( 359 )
17
* (باب) *
* (خطبة بعد شهادة أبيه صلوات الله عليهما) *
" وبيعة الناس له "
1 - لى: أبي، عن السعد آبادي، عن البرقي، عن أبيه، عن أحمد بن النضر عن
عمرو بن شمر، عن جابر، عن الثمالي، عن حبيب بن عمرو قال: لما توفي أميرالمؤمنين
(عليه السلام) وكان من الغد قام الحسن
(عليه السلام) خطيبا على المنبر فحمد الله و
أثنى عليه ثم قال:
أيها الناس في هذه الليلة نزل القرآن وفي هذه الليلة رفع عيسى بن مريم، و
في هذه الليلة قتل يوشع بن نون، وفي هذه الليلة مات أبي أميرالمؤمنين والله لايسبق
أبي أحد كان قبله من الاوصياء إلى الجنة ولا من يكون بعده، وإن كان رسول الله
(صلى الله عليه واله) ليبعثه في السرية، فيقاتل جبرئيل
عن يمينه، وميكائيل عن يساره وماترك صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت من
عطائه، كان يجمعها ليشتري بها خادما لاهله.
2 - جا، ما:
المفيد، عن إسماعيل بن محمد الانباري، عن إبراهيم بن محمد الازدي، عن شعيب بن
أيوب، عن معاوية بن هشام، عن سفيان، عن هشام ابن حسان قال: سمعت أبا محمد الحسن بن
علي
(عليهما السلام) يخطب الناس بعد البيعة له بالامر
فقال: نحن حزب الله الغالبون، وعترة رسول الاقربون، وأهل بيته الطيبون، الطاهرون، وأحد
الثقلين الذين خلفهما رسول الله
(صلى
الله عليه واله) في امته والتالي كتاب الله، فيه تفصيل كل شئ لا يأتيه الباطل من بين يديه
ولا من خلفه فالمعول علينا في تفسيره لانتظنى تأويله بل نتيقن حقائقه، فأطيعونا
فان طاعتنا مفروضة إذ كانت بطاعة الله عزوجل ورسوله مقرونة، قال الله عزوجل:
" يا -
===============
( 360 )
أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول واولي الامر منكم فان
تنازعتم في شئ فردوه إلى الله والرسول (1) " ولورد وه إلى الرسول وإلى اولي
الامر منهم لعلمه الذين يستنبطونه منهم " (2) واحذركم الاصغاء لهتاف الشيطان
فإنه لكم عدو مبين، فتكونوا أولياءه الذين قال لهم: " لاغالب لكم اليوم من
الناس وإني جارلكم فلما تراءت الفئتان نكص على عقبيه وقال: إني برئ منكم إني أرى
مالا ترون " (3) فتلقون إلى الرماح وزرا، وإلى السيوف جزرا، وللعمد حطما،
وللسهام غرضا، ثم لا ينفع نفسا إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها
خيرا.
بيان: قال الجوهري: التظني إعمال الظن وأصله التظنن ابدل من إحدى النونات
ياء قوله
(عليه السلام) " وزراء " الوزر
محركة: الجبل المنيع، وكل معقل والملجأ، والمعتصم، والوزر بالكسر: الاثم والثقل
والكارة الكبيرة والسلاح، والحمل الثقيل، ووزر الرجل: غلبه وأوزره: أحزره وذهب به
كاستوزره، وجعل له وزرا وأوثقه وخبأه كل ذلك ذكره الفيروز آبادي والاظهر أنه الوزر
بالتحريك أي تكونون معاقل للرماح تأوي إليكم، ويحتمل أن يكون بالكسر أي لوزركم
وإثمكم أو الحال أنكم كالحمل الثقيل.
وقال الجوهري: الجزور من الابل يقع على الذكر والانثى والجمع الجزر
وجزرالسباع: اللحم الذي تأكله، يقال: تركوهم جزرا بالتحريك إذا قتلوهم. والجزر
أيضا: الشاة السمينة وقال الجزري فيه: أبشر بجزرة سمينة أي شاة صالحة لان تجزر أي
تذبح للاكل ومنه حديث الضحية فانما هي زجرة أطعمها أهله وتجمع على جزر بالفتح ومنه
حديث موسى والحسرة: حتى صارت حبالهم للثعبان جزرا وقد تكسر الجيم انتهى والاظهر
أنه بالتحريك. والحطم:
الكسر أو خاص باليابس، وصعدة حطم ككسر ما تكسر من اليبيس، ذكره
_______________
(1)
و (2) النساء: 58 و 83. (3) الانفال: 48. (*)
===============
( 361 )
الفيروز آبادي فهو إما بالتحريك وإن لم يرد في هذا المقام فانه وزن معروف
أو بكسر الحاء وفتح الطاء كما ذكره الفيروز آبادي، والعمد بالتحريك وبضمتين جمع
العمود أي تحطمكم وتكسر كم العمد، ونصب الجميع بالحالية إن قرئ فتلقون على بناء
المجهول، ويحتمل التميز، وبالمفعولية إن قرئ على بناء المعلوم.
3 - ما:
أبوعمرو، عن ابن عقدة، عن علي بن الحسين بن عبيد، عن إسماعيل بن أبان، عن سلام بن
أبي عمرة، عن معروف، عن أبي الطفيل قال:
خطب الحسن بن علي
(عليهما
السلام) بعد وفاة علي
(عليه
السلام) وذكر أميرالمؤمنين فقال: خاتم الوصيين ووصي خاتم الانبياء، وأمير
الصديقين والشهداء والصالحين، ثم قال:
أيها الناس لقد فارقكم رجل ما سبقه الاولون، ولا تدركه الاخرون، لقد كان
رسول الله
(صلى الله
عليه واله) يعطيه الراية فيقاتل جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن يساره فما يرجع حتى
يفتح الله عليه ما ترك ذهبا ولا فضة إلا شئ على صبي له، وما ترك في بيت المال إلا
سبعمائة درهم فضلت من عطائه أراد أن يشتري بها خادما لام كلثوم.
ثم قال: من عرفني فقد عرفني ومن لم يعرفني فأنا الحسن بن محمد النبي
(صلى الله عليه واله)
ثم تلى هذه الاية قول يوسف: " واتبعت
ملة آبائي إبراهيم وإسحاق ويعقوب " (1)
أنا ابن البشير، وأنا ابن النذير، وأنا ابن الداعي إلى الله، وأنا ابن
السراج المنير وأنا ابن الذي ارسل رحمة للعالمين، وأنا من أهل البيت الذين أذهب
الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا، وأنا من أهل البيت الذين كان جبرئيل ينزل عليهم،
ومنهم كان يعرج، وأنا من أهل البيت الذين افترض الله مودتهم وولايتهم، فقال فيما
انزل على محمد
(صلى الله
عليه واله): " قل لا أسألكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة
" (2) واقتراف الحسنة مودتنا.
فر: عن أبي الطفيل مثله.
4 - شا: كان
الحسن
(عليه السلام) وصي أبيه أميرالمؤمنين
(عليه السلام) على أهله وولده
_______________
(1)
يوسف: 38.
(2)
الشورى: 22. (*)
===============
( 362 )
وأصحابه، ووصاه بالنظر في وقوفه وصدقاته، وكتب إليه عهدا مشهورا ووصية
ظاهرة في معالم الدين وعيون الحكمة والاداب، وقد نقل هذه الوصية جمهور العلماء
واستبصربها في دينه ودنياه كثير من الفقهاء، ولما قبض أميرالمؤمنين
(عليه السلام) خطب الناس الحسن وذكر حقه فبايعه
أصحاب أبيه على حرب من حارب، وسلم من سالم.
وروى أبومخنف لوط بن يحيى قال: حدثني أشعث بن سوار، عن أبي إسحاق السبيعي
وغيره، قال: خطب الحسن بن علي
(عليهما
السلام) في صبيحة الليلة التي قبض فيها أميرالمؤمنين
(عليه السلام) فحمد الله وأثنى عليه وصلى على
رسول الله
(صلى الله
عليه واله) ثم قال:
لقد قبض في هذه الليلة رجل لم يسبقه الاولون بعمل، ولم يدركه الاخرون بعمل
لقد كان يجاهد مع رسول الله
(صلى
الله عليه واله) فيقيه بنفسه، وكان رسول الله
(صلى
الله عليه واله) يوجهه برايته، فيكنفه جبرئيل عن يمينه، وميكائيل عن شماله، ولا يرجع حتى
يفتح الله على يديه، ولقد توفي في الليلة التي عرج فيها بعيسى بن مريم، والتي قبض
فيها يوشع بن نون [وصي موسى]، وما خلف صفراء ولا بيضاء إلا سبعمائة درهم فضلت عن
عطائه، أراد أن يبتاع بها خادما لاهله.
ثم خنقته العبرة فبكى وبكى الناس من حوله معه، ثم قال: أنا ابن البشير أنا
ابن النذير أنا ابن الداعي إلى الله باذنه أنا ابن السراج المنير، أنا من أهل بيت
أذهب الله عنهم الرجس وطهرهم تطهيرا أنا من أهل بيت فرض الله مودتهم في كتابه فقال
تعالى: " قل لا أسئلكم عليه أجرا إلا المودة في القربى ومن يقترف حسنة نزدله
فيها حسنا " (1) فالحسنة مودتنا أهل البيت ثم جلس.
فقام عبدالله بن العباس رحمه الله بين يديه فقال: معاشر الناس هذا ابن
نبيكم ووصي إمامكم فبايعوه فاستجاب له الناس فقالوا: ما أحبه إلينا وأوجب حقه
علينا وبادروا إلى البيعة له بالخلافة، وذلك [في] يوم الجمعة الحادي والعشرين من
شهر رمضان سنة أربعين من الهجرة.
_______________
(1)
الشورى: 22. (*)
===============
( 363 )
فرتب العمال، وأمر الامراء، وأنفذ عبدالله بن العباس إلى البصرة ونظر في
الامور.
أقول: روى هذه الخطبة ابن أبي الحديد، عن أبي الفرج، عن عمرو بن ثابت، عن
أبي إسحاق السبيعي، عن هبيرة بن مريم، ورأيت أيضا في كتاب المقاتل لابي الفرج
الاصفهاني مثله.
5 - قب: بويع
(عليه السلام) بعد أبيه يوم الجمعة الحادي
والعشرين من شهر رمضان في سنة أربعين وكان عمره
(عليه السلام) لما بويع سبعا وثلاثين سنة.
6 - نص:
الحسين بن محمد بن سعيد الخزاعي، عن الجوهري، عن عتبة ابن الضحاك، عن هشام بن
محمد، عن أبيه قال: لما قتل أميرالمؤمنين
(عليه السلام) رقى الحسن ابن علي
(عليهما السلام) المنبر فأراد الكلام فخنقته
العبرة، فقعد ساعة ثم قام فقال: الحمد لله الذي كان في أوليته وحدانيا في أزليته،
متعظما بإليهته، متبكرا بكبريائه وجبروته، ابتدأ ما ابتدع، وأنشأما خلق، على غير
مثال كان سبق مما خلق.
ربنا اللطيف بلطف ربوبيته، وبعلم خبره فتق، وبإحكام قدرته خلق جميع ما
خلق، فلا مبدل لخلقه، ولا معير لصنعه، ولا معقب لحكمه، ولا راد لامره ولا مستراح
عن دعوته، خلق جميع ما خلق، ولا زوال لملكه، ولا انقطاع لمدته فوق كل شئ علا، ومن
كل شئ دنا، فتجلى لخلقه من غير أن يكون يرى وهو بالمنظر الاعلى.
احتجب بنوره، وسما في علوه، فاستتر عن خلقه، وبعث إليهم شهيدا عليهم وبعث
فيهم النبيين مبشرين ومنذرين، ليهلك من هلك عن بينة، ويحيى من حي عن بينة، وليعقل
البعاد عن ربهم ما جهلوه، فيعرفوه بربوبيته بعد ما أنكروه.
والحمد الله الذي أحسن الخلافة علينا أهل البيت، وعنده نحتسب عزانا في خير
الاباء رسول الله
(صلى الله
عليه واله)، وعندالله نحتسب عزانا في أميرالمؤمنين، ولقد اصيب به الشرق والغرب،
والله ما خلف درهما ولا دينارا إلا أربعمائة درهم، أراد أن
===============
( 364 )
يبتاع لاهله خادما، ولقد حدثني حبيبي جدي رسول الله
(صلى الله عليه واله) أن الامر يمكله اثنا عشر إماما
من أهل بيته وصفوته، مامنا إلا مقتول أو مسموم.
ثم نزل عن منبره، فدعا بابن ملجم لعنه الله فاتي به، قال: ياابن رسول الله
استبقني أكن لك، وأكفيك أمر عدوك بالشام، فعلاه الحسن
(عليه السلام) بسيفه فاستقبل السيف بيده فقطع
خنصره ثم ضربه ضربة على يافوخه فقتله، لعنة الله عليه. * *
إلى هنا انتهى الجزءالاول من المجليد العاشر ويليه الجزء الثاني وأوله باب العلة التي من أجلها صالح الحسن بن علي (عليهما السلام) معاوية بن أبي سفيان.