( 310 )
37
* (باب) *
* (ما جرى عليه بعد بيعة الناس ليزيد بن معاوية) *
* (إلى شهادته صلوات الله عليه ولعنة الله على ضالميه)
*
* (وقاتليه والراضين بقتله، والمؤازرين عليه) *
اقول: بدأت أولا في إيراد تلك القصص الهائلة بايراد رواية أوردها الصدوق
رحمه الله، ثم جمعت في إيراد تمام القصة بين رواية المفيد رحمه الله في الارشاد
ورواية السيد ابن طاوس رحمه الله في كتاب الملهوف ورواية الشيخ جعفر ابن محمد بن
نمافي كتاب مثير الاحزان، ورواية أبي الفرج الاصفهاني في كتاب مقاتل الطالبيين،
ورواية السيد العالم محمد بن أبي طالب بن أحمد الحسيني الحائري من كتاب كبير جمعه
في مقتله
(عليه السلام) ورواية صاحب كتاب ومؤلفه إما من
الامامية أو من الزيدية، وعندي منه نسخة قديمة مصححة، ورواية المسعودي في كتاب
مروج الذهب وهو من علمائنا الامامية، ورواية ابن شهر آشوب في المناقب، ورواية صاحب
كشف الغمة، وغير ذلك مما قد نصرح باسم من ننقل عنه، ثم نختم الباب بايراد الاخبار
المتفرقة.
1 لى: محمد
بن عمر البغدادي، الحافظ، عن الحسن بن عثمان بن زياد التستري من كتابه، عن إبراهيم
بن عبيدالله بن موسى بن يونس ابن أبي إسحاق السبيعي قاضي بلخ قال: حدثتني مريسة
بنت موسى بن يونس ابن أبي إسحاق وكانت عمتي قالت: حدثتني صفية بنت يونس بن أبي
إسحاق الهمدانية وكانت عمتي قالت: حدثتني بهجة بنت الحارث بن عبدالله التغلبي عن
خالها عبدالله بن منصور، وكان رضيعا لبعض ولد زيد بن علي قال: سألت جعفر بن محمد
بن علي
===============
( 311 )
ابن الحسين فقلت: حدثني عن مقتل ابن رسول الله
(صلى الله عليه واله) فقال: حدثني أبي عن أبيه
(عليهما السلام) قال: لما حضرت معاوية الوفاة دعا
ابنه يزيد لعنه الله فأجلسه بين يديه فقال له: يا بني إني قد ذللت لك الرقاب
الصعاب، ووطدت لك البلاد وجعلت الملك وما فيه لك طعمة، وإني أخشى عليك من ثلاثة
نفر يخالفون عليك بجهدهم وهم: عبدالله بن عمر بن الخطاب، وعبدالله بن الزبير،
والحسين بن علي (1).
فأما عبدالله بن عمر فهو معك فالزمه ولا تدعه، وأما عبدالله بن الزبير
فقطعه إن ظفرت به إربا إربا، فانه يجثو لك كما يجثو الاسد لفريسته، ويواربك مؤاربة
الثعلب للكلب (2).
وأما الحسين فقد عرفت حظه من رسول الله وهو من لحم رسول الله ودمه، وقد
علمت لا محالة أن أهل العراق سيخرجونه إليهم ثم يخذلونه ويضيعونه، فان ظفرت
_______________
(1)
قال ابن الجوزى في التذكرة ص 134: وكان معاوية قد قال ليزيد لما أوصاه انى قد
كفيتك الحل والترحال، وطأت لك البلاد والرجال، وأخضعت لك أعناق العرب وان لا اتخوف
عليك ان ينازعك هذاالامر الذى أسست لك الا أربعة نفر من قريش: الحسين ابن على،
وعبدالله بن الزبير، وعبدالله بن عمر، وعبدالرحمان بن أبى بكر.
فأما ابن عمر، فرجل قد وقذته العبادة، واذا لم يبق أحد
غيره بايعك، وأما الحسين فان أهل العراق لن يدعوه حتى يخرجوه، فان خرج عليك فظفرت
به فاصفح عنه فان له رحما ماسة، وحقا عظيما. وأما ابن أبى بكر، فانه ليست له همة
الافى النساء واللهو، فاذا رأى أصحابه قد صنعوا شيئا صنع مثله، واما الذى يجثم لك
جثوم الاسد، ويطرق اطراق الافعوان، ويراوغك مراوغة الثعلب، فذاك ابن الزبير، فان
وثب عليك وامكنتك الفرصة منه فقطعه اربا اربا،
(2)
آربه مؤاربة: داهاه وخاتله، ومنه مؤاربة الاريب جهل وعناء من حيث ان الاريب لا
يختل عن عقله. والمراد بمؤاربة الثعلب: روغانه وعسلانه: يذهب هكذا وهكذا مكرا
وخديعة.
===============
( 312 )
به فاعرف حقه ومنزلته من رسول الله، ولا تؤاخذه بفعله، ومع ذلك فان لنا به
خلطة ورحما (1) وإياك أن تناله بسوء أو يرى منك مكروها، قال: فلما هلك معاوية،
وتولى الامر بعده يزيد لعنه الله بعث عامله على مدينة رسول الله
(صلى الله عليه واله) وهو عمه عتبة بن أبي سفيان؟ فقدم
المدينة وعليها مروان ابن الحكم، وكان عامل معاوية، فأقامه عتبة من مكانه وجلس فيه
لينفذ فيه أمر يزيد، فهرب مروان، فلم يقدر عليه (2) وبعث عتبة إلى الحسين بن علي
(عليه السلام) فقال: إن أمير المؤمنين أمرك أن
تبايع له فقال الحسين
(عليه
السلام): يا عتبة قد علمت أنا أهل بيت الكرامة، ومعدن الرسالة، وأعلام الحق الذين
أودعه الله عزوجل قلوبنا، وأنطق به ألسنتنا، فنظقت باذن الله عزوجل ولقد سمعت جدي
رسول الله يقول: إن الخلافة محرمة على ولد أبي سفيان، وكيف أبايع أهل بيت قد قال
فيهم رسول الله هذا، فلما سمع عتبة ذلك دعا الكاتب وكتب: بسم الله الرحمن الرحيم
إلى عبدالله يزيد أمير المؤمنين من عتبة بن أبي سفيان.
أما بعد فان الحسين بن علي ليس يرى لك خلافة ولا بيعة، فرأيك في أمره
والسلام.
فلما ورد الكتاب على يزيد لعنه الله كتب الجواب إلى عتبة:
أما بعد فاذا أتاك كتابي هذا فعجل علي بجوابه، وبين لي في كتابك كل من في
طاعتي، أو خرج عنها، وليكن مع الجواب رأس الحسين بن علي.
فبلغ ذلك الحسين
(عليه
السلام) فهم بالخروج من أرض الحجاز إلى أرض العراق فلما أقبل الليل، راح إلى مسجد
النبي
(صلى الله عليه واله) ليودع القبر، فلما وصل إلى
القبر، سطع له نور من القبر فعاد إلى موضعه، فلما كانت الليلة الثانية راح ليودع
_______________
(1)
هكذا في المصدر المطبوع وهو الصحيح، وفى نسخة الاصل خلطة ورحم (كذا)
وفى الكمبانى خلطة وكذا رحم،
(2)
فيه غرابة، فان مروان كان حاضر المجلس حين دخل الحسين
(عليه السلام) على عتبة، ولعله تصحيف
ابن الزبير.
===============
( 313 )
القبر فقام يصلي فأطال فنعس وهو ساجد.
فجاءه النبي وهو في منامه فأخذ الحسين وضمه إلى صدره وجعل يقبل بين عينيه،
ويقول: بأبي أنت كأني أراك مرملا بدمك بين عصابة من هذه الامة، يرجون شفاعتي،
مالهم عندالله من خلاق، يا بني إنك قادم على أبيك وأمك وأخيك وهم مشتاقون إليك،
وإن لك في الجنة درجات لا تنالها إلا بالشهادة، فانتبه الحسين
(عليه السلام) من نومه باكيا فأتى أهل بيته
فأخبرهم بالرؤيا، وودعهم وحمل أخواته على المحامل، وابنته وابن أخيه القاسم بن
الحسن بن علي
(عليه السلام) ثم سار في أحد وعشرين رجلا من
أصحابه وأهل بيته منهم أبوبكر بن علي، ومحمد بن علي، وعثمان بن علي، والعباس بن
علي، وعبدالله بن مسلم بن عقيل، وعلي بن الحسين الاكبر، وعلي بن الحسين الاصغر.
وسمع عبدالله بن عمر بخروجه، فقدم راحلته، وخرج خلفه مسرعا فأدركه في بعض
المنازل، فقال: أين تريد يا ابن رسول الله؟ قال: العراق، قال: مهلا ارجع إلى حرم
جدك، فأبى الحسين عليه، فلما رأى ابن عمر إباءه قال: يا با عبدالله اكشف لي عن
الموضع الذي كان رسول الله
(صلى
الله عليه واله) يقبله منك، فكشف الحسين
(عليه
السلام) عن سرته فقبلها ابن عمر ثلاثا وبكى، وقال: أستودعك الله يا باعبدالله
فانك مقتول في وجهك هذا.
فسار الحسين
(عليه السلام) وأصحابه فلما نزلوا ثعلبية، ورد
عليه رجل يقال له: بشر بن غالب، فقال: يا ابن رسول الله أخبرني عن قول الله عزوجل
يوم ندعوا كل اناس بإمامهم (1) قال: إمام دعا إلى هدى فأجابوه إليه، وإمام دعا إلى
ضلالة فأجابوه إليها، هؤلاء في الجنة وهؤلاء في النار، وهو قوله عزوجل فريق في
الجنة وفريق في السعير (2).
ثم سار حتى نزل العذيب فقال فيها (3) قائلة الظهيرة ثم انتبه من نومه
_______________
(1)
أسرى: 71. (2) الشورى: 7.
(3)
أى نام قيلولة.
===============
( 314 )
باكيا فقال له: ابنه ما يبكيك يا أبه، فقال: يا بني إنها ساعة لا تكذب
الرؤيا فيها وإنه عرض لي في منام عارض، فقال: تسرعون السير والمنايا تسير بكم إلى
الجنة.
ثم سار حتى نزل الرهيمة (1) فورد عليه رجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرم
فقال: يا ابن النبي ما الذي أخرجك من المدينة؟ فقال: ويحك يا باهرم شتموا عرضي
فصبرت، وطلبوا دمي فصربت، وأيم الله ليقتلني ثم ليلبسنهم الله ذلا شاملا، وسيفا
قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم.
قال: وبلغ عبيدالله بن زياد لعنه الله الخبر وأن الحسين
(عليه السلام) قد نزل الرهيمة فأسرى إليه حربن
يزيد في ألف فارس قال الحر: فلما خرجت من منزلي متوجها نحو الحسين
(عليه السلام) نوديث ثلاثا: يا حر أبشر بالجنة،
فالتفت فلم أر أحدا فقلت:
ثكلت الحر امه، يخرج إلى قتال ابن رسول الله
(صلى الله عليه واله) ويبشر بالجنة؟ فرهقه عند صلاه
الظهر فأمر الحسين
(عليه السلام) ابنه فأذن وأقام وقام الحسين
(عليه السلام) فصلى بالفريقين فلما سلم وثب
الحر بن يزيد فقال: السلام عليك يا بن رسول الله ورحمة الله وبركاته فقال الحسين:
وعليك السلام من أنت يا عبدالله؟ فقال: أنا الحر بن يزيد، فقال: ياحر أعلينا أم
لنا؟ فقال الحر: والله يا ابن رسول الله لقد بعثت لقتالك وأعوذ بالله أن احشر من
قبري وناصيتي مشدودة إلي ويدي مغلولة إلى عنقي واكب على حر وجهي في النار، يا ابن
رسول الله أين تذهب؟ ارجع إلى حرم جدك فانك مقتول.
فقال الحسين
(عليه السلام):
سأمضي فما بالموت عار على الفتى *
إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وواسى الرجال الصالحين بنفسه *
وفارق مثبورا وخالف مجرما (2)
فان مت لم أندم وإن عشت لم الم *
كفى بك ذلا أن تموت وترغما
_______________
(1)
كجهينة عين ماء بالكوفة.
(2)
المثبور: المخسور والملعون المطرود قال الكميت:
ورأت قضاعة في الايا * من
رأى مثبور وثابر
===============
( 315 )
ثم سار الحسين حتى نزل القطقطانة (1) فنظر إلى فسطاط مضروب فقال:
لمن هذا الفسطاط؟ فقيل: لعبدالله بن الحر الحنفي فأرسل إليه الحسين
(عليه السلام) فقال: أيها الرجل إنك مذنب خاطئ
وإن الله عزوجل آخذك بما أنت صانع إن لم تتب إلى الله تبارك وتعالى في ساعتك هذه
فتنصرني ويكون جدي شفيعك بين يدى الله تبارك وتعالى.
فقال: يا ابن رسول الله والله لو نصرتك لكنت أول مقتول بين يديك، ولكن هذا
فرسي خذه إليك فو الله ما ركبته قط وأنا أروم شيئا إلا بلغته، ولا أراداني أحد إلا
نجوت عليه، فدونك فخذه فأعرض عنه الحسين
(عليه السلام) بوجهه ثم قال: لا حاجة لنا فيك
ولا في فرسك وما كنت متخذ المضلين عضدا، ولكن فر، فلا لنا ولا علينا فانه من سمع
واعيتنا أهل البيت ثم لم يجبنا، كبه الله على وجهه في نار جهنم.
ثم سار حتى نزل بكربلا فقال: أي موضع هذا؟ فقيل: هذا كربلاء يا ابن رسول
الله، فقال
(عليه السلام): هذا والله يوم كرب وبلاء، وهذا
الموضع الذي يهراق فيه دماؤنا، ويباح فيه حريمنا فأقبل عبيدالله بن زياد بعسكره حتى
عسكر بالنخيلة وبعث إلى الحسين رجلا يقال له: عمر بن سعد قائده في أربعة آلاف
فارس، وأقبل عبدالله بن الحصين التميمي في ألف فارس، وكتب لعمر بن سعد على الناس
وأمرهم أن يسمعوا له ويطيعوه، فبلغ عبيدالله بن زياد أن عمربن سعد يسامر الحسين
(عليه السلام) ويحدثه، ويكره قتاله، فوجه إليه
شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف فارس، وكتب إلى عمر بن سعد إذا أتاك كتابي هذا فلا
تمهلن الحسين بن علي وخذ بكظمه، وحل بين الماء وبينه، كما حيل بين عثمان وبين
الماء يوم الدار، فما وصل الكتاب إلى عمر بن سعد لعنه الله أمر مناديه فنادى: إنا قد
أجلنا حسينا وأصحابه يومهم وليلتهم.
فشق ذلك على الحسين وعلى أصحابه، فقام الحسين في أصحابه خطيبا فقال:
_______________
(1)
موضع بالكوفه كانت سجن، لنعمان بن المنذر.
===============
( 316 )
اللهم إني لا أعرف أهل بيت أبر ولا أزكى ولا أطهر من أهل بيتي ولا أصحابا
هم خير من أصحابي وقد نزل بي ما قد ترون، وأنتم في حل من بيعتي، ليست لي في
أعناقكم بيعة، ولا لي عليكم ذمة، وهذا الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (1)
وتفرقوا في سواده، فان القوم إنما يطلبوني، ولو ظفروا بي لذهلوا عن طلب
غيري فقام إليه عبدالله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب
(عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله ما ذا
يقول لنا الناس إن نحن خذلنا شيخنا وكبيرنا وسيدنا وابن سيد الاعمام وابن نبينا
سيد الانبياء، لم نضرب معه بسيف، ولم نقاتل معه برمح، لا والله أو نرد موردك،
ونجعل أنفسنا دون نفسك، ودماءنا دون دمك، فإذا نحن فعلنا ذلك فقد قضينا ما علينا،
وخرجنا مما لزمنا، وقام إليه رجل يقال له زهير بن القين البجلي فقال: يا ابن رسول
الله وددت أني قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت، ثم قتلت ثم نشرت فيك وفي الذين معك
مائة قتلة، وأن الله دفع بي عنكم أهل البيت، فقال له ولاصحابه: جزيتم خيرا.
ثم إن الحسين
(عليه
السلام) أمر بحفيرة فحفرت حول عسكره شبه الخندق، وأمر فحشيت حطبا وأرسل عليا ابنه
(عليه السلام) في ثلاثين فارسا وعشرين راجلا
ليستقو الماء وهم على وجل شديد وأنشأ الحسين يقول:
يا دهر اف لك من خليل * كم لك في
الاشراق والاصيل
من طالب وصاحب قتيل * والدهر لا
يقنع بالبديل
وإنما الامر إلى الجليل * وكل حي
سالك سبيلي
ثم قال لاصحابه: قوموا فاشربوا من الماء يكن آخر زادكم، وتوضأوا
_______________
(1)
يقال: اتخذ الليل جملا: اذا أحيا ليلته بصلاة أو غيرها من العبادات، وكذا اذا ركبه
في حاجته، (اللسان) والمراد: اتخاذ ظلمة الليل سترا للفرار.
===============
( 317 )
واغتسلوا واغسلوا ثيابكم لتكون أكفانكم، ثم صلى بهم الفجر وعبأهم تعبية
الحرب، وأمر بحفيرته التي حول عسكره فاضرمت بالنار، ليقاتل القوم من وجه واحد،
وأقبل رجل من عسكر عمربن سعد على فرس له يقال له: ابن أبي جويرية المزني فلما نظر
إلى النار تتقد صفق بيده ونادى: يا حسين وأصحاب حسين أبشروا بالنار فقد تعجلتموها
في الدنيا، فقال الحسين
(عليه
السلام): اللهم أذقه عذاب النار في الدنيا فنفر به فرسه وألقاه في تلك النار
فاحترق.
ثم برز من عسكر عمر بن سعد رجل آخر يقال له تميم بن حصين الفزاري فنادى:
يا حسين ويا أصحاب حسين أما ترون إلى ماء الفرات يلوح كأنه بطون الحيات
(1)
والله لا ذقتم منه قطرة حتى تذوقوا الموت جزعا فقال الحسين
(عليه السلام): من الرجل فقيل تميم بن حصين
فقال الحسين: هذا وأبوه من أهل النار اللهم اقتل هذا عطشا في هذا اليوم، قال:
فخنقه العطش حتى سقط عن فرسه، فوطأته الخيل بسنابكها فمات.
ثم أقبل آخر من عسكر عمر بن سعد يقال له: محمد بن أشعث بن قيس الكندي
فقال: يا حسين بن فاطمة أية حرمة لك من رسول الله ليست لغيرك؟ فتلا الحسين هذه
الآية: (2) ثم قال: والله إن محمد لمن آل إبراهيم، وإن العترة الهادية لمن آل محمد
من الرجل؟ فقيل: محمد بن أشعث بن قيس الكندي فرفع الحسين
(عليه السلام) رأسه إلى السماء فقال: اللهم أر
محمد بن الاشعث ذلا في هذا اليوم لا تعزه بعد هذا اليوم أبدا، فعرض له عارض فخرج
من العسكر يتبرز، فسلط الله عليه عقربا فلدغته، فمات بادي العورة.
_______________
(1)
الحيتان خ ل.
(2)
آل عمران: 23.
===============
( 318 )
فبلغ العطش من الحسين
(عليه
السلام) وأصحابه فدخل عليه رجل من شيعته يقال له:
يزيد بن الحصين الهمداني قال إبراهيم بن عبدالله راوي الحديث: هو خال أبي
إسحاق الهمداني فقال: يا ابن رسول الله تأذن لي فأخرج إليهم فاكلمهم؟ فأذن له فخرج
إليهم فقال: يامعشر الناس إن الله عزوجل بعث محمد بالحق بشيرا ونذيرا وداعيا إلى
الله باذنه وسراجا منيرا، وهذا ماء الفرات تقع فيه خنازير السواد وكلابها، وقد حيل
بينه وبين ابنه، فقالوا: يا يزيد فقد أكثرت الكلام فاكفف فوالله ليعطشن الحسين كما
عطش من كان قبله، فقال الحسين
(عليه
السلام): اقعد يا يزيد، ثم وثب الحسين
(عليه
السلام) متوكيا على سيفه، فنادى بأعلا صوته، فقال:
أنشدكم الله هل تعرفوني؟ قالوا: نعم أنت ابن بنت رسول الله
(صلى الله عليه واله) وسبطه، قال:
أنشدكم الله هل تعلمون أن امي فاطمة بنت محمد، قالوا: اللهم نعم، قال:
أنشدكم الله هل تعلمون أن أبي علي بن أبي طالب
(عليه السلام) قالوا: اللهم نعم، قال:
أنشدكم الله هل تعلمون أن جدتي خديجة بنت خويلد أول نساء هذه الامة
إسلاما؟
قالوا: اللهم نعم.
قال: أنشدكم الله هل تعلمون أن سيد الشهداء حمزة عم أبي؟
قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن جعفر الطيار في الجنة
عمي؟
قالوا: اللهم نعم، قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن هذا سيف رسول الله وأنا
متقلده؟
قالوا: اللهم نعم، قال: فانشدكم الله هل تعلمون أن هذه عمامة رسول الله
أنا لابسها؟
قالوا: اللهم نعم قال: فأنشدكم الله هل تعلمون أن عليا كان أولهم إسلاما
وأعلمهم علما وأعظمهم حلما وأنه ولي كل مؤمن ومؤمنة؟ قالوا اللهم نعم، قال: فبم
تستحلون دمي؟ وأبي الذائد عن الحوض غدا يذود عنه رجالا كما يذاد البعير الصادر عن
الماء، ولواء الحمد في يد [ي] جدي يوم القيامة، قالوا علمنا ذلك كله ونحن غير
تاركيك حتى تذوق الموت عطشا.
===============
( 319 )
فأخذ الحسين
(عليه السلام) بطرف لحيته وهو يومئذ ابن سبع
وخمسين سنة ثم قال:
اشتد غضب الله على اليهود حين قالوا: عزيز ابن الله، واشتد غضب الله على
النصارى حين قالوا: المسيح ابن الله، واشتد غضب الله على المجوس حين عبدوا النار
من دون الله، واشتد غضب الله على قوم قتلوا نبيهم، واشتد غضب الله على هذه العصابة
الذين يريدون قتلي: ابن نبيهم. (1)
قال: فضرب الحر بن يزيد، فرسه، وجاز عسكر عمر بن سعد إلى عسكر الحسين
(عليه السلام) واضعا يده على رأسه وهو يقول:
اللهم إليك انيب فتب علي فقد أرعبت قلوب أوليائك وأولاد نبيك، يا ابن رسول الله هل
لي من توبة؟ قال: نعم تاب الله عليك، قال: يا ابن رسول الله ائذن لي فاقاتل عنك
فأذن له فبرز وهو يقول:
أضرب في أعناقكم بالسيف * عن خير
من حل بلاد الخيف
فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم
قتل، فأتاه الحسين
(عليه السلام) ودمه يشخب، فقال: بخ
بخ! يا حر أنت حر كما سميت في الدنيا والاخرة ثم أنشأ الحسين يقول:
لنعم الحر: حر بني رياح * ونعم
الحر مختلف الرماح (2)
ونعم الحر إذ نادى حسينا * فجاد
بنفسه عند الصباح
ثم برز من بعده زهير بن القين البجلي وهو يقول مخاطبا للحسين
(عليه السلام):
اليوم نلقى جدك النبيا * وحسنا
والمرتضى عليا
فقتل منهم تسعة عشر رجلا ثم صرع وهو يقول:
أنا زهير وأنا ابن القين * اذبكم
بالسيف عن حسين
ثم برز من بعده حبيب بن مظهر الاسدي وهو يقول:
أنا حبيب وأبي مطهر (3) * لنحن
أزكى منكم وأطهر
ننصر خير الناس حين يذكر
_______________
(1)
في المصدر: قتل ابن نبيهم.
(2)
منصوب بالظرفية أى عند اختلاف الرماح، وقد يوجد عند في بعض النسخ، وهو سهو.
(3)
في نسخة الاصل - نسخة المؤلف قدس سره -: مطهر، بالطاء المهملة، وهو
===============
( 320 )
فقتل منهم أحدا وثلاثين رجلا ثم قتل رضي الله عنه.
ثم برز من بعده عبدالله بن أبي عروة الغفاري وهو يقول:
قد علمت حقا بنو غفار * أني أذب
في طلاب الثار
بالمشرفي والقنا الخطار فقتل منهم عشرين رجلا ثم قتل رحمه الله.
ثم برز من بعده بدير بن حفير الهمداني وكان أقرأ أهل زمانه وهو يقول:
أنا بدير وأبي حفير * لا خير فيمن
ليس فيه خير
فقتل منهم ثلاثين رجلا ثم قتل رضي الله عنه.
ثم برز من بعده مالك بن أنس الكاهلي وهو يقول:
قد علمت كاهلها ودودان * والخند
فيون وقيس عيلان
بأن قومي قصم الاقران (1) * يا
قوم كانوا كاسود الجان
آل علي شيعة الرحمن * وآل حرب
شيعة الشيطان
فقتل منهم ثمانية عشر رجلا ثم قتل رضي الله عنه.
وبرز من بعده زياد بن مهاصر الكندي فحمل عليهم وأنشأ يقول:
أنا زياد وأبي مهاصر * أشجع من
ليث العرين الخادر
يا رب إني للحسين ناصر * ولابن
سعد تارك مهاجر
فقتل منهم تسعة ثم قتل رضي الله عنه.
وبرز من بعده وهب بن وهب وكان نصرانيا أسلم على يدي الحسين هو وامه
فاتبعوه إلى كربلا، فركب فرسا، وتناول بيده عود الفسطاط، فقاتل وقتل من القوم سبعة
أو ثمانية ثم استؤسر، فاتي به عمر بن سعد فأمر بضرب عنقه فضربت عنقه ورمي به إلى
عسكر الحسين
(عليه السلام) وأخذت امه سيفه وبرزت فقال لها
الحسين:
_______________
المناسب لقوله بعد ذلك " وأطهر " ولكن ضبطه
الشيخ بخط يده " حبيب بن مظاهر " - كمراقب - وضبطه العلامة " حبيب
بن مظهر " - بفتح الظاء وتشديد الهاء - كمعظم - وهو الاشبه كما عنونه في
الاصابة في القسم الثالث تحت الرقم 1948.
(1)
قصم - كصرد -: من يحطم كل من يلقاء.
===============
( 321 )
يا ام وهب اجلسي فقد وضع الله الجهاد عن النساء! إنك وابنك مع جدي محمد
(صلى الله عليه واله) في الجنة.
ثم برز من بعده هلال بن حجاج وهو يقول:
أرمي بها معلمة أفواقها (1) *
والنفس لا ينفعها إشفاقها
فقتل منهم ثلاثة عشر رجلا ثم قتل رضي الله عنه.
وبرز من بعده عبدالله بن مسلم بن عقيل بن أبي طالب وأنشأ يقول:
أقسمت لا اقتل إلا حرا * وقد وجدت
الموت شيئا مرا
وأكره أن ادعى جبانا فرا * إن
الجبان من عصى وفرا
فقتل منهم ثلاثة ثم قتل رضي الله عنه.
وبرز من بعده علي بن الحسين
(عليهما
السلام) فلما برز إليهم دمعت عين الحسين
(عليه السلام) فقال: اللهم كن أنت الشهيد عليهم
فقد برز إليهم ابن رسولك وأشبه الناس وجها وسمتا به، فجعل يرتجز وهو يقول:
أنا علي بن الحسين بن علي * نحن
وبيت الله أولى بالنبي
أما ترون كيف أحمي عن أبي فقتل منهم عشره ثم رجع إلى أبيه فقال: يا أبه
العطش، فقال له الحسين
(عليه
السلام):
صبرا يا بنى يسقيك جدك بالكأس الاوفى، فرجع فقاتل حتى قتل منهم أربعة
وأربعين رجلا ثم قتل صلى الله عليه.
وبرز من بعده القاسم بن الحسن [بن علي بن أبي طالب]
(عليه السلام) وهو يقول:
لا تجزعي نفسي فكل فان * اليوم
تلقين ذرى الجنان
فقتل منهم ثلاثة ثم رمي عن فرسه رضي الله عنه.
ونظر الحسين
(عليه السلام) يمينا وشمالا ولا يرى أحدا فرفع
رأسه إلى السماء فقال:
اللهم إنك ترى ما يصنع بولد نبيك، وحال بنو كلاب بينه وبين الماء، ورمي
بسهم فوقع في نحره وخر عن فرسه، فأخذ السهم فرمى به، فجعل يتلقى الدم
_______________
أفواهها خ ل، والافواق جمع الفوق بالضم: مشق رأس السهم
حيث يقع الوتر.
===============
( 322 )
بكفه فلما امتلات لطخ بها رأسه ولحيته ويقول: ألقى الله عزوجل وأنا مظلوم
متلطخ بدمي، ثم خر على خده الايسر صريعا.
وأقبل عدو الله سنان الايادي وشمر بن ذي الجوشن العامري لعنهما الله في
رجال من أهل الشام حتى وقفوا على رأس الحسين
(عليه السلام) فقال بعضهم لبعض: ما تنتظرون؟ أريحوا
الرجل، فنزل سنان بن الانس الايادي وأخذ بلحية الحسين وجعل يضرب بالسيف في حلقه
وهو يقول: والله إني لاجتز رأسك وأنا أعلم أنك ابن رسول الله وخير الناس أبا واما،
وأقبل فرس الحسين حتى لطخ عرفه وناصيته بدم الحسين، وجعل يركض ويصهل فسمعت بنات
النبي صهيله فخرجن فاذا الفرس بلا راكب، فعرفن أن حسينا قد قتل، وخرجت ام كلثوم
بنت الحسين واضعا يدها على رأسها تندب وتقول: وا محمداه، هذا الحسين بالعراء، قد
سلب العمامة والرداء وأقبل سنان حتى أدخل رأس الحسين بن علي
(عليهما السلام) على عبيد الله بن زياد وهو يقول
(1):
املا ركابي فضة وذهبا * أنا قتلت
الملك المحجبا
قتلت خير الناس اما وأبا * وخيرهم
إذ ينسبون نسبا
فقال له عبيد الله بن زياد: ويحك، فان علمت أنه خير الناس أبا واما لم
قتلته إذا؟ فأمر به فضربت عنقه وعجل الله بروحه إلى النار، وأرسل ابن زياد قاصدا
إلى ام كلثوم بنت الحسين
(عليه
السلام) فقال لها: الحمد لله الذي قتل رجالكم فكيف ترون ما فعل بكم؟ فقالت: يا
ابن زياد لئن قرت عينك بقتل الحسين فطال ما قرت عين جده
(صلى الله عليه واله) به، وكان يقبله ويلثم شفتيه،
ويضعه على عاتقه، يا ابن زياد أعد لجده جوابا فانه خصمك غدا (2).
_______________
(1)
قال الواقدى: وجاء سنان بن أنس وقيل شمر فوقف على باب فسطاط عمر بن سعد وقال:
أوقر ركابى فضة وذهبا *
وأنا قتلت ا لسيد المحجبا
البيت فناداه عمر بن سعد: أو مجنون أنت؟ لو سمعك ابن
زياد لقتلك.
(2)
أمالى الصدوق المجلس 30 ص 150 164.
===============
( 323 )
بيان: وطدت الشئ أطده ولدا أي أثبته وثقلته والتوطيد مثله، والارب بالكسر
العضو، وجثا كدعا ورمى جثوا وجثيا بضمهما جلس على ركبتيه أوقام
على أطراف أصابعه، ورمله بالدم فترمل
وارتمل أي تلطخ، والخلاق النصيب والظهيرة شدة الحر نصف النهار، والاسراء السير بالليل،
ويقال طلبت فلانا حتى رهقته أي حتى دنوت منه، فربما أخذه وربما لم يأخذه، وحر
الوجه ما بدا من الوجنة، والثبور الهلاك والخسران، والواعية الصراخ والصوت،
والمسامرة الحديث بالليل ويقال أخذت بكظمه بالتحريك أي بمخرج نفسه.
وقال الجزري: يقال للرجل إذا أسرى ليله جمعاء أو أحياها بالصلاة أو غيرها
من العبادات: اتخذ الليل جملا كأنه ركبه ولم ينم فيه انتهى، وشرقت الشمس أي طلعت،
وأشرقت أي أضاءت، والاصيل بعد العصر إلى المغرب، والبديل: البدل وسنبك الدابة هو
طرف حافرها، والبراز بالفتح الفضاء الواسع، وتبرز الرجل أي خرج إلى البراز للحاجة،
والذود الطرد والدفع.
وقال الجوهري: المشرفية سيوف قال أبوعيد: نسبت إلى مشارف وهي قرى من أرض
العرب تدنو من الريف، يقال: سيف مشرفي، والقنا بالكسر جمع قناة، وهي الرمح ورمح
خطار ذو اهتزاز، ويقال: خطران الرمح ارتفاعه وانخفاضه للطعن، والكاهل أبوقبيلة من
أسد وكذا دودان أبوقبيلة منهم، وخندف في الاصل لقب ليلى بنت عمران سميت به القبيلة
(1) وقيس أبوقبيلة من مصر، وهو قيس عيلان، والعرين مأوى الاسد الذي يألفه، وفي بعض
النسخ العريز وكأنه من المعارزة بمعنى المعاندة والخدر الستر، وأسد خادر أي داخل
الخدر، ورجل فر:
أي فرار، ويقال: ملك محجب أي محتجب عن الناس.
_______________
(1)
وهم بنو الياس بن مضر بن نزار بن معد بن عدنان كانت خندف واسمها ليلى بنت حلوان بن
عمران بن الحافى بن قضاعة تحت الياس بن مضر فعرف بنوه بها فقيل:
خندف - كزبرج - وانما لقبت خندف، بمعنى المتبختر في
مشيها لما قيل له يوما اين تخندفين؟ فقالت: ما زلت أخندف في أثركم.
===============
( 324 )
أقول: قال الشيخ المفيد في الارشاد: روى الكلبي والمدائني وغيرهما من
أصحاب السيرة قالوا: لما مات الحسن
(عليه
السلام) تحركت الشيعة بالعراق وكتبوا إلى الحسين
(عليه السلام) في خلع معاوية والبيعة له،
فامتنع عليهم، وذكر أن بينه وبين معاوية عهدا وعقدا لا يجوز له نقضه، حتى تمضي
المدة، فاذا مات معاوية نظر في ذلك.
فلما مات معاوية وذلك لنصف من شهر رجب سنه ستين من الهجرة كتب يزيد إلى
الوليد بن عتبة بن أبي سفيان وكان على المدينة من قبل معاوية أن يأخذ الحسين
(عليه السلام) بالبيعة له ولا يرخص له في
التأخير عن ذلك، فأنفذ الوليد إلى الحسين في الليل فاستدعاه فعرف الحسين
(عليه السلام) الذي أراد، فدعا جماعة من مواليه
وأمرهم بحمل السلاح، وقال لهم: إن الوليد قد استدعاني في هذا الوقت، ولست آمن أن
يكلفني فيه أمرا لا اجيبه إليه، وهو غير مأمون، فكونوا معي فاذا دخلت إليه فاجلسوا
على الباب، فان سمعتم صوتي قد علا فادخلوا عليه لتمنعوه عني.
فصار الحسين
(عليه السلام) إلى الوليد بن عتبة فوجد عنده
مروان بن الحكم فنعى إليه الوليد معاوية فاسترجع الحسين ثم قرأ عليه كتاب يزيد وما
أمره فيه من أخذ البيعة منه له، فقال الحسين
(عليه السلام): إني لا أراك تقنع ببيعتي ليزيد
سرا حتى ابايعه جهرا فيعرف ذلك الناس، فقال له الوليد: أجل فقال الحسين: فتصبح
وترى رأيك في ذلك، فقال له الوليد: انصرف على اسم الله تعالى حتى تأتينا مع جماعة
الناس.
فقال له مروان: والله لئن فارقك الحسين الساعة ولم يبايع لا قدرت منه على
مثلها أبدا حتى تكثر القتلى بينكم وبينه احبس الرجل ولا يخرج من عندك حتى يبايع أو
تضرب عنقه، فوثب الحسين
(عليه
السلام) عند ذلك وقال: أنت يا ابن الزرقاء تقتلني أم هو؟ كذبت والله وأثمت، وخرج
يمشي ومعه مواليه حتى أتى منزله (1).
قال السيد كتب يزيد إلى الوليد يأمره باخذ البيعة على أهلها (2) وخاصة على
الحسين
(عليه السلام) ويقول: إن أبى عليك فاضرب عنقه،
وابعث إلي برأسه، فأحضر
_______________
(1)
ارشاد المفيد ص 182 و 183 وهكذا ما بعده.
(2)
يعنى المدينة.
===============
( 325 )
الوليد مروان واستشاره في أمر الحسين، فقال: إنه لا يقبل، ولو كنت مكانك
ضربت عنقه، فقال الوليد، ليتني لم أك شيئا مذكورا.
ثم بعث إلى الحسين
(عليه
السلام) فجاءه في ثلاثين من أهل بيته ومواليه - وساق الكلام إلى أن قال -: فغضب
الحسين
(عليه السلام) ثم قال: ويلي عليك يا ابن
الزرقاء أنت تأمر بضرب عنقي؟ كذبت والله وأثمت.
ثم أقبل على الوليد فقال: أيها الامير! إنا أهل بيت النبوة، ومعدن
الرسالة، ومختلف الملائكة، وبنا فتح الله، وبنا ختم الله، ويزيد رجل فاسق شارب
الخمر، قاتل النفس المحرمة، معلن بالفسق، ومثلي لا يبايع مثله، ولكن تصبح وتصبحون،
وننظر وتنظرون، أينا أحق بالبيعة والخلافة، ثم خرج
(عليه السلام) (1).
وقال ابن شهر إشوب: كتب إلى الوليد بأخذ البيعة من الحسين
(عليه السلام) وعبدالله بن عمر، وعبدالله بن
الزبير، وعبدالرحمن بن أبي بكر أخذا عنيفا ليست فيه رخصة، فمن يأبى عليك منهم
فاضرب عنقه، وابعث إلي برأسه. فشاور في ذلك مروان فقال: الرأي أن تحضرهم وتأخذ
منهم البيعة قبل أن يعلموا.
فوجه في طلبهم وكانوا عند التربة، فقال عبدالرحمن وعبدالله: ندخل دورنا
ونغلق أبوابنا، وقال ابن الزبير: والله ما ابايع يزيد أبدا وقال الحسين: أنا لابد
لي من الدخول على الوليد وذكر قريبا مما مر (2).
قال المفيد: فقال مروان للوليد: عصيتني لا والله لا يمكنك مثلها من نفسه
أبدا فقال الوليد: ويح غيرك يا مروان إنك اخترت لي التي فيها هلاك ديني ودنياي
والله ما احب أن لي ما طلعت عليه الشمس وغربت عنه من مال الدنيا وملكها واني قتلت
حسينا، سبحان الله أقتل حسينا إن قال لا ابايع، والله إني لاظن أن
_______________
كتاب الملهوف ص 17 و 18 وتجده في المطبوع بذيل نسخة
الكمبانى من المجلد العاشر ص 303. وهكذا ما بعده.
(2)
مناقب إل أبى طالب ج 4 ص 88.
===============
( 326 )
امرءا يحاسب بدم الحسين خفيف الميزان عند الله يوم القيامة.
فقال له مروان: فإذا كان هذا رأيك فقد أصبت فيما صنعت، يقول هذا وهو غير
الحامد له على رأيه (1).
قال السيد فلما أصبح الحسين
(عليه
السلام) خرج من منزله يستمع الاخبار فلقيه مروان بن الحكم فقال له: يا أبا
عبدالله إني لك ناصح، فأطعني ترشد، فقال الحسين
(عليه السلام): وما ذاك؟ قل حتى أسمع، فقال
مروان: إني آمرك ببيعة يزيد أمير المؤمنين فانه خير لك في دينك ودنياك، فقال
الحسين
(عليه السلام): إنا لله وإنا إليه راجعون، وعلى
الاسلام السلام إذ قد بليت الامة براع مثل يزيد، ولقد سمعت جدي رسول الله
(صلى الله عليه واله) يقول: الخلافة محرمة على آل أبي
سفيان، وطال الحديث بينه وبين مروان حتى انصرف مروان، وهو غضبان.
فلما كان الغداة توجه الحسين
(عليه
السلام) إلى مكة لثلاث مضين من شعبان سنة ستين، فأقام بها باقي شعبان وشهر رمضان
وشوالا وذا القعدة (2).
قال المفيد رحمه الله: فقام الحسين في منزله تلك الليلة وهي ليلة السبت
لثلاث بقين من رجب سنة ستين من الهجرة، واشتغل الوليد بن عتبة بمراسلة ابن الزبير
في البيعة ليزيد، وامتناعه عليهم، وخرج ابن الزبير من ليلته عن المدينة متوجها إلى
مكة، فلما أصبح الوليد سرح في أثره الرجال فبعث راكبا من موالي بني أمية في ثمانين
راكبا فطلبوه فلم يدركوه، فرجعوا.
فلما كان آخر نهار السبت، بعث الرجال إلى الحسين
(عليه السلام) ليحضر فيبايع الوليد ليزيد بن
معاوية، فقال لهم الحسين: اصبحوا ثم ترون ونرى! فكفوا تلك الليلة عنه، ولم يحلوا
عليه، فخرج
(عليه السلام) [من تحت ليلة] وهي ليلة الاحد
ليومين بقيا من رجب متوجها نحو مكه، ومعه بنوه وبنو أخيه وإخوته، وجل أهل بيته إلا
محمد ابن الحنفية رحمه الله فانه لما علم عزمه على الخروج عن المدينة
_______________
(1)
ارشاد المفيد ص 183.
(2)
كتاب الملهوف ص 19 و 20 و 25.
===============
( 327 )
لم يدر أن يتوجه فقال له: يا أخي أنت أحب الناس إلي وأعزهم علي ولست أدخر
النصيحة لاحد من الخلق إلا لك، وأنت أحق بها تنح ببيعتك عن يزيد ابن معاوية، وعن
الامصار ما استطعت، ثم ابعث رسلك إلى الناس ثم ادعهم إلى نفسك، فان بايعك الناس
وبايعوا لك حمدت الله على ذلك، وإن اجتمع الناس على غيرك لم ينقص الله بذلك دينك
ولا عقلك، ولا تذهب به مروءتك ولا فضلك، إني أخاف عليك أن تدخل مصرا من هذه
الامصار فيختلف الناس بينهم، فمنهم طائفة معك واخرى عليك، فيقتتلون فتكون إذا لاول
الاسنة غرضا، فاذا خير هذه الامة كلها نفسا وأبا واما أضيعها دما وأذلها أهلا.
فقال له الحسين
(عليه
السلام): فأين أنزل يا أخي؟ قال: انزل مكة، فان اطمأنت بك الدار بها فستنل ذلك،
وإن نبت بك (1) لحقت بالرمال وشعف الجبال، وخرجت من بلد إلى بد حتى تنظر إلى ما
يصير أمر الناس فانك أصوب ما تكون رأيا حين تستقبل الامر استقبالا.
فقال
(عليه السلام): يا أخي قد نصحت وأشفقت، وأرجو
أن يكون رأيك سديدا موفقا (2).
وقال محمد بن أبي طالب الموسوي: لما ورد الكتاب على الوليد بقتل الحسين
(عليه السلام) عظم ذلك عليه ثم قال: والله لا
يراني الله أقتل ابن نبيه ولو جعل يزيد لي الدنيا بما فيها.
قال: وخرج الحسين
(عليه
السلام) من منزله ذات ليلة وأقبل إلى قبر جده
(صلى الله عليه واله) فقال: السلام عليك يا رسول الله
أنا الحسين بن فاطمة فرخك وابن فرختك، وسبطك الذي خلفتني في امتك. فاشهد عليهم يا
نبي الله أنهم قد خذلوني، وضيعوني، ولم يحفظوني، وهذه شكواي إليك حتى ألقاك، قال:
ثم قام فصف قدميه فلم يزل راكعا ساجدا.
_______________
(1)
أى نبت بك الدار: لم يوافقك جوها.
(2)
الارشاد ص 184.
===============
( 328 )
قال: وأرسل الوليد إلى منزل الحسين
(عليه السلام) لينظر أخرج من المدينة أم لا؟
فلم يصبه في منزله، فقال: الحمد الله الذي خرج! ولم يبتلني بدمه، قال:
ورجع الحسين إلى منزله عند الصبح.
فلما كانت الليلة الثانية، خرج إلى القبر أيضا وصلى ركعات، فلما فرغ من
صلاته جعل يقول: اللهم هذا قبر نبيك محمد، وأنا ابن بنت نبيك، وقد حضرني من الامر
ما قد علمت، اللهم إني احب المعروف، وأنكر المنكر، وأنا أسألك يا ذا الجلال
والاكرام بحق القبر ومن فيه إلا اخترت لي ماهو لك رضى، ولرسولك رضى.
قال: ثم جعل يبكي عند القبر حتى إذا كان قريبا من الصبح وضع رأسه على
القبر فاغفي، فاذا هو برسول الله قد أقبل في كتيبة من الملائكة عن يمينه وعن شماله
وبين يديه حتى ضم الحسين إلى صدره وقبل بين عينيه وقال: حبيبي يا حسين كأني أراك
عن قريب مرملا بدمائك، مذبوحا بأرض كرب وبلاء، من عصابة من امتي، وأنت مع ذلك
عطشان لا تسقى، وظمآن لا تروى، وهم مع ذلك يرجون شفاعتي، لا أنالهم الله شفاعتي
يوم القيامة، حبيبي يا حسين إن أباك وامك وأخاك قدموا علي وهم مشتاقون إليك، وإن
لك في الجنان لدرجات لن تنالها إلا بالشهادة.
قال: فجعل الحسين
(عليه
السلام) في منامه ينظر إلى جده ويقول: يا جداه لا حاجة لي في الرجوع إلى الدنيا
فخذني إليك وأدخلني معك في قبرك، فقال له رسول الله:
لابد لك من الرجوع إلى الدنيا حتى ترزق الشهادة، وما قد كتب الله لك فيها
من الثواب العظيم، فانك وأباك وأخاك وعمك وعم أبيك تحشرون يوم القيامة في زمرة
واحدة، حتى تدخلوا الجنة.
قال: فانتبه الحسين
(عليه
السلام) من نوعه فزعا مرعوبا فقص رؤياه على أهل بيته وبني عبدالمطلب، فلم يكن في
ذلك اليوم في مشرق ولا مغرب قوم أشد غما من أهل بيت رسول الله ولا أكثر باك ولا
باكية منهم.
===============
( 329 )
قال: وتهيأ الحسين
(عليه
السلام) للخروج عن المدينة، ومضى في جوف الليل إلى قبر امه فودعها، ثم مضى إلى
قبر أخيه الحسن ففعل كذلك، ثم رجع إلى منزله وقت الصبح، فأقبل إليه أخوه محمد ابن
الحنفية وقال: يا أخي أنت أحب الخلق
إلي وأعزهم علي ولست والله أدخر النصيحة
لاحد من الخلق، وليس أحد أحق بها منك لانك مزاج مائي ونفسي وروحي وبصري وكبير أهل
بيتي، ومن وجب طاعته في عنقي، لان الله قد شرفك علي، وجعلك من سادات أهل الجنة.
وساق الحديث كما مر إلى أن قال: تخرج إلى مكة فان اطمأنت بك الدار بها
فذاك وإن تكن الاخرى خرجت إلى بلاد اليمن، فانهم أنصار جدك وأبيك، وهم أراف الناس
وأرقهم قلوبا، وأوسع الناس بلادا، فان اطمأنت بك الدار، وإلا لحقت بالرمال وشعوب
الجبال، وجزت من بلد إلى بلد، حتى تنظر ما يؤل إليه أمر الناس ويحكم الله بيننا
وبين القوم الفاسقين.
قال: فقال الحسين
(عليه
السلام): يا أخي والله لو لم يكن ملجأ، ولا مأوى لما بايعت يزيد بن معاوية، فقطع
محمد ابن الحنفية الكلام وبكى، فبكى الحسين
(عليه السلام) معه ساعة ثم قال: يا أخي جزاك
الله خيرا، فقد نصحت وأشرت بالصواب، وأنا عازم على الخروج إلى مكه، وقد تهيأت لذلك
أنا وإخوتي وبنو أخي وشيعتي، وأمرهم أمري ورأيهم رأيي، وأما أنت يا أخي فلا عليك
أن تقيم بالمدينة، فتكون لي عينا لا تخفي عني شيئا من امورهم.
ثم دعا الحسين
(عليه
السلام) بدواة وبياض وكتب هذه الوصية لاخيه محمد:
" بسم
الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصى به الحسين بن علي بن أبي طالب إلى أخيه محمد
المعروف يابن الحنفية أن الحسين يشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن
محمدا عبده ورسوله، جاء بالحق من عند الحق، وأن الجنة والنار حق، وأن الساعة آتية
لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، أني لم أخرج أشرا ولا بطرا ولا مفسدا
ولا ظالما وإنما خرجت لطلب الاصلاح في امة جدي
(صلى الله عليه واله) اريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن
المنكر، وأسير بسيرة جدي وأبي علي
===============
( 330 )
ابن أبي طالب
(عليه
السلام) فمن قبلني بقبول الحق فالله أولى بالحق، ومن رد علي هذا أصبر حتى يقضي
الله بيني وبين القوم بالحق وهو خير الحاكمين، وهذه وصيتي يا أخي إليك وما توفيقي
إلا بالله عليه توكلت وإليه انيب.
قال: ثم طوى الحسين الكتاب وختمه بخاتمه، ودفعه إلى أخيه محمد ثم ودعه
وخرج في جوف الليل.
وقال محمد بن أبي طالب: روى محمد بن يعقوب الكليني في كتاب الرسائل (1) عن
محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن أيوب بن نوح، عن صفوان، عن مروان ابن
إسماعيل، عن حمزة بن حمران، عن أبي عبدالله
(عليه السلام) قال: ذكرنا خروج الحسين
(عليه السلام) وتخلف ابن الحنفية فقال
أبوعبدالله
(عليه السلام): يا حمزة إني ساخبرك بحديث لا
تسأل عنه بعد مجلسك هذا، إن الحسين لما فصل (2) متوجها، دعا بقرطاس وكتب فيه:
" بسم
الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي بن أبي طالب إلى بني هاشم.
أما بعد فانه من لحق بي منكم استشهد، ومن تخلف لم يبلغ مبلغ الفتح والسلام
".
قال: وقال شيخنا المفيد باسناده إلى أبي عبدالله
(عليه السلام) قال: لما سار أبوعبدالله من
المدينة لقيه أفواج من الملائكة المسومة في أيديهم الحراب على نجب من نجب الجنة،
فسلموا عليه، وقالوا: يا حجة الله على خلقه بعد جده وأبيه وأخيه، إن الله سبحانه
أمد جدك بنا في مواطن كثيرة، وإن الله أمدك بنا، فقال لهم: الموعد حفرتي وبقعتي
التي أستشد فيها وهي كربلا، فاذا وردتها فأتوني، فقالوا: يا حجة الله! مرنا نسمع
ونطع، فهل تخشى من عدو يلقاك فنكون معك؟ فقال:
لا سبيل لهم علي ولا يلقوني بكريهة أو أصل إلى بقعتي.
وأتته أفواج مسلمي الجن فقالوا: يا سيدنا، نحن شيعتك وأنصارك، فمرنا
بأمرك، وما تشاء، فلو أمر تنا بقتل كل عدو لك وأنت بمكانك لكفيناك ذلك، فجزاهم
_______________
(1)
جمع فيه رسائل الائمة
(عليهم السلام)، راجع النجاشى ص 292.
(2)
يقال: فصل فلان من البلد: خرج منه، ومنه قوله تعالى: " ولما فصلت العير
".
===============
( 331 )
الحسين خيرا وقال لهم: أو ما قرأت كتاب الله المنزل على جدي رسول الله
" أينما تكونوا يدرككم الموت ولو كنتم في بروج مشيدة " (1) وقال سبحانه:
" لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم " (2) وإذا أقمت بماكني
فبماذا يبتلي هذا الخلق المتعوس؟ وبما ذا يختبرون؟ ومن ذا يكون ساكن حفرتي
بكربلاء؟ وقد اختارها الله يوم دحا الارض، وجعلها معقلا لشيعتنا، ويكون لهم أمانا
في الدنيا والآخرة ولكن تحضرون يوم السبت، وهو يوم عاشورا الذي في آخره اقتل، ولا
يبقى بعدي مطلوب من أهلي ونسبي وإخوتي وأهل بيتي، ويسار برأسي إلى يزيد لعنه الله.
فقالت الجن: نحن والله يا حبيب الله وابن حبيبه، لو لا أن أمرك طاعة وأنه
لا يجوز لنا مخالفتك، قتلنا جميع أعدائك قبل أن يصلوا إليك، فقال صلوات الله عليه
لهم: نحن والله أقدر عليهم منكم، ولكن ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة.
انتهى ما نقلناه من كتاب محمد بن أبي طالب.
ووجدت في بعض الكتب أنه
(عليه
السلام) لما عزم على الخروج من المدينة أتته ام سلمة رضي الله عنها فقالت: يا بني
لا تحزني بخروجك إلى العراق، فاني سمعت جدك يقول: يقتل ولدي الحسين بأرض العراق في
أرض يقال لها كربلا، فقال لها: يا اماه وأنا والله أعلم ذلك، وإني مقتول لا محالة،
وليس لي من هذا بد وإني والله لاعرف اليوم الذي اقتل فيه، واعرف من يقتلني، وأعرف
البقعة التي ادفن فيها، وإني أعرف من يقتل من أهل بيتي وقرابتي وشيعتي، وإن أردت
يا اماه اريك حفرتي ومضجعي.
ثم أشار
(عليه السلام) إلى جهة فانخفضت الارض حتى أراها
مضجعه ومدفنه وموضع عسكره، وموقفه ومشهده، فعند ذلك بكت ام سلمة بكاء شديدا، وسلمت
أمره إلى الله، فقال لها: يا اماه قد شاء الله عزوجل أن يراني مقتولا مذبوحا ظلما
وعدوانا، وقد شاء أن يرى حرمي ورهطي ونسائي مشردين، وأطفالي
_______________
(1)
النساء: 78.
(2)
آل عمران: 154.
===============
( 332 )
مذبوحين مظلومين، مأسورين مقيدين، وهم يستغيثون فلا يجدون ناصرا ولا
معينا.
وفي رواية اخرى: قالت ام سلمة: وعندي تربة دفعها إلي جدك في قارورة، فقال:
والله إني مقتول كذلك وإن لم أخرج إلى العراق يقتلوني أيضا ثم أخذ تربة فجعلها في
قارورة، وأعطاها إياها، وقال: اجعلها مع قارورة جدي فإذا فاضتا دما فاعلمي أني قد
قتلت.
ثم قال المفيد: فسار الحسين إلى مكة وهو يقرأ " فخرج منها خائفا
يترقب قال رب نجني من القوم الظالمين " (1) ولزم الطريق الاعظم، فقال له أهل
بيته:
لو تنكبت عن الطريق كما فعل ابن الزبير كيلا يلحقك الطلب، فقال: لا والله
لا افارقه حتى يقضي الله ما هو قاض، ولما دخل الحسين
(عليه السلام) مكة، كان دخوله إياها يوم
الجمعة، لثلاث مضين من شعبان، دخلها وهو يقرأ " ولما توجه تلقاء مدين قال:
عسى ربي أن يهديني سواء السبيل " (2).
ثم نزلها وأقبل أهلها يختلفون إليه، ومن كان بها من المعتمرين وأهل الآفاق
وابن الزبير بها قد لزم جانب الكعبة، وهو قائم يصلي عندها ويطوف، ويأتي الحسين
(عليه السلام) فيمن يأتيه، فيأتيه اليومين
المتواليين ويأتيه بين كل يومين مرة وهو
(عليه السلام) أثقل خلق الله على ابن الزبير
[لانه] قد عرف أن أهل الحجاز لا يبايعونه مادام الحسين في البلد وأن الحسين أطوع
في الناس منه وأجل.
وبلغ أهل الكوفة هلاك معاوية، فأرجفوا بيزيد وعرفوا خبر الحسين وامتناعه
من بيعته: وما كان من أمر ابن الزبير في ذلك وخروجهما إلى مكة، فاجتمعت الشيعة
بالكوفة في منزل سليمان بن صرد الخزاعي فذكروا هلاك معاوية فحمدوا الله وأثنوا
عليه، فقال سليمان: إن معاوية قد هلك وإن حسينا قد نقض (3) على القوم
_______________
(1)
القصص: 18.
(2)
القصص: 22.
(3)
في المصدر: تقبض: وهو الاظهر، فانه
(عليه السلام) لم يبايع يزيد فيما سبق
حين أخذ معاوية بيعة الناس بولاية عهده.
===============
( 333 )
بيعته، وقد خرج إلى مكة، وأنتم شيعته وشيعة أبيه فان كنتم تعلمون أنكم
ناصروه ومجاهدوا عدوه، فاكتبوا إليه فان خفتم الفشل والوهن فلا تغروا الرجل في
نفسه، قالوا: لا، بل نقاتل عدوه، ونقتل أنفسنا دونه، فاكتبوا إليه.
فكتبوا إليه: بسم الله الرحمن الرحيم للحسين بن علي من سليمان بن صرد
والمسيب بن نجبة (1) ورفاعة بن شداد البجلي وحبيب بن مظاهر (2)
وشيعته المؤمنين والمسلمين من أهل الكوفة، سلام عليك فإنا نحمد إليك الله
الذي لا إله إلا هو أما بعد فالحمد لله الذي قصم عدوك الجبار العنيد، الذي انتزى
على هذه الامة فابتزها أمرها، وغصبها فيئها، وتأمر عليها بغير رضى منها ثم قتل
خيارها واستبقى شرارها، وجعل مال الله دولة بين جبابرتها وأغنيائها، فبعدا له كما
بعدت ثمود، إنه ليس علينا إمام فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على الحق والنعمان بن
بشير في قصر الامارة، لسنا نجتمع معه في جمعة، ولا نخرج معه إلى عيد، ولو قد بلغنا
أنك قد أفبلت إلينا أخرجناه حتى نلحقه بالشام إنشاء الله.
ثم سرحوا بالكتاب مع عبدالله بن مسمع الهمداني وعبدالله بن وأل وأمروهما
بالنجا، فخرجا مسرعين حتى قدما على الحسين بمكة لعشر مضين من شهر رمضان.
ثم لبث أهل الكوفة يومين بعد تسريحهم بالكتاب وأنفذوا قيس بن مسهر
الصيداوي وعبدالله وعبدالرحمان ابني عبدالله بن زياد الارحبي (3) وعمارة بن
عبدالله السلولي إلى الحسين
(عليه
السلام) ومعهم نحو مائة وخمسين صحيفة من الرجل
_______________
(1)
هذا هو الصحيح كما ضبطه في الاصابة -: بفتح النون والجيم بعدها موحدة - ابن ربيعة
بن رياح بن عوف بن هلال بن سمح بن فزارة الفزارى، وقال: له ادراك، وقال ابن سعد:
كان مع على في مشاهده وقال ابن أبى حاتم عن أبيه: قتل مع سليمان بن صرد في طلب دم
الحسين سنة خمس وستين.
(2)
كذا ضبطه ابن داود ونقله عن خط الشيخ قدس سره وبعضهم يقول: مظهر، بفتح الظاء
وتشديد الهاء وكسرها راجع ص 319 و 320 فيما سبق.
(3)
في المصدر: وعبدالله وعبد الرحمن ابنا شداد الارحبى. وفى المناقب ج 4 ص 90
===============
( 334 )
والاثنين والاربعة.
وقال السيد: وهو مع ذلك يتأبى ولا يجيبهم، فورد عليه في يوم واحد ستمائة
كتاب، وتواترت الكتب حتى اجتمع عنده في نوب متفرقة اثنا عشر ألف كتاب.
وقال المفيد: ثم لبثوا يومين آخرين وسرحوا إليه هانئ بن هانئ السبيعي
وسعيد بن عبدالله الحنفي وكتبوا إليه " بسم الله الرحمن الرحيم إلى الحسين بن
علي من شيعته من المؤمنين والمسلمين أما بعد فحي هلا فان الناس ينتظرونك لا رأي
لهم غيرك، فالعجل العجل، ثم العجل العجل، والسلام ".
ثم كتب شبث بن ربعي وحجار بن أبجر، ويزيد بن الحارث بن رويم، وعروة ابن
قيس، وعمر بن حجاج الزبيدي ومحمد بن عمرو التيمي: أما بعد فقد اخضر الجنات، وأينعت
الثمار، وأعشبت الارض، وأورقت الاشجار، فاذا شئت فأقبل على جند لك مجندة، والسلام
عليك ورحمة الله وبركاته وعلى أبيك من قبلك.
وتلاقت الرسل كلها عنده فقرأ الكتب وسأل الرسل عن الناس، ثم كتب مع هانئ
بن هانئ، وسعيد بن عبدالله، وكانا آخر الرسل:
" بسم
الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى الملا من المؤمنين والمسلمين أما بعد فان
هانئا وسعيدا قدما علي بكتبكم، وكانا آخر من قدم علي من رسلكم، وقد فهمت كل الذي
اقتصصتم وذكرتم، ومقالة جلكم أنه ليس علينا إمام، فأقبل لعل الله أن يجمعنا بك على
الحق والهدى، وأنا باعث إليكم أخي وابن عمي وثقتي من أهل بيتي مسلم بن عقيل، فان
كتب إلي بأنه قد اجتمع رأي ملائكم، وذوي الحجى والفضل منكم، على مثل ما قدمت به
رسلكم وقرأت في كتبكم، فاني أقدم إليكم وشيكا إنشاء الله فلعمري ما الامام إلا
الحاكم بالكتاب
_______________
وهكذا تذكرة خواص الامة لسبط ابن الجوئزى ص 139 و 140
نقلا عن ابن اسحاق " وعبد الرحمن بن عبدالله الارحبى " ولعله الصحيح لما
سيجئ بعد ذلك أنه
(عليه السلام) أرسل مسلم بن عقيل مع قيس بن مسهر الصيداوى، وعمارة بن عبدالله السلولى،
وعبدالرحمان بن عبدالله الازدى [الارحبى] فان الظاهر أنهم هم الذين جاءوا من
الكوفة رسلا اليه.
===============
( 335 )
القائم بالقسط، الدائن بدين الحق، الحابس نفسه على ذلك لله، والسلام
".
ودعا الحسين
(عليه السلام) مسلم بن عقيل فسرحه مع قيس بن
مسهر الصيداوي وعمارة بن عبدالله السلولي وعبدالرحمن بن عبدالله الازدي، وأمره
بالتقوى وكتمان أمره واللطف، فان رأى الناس مجتمعين مستوسقين (1) عجل إليه بذلك.
فأقبل مسلم رحمه الله حتى أتى المدينة فصلى في مسجد رسول الله
(صلى الله عليه واله) وودع من أحب من أهله، واستأجر
دليلين من قيس فأقبلا به يتنكبان الطريق، فضلا عن الطريق، وأصابهما عطش شديد فعجزا
عن السير فأومآ له إلى سنن الطريق بعد أن لاح لهم ذلك، فسلك مسلم ذلك السنن، ومات
الدليلان عطشا، فكتب مسلم بن عقيل رحمه الله من الموضع المعروف بالمضيق مع قيس بن
مسهر " أما بعد فاني أقبلت من المدينة مع دليلين لي فحازا عن الطريق فضلا،
واشتد علينا العطش فلم يلبثا أن ماتا، وأقبلنا حتى انتهينا إلى الماء فلم ننج إلا
بحشاشة أنفسنا، وذلك الماء بمكان يدعى المضيق من بطن الخبت، وقد تطيرت من توجهي
هذا، فان رأيت أعفيتني عنه وبعثت غيري، والسلام ".
فكتب إليه الحسين
(عليه
السلام) " أما بعد فقد حسبت (2) أن لا يكون حملك على الكتاب إلي في
الاستعفاء من الوجه الذي وجهتك له إلا الجبن، فامض لوجهك الذي وجهتك فيه والسلام
".
فلما قرأ مسلم الكتاب قال: أما هذا فلست أتخوفه على نفسي، فأقبل حتى مر
بماء لطيئ فنزل به ثم ارتحل عنه، فاذا رجل يرمي الصيد فنظر إليه قد رمى ظبيا حين
أشرف له فصرعه، فقال مسلم بن عقيل: نقتل عدونا إنشاء الله.
ثم أقبل حتى دخل الكوفة فنزل في دار المختار بن أبي عبيدة وهي التي تدعى
اليوم دار مسلم بن المسيب، وأقبلت الشيعة تختلف إليه، فكلما اجتمع إليه منهم
جماعة، قرأ عليهم كتاب الحسين
(عليه
السلام) وهم يبكون، وبايعه الناس حتى بايعه
_______________
(1)
يقال: استوسق له الامر: اى امكنه.
(2)
في المصدر: خشيت.
===============
( 336 )
منهم ثمانية عشر ألفا، فكتب مسلم إلى الحسين
(عليه السلام) يخبره ببيعة ثمانية عشر ألفا
ويأمره بالقدوم، وجعلت الشيعة تختلف إلى مسلم بن عقيل - رحمه الله - حتى علم
بمكانه.
فبلغ النعمان بشير ذلك وكان واليا على الكوفة من قبل معاوية فأقره يزيد
عليها، فصعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فاتقوا الله عباد الله،
ولا تسارعوا إلى الفتنة والفرقة، فان فيها تهلك الرجال، وتسفك الدماء، وتغصب
الاموال إني لا اقاتل من لا يقاتلني، ولا آتي على من لم يأت علي، ولا انبه نائمكم
ولا أتحرش بكم، ولا آخذ بالقرف، ولا الظنة، ولا التهمة، ولكنكم إن أبديتم صفحتكم
لي، ونكثتم بيعتكم، وخالفتم إمامكم، فو الله الذي لا إله غيره، لاضربنكم بسيفي ما
ثبت قائمه في يدي، ولو لم يكن لي منكم ناصر، أما إني أرجو أن يكون من يعرف الحق
منكم أكثر ممن يرديه الباطل.
فقام إليه عبدالله بن مسلم بن ربيعة الحضرمي حليف بني امية فقال له:
إنه لا يصلح ما ترى إلا الغشم، وهذا الذي أنت عليه فيما بينك وبين عدوك
رأي المستضعفين، فقال له النعمان: إن أكون من المستضعفين في طاعة الله أحب إلي من
أن أكون من الاعزين في معصية الله، ثم نزل.
وخرج عبدالله بن مسلم وكتب إلى يزيد بن معاوية كتابا: أما بعد فان مسلم
ابن عقيل قد قدم الكوفة وبايعه الشيعة للحسين بن علي بن أبي طالب، فان يكن لك في
الكوفة حاجة فابعث إليها رجلا قويا ينفذ أمرك، ويعمل مثل عملك في عدوك، فان
النعمان بن بشير رجل ضعيف أو هو يتضعف.
===============
( ثم كتب إليه عمارة بن عقبة بنحو
من كتابه] (1) ثم كتب إليه عمر بن سعد بن أبي وقاص مثل ذلك، فلما وصلت الكتب إلى
يزيد، دعا سرحون مولى
_______________
(1)
ما بين العلامتين ساقط من نسخة الاصل موجود في نسخة المصدر ص 187 وهكذا طبعة
الكمبانى ص 172 ولا مناص منه لقوله بعد ذلك: " فلما وصلت الكتب " بصيغة
الجمع.
===============
( 337 )
معاوية فقال: ما رأيك؟ إن الحسين قد نفذ إلى الكوفة مسلم بن عقيل يبايع له
وقد بلغني عن النعمان ضعف وقول سيئ فمن ترى أن أستعمل على الكوفة؟ وكان يزيد عاتبا
على عبيد الله بن زياد، فقال له سرحون: أرأيت لو نشر لك معاوية حيا ما كنت آخذا
برأيه؟ قال: بلى، قال: فأخرج سرحون عهد عبيد الله على الكوفة، وقال:
هذا رأي معاوية مات، وقد أمر بهذا الكتاب فضم المصرين إلى عبيد الله، فقال
له يزيد: أفعل، ابعث بعهد عبيد الله بن زياد إليه.
ثم دعا مسلم بن عمرو الباهلي وكتب إلى عبيد الله معه " أما بعد فانه
كتب إلي شيعتي من أهل الكوفة ويخبرونني أن ابن عقيل فيها يجمع الجموع ليشق عصا
المسلمين، فسر حين تقرء كتابي هذا حتى تأتي الكوفة، فتطلب ابن عقيل طلب الخرزة حتى
تثقفه فتوثقه أو تقتله أو تنفيه والسلام " وسلم إليه عهده على الكوفة، فخرج
مسلم بن عمرو حتى قدم على عبيد الله البصرة، وأوصل إليه العهد والكتاب، فأمر عبيد
الله بالجهاز من وقته والمسير والتهيئ إلى الكوفة من الغد ثم خرج من البصرة
فاستخلف أخاه عثمان (1).
وقال ابن نما - ره -: رويت إلى حصين بن عبدالرحمن أن أهل الكوفة كتبوا
إليه: انا معك مائة ألف، وعن داود بن أبي هند عن الشعبي قال: بايع الحسين
(عليه السلام) أربعون ألفا من أهل الكوفة على
أن يحاربوا من حارب، ويسالموا من سالم، فعند ذلك رد جواب كتبهم يمنيهم بالقول،
ويعدهم بسرعة الوصول، وبعث مسلم بن عقيل.
وقال السيد رحمه الله بعد ذلك: وكان الحسين
(عليه السلام) قد كتب إلى جماعة من أشراف
البصرة كتابا مع مولى له اسمه سليمان ويكنى أبا رزين، يدعوهم إلى نصرته ولزوم
طاعته، منهم يزيد بن مسعود النهشلي والمنذر ابن الجارود العبدي فجمع يزيد بن مسعود
تميم وبني حنظلة وبني سعد فلما حضروا قال: يابني تميم كيف ترون موضعي فيكم وحسبي
منكم؟ فقالوا: بخ بخ أنت والله فقرة الظهر، ورأس الفخر
_______________
الارشاد: 1 ص 187 - 188.
===============
( 338 )
حللت في الشرف وسطا، وتقدمت فيه فرطا، قال: فاني قد جمعتكم لامر اريد أن
اشاوركم فيه، واستعين بكم عليه، فقالو: إنما والله نمنحك النصيحة، ونحمد لك ألرأي
فقل نسمع.
فقال: إن معاوية مات فأهون به والله هالكا ومفقودا، ألا وإنه قد انكسر باب
الجور والاثم، وتضعضعت أركان الضلم، وقد كان أحدث بيعة عقد بها أمرا ظن أن قد
أحكمه، وهيهات والذي أراد، اجتهد والله ففشل، وشاور فخذل، وقد قام يزيد شارب
الخمور، ورأس الفجور، يدعي الخلافة على المسلمين، ويتأمر عليهم مع قصر حلم وقلة
علم، لا يعرف من الحق موطئ قدمه.
فاقسم بالله قسما مبرورا لجهاده على الدين، أفضل من جهاد المشركين، وهذا
الحسين بن علي ابن رسول الله
(صلى
الله عليه واله) ذو الشرف الاصيل والرأي الاثيل، له فضل لا يوصف، وعلم لا ينزف، وهو أولى
بهذا الامر لسابقته وسنه وقدمته وقرابته يعطف على الصغير، ويحنو على الكبير، فأكرم
به راعي رعية، وإمام قوم وجبت لله به الحجة، وبلغت به الموعظة، ولا تعشوا عن نور
الحق، ولا تسكعوا في وهدة الباطل، فقد كان صخر بن قيس انخذل بكم يوم الجمل،
فاغسلوها بخروجكم إلى ابن رسول الله ونصرته، والله لا يقصر أحد عن نصرته إلا أورثه
الله الذل في ولده، والقلة في عشيرته، وها أنا قد لبست للحرب لامتها، وادرعت لها
بدرعها من لم يقتل يمت، ومن يهرب لم يفت، فأحسنوا رحمكم الله رد الجواب.
فتكلمت بنو حنظلة فقالوا: أبا خالد! نحن نبل كنانتك، وفرسان عشيرتك، إن
رميت بنا أصبت، وإن غزوت بنا فتحت، لا تخوض والله غمرة إلا خضناها، ولا تلقى والله
شدة إلا لقيناها، ننصرك بأسيافنا، ونقيك بأبداننا، إذا شئت.
وتكلمت بنو سعد بن زيد، فقالوا: أبا خالد! إن أبغض الاشياء إلينا خلافك
والخروج من رأيك، وقد كان صخر بن قيس أمرنا بترك القتال فحمدنا أمرنا وبقي عزنا
فينا، فأمهلنا نراجع المشورة ويأتيك رأينا.
وتكلمت بنو عامر بن تميم فقالوا: يا أبا خالد نحن بنو أبيك وحلفاؤك لا
نرضى
===============
( 339 )
إن غضبت، ولا نقطن إن ظعنت، والامر إليك فادعنا نجبك، ومرنا نطعك، والامر
لك إذا شئت.
فقال: والله يا بني سعيد لئن فعلتموها لا رفع الله السيف عنكم أبدا، ولا
زال سيفكم فيكم.
ثم كتب إلى الحسين صلوات الله عليه: " بسم الله الرحمن الرحيم أما
بعد فقد وصل إلي كتابك وفهمت ما ندبتني إليه ودعوتني له، من الاخذ بحظي من طاعتك
والفوز بنصيبي من نصرتك، وإن الله لم يخل الارض قط من عامل عليها بخير أو دليل على
سبيل نجاة، وأنتم حجة الله على خلقه، ووديعته في أرضه، تفرعتم من زيتونة أحمدية،
هو أصلها وأنتم فرعها، فأقدم سعدت بأسعد طائر، فقد ذللت لك أعناق بني تميم،
وتركتهم أشد تتابعا في طاعتك من الابل الظماء لورود الماء يوم خمسها (1) وقد ذللت
لك رقاب بني سعد، وغسلت درن صدورها بماء سحابة مزن حين استحل برقها فلمع.
فلما قرأ الحسين الكتاب قال: مالك آمنك الله يوم الخوف وأعزك وأرواك يوم
العطش.
فلما تجهز المشار إليه للخروج إلى الحسين
(عليه السلام) بلغه قتله قبل أن يسير فجزع من
انقطاعه عنه.
وأما المنذور بن جارود، فإنه جاء بالكتاب والرسول إلى عبيد الله بن زياد
لان المنذر خاف أن يكون الكتاب دسيسا من عبيد الله وكانت بحرية بنت المنذر بن
جارود تحت عبيد الله بن زياد فأخذ عبيد الله الرسول فصلبه، ثم صعد المنبر فخطب
وتوعد أهل البصرة على الخلاف، وإثارة الارجاف ثم بات تلك الليلة فلما أصبح استناب
عليهم أخاه عثمان بن زياد وأسرع هو إلى قصد الكوفة (2).
وقال ابن نما: كتب الحسين
(عليه
السلام) كتابا إلى وجوه أهل البصرة، منهم
_______________
(1)
هو أن ترعى الابل ثلاثة ايام وترد الرابع.
(2)
كتاب الملهوف ص 32 - 38 طبعة الكمبانى ص 304 و 305.
===============
( 340 )
الاحنف بن قيس، وقيس بن الهيثم، والمنذر بن الجارود، ويزيد بن مسعود
النهشلي وبعث الكتاب مع زراع السدوسي وقيل مع سليمان المكنى بأبي رزين فيه: "
إني أدعوكم إلى الله وإلى نبيه، فان السنة قد اميتت، فان تجيبوا دعوتي، وتطيعوا
أمري أهدكم سبيل الرشاد " فكتب الاحنف إليه: أما بعد فاصبر إن وعد الله حق
ولا يستخفنك الذين لا يوقنون، ثم ذكر أمر الرجلين مثل ما ذكره السيد رحمهما الله
إلى أن قال:
فلما أشرف على الكوفة نزل حتى أمسى ليلا فظن أهلها أنه الحسين
(عليه السلام) ودخلها مما يلي النجف فقالت
امرأة: الله اكبر ابن رسول الله ورب الكعبة، فتصايح الناس قالوا: إنا معك أكثر من
أربعين ألفا، وازدحموا عليه حتى أخذوا بذنب دابته وظنهم أنه الحسين، فحصر اللثام،
وقال: أنا عبيد الله فتساقط القوم، ووطئ بعضهم بعضا ودخل دار الامارة، وعليه عمامة
سوداء.
فلما أصبح قام خاطبا، وعليهم عاتبا، ولرؤسائهم مؤنبا، ووعدهم بالاحسان على
لزوم طاعته، وبالاساءة على معصيته والخروج عن حوزته، ثم قال: يا أهل الكوفة إن
أمير المؤمنين يزيد ولاني بلدكم، واستعملني على مصركم، وأمرني بقسمة فيئكم بينكم،
وإنصاف مظلومكم من ظالمكم، وأخذ الحق لضعيفكم من قويكم، والاحسان للسامع المطيع،
والتشديد على المريب، فأبلغوا هذا الرجل الهاشمي مقالتي ليتقي غضبي. ونزل، يعني
بالهاشمي مسلم بن عقيل رضي الله عنه.
وقال المفيد: وأقبل ابن زياد إلى الكوفة، ومعه مسلم بن عمرو الباهلي وشريك
بن الاعور الحارثي وحشمه وأهل بيته حتى دخل الكوفة وعليه عمامة سوداء وهو متلثم
والناس قد بلغهم إقبال الحسين
(عليه
السلام) فأخذ لا يمر على جماعة من الناس إلا سلموا عليه، وقالوا: مرحبا بك يا ابن
رسول الله قدمت خير مقدم، فرأى من تباشرهم بالحسين ما ساءه، فقال مسلم بن عمرو لما
أكثروا: تأخروا هذا الامير عبيد الله ابن زياد.
===============
( 341 )
وسار حتى والى القصر بالليل ومعه جماعة قد التفوا به، لا يشكون أنه الحسين
(عليه السلام) فأغلق النعمان بن بشير عليه وعلى
خاصته فناداه بعض من كان معه ليفتح لهم الباب فاطلع عليه النعمان وهو يظنه الحسين
فقال: أنشدك الله إلا تنحيت والله ما أنا بمسلم إليك أمانتي ومالي في قتالك من
إرب، فجعل لا يكلمه، ثم إنه دنا وتدلى النعمان من شرف القصر، فجعل يكلمه فقال:
افتح لا فتحت فقد طال ليلك، وسمعها إنسان خلفه، فنكص إلى القوم الذين اتبعوه من
أهل الكوفة على أنه الحسين
(عليه
السلام) فقال: يا قوم! ابن مرجانة والذي لا إله غيره، ففتح له النعمان فدخل
وضربوا الباب في وجوه الناس وانفضوا.
وأصبح فنادى في الناس: الصلاة جامعة، فاجتمع الناس فخرج إليهم فحمد الله
وأثنى عليه، ثم قال: أما بعد فان أمير المؤمنين يزيد ولاني مصركم وثغركم وفيئكم
وأمرني بقانصاف مظلومكم وإعطاء محرومكم، والاحسان إلى سامعكم ومطيعكم كالوالد
البر، وسوطي وسيفي على من ترك أمري وخالف عهدي، فليتق امرء على نفسه، الصدق ينبي
[ء] عنك لا الوعيد (1) ثم نزل.
وأخذ العرفاء بالناس أخذا شديدا فقال: اكتبوا إلي العرفاء! ومن فيكم من
طلبة أمير المؤمنين، ومن فيكم من أهل الحرورية، وأهل الريب الذين شأنهم الخلاف
والنفاق والشقاق، فمن يجئ لنا بهم فبرئ، ومن لم يكتب لنا أحدا فليضمن لنا من في
عرافته أن لا يخالفنا منهم مخالف، ولا يبغي علينا باغ، فمن لم يفعل برئت منه الذمة
وحلال لنا دمه وماله، أيما عريف وجد في عرافته من بغية أمير المؤمنين أحد لم يرفعه
إلينا صلب على باب داره والغيت تلك العرافة من العطاء.
ولما سمع مسلم بن عقيل رحمه الله مجئ عبيد الله إلى الكوفة، ومقالته التي
قالها، وما أخذ به العرفاء والناس، خرج من دار المختار حتى انتهى إلى دار هانئ
_______________
(1)
هذا من الامثال السائرة يضرب للجبان، يقول: انما ينبئ عدوك عنك أن تصدقه في
المحاربة وغيرها، لا أن توعده ولا تنفذ لما توعد به، راجع مجمع الامثال ج ص 398
تحت الرقم 2111 وسيجئ شرحه أوفى من ذلك في بيان المصنف قدس سره.
===============
( 342 )
ابن عروة فدخلها، فأخذت الشيعة تختلف إليه في دار هانئ على تستر واستخفاء
من عبيد الله، وتواصوا بالكتمان، فدعا ابن زياد مولى له يقال له: معقل فقال: خذ
ثلاثة آلاف درهم، واطلب مسلم بن عقيل والتمس أصحابه فاذا ظفرت بواحد منهم أو جماعة
فأعطهم هذه الثلاثة آلاف درهم، وقل لهم: استعينوا بها على حرب عدوكم وأعلمهم أنك
منهم فانك لو قد أعطيتهم إياها لقد اطمأنوا إليك ووثقوا بك، ولم يكتموك شيئا من
امورهم وأخبارهم، ثم اغد عليهم ورح حتى تعرف مستقر مسلم ابن عقيل، وتدخل عليه.
فعل ذلك، وجاء حتى جلس إلى مسلم بن عوسجة الاسدي في المسجد الاعظم، وهو
يصلي فسمع قوما يقولون: هذا يبايع للحسين، فجاء وجلس إلى جنبه حتى فرغ من صلاته ثم
قال: يا عبدالله إني امرء من أهل الشام أنعم الله علي بحب أهل البيت وحب من أحبهم
وتباكا له وقال: معي ثلاثة آلاف درهم أردت بها لقاء رجل منهم بلغني أنه قدم الكوفة
يبايع لابن بنت رسول الله
(صلى
الله عليه واله) فكنت اريد لقاءه فلم أجد أحدا يدلني عليه، ولا أعرف مكانه فاني لجالس في
المسجد الان إذ سمعت نفرا من المؤمنين يقولون: هذا رجل له علم بأهل هذا البيت،
وإني أتيتك لتقبض مني هذا المال، وتدخلني على صاحبك فاني أخ من إخوانك، وثقة عليك،
وإن شئت أخذت بيعتي له قبل لقائه.
فقال له ابن عوسجة: احمد الله على لقائك إياي، فقد سرني ذلك، لتنال الذي
تحب، ولينصرن الله بك أهل بيت نبيه عليه و(عليهم السلام) ولقد ساءني معرفة الناس إياي
بهذا الامر قبل أن يتم مخافة هذه الطاغية وسطوته، فقال له معقل: لا يكون إلا خيرا
خذ البيعة علي! فأخذ بيعته وأخذ عليه المواثيق المغلظة ليناصحن وليكتمن فأعطاه من
ذلك مارضي به ثم قال له: اختلف إلي أياما في منزلي فاني طالب لك الاذن على صاحبك،
وأخذ يختلف مع الناس فطلب له الاذن فأذن له وأخذ مسلم بن عقيل بيعته، وأمر أبا
ثمامة الصائدي بقبض المال منه وهو الذي كان يقبض أموالهم، وما يعين به بعضهم بعضا،
ويشتري لهم به السلاح، وكان بصيرا
===============
( 343 )
وفارسا من فرسان العرب، ووجوه الشيعة، وأقبل ذلك الرجل يختلف إليهم فهو
أول داخل وآخر خارج، حتى فهم ما احتاج إليه ابن زياد من أمرهم، فكان يخبره به وقتا
فوقتا (1).
وقال ابن شهر آشوب: لما دخل مسلم الكوفة سكن في دار سالم بن المسيب فبايعه
اثنا عشر ألف رجل، فلما دخل ابن زياد انتقل من دار سالم إلى دار هانئ؟
في جوف الليل ودخل في أمانه وكان يبايعه الناس حتى بايعه خمسة وعشرون ألف
رجل فعزم على الخروج، فقال هانئ: لا تعجل وكان شريك بن الاعور الهمداني جاء من
البصرة مع عبيد الله بن زياد فمرض فنزل دار هانئ أياما ثم قال لمسلم: إن عبيد الله
يعودني وإني مطاوله الحديث، فاخرج إليه بسيفك فاقتله، وعلامتك أن أقول: "
اسقوني ماء " ونهاه هانئ عن ذلك. فلما دخل عبيد الله على شريك وسأله عن وجعه،
وطال سؤاله ورأى أن أحدا لا يخرج فخشي أن يفوته فأخذ يقول:
===============
( شعر]:
ما الانتظار بسلمى أن تحييها (2) * " كأس المنية بالتعجيل اسقوها
" فتوهم ابن زياد وخرج، فلما دخل القصر أتاه مالك بن يربوع التميمي بكتاب
أخذه من يدي عبدالله بن يقطر فاذا فيه: للحسين بن علي
(عليهما السلام) أما بعد فاني اخبرك أنه قد بايعك
من أهل الكوفة كذا فاذا أتاك كتابي هذا فالعجل العجل فان الناس كلهم معك، وليس لهم
في يزيد رأي ولا هوى، فأمر ابن زياد بقتله (3).
وقال ابن نما فلما خرج ابن زياد دخل مسلم، والسيف في كفه، قال له
_______________
(1)
ارشاد المفيد ص 188 - 190.
(2)
كذا في نسخة الاصل والمصدر والصحيح كما في مقاتل الطالبيين:
ما الانتظار بسلمى أن
تحيوها * حيوا سليمى وحيوا من يحييها
"
كأس المنية بالتعجيل أسقوها " والشطر الاخير من زيادة شريك بن الاعور تصريحا بما
تواطئوا عليه.
(3)
مناقب آل أبى طالب ج 4 ص 91 و 92 باختصار وتلفيق.
===============
( 344 )
شريك: ما منعك من الامر؟ قال مسلم: هممت بالخروج فتعلقت بي امرأة وقالت:
نشدتك الله إن قتلت ابن زياد في دارنا، وبكت في وجهي، فرميت السيف وجلست
هانئ: يا ويلها قتلتني وقتلت نفسها والذي فررت منه وقعت فيه.
وقال أبوالفرج في المقاتل: قال هانئ لمسلم: إني لا احب أن يقتل في داري،
قال: فلما خرج مسلم قال له شريك: ما منعك من قتله؟ قال: خصلتان:
أما إحداهما فكراهية هانئ أن يقتل في داره، وأما الاخرى فحديث حد ثنيه
الناس عن النبي
(صلى الله
عليه واله) أن الايمان قيد الفتك، فلا يفتك مؤمن، فقال لها هانئ: أما والله لو قتلته
لقتلت فاسقا فاجرا كافرا (1).
ثم قال المفيد: وخاف هانئ بن عروة عبيد الله على نفسه، فانقطع عن حضور
مجلسه وتمارض، فقال ابن زياد: لجلسائه ما لي لا أرى هانئا؟ فقالوا: هو شاك، فقال:
علمت بمرضه لعدته، ودعا محمد بن الاشعث، وأسماء بن خارجة وعمرو بن الحجاج الزبيدي
وكانت رويحة بنت عمرو تحت هانئ بن عروة وهي ام يحيى بن هانئ فقال لهم: ما يمنع
هانئ بن عروة من إتياننا؟ فقالوا: ما ندري وقد قيل إنه يشتكي قال: قد بلغني أنه قد
برئ وهو يجلس على باب داره فالقوه ومروه أن لا يدع ما عليه من حقنا، فاني لا احب
أن يفسد عندي مثله من أشراف العرب.
فأتوه حتى وقفوا عليه عشية وهو جالس على بابه، وقالوا له: ما يمنعك من
لقاء الامير؟ فانه قد ذكرك وقال: لو أعلم أنه شاك لعدته فقال لهم: الشكوى تمنعني
فقالوا: قد بلغه أنك تجلس كل عشية على باب دارك وقد استبطأك والابطاء والجفاء لا
يحتمل السلطان، أقسمنا عليك لما ركبت معنا، فدعا بثيابه فلبسها ثم دعا ببغلته
فركبها حتى إذا دنا من القصر كأن نفسه أحست ببعض
_______________
مقاتل الطالبين ص 71 والحديث رواه أبوداود في سننه ج 2
ص 79 عن أبي هريرة ومعناه أن الايمان يمنع من الفتك الذى هو القتل بعد الامان غدرا
كما يمنع القيد من التصرف.
===============
( 345 )
الذي كان، فقال لحسان بن أسماء بن خارجة: يا ابن الاخ إني والله لهذا
الرجل لخائف، فما ترى؟ فقال: يا عم والله ما أتخوف عليك شيئا، ولم تجعل على نفسك
سبيلا؟ ولم يكن حسان يعلم في أي شئ بعث إليه عبيد الله.
فجاء هانئ حتى دخل على عبيد الله بن زياد وعنده القوم، فلما طلع قال عبيد
الله: أتتك بحائن رجلاه (1).
فلما دنا من ابن زياد وعنده شريح القاضي، التفت نحوه فقال:
اريد حباءه ويريد قتلي * عذيرك من
خليلك من مراد
وقد كان أول ما مقدم مكرما له ملطفا، فقال له هانئ: وما ذاك أيها الامير؟
قال: إيه يا هانئ بن عروة ما هذه الامور التي تربص في دارك لامير المؤمنين
وعامة المسلمين؟ جئت بمسلم بن عقيل فأدخلته دارك، وجمعت له الجموع، والسلاح
والرجال في الدور حولك، وظننت أن ذلك يخفى علي؟ قال: ما فعلت ذلك وما مسلم عندي
قال: بلى قد فعلت، فلما كثر بينهما وأبى هانئ إلا مجاحدته ومناكرته، دعا ابن زياد
معقلا ذلك العين فجاء حتى وقف بين يديه وقال: أتعرف هذا؟ قال:
نعم، وعلم هانئ عند ذلك أنه كان عينا عليهم، وأنه قد أتاه بأخبارهم فاسقط
في
_______________
(1)
الحائن من الحين - بالفتح - وهو الهلاك، والحائن: الذى حان حينه وهلاكه قال
الميدانى في مجمع الامثال تحت الرقم 57: كان المفضل يخبر بقائل هذا المثل فيقول:
انه الحارث بن جبلة الغسانى، قاله للحارث بن عيف
العبدى، وكان ابن العيف قد هجاه فلما غزا الحارث بن جبلة، المنذر بن ماء السماء،
كان ابن العيف معه، فقتل المنذر، وتفرقت جموعه، واسر ابن العيف، فأتى به إلى
الحارث بن جبلة، فعندها قال: أتتك بحائن رجلاه يعنى مسيره مع المنذر اليه، ثم أمر
الحارث سيافه الدلامص فضربه ضربة دقت منكبه، ثم برأ منها وبه خبل، وقيل: أول من
قاله عبيد الابرص حين عرض للنعمان بن المنذر في يوم بؤسه وكان قصده ليمدحه ولم
يعرف أنه يوم بؤسه، فلما انتهى اليه قال له النعمان: ما جاء بك يا عبيد؟ قال: أتتك
بحائن رجلاه فقال النعمان هلا كان هذا غيرك؟ قال: البلايا على الحوايا. فذهبت
كلمتاه مثلا.
===============
( 346 )
يده ساعة (1).
ثم راجعته نفسه، فقال: اسمع مني وصدق مقالتي، فو الله ما كذبت، والله ما
دعوته إلى منزلي، ولا علمت بشئ من أمره حتى جاءني يسألني النزول، فاستحييت من رده
وداخلني من ذلك ذمام فضيفته وآويته، وقد كان من أمره ما بلغك، فان شئت أن اعطيك
الآن موثقا مغلظا أن لا أبغيك سوءا ولا غائلة ولآتينك حتى أضع يدى في يدك وإن شئت
أعطيتك رهينة تكون في يدك حتى آتيك وأنطلق إليه فآمره أن يخرج من داري إلى حيث شاء
من الارض فأخرج من ذمامه وجواره.
فقال له ابن زياد: والله لا تفارقني أبدا حتى تأتيني به قال: لا والله لا
أجيئك به أبدا أجيئك بضيفي تقتله؟ قال: والله لتأتيني به قال: والله لا آتيك به،
فلما كثر الكلام بينهما قام مسلم بن عمرو الباهلي وليس بالكوفة شامي ولا بصري غيره
فقال: أصلح الله الامير خلني وإياه حتى اكلمه فقام فخلا به ناحية من ابن زياد وهما
منه بحيث يراهما فاذا رفعا أصواتهما سمع ما يقولان.
فقال له مسلم: يا هانئ أنشدك الله أن تقتل نفسك، وأن تدخل البلاء في
عشيرتك، فوالله إني لانفس بك عن القتل، إن هذا ابن عم القوم وليسوا قاتليه ولا
ضائريه، فادفعه إليهم فانه ليس عليكم بذلك مخزاة ولا منقصة، إنما تدفعه إلى
السلطان، فقال هانئ: والله إن علي في ذلك الخزي والعار أن أدفع جاري وضيفى وأنا حي
صحيح أسمع وأرى، شديد الساعد، كثير الاعوان، والله لو لم يكن لي إلا واحد ليس لي
ناصر لم أدفعه حتى أموت دونه، فأخذ يناشده وهو يقول: والله لا أدفعه إليه أبدا.
فسمع ابن زياد لعنه الله ذلك فقال: ادنوه مني، فأدنوه منه، فقال: والله
لتأتيني به أو لاضربن عنقك، فقال هانئ: إذا والله تكثر البارقة حول دارك، فقال ابن
زياد: والهفاه عليك، أبالبارقة تخوفني؟ وهو يظن أن عشيرته سيمنعونه
_______________
(1)
قال الاخفش: ويقال: سقط في يده وأسقط - مجهولا - أى ندم، ومنه قوله تعالى: "
ولما سقط في أيديهم " اى ندموا.
===============
( 347 )
ثم قال: ادنوه مني فادني منه، فاستعرض وجهه بالقضيب فلم يزل يضرب به أنفه
وجبينه وخده حتى كسر أنفه وسال الدماء على وجهه ولحيته، ونثر لحم جبينه وخذه على
لحيته، حتى كسر القضيب، وضرب هانئ يده على قائم سيف شرطي وجاذبه [الرجل] ومنعه.
فقال عبيد الله: أحروري سائر اليوم (1) قد حل دمك جروه، فجروه فألقوه في
بيت من بيوت الدار، وأغلقوا عليه بابه، فقال: اجعلوا عليه حرسا ففعل ذلك به فقام
إليه حسان بن أسماء فقال: أرسل غدر سائر اليوم! (2) أمرتنا أن نجيئك بالرجل حتى
إذا جئناك به هشمت أنفه ووجهه، وسيلت دماءه على لحيته، وزعمت أنك تقتله؟ فقال له
عبيد الله: وإنك لههنا؟ فأمر به فلهز وتعتع وأجلس ناحية فقال محمد بن الاشعث: قد
رضينا بما رأى الامير، لنا كان أم علينا، إنما الامير مؤدب.
وبلغ عمرو بن الحجاج أن هانئا قد قتل فأقبل في مذحج حتى أحاط بالقصر ومعه
جمع عظيم، وقال: أنا عمرو بن الحجاج وهذه فرسان مذحج ووجوهها لم نخلع طاعة ولم
نفارق جماعة، وقد بلغهم أن صاحبهم قد قتل فأعظموا ذلك فقيل لعبيد الله بن زياد:
وهذه فرسان مذحج بالباب؟! فقال لشريح القاضي: ادخل على
_______________
كذا في نسخة الاصل وهكذا المصدر ص 191 و 192، والظاهر
أن ابن زياد خاطبه بذلك، وأن " سائر اليوم " كان لقبا له معروفا بذلك،
ويؤيده قول حسان بن أسماء ابن خارجة لابن زياد: " ارسل غدر سائر اليوم "
والسائر: البقية، والمعنى بقية السلف اليوم.
ولكن الصحيح ما في نسخة الملهوف ص 42: " سائر
القوم " اى قائدهم وسائسهم في المسير والمعنى: هل قائد القوم وسائرهم حرورى
يرى رأى الخوارج، فيخرج على أميره بالسيف؟
وسيجئ في ذلك كلام من المصنف قدس سره.
(2)
الغدر: الغادر، ويقال في شتم الرجل " يا غدر " اى يا غادر، وسيجئ تفسير
سائر غرائب الحديث منه قدس سره.
===============
( 348 )
صاحبهم فانظر إليه ثم اخرج فأعلمهم أنه حي لم يقتل، فدخل شريح فنظر إليه
فقال هانئ: لما رأى شريحا يالله يا للمسلمين أهلكت عشيرتي أين أهل الدين أين أهل
المصر، والدماء اتسيل على لحيته، إذ سمع الضجة على باب القصر، فقال: إني لاظنها
أصوات مذحج، وشيعتي من المسلمين، إنه إن دخل علي عشرة نفر أنقذوني.
فلما سمع كلامه شريح خرج إليهم فقال لهم: إن الامير لما بلغه كلامكم
ومقالتكم في صاحبكم أمرني بالدخول إليه فأتيته فنظرت إليه، فأمرني أن ألقاكم
واعرفكم أنه حي وأن الذي بلغكم من قتله باطل، فقال له عمرو بن الحجاج وأصحابه: أما
إذ لم يقتل فالحمد لله، ثم انصرفوا.
فخرج عبيد الله بن زياد فصعد المنبر ومعه أشراف الناس وشرطه وحشمه، فقال:
أما بعد أيها الناس فاعتصموا بطاعة الله وطاعة أئمتكم، ولا تفرقوا فتهلكوا
وتذلوا وتقتلوا وتجفوا وتحرموا، إن أخاك من صدقك، وقد أعذر من أنذر، والسلام.
ثم ذهب لينزل فما نزل عن المنبر حتى دخلت النظارة المسجد من قبل باب
التمارين يشتدون ويقولون: قد جاء ابن عقيل، فدخل عبيد الله القصر مسرعا وأغلق
أبوابه، فقال عبدالله بن حازم: أنا والله رسول ابن عقيل إلى القصر لانظر ما فعل
هانئ، فلما ضرب وحبس ركبت فرسي فكنت أول داخل الدار على مسلم بن عقيل بالخبر، وإذا
نسوة لمراد مجتمعات ينادين يا عبر تاه يا ثكلاه، فدخلت على مسلم فأخبرته الخبر،
فأمرني أن انادي في أصحابه وقد ملا بهم الدور حوله، كانوا فيها أربعه آلاف رجل
فقال (1): ناد: " يا منصور أمت " فناديت فتنادى أهل الكوفة واجتمعوا
عليه.
فعقد مسلم رحمه الله لرؤس الارباع كندة ومدحج وتميم وأسد ومضر وهمدان
وتداعى الناس واجتمعوا فما لبثنا إلا قليلا حتى امتلا المسجد من الناس والسوق وما
زالوا يتوثبون حتى المساء، فضاق بعبيد الله أمره ونكان أكثر عمله أن يمسك باب
القصر، وليس معه إلا ثلاثون رجلا من الشرط، وعشرون رجلا من أشراف الناس
_______________
(1)
في الاصل وهكذا المصدر ص 192 " فقال لمناديه " وهو سهو ظاهر.
===============
( 349 )
وأهل بيته وخاصته، وأقبل من نأى عنه من أشراف الناس يأتونه من قبل الباب
الذي يلي دار الروميين، وجعل من في القصر مع ابن زياد يشرفون عليهم فينظرون إليهم
وهم يرمونهم بالحجارة ويشتمونهم ويفترون على عبيد الله وعلى امه فدعا ابن زياد
كثير بن شهاب وأمره أن يخرج فيمن أطاعه في مذحج، فيسير في الكوفة ويخذل الناس عن
ابن عقيل، ويخوفهم الحرب، ويحذرهم عقوبة السلطان وأمر محمد بن الاشعث أن يخرج فيمن
أطاعه من كندة وحضرموت، فيرفع راية أمان لمن جاء من الناس، وقال مثل ذلك للقعقاع
الذهلي وشبث بن ربعي التميمي وحجار بن أبجر السلمي وشمر بن ذي الجوشن العامري،
وحبس باقي وجوه الناس عنده استيحاشا إليهم لقلة عدد من معه من الناس.
فخرج كثير بن شهاب يخذل الناس عن مسلم، وخرج محمد بن الاشعث حتى وقف عند
دور بني عمارة فبعث ابن عقيل إلى محمد بن الاشعث عبدالرحمن بن شريح الشيباني، فلما
رأى ابن الاشعث كثرة من أتاه، تأخر عن مكانه، وجعل محمد بن الاشعث وكثير بن شهاب
والقعقاع بن ثور الذهلي وشبث بن ربعي يردون الناس عن اللحوق بمسلم، ويخوفونهم
السلطان، حتى اجتمع إليهم عدد كثير من قومهم وغيرهم، فصاروا إلى ابن زياد من قبل
دار الروميين، ودخل القوم معهم.
فقال كثير بن شهاب: أصلح الله الامير! معك في القصر ناس كثير من أشراف
الناس ومن شرطك وأهل بيتك ومواليك، فاخرج بنا إليهم، فأبى عبيد الله وعقد لشبث ابن
ربعي لواء وأخرجه، وأقام الناس مع ابن عقيل يكثرون حتى المساء، وأمرهم شديد، فبعث
عبيد الله إلى الاشراف فجمعهم ثم أشرفوا على الناس فمنوا أهل الطاعة الزيادة
والكرامة، وخوفوا أهل المعصية الحرمان والعقوبة واعلموهم وصول الجند من الشام
إليهم.
وتكلم كثير بن شهاب حتى كادت الشمس أن تجب، فقال: أيها الناس الحقوا
بأهاليكم، ولا تعجلوا الشر، ولا تعرضوا أنفسكم للقتل، فان هذه جنود أمير المؤمنين
يزيد قد أقبلت، وقد أعطى الله الامير عهدا لئن تممتم على حربه، ولم تنصرفوا
===============
( 350 )
من عشيتكم، أن يحرم ذريتكم العطاء، ويفرق مقاتليكم في مفازي الشام، وأن
يأخذ البرئ منكم بالسقيم، والشاهد بالغائب، حتى لا يبقى له بقية من أهل المعصية
إلا أذاقها وبال ما جنت أيديها، وتكلم الاشراف بنحو من ذلك.
فلما سمع الناس مقالتهم أخذوا يتفرقون وكانت المرأة تأتي ابنها أو أخاها
فتقول: انصرف! الناس يكفونك، ويجيئ الرجل إلى ابنه أو أخيه ويقول: غدا تأتيك أهل
الشام، فما تصنع بالحرب والشر؟ انصرف! فيذهب به فينصرف، فما زالوا يتفرقون حتى
أمسى ابن عقيل، وصلى المغرب وما معه إلا ثلاثون نفسا في المسجد.
فلما رأى أنه قد أمسى وليس معه إلا اولئك النفر، وخرج متوجها إلى أبواب
كندة فلم يبلغ الابواب إلا ومعه منهم عشرة ثم خرج من الباب وإذا ليس معه إنسان
يدله، فالتفت فاذا هو لا يحس أحدا يدله على الطريق، ولا يدله على منزله، ولا
يواسيه بنفسه إن عرض له عدو، فمضى على وجهه متلددا في أزقة الكوفة لا يدري أين
يذهب؟ حتى خرج إلى دور بني جبلقة من كندة، فمضى حتى أتى إلى باب امرأة يقال لها
طوعة ام ولد كانت للاشعث بن قيس، وأعتقها وتزوجها أسيد الحضرمي فولدت له بلالا،
وكان بلال قد خرج مع الناس، وامه قائمة تنتظره.
فسلم عليها ابن عقيل فردت
(عليه
السلام) فقال لها: يا أمة الله اسقيني ماء فسقته وجلس ودخلت ثم خرجت فقالت: يا
عبدالله ألم تشرب؟ قال: بلى قالت:
فاذهب إلى أهلك، فسكت، ثم أعادت مثل ذلك، فسكت، ثم قالت في الثالثة:
سبحان الله يا عبدالله قم عافاك الله إلى أهلك فانه لا يصلح لك الجلوس على
بابي ولا احله لك، فقام وقال: يا أمة الله ما لي في هذا المصر أهل ولا عشيرة، فهل
لك في أجر ومعروف، ولعلي مكافيك بعد هذا اليوم، قالت: يا عبدالله وما ذاك؟ قال:
أنا مسلم بن عقيل كذبني هؤلاء القوم، وغروني وأخرجوني، قالت: أنت مسلم؟!
قال: نعم، قالت: ادخل.
فدخل إلى بيت دارها غير البيت الذي تكون فيه، وفرشت له وعرضت عليه العشاء
فلم يتعش، ولم يكن بأسرع من أن جاء ابنها فرآها تكثر الدخول في
===============
( 351 )
البيت والخروج منه، فقال لها: والله إنه ليريبني كثرة دخولك إلى هذا البيت
وخروجك منه، منذ الليلة، إن لك لشأنا قالت له: يا بني اله عن هذا قال:
والله لتخبريني قالت له: أقبل على شأنك، ولا تسألني عن شئ، فألح عليها
فقالت:
يا بني لا تخبرن أحدا من الناس بشئ مما اخبرك به قال: نعم، فأخذت عليه
الايمان فحلف لها، فأخبرته فاضطجع وسكت.
ولما تفرق الناس عن مسلم بن عقيل رحمه الله، طال على ابن زياد وجعل لا
يسمع لاصحاب ابن عقيل صوتا كما كان يسمع قبل ذلك، فقال لاصحابه: أشرفوا فانظروا هل
ترون منهم أحدا؟ فأشرفوا فلم يجدوا أحدا، قال: فانظروهم لعلهم تحت الظلال قد كمنوا
لكم فنزعوا تخاتج المسجد، وجعلوا يخفضون بشعل النار في أيديهم وينظرون، وكانت
أحيانا تضيئ لهم وتارة لا تضيئ لهم كما يريدون فدلوا القناديل وأطنان القصب تشد
بالحبال ثم يجعل فيها النيران ثم تدلى حتى ينتهي إلى الارض ففعلوا ذلك في أقصى
الظلال وأدناها وأوسطها حتى فعل ذلك بالظلة التي فيها المنبر فلما لم يروا شيئا
أعلموا ابن زياد بتفرق القوم.
ففتح باب السدة ألتي في المسجد ثم خرج فصعد المنبر، وخرج أصحابه معه
وأمرهم فجلسوا قبيل العتمة وأمر عمر بن نافع فنادى: ألا برئت الذمة من رجل من
الشرط أو العرفاء والمناكب أو المقاتلة صلى العتمة إلا في المسجد فلم يكن إلا ساعة
حتى امتلا المسجد من الناس، ثم أمر مناديه فأقام الصلاة وأقام الحرس خلفه وأمرهم
بحراسته ومن أن يدخل إليه من يغتاله، وصلى بالناس.
ثم صعد المنبر فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أما بعد فان ابن عقيل السفيه
الجاهل قد أتى مارأيتم من الخلاف والشقاق، فبرئت ذمة الله من رجل وجدناه في داره
ومن جاء به فله ديته، اتقوا الله عباد الله، وألزموا الطاعة وبيعتكم، ولا تجعلوا
على أنفسكم سبيلا.
يا حصين بن نمير! ثكلتك امك إن ضاع باب سكة من سكك الكوفة، وخرج هذا الرجل
ولم تأتني به، وقد سلطتك على دور أهل الكوفة. فابعث مراصد على
===============
( 352 )
أهل الكوفة ودورهم، وأصبح غدا واستبرء الدور وجس خلالها حتى تأتيني بهذا
الرجل، وكان الحصين بن نمير على شرطه، وهو من بني تميم، ثم دخل ابن زياد القصر وقد
عقد لعمرو بن حريث راية وأمره على الناس.
فلما أصبح جلس مجلسه وأذن للناس، فدخلوا عليه وأقبل محمد بن الاشعث فقال:
مرحبا بمن لا يستغش ولا يتهم، ثم أقعده إلى جنبه، وأصبح ابن تلك العجوز فغدا إلى
عبدالرحمن بن محمد بن الاشعث فأخبره بمكان مسلم بن عقيل عند امه، فأقبل عبدالرحمن
حتى أتى أباه وهو عند ابن زياد فساره فعرف ابن زياد سراره فقال له ابن زياد
بالقضيب في جنبه (1): قم فأتني به الساعة، فقام وبعث معه قومه لانه قد علم أن كل
قوم يكرهون أن يصاب فيهم مثل مسلم بن عقيل.
فبعث معه عبيد الله بن عباس السلمي في سبعين رجلا من قيس حتى أتوا الدار
التي فيها مسلم بن عقيل رحمه الله فلما سمع وقع حوافر الخيل وأصوات الرجال علم أنه
قد اتي، فخرج إليهم بسيفه واقتحموا عليه الدار، فشد عليهم يضربهم بسيفه حتى أخرجهم
من الدار، ثم عادوا إليه فشد عليهم كذلك، فاختلف هو وبكر بن حمران الاحمري ضربتين
فضرب بكر فم مسلم، فقطع شفته العليا وأسرع السيف في السفلى وفصلت له ثنيتاه وضرب
مسلم في رأسه ضربة منكرة وثناه باخرى على حبل العاتق، كادت تطلع إلى جوفه.
فلما رأوا ذلك أشرفوا عليه من فوق البيت، وأخذوا يرمونه بالحجارة ويلهبون
النار في أطنان القصب ثم يرمونها عليه من فوق البيت، فلما رأى ذلك
خرج عليهم مصلتا بسيفه في السكة فقال محمد
بن الاشعث: لك الامان لا تقتل نفسك وهو يقاتلهم ويقول:
أقسمت لا اقتل إلا حرا * وإن رأيت
الموت شيئا نكرا
ويخلط البارد سخنا مرا * رد شعاع
الشمس فاستقرا
كل امرئ يوما ملاق شرا * أخاف أن
اكذب أو اغرا
_______________
(1)
أى ضرب بالقضيب جنبه أن قم.
===============
( 353 )
فقال له محمد بن الاشعث: إنك لا تكذب ولا تغر ولا تخدع إن القوم بنوا عمك،
وليسوا بقاتليك، ولا ضائريك، وكان قد اثخن بالحجارة، وعجز عن القتال فانتهز (1)
واستند ظهره إلى جنب تلك الدار فأعاد ابن الاشعث عليه القول: لك الامان، فقال: آمن
أنا؟ قال: نعم، فقال للقوم الذين معه ألي الامان؟ قال القوم له: نعم، إلا عبيد
الله بن العباس السلمي فانه قال: لا ناقة لي في هذا ولا جمل (2)
ثم تنحى.
فقال مسلم: أما لو تأمنوني ما وضعت يدي في أيديكم، فأتى ببغلة فحمل عليها،
واجتمعوا حوله ونزعوا سيفه، وكأنه عند ذلك يئس من نفسه، فدمعت عيناه م ثم قال: هذا
أول الغدر، فقال له محمد بن الاشعث: أرجو أن لا يكون عليك بأس قال: وما هو إلا
الرجاء؟ أين أمانكم؟ إنا لله وإنا إليه راجعون، وبكى، فقال له عبيد الله بن
العباس: إن من يطلب مثل الذي طلبت إذا ينزل به مثل ما نزل بك لم يبك، قال: والله
إني ما لنفسي بكيت، ولا لها من القتل أرثي، وإن كنت لم احب لها طرفة عين تلفا،
ولكني أبكي لاهلي المقبلين، إني أبكي للحسين وآل الحسين
(عليه السلام).
ثم أقبل على محمد بن الاشعث فقال: يا عبدالله إني أراك والله ستعجز عن
أماني فهل عندك خير: تستطيع أن تبعث من عند رجلا على لساني أن يبلغ حسينا فاني لا
أراه إلا وقد خرج اليوم أو خارج غدا وأهل بيته، ويقول له: إن ابن عقيل بعثني إليك
وهو أسير في يد القوم لا يرى أنه يمسي حتى يقتل، وهو يقول لك:
_______________
في المصدر: فانبهر: أى انقطع نفسه من شدة السعى
والقتال.
(2)
قال الميداني: أصل المثل [لا ناقتى في هذا ولا جملى] للحارث بن عباد، حين قتل جساس
بن مرة كليبا. وهاجت الحرب بين الفريقين. وكان الحارث اعتزلهما.
قال وقال بعضهم ان أول من قال ذلك الصدوف بنت حليس
العذرية على ما سيجيئ بيانه مختصرا عند ايضاح المصنف لغرائب الحديث. راجع مجمع
الامثال ج 2 ص 220 تحت الرقم 3539.
===============
( 354 )
ارجع فداك أبي وامي بأهل بيتك ولا يغررك أهل الكوفة فانهم أصحاب أبيك الذي
كان يتمنى فراقهم بالموت أو القتل، إن أهل الكوفة قد كذبوك وليس لمكذوب رأي، فقال
ابن الاشعث: والله لافعلن ولاعلمن ابن زياد أني قد أمنتك (1).
وقال محمد بن شهر آشوب: أنفذ عبيد الله عمرو بن حريث المخزومي ومحمد بن
الاشعث في سبعين رجلا حتى أطافوا بالدار، فحمل مسلم عليهم وهو يقول:
هو الموت فاصنع وبك ما أنت صانع *
فأنت لكأس الموت لا شك جارع
فصبر لامر الله جل جلاله * فحكم
قضاء الله في الخلق ذائع
فقتل منهم أحدا وأربعين رجلا (2).
وقال محمد بن أبي طالب: لما قتل مسلم منهم جماعة كثيرة، وبلغ ذلك ابن
زياد، أرسل إلى محمد بن الاشعث يقول: بعثناك إلى رجل واحد لتأتينا به، فثلم في
أصحابك ثلمة عظيمة، فكيف إذا أرسلناك إلى غيره؟ فأرسل ابن الاشعث:
أيها الامير أتظن أنك بعثتني إلى بقال من بقالي الكوفة، أو إلى جرمقاني من
جرامقة ألحيرة؟ أو لم تعلم أيها الامير أنك بعثتني إلى أسد ضرغام، وسيف حسام، في
كف بطل همام، من آل خير الانام، فأرسل إليه ابن زياد أعطه الامان فانك لا تقدر
عليه إلا به.
أقول: روي في بعض كتب المناقب عن علي بن أحمد العاصمي، عن إسماعيل ابن
أحمد البيهقي، عن والده، عن أبي الحسين بن بشران، عن أبي عمرو بن السماك عن حنبل
بن إسحاق، عن الحميدي، عن سفيان بن عيينة، عن عمرو بن دينار قال: أرسل الحسين
(عليه السلام) مسلم بن عقيل إلى الكوفة وكان
مثل الاسد، قال عمرو وغيره: لقد كان من قوته أنه يأخذ الرجل بيده، فيرمي به فوق
البيت.
رجعنا إلى كلام المفيد رحمه الله قال: وأقبل ابن الاشعث بابن عقيل إلى
_______________
الارشاد ص 190 - 197 وفيه " ليس لكذوب رأى
".
(2)
مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 93.
===============
( 355 )
باب القصر، واستأذن، فأذن له، فدخل على عبيد الله بن زياد، فأخبره خبر ابن
عقيل، وضرب بكر إياه، وما كان من أمانه له، فقال له عبيد الله: وما أنت والامان؟
كأنا أرسلناك لتؤمنه، إنما أرسلناك لتأتينا به، فسكت ابن الاشعث وانتهى
بابن عقيل إلى باب القصر، وقد اشتد به العطش، وعلى باب القصر ناس جلوس، ينتظرون
الاذن، فيهم عمارة بن عقبة بن أبي معيط، وعمرو بن حريث، ومسلم بن عمرو وكثير بن
شهاب وإذا قلة باردة موضوعة على الباب.
فقال مسلم: اسقوني من هذا الماء! فقال له مسلم بن عمرو: أتراها ما أبردها
لا والله لا تذوق منها قطرة أبدا حتى تذوق الحميم في نار جهنم، فقال له ابن عقيل:
ويحك من أنت؟ فقال: أنا الذي عرف الحق إذا أنكرته، ونصح لامامه إذ غششته
وأطاعه إذ خالفته، أنا مسلم بن عمرو الباهلي فقال له ابن عقيل: لامك الثكل ما
أجفاك وأقطعك وأقسى قلبك، أنت يا ابن باهلة أولى بالحميم والخلود في نار جهنم مني.
ثم جلس فتساند إلى حائط وبعث عمرو بن حريث غلاما له فأتاه بقلة عليها
منديل وقدح فصب فيه ماء فقال له: اشرب فأخذ كلما شرب امتلا القدح دما من فمه، ولا
يقدر أن يشرب، ففعل ذلك مرتين، فلما ذهب في الثالثة ليشرب سقطت ثناياه في القدح،
فقال: الحمد الله لو كان لي من الرزق المقسوم لشربته، وخرج رسول ابن زياد فأمر
بادخاله إليه.
فلما دخل لم يسلم عليه بالامرة، فقال له الحرسي: ألا تسلم على الامير؟
فقال: إن كان يريد قتلي فما سلامي عليه، وإن كان لا يريد قتلي فليكثرن
سلامي عليه، فقال له ابن زياد: لعمري لتقتلن، قال: كذلك؟ قال: نعم، قال: فدعني
اوصي إلى بعض قومي، قال: افعل! فنظر مسلم إلى جلساء عبيد الله بن زياد، وفيهم عمر
بن سعد بن أبي وقاص فقال: يا عمر إن بيني وبينك قرابة، ولي إليك حاجة وقد يجب لي
عليك نجح حاجتي، وهي سر، فامتنع عمر أن يسمع منه، فقال له عبيد الله بن زياد: لم
تمتنع أن تنظر في حاجة ابن عمك؟ فقام معه فجلس حيث
===============
( 356 )
ينظر إليهما ابن زياد، فقال له: إن علي بالكوفة دينا استدنته منذ قدمت
الكوفة سبع مائة درهم، فبع سيفي ودرعي فاقضها عني وإذا قتلت فاستوهب جثتي من ابن
زياد فوارها، وابعث إلى الحسين
(عليه
السلام) من يرده فاني قد كتبت إليه اعلمه أن الناس معه، ولا أراه إلا مقبلا.
فقال عمر لابن زياد: إتدري أيها الامير ما قال لي؟ إنه ذكر كذا وكذا فقال
ابن زياد: إنه لا يخونك الامين ولكن قد يؤتمن الخائن أما ماله فهوله، ولسنا نمنعك
أن تصنع به ما أحب، وأما جثته فانا لا نبالي إذا قتلناه ما صنع بها، وأما حسين
فانه إن لم يردنا لم نرده.
ثم قال ابن زياد: إيه ابن عقيل: أتيت الناس وهم جمع فشتت بينهم، وفرقت
كلمتهم، وحملت بعضهم على بعض، قال: كلا لست لذلك أتيت، ولكن أهل المصر زعموا أن
أباك قتل خيارهم، وسفك دماءهم، وعمل فيهم أعمال كسرى وقيصر فأتيناهم لنأمر بالعدل،
وندعو إلى الكتاب، فقال له ابن زياد: وما أنت وذاك يا فاسق؟ لم لم تعمل فيهم بذلك
إذ أنت بالمدينة تشرب الخمر؟ قال مسلم: أنا أشرب الخمر؟ أما - والله - إن الله
ليعلم أنك غير صادق، وأنك قد قلت بغير علم وأني لست كما ذكرت، وأنك أحق بشرب الخمر
مني، وأولى بها من يلغ في دماء المسلمين ولغا، فيقتل النفس التي حرم الله قتلها،
ويسفك الدم الذي حرم الله على الغصب والعداوة، وسوء الظن، وهو يلهو ويلعب، كان لم
يصنع شيئا.
فقال له ابن زياد: يا فاسق إن نفسك منتك ما حال الله دونه، ولم يرك الله
له أهلا فقال مسلم: فمن أهله إذا لم نكن نحن أهله؟ فقال ابن زياد: أمير المؤمنين
يزيد، فقال مسلم: الحمد لله على كل حال، رضينا بالله حكما بيننا وبينكم فقال له
ابن زياد: قتلني الله إن لم أقتلك قتلة لم يقتلها أحد في الاسلام من الناس، فقال
له مسلم: أما إنك أحق من أحدث في الاسلام ما لم يكن وإنك لا تدع سوء القتلة وقبح
المثلة وخبث السيرة ولؤم الغلبة، لا أحد أولى بها منك، فأقبل ابن زياد يشتمه ويشتم
الحسين وعليا وعقيلا وأخذ مسلم لا يكلمه.
===============
( 357 )
ثم قال ابن زياد: اصعدوا به فوق القصر، فاضربوا عنقه ثم أتبعوه جسده فقال
مسلم رحمه الله: والله لو كان بيني وبينك قرابة ما قتلتني، فقال ابن زياد: أين هذا
الذي ضرب ابن عقيل رأسه بالسيف، فدعا بكر بن حمران الاحمري فقال له:
اصعد فليكن أنت الذي تضرب عنقه، فصعد به، وهو يكبر ويستغفر الله ويصلي على
رسول الله
(صلى الله
عليه واله) ويقول: اللهم احكم بيننا وبين قوم غرونا وكذبونا وخذلونا.
وأشرفوا به على موضع الحذائين اليوم، فضرب عنقه وأتبع رأسه جثته (1).
وقال السيد، ولما قتل مسلم منهم جماعة نادى إليه محمد بن الاشعث: يا مسلم
لك الامان، فقال مسلم: وأي أمان للغدرة الفجرة ثم أقبل يقاتلهم، ويرتجز بأبيات
حمران بن مالك الخثعمي يوم القرن " أقسمت لا اقتل إلا حرا " إلى آخر
الابيات، فنادى إليه إنك لا تكذب، ولا تغر، فلم يلتفت إلى ذلك، وتكاثروا عليه بعد
أن اثخن بالجراح، فطعنه رجل من خلفه فخر إلى الارض فاخذ أسيرا فلما دخل على عبيد
الله لم يسلم عليه، فقال له الحرسي: سلم على الامير، فقال له:
اسكت يا ويحك، والله ما هولي بأمير، فقال ابن زياد: لا عليك سلمت أم لم
تسلم فانك مقتول فقال له مسلم: إن قتلتني فلقد قتل من هوشر منك من هو خير مني ثم
قال ابن زياد: يا عاق ويا شاق، خرجت على إمامك وشققت عصا المسلمين وألقحت الفتنة،
فقال مسلم: كذبت يا ابن زياد إنما شق عصا المسلمين معاوية وابنه يزيد، وأما الفتنة
فانما ألقحها أنت وأبوك زياد بن عبيد عبد بني علاج من ثقيف وأنا أرجو أن يرزقني
الله الشهادة على يدي شر بريته.
ثم قال السيد بعد ما ذكر بعض ما مر: فضرب عنقه ونزل مذعورا، فقال له ابن
زياد: ما شأنك؟ فقال: أيها الامير رأيت ساعة قتلته رجلا أسود سيئ الوجه حذائي عاضا
على أصبعه أو قال شفتيه، ففزعت فزعا لم أفزعه قط! فقال ابن زياد:
لعلك دهشت (2).
_______________
(1)
كتاب الارشاد ص 197 - 199.
(2)
راجع كتاب الملهوف ص 47 - 50، وذيل العاشر ص 306.
===============
( 358 )
وقال المسعودي: دعا ابن زياد بكير بن حمران الذي قتل مسلما فقال:
أقتلته؟ قال: نعم قال: فما كان يقول وأنتم تصعدون به لتقتلوه؟ قال: كان
يكبر ويسبح ويهلل ويستغفر الله، فلما أدنيناه لنضرب عنقه قال: اللهم احكم بيننا
وبين قوم غرونا وكذبونا ثم خذلونا وقتلونا، فقلت له: الحمد لله الذي أقادني منك
وضربته ضربة لم تعمل شيئا فقال لي: أو ما يكفيك في خدش مني وفاء بدمك؟ أيها العبد،
قال ابن زياد وفخرا عند الموت؟ قال: وضربته الثانية فقتلته.
وقال المفيد: فقام محمد بن الاشعث إلى عبيد الله بن زياد فكلمه في هانئ بن
عروة، فقال: إنك قد عرفت موضع هانئ من المصر، وبيته في العشيرة، وقد علم قومه أني
وصاحبي سقناه إليك وأنشدك الله لما وهبته لي فاني أكره عداوة المصر وأهله، فوعده
أن يفعل، ثم بداله وأمر بهانئ في الحال فقال: أخرجوه إلى السوق فاضربوا عنقه،
فاخرج هانئ حتى اتي به إلى مكان من السوق كان يباع فيه الغنم، وهو مكتوف فجعل
يقول: وامذحجاه ولا مذحج لي اليوم، يا مذحجاه يا مذحجاه أين مذحج؟
فلما رأى أن أحدا لا ينصره جذب يده فنزعها من الكتاف ثم قال: أما من عصا
أو سكين أو حجارة أو عظم يحاجز به رجل عن نفسه؟ ووثبوا إليه فشدوه وثاقا ثم قيل
له: امدد عنقك فقال: ما أنا بها بسخي، وما أنا بمعينكم على نفسي فضربه مولى لعبيد
الله بن زياد تركي، يقال له رشيد بالسيف، فلم يصنع شيئا فقال له هانئ: إلى الله
المعاد اللهم إلى رحمتك ورضوانك، ثم ضربه اخرى فقتله.
وفي مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمهما الله يقول عبدالله بن الزبير
الاسدي (1):
فان كنت لا تدرين ما الموت فانظري
* إلى هانئ في السوق وابن عقيل
إلى بطل قد هشم السيف وجهه * وآخر
يهوي من طمار قتيل
_______________
(1)
نسبه في ذيل الصحاح ص 726 إلى سليم بن سلام الحنفى، وفيه: " قد عفر السيف
وجهه " ويروي: " قد كدح السيف وجهه، ويروى " قد عفر الترب وجهه
".
===============
( 359 )
أصابهما أمر اللعين فأصبحا *
أحاديث من يسري بكل سبيل
ترى جسدا قد غير الموت لونه *
ونضح دم قد سال كل مسيل
فتى كان أحيا من فتاة حيية *
وأقطع من ذي شفرتين صقيل
أيركب أسماء الهماليج آمنا * وقد
طالبته مذحج بذحول
تطيف حواليه مراد وكلهم * على
رقبة من سائل ومسؤل
فإن أنتم لم تثأروا بأخيكم *
فكونوا بغايا ارضيت بقليل
ولما قتل مسلم بن عقيل وهانئ بن عروة رحمة الله عليهما بعث ابن زياد
برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير بن الاروح التميمي إلى يزيد بن
معاوية وأمر كاتبه أن يكتب إلى يزيد بما كان من أمر مسلم وهانئ فكتب الكاتب وهو
عمرو بن نافع فأطال فيه وكان أول من أطال في الكتب فلما نظر فيه عبيد الله كرهه
وقال: ما هذا التطويل وهذه الفضول اكتب:
أما بعد الحمد لله الذي أخذ لامير المؤمنين بحقه، وكفاه مؤنة عدوه اخبر
أمير المؤمنين أن مسلم بن عقيل لجأ إلى دار هانئ بن عروة المرادي وإني جعلت عليهما
المراصد والعيون ودسست إليهما الرجال، وكدتهما حتى أخرجتهما وأمكن الله منهما، فقد
متهما وضربت أعناقهما وقد بعثت إليك برأسيهما مع هانئ بن أبي حية الوادعي والزبير
بن الاروح التميمي وهما من أهل السمع والطاعة والنصيحة فليسألهما أمير المؤمنين
عما أحب من أمرهما، فان عندهما علما وورعا وصدقا والسلام.
فكتب إليه يزيد: أما بعد فانك لم تعد أن كنت لما احب علمت عمل الحازم وصلت
صولة الشجاع الرابط الجأش، وقد أغنيت وكفيت، وصدقت ظني بك ورأيي فيك، وقد دعوت
رسوليك، وسألتهما وناجيتهما، فودجتهما في رأيهما وفضلهما كما ذكرت، فاستوص بهما
خيرا، وإنه قد بلغني أن حسينا قد توجه نحو العراق، فضع المناظر والمسالح، واحترس
واحبس على الظنة، واقتل على التهمة واكتب إلي في كل يوم ما يحدث من خبر إنشاء الله
(1).
_______________
(1)
ارشاد المفيد ص 199 - 200.
===============
( 360 )
وقال ابن نما: كتب يزيد إلى ابن زياد: قد بلغني أن حسينا قد سار إلى
الكوفة، وقد ابتلى به زمانك من بين الازمان، وبلدك من بين البلدان، وابتليت به من
بين العمال، وعندها تعتق أو تعود عبدا، كما تعبد العبيد.
ايضاح: قوله " ويح منزلك " قال: هذا تعظيما له، أي لا أقول لك
" ويحك " بل أقول لغيرك، " والسلام " بالكسر الحجر، ذكره
الجوهري وقال نبا بفلان منزله إذا لم يوافقه، وقال: الشعفة بالتحريك رأس الجبل،
والجمع شعف وشعوف وشعاف وشعفات، وهي رؤس الجبال.
قوله
(عليه السلام): " ومن تخلف لم يبلغ مبلغ
الفتح " أي لا يتيسر له فتح وفلاح في الدنيا أو في الآخرة، أو الاعم، وهذا
إما تعليل بأن ابن الحنفية إنما لم يلحق لانه علم أنه يقتل إن ذهب بأخباره
(عليه السلام) أو بيان لحرمانه عن تلك السعادة،
أو لانه لا عذر له في ذلك لانه
(عليه
السلام) أعلمه وأمثاله بذلك.
قوله: نحمد إليك الله " أي نحمد الله منهيا إليك، والتنزي والانتزاء:
التوثب والتسرع، وابتززت الشئ استلبته، والنجا الاسراع، وقال الجوهري:
يقال حيهلا الثريد، فتحت ياؤه لاجتماع الساكنين، وبنيت " حي "
مع " هل " اسما واحدا مثل خمسة عشر، وسمي به الفعل، وإذا وقفت عليه قلت
حيهلا.
وقال: الجناب - بالفتح - الفناء، وما قرب من محلة ألقوم، يقال أخصب جناب
القوم، والحشاشة بالضم بقية الروح في المريض قال الجزري فيه فانفلتت البقرة بحشاشة
نفسها أي برمق بقية الحياة والروح، والتحريش الاغراء بين القوم، و " القرف
" التهمة، " والغشم " الظلم.
طلب الخرزة كأنه كناية عن شدة الطلب فان من يطلب الخرزة يفتشها في كل مكان
وثقبة، وثقفه: صادفه، قوله " فرطا " أي تقدما كثيرا، من قولهم فرطت ا
لقوم أي سبقتهم، أو هو حال فان الفرط بالتحريك من يتقدم الواردة إلى الماء والكلاء
ليهيئ لهم ما يحتاجون إليه.
قوله: " فأهون به " صيغة تعجب أي ما أهونه، والاثيل الاصيل،
والتكسع
===============
( 361 )
التمادي في الباطل، وقطن بالمكان كنصر أقام، وظعن أي سار.
قوله: " لئن فعلتموها " أي المخالفة، " والخمس "
بالكسر من أظماء الابل أن ترعى ثلاثة أيام، وترد اليوم الرابع، والمزنة السحابة
البيضاء، والجمع المزن ذكره الجوهري، وقال الفيروز آبادي: المزن بالضم السحاب أو
أبيضه، أو ذو الماء.
قوله: " لا فتحت " دعاء عليه أي لافتحت على نفسك بابا من الخير،
فقد طال ليلك: أي كثر وامتد همك أو انتظارك، وفي مروج الذهب، فقد طال نومك أي
غفلتك، وضربوا الباب أي أغلقوه.
قوله: فان الصدق ينبي عنك، قال الزمخشري في المستقصى: الصدق ينبي عنك لا
الوعيد: غير مهموز من أنباه إذا جعله نابيا أي إنما يبعد عنك العدو ويرده أن تصدقه
القتال، لا التهدد، يضرب للجبان يتوعد ثم لا يفعل، وقال الجوهري: في المثل "
الصدق ينبي عنك لا الوعيد " أي إن الصدق يدفع عنك الغائلة في الحرب دون
التهديد قال أبوعبيد: هو ينبي غير مهموز، ويقال: أصله الهمز من الانباء أى إن
الفعل يخبر عن حقيقتك لا القول انتهى.
وفي بعض النسخ عليك أى عند ما يتحقق ما أقول، تطلع على فوائد ما أقول لك
وتندم على ما فات لا مجرد وعيدي، يقال: نبأت على القوم طلعت عليهم، والظاهر أنه
تصحيف و " العريف " النقيب، وهو دون الرئيس.
قوله: " ولم تجعل على نفسك " الجملة حالية، وقال الجزري: في
حديث علي
(عليه السلام) قال: وهو ينظر إلى ابن ملجم
" عذيرك من خليلك من مراد " يقال:
عذيرك من فلان بالنصب أي هات من يعذرك فيه، فعيل بمعنى فاعل، قوله: أيه أي
اسكت، والشائع فيه إيها.
وقال الفيروز آبادي: ربص بفلان ربصا: انتظر به خيرا أو شرا يحل به كتربص،
ويقال: سقط في يديه أي ندم، وجوز اسقط في يديه والذمام: الحق والحرمة، وأذم فلانا
أجاره، ويقال: أخذتني منه مذمة أي رقة وعار من ترك
===============
( 362 )
حرمته والغالئة ألداهية، ونفس به بالكسر أي ضن به، والبارقة السيوف،
والحروري الخارجي أي أنت كنت أو تكون خارجيا في جميع الايام أو في بقية اليوم.
وقال الجوهري: ومن أمثالهم في اليأس عن الحاجة " أسائر اليوم وقد زال
الظهر " (1) أي أتطمع فيما بعد وقد تبين لك اليأس، لان من كان حاجته اليوم
بأسره وقد زال الظهر، وجب أن ييأس منه بغروب الشمس انتهى. والظاهر أن هذا المعنى
لا يناسب المقام.
واللهز الضرب بجمع اليد في الصدور، ولهزه بالرمح طعنه في صدره وتعته حركه
بعنف وأقلقه، قوله " استيحاشا إليهم " يقال: استوحش أي وجد الوحشة وفيه
تضمين معنى الانضمام، والمتلدد المتحير الذي يلتفت يمينا وشمالا، و " التخاتج
" لعله جمع تختج معرب " تخته " أي نزعوا الاخشاب من سقف المسجد
لينظروا هل فيه أحد منهم وإن لم يرد بهذا المعنى في اللغة، والمنكب هو رأس
العرفاء، والاستبراء الاختبار والاستعلام.
قوله: " وجس خلالها " من قولهم " جاسوا خلال الديار "
أي تخللوها فطلبوا ما فيها قوله: فانتهز أي اغتنم الامان، قوله: لا ناقة لي في هذا
قال الزمخشري في مستقصى الامثال: أي لا خير لي فيه ولا شر، وأصله أن الصدوف بنت
حليس كانت تحت زيد بن الاخنس وله بنت من غيرها تسمى الفارعة كانت تسكن بمعزل منها
في خباء آخر، فغاب زيد غيبة فلهج بالفارعة رجل عدوي يدعى شبثا وطاوعته فكانت تركب
على عشية جملا لابيها وتنطلق معه إلى متيهة يبيتان فيها، ورجع زيد عن وجهه، فعرج
على كاهنة اسمها طريفة فأخبرته بريبة في أهله، فأقبل سائرا لا يلوي على أحد، وإنما
تخوف على امرأته حتى دخل عليها فلما رأته عرفت الشر في وجهه فقالت: لا تعجل واقف
الاثر لا ناقة لي في ذا ولا جمل، يضرب في التبري عن الشئ قال الراعي:
وما هجرتك حتى قلت معلنة * لا
ناقة لي في هذا ولا جمل
_______________
(1)
في مجمع الامثال: أسائر القوم وقد زال الظهر، راجع ج 1 ص 335 تحت الرقم 1790.
===============
( 363 )
وقال الفيروز آبادي: الجرامقة قوم من العجم صاروا بالموصل في أوائل
الاسلام الواحدي جرمقاني، والضرغام بالكسر الاسد، والهمام كغراب الملك العظيم
الهمة، والسيد الشجاع، قوله
(عليه
السلام): " من يلغ " من ولوغ الكلب، وقال الجوهري طمار: المكان
المرتفع، وقال الاصمعي: انصب عليه من طمار، مثل قطام، قال الشاعر: " فان كنت
" إلى آخر البيتين وكان ابن زياد أمر برمي مسلم بن عقيل من سطح انتهى.
قوله " أحاديث من يسري " أي صارا بحيث يذكر قصتهما كل من يسير
بالليل في السبل، وشفرة السيف حده أي من سلاح مصقول يقطع من الجانبين والصقيل
السيف أيضا " والهماليج " جمع الهملاج، وهو نوع من البراذين وأسماء هو
أحد الثلاثة الذين ذهبوا بهانئ إلى ابن زياد " والرقبة " بالفتح
الارتقاب والانتظار وبالكسر التحفظ قوله: فكونوا بغايا أي زواني، وفي بعض النسخ
أيامى.
قال المفيد - ره -: فصل: وكان خروج مسلم بن عقيل - رحمه الله - بالكوفة
يوم الثلثا لثمان مضين من ذي الحجة سنة ستين، وقتله - رحمه الله - يوم الاربعاء
لتسع خلون منه يوم عرفة، وكان توجه الحسين
(عليه السلام) من مكة إلى العراق في يوم خروج
مسلم بالكوفة وهو يوم التروية، بعد مقامه بمكة بقية شعبان و [شهر] رمضان وشوالا
وذا القعدة وثمان ليال خلون من ذي الحجة سنة ستين، وكان قد اجتمع إلى الحسين
(عليه السلام) مدة مقامه بمكة نفر من أهل
الحجاز، ونفر من أهل البصرة انضافوا إلى أهل بيته ومواليه.
ولما أراد الحسين التوجه إلى العراق، طاف بالبيت، وسعى بين الصفا والمروة
وأحل من إحرامه وجعلها عمرة، لانه لم يتمكن من تمام الحج مخافة أن يقبض عليه بمكة
فينفذ إلى يزيد بن معاوية، فخرج
(عليه
السلام) مبادرا بأهله وولده ومن انضم إليه من شيعته، ولم يكن خبر مسلم بلغه
بخروجه يوم خروجه على ما ذكرناه
_______________
(1)
الارشاد ص 200 و 201.
===============
( 364 )
وقال السيد رضي الله عنه: روى أبوجعفر الطبري، عن الواقدي وزرارة بن صالح
قالا: لقينا الحسين بن علي
(عليهما
السلام) قبل خروجه إلى العراق بثلاثة أيام فأخبرناه بهوى الناس بالكوفة، وأن
قلوبهم معه، وسيوفهم عليه، فأومأ بيده نحو السماء ففتحت أبواب السماء ونزلت
الملائكة عددا لا يحصيهم إلا الله تعالى، فقال
(عليه السلام):
لو لا تقارب الاشياء، وحبوط الاجر لقاتلتهم بهؤلاء، ولكن أعلم يقينا أن
هناك مصرعي ومصرع أصحابي، ولا ينجو منهم إلا ولدي علي.
ورويت بالاسناد، عن أحمد بن داود القمي، عن أبي عبدالله
(عليه السلام) قال: جاء محمد ابن الحنفية إلى
الحسين
(عليه السلام) في الليلة ألتي أراد الحسين
الخروج في صبيحتها عن مكة فقال له: يا أخي إن أهل الكوفة قد عرفت غدرهم بأبيك
وأخيك، وقد خفت أن يكون حالك كحال من مضى، فان رأيت أن تقيم فانك أعز من بالحرم
وأمنعه، فقال: يا أخي قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية بالحرم، فأكون الذي يستباح
به حرمة هذا البيت، فقال له ابن الحنفية: فان خفت ذلك فصر إلى اليمن أو بعض نواحي
البر فانك أمنع الناس به، ولا يقدر عليك أحد، فقال: انظر فيما قلت.
فلما كان السحر، ارتحل الحسين
(عليه
السلام) فبلغ ذلك ابن الحنفية فأتاه فأخذ بزمام ناقته - وقد ركبها - فقال: يا أخي
ألم تعدني النظر فيما سألتك؟ قال: بلى قال: فما حداك على الخروج عاجلا؟ قال: أتاني
رسول الله
(صلى الله
عليه واله) بعد ما فارقتك فقال: يا حسين اخرج فان الله قد شاء أن يراك قتيلا فقال
محمد ابن الحنفية: إنا لله وإنا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء النساء معك وأنت
تخرج على مثل هذا الحال؟ قال: فقال [لي
(صلى
الله عليه واله)]: إن الله قد شاء أن يراهن سبايا، فسلم عليه ومضى (1).
قال: وجاءه عبدالله بن العباس وعبدالله بن الزبير فأشارا عليه بالامساك
فقال لهما: إن رسول الله قد أمرني بأمر وأنا ماض فيه، قال: فخرج ابن العباس وهو
يقول:
_______________
(1)
كتاب الملهوف ص 53 - 56.
===============
( 365 )
واحسيناه، ثم جاء عبدالله بن عمر فأشار عليه بصلح أهل الضلال وحذره من
القتل والقتال، فقال: يا أبا عبدالرحمان أما علمت أن من هوان الدنيا على الله
تعالى أن رأس يحيى بن زكريا اهدي إلى بغي من بغايا بني إسرائيل أما تعلم أن بني
إسرائيل كانوا يقتلون ما بين طلوع الفجر إلى طلوع الشمس سبعين نبيا ثم يجلسون في
أسواقهم يبيعون ويشترون كأن لم يصنعوا شيئا فلم يعجل الله عليهم بل أخذهم بعد ذلك
أخذ عزيز ذي انتقام اتق الله يا أبا عبدالرحمن، ولا تدع نصرتي (1).
ثم قال المفيد - رحمه الله - وروي عن الفرزدق أنه قال: حججت بامي في سنة
ستين، فبينما أنا أسوق بعيرها حتى دخلت الحرم إذ لقيت الحسين
(عليه السلام) خارجا من مكة، معه أسيافه
وتراسه، فقلت: لمن هذا القطار؟ فقيل: للحسين بن علي
(عليهما السلام) فأتيته وسلمت عليه. وقلت له:
أعطاك الله سؤلك وأملك فيما تحب بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله ما اعجلك عن الحج؟
قال: لو لم اعجل لاخذت ثم قال لي: من أنت؟ قلت: رجل من العرب، ولا والله ما فتشني
عن أكثر من ذلك.
ثم قال لي: أخبرني عن الناس خلفك؟ فقلت: الخبير سألت قلوب الناس معك
وأسيافهم عليك، والقضاء ينزل من السماء والله يفعل ما يشاء قال: صدقت لله الامر من
قبل ومن بعد، وكل يوم [ربنا] هو في شأن، إن نزل القضاء بما نحب فنحمد الله على
نعمائه، وهو المستعان على أداء الشكر، وإن حال القضاء دون الرجاء، فلم يبعد من كان
الحق نيته، والتقوى سيرته، فقلت له: أجل بلغك الله ما تحب وكفاك ما تحذر، وسألته
عن أشياء من نذور ومناسك فأخبرني بها، وحرك راحلته وقال: السلام عليك ثم افترقنا.
وكان الحسين بن علي
(عليه
السلام) لما خرج من مكة اعترضه يحيى بن سعيد بن العاص، ومعه جماعة أرسلهم إليه
عمرو بن سعيد، فقالوا له: انصرف أين تذهب؟
فأبى عليهم ومضى، وتدافع الفريقان واضطربوا بالسياط، فامتنع الحسين
(عليه السلام) وأصحابه منهم امتناعا قويا وسار
حتى أتى التنعيم، فلقي عيرا قد أقبلت من اليمن
_______________
(1)
المصدر ص 26 و 27.
===============
( 366 )
فاستأجر من أهلها جمالا لرحله وأصحابه، وقال لاصحابها: من أحب أن ينطلق
معنا إلى العراق وفيناه كراه وأحسنا صحبته، ومن أحب أن يفارقنا في بعض الطريق
أعطيناه كراه على قدر ما قطع من الطريق، فمضى معه قوم وامتنع آخرون.
وألحقه عبدالله بن جعفر بابنيه عون ومحمد وكتب على أيديهما كتابا يقول
فيه: أما بعد فاني أسألك بالله لما انصرفت حين تنظر في كتابي هذا فاني مشفق عليك
من هذا التوجه الذي توجهت له، أن يكون فيه هلاكك واستئصال أهل بيتك إن هلكت اليوم
طفئ نور الارض، فانك علم المهتدين، ورجاء المؤمنين، ولا تعجل بالسير فاني في أثر
كتابي والسلام.
وصار عبدالله إلى عمرو بن سعيد وسأله أن يكتب إلى الحسين
(عليه السلام) أمانا ويمنيه ليرجع عن وجهه،
وكتب إليه عمرو بن سعيد كتابا يمنيه فيه الصلة، ويؤمنه على نفسه، وأنفذه مع يحيى
بن سعيد، فلحقه يحيى وعبدالله بن جعفر بعد نفوذ ابنيه، ودفعا إليه الكتاب وجهدا به
في الرجوع، فقال: إني رأيت رسول الله
(صلى
الله عليه واله) في المنام وأمرني بما أنا ماض له، فقالوا له: ما تلك الرؤيا؟ فقال: ما
حدثت أحدا بها ولا أنا محدث بها أحدا حتى ألق ربي عزوجل فلما يئس منه عبدالله بن
جعفر أمر ابنيه عونا ومحمدا بلزومه، والمسير معه، والجهاد دونه، ورجع مع يحيى ابن
سعيد إلى مكة.
وتوجه الحسين
(عليه
السلام) إلى العراق مغذا لا يلوي إلى شئ حتى نزل ذات عرق (1) وقال السيد - رحمه
الله: - توجه الحسين
(عليه السلام) من مكة لثلاث مضين من ذي الحجة
سنة ستين قبل أن يعلم بقتل مسلم، لانه
(عليه
السلام) خرج من مكة في اليوم الذي قتل فيه مسلم رضوان الله عليه.
وروي أنه صلوات الله عليه لما عزم على الخروج إلى العراق، قام خطيبا فقال:
الحمد لله، وما شاء الله، ولا حول ولا قوة إلا بالله وصلى الله على رسوله وسلم خط
الموت على ولد آدم مخط القلادة على جيد الفتاة، وما أولهني إلى أسلافي
_______________
(1)
الارشاد 201 و 202.
===============
( 367 )
اشتياق يعقوب إلى يوسف، وخير لي مصرع أنا لاقيه، كأني بأوصالي يتقطعها
عسلان الفلوات، بين النواويس وكربلا، فيملان مني أكراشا جوفا وأجربة سغبا لا محيص
عن يوم خط بالقلم، رضى الله رضانا أهل البيت، نصبر على بلائه، ويوفينا أجور
الصابرين، لن تشذ عن رسول الله لحمته، وهي مجموعة له في حظيرة القدس تقربهم عينه،
وتنجز لهم وعده من كان فينا باذلا مهجته، موطنا على لقاء الله نفسه فليرحل معنا
فاني راحل مصبحا إنشاء الله (1).
أقول: ورى هذه الخطبة في كشف الغمة عن كمال الدين ابن طلحة (2).
قال السيد وابن نما رحمهما الله: ثم سار حتى مر بالتنعيم فلقي هناك عيرا
تحمل هدية قد بعث بها بحير بن ريسان الحميري عامل اليمن إلى يزيد بن معاوية وكان
عامله على اليمن وعليها الورس والحلل فأخذها
(عليه السلام) لان حكم امور المسلمين إليه،
وقال لاصحاب الابل: من أحب منكم أن ينطلق معنا إلى العراق وفيناه كراه واحسنا
صحبته، ومن أحب أن يفارقنا من مكاننا هذا أعطيناه من الكرى بقدر ما قطع من الطريق،
فمضى قوم وامتنع آخرون.
ثم سار
(عليه السلام): حتى بلغ ذات عرق، فلقي بشر بن
غالب واردا من العراق فسأله عن أهلها، فقال: خلفت القلوب معك، والسيوف مع بني
امية. فقال: صدق أخو بني أسد إن الله يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد.
قال: ثم سار صلوات الله عليه حتى نزل الثعلبية وقت الظهيرة فوضع رأسه فرقد
ثم استيقظ فقال: قد رأيت هاتقا يقول: أنتم تسرعون، والمنايا تسرع بكم إلى الجنة،
فقا له ابنه علي: يا أبه أفلسنا على الحق؟ فقال: بلى با بني والذي إليه مرجع
العباد، فقال: يا أبه إذن لا نبالي بالموت، فقال له الحسين
(عليه السلام) جزاك الله يا بني خير ما جزا
ولدا عن والد ثم بات
(عليه السلام) في الموضع.
فلما أصبح إذا برجل من أهل الكوفة يكنى أبا هرة الازدي، قد أتاه
_______________
(1)
كتاب الملهوف ص 52 و 53.
(2)
كشف الغمة ج 2 ص 204.
===============
( 368 )
فسلم عليه ثم قال: يا ابن رسول الله ما الذي أخرجك عن حرم الله وحرم جدك
محمد
(صلى الله عليه واله)؟ فقال الحسين
(عليه السلام): ويحك أبا هرة إن بني امية أخذوا
ما لي فصبرت وشتموا عرضي فصبرت، وطلبوا دمي فهربت، وأيم الله لتقتلني الفئة
الباغية، وليلبسنهم الله ذلا شاملا، وسيفا قاطعا، وليسلطن عليهم من يذلهم حتى
يكونوا أذل من قوم سبأ إذ ملكتهم امرأة منهم، فحكمت في أموالهم ودمائهم (1).
وقال محمد بن أبي طالب: واتصل الخبر بالوليد بن عتبة أمير المدينة بأن
الحسين
(عليه السلام) توجه إلى العراق فكتب إلى ابن
زياد: " أما بعد فان الحسين قد توجه إلى العراق وهو ابن فاطمة، وفاطمة بنت
رسول الله، فاحذر يا ابن زياد أن تأتي إليه بسوء فتهيج على نفسك وقومك أمرا في هذه
الدنيا لا يصده شئ، ولا تنساه الخاصة والعامة أبدا ما دامت الدنيا ": قال:
فلم يلتفت ابن زياد إلى كتاب الوليد.
وفي كتاب تاريخ عن الرياشي بإسناده عن راوي حديثه قال: حججت فتركت أصحابي
وانطلقت أتعسف الطريق وحدي، فبينما أنا أسير إذ رفعت طرفي إلى أخبية وفساطيط،
فانطلقت نحوها حتى أتيت أدناها فقلت: لمن هذه الابنية؟
فقالوا: للحسين
(عليه
السلام) قلت: ابن علي؟ وابن فاطمة
(عليهما
السلام)؟ قالوا: نعم، قلت: في أيها هو؟ قالوا: في ذلك الفسطاط، فانطلقت نحوه،
فاذا الحسين
(عليه السلام) متك على باب الفسطاط يقرأ كتابا
بين يديه فسلمت فرد علي، فقلت يا ابن رسول الله بأبي أنت وامي ما أنزلك في هذه
الارض القفراء التي ليس فيها ريف ولا منعة (2) قال: إن هؤلاء أخافوني وهذه كتب أهل
الكوفة، وهم قاتلي، فاذا فعلوا ذلك ولم يدعوا لله محرما إلا انتهكوه، بعث الله
إليهم من يقتلهم حتى يكونوا أذل من قوم الامة.
وقال ابن نما: حدث عقبة بن سمعان قال: خرج الحسين
(عليه السلام) من مكة فاعترضته رسل عمرو بن
سعيد بن العاص عليهم يحيى بن سعيد ليردوه فأبى عليهم وتضاربوا بالسياط، ومضى
(عليه السلام) على وجهه، فبادروه وقالوا: يا
حسين ألا تتقي
_______________
كتاب الملهوف ص 60 - 62.
(2)
الريف: أرض فيها زرع وخصب، والسعة في المأكل والمشرب.
===============
( 369 )
الله تخرج من الجماعة وتفرق بين هذه الامة؟ فقال: لي عملي، ولكم عملكم
أنتم بريئون مما أعمل، وأنا برئ مما تعملون.
ورويت أن الطرماح بن حكم قال: لقيت حسينا وقد امترت لاهلي ميرة فقلت:
اذكرك في نفسك لا يغرنك أهل الكوفة، فوالله لئن دخلتها لتقتلن وإني لاخاف أن لا
تصل إليها، فان كنت مجمعا على الحرب فانزل أجأ (1) فانه جبل منيع والله ما نالنا
فيه ذل قط، وعشيرتي يرون جميعا نصرك، فهم يمنعونك ما أقمت فيهم فقال: إن بيني وبين
القوم موعدا أكره أن اخلفهم فان يدفع الله عنا فقديما ما أنعم علينا وكفى، وإن يكن
ما لا بد منه، ففوز وشهادة إنشاء الله.
ثم حملت الميرة إلى أهلي وأوصيتهم بامورهم اريد الحسين
(عليه السلام) فلقيني سماعة بن زيد النبهاني
فأخبرني بقتله فرجعت.
وقال المفيد - رحمه الله - ولما بلغ عبيد الله بن زياد إقبال الحسين
(عليه السلام) من مكة إلى الكوفة، بعث الحصين
بن نمير صاحب شرطه، حتى نزل القادسية، ونظم الخيل ما بين القادسية إلى خفان (2)
وما بين القادسية إلى القطقطانة، وقال للناس:
هذا الحسين يريد العراق، ولما بلغ الحسين الحاجز من بطن الرمة، بعث قيس
ابن مسهر الصيداوي ويقال إنه بعث أخاه من الرضاعة عبدالله بن يقطر إلى أهل الكوفة.
ولم يكن
(عليه السلام) علم بخبر مسلم بن عقيل - رحمه
الله - وكتب معه إليهم:
" بسم الله
الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى إخوانه المؤمنين والمسلمين سلام عليكم فاني
أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو أما بعد فان كتاب مسلم بن عقيل جاءني يخبرني
فيه بحسن رأيكم، واجتماع ملائكم على نصرنا والطلب بحقنا، فسألت الله أن يحسن لنا
الصنيع، وأن يثيبكم على ذلك أعظم الاجر، وقد شخصت إليكم من مكة يوم الثلثاء، لثمان
مضين من ذي الحجة يوم التروية، فاذا قدم عليكم رسولي فانكمشوا في أمركم وجدوا فاني
قادم عليكم في
_______________
(1)
اجأ وسلمى: جبلان لطيئ.
(2)
مأسدة قرب الكوفة.
===============
( 370 )
أيامي هذه والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته ".
وكان مسلم كتب إليه قبل أن يقتل بسبع وعشرين ليلة وكتب إليه أهل الكوفة أن
لك ههنا مائة ألف سيف ولا تتأخر.
فأقبل قيس بن مسهر بكتاب الحسين
(عليه السلام) حتى إذا انتهى القادسية أخذه
الحصين بن نمير فبعث به إلى عبيد الله بن زياد [إلى الكوفة] فقال له عبيد الله بن
زياد: اصعد فسب الكذاب الحسين بن علي (1).
وقال السيد: فلما قارب دخول الكوفة، اعترضه الحصين بن نمير ليفتشه فأخرج
[قيس] الكتاب ومزقه، فحمله الحصين إلى ابن زياد، فلما مثل بين يديه قال له: من
أنت؟ قال: أنا رجل من شيعة أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وابنه
(عليهما السلام) قال: فلماذا خرقت الكتاب؟ قال:
لئلا تعلم ما فيه، قال: وممن الكتاب وإلى من؟ قال: من الحسين بن علي إلى جماعة من
أهل الكوفة لا أعرف أسماءهم، فغضب ابن زياد فقال: والله لا تفارقني حتى تخبرني
بأسماء هؤلاء القوم أو تصعد المنبر وتلعن الحسين بن علي وأباه وأخاه وإلا قطعتك
إربا إربا، فقال قيس: أما القوم فلا اخبرك بأسمائهم، وأما لعنة الحسين وأبيه وأخيه
فأفعل، فصعد المنبر وحمد الله وصلى على النبي وأكثر من الترحم على علي وولده صلوات
الله عليهم ثم لعن عبيد الله بن زياد وأباه ولعن عتاة بني امية عن آخرهم، ثم قال:
أنا رسول الحسين إليكم وقد خلفته بموضع كذا فأجيبوه (2).
ثم قال المفيد: - رحمه الله - فأمر بن عبيد الله بن زياد أن يرمى من فوق
القصر، فرمي به فتقطع، وروي أنه وقع إلى الارض مكتوفا فتكسرت عظامه وبقي به رمق،
فأتاه رجل يقال له: عبدالملك بن عمر اللخمي فذبحه فقيل له في ذلك وعيب عليه، فقال:
أردت أن اريحه.
ثم أقبل الحسين من الحاجز يسير نحو العراق (3) فانتهى إلى ماء من مياه
_______________
(1)
الارشاد ص 202.
(2)
الملهوف ص 66 و 67.
(3)
في المصدر: الكوفة.
===============
( 371 )
العرب فاذا عليه عبدالله بن مطيع العدوي، وهو نازل به، فلما رآه الحسين
قام إليه فقال: بأبي أنت وامي يا ابن رسول الله ما أقدمك واحتمله وأنزله، فقال له
الحسين
(عليه السلام): كان من موت معاوية ما قد بلغك،
وكتب إلي أهل العراق يدعونني إلى أنفسهم.
فقال له عبدالله بن مطيع: اذكرك الله يا ابن رسول الله وحرمة الاسلام أن
تنهتك، أنشدك الله في حرمة قريش، أنشدك الله في حرمة العرب، فو الله لئن طلبت ما
في أيدي بني امية ليقتلنك، ولئن قتلوك لا يهابوا بعدك أحدا أبدا، والله إنها لحرمة
الاسلام تنهتك، وحرمة قريش وحرمة العرب، فلا تفعل ولا تأت الكوفة ولا تعرض نفسك
لبني امية، فأبي الحسين
(عليه
السلام) إلا أن يمضي.
وكان عبيد الله بن زياد أمر فأخذ ما بين واقصة إلى طريق الشام، وإلى طريق
البصرة فلا يدعون أحدا يلج ولا أحدا يخرج فأقبل الحسين
(عليه السلام) لا يشعر بشئ حتى لقي الاعراب
فسألهم فقالوا: لا والله ما ندري غير أنا لا نستطيع أن نلج ولا نخرج، فسار تلقاء
وجهه
(عليه السلام).
وحدث جماعة من فزارة ومن بجيلة قالوا: كنا مع زهير بن القين البجلي حين
أقبلنا من مكة، وكنا نسائر الحسين
(عليه
السلام) فلم يكن شئ أبغض علينا من أن ننازله في منزل: وإذا سار الحسين
(عليه السلام) فنزل في منزل لم نجد بدا من أن
ننازله فنزل الحسين في جانب ونزلنا في جانب، فبينا نحن جلوس نتغذي من طعام لنا إذ
أقبل رسول الحسين
(عليه السلام) حتى سلم، ثم دخل، فقال: يا زهير
بن القين إن أبا عبدالله الحسين بعثني إليك لتأتيه، فطرح كل إنسان منا ما في يده،
حتى كأنما على رؤوسنا الطير، فقالت له امرأته - قال السيد وهي ديلم بنت عمرو -
سبحان الله أيبعث إليك ابن رسول الله ثم لا تأتيه؟ لو أتيته فسمعت كلامه ثم
انصرفت.
فأتاه زهير بن القين، فلما لبث أن جاء مستبشرا، قد أشرق وجهه، فأمر
بفسطاطه، وثقله ومتاعه، فقوض وحمل إلى الحسين
(عليه السلام) ثم قال لامرأته: أنت طالق! الحقي
بأهلك فاني لا احب أن يصيبك بسببي إلا خير.
===============
( 372 )
وزاد السيد - وقد عزمت على صحبة الحسين
(عليه السلام) لافديه بروحي، وأقيه بنفسي، ثم
أعطاها مالها وسلمها إلى بعض بني عمها ليوصلها إلى أهلها، فقامت إليه وبكت وودعته،
وقالت: خار الله لك أسألك أن تذكرني في القيامة عند جد الحسين
(عليه السلام) (1).
وقال المفيد: ثم قال لاصحابه: من أحب منكم أن يتبعني وإلا فهو آخر العهد،
إني ساحدثكم حديثا إنا غزونا البحر، ففتح الله علينا وأصبنا غنائم، فقال لنا
سلمان: رحمه الله - أفرحتم بما فتح الله عليكم وأصبتم من الغنائم؟ فقلنا: نعم
فقال: إذا أدركتم سيد شباب آل محمد فكونوا أشد فرحا بقتالكم معه مما أصبتم اليوم
من الغنائم، فأما أنا فأستودعكم الله، قالوا: ثم والله ما زال في القوم مع الحسين
حتى قتل - رحمه الله - (2).
وفي المناقب ولما نزل
(عليه
السلام) الخزيمية (3) أقام بها يوما وليلة، فلما أصبح أقبلت إليه اخته زينب،
فقالت: يا أخي ألا اخبرك بشئ سمعته البارحة؟ فقال الحسين
(عليه السلام): وما ذاك؟ فقالت: خرجت في بعض
الليل لقضاء حاجة فسمعت هاتفا يهتف، وهو يقول:
ألا يا عين فاحتفلي بجهد * ومن
يبكي على الشهداء بعدي
على قوم تسوقهم المنايا * بمقدار
إلى إنجاز وعد
فقال لها الحسين
(عليه
السلام): يا اختاه كل الذي قضي فهو كائن (4) *.
وقال المفيد - رحمه الله -: وروى عبدالله بن سليمان والمنذر بن المشمعل
الاسديان قالا: لما قضينا حجتنا، لم تكن لنا همة إلا الالحاق بالحسين في الطريق
لننظر ما يكون من أمره فأقبلنا ترقل بنا ناقتانا مسرعين، حتى لحقناه بزرود
_______________
كتاب الملهوف ص 62 - 64.
(2)
الارشاد ص 204.
(3)
منزلة للحاج بين الاجفر والثعلبيه.
(4)
مناقب آل أبي طالب ج 4 ص 95.
===============
( 373 )
فلما دنونا منه إذا نحن برجل من أهل الكوفة قد عدل عن الطريق حتى رأى
الحسين
(عليه السلام) فوقف الحسين
(عليه السلام) كأنه يريده ثم تركه ومضى، ومضينا
نحوه فقال أحدنا لصاحبه: اذهب بنا إلى هذا لنسأله، فان عنده خبر الكوفة، فمضينا
حتى انتهينا إليه فقلنا: السلام عليك، فقال: وعليكما السلام، قلنا: ممن الرجل؟
قال: أسدي: قلنا له: ونحن أسديان فمن أنت؟ قال: أنا بكر بن فلان فانتسبنا
له ثم قلنا له: أخبرنا عن الناس وراءك؟ قال: نعم، لم أخرج من الكوفة حتى قتل مسلم
بن عقيل وهانئ بن عروة، ورأيتهما يجران بأرجلهما في السوق.
فأقبلنا حتى لحقنا بالحسين فسايرناه، حتى نزل الثعلبية ممسيا فجئناه حين
نزل فسلمنا عليه فرد علينا السلام فقلنا له: يرحمك الله إن عندنا خبرا إن شئت
حدثناك به علانية وإن شئت سرا، فنظر إلينا وإلى أصحابه ثم قال: مادون هؤلاء سر
فقلنا له: رأيت الراكب الذي استقبلته عشي أمس؟ فقال: نعم، قد أردت مسألته فقلنا:
قد والله استبرءنا لك خبره، وكفيناك مسألته، وهو امرء منا ذو رأي وصدق وعقل، وإنه
حدثنا أنه لم يخرج من الكوفة حتى قتل مسلم وهانئ ورآهما يجران في السوق بأرجلهما،
فقال: إنا لله وإنا إليه راجعون، رحمة الله عليهما يردد ذلك مرارا.
فقلنا له: ننشدك الله في نفسك وأهل بيتك إلا انصرفت من مكانك هذا وإنه ليس
لك بالكوفة ناصر ولا شيعة، بل نتخوف أن يكونوا عليك، فنظر إلى بني عقيل فقال: ما
ترون؟ فقد قتل مسلم؟ فقالوا: والله ما نرجع حتى نصيب ثأرنا أو نذوق ماذاق، فأقبل
علينا الحسين
(عليه السلام) فقال: لا خير في العيش بعد
هؤلاء، فعلمنا أنه قد عزم رأيه على المسير، فقلنا له: خار الله لك، فقال: يرحمكم
الله، فقال له:
أصحابه: إنك والله ما أنت مثل مسلم بن عقيل، ولو قدمت الكوفة لكان أسرع
الناس إليك فسكت (1).
_______________
(1)
الارشاد ص 204 و 205.
===============
( 374 )
وقال السيد: أتاه خبر مسلم في زبالة ثم إنه سار فلقيه الفرزدق فسلم عليه
ثم قال: يا ابن رسول الله كيف تركن إلى أهل الكوفة وهم الذين قتلوا ابن عمك مسلم
بن عقيل وشيعته؟ قال: فاستعبر الحسين
(عليه
السلام) باكيا ثم قال: رحم الله مسلما فلقد صار إلى روح الله وريحانه، وتحيته
ورضوانه، أما إنه قد قضى ما عليه، وبقي ما علينا ثم أنشأ يقول:
فان تكن الدنيا تعد نفيسة * فدار
ثواب الله أعلى وأنبل
وإن تكن الابدان للموت أنشئت *
فقتل امرء بالسيف في الله أفضل
وإن تكن الارزاق قسما مقدرا *
فقلة حرص المرء في الرزق أجمل
وإن تكن الاموال للترك جمعها *
فما بال متروك به الحر يبخل (1)
وقال المفيد: ثم انتظر حتى إذا كان السحر، فقال لفتيانه وغلمانه: أكثروا
من الماء فاستقوا وأكثروا، ثم ارتحلوا فسار حتى انتهى إلى زبالة، فأتاه خبر
عبدالله بن يقطر.
وقال السيد: فاستعبر باكيا ثم قال: اللهم اجعل لنا ولشيعتنا منزلا كريما،
واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك، إنك على كل شئ قدير (2).
وقال المفيد رحمه الله: فأخرج للناس كتابا فقرأ عليهم فإذا فيه " بسم
الله الرحمن الرحيم أما بعد فانه قد أتانا خبر فظيع: قتل مسلم بن عقيل، وهانئ ابن
عروة، وعبدالله بن يقطر، وقد خذلنا شيعتنا فمن أحب منكم الانصراف فلينصرف، في غير
حرج، ليس عليه ذمام، فتفرق الناس عنه، وأخذوا يمينا وشمالا حتى بقي في أصحابه
الذين جاؤا معه من المدينة، ونفر يسير ممن انضموا إليه وإنما فعل ذلك لانه
(عليه السلام) علم أن الاعراب الذين اتبعوه
إنما اتبعوه وهم يظنون أنه يأتي بلدا قد استقامت له طاعة أهلها، فكره أن يسيروا
معه إلا وهم يعلمون على ما يقدمون.
_______________
(1)
كتاب الملهوف ص 64 و 65، وفيه " فما بال متروك به المرء يبخل " ورواه في
كشف الغمة ج 2 ص 202.
(2)
ذكره السيد في قيس بن مسهر الصيداوي راجع المصدر ص 67.
===============
( 375 )
فلما كان السحر أمر أصحابه، فاستقوا ماء وأكثروا، ثم سار حتى مر ببطن
العقبة، فنزل عليها، فلقيه شيخ من بني عكرمة يقال له: عمر بن لوذان قال له:
أين تريد؟ قال له الحسين: الكوفة، فقال له الشيخ: أنشدك الله لما انصرفت،
فو الله ما تقدم إلا على الاسنة، وحد السيوف، وإن هؤلاء الذين بعثوا إليك لو كانوا
كفوك مؤنة القتال ووطأوا لك الاشياء فقدمت عليهم، كان ذلك رأيا، فأما على هذه
الحال التي تذكر فاني لا أرى لك أن تفعل، فقال له: يا عبدالله ليس يخفى علي الرأي
ولكن الله تعالى لا يغلب على أمره.
ثم قال
(عليه السلام): والله لا يدعونني حتى يستخرجوا
هذه العلقة من جوفي، فاذا فعلوا سلط الله عليهم من يذلهم حتى يكونوا أذل فرق
الامم، ثم سار
(عليه السلام) من بطن العقبة حتى نزل شراف (1)
فلما كان السحر أمر فتيانه فاستقوا من الماء وأكثروا ثم سار حتى انتصف النهار
فبينما هو يسير إذ كبر رجل من أصحابه، فقال له الحسين
(عليه السلام): الله أكبر لما كبرت؟ فقال: رأيت
النخل قال جماعة ممن صحبه:
والله إن هذا المكان ما رأينا فيه نخلة قط، فقال الحسين
(عليه السلام): فما ترونه؟ قالوا:
والله نراه أسنة الرماح وآذان الخيل، فقال: وأنا والله أرى ذلك.
ثم قال
(عليه السلام): ما لنا ملجأ نلجأ إليه ونجعله
في ظهورنا ونستقبل القوم بوجه واحد؟ فقلنا له: بلى هذا ذو جشم (2) إلى جنبك، فمل
إليه عن يسارك، فان سبقت إليه فهو كما تريد، فأخذ إليه ذات اليسار، وملنا معه،
فلما كان بأسرع من أن طلعت علينا هوادي الخيل فتبينا [ها] وعدلنا فلما رأونا عدلنا
عن الطريق عدلوا إلينا كأن أسنتهم اليعاسيب، وكأن راياتهم أجنحة ألطير، فاستبقنا
إلى ذي جشم فسبقناهم إليه وأمر الحسين
(عليه
السلام) بأبنيته فضربت، وجاء القوم زهاء ألف فارس، مع الحر بن يزيد التميمي حتى
وقف هو وخيله مقابل الحسين في حر الظهيرة، والحسين وأصحابه معتمون متقلدون
أسيافهم.
_______________
(1)
كقطام: موضع أو ماءة لبنى أسد، أو جبل عال.
(2)
ذو خشب خ ل، وفى المصدر: ذو حسم، فليتحرر.
===============
( 376 )
فقال الحسين
(عليه السلام) لفتيانه: اسقوا القوم وارووهم من
الماء، ورشفوا الخيل ترشيفا، ففعلوا وأقبلوا يملاون القصاع والطساس من الماء ثم
يدنونها من الفرس فاذا عب فيها ثلاثا أو أربعا أو خمسا عزلت عنه، وسقي آخر، حتى
سقوها عن آخرها.
فقال علي بن الطعان المحاربي: كنت مع الحر يومئذ، فجئت في آخر من جاء من
أصحابه، فلما رأى الحسين
(عليه
السلام) ما بي وبفرسي من العطش قال: أنخ الراوية! والرواية عندي السقا ثم قال: يا
ابن الاخ أنخ الجمل! فأنخته، فقال:
اشرب، فجعلت كلما شربت سال الماء من المسقاء فقال الحسين: اخنث السقاء أي
اعطفه فلم أدر كيف أفعل فقام فخنثه فشربت وسقيت فرسي.
وكان مجيئ الحر بن يزيد من القادسية، وكان عبيد الله بن زياد بعث الحصين
ابن نمير وأمره أن ينزل القادسية، وتقدم الحر بين يديه في ألف فارس يستقبل بهم
الحسين
(عليه السلام) فلم يزل الحر موافقا للحسين
(عليه السلام) حتى حضرت صلاة الظهر فأمر الحسين
(عليه السلام) الحجاج بن مسروق أن يؤذن.
فلما حضرت الاقامة، خرج الحسين
(عليه
السلام) في إزار ورداء ونعلين فحمد الله وأثنى عليه ثم قال: أيها الناس إني لم
آتكم حتى أتتني كتبكم، وقدمت علي رسلكم أن: " أقدم علينا فليس لنا إمام لعل
الله أن يجمعنا وإياكم على الهدى والحق " فان كنتم على ذلك فقد جئتكم،
فأعطوني ما أطمئن إليه من عهودكم ومواثيقكم وإن لم تفعلوا، وكنتم لمقدمي كارهين،
انصرفت عنكم إلى المكان الذي جئت منه إليكم.
فسكتوا عنه ولم يتكلموا كلمة، فقال للمؤذن: أقم، فأقام الصلاة فقال للحر:
أتريد أن تصلي بأصحابك؟ فقال الحر: لا بل تصلي أنت ونصلي بصلاتك، فصلى بهم
الحسين
(عليه السلام) ثم دخل فاجتمع عليه أصحابه،
وانصرف الحر إلى مكانه الذي كان فيه، فدخل خيمة قد ضربت له، فاجتمع إليه خمسمائة
من أصحابه وعاد
===============
( 377 )
الباقون إلى صفهم الذي كانوا فيه (1) ثم أخذ كل رجل منهم بعنان فرسه وجلس
في ظلها.
فلما كان وقت العصر أمر الحسين
(عليه
السلام) أن يتهياوا للرحيل ففعلوا ثم أمر مناديه فنادى بالعصر وأقام فاستقدم
الحسين وقام فصلى بالقوم ثم سلم وانصرف إليهم بوجهه فحمد الله وأثنى عليه وقال: أما
بعد أيها الناس فانكم إن تتقوا الله وتعرفوا الحق لاهله، يكن أرضى لله عنكم، ونحن
أهل بيت محمد أولى بولاية هذا الامر عليكم من هؤلاء المدعين ما ليس لهم، والسائرين
فيكم بالجور والعدوان، فان أبيتم إلا الكراهة لنا، والجهل بحقنا، وكان رأيكم الآن
غير ما أتتني به كتبكم وقدمت علي به رسلكم انصرفت عنكم.
فقال له الحر: أنا والله ما أدري ما هذه الكتب والرسل التي تذكر؟ فقال
الحسين
(عليه السلام) لبعض أصحابه: يا عقبة بن سمعان
أخرج الخرجين اللذين فيهما كتبهم إلي فأخرج خرجين مملوءين صحفا فنثرت بين يديه
فقال له الحر: لسنا من هؤلاء الذين كتبوا إليك، وقد امرنا أنا إذا لقيناك لا
نفارقك حتى نقدمك الكوفة على عبيد الله بن زياد.
فقال الحسين
(عليه السلام): الموت أدنى إليك من ذلك ثم قال
لاصحابه: فقوموا فاركبوا، فركبوا وانتظر حتى ركبت نساؤه فقال لاصحابه: انصرفوا
فلما ذهبوا لينصرفوا، حال القوم بينهم وبين الانصراف فقال الحسين
(عليه السلام) للحر: ثكلتك امك ما تريد؟ فقال
له الحر: أما لو غيرك من العرب يقولها لي وهو على مثل الحال التي أنت عليها ما
تركت ذكر امه بالثكل كائنا من كان، ولكن والله مالي من ذكر امك من سبيل إلا بأحسن
ما نقدر عليه.
فقال له الحسين
(عليه
السلام): فما تريد؟ قال: اريد أن أنطلق بك إلى الامير عبيد الله بن زياد، فقال:
إذا والله لا أتبعك، فقال: إذا والله لا أدعك، فترادا القول ثلاث مرات، فلما كثر
الكلام بينهما قال له الحر: إني لم اومر بقتالك إنما
_______________
زاد في المصدر ص 207: فأعادوه.
===============
( 378 )
امرت أن لا افارقك حتى اقدمك الكوفة فإذ أبيت فخذ طريقا لا يدخلك الكوفة
ولا يردك إلى المدينة يكون بيني وبينك نصفا حتى أكتب إلى الامير عبيد الله بن زياد
فلعل الله أن يرزقنى العافية من أن ابتلى بشئ من أمرك فخذ ههنا.
فتياسر عن طريق العذيب والقادسية، وسار الحسين
(عليه السلام) وسار الحر في أصحابه يسايره، وهو
يقول له: يا حسين إني اذكرك الله في نفسك فاني أشهد لئن قاتلت لتقتلن فقال له
الحسين
(عليه السلام): أفبالموت تخوفني؟ وهل يعدو بكم
الخطب أن تقتلوني وسأقول كما قال أخو الاوس لابن عمه وهو يريد نصرة رسول الله
(صلى الله عليه واله) فخوفه ابن عمه وقال: أين تذهب
فانك مقتول؟ فقال:
سأمضي وما بالموت عار على الفتى *
إذا ما نوى حقا وجاهد مسلما
وآسى الرجال الصالحين بنفسه *
وفارق مثبورا وودع مجرما
فان عشت لم أندم وإن مت لم الم *
كفى بك ذلا أن تعيش وترغما (1)
اقول: وزاد محمد بن أبي طالب قبل البيت الاخير هذا البيت:
اقدم نفسي لا اريد بقاءها * لتلقى
خميسا في الوغى وعرمرما
ثم قال: ثم أقبل الحسين
(عليه السلام) على أصحابه وقال: هل فيكم احد
يعرف الطريق على غير الجادة؟ فقال الطرماح: نعم يا ابن رسول الله أنا أخبر الطريق
فقال الحسين
(عليه السلام): سر بين أيدينا فسار الطرماح
واتبعه الحسين
(عليه السلام) وأصحابه وجعل الطرماح يرتجز
ويقول:
يا ناقتي لا تذعري من زجري *
وامضي بنا قبل طلوع الفجر
بخير فتيان وخير سفر * آل رسول
الله آل الفخر
السادة البيض الوجوه الزهر *
الطاعنين بالرماح السمر
الضاربين بالسيوف البتر * حتى
تحلى بكريم الفخر
الماجد الجد رحيب الصدر * أثابه
الله لخير أمر
عمره الله بقاء الدهر
_______________
(1)
الارشاد ص 207 و 208.
===============
( 379 )
يا مالك النقع معا والنصر * أيد
حسينا سيدي بالنصر
على الطغاة من بقايا الكفر * على
اللعينين سليلي صخر
يزيد لا زال حليف الخمر * وابن
زياد عهر بن العهر
وقال المفيد رحمه الله: فلما سمع الحر ذلك تنحى عنه، وكان يسير بأصحابه
ناحية والحسين
(عليه السلام) في ناحية، حتى انتهوا إلى عذيب
الهجانات ثم مضى الحسين
(عليه
السلام) حتى انتهى إلى قصر بني مقاتل فنزل به وإذا هو بفسطاط مضروب، فقال لمن
هذا؟ فقيل: لعبيد الله بن الحر الجعفي قال: ادعوه إلي! فلما أتاه الرسول قال له:
هذا الحسين بن علي
(عليهما
السلام) يدعوك، فقال عبيد الله: إنا لله وإنا إليه راجعون والله ما خرجت من
الكوفة إلا كراهية أن يدخلها الحسين وأنا فيها، والله ما اريد أن أراه ولا يراني.
فأتاه الرسول فأخبره فقام إليه الحسين فجاء حتى دخل عليه وسلم وجلس ثم
دعاه إلى الخروج معه، فأعاد عليه عبيد الله بن الحر تلك المقالة واستقاله مما دعاه
إليه، فقال له الحسين
(عليه
السلام): فان لم تكن تنصرنا فاتق الله [أن] لا تكون ممن يقاتلنا، فوالله لا يسمع
واعيتنا أحد ثم لا ينصرنا إلا هلك، فقا له: أما هذا فلا يكون أبدا إن شاء الله.
ثم قام الحسين
(عليه
السلام) من عنده حتى دخل رحله، ولما كان في آخر الليلة أمر فتيانه بالاستقاء من
الماء، ثم أمر بالرحيل فارتحل من قصر بني مقاتل.
فقال عقبة بن سمعان: فسرنا معه ساعة، فخفق
(عليه السلام) وهو على ظهر فرسه خفقة ثم انتبه
وهو يقول: " إنا لله وإنا إليه راجعون " والحمد لله رب العالمين ففعل
ذلك مرتين أو ثلاثا فأقبل إليه ابنه علي بن الحسين فقال: مم حمدت الله واسترجعت؟
قال: يا بني إني خفقت خفقة فعن لي فارس على فرس وهو يقول:
القوم يسيرون، والمنايا تسير إليهم، فعلمت أنها أنفسنا نعيت إلينا، فقال
له: يا أبت لا أراك الله سوءا، ألسنا على الحق؟ قال: بلى والله الذي مرجع العباد
إليه، فقال:
فاننا إذا لا نبالي أن نموت محقين، فقال له الحسين
(عليه السلام): جزاك الله من ولد
===============
( 380 )
خير ما جزى ولدا عن والده.
فلما أصبح نزل وصلى بهم الغداة ثم عجل الركوب وأخذ يتياسر بأصحابه يريد أن
يفرقهم فيأتيه الحر بن يزيد فيرده وأصحابه، فجعل إذا ردهم نحو الكوفة ردا شديدا
امتنعوا عليه، فارتفعوا، فلم يزالوا يتسايرون كذلك حتى انتهوا إلى نينوى بالمكان
الذي نزل به الحسين
(عليه السلام) فإذا راكب على نجيب له عليه سلاح
متنكبا قوسا مقبلا من الكوفة، فوقفوا جميعا ينتظرونه، فلما انتهى إليهم سلم على
الحر وأصحابه ولم يسلم على الحسين وأصحابه، ودفع إلى الحر كتابا من عبيد الله ابن
زياد لعنة ألله فاذا فيه أما بعد فجعجع بالحسين حين بلغك كتابي هذا ويقدم عليك
رسولي، ولا تنزله إلا بالعراء في غير خضر وعلى غير ماء، وقد أمرت رسولي أن يلزمك
ولا يفارقك حتى يأتيني بانفاذك أمري والسلام.
فلما قرأ الكتاب قال لهم الحر: هذا كتاب الامير عبيد الله يأمرني أن اجعجع
بكم في المكان الذي يأتيني كتابه، وهذا رسوله وقد أمره أن لا يفارقني حتى أنفذ
أمره فيكم، فنظر يزيد بن المهاجر الكندي وكان مع الحسين
(عليه السلام) إلى رسول ابن زياد فعرفه فقال
له: ثكلتك امك ما ذا جئت فيه؟ قال: اطعت إمامي ووفيت ببيعتي، فقال له ابن المهاجر:
بل عصيت ربك، وأطعت إمامك في هلاك نفسك وكسيت العار والنار، وبئس الامام إمامك قال
الله عزوجل: " وجعلناهم أئمة يدعون إلى النار ويوم القيامة لا ينصرون "
(1) فإمامك منهم، وأخذهم الحر بالنزول في ذلك المكان على غير ماء ولا في قرية فقال
له الحسين
(عليه السلام): دعنا ويحك ننزل هذه القرية أو
هذه، يعني نينوى والغاضرية، أو هذه يعني شفية! قال: لا والله ما أستطيع ذلك هذا
رجل قد بعث إلي عينا علي فقال له زهير بن القين: إني والله لا أرى أن يكون بعد
الذي ترون إلا أشد مما ترون، يا ابن رسول الله إن قتال هؤلاء القوم الساعة أهون
علينا من قتال من يأتينا من بعدهم، فلعمري ليأتينا من بعدهم ما لا قبل لنا به،
فقال الحسين
(عليه السلام): ما كنت لابدءهم بالقتال ثم نزل
وذلك
_______________
(1)
القصص: 41.
===============
( 381 )
اليوم يوم الخميس وهو اليوم الثاني من المحرم سنة إحدى وستين (1).
وقال السيد رحمه الله: فقام الحسين
(عليه السلام) خطيبا في أصحابه فحمد الله وأثنى
عليه ثم قال: إنه قد نزل من الامر ما قد ترون، وان الدنيا تغيرت وتنكرت وأدبر
معروفها ولم يبق منها إلا صبابة كصبابة الاناء، وخسيس عيش كالمرعى الوبيل ألا ترون
إلى الحق لا يعمل به، وإلى الباطل لا يتناهى عنه، ليرغب المؤمن في لقاء ربه حقا
حقا فاني لا أرى الموت إلا سعادة، والحياة مع الظالمين إلا برما.
فقام زهير بن القين فقال: قد سمعنا - هداك الله يا ابن رسول الله - مقالتك
ولو كانت الدنيا لنا باقية، وكنا فيها مخلدين، لآثرنا النهوض معك على الاقامة
فيها.
قال: ووثب هلال بن نافع البجلي فقال: والله ما كرهنا لقاء ربنا، وإنا على
نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
قال: وقام برير بن خضير فقال: والله يا ابن رسول الله لقد من الله بك علينا
أن نقاتل بين يديك، فيقطع فيك أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة.
قال: ثم إن الحسين
(عليه
السلام) ركب وسار كلما أراد المسير يمنعونه تارة و يسايرونه اخرى حتى بلغ كربلا
وكان ذلك في اليوم الثامن من المحرم (2).
وفي المناقب: فقال له زهير: فسربنا حتى ننزل بكربلاء فانها على شاطئ
الفرات، فنكون هنالك، فان قاتلونا قاتلناهم، واستعنا الله عليهم، قال: فدمعت علينا
الحسين
(عليه السلام) ثم قال: اللهم إني أعوذ بك من
الكرب والبلاء، ونزل الحسين فيي موضعه ذلك، ونزل الحر بن يزيد حذاءه في ألف فارس،
ودعا الحسين بداوة وبيضاء وكتب إلى أشراف الكوفة ممن كان يظن أنه على رأيه:
بسم الله الرحمن الرحيم من الحسين بن علي إلى سليمان بن صرد والمسيب بن
نجبة، ورفاعة بن شداد، وعبدالله بن وأل، وجماعة المؤمنين
_______________
(1)
الارشاد ص 209 و 210.
(2)
كتاب الملهوف ص 69 و 70.
===============
( 382 )
أما بعد فقد علمتم أن رسول الله
(صلى الله عليه واله) قد قال في حياته: " من رأى
سلطانا جائرا مستحلا لحرم الله، ناكثا لعهد الله، مخالفا لسنة رسول الله، يعمل في
عباد الله بالاثم والعدوان ثم لم يغير بقول ولا فعل، كان حقيقا على الله أن يدخله
مدخله " وقد علمتم أن هؤلاء القوم قد لزموا طاعة الشيطان، وتولوا عن طاعة
الرحمن، وأظهروا الفساد وعطلوا الحدود، واستأثروا بالفيئ، وأحلوا حرام الله،
وحرموا حلاله، وإني أحق بهذا الامر لقرابتي من رسول الله
(صلى الله عليه واله).
وقد أتتني كتبكم وقدمت علي رسلكم ببيعتكم، أنكم لا تسلموني ولا تخذلوني،
فان وفيتم لي ببيعتكم فقد أصبتم حظكم ورشدكم، ونفسي مع أنفسكم وأهلي وولدي مع
أهاليكم وأولادكم، فلكم بي اسوة، وإن لم تفعلوا ونقضتم عهودكم وخلعتم بيعتكم،
فلعمري ما هي منكم بنكر لقد فعلتموها بأبي وأخي وابن عمي والمغرور من اغتر بكم،
فحظكم أخطأتم، ونصيبكم ضيعتم، ومن نكث فانما ينكث على نفسه، وسيغني الله عنكم
والسلام.
ثم طوى الكتاب وختمه ودفعه إلى قيس بن مسهر الصيداوي - وساق الحديث كما مر
- ثم قال: ولما بلغ الحسين قتل قيس استعبر باكيا ثم قال: " اللهم اجعل لنا
ولشيعتنا عندك منزلا كريما، واجمع بيننا وبينهم في مستقر من رحمتك إنك على كل شئ
قدير ".
قال: فوثب إلى الحسين
(عليه
السلام) رجل من شيعته يقال له هلال بن نافع البجلي فقال: يا ابن رسول الله أنت
تعلم أن جدك رسول الله لم يقدر أن يشرب الناس محبته ولا أن يرجعوا إلى أمره ما
أحب، وقد كان منهم منافقون يعدون بالنصر، ويضمرون له الغدر، يلقونه بأحلى من العسل
ويخلفونه بأمر من الحنظل، حتى قبضه الله إليه، وإن أباك عليا رحمة الله عليه قد
كان في مثل ذلك، فقوم قد أجمعوا على نصره وقاتلوا معه الناكثين والقاسطين
والمارقين، حتى أتاه أجله فمضى إلى رحمة الله ورضوانه، وأنت اليوم عندنا في مثل
تلك الحالة، فمن نكث عهده، وخلع بيعته، فلن يضر إلا نفسه، والله مغن عنه، فسربنا
راشدا معافا مشرقا إن شئت، وإن
===============
( 383 )
شئت مغربا، فو الله ما أشفقنا من قدر الله، ولا كرهنا لقاء ربنا، وإنا على
نياتنا وبصائرنا، نوالي من والاك، ونعادي من عاداك.
ثم وثب إليه برير بن خضير الهمداني فقال: والله يا بن رسول الله لقد من
الله بك علينا أن نقاتل بين يديك تقطع فيه أعضاؤنا ثم يكون جدك شفيعنا يوم القيامة
بين أيدينا، لا أفلح قوم ضيعوا ابن بنت نبيهم، اف لهم غدا ماذا يلاقون؟ ينادون بالويل
والثبور في نار جهنم.
قال: فجمع الحسين
(عليه
السلام) ولده وإخوته وأهل بيته، ثم نظر إليهم فبكى ساعة ثم قال: اللهم إنا عترة
نبيك محمد وقد اخرجنا وطردنا وازعجنا عن حرم جدنا وتعدت بنو امية علينا اللهم
فخذنا لنا بحقنا، وانصرنا على القوم الظالمين.
قال: فرحل من موضعه حتى نزل في يوم الاربعاء أو يوم الخميس بكربلا وذلك في
الثاني من المحرم سنة إحدى وستين.
ثم أقبل على أصحابه، فقال: الناس عبيد الدنيا والدين لعق على ألسنتهم
يحوطونه مادرت معايشهم، فإذا محصوا بالبلاء قل الديانون.
ثم قال: أهذه كربلاء؟ فقالوا: نعم يا ابن رسول الله، فقال: هذا موضع كرب
وبلاء، ههنا مناخ ركابنا، ومحط رحالنا، ومقتل رجالنا، ومسفك دمائنا. قال:
فنزل القوم وأقبل الحر حتى نزل حذاء الحسين
(عليه السلام) في ألف فارس ثم كتب إلى ابن زياد
يخبره بنزول الحسين بكربلا.
وكتب ابن زياد لعنه الله إلى الحسين صلوات الله عليه: أما بعد يا حسين فقد
بلغني نزولك بكربلا، وقد كتب إلي أمير المؤمنين يزيد أن لا أتوسد الوثير، ولا أشبع
من الخمير أو الحقك باللطيف الخبير، أو ترجع إلى حكمي وحكم يزيد بن معاوية
والسلام.
فلما ورد كتابه على الحسين وقرأه رماه من يده، ثم قال: لا أفلح قوم اشتروا
مرضاة المخلوق بسخط الخالق، فقال له الرسول: جواب الكتاب؟
أبا عبدالله! فقال: ما له عندي جواب لانه قد حققت عليه كلمة العذاب، فرجع
الرسول.
===============
( 384 )
إليه فخبره بذلك، فغضب عدو الله من ذلك أشد الغضب، والتفت إلى عمر بن سعد
وأمره بقتال الحسين، وقد كان ولاه الري قبل ذلك، فاستعفى عمر من ذلك، فقال ابن
زياد: فاردد إلينا عهدنا، فاستمهله ثم قبل بعد يوم خوفا عن أن يعزل عن ولاية الري.
وقال المفيد رحمه الله: فلما كان من الغد قدم عليهم عمر بن سعد بن أبي
وقاص من الكوفة في أربعة آلاف فارس فنزل بنينوى، فبعث إلى الحسين
(عليه السلام) عروة بن قيس الاحمسي فقال له:
ائته فسله ما الذي جاء بك وما تريد! وكان عروة ممن كتب إلى الحسين، فاستحيى منه أن
يأتيه، فعرض ذلك على الرؤساء الذين كاتبوه وكلهم أبى ذلك وكرهه.
فقام إليه كثير بن عبدالله الشعبي وكان فارسا شجاعا لا يرد وجهه شئ فقال
له: أنا أذهب إليه، ووالله لئن شئت لافتكن به، فقال له عمر بن سعد: ما اريد أن
تفتك به، ولكن ائته فسله ما الذي جاء به، فأقبل كثير إليه، فلما رآه أبوثمامة
الصيداوي قال للحسين
(عليه السلام): أصلحك الله يا عبدالله! قد جاءك
شر أهل الارض وأجرأه على دم وأفتكه، وقام إليه فقال له: ضع سفيك، قال: لا والله
ولا كرامة إنما أنا رسول إن سمعتم كلامي بلغتكم ما ارسلت إليكم، وإن أبيتم انصرفت
عنكم، قال: فاني آخذ بقائم سيفك ثم تكلم بحاجتك قال: لا والله لا تمسه فقال له:
أخبرني بما جئت به وأنا ابلغه عنك، ولا أدعك تدنو منه، فانك فاجر، فاستبا وانصرف
إلى عمر بن سعد فأخبره الخبر.
فدعا عمر بن سعد قرة بن قيس الحنظلي فقال له: ويحك الق حسينا فسله ما جاء
به؟ وما ذا يريد؟ فأتاه قرة فلما رآه الحسين مقبلا قال: أتعرفون هذا؟
فقال حبيب بن مظاهر: هذا رجل من حنظلة تميم، وهو ابن اختنا، وقد كنت أعرفه
بحسن الرأي، وما كنت أراه يشهد هذا المشهد، فجاء حتى سلم على الحسين وأبلغه رسالة
عمر بن سعد إليه، فقال له الحسين
(عليه
السلام): كتب إلي أهل مصركم هذا أن أقدم، فأما إذا كرهتموني فأنا أنصرف عنكم،
فقال حبيب بن مظاهر: ويحك
===============
( 385 )
يا قرة أين تذهب؟ إلى القوم الظالمين؟ انصر هذا الرجل الذي بآبائه أيدك
الله بالكرامة، فقال له قرة: أرجع إلى صاحبي بجواب رسالته وأرى رأيي، فانصرف إلى
عمر بن سعد وأخبره الخبر، فقال عمر بن سعد: أرجو أن يعافيني الله من حربه وقتاله.
وكتب إلى عبيد الله بن زياد: " بسم الله الرحمن الرحيم أما بعد فاني
حيث نزلت بالحسين بعثت إليه رسولي فسألته عما أقدمه وماذا يطلب؟ فقال: كتب إلي أهل
هذه البلاد وأتتني رسلهم، يسألوني القدوم إليهم ففعلت، فأما إذا كرهتموني، و
بدالهم غير ما أتتني به رسلهم، فأنا منصرف عنهم ".
قال حسان بن قائد العبسي: وكنت عند عبيد الله بن زياد حين أتاه هذا الكتاب
فلما قرأه قال:
الآن إذ علقت مخالبنا به * يرجو
النجاة ولات حين مناص
وكتب إلى عمر بن سعد: " أما بعد فقد بلغني كتابك، وفهمت ما ذكرت
فأعرض على الحسين أن يبايع ليزيد هو وجميع أصحابه، فإذا فعل ذلك رأينا رأينا
والسلام " فلما ورد الجواب على عمر بن سعد قال: قد خشيت أن لا يقبل ابن زياد
العافية (1)
وقال محمد بن أبي طالب: فلم يعرض ابن سعد على الحسين ما أرسل به ابن زياد
لانه علم أن الحسين لا يبايع يزيد أبدا، قال: ثم جمع ابن زياد الناس في جامع
الكوفة، ثم خرج فصعد المنبر ثم قال: أيها الناس إنكم بلوتم آل أبي سفيان فوجدتموهم
كما تحبون، وهذا أمير المؤمنين يزيد، قد عرفتموه حسن السيرة محمود الطريقة، محسنا
إلى الرعية، يعطي العطاء في حقه، قد أمنت السبل على عهده وكذلك كان أبوه معاوية في
عصره، وهذا ابنه يزيد من بعده، يكرم العباد، ويغنيهم بالاموال، ويكرمهم، وقد زادكم
في أرزاقكم مائة مائة، وأمرني أن اوفرها عليكم واخرجكم إلى حرب عدوه الحسين،
فاسمعوا له وأطيعوا.
_______________
(1)
الارشاد ص 210 و 211 والظاهر قد حسبت أن لا يقبل.
===============
( 386 )
ثم نزل عن المنبر ووفر الناس العطاء وأمرهم أن يخرجوا إلى حرب الحسين
(عليه السلام)، ويكونوا عونا لابن سعد على
حربه، فأول من خرج شمر بن ذي الجوشن في أربعة آلاف، فصار ابن سعد في تسعة آلاف، ثم
أتبعه بيزيد بن ركاب الكلبي في ألفين، والحصين بن نمير السكوني في أربعة آلاف،
وفلانا المازني في ثلاثة آلاف، ونصر بن فلان في ألفين، فذلك عشرون ألفا.
ثم أرسل إلى شبث بن ربعي أن أقبل إلينا وإنا نريد أن نوجه بك إلى حرب
الحسين، فتمارض شبث، وأراد أن يعفيه ابن زياد فأرسل إليه: أما بعد فان رسولي
أخبرني بتمارضك، وأخاف أن تكون من الذين إذا لقوا الذين آمنوا قالوا آمنا وإذا
خلوا إلى شياطينهم قالوا إنا معكم إنما نحن مستهزؤن، إن كنت في طاعتنا فأقبل إلينا
مسرعا.
فأقبل إليه شبث بعد العشاء لئلا ينظر إلى وجهه فلا يرى عليه أثر العلة
فلما دخل رحب به وقرب مجلسه، وقال: احب أن تشخص إلى قتال هذا الرجل عونا لابن سعد
عليه، فقال: أفعل أيها الامير، فما زال يرسل إليه بالعساكر حتى تكامل عنده ثلاثون
ألفا ما بين فارس وراجل، ثم كتب إليه ابن زياد أني لم أجعل لك علة في كثرة الخيل
والرجال، فانظر لا اصبح ولا امسي إلا وخبرك عندي غدوة وعشية، وكان ابن زياد يستحث
عمر بن سعد لستة أيام مضين من المحرم.
وأقبل حبيب بن مظاهر إلى الحسين
(عليه السلام) فقال: يا ابن رسول الله ههنا حي
من بني أسد بالقرب منا أتأذن لي في المصير إليهم فأدعوهم إلى نصرتك، فعسى الله أن
يدفع بهم عنك، قال: قد أذنت لك، فخرج حبيب إليهم في جوف الليل متنكرا حتى أتى
إليهم فعرفوه أنه من بني أسد، فقالوا: ما حاجتك؟ فقال: إني قد أتيتكم بخير ما أتى
به وافد إلى قوم، أتيتكم أدعوكم إلى نصر ابن بنت نبيكم فانه في عصابة من المؤمنين
الرجل منهم خير من ألف رجل، لن يخذلوه ولن يسلموه أبدا وهذا عمر بن سعد قد أحاط
به، وأنتم قومي وعشيرتي، وقد أتيتكم بهذه النصيحة
===============
( 387 )
فأطيعوني اليوم في نصرته تنالوا بها شرف الدنيا والآخرة فاني اقسم بالله
لا يقتل أحد منكم في سبيل الله مع ابن بنت رسول الله صابرا محتسبا إلا كان رفيقا
لمحمد
(صلى الله عليه واله) في عليين قال: فوثب إليه رجل من
بني أسد يقال له عبدالله بن بشر فقال: أنا أول من يجيب إلى هذه الدعوة، ثم جعل
يرتجز ويقول:
قد علم القوم إذا تواكلوا * وأحجم
الفرسان إذ تناقلوا (1)
أني شجاع بطل مقاتل * كأنني ليث
عرين باسل
ثم تبادر رجال الحي حتى التأم منهم تسعون رجلا فأقبلوا يريدون الحسين
(عليه السلام) وخرج رجل في ذلك الوقت من الحي
حتى صار إلى عمر بن سعد فأخبره بالحال، فدعا ابن سعد برجل من أصحابه يقال له
الازرق فضم إليه أربعمائة فارس و وجه نحو حي بني أسد، فبينما اولئك القوم قد
أقبلوا يريدن عكسر الحسين
(عليه
السلام) في جوف الليل إذا استقبلهم خيل ابن سعد على شاطئ الفرات، وبينهم وبين
عسكر الحسين اليسير، فناوش القوم بعضهم بعضا واقتتلوا قتالا شديدا، وصاح حبيب ابن
مظاهر بالازرق ويلك مالك ومالنا انصرف عنا، ودعنا يشقى بنا غيرك، فأبى الازرق أن
يرجع، وعلمت بنو أسد أنه لا طاقة لهم بالقوم، فانهزموا راجعين إلى حيهم، ثم إنهم ارتحلوا
في جوف الليل خوفا من ابن سعد أن يبيتهم ورجع حبيب بن مظاهر إلى الحسين
(عليه السلام) فخبره بذلك فقال
(عليه السلام): لا حول ولا قوة إلا بالله.
قال: ورجعت خيل ابن سعد حتى نزلوا على شاطئ الفرات، فحالوا بين الحسين
وأصحابه وبين الماء، وأضر العطش بالحسين وأصحابه، فأخذ الحسين
(عليه السلام) فأسا (2) وجاء إلى وراء خيمة
النساء فخطا في الارض تسع عشر خطوة نحو القبلة ثم حفر هناك، فنبعت له عين من الماء
العذب، فشرب الحسين
(عليه السلام) وشرب الناس بأجمعهم، وملاوا
أسقيتهم، ثم غارت العين، فلم ير لها أثر، وبلغ ذلك ابن زياد
_______________
(1)
تناضلوا. خ ل. والظاهر: تثاقلوا.
(2)
الفأس: آلة ذات هراوة قصيرة يقطع بها الخشب وغيره. وقد يترك همزها.
===============
( 388 )
فأرسل إلى عمر بن سعد: بلغني أن الحسين يحفر الآبار، ويصيب الماء، فيشرب
هو وأصحابه، فانظر إذا ورد عليك كتابي فامنعهم من حفر الآبار ما استطعت وضيق
عليهم، ولا تدعهم يذوقوا الماء، وافعل بهم كما فعلوا بالزكي عثمان فعندها ضيق عمر
بن سعد عليهم غاية التضييق.
فلما اشتد العطش بالحسين دعا بأخيه العباس فضم إليه ثلاثين فارسا وعشرين
راكبا، وبعث معه عشرين قربة، فأقبلوا في جوف الليل حتى دنوا من الفرات فقال عمرو
بن الحجاج: من أنتم؟ فقال رجل من أصحاب الحسين
(عليه السلام)، يقال له هلال بن نافع البجلي:
ابن عم لك جئت أشرب من هذا الماء، فقال عمرو: اشرب هنيئا فقال هلال: ويحك تأمرني
أن أشرب والحسين بن علي ومن معه يموتون عطشا؟ فقال عمرو: صدقت ولكن امرنا بأمر لا
بد أن ننتهي إليه، فصاح هلال بأصحابه فدخلوا الفرات، وصاح عمرو بالناس واقتتلوا
قتالا شديدا، فكان قوم يقاتلون، وقوم يملاون حتى ملاوها، ولم يقتل من أصحاب الحسين
أحد ثم رجع القوم إلى معسكرهم، فشرب الحسين ومن كان معه، ولذلك سمي العباس
(عليه السلام) السقاء.
ثم أرسل الحسين إلى عمر بن سعد لعنه الله: أني اريد أن اكلمك فالقني
الليلة بين عسكري وعسرك، فخرج إليه ابن سعد في عشرين وخرج إليه الحسين في مثل ذلك،
فلما التقيا أمر الحسين
(عليه
السلام) أصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه أخوه العباس، وابنه علي الاكبر، وأمر عمر بن
سعد وأصحابه فتنحوا عنه، وبقي معه ابنه حفص وغلام له.
فقال له الحسين
(عليه
السلام): ويلك يا ابن سعد أما تتقي الله الذي إليه معادك أتقاتلني وأنا ابن من
علمت؟ ذر هؤلاء القوم وكن معي، فانه أقرب لك إلى الله تعالى، فقال عمر بن سعد:
أخاف أن يهدم داري، فقال الحسين
(عليه
السلام): أنا أبنيها لك فقال: أخاف أن تؤخذ ضيعتي، فقال الحسين
(عليه السلام): أنا أخلف عليك خيرا منها من
مالي بالحجاز فقال: لي عيال وأخاف عليهم، ثم سكت ولم يجبه إلى شئ
===============
( 389 )
فانصرف عنه الحسين
(عليه
السلام)، وهو يقول: مالك ذبحك الله على فراشك عاجلا ولا غفر لك يوم حشرك، فو الله
إني لارجو أن لا تأكل من بر العراق إلا يسيرا فقال ابن سعد: في الشعير كفاية عن
البر مستهزئا بذلك القول.
رجعنا إلى سياقة حديث المفيد قال: وورد كتاب ابن زياد في الاثر إلى عمر
ابن سعد أن: حل بين الحسين وأصحابه وبين الماء، ولا يذوقوا منه قطرة كما صنع
بالتقي الزكي عثمان بن عفان، فبعث عمر بن سعد في الوقت عمرو بن الحجاج في خمسمائة
فارس فنزلوا على الشريعة، وحالوا بين الحسين وأصحابه وبين الماء ومنعوهم أن يسقوا
منه قطرة، وذلك قبل قتل الحسين
(عليه
السلام) بثلاثة أيام.
ونادى عبدالله بن حصين الازدي وكان عداده في بجيلة: قال بأعلى صوته:
يا حسين! ألا تنظر [ون] إلى الماء كأنه كبد السماء، والله لا تذوقون منه
قطرة واحدة، حتى تموتوا عطشا، فقال الحسين
(عليه السلام): اللهم اقتله عطشا ولا تغفر له
أبدا، قال حميد بن مسلم: والله لعدته في مرضه بعد ذلك فو الله الذي لا إله غيره،
لقد رأيته يشرب الماء حتى يبغر (1) ثم يقيئه ويصيح العطش العطش ثم يعود ويشرب حتى
يبغر ثم يقيئه ويتلظى عطشا فما زال ذلك دأبه حتى لفظ نفسه.
ولما رأى الحسين
(عليه
السلام) نزول العساكر مع عمر بن سعد بنينوى ومددهم لقتاله، أنفذ إلى عمر بن سعد:
أنني اريد أن ألقاك، فاجتمعا ليلا فتناجيا طويلا ثم رجع عمر إلى مكانه، وكتب إلى
عبيد الله بن زياد: " أما بعد فان الله قد أطفأ النائرة، وجمع الكلمة، وأصلح
أمر الامة، هذا حسين قد أعطاني أن يرجع إلى المكان الذي منه أتى، أو أن يسير إلى
ثغر من الثغور، فيكون رجلا من المسلمين:
له مالهم، وعليه ما عليهم، أو أن يأتي أمير المؤمنين يزيد فيضع يده في يده
(2)
_______________
(1)
يقال: بغر البعير وكذا الرجل - كقطع وعلم -: بغرا: شرب فلم يرو. فهو بغير وبغر.
(2)
قال سبط ابن الجوزى في التذكرة ص 141: وقد وقع في بعض النسخ أن الحسين
(عليه السلام) قال: لعمر بن سعد دعونى
أمضى إلى المدينة أو إلى بزيد فادع يدى في
===============
( 390 )
فيرى فيما بينه وبينه رأيه، وفي هذا لك رضى وللامة صلاح ".
فلما قرأ عبيد الله الكتاب قال: هذا كتاب ناصح مشفق على قومه، فقام إليه
شمر بن ذي الجوشن، فقال: أتقبل هذا منه، وقد نزل بأرضك واتى جنبك؟ والله لئن رحل
بلادك ولم يضع يده في يدك، ليكونن أولى بالقوة، ولتكونن أولى بالضعف والعجز، فلا
تعطه هذه المنزلة، فانها من الوهن ولكن لينزل على حكمك هو وأصاحبه، فان عاقبت فأنت
أولى بالعقوبة، وإن عفوت كان ذلك لك.
فقال ابن زياد: نعم ما رأيت! الرأي رأيك اخرج بهذا الكتاب إلى عمر بن سعد
فليعرض على الحسين وأصحابه النزول على حكمي، فان فعلوا فليبعث بهم إلي سلما، وإن
هم أبوا فليقاتلهم، فان فعل فاسمع له وأطع، وإن أبى أن يقاتلهم فأنت أمير الجيش
فاضرب عنقه وابعث إلي برأسه.
وكتب إلى عمر بن سعد: " لم أبعثك إلى الحسين لتكف عنه، ولا لتطاوله
ولا لتمنيه السلامة والبقاء، ولا لتعتذر عنه، ولا لتكون له عندي شفيعا، انظر فان
نزل حسين وأصحابه على حكمي، واستسلموا، فابعث بهم إلي سلما، وإن أبوا فازحف إليهم
حتى تقتلهم وتمثل بهم، فانهم لذلك مستحقون، فان قتلت حسينا فأوطئ الخيل صدره وظهره
فانه عات ظلوم، ولست أرى أن هذا يضر بعد الموت شيئا، ولكن علي قول قد قلته لو قد
قتلته لفعلته هذا به، فان أنت مضيت لامرنا فيه جزيناك جزاء السامع المطيع، وإن
أبيت فاعتزل عملنا وجندنا، وخل بين شمر بن ذي الجوشن وبين العسكر، فانا قد أمرناه
بأمرنا والسلام ".
فأقبل شمر بن ذي الجوشن بكتاب عبيد الله بن زياد إلى عمر بن سعد، فلما قدم
عليه وقرأه، قال له عمر: مالك ويلك، لاقرب الله دارك، وقبح الله ما قدمت به علي،
والله إني لاظنك نهيته عما كتبت به إليه، وأفسدت علينا أمرا قد كنا رجونا أن يصلح،
لا يستسلم والله حسين إن نفس أبيه لبين جنبيه، فقال له شمر:
_______________
يده. ولا يصح ذلك عنه، فان عقبة بن السمعان قال: صحبت
الحسين من المدينة إلى العراق ولم أزل معه إلى أن قتل والله ما سمعته قال ذلك.
===============
( 391 )
أخبرني ما أنت صانع؟ أتمضي لامر أميرك وتقاتل عدوه وإلا فخل بيني وبين
الجند والعسكر، قال: لا ولا كرامة لك، ولكن أن اتولى ذلك فدونك فكن أنت على
الرجالة.
ونهض عمر بن سعد إلى الحسين
(عليه
السلام) عشية الخميس لتسع مضين من المحرم وجاء شمر حتى وقف على أصحاب الحسين
وقال: أين بنو اختنا؟ (1) فخرج إليه جعفر والعباس وعبدالله وعثمان بنو علي
(عليه السلام) فقالوا: ما تريد؟ فقال أنتم يا
بني اختي آمنون، فقال له الفئة: لعنك الله ولعن أمانك أتؤمننا وابن رسول الله لا
أمان له.
ثم نادى عمر: يا خيل الله اركبي! وبالجنة أبشري! فركب الناس ثم زحف نحوهم
بعد العصر والحسين
(عليه السلام) جالس أمام بيته محتبئ بسيفه إذ
خفق برأسه على ركبتيه، وسمعت اخته الصيحة، فدنت من أخيها وقالت: يا أخي أما تسمع
هذه الاصوات قد اقتربت؟ فرفع الحسين
(عليه
السلام) رأسه فقال: إني رأيت رسول الله الساعة في المنام، وهو يقول لي: إنك تروح
إلينا، فلطمت اخته وجهها، ونادت بالويل فقال لها الحسين: ليس لك الويل يا اخته (2)
اسكتي رحمك الله، وفي رواية السيد قال: يا اختاه إني رأيت الساعة جدي محمدا وأبي
عليا وامي فاطمة وأخي الحسن وهم يقولون: يا حسين إنك رائح إلينا عن قريب وفي بعض
الروايات: غدا، قال:
فلطمت زينب
(عليها
السلام) على وجهها وصاحت، فقال لها الحسين
(عليه السلام): مهلا لا تشمتي القوم بنا (3).
قال المفيد: فقال له العباس بن علي
(عليه السلام): يا أخي أتاك القوم، فنهض ثم
قال:
اركب أنت يا أخي حتى تلقاهم وتقول لهم: مالكم؟ وما بدا لكم؟ وتسألهم عما
_______________
(1)
وذلك لان ام البنين بنت حزام ام عباس وعثمان وجعفر وعبدالله كانت كلابية وشمر ابن
ذي الجوشن كلابى ولذا أخذ من ابن زياد أمانا لبنيها، وذكر ابن جرير ان جرير بن
عبدالله بن مخلد الكلابي كانت أم البنين عمته فأخذ لابنائها أمانا هو وشمر بن ذي
الجوشن.
(2)
مخفف يا اختاه، اى يا اختى، كما يقال: يا ابه مخفف يا أباه بمعنى يا أبى.
(3)
راجع كتاب الملهوف ص 79.
===============
( 392 )
جاء بهم، فأتاهم العباس في نحو من عشرين فارسا فيهم زهير بن القين وحبيب
بن مظاهر فقال لهم العباس: ما بدا لكم وما تريدون؟ قالوا: قد جاء أمر الامير أن
يعرض عليكم أن تنزلوا على حكمه أو نناجزكم، قال: فلا تعجلوا حتى أرجع إلى أبي
عبدالله فأعرض عليه ما ذكرتم، فوقفوا فقالوا: القه وأعلمه ثم القنا بما يقول لك
فانصرف العباس راجعا يركض إلى الحسين
(عليه
السلام) يخبره الخبر، ووقف أصحابه يخاطبون القوم، ويعظونهم ويكفونهم عن قتال
الحسين.
فجاء العباس إلى الحسين
(عليه
السلام) وأخبره بما قال القوم، فقال: ارجع إليهم فان استطعت أن تؤخرهم إلى غد،
وتدفعهم عنا العشية لعلنا نصلي لربنا الليلة وندعوه ونستغفره، فهو يعلم أني كنت قد
احب الصلاة له، وتلاوة كتابه، وكثرة الدعاء والاستغفار.
فمضى العباس إلى القوم، ورجع من عندهم، ومعه رسول من قبل عمر بن سعد يقول:
إنا قد أجلناكم إلى غد، فان استسلمتم سرحنا بكم إلى عبيد الله بن زياد وإن أبيتم
فلسنا بتاركيكم، فانصرف. وجمع الحسين
(عليه
السلام) أصحابه عند قرب المساء (1).
قال علي بن الحسين زين العابدين
(عليهما السلام): فدنوت منه لاسمع ما يقول لهم
وأنا إذ ذاك مريض، فسمعت أبي يقول لاصحابه: أثني على الله أحسن الثناء واحمده على
السراء والضراء اللهم إني أحمدك على أن أكرمتنا بالنبوة، وعلمتنا القرآن وفقهتنا
في الدين (2) وجعلت لنا أسماعا وأبصارا وأفئدة، فاجعلنا من الشاكرين.
أما بعد فاني لا أعلم أصحابا أوفى ولا خيرا من أصحابي، ولا أهل بيت أبر
_______________
في بعض النسخ: عند قرب الماء. يعنى الخيمة التى فيها
قرب الماء.
(2)
كذا في المصدر ص 214. وهو الصحيح وفي سائر النسخ: فهمتنا في الدين وهو تصحيف.
===============
( 393 )
وأوصل من أهل بيتي، فجزاكم الله عني خيرا ألا وإني لاظن (1) يوما لنا من
هؤلاء ألا وإني قد أذنت لكم، فانطلقوا جميعا في حل ليس عليكم حرج مني ولا ذمام هذا
الليل قد غشيكم فاتخذوه جملا (2).
فقال له إخوته وأبناؤه وبنو أخيه وابنا عبدالله بن جعفر: لم نفعل: ذلك
لنبقى بعدك؟ لا أرانا الله ذلك أبدا، بدأهم بهذا القول العباس بن علي وأتبعته
الجماعة عليه فتكلموا بمثله ونحوه، فقال الحسين
(عليه السلام): يا بني عقيل حسبكم من القتل
بمسلم بن عقيل فاذهبوا أنتم فقد أذنت لكم، فقالوا: سبحان الله ما يقول الناس؟ نقول
إنا تركنا شيخنا وسيدنا وبني عمومتنا خير الاعمام، ولم نرم معهم بسهم، ولم نطعن
معهم برمح، ولم نضرب معهم بسيف، ولا ندري ما صنعوا، لا والله ما نفعل ذلك ولكن
نفديك بأنفسنا وأموالنا وأهلنا، ونقاتل معك حتى نرد موردك فقبح الله العيش بعدك.
وقام إليه مسلم بن عوسجة، فقال: أنحن نخلي عنك، وبما نعتذر إلى الله في
أداء حقك؟ لا والله حتى أطعن في صدورهم برمحي، وأضربهم بسيفي ما ثبت قائمه في يدي،
ولو لم يكن معي سلاح اقاتلهم به لقذفتهم بالحجارة، والله لا نخليك حتى يعلم الله
أنا قد حفظنا غيبة رسول الله فيك، أما والله لو علمت أني اقتل ثم احيى ثم احرق ثم
احيى ثم اذرى، يفعل ذلك بي سبعين مرة، ما فارقتك حتى ألقى حمامي دونك، فكيف لا
أفعل ذلك وإنما هي قتله واحدة، ثم هي الكرامة التي لا انقضاء لها أبدا.
وقام زهير بن القين فقال: والله لوددت أني قتلت نشرت ثم قتلت حتى اقتل
هكذا ألف مرة، وأن الله يدفع بذلك القتل عن نفسك، وعن أنفس هؤلاء الفتيان من أهل
بيتك.
_______________
(1)
في المصدر: لا أظن.
(2)
مر معنى المثل في ص 316 و 323 فراجع.
===============
( 394 )
وتكلم جماعة أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضا في وجه واحد فجزاهم الحسين خيرا
وانصرف إلى مضربه (1).
وقال السيد: وقيل لمحمد بن بشر الحضرمي في تلك الحال: قد اسر ابنك بثغر
الري، فقال: عند الله احتسبه ونفسي ما احب أن يؤسر وأنا أبقى بعده، فسمع الحسين
(عليه السلام) قوله، فقال: رحمك الله أنت في حل
من بيعتي فاعمل في فكاك ابنك فقال: أكلتني السباع حيا إن فارقتك، قال: فأعط ابنك
هذه الاثواب البرود يستعين بها في فداء أخيه، فأعطاه خمسة أثواب قيمتها ألف دينار.
قال: وبات الحسين وأصحابه تلك الليلة، ولهم دوي كدوي النحل، ما بين راكع
وساجد، وقائم وقاعد، فعبر إليهم في تلك الليلة من عسكر عمر بن سعد اثنان وثلاثون
رجلا.
إلى هنا انتهى الجزء الثاني من المجلد العاشر، ويليه الجزء الثالث وأوله:
فلما كان الغداة أمر الحسين
(عليه
السلام) بفسطاطه..
ابتداء المقتل من يوم عاشوراء.
_______________
(1)
ارشاد المفيد ص 213 و 215.
===============
( 395 )
كلمة المصحح:
بسم الله الرحمن الرحيم الحمدلله. والصلاة والسلام على رسول الله. وعلى
آله الاطيبين امناء الله.
وبعد: فهذا هو الجزء الثاني من المجلد العاشر من كتاب بحار الانوار حسب
تجزئة المصنف - رضوان الله عليه - والجزء الرابع والاربعون حسب تجزئتنا وفقنا الله
العزيز لاتمامه بفضله ومنه.
نسخة الاصل:
ومن منن الله علينا ان أظفرنا بنسخة
المؤلف قدس سره - بخط يده - وهي مضبوطة في خزانة مكتبة المسجد الاعظم لازالت
دائرة، بقم، لمؤسسه وبانيه فقيه الامة وفقيد اسرتها آية الله المرحوم الحاج آقا
حسين الطباطبائي البروجردي - رضوان الله عليه - فقابلنا طبعتنا هذه على تلك
النسخة، وراجعنا المصادر والنسخ المطبوعة الاخر التي او عزنا اليها في الذيل فجاء
بحمد الله احسن النسخ طباعة وأتقنا وأصحها تحقيقا.
وسنعرف هذه النسخة الثمينة مع صورتها الفتوغرافية في المجلد الاتي آخر أجزاء
العاشر بحول الله وقوته.
ولايسعنا دون ان نشكر فضيلة نجله الزاكي وخلفه الصدق حجة الاسلام
والمسلمين الحاج السيد محمد حسن الطباطبائي دام افضاله حيث تفضل علينا بهذه النسخة
الكريمة حتى قابلناها مع نسختنا من البدو إلى الختم فله الشكر الجزيل والثناء
الحسن جزاه الله عن الاسلام والمسلمين خير الجزاء. محمد باقر البهبودي صفر المظفر
1385