2- حجابان عظيمان: كثرة النعم والتعود عليها

إنّ سبب غفلة الإنسان عن نعم الله العظيمة وعدم تفكره في دقة الخلق وضرافته هو شيئان: الاول: حجاب كثرة النعم; فإن وفرة النعم تجعل الإنسان يستهين ولا يعتد ولا يفكر بها. وكمثال على ذلك: ان البعوضة لو كانت نادرة في العالم ووقعت بأيدي العلماء، لاعتبرها هؤلاء العلماء موجوداً ذات اهمية وأهلا للدراسات والتحقيق العلمي.

الثاني: حجاب التعود; فان العين مثلا من آيات الخلق العظمى; الا انا لم نفكر بها ولا نتمعّن في خلقها. الاذن كذلك، فهو مستلم قوي ودقيق وعجيب الا انا بسبب تعودنا عليه لا نعرف قدره ولا نثمنه مع انا لو دققنا ليس في هذين فقط بل في كل اشياء العالم لوجدناها عجيبة ومدهشة وتكشف عن اسرار الخلق والعظمة والتوحيد.

 

3- الهداية والضلالة في القرآن

في نهاية الآية يجيب الله المنافقين الذين قالوا: (مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِي بِه كَثِيرَاً) حيث قال: (وما يُضِلُّ بِهِ إلاَّ الفَاسِقِينَ) في هذه الاية وامثالها(1) نسبت الضلالة إلى الله كما نسبت الهداية في آيات اخرى(2) اليه كذلك.

إذا كانت الهداية والضلالة من الله ونحن مجبورون عليهما ولا إرادة لنا في ذلك فلماذا يثيب


1. مثل الآيات 88 و143 من سورة النساء والآيات 187 و186 من سورة الاعراف والآيات 23 و36 من سورة الزمر والآية 46 من سورة الشورى وغيرها.
2. مثل الآيات 142 و213 و272 من سورة البقرة والآية 16 من سورة المائدة والآية 25 و35 من سورة يونس وآيات اخرى.

[ 23 ]

الله المهتدين ويعاقب الضالين رغم انهم مجبورون على ذلك؟

هناك آراء مختلفة في تفسير هذه الآية وأمثالها، فبعض قال: ان المراد من (يضل) هو (يمتحن) أي ان الله يريد امتحان الناس من خلال هذه الامثال.(1)

ويقول البعض الاخر: ان الهداية والضلالة تعنيان إعداد المقدمات لهما لا نفسهما والقرار النهائي فيهما يرجع إلى ارادة الإنسان نفسه. وكأن الله يسلب الموفقية من الإنسان اللجوج، فيراد من الضلالة - على هذا - سلب الموفقية.(2)

ان سبب الاختلاف بين المفسرين يرجع إلى صعوبة معنى المفردتين وتعقدهما، ولهذا علينا ايضاحهما اولا ثم البتّ في حل مشكلة الاختلاف في تفسيرهما.

 

معنى الهداية والضلالة

انتبهوا إلى هذا المثال: ان قطرات الغيث الشفافة والسليمة والمانحة للحياة تنزل على الكرة الارضية اجمع، كما ان الشمس تسطع على هذه الكرة وتمنحها نوراً وطاقة. انّ الغيث والشمس كلاهما من رحمة الله الا ان المحاصيل الزراعية التي تنتجها الأراضي التي تتمتع بهذين النعمتين تختلف، ففي الاراضي المالحة تنبت الادغال، بينما في الاراضي الاخرى تنبت الازهار والنباتات المطلوبة. هل سبب هذا الاختلاف الغيث والشمس ام سببه ملوحة الارض؟

لا شك في ان منشأ الاشكال هو الارض فلو نثرت بذور الازهار مكان بذور الادغال في هذه الارض لتبدلت الارض إلى حديقة أزهار. وعلى هذا فلو قيل: ان المطر جاء لنا بالادغال فان ذلك لا يعني ان المطر هو السبب في ذلك بل الارض كانت سقيمة. ان قضية الهداية والضلالة تجري هذا المجرى، فان وابل الرحمة الالهية نزل بواسطة الرسول(صلى الله عليه وآله)على قلوب جميع البشر، وقد اصغى الجميع لوحي القرآن، فالذين قد أعدوا أراضي قلوبهم من ذي قبل، اهتدوا، اما اولئك الذين لم يغسلوا ملوحة قلوبهم بزلال الايمان ولم يعدوا انفسهم فضلُّوا.


1. انظر مجمع البيان 1: 68.
2. انظر تفسير الامثل 1: 123 - 124.

[ 24 ]

إنّ آيات القرآن تؤيد هذا الادعاء، فالاية الثانية من سورة البقرة تقول: (ذَلك الكِتَابُ لا رَيْبَ فِيْهِ هُدىً للمُتَّقِين) أي ان الهداية تتغمد اولئك الذين ازالوا ستار التعصب واللجاجة عن نفوسهم ولهم اذن صاغية.

وفي الاية المبحوثة هنا (26 من سورة البقرة) يقول الله: (مَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفاسِقينَ)أي انهم كانوا فاسقين واراضي قلوبهم مالحة لذلك اضلهم الله، ونبتت في قلوبهم - اثر نزول مطر الرحمة والإيمان - أدغال الكفر.

ويقول الله في سورة الروم الآية 10: (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةُ الّذِينَ أسَاءوا السُّوأى أن كَذَّبُوا بِآياتِ اللهِ..) أي أنّ تكذيب آيات الله والضلالة كانا نتيجة أعمال الظالمين انفسهم.(1) وعلى هذا; فالهداية والضلالة نتيجة لاعمالنا والله - الحكيم على الاطلاق - وضع مقدرات للعباد حسب حكمته. إذا خطوتُ و خطوات لاجل كسب الالطاف الالهية فاني سافوز بهدايته واذا ما خطوتُ و في طريق غير الحق فاني ساكون مصداقاً للآية الشريفة (إنَّ الله يُضِلُّ مَنْ يَشَاءُ ويَهْدِي إلَيْهِ مَنْ أنَابَ) وكان مصيري الضلالة.

ذيل الاية يفيد ان الهداية ليست من غير حساب، بل تتغمد الإنسان هداية ربانية إذا ما خطى باتجاه طريق الحق وتاب إلى الله، إلاّ أنّ الذي يعادي الله فلا يكون مصيره الا الضلالة.

الخلاصة: لا جبر في البين، وان الهداية والضلالة هما نتيجتان لاعمال الإنسان ذاته، وان الضلالة سم قاتل فلا يلوم الشخص إلاّ نفسه إذا ما تجرّعه بارادته.

إن آيات (الهداية والضلالة) ليست بتلك الدرجة من التعقيد; وقد فسرتها آيات أخرى من القرآن.

وفي النهاية ان تكليف المسلم هو العمل ما في وسعه لاجل اعداد ارض القلب لاستقبال مطر الرحمة الإلهية، وان يطلب من الله التوفيق والعفو عما صدر منه من أخطاء.

 


1. عدت الآية 34 من سورة غافر، الاسراف سبباً للضلالة; والآية 74 من نفس السورة عدت الكفر سبباً لذلك.

[ 25 ]

 

المثل الأول: المنافقون

 

المثل الاول لموضوع بحثنا هو ما ورد في الآيات 17 و 18 من سورة البقرة:

(مَثَلُهُم كَمَثَلِ الَّذي اسْتَوقَدَ نَاراً فلمَّا أضَاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَب الله بِنُورِهِمْ وَتَرَكهُم في ظُلُمَات لا يُبْصُرون صُمٌ بُكُم عُميٌ فَهُمْ لا يَرْجِعُونَ).

 

تصوير البحث

تحدثت الاية عن المنافقين الذين تستروا بستار النفاق; الا ان التمزق كان عاقبة هذا الستار، والخزي هو عاقبة المنافقين انفسهم.

ان المنافق شُبّه هنا بانسان ضلّ وحيداً في صحراء يسعى للحصول على طريق لانقاذ نفسه من خلال استيقاد النار، إلاّ أنّ ذلك لم ينفعه ولا زال في حيرة من أمره.

 

الشرح والتفسير

دُوّن تفسيران للآية الشريفة:

التفسير الأول: إنَّ مثل المنافقين مثل الذين يضلون في صحراء ظلماء ومخوفة. افرضوا أنّ مسافراً تخلف وحيداً عن قافلته في صحراء ظلماء، فهو لا يملك نوراً ولا ضوءاً ولا دليلا يرشده، ولا يعرف الطريق ولا يملك بوصلة. فهو يخاف قطاعي الطرق والحيوانات المفترسة من جهة، ويخاف الهلاك من الجوع والعطش من جهة أخرى. وهذا يدفعه للتفكير بجدية

[ 26 ]

بطريق والسعي الأوفر للخلاص مما هو فيه. فيجد حطباً بعد البحث المتوالي فيستوقد ناراً ثم يأخذ بشعلة نار بيده، إلاّ أنّ الريح تطفئ الشعلة فيبادر إلى جمع حطب آخر ليوقد ناراً أخرى إلاّ ان بحثه هذا لا يؤدي به إلا إلى ضلال آخر وانحراف عن الطريق تارة اخرى.

إنَّ المنافقين كهذا المسافر فهم قد ضلوا الطريق. انهم يعيشون في ظلمات في حياة مضيئة. تخلفوا عن قافلة الانسانية والايمان. ولا دليل لهم على الطريق، لأنّ الله سلب عنهم نور الهداية، وتركهم في ظلمات.

للمنافقين شخصيات مزدوجة، ظاهرها مسلمة وباطنها كافرة; ظاهرها صادقة وباطنها كاذب; ظاهرها مخلص وباطنها مرائي، ظاهرها أمين وباطنها خائن، ظاهرها الصداقة وباطنها العداوة و.. انهم يصنعون من ظاهرهم إنارة خادعة. يتظاهرون بالاسلام وينتفعون بمزايا الإسلام; فذبيحتهم حلال واعتبارهم وعرضهم محفوظ وأموالهم محترمة، ويتمتعون بحق الزواج من المسلمين و.. انهم يتمتعون بمنافع مادية ودنيوية قليلة يحصلون عليها من خلال تلك النار التي استوقدوها، إلا ان هذه النار تخمد بعد الموت (ذَهَبَ اللهُ بِنُورِهِمْ)ويتركهم الله آنذاك في ظلمات القبر والبرزخ والقيامة وحينئذ يدركون ان لا فائدة في اسلامهم الظاهري وايمانهم الريائي.

النتيجة هي أن في الآية أو المثل تشبيهاً، المنافقون هم المشبهون والمسافر المحتار في الصحراء هو المشبه به ووجه الشبه هو الحيرة والضلالة وأن لا أثر لسعيه الظاهري.

التفسير الثاني: فيما يخص التفسير الأول ينبغي التذكير هنا بان الاضاءة الظاهرية لتلك النار والظلمات التي تلحق تلك الإضاءة لا تختص بعالم القيامة المعنوي; بل إنّ لها نتائج في هذه الدنيا كذلك.

لا يتمكن المنافق اخفاء نفاقه للابد فانه سيفتضح في النهاية; وهذا يحصل فيما لو وجد نفسه أو مصالحه عرضة للخطر والفناء، فانه يفصح عن خلده القذر آنذاك كما افصح المنافقون في صدر الإسلام عن بواطنهم في الحروب والحوادث المختلفة؟!

ألم نرَ بأم اعيننا في الثورة الاسلامية وخلال النهضة التي سبقتها كم من المنافقين كشفوا بمرور الزمن عن بواطنهم النتنة وأزالوا نقاب النفاق عمّا في دواخلهم وافتضحوا في هذه الدنيا

[ 27 ]

- أعاذنا الله من شرور أنفسنا - وعلى هذا; فان (ذَهَبَ الُله بِنُورِهِم) لا يختص بالاخرة والقيامة بل انه أمر يتحقق في هذا الدنيا كذلك.

 

خطابات الآية

1- أقسام المنافقين

ان المنافق ليس شخصاً بالضرورة، بل يمكن ان يكون جماعة أو منظمة أو حزب بل وحتى حكومة دولة ما. لقد شاهدنا افتضاح بعض الدول التي تتقمص بالاسلام ظاهراً وتشترك في المجالس والمؤتمرات الاسلامية. وذلك إثر اتضاح العلاقة بينها وبين أكبر أعداء الإسلام أي اسرائيل الغاصبة، وافشاء أمر العقود المبرمة بينها وبين اسرائيل ما خفى منها وما ظهر. فان ضوء نار ادعاءاتها اخذت بالخمود وثبتت ازدواجيتها ورياءها.

نعم; ان ذلك هو عاقبة النفاق

«فاعْتَبِرُوا يَا أوِلي الأَبْصَار».

 

2- صور النفاق

من الأمور التي تستنتج من البحث الاجمالي السابق هو صور النفاق المختلفة وهي كالتالي:

أ - النفاق في العقيدة: وذلك مثل الذي يدعي بلسانه الإسلام، الا انه لا يعد مسلماً، أو أنه يتظاهر بالايمان لكنه لا يحسب من زمرة المؤمنين.

ب - النفاق في الكلام: وهو كالذي ينطق بكلام لا يعتقد به. وعلى هذا، فان الكاذب منافق لأنه لا يتطابق قلبه مع لسانه.

ج - النفاق في العمل: وهو مثل الذي يتضاد ويختلف عمله مع نيته وباطنه، كالذي يتظاهر بالصلاة أو الامانة لكنه في الواقع لا يصلي وخائن.(1)

 

3- علائم النفاق

يحكي الرسول(صلى الله عليه وآله) في رواية له عن علائم المنافق حيث يقول: (ثلاث من كن فيه كان منافقاً


1. للمزيد راجع ميزان الحكمة، الباب 3966 الحديث 20599.

[ 28 ]

وان صام وصلى وزعم انه مسلم، من إذا أؤتمن خان، و إذا حدث كذب و إذا وعد اخلف...).

الأولى: الخيانة، ان الخائن منافق وذلك لانه يتظاهر بالأمانة وهو في الواقع خائن. وعلى هذا لا يمكننا أن نأتمنه بيت المال. قد يكون البعض امناء تجاه الأموال القليلة إلا انهم يفصحون عن واقعهم الخائن عند ائتمانهم على الأموال الطائلة.

الثانية: الكذب، ان الكاذب منافق وذلك لانه يبطِّن نوايا قذرة ومخالفة للحقيقة والواقع من خلال تملقه الكلامي، رغم انه يصلي ويقرأ دعاء الندبة والتوسل وغيرهما.

الثالثة: خلف الوعد، ان الذي يخلف الوعد منافق، وذلك لأنَّ الوفاء بالوعد ضروري من الناحية الاخلاقية ومن الناحية الفقهية قد يكون واجباً أحياناً.(1) وخلاصة الكلام هنا ان كل نوع من الأزدواجية يعدّ نفاقاً.

 

4 - نبذة من تاريخ المنافقين

لم تخل المجتمعات البشرية من المنافقين ابداً، ويمكن ان يقال ان النفاق وجد منذ ان بدأ الإنسان حياته على الكرة الأرضية، وعداء المنافقين للبشرية اتضح منذ ذلك الحين.

إذا عد المنافقون اخطر أعداء المجتمعات البشرية فذلك بسبب انهم يتقمصون قميص الاصدقاء ويبطنون العداء.

ان مقارعة الأعداء هي احد صفات المجتمعات البشرية، وهي آلية تفقد فاعليتها عند المنافق، وذلك لانه يظهر نفسه صديقاً، ولهذا كان ألد الأعداء، ولأجل ذلك كانت التعابير القرآنية في حقه شديدة جداً.

 

المنافقون في القرآن

كلما قلنا سابقاً، فإنَّ القرآن أشار إلى المنافقين بتعابير شديدة نشير إلى بعض منها هنا:

أ - يقول الله في الآية 4 من سورة المنافقين: (هُمُ العَدُوُّ فاحْذَرْهُمْ).


1. ميزان الحكمة، الباب 3931، الحديث 20577، و في الباب روايات اُخرى عدَّت علائم اُخرى للنفاق.

[ 29 ]

لقد أشار القرآن المجيد إلى أعداء المسلمين(1) من خلال آياته الشريفة لكنه لم يستخدم هكذا اسلوب تجاه أىّ من الأعداء. وحسب قواعد اللغة العربية فان الجملة تفيد ان المنافقين هم الاعداء الحقيقيون للانسان.

ب - يقول الله في تتمة الاية: (قَاتَلَهُمُ اللهُ أنَّى يُؤْفَكُونَ) أي ينحرفون عن الحق.

إنَّ هذا الخطاب الشديد فريد ولم يستعمله القرآن في مورد اخر.(2)

ج - يقول الله في الاية 145 من سورة النساء: (إنَّ المُنَافِقِينَ فِي الدَّرْك الأسْفَلِ مِنَ النَّارِ ولَنْ تَجِدَ لهُمْ نَصِيراً) وعلى هذا ينبغي تجنب صداقة أعداء الله التي هي من علائم النفاق.

إن (الدرج) أو (الدرجة) ذات معنى واحد وهو نفسه الذي في (دَرْك) أو (دَرَك) إلاّ أنّ المفردتين الأوليتين تستخدمان للسّلم بلحاظ الاتجاه إلى الأعلى، بينما تستخدم المفردتان الاخيرتان بلحاظ اتجاه السلم إلى الأسفل. كما أنّ كلا منهما استخدم مرة واحدة في القرآن.(3)

ان (الدرك الاسفل) هو قعر جهنم أو اخفض نقطة فيها، ومن البديهي ان يكون العذاب في هذه النقطة اشد، ومن هنا نستنتج أنّ الله أعدّ أشد العذاب للمنافقين. وهذا يكشف عن مدى حساسية موضوع النفاق وخطر المنافقين في جميع العهود ماضياً وحاضراً.

 

خطر المنافقين من وجهة نظر رسول الإسلام(صلى الله عليه وآله)

ينقل المرحوم الشيخ عباس القمي (رض) في كتابه القيّم (سفينة البحار) تحت مادة (نَفَق) حديثاً ملفتاً عن الرسول(صلى الله عليه وآله) نأتي به هنا:


1. عدّ القرآن الشيطان والكافرين والمجرمين والمنافقين أعداءً للإنسان; ولأجل المزيد يراجع المعجم المفهرس للقرآن المجيد كلمة (عدو).
2. لقد استخدم القرآن هذا الخطاب في اليهود في الاية 30 من سورة التوبة لكن ينبغي الالتفات إلى ان اليهود كانوا مبتلين بنوع من النفاق.
3. (الدَرْك) استخدمت في الاية المذكورة في النص. اما (دَرَك) فقد استخدمت في الاية 77 من سورة طه عند بيانه لعبور موسى(عليه السلام) والاسرائيليين من نهر النيل للاشارة إلى المسير الذي ينتهي إلى سطح النهر.

[ 30 ]

«إني لا أخاف على أمتي مؤمناً ولا مشركاً، أمّا المؤمن فيمنعه الله بايمانه وأما المشرك فيقمعه الله بشركه، ولكني أخاف عليكم كل منافق عالم اللسان، يقول ما تعرفون ويفعل ما تنكرون».(1)

وفقاً لهذه الرواية، إنَّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان قلقاً على المجتمع الاسلامي من خطر المنافقين، وقلقه لم ينحصر في العهود الماضية وفي الحجاز فحسب; بل ان قلقه شامل لجميع العصور والبلاد الاسلامية وحتى الجمهورية الإسلامية الإيرانية.

 

5 - التعبير بـ (النار) في القرآن

هناك نتيجتان تترتبان على استخدام القرآن لمفردة (نار) لا (نور):

الاولى: ان الدخان والرماد من لوازم النار، والمنافق يبلي الآخرين بما ينجم من مضار عن هذه النار التي اججها بنفسه، المضار التي نتيجتها التفرقة والضغوط التي تفرض على الناس، هذا مع ان المؤمن ينهل من النور الخالص والمشعل المضيء للايمان.

الثانية: رغم تظاهر المنافقين بنور الإيمان الا ان واقعهم نار، واذا تمتعوا فبشعلة ضعيفة وقصيرة مدتها.(2)

 

6- النور والظلمات

يقول الله (وَتَرَكَهُمْ فى ظُلُمَات لا يُبْصِرُونَ).

إنَّ مفردة (ظلمات) استخدمت 23 مرة في القرآن، ولم تستخدم في مورد من الموارد بصيغتها المفردة بل كانت في جميع هذه الموارد جمعاً. أما مفردة (النور) فقد استخدمت 43 مرة في القرآن وفي صيغة المفرد لا الجمع. ويا ترى أليس في ذلك خطاب؟

سر هذا يرجع إلى أنّ القرآن يريد بيان ان النور واحد مهما كان نوعه، وهو نور الله (اللهُ


1. نهج البلاغة الرسالة 27 وكذا ميزان الحكمة، الباب 3934.
2. للمزيد راجع تفسير الأمثل 1: 96 - 100.

[ 31 ]

نُورُ السَّمَواتِ والأَرْضِ).(1) أما نور الايمان ونور العلم ونور اليقين ونور الاتحاد والتلاحم وفكلها ترجع إلى نور واحد، وهو نور الله ولا نور غيره; لذلك لم يستخدم القرآن النور الا بصيغة المفرد.

أمّا النفاق والكفر والاختلاف والتفرقة فهي ليست ظلمة واحدة، بل ظلمات متعددة، هناك ظلمة الجهل وظلمة الكفر وظلمة البخل وظلمة الحسد وظلمة عدم الخوف من الله وظلمة الهوى والهوس وظلمة الوساوس الشيطانية و.. وخلاصة الظلمات متنوعة وليست واحدة، لذلك استخدمت بصيغة الجمع.

 

7 - خصال المنافقين الثلاث

إنّ المنافقين - حسب هذه الآية (18) - لهم ثلاث خصال:

الأولى: صمّ، وهي صيغة جمع لأصم وتعني عدم السمع.

الثانية: بكم، وهي صيغة جمع لأبكم وتعني أخرس.

والآية تعني أنهم لا يسمعون ولا ينطقون. إنّ الاصم لا يستطيع التكلم رغم سلامة جهاز النطق عنده; لأنَّ الإنسان لا يمكنه ان ينطق بكلمة لم يسمعها ولم يتعلمها، ولذلك جاء القرآن بصفة الاصم قبل صفة الابكم، وهي تعني في النهاية ان المنافقين صمّ وبكم دائماً.

الثالثة: عمي، وهي جمع (أعمى) وتعني فاقد البصر، وعلى هذا فان المنافقين صم بكم وعمي، أي لا اذن لهم يسمعون بها ولا لسان لهم ينطقون به ولا عين لهم يبصرون بها. ومع هذا الحال، كيف يمكنهم معرفة الطريق الصحيح وكيف يمكنهم ادراك انحرافهم وخطأهم؟

إنَّ هذه الحواس والعناصر الثلاثة هي وسائل معرفة الإنسان، فالاذن وسيلة للتعلم، واللسان وسيلة لنقل العلوم من جيل إلى آخر، والبصر هو وسيلة لاكتشاف العلوم والظواهر الجديدة، والذي يفقد هذه العناصر الثلاثة لا يمكنه الخروج من الطريق المنحرف كما لا يمكنه الرجوع إلى طريق الحق . لكن يطرح سؤال هنا وهو: انا نشهد المنافقين يتمتعون بالحواس الثلاث، فلم القرآن ينفيها عنهم؟


1. النور: 35.

[ 32 ]

نقول في الجواب: للقرآن منطقاً خاصاً فينُظر إلى كل شيء في معجم القرآن من حيث الاثار التي تترتب عليه، ووجود الشيء وعدمه يتوقف على وجود آثاره وعدمها.

وعلى هذا; فالذين يتمتعون بنعمة النظر لكنهم لم يستخدموه لمشاهدة آيات الله والاعتبار من مناظر الدنيا هم في الحقيقة عمي حسب رؤية القرآن. واولئك الذين يتمتعون بنعمة السمع لكنهم لا يصغون لكلام الله ولا صوت المظلومين والمستضعفين فهم صم في منطق القرآن. واولئك الذين يتمتعون بنعمة اللسان لكنهم لا يشغلونه في ذكر الله والامر بالمعروف والنهي عن المنكر وارشاد الجاهل و.. فهم بكم في معجم القرآن. ووفقاً لهذا المعجم في مقياس اوسع اعتبر بعض الاحياء من الناس أمواتاً، وبعض الاموات احياءً، كمثال على ذلك يصف القرآن شهداء طريق الحق بأنهم احياء رغم انهم اموات ظاهراً.

(وَلاَ تَحْسَبَنَّ الّذين قُتِلُوا فِي سَبِيْلِ اللهِ أمْوَاتاً بَلْ أحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ).(1)

إنَّ الشهداء من وجهة نظر القرآن احياء; وذلك لانهم يحضون بالتأثير الذي يحضى به الإنسان الحي، فانهم يقوّون الإسلام وذكرهم يداعي في الاذهان المعروف والحسنات.

ويقول القرآن في مكان آخر: (إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرٌ وقُرْآنٌ مُبِينٌ ليُنْذِرَ مَنْ كَانَ حَيّاً وَيَحِقَّ القَولُ على الكَافِرِينَ).(2)

إنّ الأحياء من وجهة نظر القرآن المجيد وفق هذه الاية هم طائفتان: الاولى: المؤمنون الذين يعيشون حياة قرآنية. الثانية: غير المؤمنين وهم اموات يعيشون بين الأحياء، فإنّ الذين يفقدون الأذن الصاغية أموات حسب رأي القرآن.

وفي النتيجة إنّ المنافقين رغم ما يحضون به من اذن وعين ولسان، يفقدون الآثار الوجودية المترتبة على هذه الحواس. لذلك عُدّوا صمّاً وبُكماً وعُمياً من وجهة نظر القرآن، فهم إذن (لا يْرجِعُونَ) أي لا يرجعون عن طريق الباطل; وذلك لأنهم يفقدون آليات المعرفة; شأنهم شأن الذي تجتمع فيه صفات الصم والبكم والعمي وقد أخذ بالسقوط، فإنّا لا يمكننا انقاذه أبداً;


1. آل عمران: 169.
2. يس: 69 و 70.

[ 33 ]

لأنه لا لسان له ليستنجد ولا اذن له ليسمع تحذيرنا، ولا يملك عيناً ليرى بها علائم الخطر قبل أن يسقط.

 

8 - منشأ (النفاق)

للنفاق ثلاثة مناشىء:

الأول - العجز عن المواجهة والنزاع المباشر: ان الاعداء عندما يخسرون النزاع ويفقدون القدرة عليه بشكل مباشر، يتقمصون قميص النفاق ليستمروا بالعداء والخصومة. إنّ اعداء الرسول(صلى الله عليه وآله) كانوا يتظاهرون بالعداء له، لكنهم تظاهروا بالاستسلام عندما تغلب الرسول عليهم واستمروا يبطنون الكفر والعداء له وللإسلام وإنَّ أبا سفيان وأمثاله ضلوا منافقين إلى آخر عمرهم.(1)

ولأجل ذلك كان الإعتقاد بأن النفاق بدأ من المدينة; لأن الإسلام في مكة كان ضعيفاً، وما كان أحد يخافه. لذلك ما كان حاجة للتظاهر بالإسلام وتبطين الكفر الا انا نعتقد ان النفاق بدأ من مكة رغم ان دواعي النفاق في مكة لم تكن الخوف، بل داعي النفاق آنذاك هو توقع البعض مستقبلا زاهراً للإسلام، الأمر الذي يضمن لهم مستقبلا وموقعاً جيداً.

يمكننا مشاهدة هذا الاسلوب من النفاق في جميع الازمنة والثورات منها الثورة الإسلامية في ايران; فان بعض المنافقين هم الأعداء الذين خسروا المعركة ضد الثورة وعيوا النزاع المباشر والعلني.

الثاني - الإحساس بالحقارة الباطنية: ان الشخصيات الضعيفة والجبانة والتي تفقد الشجاعة اللازمة لابراز الاعتراض والتفوه بما يخالف الآخرين، تسعى هذه الشخصيات ان تسلك النفاق منهجاًً لحياتها ولتتجنب المواجهة بل تتظاهر بالاتفاق مع الجميع.

إن المنافق يتظاهر بالإسلام عند المسلمين ويتظاهر بعبادة النار عند عبدة النار، ويتظاهر


1. إنَّ الرسول(صلى الله عليه وآله) كان يعلم بحالهم لكن باعتبار ان مواجهتهم العلنية والمباشرة كانت تؤدي إلى نتائج لا يحمد عقباها اجتنب عن منازعتهم ومخاصمتهم وقد قال: «لولا اني اكره ان يقال: ان محمداً استعان بقوم حتى إذا ظفر بعدوه قتلهم لضربت أعناق قوم كثير» وسائل الشيعة ج18، ابواب حد المرتد، الباب 5، الحديث 3.

[ 34 ]

بالعلمانية عند العلمانيين; وذلك لضعف الشخصية، فهو لا يتجرأ التفوه بعقيدته الواقعية.(1)

الثالث - حب الدنيا: إنّ النفاق الدولي والعالمي لهذا العصر ينبع من هذا المنشأ . إن سبب الازدواجية في التعامل وانطلاق دعوات لاحترام حقوق البشر من قبل بعض الدول الاستكبارية في موارد، وسكوت ذات الدول في موارد أخرى، رغم ما تحصل من انتهاكات وجرائم ضد البشرية، هو حب الدنيا . فالدول تطلق هذه الدعوات متى ما تعرضت مصالحها للخطر وتستخدم هذه الحربة ضد الدول التي تعرض مصالحها للأخطار; إلاّ أنها تتغاضى عن هذه الانتهاكات إذا ما صدرت عن احد صديقاتها التي لا تعرّض مصالحها للخطر، حتى لو كانت الانتهاكات واضحة ولا شبهة فيها ولا تبرير لها.

القرآن المجيد يحكي نماذج بارزة ومؤلمة عن هذه الطائفة من المنافقين في الايات 75 - 77 من سورة التوبة:

(وَمِنْهُم مَنْ عَاهَدَ اللَه لَئِنْ آتينا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَدَّقَنَّ ولنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمّا آتاهُم مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُو بِه وتَوَلَّوا وَهُمْ مُعْرِضُونَ فأعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فى قُلُوبِهِمْ إلى يَومِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أخْلَفُوا الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

هذه الايات نزلت في ثعلبة بن حاطب، وكان من الانصار فقال للنبي(صلى الله عليه وآله): ادع الله ان يرزقني مالا. فقال: «يا ثعلبة قليل تؤدي شكره خير من كثير لا تطيقه(2) أمّا لك في رسول الله اسوة حسنة؟ والذي نفسي بيده لو أردت ان تسير الجبال معي ذهباً وفضة لسارت».

ثم اتاه بعد ذلك فقال: يا رسول الله ادع الله ان يرزقني مالا والذي بعثك بالحق، لئن رزقني الله مالا لاعطين كل ذي حق حقه.(3) فقال(صلى الله عليه وآله): «اللهم ارزق ثعلبة مالا».


1. في حديث للامام علي(عليه السلام) اشار فيه إلى هذا المنشأ «نفاق المرء من ذل يجده في نفسَه» ميزان الحكمة الباب 9392، الحديث 20258.
2. مراد الرسول الاكتفاء بالحياة البسيطة والقناعة بها.
3. من الأمور المستفادة من هذه الرواية هو عدم الاصرار على الطلب. وقد جربت هذه القضية لمرات عديدة، فان عدم الاستجابة قد تكون لصالح الإنسان وهو لا يعلم بذلك كما يقول الله (عَسَى أن تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُو خَيْرٌ لَكُم) الأمر صادق حتى بالنسبة إلى الطلبات المعقولة مثل الاصرار على التوفيق لاداء صلاة الليل فان عدم توفيقه قد يكون لاجل الحول دون ابتلائه بالعجب والرياء.

[ 35 ]

فاتخذ غنماً فنمت كما ينمو الدود فضاقت عليه المدينة فتنحى عنها فنزل وادياً من أوديتها، ثم كثرت نمواً حتى تباعد من المدينة فاشتغل بذلك عن الجمعة والجماعة. وبعث رسول الله(صلى الله عليه وآله) اليه المصدق ليأخذ الصدقة فابى وبخل وقال: ما هذه الا اخت الجزية،(1) فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله):«يا ويح ثعلبة، يا ويح ثعلبة»، وأنزل الله الآيات.(2)

أرجع القرآن سبب نفاق ثعلبة إلى بخله وحبه للدنيا وخلفه للوعد. والمدهش أنّ الآية الشريفة اعتبرت نفاق امثال ثعلبة مستمراً إلى يوم القيامة ولا يخرج من قلوبهم إلى يوم يلقون الله. اللهم اجعل عواقب امورنا خيراً.

إذا اردنا ان لا نبتلى بهذا المرض الخطر علينا تجنب مناشىء النفاق والابتعاد عنها، وبخاصة أنا في ليالي شهر رمضان المباركة، علينا ان ننهل من بركة هذه الليالي في الاسحار وذلك باداء صلاة الليل ولو باختصار ومن دون المستحبات جميعها والسجود واللجوء إلى الله والعوذ به من النفاق وجميع الذنوب والرذائل الأخلاقية.


1. كثير اولئك الذين لا يؤدون ما عليهم من خمس ويبررون عملهم باقاويل مثل: «نحن حصلنا على هذه الاموال بعرق جبيننا فلماذا نعطيها لغيرنا؟».
2. تفسير الأمثل 7: 124 - 125.

[ 36 ]

[ 37 ]

 

المثل الثاني: تمثيل آخر للمنافقين

 

يقول الله في الايتين 19 و 20 من سورة البقرة:

(أَوْ كَصَيِّب منَ السَّماءِ فيهِ ظُلُمَاتٌ وَرَعْدٌ وَبْرقٌ، يَجْعَلُونَ أصَابِعَهُم فِي آذَانِهِمْ مِنَ الصَّوَاعِقِ حَذَرَ المَوْتِ واللُه مُحِيطٌ بالكَافِرِينَ يَكَادُ البَرْقُ يَخْطِفُ أبصارَهُمْ كُلَّمَا أضاءَ لهُم مَشَوا فيه وإذا أظْلَمَ عليهم قامُوا ولو شَاء اللهُ لذَهَبَ بِسَمْعِهِم وأبصَارِهِم إنّ اللهَ عَلى كُلِّ شَيء قَدِيْرٌ).

 

تنوع أمثال القرآن

أمثال القرآن متنوعة جداً. والله استعان بمختلف الأمثال لاجل ايضاح حقائق مهمة لها تأثير بالغ في تربية الإنسان وسعادته. تارة يمثل الله بالجمادات كما في الآية 17 من سورة الرعد: (أنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فسَالَتْ أودِيَةٌ بِقَدَرِها فاحْتمَلَ السَّيْلُ زبَداً رابياً وَمِمَّا يُوقِدُونَ عَلَيْهِ في النَّارِ ابْتِغَاءَ حِلْيَةً أو مَتَاع زَبَدٌ مثلُهُ كَذَلك يَضْرِبُ اللُه الحقَّ والبَاطِل..).

لأجل ايضاح ماهية الحق والباطل استعان القرآن هنا بالتمثيل بالمطر، فانه عندما ينزل من السماء ينزل زلالا طاهراً، الا انه عندما يجري على الارض يتسخ بالوحل وبما على الارض من أوساخ، وتتبدل الاوساخ أحياناً إلى رغوة (زبد) وعندما يصل هذا الماء الجاري إلى أودية يفقد رغوته تدريجياً ليرجع إلى زلاله. والحق والباطل مثل هذا الماء فالرغوة الوسخة بمثابة الباطل والماء الجاري الطاهر بمثابة الحق.

وقد يمثل القرآن بالنباتات كما هو الحال في الاية 24 من سورة ابراهيم: (ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ

[ 38 ]

اللهُ مَثَلا كَلِمَةً طَيّبةً كَشَجَرَة طَيّبَة أصلُهَا ثَابِتٌ وفَرْعُهَا فِي السَّماء).

إنّ أبرز مصداق للكلمة الطيبة هو كلمة (لا اله الا الله) فمثّلها الله بالشجرة الطيبة الخضراء دائماً.

وقد يمثل القرآن بالحيوانات ونموذج ذلك ما جاء في الاية 26 من سورة البقرة: (إنَّ اللهَ لا يَسْتَحِي أنْ يَضْرِبَ مَثَلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا...) فمثّل هنا بحيوان صغير، كما مثل في سورة العنكبوت الآية 41 بالعنكبوت.

وقد يمثل القرآن بإنسان كما فعل في الآية 171 من سورة البقرة: (وَمَثَلُ الّذينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الذي يَنْعِقُ بِمَا لا يَسْمَعُ إلاّ دُعاءً ونِِدَاءً صُمٌ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ).

مثل الله تعالى الرسول(صلى الله عليه وآله) في الاية بالراعي والكفار بالحيوانات التي يرعاها الراعي.

إنّ اهم سبب لتنوع أمثال القرآن هو تبسيط الفهم وتعميقه عند المخاطبين الاوائل للقران وهم العرب الاميون في عهد الجاهلية وكذا المسلمون فانهم باستثناء عدد قليل منهم كانوا اميين وما كانوا يتمتعون بحظ وافر من الفهم والتعقل.

وما كان بالامكان تفهيمهم المفاهيم القرآنية الا بهذا الأسلوب وبآلية التمثيل التي تجسد المفاهيم القرآنية الرفيعة.

على الجميع وبخاصة العلماء والفقهاء والخطباء و.. ان ينتهجوا منهج القرآن هذا، ليسهلوا على المخاطب إدراك المفاهيم ويؤثروا في نفسه ويجذبوه نحوها. إنَّ القرآن الذي هو من تجليات الجمال الإلهي هو بنفسه مظهر للجمال الكلامي. وعلى هذا ينبغي اتباع القرآن في تسهيل الكلام وتنميقه، ونحن نعدُّ هذا أصلا قيمياً.

اولئك الذين تحضى كتابتهم بالتعقيد وصعوبة الفهم ويعدون استخدام اسلوب التسهيل في الكتابة علامة على قلة العلم، هم في الحقيقة انتهجوا منهجاً عكس المنهج الذي سلكه القرآن.(1) نأمل من الجيل الشاب للحوزة العلمية وطلاب الجامعة ان يعدوا سهولة البيان فناً


1. يقول الله في الاية 4 من سورة ابراهيم (وَمَا أرْسَلْنَا مِنْ رَسُول إلاَّ بِلسَان قَوْمِهِ لِيُبَيِّنَ لَهُمْ) كما قال الرسول(صلى الله عليه وآله)مراراً: «أمرنا ان نكلم الناس على قدر عقولهم» بحار الانوار 1: 85.

[ 39 ]

وقيمة ويعدوا صعوبة الكلام وتعقده كعمل غير قيمي بل مخالف للقيم.