منه فدخل في أبي الخطاب» (3) .

ثم تابع النوبختي عرضه لهذه العقائد الضالة فقال:

«فهذه فرق أهل الغلو ممن انتحل التشيع،و إلى الخر مدينية (4) و المزدكية (5) و الزندقية (6) و الدهرية (7) مرجعهم جميعا لعنهم الله،و كلهم متفقون على نفي الربوبية عن الجليل الخالقـتبارك و تعالى عن ذلك علوا كبيراـو إثباتها في بدن مخلوق،على أن البدن مسكن لله،و أن الله تعالى نور و روح ينتقل في هذه الأبدانـتعالى الله عن ذلكـإلا أنهم مختلفون في رؤسائهم الذين يتولونهم،يبرأ البعض من بعض و يلعن بعضهم بعضا» (8) .

كما نقل النوبختي من أخبار الفرق الضالة المنقرضة التي حاولت التستر بالانتساب إلى أهل البيت (ع) فرقة قالت: (إن محمد بن الحنفية) ابن الامام علي بن أبي طالب (ع) «هو المهدي سماه الامام علي مهديا،لم يمت و لا يموت و لا يجوز ذلك،و لكنه غاب و لا يدرى أين هو،و سيرجع و يملك الأرض و لا إمام بعد غيبته إلى رجوعه إلى أصحابه،و هم أصحاب ابن كرب» (9) .

ثم قال:«و حمزة بن عمارة البربري منهم و كان من أهل المدينة ففارقهم و ادعى أنه نبي،و أن محمد بن الحنفية هو اللهـعز و جل و تعالى عن ذلك علوا كبيراـو أن حمزة هو الامام،و أنه ينزل عليه سبعة أسباب من السماء فيفتح بهن الأرض و يملكها،فتبعه على ذلك ناس من أهل المدينة و أهل الكوفة فلعنه أبو جعفر محمد بن علي بن الحسين (ع) (الباقر) ،و برئ منه و كذبه و برئت منه الشيعة» (10) .

كما لعن الامام الصادق (ع) صائدا النهدي الذي تابع هذه الفرقة الضالة و عده من الشياطين،و قد عده الصادق في رواية فيمن كذب عليه (11) .

و فيما يلي نذكر ما رواه علماء الشيعة عن الامام الصادق (ع) في تحديد موقفه من أولئك الضالين الغلاة،و من آرائهم المنحرفة و لعنه و طرده لهم،ننقل مثلا لهذا الموقف موقفه من أتباع أبي الجارود،فقد نقل ابن النديم في الفهرست:

إن الامام الصادق (ع) قال عنه:«لعنه الله إنه أعمى القلب،أعمى البصر» (12) .

كما لعن من الغلاة أبا منصور العجلي،فقد ورد:

«و أبا منصور العجلي قد لعنه الامام الصادق ثلاثا،كما ذكره الكشي في رجاله ص 300،و صلبه يوسف بن عمر الثقفي والي العراق في أيام هشام بن عبد الملك» (13) .

و قد حدد الامام الصادق (ع) موقفا من أولئك الغلاةـأصحاب الفرق و المقالات المخالفة لعقيدة التوحيد،ثم ذكر مجموعة منهم،و هم:

المغيرة بن سعيد،و بزيع،و السري،و أبو الخطاب محمد بن أبي زينب الأجدع،و معمر،و بشار الشعيري،و حمزة البربري،و صائد النهدي،و قال:

«لعنهم الله فإنا لا نخلو من كذاب يكذب علينا،أو عاجز الرأي،كفانا الله مؤونة«كل كذاب و أذاقهم حر الحديد» (14) .

و ورد عن الامام جعفر بن محمد الصادق (ع) البراءة من اولئك الغلاة في حديث هذا نصه:

«يا معشر الشيعةـشيعة آل محمدـكونوا النمرقة الوسطى،يرجع إليكم الغالي،و يلحق بكم التالي،فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد:جعلت فداك ما الغالي؟قال:قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا،فليس اولئك منا،و لسنا منهم،قال:فما التالي؟قال:المرتاد يريد الخير،يبلغه الخير و يؤجر عليه» (15) .

و نقل إلينا أحد أصحاب الامام الصادق (ع) موقف الامام حين بلغه قول أبي الخطاب في الغلو،و نقلت إليه مقالة أبي الخطاب فيه،قال:

«فرأيت أبا عبد الله قد أرسل دمعته من حماليق عينيه و هو يقول: (يا رب برئت إليك مما ادعى في الأجدع عبد بني أسد،خشع لك شعري و بشري،عبد لك ابن عبد لك،خاضع ذليل،ثم أطرق ساعة في الأرض كأنه يناجي شيئا،ثم رفع رأسه و هو يقول:أجل،أجل،عبد خاضع،خاشع،ذليل لربه،صاغر،راغم من ربه،خائف،و جل،لي و الله رب أعبده،لا اشرك به شيئا،ما له أخزاه الله و أرعبه و لا آمن روعته يوم القيامة..ما كانت تلبية الأنبياء هكذا،و لا تلبيتي،و لا تلبية الرسل،إنما لبيت:بلبيك اللهم لبيك،لبيك لا شريك لك) » (16) .

و عن سدير قال:

«قلت لأبي عبد الله (ع) ان قوما يزعمون أنكم آلهة،يتلون بذلك علينا قرآنا: (و هو الذي في السماء إله و في الأرض إله) ،فقال (ع) : (يا سدير سمعي و بصري و بشري و لحمي و دمي و شعري من هؤلاء براء،و برئ الله منهم،ما هؤلاء على ديني‏و لا على دين آبائي،و الله لا يجمعني الله و إياهم يوم القيامة إلا و هو ساخط عليهم) » (17) .

و كما كذبوا على الامام الباقر و الصادق و تبرا منهم،كذلك كذبت فرق على الامام موسى بن جعفر بعد وفاته،و قالوا إنه لم يمت،و لكن رفع كما رفع عيسى،و سيعود مرة اخرى،فتبرأ ولده الامام علي بن موسى الرضا منهم و لعنهم،و هكذا كان أهل البيت (ع) يبرؤون من اولئك،و هكذا كان كما قال الامام الصادق،لا يزال يكذب على أهل البيت (ع) في كل فترة كذابون،يستهدفون بذلك تشويه منهج أهل البيت (ع) ،و الكيد للإسلام،و تعريض حياة الائمة للأخطار و سوء السمعة،إلا أن أهل البيت (ع) حددوا الموقف الصريح من اولئك المخربين كما أوضحنا.

و من نعم الله على الاسلام و أهله أن انقرضت تلك الفرق الضالة،و لم يبق منها إلا ذكرها السيئ في كتب التاريخ،و الغريب أن بعض الذين في قلوبهم مرض يحاولون أن يشوهوا الحقائق و يقلبوا الامور،فيتهموا منهج أهل البيت (ع) بتلك الخرافات و الأباطيل و يصوروا الملتزمين بمنهج أهل البيت (ع) بتلك الصورة الشوهاء المرفوضة المنقرضة،من هنا كان لا بد من الاشارة و التنبيه على هذه الدسائس الخطرة،و المحاولات الهدامة التي تستهدف شق وحدة المسلمين و تزييف الحقيقة.

و واضح لدى المحققين و الباحثين في شؤون العقائد أن هناك من ينتسب إلى مذاهب المسلمين الاخرى،و يقول بالجبر و التجسيم،و أن لله جسما و له كرسي يجلس عليه،و أن كرسيه سبعة أشبار،و أن الله يدخل رجله في جهنم يوم القيامة فيطفئ حرارتها،و أنه ينزل إلى سماء الدنيا على حمار أبيض.

و واضح أن جميع هذه الأقاويل أباطيل تنافي عقيدة التوحيد،و الإسلام منها براء.

تعليقات:

(1) إن هذا العمل التخريبي و الأفكار الضالة لا ينحصر دورها و محاولاتها الهدامة ضد أهل البيت و محاولة التستر تحت شعارهم،بل عملوا على إدخالها عن طريق بقية فرق المسلمين و طوائفهم الاخرى،لذا تصدى الفلاسفة و العلماء و رجال الحديث من مذاهب المسلمين الاخرى لمواجهتها و التخلص منها،و ما زلنا نشاهد كثيرا من المدسوسات و العقائد غير الصحيحة في كتب المسلمين و تراثهم من مختلف الطوائف،و هي ما يرفضه المحققون الملتزمون.

(2) النوبختي:هو أبو محمد الحسن بن موسى النوبختي،من أعلام الامامية في القرن الثالث الهجري.

(3) النوبختي/فرق الشريعة/ط 1388 ه/ص .59

(4) الخر مدينية:حركة ظهرت في القرن الثاني بعد مقتل أبي مسلم الخراساني بزعامة جاويدان بن سهل،و تدين بتناسخ الأرواح،و هي من بقايا الفرق التي سادت في ايران قبل الاسلام.و قد أحلوا جميع المحرمات و أباحوا نساءهم بينهم.الفرقة الخر مدينية/الدكتورة شهين كامران مقدم/ص .3

(5) المزدكية:أتباع مزدك الذي ظهر في أيام قباد والد أنو شيروان و اسم كتابه الذي ادعى نزوله عليه (ديستاو) و قولهم كقول المانوية«ديانة فارسية قديمة»في الأصلين النور و الظلمة/انظر فهرست ابن النديم.و المزدكية هم الذين أباحوا المحرمات،و زعموا أن الناس شركاء في الأموال و النساء،و اليه يمت المذهب الاشتراكي/تعليق السيد محمد صادق بحر العلوم على كتاب فرق الشيعة للنوبختي.

(6) الزندقية:هم الذين رفضوا تعاليم الأديان الإلهية بحجة تحرر الفكر/المصدر السابق .

(7) الدهريون:هم القائلون إن العالم موجود أزلا و أبدا،لا صانع له،و هم فرقة من الكفار الملحدين.

(8) النوبختي/فرق الشيعة/ص .60

(9) المصدر السابق/ص .44

(10) المصدر السابق/ص .45

(11) المصدر السابق.

(12) ابن النديم/الفهرست/ص .227

(13) سعد بن عبد الله الأشعري/المقالات و الفرق/ص .47

(14) رجال الكشي/ص .305

(15) الطبرسي/مشكاة الأنوار في غرر الأخبار//ط 2،1385 ه/ص .66

(16) العلامة المجلسي/بحار الأنوار/ط 3،1403 ه/ج 47/ص 378،عن كتاب زيد النرسي.

(17) الكليني/اصول الكافي/ط 2/ج 1/ص .269