تأليف
آية الله العظمى مكارم الشيرازي
إعداد
أبو القاسم عليان نژادي
تعريب
تحسين البدري
مكارم شيرازى، ناصر، 1305 - امثال القرآن / تأليف مكارم الشيرازى; اعداد ابوالقاسم عليان نژاد; تعريب تحسين البدرى. - قم: مدرسة الامام على بن ابى طالب(عليه السلام)، 1382.
552 ص.
isbn 964-6632-94-7
عربى.
فهرستنويسى بر اساس اطّلاعات فيپا.
عنوان اصلى: مثالهاى زيباى قرآن (امثال القرآن).
1. قرآن - - امثال. الف. عليان نژادى، ابوالقاسم، 1343، گردآورنده و مصحح. ب. بدرى، تحسين، مترجم. ج. عنوان.
2043 م 7 م / 4 / 84 bp
1382
كتابخانه ملى ايران 154/297
هوية الكتاب
* اسم الكتاب / أمثال القرآن
* المؤلف / سماحة آية الله العظمى الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
* إعداد وتدوين / ابو القاسم عليّان نژادي
* نقله إلى العربية / تحسين البدري
* الناشر / مدرسة الامام على ابن ابيطالب(عليه السلام)
* التوزيع / نسل جوان للطباعة و النشر - قم، شارع شهداء تلفكس 7732478
* عدد النسخ / 2000
* رقم الصفحات و القطع / 552 - وزيرى
* المطبع / اميرالمؤمنين(عليه السلام) - قم
* الطبع / الاولى - 1424 هـ.ق
شابك: 7-94-6632-964
الإهداء
إلى المتعطشين لزلال معارف القرآن الطاهرة.
إلى الباحثين في علومه الرفيعة.
إلى عشاقه الذين أحبوا العيش في ظله والحشر معه.
إنّ كتاب (امثال القرآن) عبارة عن محاضرات القاها سماحة آية الله العظمى مكارم الشيرازي خلال شهري رمضان من عامى 1418 و 1419 و قد قام بتدوينها و اعدادها حجة الاسلام والمسلمين ابوالقاسم عليان نژادي و قام دار النشر (نسل جوان) بنشر نسختها الفارسية، كما قام بنقلها إلى العربية الشيخ تحسين البدري و صُفت حروفها في المؤسسة الإسلامية للبحوث و المعلومات (دانا فجر) و برعاية خاصة منها.
و الموضوع باعتباره طُرح على شكل محاضرات قد يفقد بعض الترتيبات الفنية التي يستلزمها أي كتاب، لذا نأتي بعنوان مكتب المؤلف لتقبّل الاقتراحات و الانتقادات البناءة، ولإتاحة الفرصة لابداء الرأي لمن أحب ذلك.
ايران - قم - شارع الشهداء - مدرسة الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) مركز نشر و تدوين آثار سماحة آية اللّه العظمى المكارم الشيرازي (مدّظلّه).
بسم اللّه الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على جميع الانبياء والمرسلين، لا سيّما أفضلهم خاتم النبيين، وعلى آله الطاهرين المعصومين المنتجبين.
لقد عدّ الرسول(صلى الله عليه وآله) (في الخطبة الشعبانية المعروفة) شهر رمضان شهر المغفرة والبركة.(1)
انه شهر الرحمة، لان أعمال الانسان الروتينية مثل النوم والتنفس في هذا الشهر لها ثواب العبادة فضلا عن العبادة نفسها.
إنّه شهر المغفرة والعفو، لأن بحر لطف الله وعفوه موّاج في هذا الشهر. أبواب الجنة فيه مفتوحة وأبواب جهنم مغلقة، والشياطين في غلّ وسلاسل. يغفر في كل ليلة منه - حسب ما في رواية - لسبعين الف وفي ليلة القدر يغفر بعدد الذين غفر لهم خلال هذا الشهر الا اولئك الذين يحملون البغض والعداوة عن اخوانهم في الدين، ولا يغفر لهم حتى يتصالحوا.(2)
انه شهر البركة، لان فيه نزول انواع النعم والمواهب المعنوية والالهية، انه شهر نزول وابل الرحمة على الانسانية، واهم نعمة فيه هو نزول القرآن المجيد (أي مائدة السماء العظمى). هنيئاً
لاولئك الذين ينهلون من زلال معارفه ويتأملون فيها ويتدبرون ويلتقطون من بحر تعاليمه الجواهر ومن حديقة حكمه ومواعظه الازهار.
ان بعضاً من الدول الاسلامية وبخاصة ايران الاسلامية تعطّر نفسها في هذا الشهر بالتبليغ والاعلام للمعارف الالهية. ان الناس بدخولهم في ضيافة الله يستقبلون المبلغين وعشاق المعارف الالهية، لذلك نرى جلسات القرآن وتلاوته وتفسيره وبيان معارفه والاحكام الدينية والتوسل بأهل البيت(عليهم السلام) في كل شارع وزقاق.
إنّ جلسات المرجع الكبير آية الله العظمى مكارم الشيرازي (مد ظله) من جملة تلك الجلسات حيث اختصت بتفسير القرآن، فانه في محاضراته هذه يسقي عشاق هذا الكتاب من زلال معارف القرآن المجيد.
ان موضوع التفسير في محاضرات آية الله مكارم الشيرازي لعامي 1418 و 1419 هـ.ق هو (أمثال القرآن) وهو موضوع رغم بساطته يعدّ من اهم وأعقد المفاهيم القرآنية.
مع الالتفات إلى قوة طرح الموضوع وسلاسة بيان هذا المفسر الجليل وغنى المطالب التي تضمنتها المحاضرات، بادرت إلى جمع هذه المطالب وتدوينها وتنظيمها ونشرها بعد اخذ الرخصة من سماحته.
وما في متناول ايدينا هنا هو عبارة عن الشكل المنظم والمرتب لمحاضراته تقدم لعشاق المعارف الالهية والقرآنية.
وننبه هنا على النقاط التالية:
1- قد يظن بعض القراء الاعزاء انّ آيات (أمثال القرآن) قد فسرت بالمقدار الكافي في تفسير (الأمثل)، الا ان مطالعة هذا الكتاب يكشف لنا ان الاستاذ الجليل قد توصل في هذه المحاضرات إلى حقائق جديدة وبديعة ومفيدة جداً لم يشر لها في تفسير (الامثل) رغم كل مزاياه وامتيازاته، وهو لا يغنينا عن مطالعة هذا البحث.
2- ينقل الاستاذ آية الله العظمى مكارم الشيرازي (زيد عزه): انّ البعض اعترض عندما بدأت بتأليف تفسير (الامثل) قائلا بكفاية (مجمع البيان) ولا ضرورة لتفسير جديد، الا ان
مضي الزمان وتدوين تفاسير جديدة مثل (الميزان) و (الامثل) كشف عن حاجة الناس وتطلعهم للجديد مما يستشف من كتاب الوحي الالهي.
انه كتاب مصداق للحديث الشريف للرسول(صلى الله عليه وآله): «لا تشبع منه العلماء ولا يخلق عن كثرة رد ولا تنقضي عجائبه».(1) وان المفسرين في كل عصر موظفون للنهل من مستجداته وذلك بالافادة من العلوم والإكتشافات الجديدة; وكما قيل (كم ترك الاول للاخر).
3- نقرّ بنواقص التدوين والتنظيم، لذلك نمدّ اليكم - أيها القراء الإفاضل - يد العون لنستقبل الإقتراحات والانتقادات البناءة.
ربنا أحينا مع القرآن وامتنا معه، واحشرنا معه، آمين يا رب العالمين.
ربنا تقبل منا انك انت السميع العليم.
الحوزة العلمية في قم
ابو القاسم عليان نژادي
18/12/1376 الموافق للحادي عشر من ذي القعدة
يوم ولادة الامام علي بن موسى الرضا(عليه السلام).
شهر رمضان الذي هو شهر نزول القرآن له علاقة محكمة بالقرآن. ولأجل بيان هذه العلاقة نقوم بدراسة اجمالية لبعض آيات القرآن المجيد.
يبيّن القرآن في الآية 183 من سورة البقرة حكم وجوب الصوم، وإيضاحاً لأهميته يطرح قضية شمولية الصوم للنحل الاخرى ويقول: (كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُم) ثم يعتبر التقوى وتربية الروح هي نتيجة الصيام.
ثم يستثني ثلاث طوائف من وجوب الصوم في الاية 184 اما الطائفة الاخيرة فملزمة باداء الكفارة وهي بحجم 750 غراماً من الحنطة او ما شابه.
كما أن هذا العجز المذكور في الاية يرفع وجوب الصوم على البنات اللاتي بلغن تواً باعتبارهن لم يتجاوزن العشر; فان البلوغ هو احد شروط وجوب الصوم; والاطاقة هو الشرط الاخر له، وبذلك تحل مشكلة هذه البنات، فان الصوم غير واجب على البالغات تواً واللاتي لم يطقن الصوم لضعف جسمهن وصغر سنهن.
وفي الاية 185 من نفس السورة يعلن القرآن أن شهر رمضان شهر الصوم، ويبين اهمية هذا الشهر من حيث انه شهر نزول القرآن ويقول: (شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنْزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى والفُرْقَان...) ان المستشف من هذه الآية هو ان نزول القرآن في ليلة القدر على صدر الرسول(صلى الله عليه وآله) هو اهم خصوصية يمتاز بها هذا الشهر الكريم.
شهر رمضان شهر العبادة والتربية وترك المعصية واداء الطاعة.
لاجل القيام بهذه المهمة نحتاج إلى التعليم والتربية معاً. ان (القرآن) يعلم الانسان و(الصوم) يربيه. ولا يصل الانسان إلى الكمال الا بهما. وفي الحقيقة; ان (القرآن) من دون فريضة (الصوم) تعليم ناقص ومن دون تربية. والصوم من دون (قرآن) تربية فاقدة للعلم والمعرفة. ولذلك فعلى المسلم ان يصوم ويحيي شهر رمضان لكي يتربى، وباقترابه بالقرآن وانسه معه يهتدي، وذلك لان القرآن هداية وبينات وفرقان (هُدَىً لِلنَّاسِ وَبَيِّنَات مِنَ الْهُدَى والفُرْقَانِ) إن كتاباً كهذا نزل في شهر رمضان، كما قد وجب الصوم في الشهر ذاته لذلك ينبغي الالتفات الخاص إلى هذين الهديتين.
تلاوة القرآن فضيلة كبرى، وبخاصة في شهر رمضان المبارك فان فضيلة ذلك لا تعد ولا تحصى.
وهذه الفضيلة تحصل في وقت تتزامن فيه التلاوة مع التدبر والتفكّر الذي يطهر الروح ويوفر الأرضية للعمل.
ولهذا الغرض ارتأينا ان يكون لنا درس تفسير القرآن في شهر رمضان هذا العام(1) وقد اخترنا موضوع (أمثال القرآن) ليكون ارضية جديدة في التفسير ولكي تعم فائدته.
لماذا جاء القرآن بالامثال؟
يشاهد في القرآن اكثر من خمسين مثلا(2) ففي سورة البقرة التي هي ثاني سورة يوجد عشرة امثال على أقل تقدير. فما هي الحكمة في الامثال بحيث جاء بها القرآن وبهذا الحجم؟
الجواب: ان المثل يعني تشبيه الحقائق العقلية بالامور الحسية الملموسة. فمن جانب هناك أمور عقلية كثيرة لا يفهمها اكثر الناس. ومن جانب آخر، فإن الناس اعتادوا على المحسوسات والعينات الملموسة، ولهذا كان المثل (عقول الناس في عيونهم) وهو يعني ان ادراك الناس للامور الملموسة والمرئية اسهل لهم. ومن هنا طرح القرآن بعض المفاهيم العقلية الرفيعة في قالب الامثال ليسهل على الناس ادراكها. وعلى هذا; فان فلسفة امثال القرآن هو تنزيل القضايا العميقة والرفيعة إلى مستوى يتناسب مع أفق تفكير الناس.
ينبغي الالتفات هنا إلى نقطة وهي ان بعض الامثال عملية وتبين بلسان العمل، وبعضها لفظية تبين باللسان والقول.
ان أمثال القرآن هي من النوع الثاني، الا انه يشاهد بعضاً ما في سيرة الرسول(صلى الله عليه وآله)واهل بيته الاطهار(عليهم السلام) امثال عملية، وهي بالطبع ذات تأثير اكثر،(1) نأتي هنا بنموذجين من ذلك.
إنَّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) نزل بارض قرعاء فقال لاصحابه: «ائتونا بحطب» - قد هدف الرسول من ذلك شيئاً غير الاعداد للنار - فقالوا: يا رسول اللّه نحن بارض قرعاء ما بها من حطب. قال: «فليأت كل انسان بما قدر عليه»، فجاؤوابه حتّى رموا بين يديه بعضه على بعض.
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «هكذا تجتمع الذنوب» ثم قال: «اياكم والمحقرات من الذنوب فان لكل شيء طالباً الا وان طالبها يكتب ما قدموا وآثارهم. وكل شيء احصيناه في امام مبين».(2)
نعم ان الذنوب الصغيرة قد تتراكم لتبلغ مستوى الجبل ارتفاعاً، وكثافة جبل من النار. ان خطر الذنوب الصغيرة هو عدم الإنتباه إليها واتخاذ موقف اللامبالاة تجاهها، فذكَّر الرسول(صلى الله عليه وآله)بخطرها بهذا المثل العملي.
عندما كان الامام علي(عليه السلام) خليفة كان له اخ صاحب اطفال وعائلة وما كانت تكفيه مؤنة بيت المال فطلب من الامام سهماً اكبر من بيت المال فكان جواب الامام علي(عليه السلام)... ولنقرأ القصة على لسان الامام نفسه:
«والله لقد رأيت عقيلا وقد املق(1) حتى استماحني(2) من بركم(3) صاعاً، ورأيت صبيانه شعث(4) الشعور، غبر الالوان(5) من فقرهم، كانما سودت وجوههم بالعظلم(6) وعاودني مؤكداً وكرر علي القول مردداً فاصغيت اليه سمعي فظن اني ابيعه ديني، واتبع قياده(7) مفارقاً طريقتي، فأحميت له حديدة ثم أدنيتها من جسمه ليعتبر بها، فضج ضجيج ذي دنف(8) من ألمها، وكاد ان يحترق من ميسمها.(9) فقلت له: ثكلتك الثواكل(10) يا عقيل! أتئن من حديدة احماها انسانها للعبه وتجرني إلى نار سجرها جبارها لغضبه! اتئن من الاذى ولا ائن من لظى!(11) وأعجب من ذلك طارق طرقنا بملفوفة(12) في وعائها ومعجونة شنئتها(13) كانما عجنت بريق حية او قيئها، فقلت أصِلة(14) ام زكاة ام صدقة؟ فذلك محرم علينا اهل البيت؟
فقال: لا ذا ولا ذاك ولكنها هدية. فقلت هبلتك الهبول!(1) أعن دين الله اتيتني لتخدعني؟ امختبط انت او ذو جنة(2) ام تهجر(3) والله لو أعطيت الاقاليم السبعة بما تحت افلاكها على ان اعصي الله في نملة اسلبها جلب(4) شعيرة ما فعلته، وان دنياكم عندي لاهون من ورقة في فم جرادة تقضمها(5) ما لعلي ولنعيم يفنى، ولذة لا تبقى!! نعوذ بالله من سبات(6) العقل، وقبح الزلل(7) وبه نستعين».(8)
ان هذه الامثال تسهل ادراك وهضم كثير من المفاهيم، ولها وقع وتأثير يفوق النصيحة الموعظة ان هذا المثل لا يختص بعقيل وفي ذلك الزمن والعصر فحسب بل انه مثل للجميع وفي كل العصور والازمنة. ولهذا الغرض استخدم القرآن الامثال.
لقد بُيّن الهدف من الأمثال في بعض آيات القرآن، نأتي هنا بثلاثة نماذج:
1- في الاية 25 من سورة ابراهيم بعد ما شبّه (الكلمة الطيبة) بالشجرة الطيبة - وسيأتي بحث ذلك - يقول في اخر الاية: (وَيَضْرِبُ اللهُ الأمثالَ للناّس لَعَلّهُم يَتَذَكّرون)وعلى هذا فالتذكير هو من أهداف الامثال.
2- في الاية 21 من سورة الحشر بعد ما يشبّه بعض القلوب بالجبال وان امكانية التأثير على الجبال اكثر من امكانية التأثير على هذه القلوب يقول في نهاية الاية: (وتِلْكَ الأمثَال نَضْرِبُها للناس لَعَلّهُم يَتَفَكّرُون) وعلى هذا فالتفكّر هو من اهداف هذه الامثال.
3 - وفي الايات 40 - 43 من سورة العنكبوت، بعد ما يشبّه من اتخذ اولياء من دون الله بالعنكبوت الذي يتخذ بيتاً وهناً . يقول في نهاية الاية 43: (وَتِلْكَ الأمثال نَضْربُها للنّاسِ ومَا يَعْقِلُها إلاّ العَالِمُون) وحسب ما في هذه الاية فإنَّ تعقل العلماء هو من اهداف تلك الامثال.
يمكننا استنتاج ثلاث مراحل لتأثير الأمثال على النفوس، هي كالتالي:
الاولى: مرحلة التذكر وهي مرحلة مرور حقيقة الخطاب الالهي في الذهن.
الثانية: مرحلة التفكر، وهي مرحلة التفكير في موضوع المثل وحكمته.
الثالثة: مرحلة التعقل وهي مرحلة ادراك وهضم الحقائق.(1)
إن الناس في كثير من الأمور يعدّون الكبير دليلا على العظمة والصغير دليلا على قلة الأهمية، لكن الواقع ليس كذلك فالمهم هو الخطاب الذي يحمله ذلك الشيء أو يستهدف المتكلم بيانه. والأمر كذلك في القرآن فالمهم هو الخطاب الذي يوجهه ويهدفه من خلال المثل لا عظمة او حقارة (الممثل به).
يقول الله في الاية الشريفة 26 من سورة البقرة: (إنَّ اللهَ لا يَسْتَحي أنْ يَضْرِبَ مَثْلا مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا فأَمَّا الذَّينَ آمنُوا فيَعْلَمُونَ أنَّهُ الحَقّ منْ رَبِّهمْ وأمَّا الذين كَفَرُوا فيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً وَيَهْدِى بِهِ كَثِيراً وَمَا يُضِلُّ بِهِ إلاّ الفاسقين).
إنَّ التأمل في الاية يرشدنا إلى النتائج التالية:
الاولى: ان الله تعالى اعتبر الهدف من الامثال هو هداية البشر.
الثانية: ان موضوع المثل ومحتواه يحظى بأهمية تفوق اهمية المضمون الظاهري
والموجودات المذكورة في المثل.
الثالثة: إن المخلوقات جميعاً ولو كانت بعوضة تكشف عن عظمة الخالق.
قبل البدء بتفسير الاية ولأجل اعداد الاذهان للاستيعاب الاعمق نذكر هنا باقتضاب شأن نزولها.
ان التحجج او التذرع بالحجج هو من مواصفات المنافقين. ان المنافق يتحجج ويماطل ويتذرع بالتبريرات الباطلة في كل قضية ومسألة، انه لا يهتم بتوجهات المخاطب ومواقفه; وذلك لانه ينظر إلى القضية من موقف مخالف ويعمل على اساس هذه الرؤية. وكمثال على ذلك نفرض ان شخصاً او اشخاصاً بنوا مركزاً اسلامياً يضم مسجداً و مكتبة ومصلى ومستشفى وداراً للعجزة و.. ففي هذه الحالة سيعرب المنافق عن شعوره بالكلمات التالية:
هل من الصحيح بناء مركز بهذه الضخامة والكلفة في هذه المدينة رغم ما تضم من الفقراء والجياع؟ الم يكن من الصحيح ان تصرف هذه المبالغ لاجل اشباع الفقراء وسد رمقهم؟ الم يكن من الأفضل ان تصرف هذه المبالغ لاجل تزويج الشباب العزاب؟ ألم يكن من الأفضل أن يداوى بهذه المبالغ المرضى من المحتاجين والفقراء؟ ألم يكن من الافضل أنْ تصرف هذه المبالغ في سبيل تعليم الشباب وتربيتهم؟!
إنّ هذا الشخص او الاشخاص الخيرين لو صرفوا هذه المبالغ لاجل اطعام المساكين واعانة الشباب ومداواة المرضى و.. لاحتج هذا المنافق بحجج اخرى ولتمسك بذرائع من قبيل قوله: أي اسلام هذا واي مسلمين هؤلاء، فانا لا نجد في هذه المدينة مسجداً، وقد خصصتم هذه المبالغ الطائلة لامور تافهة لا فائدة فيها، انكم قد ضيّعتم الاسلام باعمالكم هذه !
تعلّموا من اليهود والنصارى; فانهم يبنون معابد فخمة وجميلة تجذب الانسان نحوها تعلموا من الهندوس فإنهم يبنون معابد عظيمة لاصنامهم الجامدة.
والخلاصة; إنّ غاية المنافق هي المشاكسة والمخالفة وزرع بذور الشك والاختلاف وايذاء الآخرين.
ومع الالتفات إلى هذه المقدمة نقوم بشرح الاية المذكورة.
عندما نزلت بعض الامثال القرآنية بدأ المنافقون بالترديد في المسألة والاشكال فيها والقول: (ما هذه الامثال التي جاءت في القرآن)؟ إنّ شأن الله أرفع من ان يمثل بموجودات ضعيفة مثل الذباب(1) والعنكبوت، او ان يمثل بموجودات جامدة مثل الرعد والبرق(2) وقد كانوا يهدفون من هذا الحديث القاء التشكيك في الهية القرآن ومصدره الرباني، وان القرآن ليس من الوحي الالهي.
بالطبع، لو لم تنزل هذه الايات والامثال او نزلت بكلمات وصياغات معقدة لتمسك المنافقون - قطعاً - بذرائع اخرى ولقالوا: (كيف يمكن لهذا ان يكون كلام الله مع انا لا نفهم منه شيئاً)؟ او لقالوا: (لماذا لم ينزل الله هذه المفاهيم والحقائق بلغة بسيطة يفهمها الجميع)؟ كما ان هذا قد حصل لشعيب (عليه السلام) وقد حكته الآية الشريفة (91) من سورة هود:
(قَالُوا يَا شُعَيْبُ ما نَفْقَه كَثِيراً مِمّا تَقُولُ وَإنَّا لَنَرَاكَ فِينَا ضَعِيفاً ولَوْلا رَهْطُكَ لَرَجَمْنَاك وَمَا أنْتَ عَلَيْنَا بِعَزِيز).
يستفاد من الآية ان التمسك بالذرائع كان منطقهم، من جانب اخر كانوا يقولون: (لا نَفْقَهُ كَثِيراً مِمّا تَقُولُ) أي لا نفهم ما تقول، ومن جانب اخر يقولون: (لَوْلا رهْطُكَ لَرَجَمْنَاكَ)أي لولا قبيلتك لقتلناك فيجيبهم شعيب(عليه السلام): (قَالَ يَا قَوْم أرَهْطِى أعزُّ عَليْكُمْ مِنَ الله؟!).(3)
بما ان المنافقين اللجوجين كانوا يشككون ويحتجون على التمثيل بالجمادات او الموجودات الضعيفة جاءت الاية 26 من سورة البقرة لتجيب عليهم وتدحض حججهم: (إنّ اللهَ لا يَسْتَحِي أنْ يضرِبَ مَثلا ما بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَها...).
إنّ بلاغة الكلام تقتضي تارة التمثيل بالموجودات الكبيرة وتارة بالموجودات الصغيرة; فكلما اريد من التمثيل بيان العظمة شبّه بشيء كبير، واذا ما اريد بيان ضعف الشيء وخواءه
شبّه بشيء ضعيف وصغير من الحيوانات والجمادات.
وعلى هذا; فان التمثيل بالشيء الكبير لا يدل على فصاحة الكلام وبلاغته دائماً. اذن، لا اشكال على القران عند تمثيله بشيء يتناسب مع موضوع المثل والهدف منه مهما كان صغيراً او كبيراً.
ان المؤمنين والصالحين، حيث يعلمون بحقيقة هذه الامثال ومحتواها، يعلمون بانها الحق وأنها من ربهم ولا ينكرونها، لكن المنافقين والكافرين لتعصبهم ولجاجتهم يقولون: «مَاذَا أرَادَ اللهُ بِهَذَا مَثَلا يُضِلُّ بِهِ كَثِيراً ويَهْدِى بِه كَثِيراً»؟!.
إنّ خطأ المنافقين الكبير هو عدم توجههم او عدم رغبتهم للتوجه إلى أنّ بلاغة القرآن وفصاحته أحد وجوه إعجاز القرآن المجيد والرسول الكريم.(1)
إنّ الفصاحة والبلاغة - وهما من العلوم التي تدرس في الحوزة العلمية؟- بتعبير مقتضب هما عبارة عن ما يلي: إنّ ظاهر البيان إذا كان جميلا قيل انه فصيح، واذا كان ذات معنى رفيع شاناً قيل انه بليغ.
وعلى هذا; الفصاحة والبلاغة - وهما من وجوه اعجاز القرآن - يعنيان الجمال الظاهري والرفعة في محتوى الخطاب.
حقاً ان القرآن فصيح وبليغ أي ان ظاهره جميل وجذاب يدعو إلى الإصغاء اليه، ومحتواه رفيع معنى وشأنا. ان بلاغة القرآن وفصاحته إلى درجة جعلت الاعداء تسميه السحر! وذلك لأنه يجعل الصاغي يسلّم اليه ويخضع له، وهذا بحد ذاته اقرار واعتراف بجاذبية القرآن
الشديدة والخارجة عن المتعارف. إنّ كثيراً من الناس آمن اثر سماعه آيات من القرآن.
هاجر الكثير من المسلمين في صدر الإسلام إلى الحبشة اثر الضغط المتزايد الذي لاقوه من المشركين في مكة. ولهذا بعث الكفار مبعوثين عنهم حاملين معهم هدايا وافرة إلى النجاشي ملك الحبشة لارجاع المسلمين إلى مكة. طمَّع المبعوثان في البداية حاشية ملك الحبشة ثم جاءوا للملك قائلين له: (أيها الملك، انه قد ضوى (أي لجأ) إلى بلدك منا غلمان سفهاء، فارقوا دين قومهم ولم يدخلوا في دينك وجاءوا بدين ابتدعوه، لا نعرفه نحن ولا أنت، وقد بعثنا اليك فيهم اشراف قومهم من آبائهم وأعمامهم وعشائرهم لتردهم اليهم، فهم أعلى بهم عيناً، واعلم بما عابوا عليهم وعاتبوهم فيه).
كان المجلس لصالح الكفار من جميع النواحي وقد كان المشركون اعدوا من قبل المقدمات لكسب الموقف لصالحهم.
لكن باعتبار كياسة النجاشي ورفعته، طلب من المسلمين بيان مواقفهم; فبدأ جعفر بن أبي طالب (رض) بالحديث وعرّف بالاسلام وبالرسول(صلى الله عليه وآله) والقران فطلب النجاشي منه قراءة بعض من الآيات .
وباعتبار الزمان والمكان وباعتبار ان الحضور ينتمون إلى الديانة المسيحية قرأ آيات من القرآن تناولت ولادة عيسى - على نبينا وآله وعليه السلام - وهنا انقلب المجلس الذي كان قد أعد ليكون لصالح الكفار وبضرر المسلمين في البداية، انقلب لصالحهم وبدأت عيون النجاشي و رجال دينه تغرورق بالدموع. ان فصاحة القرآن وبلاغته وجاذبيته كانت بدرجة من التأثير على النجاشي حيث جعلته يرد هدايا الكفار ويسمح لجعفر والمسلمين بالاقامة في الحبشة إلى أي وقت شاءوا.(1)
ان النموذج الآخر لتأثير فصاحة القرآن وبلاغته هو قصة اسعد بن زرارة. ان قبيلة اسعد كانت لفترة طويلة في صراع محتدم بينها وبين قبيلة اخرى . فغادر اسعد يوماً ما المدينة إلى مكة قاصداً زيارة بيت الله والأصنام التي فيها، فواجه في الطريق احد المشركين حذره من السماع لساحر يجلس قرب حجر إسماعيل، فانشغل اسعد بالطواف الا انه عندما شاهد وجه الرسول النوراني فكر، ورجح السماع والاصغاء لما يقوله الرسول(صلى الله عليه وآله) وقرر ان يعرض عنه إذا كان كلامه غير منطقي(1) وعندما اقترب من الرسول وسمع منه بعض الايات انجذب له إلى مستوى طلب منه تلاوة آيات أُخرى، فتلى الرسول له .. ثم أسلم. وحكى للرسول قصة الاختلاف بين قبائل المدينة ودعى الرسول للمجيء إلى المدينة لأجل حل هذه الاختلافات.(2)
إنّ كثيراً من المفسرين المعروفين ومنهم المرحوم الطبرسي (ره) في تفسيره القيم (مجمع البيان) ينقل حديثاً عن الامام الصادق(عليه السلام) في ذيل الاية، حيث قال: «إنما ضرب الله المثل بالبعوضة لأن البعوضة على صغر حجمها خلق الله فيها جميع ما خلق في الفيل مع كبره وزيادة عضوين آخرين فأراد الله تعالى أن يُنبّه بذلك المؤمنين على لطيف خلقه وعجيب صنعه».(3)
ان الله في الحقيقة أراد بهذا المثال بيان ضرافة الخلق، وان التفكّر في هذا الحيوان الضعيف ظاهراً - الذي خلقه الله شبيهاً لأكبر حيوان في اليابسة - ليرشد الانسان إلى عظمة خالقه.
التوضيح: في جسد البعوضة ضعيفة الجسم نفس الاعضاء الموجودة في فيل ضخم. ففيه جهاز الهضم، وخرطوم دقيق ذات منفذ رفيع، وأعضاء للحركة واجهزة للتناسل و.. اضافة إلى هذا، فان للبعوضة قرنين تشبه الهوائيات وذلك للتواصل فيما بينها وبين البيئة المحيطة بها وهو أمر يفقده الفيل.