( 155 ) 

7

* (باب) *

* (ماوقع عليها من الظلم وبكائها وحزنها وشكايتها) *

* (في مرضها إلى شهادتها وغسلها ودفنها، وبيان) *

* (العلة في اخفاء دفنها صلوات الله عليها) *

* (ولعنة الله على من ظلمها) *

1 - ل: ابن الوليد، عن الصفار، عن ابن معروف، عن محمد بن سهيل البحراني يرفعه إلى أبي عبدالله الصادق (عليه السلام) قال: البكاؤن خمسة: آدم، ويعقوب، ويوسف وفاطمة بنت محمد، وعلي بن الحسين (عليهم السلام)، فأما آدم فبكى على الجنة حتى صار في خدية أمثال الاودية، وأما يعقوب فبكى على يوسف حتى ذهب بصره وحتى قيل له: " تالله تفتؤ تذكر يوسف حتى تكون حرضا أو تكون من الهالكين " (1)

وأما يوسف فبكى على يعقوب حتى تأذي به أهل السجن فقالوا له: إما أن تبكي بالليل وتسكت بالنهار وإما أن تبكي بالنهار وتسكت بالليل، فصالحهم على واحدة منهما، وأما فاطمة فبكت على رسول الله (صلى الله عليه واله) حتى تأذي به أهل المدينة فقالوا لها: قد آذيتينا بكثرة بكائك، فكانت تخرج إلى المقابر مقابر الشهداء فتبكي حتى تقضي حاجتها ثم تنصرف، وأما علي بن الحسين فبكى على الحسين (عليه السلام) عشرين سنة أو أربعين سنة، ما وضع بين يديه طعام إلا بكى، حتى قال له مولى له: جعلت فداك يا ابن رسول الله إني أخاف عليك أن تكون من الهالكين قال:

إنما أشكو بثي وحزني إلى الله وأعلم من الله ما لا تعلمون، إني لم أذكر مصرع بني فاطمة إلا خنقتني لذلك عبرة.

لى - الحسين بن أحمد بن إدريس، عن أبيه، عن ابن عيسى، عن ابن معروف مثله.

_______________

 (1) يوسف: 85. (*)

 

===============

( 156 )

2 - ما: المفيد، عن الصدوق، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن محمد بن عبد الجبار، عن ابن أبي عمير، عن أبان بن عثمان، عن أبان بن تغلب، عن عكرمة، عن عبدالله بن العباس قال: لما حضرت رسول الله (صلى الله عليه واله) الوفاة بكى حتى بلت دموعه لحيته، فقيل له: يارسول الله ما يبكيك؟ فقال: أبكي لذريتي وما تصنع بهم شرار امتي من بعدي، كأني بفاطمة بنتي وقد ظلمت بعدي وهي تنادي يا أبتاه، فلا يعينها أحد من امتي، فسمعت ذلك فاطمة (عليها السلام) فبكت، فقال رسول الله (صلى الله عليه واله):

لا تبكين يابنية، فقالت: لست أبكي لما يصنع بي من بعدك، ولكني أبكي لفراقك يارسول الله، فقال لها: ابشري يابنت محمد بسرعة اللحاق بي فانك أول من يلحق بي من أهل بيتي.

3 - ص: الصدوق، عن السناني، عن الاسدي، عن البرمكي، عن جعفر بن سليمان، عن عبدالله بن يحيى، عن الاعمش، عن عباية، عن ابن عباس قال:

دخلت فاطمة على رسول الله (صلى الله عليه واله) في مرضه الذي توفي فيه، قال: نعيت إلي نفسي، فبتكت فاطمة، فقال لها: لا تبكين فانك لا تمكثين من بعدي إلا اثنين و سبعين يوما ونصف يوم حتى تلحقي بي، ولا تحلقي بي، حتى تتحفي بثمار الجنة فضحكت فاطمة (عليها السلام).

4 - يج: قال أبوعبدالله (عليه السلام): إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) خمسة وسبعين يوما، وكان دخلها حزن شديد على أبيها، وكان جبرئيل يأتيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه في الجنة ويخبرها ما يكون بعدها في ذريتها، وكان علي يكتب ذلك.

5 - قب (1): دخلت ام سلمة على فاطمة (عليها السلام) فقالت لها: كيف أصبحت عن ليلتك يا بنت رسول الله (صلى الله عليه واله)؟ قالت: أصبحت بين كمد وكرب، فقد النبي وظلم الوصي، هتك والله حجابه، من أصبحت إمامته مقبضة [مقتضبة] على غير

_______________

 (1) في المطبوعة شى وهو سهو لا يناسب تفسير العياشى وانمايوجد في المناقب ج 2 ص 203. (*)

 

===============

( 157 )

ما شرع الله في التنزيل، وسنها النبي (صلى الله عليه واله) في التأويل ولكنها أحقاد بدرية، وترات احدية، كانت عليها قلوب النفاق مكتمنة لامكان الوشاة، فلما استهدف الامر أرسلت عليها شآبيب الاثار من مخيلة الشقاق فيقطع وتر الايمان من قسي صدورها، ولبئس - على ما وعد الله من حفظ الرسالة وكفالة المؤمنين - أحرزوا عائدتهم غرور الدنيا بعد استنصار [انتصار]، ممن فتك بآبائهم في مواطن الكرب، ومنازل الشهادات.

أقول: كان الخبر في المأخوذ منه مصحفا محرفا، ولم أجده في موضع آخرا صححه به فأوردته على ما وجدته.

6 - من بعض كتب المناقب: عن سعد بن عبدالله الهمداني، عن سليمان ابن إبراهيم، عن أحمد بن موسى بن مردويه، عن جعفر بن محمد بن مروان، عن أبيه، عن سعيد بن محمد الجرمي، عن عمرو بن ثابت، عن أبيه، عن حبة، عن علي (عليه السلام) قال: غسلت النبي (صلى الله عليه واله) في قميصه، فكانت فاطمة تقول: أرني القميص فإذا شمته غعشي عليها، فلما رأيت ذلك غيبته.

7 - يه (1): روي [أنه] لما قبض النبي (صلى الله عليه واله) امتنع بلال من الاذان، قال لا اؤذن لاحد بعد رسول الله (صلى الله عليه واله)، وإن فاطمة (عليها السلام) قالت ذات يوم، إني أشتهي أن أسمع صوت مؤذن أبي (صلى الله عليه واله) بالاذن، فبلغ ذلك بلالا، فأخذ في الاذان، فلما قال: الله أكبر الله أكبر، ذكرت أباها وأيامه، فلم تتمالك من البكاء، فلما بلغ إلى قوله: أشهد أن محمدا رسول لله شهقت فاطمة (عليها السلام) وسقطت لوجهها وغشي عليها، فقال الناس لبلال: أمسك يابلال فقد فارقت ابنة رسول (صلى الله عليه واله) الدنيا، وظنوا أنها قدماتت، فقطع أذانه ولم يتمه فأفاقت فاطمة (عليها السلام) وسألته أن يتم الاذان، فلم يفعل، وقال لها: ياسيدة النسوان إني أخشى عليك مما تنزلينه بنفسك إذا سمعت صوتي بالاذان، فأعفته عن ذلك.

_______________

 (1) في النسخة المطبوعة ير وهو سهو والحديث يوجد في الفقيه باب الاذان.

فراجع. (*)

 

===============

( 158 )

8 - مع: حدثنا أحمد بن الحسن القطان، قال: حدثنا عبدالرحمان ابن محمد الحسيني، قال: حدثنا أبوالطيب محمد بن الحسين بن حميد اللخمي، قال:

حدثنا أبوعبدالله محمد بن زكريا، قال: حدثنا محمد بن عبدالرحمان المهلبي، قال:

حدثنا عبدالله بن محمد بن سليمان، عن أبيه، عن عبدالله بن الحسن، عن امه فاطمة بنت الحسين (عليه السلام) قالت: لما اشتدت علة فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) وغلبها، اجتمع عندها نساء المهاجرين والانصار، فقلن لها: يا بنت رسول الله: كيف أصبحت عن علتك؟

فقالت (عليها السلام): أصبحت والله عائفة لدنيا كم، قالبة لرجالكم، لفظتهم قبل أن عجمتهم وشنئتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد، وخور القناة، وخطل الرأي، و بئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لاجرم لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم غارها فجدعا، وعقرا، وسحقا للقوم الظالمين.

ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة، ومهبط الوحي الامين، والطبين بأمر الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين، وما نقموا من أبي الحسن، نقموا والله منه نكير سيفه، وشدة وطئه، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله عزوجل.

والله لو تكافوا عن زمام نبذه رسول الله (صلى الله عليه واله) إليه لا عتلقه، ولساربهم سيرا سجحا، لايكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولاورد هم منهلا نميرا فضفاضا تطفح ضفتاه ولاصدرهم بطانا، قد تحيربهم الري غير متحل منه بطائل إلا بغمر الماء وردعة شررة الساغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والارض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

ألا هلم فاسمع وما عشت أراك الدهر العجب، وإن تعجب فقد أعجبك الحادث إلى أي سناد استندوا، وبأي عروة تمسكوا، استبدلوا الذنابى والله بالقوادم والعجز بالكاهل. فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لايهدي إلا أن يهدى فمالكم كيف تحكمون.

 

===============

( 159 )

أما لعمر إلهك لقد لقحت فنظره ريث ما تنتج ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا، وذعافا ممقرا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما سن الاولون، ثم طيبوا عن أنفسكم أنفسا، وطأمنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم، وهرج شامل، واستبداد من الظالمين يدع فيئكم زهيدا، وزرعكم حصيدا فياحسرتى لكم، وأنى بكم، وقد عميت [قلوبكم] عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كارهون. ثم قال: وحدثنا بهذا الحديث [أبوالحسن] علي بن محمد بن الحسن المعروف بابن مقبرة القزويني قال: أخبرنا أبوعبدالله جعفر بن محمد بن حسن بن جعفر بن حسن بن حسن بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثنا محمد بن علي الهاشمي، قال: حدثنا عيسى بن عبدالله بن محمد بن عمر بن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: حدثني أبي، عن أبيه، عن جده، عن علي بن أبي طالب (عليه السلام) قال: لما حضرت فاطمة (عليها السلام) الوفاة دعتني فقالت: أمنفذ أنت وصيتي وعهدي؟ قال:

قلت: بلى انفذها فأوصت إليه وقالت: إذا أنا مت فادفني ليلا ولا توذنن رجلين ذكرتهما، قال: فلما اشتدت علتها اجتمع إليها نساء المهاجرين والانصار فقلن: كيف أصبحت يا بنت رسول الله من علتك؟ فقالت: أصبحت والله عائفة لدنياكم، وذكر الحديث نحوه.

قال الصدوق - رحمه الله -: سألت أبا أحمد الحسين بن عبدالله بن سعيد العسكري عن معنى هذا الحديث فقال: أما قولها صلوات الله عليها: عائفة إلى آخرما ذكره (1) وسنوردها في تضاعيف ما سنذكره في شرح الخطبة على اختلاف رواياتها.

9 - ج: قال سويد بن غفلة: لما مرضت فاطمة (عليها السلام) المرضة التي توفيت فيها اجتمع إليها نساء المهاجرين والانصار يعدنها، فقلن لها: كيف أصبحت من علتك يا ابنة رسول الله؟ فحمدت الله وصلت على أبيها (صلى الله عليه واله) ثم قالت.

أصبحت والله عائفة لدنيا كن، قالية لرجالكن، لفظتهم بعد أن عجمتهم

_______________

 (1) راجع معانى الاخبار ص 356 ط مكتبة الصدوق. (*)

 

===============

( 160 )

وشنأتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لفلول الحد واللعب بعد الجد، وقرع الصفاة وصدع القناة، وخطل الاراء، وزلل الاهواء، وبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لا جرم لقد قلدتهم ربقتها، وحملتهم أوقتها، وشننت عليهم غارها، فجدعا، وعقرا، وبعدا للقوم الظالمين.

ويحهم أنى زغرعوها عن رواسي الرسالة، وقواعد النبوة والدلالة، ومهبط الروح الامين، والطبين بامور الدنيا والدين، ألا ذلك هو الخسران المبين.

وما الذي نقموا من أبي الحسن، نقموا منه والله نكير سيفه، وقلة مبالاته بحتفه، وشدة وطأته، ونكال وقعته، وتنمره في ذات الله.

وتالله لو مالوا عن المحجة اللائحة، وزالوا عن قبول الحجة الواضحة لردهم إليها، وحملهم عليها، ولساربهم سيرا سجحا لايكلم خشاشه، ولايكل سائره، ولا يمل راكبه، ولاوردهم منهلا نميرا صافيا رويا تطفح ضغتاه، ولا يترنق جانباه ولا صدرهم بطانا، ونصح لهم سرا وإعلانا، ولم يكن يحلي من الغني بطائل، ولا يحظي من الدنيا بنائل، غيرري الناهل، وشبعة الكافل، ولبان لهم الزاهد من الراغب، والصادق من الكاذب، ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والارض ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون، والذين ظلموا من هؤلاء سيصيبهم سيئات ما كسبوا وما هم بمعجزين، ألا هلم فاستمع وما عشت أراك الدهر عجبا وإن تعجب فعجب قولهم، ليت شعري إلى أي سناد استندوا وعلى أي عماد اعتمدوا، وبأية عروة تمسكوا. وعلى أيه ذرية أقدموا واحتنكوا لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا، استبدلوا والله الذنابى بالقوادم، و العجز بالكاهل، فرغما لمعاطس قوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، ويحهم أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أمن لايهدي إلا أن يهدى فما لكم كيف تحكمون.

أما لعمري لقد لقحت فنظره ريثما تنتج، ثم احتلبوا ملء القعب دما عبيطا وذعافا مبيدا، هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون، غب ما أسس الاولون

 

===============

( 161 )

ثم طيبوا عن دنياكم أنفسا، واطمئنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم وسطوه معتد غاشم، وبهرج شامل، واستبداد من الظالمين، يدع فيئكم زهيدا وجمعكم حصيدا، فياحسرة لكم، وأنى بكم، وقد عميت عليكم أنلزمكموها وأنتم لها كاركون.

قال سويد بن غفلة: فأعادت النساء قولها (عليها السلام) على رجالهن فجاء إليها قوم من وجوه المهاجرين والانصار معتذرين، وقالوا: ياسيدة النساء لو كان أبوالحسن ذكرلنا هذا الامر من قبل أن نبرم العهد، ونحكم العقد، لما عدلنا إلى غيره فقالت (عليها السلام): إليكم عني فلا عذر بعد تعذير كم، ولا أمر بعد تقصيركم.

10 - ما: الحفار، عن إسماعيل بن علي الدعبلي، عن أحمد بن علي الخزاز، عن أبي سهل الدقاق، عن عبد الرزاق، وقال الدعلبي: وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الديري، عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود، عن ابن عباس قال: دخلن نسوة من المهاجرين والانصار على فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) يعدنها في علتها، فقلن: السلام عليك يا بنت رسول الله - (صلى الله عليه واله) - كيف أصبحت؟ فقالت:

أصبحت والله عائفة لدنيا كن، قاليد لرجا لكن، لفظتهم بعد إذ عجمتهم وسئمتهم بعد أن سبرتهم، فقبحا لافون الرأي، وخطل القول، وخور القناة، و لبئس ما قدمت لهم أنفسهم أن سخط الله عليهم وفي العذاب هم خالدون، لاجرم والله لقد قلدتهم ربقتها، وشننت عليهم غارها، فجدعا ورغما للقوم الظالمين.

ويحهم أنى زحزحوها عن أبي الحسن، ما نقموا والله منه إلا نكير سيفه و نكال وقعة، وتنمره في ذات الله، وتالله لو تكافوا عليه عن زمام نبذه إليه رسول الله (صلى الله عليه واله) لا عتلقه، ثم لساربهم سيرة سجحا، فانه قواعد الرسالة، ورواسي النبوة، ومهبط الروح الامين، والطبين بأمر الدين والدنيا والآخرة ألا ذلك هو الخسران المبين.

والله لا يتكلم خشاشه، ولا يتعتع راكبه، ولاوردهم منهلا رويا فضفاضا

 

===============

( 162 )

تطفح ضفته، ولاصدرهم بطانا قد خثربهم الري غير متحل بطائل إلا تغمر الناهل ودرع سورة سغب، ولفتحت عليهم بركات من السماء والارض، وسيأخذهم الله بما كانوا يكسبون.

فهلم فاسمع فما عشت أراك الدهر عجبا، وإن تعجب بعد الحادث فما بالهم؟

بأي سند استندوا، أم بأية عرؤة تمسكوا، لبئس المولى ولبئس العشير، وبئس للظالمين بدلا.

استبدلوا الذنابى بالقوادم، والحرون بالقاحم، والعجز بالكاهل، فتعسالقوم يحسبون أنهم يحسنون صنعا ألا إنهم هم المفسدون ولكن لا يشعرون، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يتبع أن لايهدي إلا أن يهدي فمالكم كيف تحكمون.

لقحت فنظرة ريث ما تنتج، ثم احتلبوا طلاع القعب دما عبيطا، وذعافا ممضا هنالك يخسر المبطلون، ويعرف التالون غب ما أسكن الاولون، ثم طيبوا بعد ذلك عن أنفسكم لفتنها، ثم اطمئنوا للفتنة جأشا، وأبشروا بسيف صارم، وهرج دائم شامل، واستبداد من الظالمين، فزرع فيئكم زهيدا، وجمعكم حصيدا، فياحسرة لهم، وقد عيمت عليهم الانباء أنلزمكموها وأنتم لها كارهون.

بيان: أقول: روى صاحب كشف الغمة الروايتين اللتين أوردهما الصدوق عن كتاب السقيفة بحذف الاسناد، ورواه ابن أبي الحديد في شرح نهج البلاغة عن أحمد بن عبدالعزيز الجوهري، عن محمد بن زكريا، عن محمد بن عبدالرحمان إلى آخرما أورده الصدوق وإنما أوردتها مكررة للاختلاف الكثير بين رواياتها وشدة الاعتناء بشأنها، ولنشرحها لا حتياج جل فقراتها إلى الشرح والبيان زيادة على ما أورده الصدوق والله المستعان.

قولها (عليها السلام): " عائفة " أي كارهة، يقال: عاف الرجل الطعام يعافيه عيافا إذا كره، و " القالية ": المبغضة قال تعالى: " ماودعك ربك وما قلى " (1) ولفظت

 الشئ من فمي: أي رميته وطرحته، و " العجم ": العض تقول: عجمت العود أعجمه

* (هامش) (1) الضحى: 3. (*)

 

===============

( 163 )

بالضم إذا عضضته " وشنأه " كمنعه وسمعه: أبغضه، وسبرتهم أي اختبرتهم، فعلى ما في أكثر الروايات المعنى: طرحتهم وأبغضتهم بعد امتحانهم ومشاهدة سيرتهم وأطوارهم وعلى رواية الصدوق المعنى: أني كنت عالمة بقبح سيرتهم وسوء سريرتهم فطرحتهم، ثم لما اختبرتهم شنئتهم وأبغضتهم أي تأكد إنكاري بعد الاختبار، ويحتمل أن يكون الاول إشارة إلى شناعة أطوارهم الظاهرة، والثاني إلى خبث سرائرهم الباطنة.

قولها (عليها السلام): فقبحا لفلول الحد إلى قولها: خالدون، قبحا بالضم مصدر حذف فعله إما من قولهم: قبحه الله قبحا، أو من قبح بالضم قباحة، فحرف الجر على الاول داخل على المفعول، وعلى الثاني على الفاعل " والفلول " بالضم جمع فل بالفتح، وهو الثلمة والكسر في حد السيف، وحكى الخليل في العين أنه يكون مصدرا ولعله أنسب بالمقام، وحد الشئ شباته، وحد الرجل بأسه، " والخور " بالفتح والتحريك: الضعف، و " القناة ": الرمح و " الخطل ": بالتحريك المنطق الفاسد المضطرب، وخطل الرأي فساده واضطرابه.

قولها (عليها السلام): " اللعب بعد الجد " أي أخذتم دينكم باللعب والباطل بعد أن كنتم مجدين فيه آخذين بالحجة.

قولها (عليها السلام): وقرع الصفاة " الصفاة " الحجر الاملس أي جعلتم أنفسكم مقرعا لخصامكم حتى قرعوا صفاتكم أيضا قال الجزري في حديث معاوية: يضرب صفاتها بمعوله، وهو تمثيل أي اجتهد عليه وبالغ في امتحانه واختباره، ومنه الحديث:

لايقرع لهم صفاة، أي لاينالهم أحد بسوء، انتهى.

أقول: لايبعد أن يكون كناية عن عدم تأثير حيلتهم بعد ذلك، وفلول حدهم، كما أن من يضرب السيف على الصفاة لايؤثر فيها ويفل السيف.

وصدع القناة: شقها، والسأمة: الملال، وقال الجزري: في حديث علي: إياك ومشاورة النساء فإن رأيهن إلى أفن. الافن النقص، ورجل أفن ومأفون أي ناقص العقل وقوله تعالى: " أن سخط الله " هو المخصوص بالذم، أو علة الذم، والمخصوص محذوف أي لبئس شيئا ذلك لان كسبهم السخط والخلود.

 

===============

( 164 )

قولها (عليها السلام): لاجرم لقد قلدتهم ربقتها، لاجرم كلمة تورد لتحقيق الشئ، و الربقة في الاصل عروة في حبل تجعل في عنق البهيمة أويدها تمسكها، ويقال للحبل الذي تكون فيه الربقة ربق وتجمع على ربق ورباق وأرباق، والضمير في ربقتها راجع إلى الخلافة المدلول عليها بالمقام، أو إلى فدك، أو حقوق أهل البيت (عليهم السلام) أي جعلت إثمها لازمة لرقابهم كالقلائد.

قولها: وشننت عليهم غارها، الشن: رشن الماء رشا متفرقا، والسن بالمهملة الصب المتصل ومنه قولهم: شبت عليهم الغارة إذا فرقت عليهم من كل وجه.

قولها: وحملتهم أوقتها قال الجوهري: الاوق: الثقل يقال: ألقى عليه أوقه، وقد أوقته تأويقا أي حملته المشقة والمكروه.

قولها (عليها السلام): فجدعا وعقرا، " الجدع " قطع الانف أو الاذن أو الشفة، وهو بالانف أخص ويكون بمعنى الحبس، و " العقر " بالفتح الجرح ويقال في الدعاء على الانسان: عقرا له وحلقا، أي عقر الله جسده وأصابه بوجع في حلقه، وأصل العقر ضرب قوائم البعير أو الشاة بالسيف، ثم اتسع فيه فاستعمل في القتل والهلاك، و هذه المصادر يجب حذف الفعل منها و " السحق " بالضم: البعد.

قولها (عليها السلام): ويحهم أنى زحزحوها عن رواسي الرسالة ويح كلمة تستعمل في الترحم والتوجع والتعجب، والزحزحة: التنحية: والتبعيد، والزعزعة:

التحريك والرواسي من الجبال: الثوابت الرواسخ، وقواعد البيت: أساسه.

قولها (عليها السلام): والطبين، هو بالطاء المهملة والباء الموحدة الفطن الحاذق.

قولها (عليها السلام): وما نقموا من أبي الحسن - إلى قولها - في ذات الله، وفي كشف الغمة وما الذي نقموا من أبي الحسن، يقال: نقمت على الرجل كضربت، وقال الكسائى: كعلمت لغة أي عتبت عليه وكرهت شيئا منه، والتنكير: الانكار والتنكر: التغير عن حال يسرك إلى حال تكرهها، والاسم النكير، وما هنا يحتمل المعنيين والاول أظهر أي إنكار سيفه فانه (عليه السلام) كان لايسل سيفه إلا لتغيير المنكرات، و " الوطأة ": الاخذة الشديدة والضغطة، وأصل الوطئ: الدوس بالقدم

 

===============

( 165 )

ويطلق على الغزو والقتل لان من يطأ الشئ برجليه فقد استقصى في هلاكه وإهانته، و " النكال ": العقوبة التي تنكل الناس، و " الوقعة ": صدمة الحرب، وتنمر فلان أي تغير وتنكر وأوعد، لان النمر لا تلقاه أبدا إلا متنكرا غضبان.

قولها: في ذات الله، قال الطيبي: ذات الشئ: نفسه وحقيقته، والمراد ما اضيف إليه، وقال الطبرسي في قوله تعالى: " وأصلحوا ذات بينكم " كناية عن المنازعة والخصومة، والذات: هي الخلقة والبنية، يقال: فلان في ذاته صالح أي في خلقته وبنية، يعني أصلحوا نفس كل شئ بينكم، أو أصلحوا حال كل نفس بينكم، وقيل: معناه وأصلحوا حقيقة وصلكم وكذلك معنى اللهم أصلح ذات البين أي أصلح الحال التي بها يجتمع المسلمون انتهى.

أقول: فالمراد بقولها: في ذات الله: أي في الله ولله بناء على أن المراة بالذات الحقيقة، أو في الامور والاحوال التي تتعلق بالله من دينه وشرعه وغيره ذلك كقوله تعالى: " إنه عليم بذات الصدور " أي المضمرات التي في الصدور.

قولها (عليها السلام): وتالله لو مالوا، أي بعد أن مكنوه في الخلافة قولها (عليها السلام) وتالله لو تكافوا - إلى قولها - بما كانوا يكسبون، التكاف، تفاعل من الكف وهو الدفع والصرف، والزمام ككتاب الخيط الذي يشد في البرة أو الخشاش ثم يشد في طرفه المقود، وقد يسمى المقود زماما، ونبذه أي طرحه، وفي الصحاح اعتلقه أي أحبه، ولعله هنا بمعنى تعلق به وإن لم أجد فيما عندنا من كتب اللغة.

والسجح، بضمتين: اللين السهل، والكلم: الجرح، والخشاش بكسر الخاء المعجمة: ما يجعل في أنف البعير من خشب ويشد به الزمام ليكون أسرع لانقياده وتعتعت الرجل أي أقلقته وأزعجته.

والمنهل: المورد وهو عين ماء ترده الابل في المراعي وتسمى المنازل التي في المفاوز على طرق السفار: مناهل. لان فيها ماء قاله الجوهري، وقال: ماء نمير أي ناجع عذبا كان أو غيره، وقال الصدوق نقلا عن الحسين بن عبدالله بن -

 

===============

( 166 )

سعيد العسكري: النمير الماء النامي في الجسد (1)، وقال الجوهري: الروي سحابة عظيمة القطر شديدة الوقع ويقال: شربت شربا رويا، والفضفاض: الواسع يقال: ثوب فضفاض، وعيش فضفاض، ودرع فضفاضة، وضعتا النهر بالكسر وقيل:

وبالفتح: أيضا: جانباه، وتطفح، أي تمتلئ حتى تفيض.

ورنق الماء كفرح ونصر وترنق: كدر، وصار الماء رونقة: غلب الطين على الماء، والترنوق: الطين الذي في الانهار والمسيل، فالظاهر أن المراد بقولها:

ولا يترنق جانباه، أنه لا ينقص الماء حتى يظهر الطين والحمأ من جانبي النهر ويتكدر الماء بذلك، وبطن كعلم: عظم بطنه من الشبع، ومنه الحديث: تغدو خماصا وتروح بطانا، والمراد عظم بطنهم من الشرب.

وتحير الماء، أي اجتمع ودار كالمتحير يرجع أقصاه إلى أدناه، ويقال:

تحيرت الارض بالماء، إذا امتلات، ولعل الباء بمعنى في أي تحير فيهم الري أو للتعدية أي صاروا حيارى لكثرة الري، والري بالكسر والفتح ضد العطش.

وفي رواية الشيخ: قد خثر، بالخاء المعجمة والثاء المثلثة أي أثقلهم من قولك: أصبح فلان خاثر النفس، أي ثقيل النفس غير طيب ولا نشيط، وحلي منه بخير كرضي أي أصاب خيرا، وقال الجوهري: قولهم: لم يحل منها بطائل أي لم يستفد منها كثيرفائدة، والتحلي: التزين، والطائل: الغناء، والمزية، والسعة والفضل، والتغمر، هو الشرب دون الري، مأخوذ من الغمر بضم الغين المعجمة وفتح الميم وهو القدح الصغير.

والناهل: العطشان والريان والمراد هنا الاول، والردع: الكف والدفع والردعة: الدفعة منه، وفي جميع الروايات سوى معاني الاخبار: سورة الساغب وفيه: شررة الساغب، ولعله من تصحيف النساخ، والشرر: ما يتطاير من النار، ولا

_______________

(1) وفى معانى الاخبار - ط مكتبة الصدوق - ص 357 - و " النمير ": الماء النامى في الحشد. وقال في ذيله بأنه الصواب فان الحشد من العين مالاينقطع ماؤها. (*)

 

===============

( 167 )

يبعد أن يكون من الشرة بمعنى الحرص.

وسورة الشئ بالفتح: حدته وشدته، والسغب: الجوع.

وقال الفيروز آبادي: الحظوة بالضم والكسر، والحظة كعدة: المكانة والحظ من الرزق، وحظي كل واحد من الزوجين عند صاحبه كرضي، والنائل:

العطية، ولعل فيه شبه القلب.

وقال الفيروز آبادي: الكافل: العائل، والذي لا يأكل أو يصل الصيام والضامن انتهى.

أقول: يمكن أن يكون هنا بكل من المعنيين الاولين ويحتمل أن يكون بمعنى كافل اليتيم، فانه لايحل له الاكل إلا بقدر البلغة، وحاصل المعنى أنه لو منع كل منهم الاخرين عن الزمام الذي نبذه رسول الله (صلى الله عليه واله) وهو تولي أمر الامة، لتعلق به أمير المؤمنين (عليه السلام) أو أخذه محبا له ولسلك بهم طريق الحق من غير أن يترك شيئا من أوامر الله أو يتعدى حدا من حدوده، ومن غير أن يشق على الامة، ويكلفهم فوق طاقتهم ووسعهم، ولفازوا بالعيش الرغيد في الدنيا والاخرة ولم يكن ينتفع من دنياهم وما يتولى من أمرهم إلا بقدر البلغة وسد الخلة.

قولها (عليها السلام): ألا هلم فاسمع، في رواية ابن أبي الحديد: ألا هلمن فاسمعن وما عشتن أرا كن الدهر عجبا، إلى أي لجأ لجأوا واستندوا وبأي عروة تمسكوا لبئس المولى ولبئس العشير ولبئس للظالمين بدلا - قال الجوهري: هلم يارجل بفتح الميم بمعنى تعال يستوي فيه الواحد والجمع والتأنيث، في لغة أهل الحجاز وأهل نجد يصرفونها فيقولون للاثنين: هلما، وللجمع: هلموا، وللمرأة:

هلمي، وللنساء: هلممن والاول أفصح، وإذا أدخلت عليه النون الثقيلة قلت:

هلمن يارجل، وللمرأة هلمن بكسر الميم وفي التثنية هلمان للمؤنث والمذكر جميعا، وهلمن يارجال بضم الميم، وهلممنان يانسوة انتهى، وعلى الروايات الاخر الخطاب عام.

قولها: وما عشتن: أي أراكن الدهر شيئا عجبا لايذهب عجبه وغرابته

 

===============

( 168 )

مدة حياتكن، أو يتجد لكن كل يوم أمر عجيب متفرع على هذا الحادث الغريب.

وقال الجوهري: شعرت بالشئ أشعر به شعرا أي فطنت له ومنه قولهم:

ليت شعري، أي ليتني علمت، واللجأ محركة: الملاذ والمعقل كالملجأ، ولجأت إلى فلان إذا استندت إليه واعتضدت به، والسناد: ما يستند إليه.

وقال الجوهري: احتنك الجراد الارض أكل ما عليها وأتى على نبتها وقوله تعالى حاكيا عن إبليس " لاحتنكن ذريته " (1) قال الفراء يريد الاستولين عليهم، والمراد بالذرية ذرية الرسول (صلى الله عليه واله).

والمولى: الناصر والمحب، والعشير: الصاحب المخالط المعاشر، ولبئس للظالمين بدلا، أي بئس البدل من اختاروه على إمام العدل وهو أمير المؤمنين (عليه السلام).

قولها (عليها السلام): استبدلوا - إلى قولها -: كيف تحكمون، الذنابى بالضم ذنب الطائر ومنبت الذنب والذنابي في الطائر أكثر استعمالا من الذنب وفي الفرس والبعير ونحوهما الذنب أكثر، وفي جناح الطائر أربع ذنابى بعد الخوافي وهي ما دون الريشات العشر من مقدم الجناح التي تسمى قوادم، والذنابي من الناس:

السفلة والاتباع.

والحرون: فرس لا ينقاد، وإذا اشتدت به الجري وقف، وقحم في الامر قحوما: رمى بنفسه فيه من غير روية، استعير الاول للجبان والجاهل، والثاني للشجاع والعالم بالامور الذي يأتي بها من غير احتياج إلى ترو وتفكر، والعجز كالعضد مؤخر الشئ يؤنث ويذكر، وهو للرجل والمرأة جميعا، والكاهل:

الحارك. وهو مابين الكتفين، وكاهل القوم عمدتهم في المهمات وعدتهم للشدائد والملمات ورغما مثلثة مصدر رغم أنفه أي لصق بالرغام بالفتح وهوالتراب، ورغم الانف يستعمل في الذل والعجز عن الانتصار والانقياد على كره، والمعاطس جمع معطس بالكسر والفتح وهو الانف وقرئ في الاية " يهدي " بفتح الهاء وكسرها وتشديد

_______________

 (1) الاسراء: 64. (*)

 

===============

( 169 )

الدال فأصله يهتدي، وبتخفيف الدال وسكون الهاء.

قولها (عليها السلام): أما لعمر إلهك، إلى آخر الخبر، وفي بعض نسخ ابن أبي الحديد:

أما لعمرالله، وفي بعضها: أما لعمر إلهكن، والعمر بالفتح والضم بمعنى العيش الطويل، ولا يستعمل في القسم إلا العمر بالفتح، ورفعه بالابتداء أي عمر الله قسمي ومعنى عمر الله بقاؤه ودوامه.

ولقحت كعلمت أي حملت، والفاعل فعلتهم، أو فعالهم، أو الفتنة، أو الازمنة والنظرة بفتح النون وكسر الظاء التأخير، واسم يقوم مقام الانظار، ونظرة إما مرفوع بالخبرية والمبتدأ محذوف كما في قوله تعالى " فنظرة إلى ميسرة " (1) أي فالواجب نظرة ونحو ذلك، وإما منصوب بالمصدرية، أي انتظروا أو أنظروا نظرة قليلة، والاخير أظهر كما اختاره الصدوق.

وريثما تنتج: أي قدر ما تنتج، يقال: نتجت الناقة على مالم يسم فاعله تنتج نتاجا وقد نتجها أهلها نتجا وأنتجت الفرس إذا حان نتاجها.

والقعب: قدح من خشب يروي الرجل، أو قدح ضخم، واحتلاب طلاع القعب هو أن يمتلئ من اللبن حتى يطلع عنه ويسيل، والعبيط: الطري، والذعاف كغراب: السم، والمقر بكسر القاف: الصبر، وربما يسكن، وأمقر أي صار مرا والمبيد: المهلك، وأمضه الجرج: أوجعه، وغب كل شئ: عاقبته، وطاب نفس فلان بكذا: إي رضي به من دون أن يكرهه عليه أحد، وطاب نفسه عن كذا أي رضي ببذله.

و " نفسا " منصوب على التميز، وفي كتاب ناظر عين الغريبين (2) طأمنته:

سكنته فاطمأن، والجأش مهموزا: النفس والقلب أي اجعلوا قلوبكم مطمئنة لنزول الفتنة، والسيف الصارم: القاطع، والغشم: الظلم، والهرج: الفتنة والاختلاط وفي رواية ابن أبي الحديد: وقرح شامل، فالمراد بشمول القرح، إما للافراد

_______________

 (1) البقرة: 390.

(2) كذا في النسخ المطبوعة ولم أتحققه، فراجع وتحرر. (*)

 

===============

( 170 )

أو للاعضاء.

والاستبداد بالشئ: التفردبه. والضمير المرفوع في " يدع " راجع إلى الاستبداد والفئ: الغنيمة والخراج وماحصل للمسلمين من أموال الكفار من غير حرب والزهيد: القليل، والحصيد: المحصود، وعلى رواية: زرعكم كناية عن أخذ أموالهم بغير حق، وعلى رواية: جمعكم يحتمل ذلك، وأن يكون كناية عن قتلهم واستئصالهم.

وأنى بكم، أي وأنى تلحق الهداية بكم، وعميت عليكم بالتخفيف أي خفيت والتبست، وبالتشديد على صيغة المجهول أي لبست، وقرئ في الاية بهما.

والضمائر فيها، قيل: هي راجعة إلى الرحمة المعبر عن النبوة بها، وقيل إلى البينة وهي المعجزة، أو اليقين والبصيرة في أمر الله، وفي المقام يحتمل رجوعها إلى رحمة الله الشاملة للامامة والاهتداء إلى الصراط المستقيم، بطاعة إمام العدل إو إلى الامامة الحقة وطاعة من اختاره الله وفرض طاعته، أو إلى البصيرة في الدين ونحوها، وإليكم عني: أي كفوا وأمسكوا، وقولها: بعد تعذير كم أي تقصيركم والمعذر: المظهر للعذر اعتلالا من غير حقيقة.

11 - كتاب دلائل الامامة للطبرى: عن محمد بن هارون بن موسى التلعكبري عن أبيه، عن محمد بن همام، عن أحمد البرقي، عن أحمد بن محمد بن عيسى، عن عبدالرحمن بن أبي نجران، عن ابن سنان، عن ابن مسكان، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: قبضت فاطمة (عليها السلام) في جمادى الاخرة يوم الثلثاء لثلاث خلون منه سنة إحدى عشر من الهجرة: وكان سبب وفاتها أن قنفذا مولى عمر لكزها بنعل السيف بأمره، فأسقطت محسنا، ومرضت من ذلك مرضا شديدا، ولم تدع إحدا ممن آذاها يدخل عليها.

وكان الرجلان من أصحاب النبي (صلى الله عليه واله) سألا أمير المؤمنين صلوات الله عليه أن يشفع لهما إليها، فسألها أميرالمؤمنين (عليه السلام)، فلما دخلا عليها قالا لها: كيف أنت يابنت رسول الله؟ قالت: بخير بحمدالله، ثم قالت لهما: ما سمعتما النبي

 

===============

( 171 )

يقول: فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني، ومن آذاني فقد آذي الله؟

قالا: بلى، قالت: فوالله لقد آذيتماني، قال: فخرجا من عندها (عليها السلام) وهي ساخطة عليهما.

قال محمد بن همام: وروي أنها قبضت لعشر بقين من جمادي الاخرة، وقد كمل عمرها يوم قبضت ثمانية عشر سنة وخمسا وثمانين يوما بعد وفاة أبيها، فغسلها أميرالمؤمنين (عليه السلام)، ولم يحضرها غيره والحسن والحسين وزينب وام كلثوم وفضة جاريتها وأسماء بنت عميس، وأخرجها إلى البقيع في الليل، ومعه الحسن والحسين وصلى عليها، ولم يعلم بها، ولا حضر وفاتها، ولاصلى عليها أحد من سائر الناس غيرهم، ودفنها بالروضة وعمي موضع قبرها.

وأصبح البقيع ليلة دفنت وفيه أربعون قبرا جددا، وإن المسلمين لما علموا وفاتها جاؤوا إلى البقيع، فوجدوا فيه أربعين قبرا، فأشكل عليهم قبرها من سائر القبور، فضج الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا: لم يخلف نبيكم فيكم إلا بنتا واحدة تموت وتدفن ولم تحضروا وفاتها والصلاة عليها، ولا تعرفوا قبرها.

ثم قال ولاة الامر منهم: هاتم من نساء المسلمين من ينبش هذه القبور حتى نجدها فنصلي عليها ونزور قبرها، فبلغ ذلك أمير المؤمنين صلوات الله عليه فخرج مغضبا قد احمرت عيناه، ودرت أوداجه وعليه قباه الاصفر الذي كان يلبسه في كل كريهة، وهو متوكا على سيفه ذي الفقار، حتى ورد البقيع، فسار إلى الناس النذير وقالوا: هذا علي بن أبي طالب قد أقبل كما ترونه يقسم بالله لئن حول من هذه القبور حجر ليضعن السيف على غابر الاخر.

فتلقاه عمرو من معه من أصحابه وقال له: مالك يا أبا الحسن والله لننبشن قبرها ولنصلين عليها، فضرب علي (عليه السلام) بيده إلى جوامع ثوبه فهزه، ثم ضرب به الارض، وقال له: يا ابن السوداء أما حقي فقد تركته مخافة أن يرتد الناس عن دينهم، وأما قبر فاطمة فو الذي نفس علي بيده، لئن رمت وأصحابك شيئا من ذلك لاسقين الارض من دمائكم، فان شئت فأعرض ياعمر.

 

===============

( 172 )

فتلقاه أبوبكر فقال: يا أبا الحسن بحق رسول الله وبحق من فوق العرش إلا خليت عنه فإنا غير فاعلين شيئا تكرهه، قال: فخلى عنه وتفرق الناس، ولم يعودوا إلى ذلك.

12 - ما: ابن حمويه، عن أبي الحسين، عن أبي خليفة، عن العباس بن الفضل عن محمد بن أبي رجاء، عن إبراهيم، عن سعد، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن علي ابن أبي رافع، عن أبيه، عن سلمى امرأة أبي رافع قالت: مرضت فاطمة، فلما كان اليوم الذي ماتت فيه قالت: هيئي لي ماء، فصببت لها، فاغتسلت كأحسن ماكانت تغتسل، ثم قالت: ائتيني بثياب جدد، فلبستها، ثم أتت البيت الذي كانت فيه فقالت: افرشي لي في وسطه، ثم اضطجعت واستقبلت القبلة، ووضعت يدها تحت خدها وقالت: إني مقبوضة الان فلا اكشفن فاني قد اغتسلت، قالت: وماتت فلما جاء علي أخبرته فقال: لا تكشف، فحلمها يغسلها (عليها السلام).

بيان: لعلها (عليها السلام) إنما نهت عن كشف العورة والجسد للتنظيف، ولم تنه عن الغسل 13 - لى: الدقاق، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلى،: عن ابن البطائني، عن أبيه، عن ابن جبير، عن ابن عباس في خبر طويل قد أثبتناه في باب ما أخبر النبي (صلى الله عليه واله) بظلم أهل البيت قال (صلى الله عليه واله):

وأما ابتني فاطمة فإنها سيدة نساء العالمين، من الاولين والاخرين وهي بضعة مني، وهي نور عيني، وهي ثمرة فؤداي وهي روحي التي بين جنبي وهي الحوراء الانسية، متى قامت في محرابها بين يدي ربها جل جلاله زهر نورها لملائكة السماء كما يزهر نور الكواكب لاهل الارض، ويقول الله عزوجل لملائكة، ياملائكتي انظروا إلى أمتي فاطمة سيدة إمائي قائمة بين يدي، ترتعد فرائصها من خيفتي، وقد أقبلت بقلبها على عبادتي، اشهدكم أني قد أمنت شيعتها من النار.

وإني لما رأيتها ذكرت ما يصنع بها بعدي، كأني بها وقد دخل الذل

 

===============

( 173 )

بيتها، وانتهكت حرمتها، وغصبت حقها، ومنعت إرثها، وكسر جنبها، وأسقطت جنينها، وهي تنادي: يامحمداه، فلا تجاب، وتستغيث، فلا تغاث، فلا تزال بعدي محزونة، مكروبة، باكية، تتذكر انقطاع الوحي عن بيتها مرة، وتتذكر فراقي اخرى، وتستوحش إذا جنها الليل لفقد صوتي الذي كانت تستمع إليه إذا تهجدت بالقرآن، ثم ترى نفسها ذليلة بعد أن كانت في أيام أبيها عزيزة.

فعند ذلك يؤنسها الله تعالى ذكره بالملائكة فنادتها بما نادت به مريم بنت عمران فتقول: يا فاطمة " إن الله اصطفيك وطهرك واصطفيك على نساء العالمين " يافاطمة " اقنتي لربك واسجدي واركعي مع الراكعين " (1)

ثم يبتدي بها الوجع فتمرض فيبعث الله عزوجل إليها مريم بنت عمران تمرضها وتؤنسها في علتها، فتقول عند ذلك: يارب إني قد سئمت الحياة وتبر مت بأهل الدنيا، فألحقني بأبي، فيلحقها الله عزوجل بي، فتكون أول من يحلقني من أهل بيتي، فتقدم علي محزونة، مكروبة، مغمومة، مغصوبة، متقولة، فأقول عند ذلك: اللهم العن من ظلمها، وعاقب من غصبها، وذلل من أذلها، وخلد في نارك من ضرب جنبيها حتى ألقت ولدها، فتقول الملائكة عند ذلك: آمين.

14 - لى: ابن المتوكل، عن محمد العطار، عن ابن أبي الخطاب، عن حماد ابن عيسى، عن الصادق، عن أبيه (عليهما السلام) قال: قال جابر بن عبدالله: سمعت رسول الله (صلى الله عليه واله) يقول لعلي بن أبي طالب (عليه السلام) قبل موته بثلاث: سلام عليك يا أبا الريحانتين، اوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهدر كناك، والله خليفتي عليك.

فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) قال علي (عليه السلام): هذا أحد ركني الذي قال لي رسول الله (صلى الله عليه واله)، فلما ماتت فاطمة (عليها السلام) قال علي (عليه السلام): هذا الركن الثاني الذي قال رسول الله (صلى الله عليه واله).

مع: أبي، عن سعد، عن ابن عيسى، عن محمد بن يونس، عن حماد مثله.

_______________

 (1) آل عمران: 37 و 38. (*)

 

===============

( 174 )

15 - أقول: وجدت في بعض الكتب خبرا في وفاتها(عليها السلام) فأحببت إيراده وإن لم آخذه من أصل يعول عليه.

روى ورقة بن عبدالله الازدي قال: خرجت حاجا إلى بيت الله الحرام راجيا لثواب الله رب العالمين، فبينما أنا أطوف وإذا أنا بجارية سمراء، ومليحة الوجه عذبد الكلام، وهي تنادي بفصاحة منطقها، وهي تقول:

اللهم رب الكعبة الحرام، والحفظة الكرام، وزمزم والمقام، والمشاعر العظام ورب محمد خير الانام، (صلى الله عليه واله) البررة الكرام [أسألك] أن تحشرني مع ساداتي الطاهرين، وأبنائهم الغر المحجلين الميامين.

ألا فاشهدوا يا جماعة الحجاج والمعتمرين أن موالي خيرة الاخيار، وصفوة الابرار، والذين علا قدرهم على الاقدار، وارتفع ذكرهم في سائير الامصار المرتدين بالفخار (1).

قال ورقة بن عبدالله: فقلت: ياجارية إني لاظنك من موالي أهل البيت (عليهم السلام) فقالت: أجل، قلت لها: ومن أنت من مواليهم؟ قالت: أنا فضة أمة فاطمة الزهراء ابنة محمد المصطفى صلى الله عليها وعلى أبيها وبعلها وبنيها.

فقلت لها: مرحبابك وأهلا وسهلا، فلقد كنت مشتاقا إلى كلامك ومنطقك فاريد منك الساعة أن تجيبني من مسألة أسألك، فاذا أنت فرغت من الطواف قفي لي عند سوق الطعام حتى آتيك وأنت مثابه مأجورة، فافترقنا.

فلما فرغت من الطواف وأردت الرجوع إلى منزلي جعلت طريقي على سوق الطعام وإذا أنا بها جالسة في معزل عن الناس، فأقبلت عليها واعتزلت بها وأهديت إليها هدية ولم أعتقد أنها صدقة، ثم قلت لها: يا فضة أخبريني عن مولاتك فاطمة الزهراء (عليها السلام) وما الذي رأيت منها عند وفاتها بعد موت أبيها محمد (صلى الله عليه واله) قال ورقة: فلما سمعت كلامي تغرغرت عيناها بالدموع ثم انتحبت نادبة وقالت: ياورقة بن عبدالله هيجت علي حزنا ساكنا، وأشجانا في فؤادي كانت

_______________

 (1) اى لابسين رداء الفخر. (*)

 

===============

( 175 )

كامنة، فاسمع الان ماشاهدت منها (عليها السلام).

اعلم أنه لما قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) افتجع له الصغير والكبير، وكثر عليه البكاء، وقل العزاء، وعظم رزؤه على الاقرباء والاصحاب والاولياء والاحباب والغرباء والانساب، ولم تلق إلا كل باك وباكية، ونادب ونادبة، ولم يكن في أهل الارض والاصحاب، والاقرباء والاحباب، أشد حزنا وأعظم بكاء وانتحابا من مولاتي فاطمة الزهراء (عليها السلام)، وكان حزنها يتجدد ويزيد، وبكاؤها يشتد.

فجلست سبعة أيام لايهدأ لها أنين، ولايسكن منها الحنين، كل يوم جاء كان بكاؤها أكثر من اليوم الاول، فلما كان في اليوم الثامن أبدت ما كتمت من الحزن، فلم تطق صبرا إذ خرجت وصرخت، فكأنها من فم رسول الله (صلى الله عليه واله) تنطق، فتبادرت النسوان، وخرجت الولائد والولدان، وضج الناس بالبكاء والنحيب وجاء الناس من كل مكان، واطفئت المصابيح لكيلا تتبين صفحات النساء وخيل إلى النسوان أن رسول الله (صلى الله عليه واله) قد قام من قبره، وصارت الناس في دهشة وحيرة لما قد رهقهم، وهي (عليها السلام) تنادي وتندب أباه: وا أبتاه، واصفياه، وامحمداه!

وا أبا القاسماه، وا ربيع الارامل واليتامى، من للقبلة والمصلى، ومن لابنتك الوالهة الثكلى.

ثم أقبلت تعثر في أذيالها، وهي لا تبصر شيئا من عبرتها، ومن تواتر دمعتها حتى دنت من قبر أبيها محمد (صلى الله عليه واله) فلما نظرت إلى الحجرة وقع طرفها على المأذنة فقصرت خطاها، ودام نحيبها وبكاها، إلى أن اغمي عليها، فتبادرت النسوان إليها فنضحن الماء عليها وعلى صدرها وجبينها حتى أفاقت، فلما أفاقت من غشيتها قامت وهي تقول.

رفعت قوتي، وخانني جلدي، وشمت بي عدوي، والكمد قاتلي، يا أبتاه بقيت والهة وحيدة، وحيرانة فريدة، فقد انخمد صوتى، وانقطع ظهري، وتنغص عيشي، وتكدر دهري، فما أجد يا أبتاه بعدك أنيسا لوحشتي، ولا رادا لدمعتي ولا معينا لضعفي، فقد فني بعدك محكم التنزيل، ومهبط جبرئيل، ومحل ميكائيل

 

===============

( 176 )

انقلبت بعدك يا أبتاه الاسباب، وتغلقت دوني الابواب، فأنا للدنيا بعدك قالية وعليك ما ترددت أنفاسي باكيه، لا ينفذ شوقي إليك، ولا حزني عليك.

ثم نادت: يا أبتاه والباه، ثم قالت:

إن حزني عليك حزن جديد * وفؤادي والله صب عنيد

كل يوم يزيد فيه شجوني * واكتيابي عليك ليس يبيد

جل خطبي فبان عني عزائي * فبكائي كل وقت جديد

إن قلبا عليك يألف صبرا * أو عزاء فإنه لجليد

ثم نادت: يا أبتاه انقطعت بك الدنيا بأنوارها، وزوت زهرتها وكانت ببهجتك زاهرة، فقد اسود نهارها، فصار يحكي حنادسها رطبها ويابسها، ياأبتاه لازلت آسفة عليك إلى التلاق، يا أبتاه زال غمضي منذ حق الفراق، يا أبتاه من للارامل والمساكين، ومن للامة إلى يوم الدين، يا أبتاه أمسينا بعدك من المستضعفين يا أبتاه أصبحت الناس عنا معرضين، ولقد كنا بك معظمين في الناس غير مستضعفين فأي دمعة لفراقك لا تنهمل، وأي حزن بعدك عليك لايتصل، وأي جفن بعدك بالنوم يكتحل، وأنت ربيع الدين، ونور النبيين، فكيف للجبال لا تمور، وللبحار بعدك لا تغور، والارض كيف لم تتزلزل.

رميت يا أبتاه بالخطب الجليل، ولم تكن الرزية بالقليل، وطرقت يا أبتاه بالمصاب العظيم، وبالفادح المهول.

بكتك يا أبتاه الاملاك، ووقفت الافلاك، فمنبرك بعدك مستوحش، ومحرابك خال من مناجاتك، وقبرك فرح بمواراتك، والجنة مشتاقة إليك وإلى دعائك وصلاتك.

ويا أبتاه ما أعظم ظلمة مجالستك، فوا أسفاه عليك إلى أن أقدم عاجلا عليك واثكل أبوالحسن المؤتمن أبوولديك، الحسن والحسين، وأخوك ووليك وحبيبك ومن ربيته صغيرا، واخيته كبيرا، وأحلى أحبابك وأصحابك إليك من كان منهم سابقا ومهاجرا وناصرا، والثكل شاملنا، والبكاء قاتلنا، والاسى لازمنا ثم زفرت زفرة وأنت أنة كادت روحها أن تخرج ثم قالت:

 

===============

( 177 )

قل صبري وبان عني عزائي * بعد فقدي لخاتم الانبياء

عين ياعين اسكبي الدمع سحا * ويك لا تبخلي بفيض الدماء

يارسول الاله ياخيرة الله * وكهف الايتام والضعفاء

قد بكتك الجبال والوحش جمعا * والطير والارض بعد بكي السماء

وبكاك الحجون والركن والمشغر * ياسيدي مع البطحاء

وبكاك المحراب والدرس * للقرآن في الصبح معلنا والمساء

وبكاك الاسلام إذصار في النا * س غريبا من سائر الغرباء

لو ترى المنبر الذي كنت تعلو * ه علاه الظلام بعد الضياء

ياإلهي عجل وفاتي سريعا * فلقد تنغصت الحياة يامولائي

قالت: ثم رجعت إلى منزلها وأخذت بالبكاء والعويل ليلها ونهارها، وهي لاترقأ دمعتها. ولا تهدأ زفرتها.

واجتمع شيوخ أهل المدينة وأقبلوا إلى أميرالمؤمنين علي (عليه السلام) فقالوا له:

يا أبا الحسن إن فاطمة (عليها السلام) تبكي الليل والنهار فلا أحد منا يتهنا بالنوم في الليل على فرشنا، ولابالنهار لنا قرار على أشغالنا وطلب معايشنا، وإنا نخبرك أن تسألها إما أن تبكي ليلا أو نهارا، فقال (عليه السلام): حبا وكرامة.

فأقبل أميرالمؤمنين (عليه السلام) حتى دخل على فاطمة (عليها السلام) وهي لا تفيق من البكاء ولا ينفع فيها العزاء فلما رأته سكنت هنيئة له، فقال لها: يابنت رسول الله - (صلى الله عليه واله) - إن شيوخ المدينة يسألوني أن أسألك إما أن تبكين أباك ليلا وإما نهارا. فقالت: يا أبا الحسن ما أقل مكثي بينهم وما أقرب مغيبي من بين أظهر هم فوالله لا أسكت ليلا ولا نهارا أو ألحق بأبي رسول الله (صلى الله عليه واله)، فقال لها علي (عليه السلام): افعلي يابنت رسول الله مابدالك.

ثم إنه بنى لها بيتا في البقيع نازحا عن المدينة يسمى بيت الاحزان، وكانت إذا أصبحت قدمت الحسن والحسين (عليهما السلام) أمامها، وخرجت إلى البقيع باكية

 

===============

( 178 )

فلا تزال بين القبور باكية، فإذا جاء الليل أقبل أميرالمؤمنين (عليه السلام) إليها وساقها بين يديه إلى منزلها.

ولم تزل على ذلك إلى أن مضى لها بعد موت أبيها سبعة وعشرون يوما، و اعتلت العلة التي توفيت فيها، فبقيت إلى يوم الاربعين، وقد صلى أميرالمؤمنين (عليه السلام) صلاة الظهر وأقبل يرد المنزل إذا استقبلته الجواري باكيات حزينات فقال لهن: ما الخبر ومالي أراكن متغيرات الوجوه والصور؟ فقلن: يا أميرالمؤمين أدرك ابنة عمك الزهراء (عليها السلام) ومانظنك تدركها.

فأقبل أميرالمؤمنين (عليه السلام) مسرعا حتى دخل عليها، وإذا بها ملقاه على فراشها وهو من قباطي مصروهي تقبض يمينا وتمد شمالا، فألقى الرداء عن عاتقه والعمامة عن رأسه، وحل أزراره، وأقبل حتى أخذ رأسها وتركه في حجره، و ناداها: يازهراء! فلم تكلمه، فناداها: يا بنت محمد المطفى! فلم تكلمه، فناداها:

يابنت من حمل الزكاة في طرف ردائه وبذلها على الفقراء! فلك تكلمه، فناداها:

ياابنة من صلى بالملائكة في السماء مثنى مثني! فلم تكلمه، فناداها: يا فاطمة كلميني فأنا بان عمك علي بن أبي طالب.

قال: ففتحت عينيها في وجهه ونظرت إليه وبكت وبكى وقال: ما الذي تجدينه فأنا ابن عمك علي بن أبيطالب.

فقالت: يا ابن العم إني أجد الموت الذي لابد منه ولا محيص عنه، وأنا أعلم أنك بعدي لا تصبر على قلة التزويج فان أنت تزوجت امرأة اجعل لها يوما وليلة واجعل لاولادي يوما وليلة يا أبا الحسن ولا تصح في وجوههما فيصبحان يتيمين غريبين منكسرين فانهما بالامس فقدا جدهما واليوم يفقدان، امهما، فالويل لامة تقتلهما وتبغضهما ثم أنشأت تقول:

ابكني إن بكيت يا خير هادي * واسبل الدمع فهو يوم الفراق

ياقرين البتول اوصيك بالنسل * فقد أصبحا حليف اشتياق

ابكني وابك لليتامى ولا تنس * قتيل العدى بطف العراق

 

===============

( 179 )

فارقوا فاصبحوا يتامى حيارى * يحلف الله فهو يوم الفراق

قالت: فقال لها علي (عليه السلام): من أين لك يا بنت رسول الله هذا الخبر، والوحي قد انقطع عنا؟ فقالت: يا أبا الحسن رقدت الساعة فرأيت حبيبي رسول الله (صلى الله عليه واله) في قصر من الدر الابيض فلما رآني قال: هلمي إلي يا بنية فاني إليك مشتاق فقلت: والله إني لاشد شوقا منك إلى لقائك، فقال: أنت الليلة عندي وهو الصادق لما وعد والموفي لما عاهد.

فاذا أنت قرأت يس فاعلم أني قد قضيت نحبي فغسلني ولا تكشف عني فاني طاهرة مطهرة وليصل علي معك من أهلي الادني فالادنى ومن رزق أجري وادفني ليلا في قبري، بهذا أخبرني حبيبي رسول الله (صلى الله عليه واله).

فقال علي: والله لقد أخذت في أمرها وغسلتها في قميصها ولم أكشفه عنها فوالله لقد كانت ميمونة طاهرة مطهرة ثم حنطتها من فضلة حنوط رسول الله (صلى الله عليه واله) وكفنتها وأدرجتها في أكفانها فلما هممت أن أعقد الرداء ناديت يا ام كلثوم!

يازينب! يا سكينة! يافضة! يا حسن! يا حسين! هلموا تزو دوا من امكم فهذا الفراق واللقاء في الجنة.

فأقبل الحسن والحسين (عليهما السلام) وهما يناديان واحسرتا لا تنطفئ أبدا من فقد جدنا محمد المصطفى وامنا فاطمة الزهراء يا ام الحسن يا ام الحسين إذا لقيت جدنا محمد امصطفى فاقرئيه منا السلام وقولي له: إنا قد بقينا بعد يتيمين في دار الدنيا.

فقال أمير المؤمنين علي (عليه السلام): إني اشهد الله أنها قد حنت وأنت ومدت يديها وضمتها إلى صدرها مليا وإذا بهاتف من السماء ينادي يا أبا الحسن ارفعها عنها فلقد أبكيا والله ملائكة السماوات فقد اشتاق الحبيب إلى المحبوب، قال:

فرفعتهما عن صدرها وجعلت أعقد الرداء وأنا انشد بهذه الابيات:

فراقك أعظم الاشياء عندي * وفقدك فاطم أدهى الثكول

سأبكي حسرة وأنوح شجوا * على خل مضى أسنى سبيل

 

===============

( 180 )

ألا يا عين جودي واسعديني * فحزني دائم أبكي خليلي

ثم حملها على يده وأقبل بها إلى قبر أبيها ونادى: السلام عليك يارسول الله السلام عليك يا حبيب الله، السلام عليك يا نور الله، السلام عليك يا صفوة الله مني السلام عليك والتحية واصلة مني إليك ولديك، ومن ابنتك النازلة عليك بفنائك وإن الوديعة قد استردت، والرهينة قد اخذت، فواحزناه على الرسول، ثم من بعده على البتول، ولقد اسودت علي الغبراء، وبعدت عني الخضراء، فواحزناه ثم واأسفاه.

ثم عدل بها على الروضة فصلى عليه في أهله وأصحابه ومواليه وأحبائه وطائفة من المهاجرين والانصار، فلما واراها وألحدها في لحدها أنشأ بهذه الابيات يقول:

أرى علل الدنيا علي كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل

لكل اجتماع من خليلين فرقة * وإن بقائي عندكم لقليل

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد * دليل على أن لا يدوم خليل

16 - قب: قبض النبي (صلى الله عليه واله) ولها يومئذ ثماني عشرة سنة وسبعة أشهر و عاشت بعده اثنين وسبعين يوما ويقال: خمسة وسبعين يوما وقيل: أربعة أشهر، وقال القرباني: قد قيل أربعين يوما وهو أصح وتوفيت (عليها السلام) ليلة الاحد لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الاخر سنة إحدى عشرة من الهجرة ومشهدها بالبقيع وقالوا:

إنها دفنت في بيتها وقالوا: قبرها بين قبر رسول الله (صلى الله عليه واله) ومنبره.

السمعاني في الرسالة، وأبونعيم في الحلية، وأحمد في فضائل الصحابة، و النطنزي في الخصائص وابن مردويه في فضائل أميرالمؤمنين (عليه السلام) والزمخشري في الفائق، عن جابر قال رسول الله (صلى الله عليه واله) لعلي قبل موته: السلام عليك أبا الريحانتين اوصيك بريحانتي من الدنيا، فعن قليل ينهد ركناك عليك، قال: فلما قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) قال علي: هذا أحد الركنين، فلما ماتت فاطمة قال علي: هذا هو الركن الثاني.

البخاري ومسلم والحلية ومسند أحمد بن حنبل روت عائشة أن النبي (صلى الله عليه واله) دعا

 

===============

( 181 )

فاطمة في شكواه الذي قبض فيه فسارها بشئ فبكت، ثم دعاها [فسارها] فضحكت فسألت عن ذلك فقالت: أخبرني النيي (صلى الله عليه واله) أنه مقبوض فبكيت ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت.

كتاب ابن شاهين قالت ام سلمة وعائشة: إنها لما سئلت عن بكائها وضحكها قالت: أخبرني النبي (صلى الله عليه واله) أنه مقبوض ثم أخبر أن بني سيصيبهم بعدي شدة فبكيت، ثم أخبرني أني أول أهله لحوقا به فضحكت.

وفي رواية أبي بكر الجعابي وأبي نعيم الفضل بن دكين والشعبي عن مسروق وفي السنن عن القزويني، والابانة عن العكبري، والمسند عن الموصلي، و الفضائل، عن أحمد بأسانيدهم، عن عروة، عن مسروق قالت عائشة: أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال رسول الله: مرحبابابنتي فأجلسها عن يمينه وأسر إليها حديثا فبكت، ثم أسر إليها حديثا فضحكت فسألتها عن ذلك فقالت: ما افشي سر رسول الله (صلى الله عليه واله).

حتى إذا قبض سألتها فقالت: إنه أسر إلي فقال: إن جبرئيل كان يعارضني بالقرآن كل سنة مرة وإنه عارضني به العام مرتين ولا أراني إلا وقد حضرأجلي وإنك لاول أهل بيتى لحوقا بي، ونعم السلف أنا لك. بكيت لذلك ثم قال: ألا ترضين أن تكوني سيدة نساء المؤمنين فضحكت لذلك. وروي أنها ما زالت بعد أبيها معصبة الرأس، ناحلة الجسم، منهدة الركن باكية العين، محترقة القلب، يغشى عليها ساعة بعد ساعة، وتقول لو لديها: أين أبوكما الذي كان يكرمكما ويحملكما مرة بعد مرة؟ أين أبوكما الذي كان أشد الناس شفقة عليكما فلا يدعكما تمشيان على الارض؟ ولا أراه يفتح هذا الباب أبدا ولا يحملكما على عاتقة كما لم يزل يفعل بكما.

ثم مرضت ومكثت أربعين ليلة ثم دعت ام أيمن وأسماء بنت عميس (1) و

_______________

 (1) قد كثر في هذا الباب ذكر أسماء بنت عميس وأن فاطمة (عليها السلام) أوصت إليها بكذا وكذا. لكنه ينافى ماهو الثابت في التاريخ من أنها كانت زوجة جعفربن * (*)

 

===============

( 182 )

عليا (عليه السلام) وأوصت إلى علي بثلات: أن يتزوج بابنة [اختها] (1) أمامه لحبها أولادها، وأن يتخذ نعشا لانها كانت رأت الملائكة تصور واصورته ووصفته له، وأن لايشهد أحد جنازتها ممن ظلمها وأن لايترك أن يصلي عليها أحد منهم.

وذكر مسلم عن عبدالرزاق، عن معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، وفي حديث الليث بن سعد، عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة في خبر طويل يذكر فيه أن فاطمة أرسلت إلى أبي بكر تسأل ميراثها من رسول الله - القصة - قال: فهجرته ولم تكلمه حتى توفيت ولم يؤذن بها أبوبكر يصلي عليها.

الواقدي: إن فاطمة لما حضرتها الوفاة أوصت عليا أن لا يصلي عليها أبوبكر وعمر فعمل بوصيتها.

عيسى بن مهران، عن مخول بن إبراهيم، عن عمربن ثابت، عن أبي إسحاق عن ابن جبير، عن ابن عباس قال: أوصت فاطمة أن لا يعلم إذا ماتت أبوبكر ولا

_______________

 * أبى طالب ثم بعد شهادته تزوجه أبوبكر ابن أبى قحافة وبعد وفاته - في سنة ثلاث وعشرة من الهجرة - بعد رحلة النبى (صلى الله عليه واله) بأزيد من سنتين - تزوجها على بن أبى طالب فكانت عنده مع ابنه محمد بن أبى بكر، فاما أن يكون وفاة فاطمة (عليها السلام) بعد هذه السنة ولم يقل به أحد أو كان " اسماء بنت عميس " مصحفا عن سلمى امرأة أبى رافع كما مر عن أمالى المفيد ص 172 ويجئ في غيره من المصادر أو سلمى امرأة حمزة بن عبدالمطلب وهى اخت اسماء بنت عميس كما احتمله الاربلى في كشف الغمة وقد مرص 136 واما أن يكون مصحفا عن أسماء بنت يزيد بن السكن كما مر في ص 132 عن الكنجى الشافعى. وهو الاشبه.

(1) ما جعلناه بين العلامتين ساقط عن النسخة المطبوعة، موجود في المصدر ج 3 ص 362 وهو الصحيح فان أمامة بنت اختها زينب بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) زوجة أبى العاص بن الربيع قال أبوعمر في الاستيعاب: تزوجها - يعنى أمامة - على بن أبيطالب رضى الله عنه بعد فاطمة رضى الله عنها، زوجها منه الزبير بن العوام، وكان أبوها أبوالعاص قد أوصى بها اليه. (*)

 

===============

( 183 )

عمر، ولا يصليا عليها، قال: فدفنها علي (عليه السلام) ليلا ولم يعلمهما بذلك.

تاريخ أبي بكر بن كامل قالت عائشة: عاشت فاطمة بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) ستة أشهر فلما توفيت دفنها علي ليلا وصلى عليها علي.

وروى فيه عن سفيان بن عيينة وعن الحسن بن محمد وعبدالله بن أبي شيبة، عن يحيى بن سعيد القطان، عن معمر، عن الزهري أن فاطمة (عليها السلام) دفنت ليلا.

وعنه في هذا الكتاب أن اميرالمؤمنين والحسن والحسين (عليهم السلام) دفنوها ليلا وغيبوا قبرها.

تاريخ الطبري: إن فاطمة دفنت ليلا ولم يحضرها إلا العباس وعلي و المقداد والزبير وفي رواياتنا أنه صلى عليها أميرالمؤمنين والحسن والحسين وعقيل وسلمان وأبوذر والمقداد وعمار وبريدة، وفي رواية والعباس وابنه الفضل، وفي رواية وحذيفة وابن مسعود.

الاصبغ بن نباته أنه سأل أميرالمؤمنين (عليه السلام) عن دفنها ليلا فقال: إنها كانت ساخطه على قوم كرهت حضورهم جنازتها وحرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها.

وروي أنه سوى قبرها مع الارض مستويا وقالوا: سوى حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لايعرف قبرها، وروي أنه رش أربعين قبرا حتى لايبين قبرها من غيره من القبور، فيصلوا عليها.

أبوعبدالله حمويه بن علي البصري وأحمد بن حنبل وأبوعبدالله بن بطة بأسانيدهم قالت ام سلمى امرأة أبي رافع (1): اشتكت فاطمة شكواها التي قبضت فيها وكنت امرضها فأصبحت يوما أسكن ما كانت، فخرج علي إلى بعض حوائجه فقالت: اسكبي لي غسلا فسكبت، فقامت واغتسلت أحسن ما يكون من الغسل

_______________

 (1) كذا في النسخ المطبوعة وهكذا المصدر ج 3 ص 364 وهو سهو والصحيح:

" قالت سلمى امرأة أبى رافع " كما مر عن المفيد ص 172 ويجيئ عن ابن بابويه ص 188 راجع كتب الرجال أيضا. (*)

 

===============

( 184 )

ثم لبست أثوابها الجدد ثم قالت: افرشي وسط البيت ثم استقبلت القبلة و نامت، وقالت: أنا مقبوضة، وقد اغتسلت فلا يكشفني أحد ثم وضعت خدها على يدها وماتت.

وقالت أسماء بنت عميس: أوصت إلي فاطمة أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلي فأعنت عليا على غسلها.

كتاب البلاذري إن أميرالمؤمنين (عليه السلام) غسلها من معقد الازار وإن أسماء بنت عميس غسلتها من أسفل ذلك.

أبوالحسن الخزاز القمي في الاحكام الشرعية سئل أبوعبدالله (عليه السلام) عن فاطمة من غسلها؟ فقال: غسلها أميرالمؤمنين لانها كانت صديقة [و] لم يكن ليغسلها إلا صديق.

وروي أن اميرالمؤمنين (عليه السلام) قال عند دفنها: السلام عليك إلى آخر ما سيأتي نقلا من الكافي.

وروي أنه لما صاربها إلى القبر المبارك خرجت يد فتناولتها، وانصرف.

عبدالرحمان الهمداني وحميد الطويل أنه (عليه السلام) أنشأ على شفير قبرها:

ذكرت أباودي فبت كأنني * برد الهموم الماضيات وكيل

لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد * دليل على أن لا يدوم خليل

فأجاب هاتف:

يريد الفتى أن لايموت خليليه * وليس له إلا الممات سبيل

فلابد من موت ولابد من بلى * وإن بقائي بعدكم لقليل

إذا انقطعت يوما من العيش مدتي * فإن بكاء الباكيات قليل

ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ويحدث بعدي للخليل بديل

بيان: " أباودي " أي من كان يلازم ودي وحبي، والحاصل أني ذكرت محبوبي فبت كأنني لشدة همومي ضامن لرد كل هم وحزن كان لي قبل ذلك

 

===============

( 185 )

وقوله: " فلابد من موت " لعله من تتمة أبياته (عليه السلام) لا كلام الهائف، ولو كان من كلام الهاتف فلعله ألقاه على وجه التلقين.

17 - قب: قال أبوجعفر الطوسي: الاصوب أنها مدفونة في دارها أو في الروضة.

يؤيد قوله قول النبي (صلى الله عليه واله) إن بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة وفي البخاري " بين بيتي ومنبري " وفي الموطأ والحلية والترمذي ومسند أحمد ابن حنبل " مابين بيتى ومنبري ".

وقال (صلى الله عليه واله): منبري على ترعة من ترع الجنة وقالوا: حد الروضة مابين القبر إلى المنبر إلى الاساطين التي تلي صحن المسجد.

أحمد بن محمد بن أبي نصر قال: سألت أبا الحسن (عليه السلام) عن قبر فاطمة فقال:

دفنت في بيتها فلما زادت بنو امية في المسجد صارت في المسجد.

يزيد بن عبدالملك، عن أبيه، عن جده قال: دخلت على فاطمة (عليها السلام) فبدأتني بالسلام ثم قالت: ما غدابك؟ قلت: طلب البركة قالت: أخبرني أبي وهو ذا:

من سلم عليه أو علي ثلاثة أيام أو جب الله له الجنة، قلت لها: في حياته وحياتك؟

قالت: نعم وبعد موتنا.

18 كشف: روي أن أبا جعفر (عليه السلام) أخرج سفطا أو حقا وأخرج منه كتابا فقرأه وفيه وصية فاطمة (عليها السلام) " بسم الله الرحمن الرحيم، هذا ما أوصت به فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه واله) أوصت بحوائطها السبعة إلى علي بن أبي طالب، فان مضى فالى الحسن فان مضى فالى الحسين، فان مضى فالى الاكابر من ولدي " شهد المقداد بن الاسود والزبير بن العوام وكتب علي بن أبي طالب.

وعن أسماء بنت عميس قالت: أوصتني فاطمة (عليها السلام) أن لا يغسلها إذا ماتت إلا أنا وعلي فغسلتها أنا وعلي (عليه السلام).

وقيل: قالت فاطمة (عليها السلام) لاسماء بنت عميس حين توضأت وضوءها للصلاة:

هاتى طيبي الذي أتطيب به، وهاتي ثيابي التي اصلي فيها، فتوضأت ثم وضعت

 

===============

( 186 )

رأسها فقالت لها: اجلسي عند رأسي فاذا جاء وقت الصلاة فأقيميني فإن قمت وإلا فأرسلي إلى علي.

فلما جاء وقت الصلاة قالت: الصلاة يا بنت رسول الله، فاذا هي قد قبضت فجاء علي فقالت له: قد قبضت ابنة رسول الله قال علي: متى؟ قالت حين أرسلت إليك قال: فأمر أسماء فغسلتها وأمر الحسن والحسين (عليهما السلام) يدخلان الماء ودفنها ليلا وسوى قبرها فعوتب [على ذلك] فقال: بذلك أمرتني.

وروي أنها بقيت بعد أبيها أربعين صباحا ولما حضرتها الوفاة قالت لاسماء:

إن جبرئيل أتى النبي (صلى الله عليه واله) لما حضرته الوفاة بكافور من الجنة فقسمه أثلاثا ثلثا لنفسه، وثلثا لعلي وثلثا لي، وكان أربعين درهما فقالت: يا أسماء ائتيني ببقية حنوط والدي من موضع كذا وكذا فضعيه عند رأسي فوضعته، ثم تسجت بثوبها وقالت: انتظريني هنيهة وادعيني فان أجبتك وإلا فاعلمي أني قد قدمت على أبي (صلى الله عليه واله).

فانتظرتها هنيهة ثم نادتها فلم تجبها فنادت: يا بنت محمد المصطفى! يا بنت أكرم من حملته النسا! يا بنت خير من وطئ الحصا! يا بنت من كان من ربه قاب قوسين أو أدنى! قال: فلم تجبها، فكشفت الثوب عن وجهها فإذا بها قد فارقت الدنيا فوقعت عليها تقبلها وهي تقول: فاطمة! إذا قدمت على أبيك رسول الله فاقرئيه عن أسماء بنت عميس السلام.

فبينا هي كذلك إذ دخل الحسن والحسين فقالا: يا أسماء ما ينيم امنا في هذه الساعة؟ قالت: يا ابني رسول الله ليست امكما نائمة، قد فارقت الدنيا فوقع عليها الحسن يقبلها مرة ويقول: يا اماه كلميني قبل أن تفارق روحي بدني قالت:

وأقبل الحسين يقبل رجلها ويقول: يا اماه أنا ابنك الحسين كلميني قبل أن يتصدع قلبي فأموت.

قالت لها أسماء: يا ابني رسول الله انطلقا إلى أبيكما علي فأخبراه بموت امكما، فخرجا حتى إذا كانا قرب المسجد رفعا أصواتهما بالبكاء، فابتدرهما جميع الصحابة فقالوا ما يبكيكما ياابني رسول الله لا أبكى الله أعينكما لعلكما نظرتما

 

===============

( 187 )

إلى موقف جدكما فبكيتما شوقا إليه.

فقالا: [لا] أوليس قد ماتت امنا فاطمة صلوات الله عليها قال: فوقع علي (عليه السلام) على وجهه يقول: بمن العزاء يا بنت محمد؟ كنت بك أتعزى ففيم العزاء من بعدك ثم قال:

لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد * دليل على أن لا يدوم خليل (1)

ثم قال (عليه السلام): يا أسماء غسليها وحنطيها كفنيها قال: فغسلوها وكفنوها وحنطوها وصلوا عليها ليلا ودفنوها بالبقيع وماتت بعد العصر.

وقال ابن بابويه رحمه الله: جاء هذا الخبر كذا والصحيح عندي أنها دفنت في بيتها فلما زاد بنو امية في المسجد صارت في المسجد.

قلت: الظاهر والمشهور مما نقله الناس وأرباب التواريخ والسير أنها (عليها السلام) دفنت بالبقيع كما تقدم.

وروى مرفوعا إلى سلمى ام بني رافع قالت: كنت عند فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه واله) في شكواها التي ماتت فيها قالت: فلما كان في بعض الايام وهي أخف ما نراها فغدا علي بن أبي طالب في حاجته وهويرى يومئذ أنها أمثل ما كانت فقالت: يا امه (2) اسكبي لي غسلا ففعلت فاغتسلت كأشد مارأيتها ثم قالت لي: أعطيني ثيابي الجدد فأعطيتها فلبست ثم قالت: ضعي فراشي واستقبليني ثم قالت: إني قد فرغت من نفسي فلا اكشفن إني مقبوضة الان ثم توسدت يدها اليمنى واستقبلت القبلة فقبضت.

فجاء علي (عليه السلام) ونحن نصيح فسأل عنها فأخبرته فقال: إذا والله لا تكشف فاحتملت في ثيابها فغيبت.

_______________

 (1) في بعض النسخ: وان افتقادى واحدا بعد واحد وهو الصحيح فانه (عليه السلام) تمثل بهذه الاشعار وأنشدها، لا أنه أنشأها.

(2) في المصدر: يا أمة الله، راجع ج 2 ص 64. (*)

 

===============

( 188 )

أقول: إن هذا الحديث قد رواه ابن بابويه رحمه الله كما ترى وقدروى أحمد بن حنبل في مسنده عن ام سلمى (1) قالت: اشتكت فاطمة (عليها السلام) شكواها التي قبضت فيه فكنت امرضها فأصبحت يوما كأمثل ما رأيتها في شكواها ذلك.

قالت: وخرج علي (عليه السلام) لبعض حاجته فقالت: يا اماه اسكبي لي غسلا فسكبت لها غسلا فاغتسلت كأحسن ما رأيتها تغتسل ثم قالت: يا اماه أعطيني ثيابي الجدد، فأعطيتها فلبستها ثم قالت: يا اماه قدمي لي فراشي وسط البيت ففعلت، فاضطجعت واستقبلت القبلة، وجعلت يدها تحت خدها ثم قالت:

يا اماه إني مقبوضة الان وقد تطهرت فلا يكشفني أحد فقبضت مكانها قالت:

فجاء علي (عليه السلام) فأخبرته.

واتفاقهما من طرق الشيعة والسنة على نقله مع كون الحكم على خلافه عجيب فان الفقهاء من الطريقين لا يجيزون الدفن إلا بعدالغسل إلا في مواضع ليس هذا منه، فكيف رويا هذا الحديث ولم يعللاده ولا ذكرا فقهه، ولا نبها على الجواز ولا المنع، ولعل هذا أمر يخصها (عليها السلام) وإنما استدل الفقهاء على أنه يجوز للرجل أن يغسل زوجته بأن عليا غسل فاطمة (عليهما السلام) وهو المشهور.

وروى ابن بابويه مرفوعا إلى الحسن بن علي (عليهما السلام) أن عليا غسل فاطمة (عليهما السلام) وعن علي أنه صلى الله على فاطمة، وكبر عليها خمسا ودفنها ليلا وعن محمد بن علي (عليهما السلام) أن فاطمة (عليها السلام) دفنت ليلا.

بيان: قد بينا في كتاب المزار أن الاصح أنها مدفونة في بيتها وأما ما ذكره من ترك غسلها فالاولى أن يأول بما ذكرنا سابقا من عدم كشف بدنها للتنظيف [فلا تنافي] للاخبار الكثيرة الدالة على أن عليا (عليه السلام) غسلها ويؤيد ما ذكرنا من التأويل مامر في رواية ورقة فلا تغفل.

19 كشف: ونقلت من كتاب الذرية الطاهرة للدولابي في وفاتها (عليها السلام) ما نقله عن رجاله قال: لبثت فاطمة بعد النبي (صلى الله عليه واله) ثلاثة أشهر، وقال

_______________

 (1) راجع ص 183 فيما سبق. (*)

 

===============

( 189 )

ابن شهاب: ستة أشهر وقال الزهري: ستة أشهر ومثله عن عائشة ومثله عن عروة بن الزبير أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) خسما وتسعين ليلة - في سنة إحدى عشرة - وقال ابن قتيبة في معارفة: مائة يوم.

وقيل: ماتت في سنة إحدى عشرة ليلة الثلثاء لثلاث ليال من شهر رمضان وهي بنت تسع وعشرين سنة أو نحوها.

وقيل: دخل العباس على علي بن أبي طالب وفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) وأحدهما يقول لصاحبة: أينا أكبر فقال العباس: ولدت يا علي قبل بناء قريش البيت بسنوات وولدت [ابنتي] وقريش تبني البيت ورسول الله (صلى الله عليه واله) ابن خمس وثلاثين سنة قبل النبوة بخمس سنين.

وروي أنها أوصيت عليا (عليه السلام) وأسماء بنت عميس أن يغسلاها.

وعن ابن عباس قال: مرضت فاطمة مرضا شديدا فقالت لاسماء بنت عميس:

ألا ترين إلى ما بلغت فلا تحمليني على سرير ظاهر فقالت: لا لعمري ولكن أصنع نعشا كما رأيت يصنع بالحبشة.

قالت: فأرينيه فأرسلت إلى جرائد رطبة فقطعت من الاسواق ثم جعلت على السرير نعشا وهو أول ما كان النعش فتبسمت وما رؤيت متبسمة إلا يومئذ ثم حملناها فدفناها ليلا وصلى عليها العباس بن عبدالمطلب ونزل في حفرتها هو وعلي والفضل بن عباس.

وعن أسماء بنت عميس أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) قالت لاسماء: إني قد استقبحت ما يصنع بالنساء أنه يطرح على المرأة الثوب فيصفها لمن رأى فقالت أسماء: يابنت رسول الله أنا اريك شيئا رأيته بأرض الحبشة، قال: فدعت بجريدة رطبة فحسنتها ثم طرحت عليها ثوبا فقالت فاطمة (عليها السلام): ما أحسن هذا وأجمله لا تعرف به المرأة من الرجل.

قال: قالت فاطمة: فاذا مت فاغسليني أنت ولا يدخلن علي أحد فلما توفيت فاطمة (عليها السلام) جاءت عائشة تدخل عليها فقالت أسماء: لا تدخلي فكلمت عائشة

 

===============

( 190 )

أبابكر فقالت: إن هذه الخثعمية تحول بيننا وبين ابنة رسول الله (صلى الله عليه واله) وقد جعلت لها مثل هودج العروس فقالت أسماء لابي بكر: أمرتني أن لايدخل عليها أحد وأريتها هذا الذي صنعت وهي حية فأمرتني أن أصنع لها ذلك فقال أبوبكر: اصنعي ما أمرتك فانصرف، وغسلها علي (عليه السلام) وأسماء.

وروى الدولابي حديث الغسل الذي اغتسلته قبل وفاتها وكونها دفنت به ولم تكشف وقد تقدم ذكره وروى من غير هذا أن أبابكر وعمر عاتبا عليا (عليه السلام) كونه لم يؤذنهما بالصلاة عليها فاعتذر أنها أوصته بذلك وحلف لهما فصدقاه وعذراه.

وقال على (عليه السلام) عند دفن فاطمة (عليهما السلام) كالمناجي بذلك رسول الله (صلى الله عليه واله) عند قبره: السلام عليك يارسول الله عني وعن ابنتك النازلة في جوارك، إلى آخر ما سيأتي.

ثم قال علي بن عيسى: الحديث ذو شجون أنشدني بعض الاصحاب للقاضي أبي بكربن [أبي] قريعة:

يا من يسائل دائبا * عن كل معضلة سخيفة

لا تكشفن مغطى * فلربما كشفت جيفة

ولرب مستور بدا * كالطبل من تحت القطيفة

إن الجواب لحاضر * لكنني اخفيه خيفة

لو لا اعتداء رعية * ألقى سياستها الخليفة

وسيوف أعداء بها * هاماتنا أبدا نقيفة

لنشرت من أسرار آل * محمد جملا طريفة

تغنيكم عما رواه * مالك وأبوحنفيفة

وأريتكم أن الحسين اصيب * في يوم السقيفة

ولاي حال لحدت * بالليل فاطمة الشريفة

ولما حمت شيخيكم * عن وطئ حجرتها المنيفة

أوه لبنت محمد * ماتت بغصتها أسيفة (*)

 

===============

( 191 )

وقد ورد من كلامها (عليها السلام) في مرض موتها مايدل على شدة تألمها وعظم موجدتها وفرط شكايتها ممن ظلمها ومنعها حقها أعرضت عن ذكره، وألغيت القول فيه، ونكبت عن إيراده لان غرضي من هذا الكتاب نعت مناقبهم ومزاياهم وتنبيه الغافل عن موالاتهم، فربما تنبه ووالاهم، ووصف ما خصهم الله به من الفضائل التي ليست لاحد سواهم، فأما ذكر الغير والبحث عن الشر والخير فليس من غرض هذا الكتاب وهو موكول إلى يوم الحساب وإلى الله تصير الامور.

بيان: النقف: كسر الهامة عن الدماغ أو ضربها أشد ضرب أو برمح أو عصا.

20 - ضه: مرضت فاطمة (عليها السلام) مرضا شديدا ومكثت أربعين ليلة في مرضها إلى أن توفيت صلوات الله عليها فلما نعيت إليها نفسها دعت ام أيمن وأسماء بنت عميس ووجهت خلف علي وأحضرته، فقالت: يا ابن عم إنه قد نعيت إلي نفسي وإنني لا أرى مابي إلا أنني لا حق بأبي ساعة بعد ساعة (1) وأنا اوصيك بأشياء في قلبي.

قال لها علي (عليه السلام): أوصيني بما أحببت يا بنت رسول الله! فجلس عند رأسها وأخرج من كان في البيت ثم قالت: يا ابن عم ما عهدتني كاذبة ولا خائنة ولا خالفتك منذ عاشرتني فقال (عليه السلام): معاذ الله أعلم بالله وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله [من] أن اوبخك بمخالفتي (2) قد عز علي مفارقتك وتفقدك، إلا أنه أمر لابد منه، والله جددت علي مصيبة رسول الله (صلى الله عليه واله) وقد عظمت وفاتك وفقدك، فانالله وإنا إليه راجعون من مصيبة ما أفجعها وآلمها وأمضها وأحزنها هذه والله مصيبة لا عزاء لها، ورزية لا خلف لها.

_______________

 (1) الساعة أو بعد ساعة. ظ

(2) في النسخة المطبوعة: " وأشد خوفا من الله أن اوبخك " وهو ناقص قطعا. فانه لابد في الكلام من صلة متممة لا فعل التفضيل في قوله (عليه السلام): أعلم وأبر وأتقى وأكرم وأشد خوفا من الله. (*)

 

===============

( 192 )

ثم بكيا جميعا ساعة وأخذ علي رأسها وضمها إلى صدره ثم قال: أوصيني بما شئت فانك تجدني فيها أمضي كما أمرتني به وأختار أمرك على أمري.

ثم قالت: جزاك الله عني خير الجزاء يا ابن عم رسول الله اوصيك أولا أن تتزوج بعدي بابنة [اختي] (1) أمامة فانها تكون لولدي مثلي فان الرجال لابدلهم من النساء.

قال: فمن أجل ذلك قال أميرالمؤمنين (عليه السلام): أربع ليس لي إلى فراقه سبيل، بنت [أبي العاس] (2) أمامة أوصتني بها فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه واله).

ثم قالت: اوصيك يا ابن عم أن تتخذلي نعشا فقد رأيت الملائكة صوروا صورته فقال ها: صفيه لي فوصفته فاتخذه لها فأول نعش عمل على وجه الارض ذاك وما رأى أحد قبله ولا عمل أحد.

ثم قالت: اوصيك أن لايشهد أحد جنازتي من هؤلاء الذين ظلموني وأخذوا حقي فانهم عدوي وعدو رسول الله (صلى الله عليه واله) ولا تترك أن يصلي علي أحد منهم، ولا من أتباعهم، وادفني في الليل إذا هدأت العيون ونامت الابصار ثم توفيت صلوات الله عليها وعلى أبنيها وبعلها وبنيها.

فصاحت أهل المدينة صيحة واحدة واجتمعت نساء بني هاشم في دارها، فصرخوا صرخة واحدة كادت المدينة أن تتزعزع من صراخهن وهن يقلن: ياسيدتاه! يا بنت رسول الله! وأقبل الناس مثل عرف الفرس إلى علي (عليه السلام): وهو جالس والحسن والحسين (عليهما السلام) بين يديه يبكيان، فبكى الناس لبكائهما.

وخرجت ام كلثوم وعليها برقعة وتجر ذيلها متجللة برداء عليها تسبجها وهي تقول: يا أبتاه يارسول الله الان حقا فقدناك، فقدا لا لقاء بعده أبدا.

واجتمع الناس فجلسوا وهم يضجون وينتظرون أن تخرج الجنازة فيصلون عليها، وخرج أبوذر وقال: انصرفوا فان ابنة رسول الله (صلى الله عليه واله) قد اخر إخراجها في هذه العشية فقام الناس وانصرفوا.

_______________

 (1) و (2) قد عرفت فيما سبق وجه هذه الزيادة فراجع ص 182. (*)

 

===============

( 193 )

فلما أن هدأت العيون ومضى شطر من الليل أخرجها علي والحسن والحسين (عليهم السلام) وعمار والمقداد وعقيل والزبير وأبوذر وسلمان وبريدة ونفر من بني هاشم وخواصه صلوا عليها ودفنوها في جوف الليل وسوى علي (عليه السلام) حواليها قبورا مزورة مقدار سبعة حتى لايعرف قبرها وقال بعضهم من الخواص: قبرها سوى مع الارض مستويا فمسح مسحا سواء مع الارض حتى لايعرف موضعه.

21 - كا: أحمد بن مهران - رحمه الله - رفعه وأحمد بن إدريس عن محمد ابن عبدالجبار الشيباني قال: حدثني القاسم بن محمد الرازي قال: حدثني علي ابن محمد الهرمزاني، عن أبي عبدالله الحسين بن علي (عليهما السلام) قال: لما قبضت فاطمة (عليها السلام) دفنها أميرالمؤمنين (عليه السلام) سرا وعفا على موضع قبرها ثم قام فحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه واله) ثم قال:

السلام عليك يارسول الله عني! والسلام عليك عن ابنتك، وزائرتك والبائتة في الثرى ببقعتك، والمختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يا رسول الله عن صفيتك صبري، وعفا عن سيدة نساء العالمين تجلدي، إلا أن في التأسي لي بسنتك في فرقتك، موضع تعز، فلقد وسدتك في ملحودة قبرك، وفاضت نفسك بين نحري وصدري.

بلى! وفي كتاب الله لي أنعم القبول، إنا لله وإنا إليه راجعون قد استرجعت الوديعة، واخذت الرهينة، واخلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يارسول الله!

أما حزني فسرمد، وأما ليلي فمسهد، وهم لايبرح من قلبي أو يختار الله لي دارك التي أنت فيها مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان ما فرق بيننا وإلى الله أشكو.

وستنبئك ابنتك بتظافر امتك على هضمها، فأحفها السؤال، واستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها، لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول و يحكم الله وهو خير الحاكمين.

 

===============

( 194 )

والسلام عليكما سلام مودع، لا قال ولاسئم، فان أنصرف فلا عن ملالة وإن اقم فلا عن سوء ظن بما وعدالله الصابرين.

واها واها والصبر أيمن وأجمل، ولو لا غلبة المستولين، لجعلت المقام واللبث لزاما معكوفا، ولاعولت إعوال الثلكى على جليل الرزية.

فبعين الله تدفن ابنتك سرا، وتهضم حقها، ويمنع إرثها!؟ ولم يتباعد العهد، ولم يخلق منك الذكر، وإلى الله يا رسول الله المشتكى، وفيك يارسول الله أحسن العزاء، صلى الله عليك، و(عليها السلام) والرضوان.

بيان: " العفو " المحو والانمحاء " والتجلد " القوة قوله (عليه السلام) " إلا أن في التأسي لي بسنتك " أي بسنة فرقتك، والمعنى أن المصيبة بفراقك كانت أعظم فكما صبرت على تلك مع كونها أشد فلان أصبر على هذه أولى، والتأسي الاقتداء بالصبر في هذه المصيبة، كالصبر في تلك. " وفاضت نفسه " خرجت روحه.

قوله (عليه السلام): " في كتاب الله أنعم القبول " أي فيه ما يصير سببا لقبول المصائب أنعم القبول، واستعار (عليه السلام) لفظ الوديعة والرهينة لتلك النفس الكريمة لان الارواح كالوديعة والرهن في الابدان أولان النساء كالودائع والرهائن عند الازواج، ويمكن أن يقرء " استرجعت " وقرائنه على بناء المعلوم والمجهول.

والتخالس: التسالب، والسهود قلة النوم " أو يختار " أي إلى أن يختار، و " الكمد " بالفتح وبالتحريك الحزن الشديد، ومرض القلب منه وهو إما خبر لقوله هم، أو كل منهما خبر مبتدأ محذوف و " الهضم " الظلم و " الاحفاء " المبالغة في السؤال و " الغليل " حرارة الجوف واعتجلت الامواج: التطمت وفي نهج البلاغة وكشف الغمة: والسلام عليكما سلام مودع.

وعكفه يعكفه: حبسه، والاعوال: رفع الصوت بالبكاء والصياح قوله: " فبعين الله " أي تدفن ابنتك سرا متلبسا بعلم من الله وحضوره وشهوده قوله (عليه السلام): و " فيك " أي في إطاعة أمرك.

22 - كا: محمد بن يحيى، عن أحمد بن محمد، عن ابن محبوب، عن ابن رئاب

 

===============

( 195 )

عن أبي عبيدة قال: سأل أبا عبدالله (عليه السلام) بعض أصحابنا عن الجعفر فقال: هو جلد ثور مملوء علما قال له: فالجامعة؟ قال: تلك صحيفة طولها سبعون ذراعا في عرض الاديم مثل فخذا لفالج فيها كل ما يحتاج الناس إليه، وليس من قضية إلا وهي فيها حتى أرش الخدش.

قال: فمصحف فاطمة (عليها السلام)؟ قال: فسكت طويلا ثم قال: إنكم لتبحثون عما تريدون وعما لا تريدون إن فاطمة مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) خمسة وسبعين يوما وكان دخلها حزن شديد على أبيها وكان جبرئيل يأتيها فيحسن عزاءها على أبيها ويطيب نفسها ويخبرها عن أبيها ومكانه، ويخبرها بما يكون بعده في ذريتها وكان علي (عليه السلام) يكتب ذلك فهذا مصحف فاطمة (عليها السلام).

23 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن القاسم، عن جده، عن أبي بصير عن أبي عبدالله، عن آبائه (عليهم السلام) قال: قال أميرالمؤمنين (عليه السلام): أن أسقاطكم إذا لقوكم يوم القيامة ولم تسموهم يقول السقط لابيه: ألا سميتني وقد سمى رسول الله (صلى الله عليه واله) محسنا قبل أن يولد.

بيان: يحتمل أن يكون " وقد سمى " كلام السقط.

24 - كا: العدة، عن أحمد بن محمد، عن الحسين بن سعيد، عن النضر، عن هشام بن سالم، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سمعته يقول: عاشت فاطمة بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) خمسة وسبعين يوما لم تركاشرة ولا ضاحكة تأتي قبور الشهداء في كل جمعة مرتين: الاثنين والخميس، فتقول (عليها السلام): ههنا كان رسول الله وههنا كان المشركون.

وفي رواية أبان، عمن أخبره، عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنها كانت تصلي هناك و تدعو حتى ماتت (عليها السلام).

كا: علي، عن أبيه، عن ابن أبي عمير، عن هشام مثله.

25 - كا: حميد، عن ا بن سماعة، عن أحمد بن الحسن، عن أبان، عن محمد ابن المفضل قال: سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول: جاءت فاطمة (عليها السلام) إلى سارية في المسجد وهي تقول وتخاطب النبي (صلى الله عليه واله):

 

===============

( 196 )

قد كان بعد أنباء وهنبثة * لو كنت شاهدها لم يكثر الخطب

إنا فقدناك فقد الارض وابلها * واختل قومك فاشهدهم ولا تغب

بيان: قال الجزري " الهنيثة " واحدة النهابث وهي الامور الشداد المختلفة والهنبثة: الاختلاط في القول " والشهود " الحضور و " الخطب " بالفتح الامر الذي تقع فيه المخاطبة، والشأن، والحال، و " الوابل " المطر الشديد.

26 - قل: روينا عن جماعة من أصحابنا ذكر ناهم في كتاب التعريف للمولد الشريف إن وفاة فاطمة (عليها السلام) صارت يوم ثالث جمادى الاخرة.

27 - قب: أنشدت الزهراء (عليها السلام) بعد وفات أبيها (صلى الله عليه واله):

وقد رزئنا به محضا خليقته * صافي الضرائب والاعراق والنسب

وكنت بدرا ونورا يستضاءبه * عليك تنزل من ذي العزة الكتب

وكان جبريل روح القدس زائرنا * فغاب عنا وكل الخير محتجب

فليت قبلك كان الموت صادفنا * لما مضيت وحالت دونك الحجب

إنا رزئنا بمالم يرز ذو شجن * من البرية لا عجم ولا عرب

ضاقت علي بلاد بعد ما رحبت * وسيم سبطاك خسفا فيه لي نصب

فأنت والله خير الخلق كلهم * وأصدق الناس حيث الصدق والكذب

فسوف نبكيك ما عشنا وما بقيت * منا العيون بتهمال لها سكب

عمرو بن دينار، عن الباقر (عليه السلام) قال: ما رؤيت فاطمة (عليها السلام) ضاحكة قط منذ قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) حتى قبضت.

بيان: " الرزء " بالضم والهمزة: المصيبة بفقد الاعزة ورزئنا على صيغة المجهول أي اصبنا واسقطت الهمزة للتخيف (1) وقوله: " محضا خليقته " مفعول ثان لرزئنا على التجريد كقولهم: لقيت بزيد أسدا أي رزئت به بشخص محض الخليقة لايشوبها كدروسوء و " الضريبة " الطبيعة والسجية، و " الاعراق " جمع عرق بالكسر وهو الاصل من كل شئ و " الشجن " " بالتحريك الهم والحزن و " العجم " بالضم و

_______________

 (1) يريد اسقاطها في قولها: " بمالم يرز ". فان أصلها " لم يرزء ". (*)

 

===============

( 197 )

بالتحريك خلاف العرب، وقال الجزري: الخسف: النقصان والهوان و " سيم " كلف والزم وهملت عينه: فاضت.

28 - ج: فيما احتج به الحسن (عليه السلام) على معاوية وأصحابه أنه قال لمغيرة ابن شعبة: أنت ضربت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) حتى أدميتها وألقت ما في بطنها استذلالا منك لرسول الله (صلى الله عليه واله) ومخالفة منك لامره وانتها كالحرمته، وقد قال رسول الله (صلى الله عليه واله): أنت سيدة نساء أهل الجنة والله مصيرك إلى النار.

29 - أقول: وجدت في كتاب سليم بن قيس الهلالي برواية أبان بن أبي عياش عنه، عن سلمان وعبدالله بن العباس قالا: توفي رسول الله (صلى الله عليه واله) يوم توفي فلم يوضع في حفرته، حتى نكث الناس وارتدوا وأجمعوا على الخلاف، واشتغل علي (عليه السلام) برسول الله (صلى الله عليه واله) حتى فرغ من غسله وتكفينه وتحنيطه ووضعه في حفرته، ثم أقبل على تأليف القرآن وشغل عنهم بوصية رسول الله (صلى الله عليه واله).

فقال عمر لابي بكر: يا هذا إن الناس أجمعين قد بايعوك ما خلا هذا الرجل وأهل بيته فابعث إليه فبعث إليه ابن عم لعمر يقال له: قنفذ، فقال له:

يا قنفذ انطلق إلى علي فقل له: أجب خليفة رسول الله، فبعثا مرارا وأبي علي (عليه السلام) أن يأتيهم، فوثب عمر غضبان ونادى خالد بن الوليد وقنفذا فأمرها أن يحملا حطبا ونارا ثم أقبل حتى انتهى إلى باب علي وفاطمة صلوات الله عليهما وفاطمة قاعدة خلف الباب، قد عصبت رأسها، ونحل جسمها في وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله).

فأقبل عمر حتى ضرب الباب ثم نادى: يا ابن أبي طالب افتح الباب! فقالت:

فاطمة: يا عمر مالنا ولك لا تدعنا وما نحن فيه، قال: افتحي الباب وإلا أحرقنا عليكم، فقالت: يا عمر أما تتقي الله عزوجل تدخل على بيتي وتهجم على داري فأبي أن ينصرف، ثم دعا عمر بالنار فأضرمها في الباب فأحرق الباب ثم دفعه عمر فاستقبلته فاطمة (عليها السلام) وصاحت يا أبتاه يارسول الله فرفع اليسف وهو في غمدة فوجا به جنبها فصرخت فرفع السوط فضرب به ذراعها فصاحت يا أبتاه.

 

===============

( 198 )

فوثب علي بن أبيطالب (عليه السلام) فأخذ بتلابيب عمر ثم هزه فصرعه ووجأ أنفه ورقبته، وهم بقتله، فذكر قول رسول الله (صلى الله عليه واله) وما أوصاه به من الصبر والطاعة فقال:

والذي كرم محمدا بالنبوة يا ابن صهاك لولا كتاب من الله سبق لعلمت أنك لا تدخل بيتي، فأرسل عمر يستغيث.

فأقبل الناس حتى دخلوا الدار فكاثروه وألقوا في عنقه حبلا فحالت بينهم وبينه فاطمة عند باب البيت، فضربها قنفذ الملعون بالسوط فماتت حين ماتت وإن في عضدها كمثل الدملج من ضربته لعنه الله فألجأها إلى عضادة بيتها ودفعها فكسر ضعلها من جنبها فألقت جنينا من بطنها فلم تزل صاحبة فراش حتى ماتت - صلى الله عليها - من ذلك شهيدة.

وساق الحديث الطويل في الداهية العظمى والمصيبة الكبرى إلى أن قال ابن عباس:

ثم إن فاطمة (عليها السلام) بلغها أن أبابكر قبض فدكا فخرجت في نساء بني هاشم حتى دخلت على أبي بكر فقالت: يا أبابكر تريد أن تأخذ مني أرضا جعلها لي رسول الله (صلى الله عليه واله) فدعا أبوبكر بدواة ليتكت به لها، فدخل عمر فقال: يا خليفة رسول الله لا تكتب لها حتى تقيم البينة بما تدعي فقالت فاطمة (عليها السلام): علي وام أيمن يشهدان بذلك، فقال عمر، لا تقبل شهادة امرأة أعجمية لا تفصح، وأما علي فيجر النار إلى قرصته.

فرجعت فاطمة مغتاظة فمرضت، وكان علي يصلي في المسجد الصلوات الخمس فلما صلى قال له أبوبكر وعمر: كيف بنت رسول الله إلى أن ثقلت فسألا عنها وقالا قد كان بيننا وبينها ما قدعلمت فان رأيت أن تأذن لنا لنعتذر إليها من ذنبنا، قال:

ذاك إليكما.

فقاما فجلسا بالباب ودخل علي (عليه السلام) على فاطمة (عليها السلام) فقال لها: أيتها الحرة فلان وفلان بالباب يريدان أن يسلما عليك فما تريدين؟ قالت: البيت بيتك، و الحرة زوجتك، افعل ما تشاء! فقال: سدي قناعك فسدت قناعها وحولت وجهها

 

===============

( 199 )

إلى الحائط، فدخلا وسلما وقالا: ارضي عنا رضي الله عنك فقالت: ما دع إلى هذا؟

فقالا: اعترفنا بالاساءة ورجونا أن تعفي عنا فقالت: إن كنتما صادقين فأخبر اني عما أسألكما عنه، فاني لا أسألكما عن أمر إلا وأنا عارفة بأنكما تعلمانه، فان صدقتما علمت أنكما صادقان في مجيئكما قالا: سلي عما بدالك.

قالت: نشدتكما بالله هل سمعتما رسول الله (صلى الله عليه واله) يقول: " فاطمة بضعة مني فمن آذاها فقد آذاني "؟ قالا: نعم فرفعت يدها إلى السماء فقالت: اللهم إنهما قد آذياني فأنا أشكوهما إليك وإلى رسولك، لا والله لا أرضى عنكما أبدا حتى

 ألقى أبي رسول الله (صلى الله عليه واله) واخبره بما صنعتما فيكون هو الحاكم فيكما قال: فعند ذلك دعا أبوبكر بالويل والثبور، وجزع جزعا شديدا فقال عمر: تجزع يا خليفة رسول الله من قول امرأة؟.

قال: فبقيت فاطمة (عليها السلام) بعد وفاة أبيها (صلى الله عليه واله) وسلم أربعين ليلة فلما اشتد بها الامر دعت عليا(عليهما السلام) وقالت: ياابن عم ما أراني إلا لما بي وأنا اوصيك أن تتزوج بأمامة بنت اختي زينب تكون لولدي مثلي، واتخذ لي نعشا فاني رأيت الملائكة يصفونه لي، وأن لايشهد أحد من أعداء الله جنازتي ولا دفني ولا الصلاة علي.

قال ابن عباس: فقبضت فاطمة (عليها السلام) من يومها فارتجت المدينة بالبكاء من الرجال والنساء ودهش الناس كيوم قبض فيه رسول الله (صلى الله عليه واله) فأقبل أبوبكر وعمر يعزيان عليا (عليه السلام) ويقولان له: يا أبا الحسن لا تسبقنا بالصلاة على ابنة رسول الله، فلما كان الليل دعا علي (عليه السلام) العباس والفضل والمقداد وسلمان وأباذر وعمارا فقدم العباس فصلى عليها ودفنوها.

فلما أصبح الناس أقبل أبوبكر وعمر والناس يريدون الصلاة على فاطمة (عليها السلام) فقال المقداد: قد دفنا فاطمة البارحة، فالتفت عمر إلى أبى بكر فقال: لم أقل لك إنهم سيفعلون قال العباس: إنها أوصت أن لا تصليا عليها فقال عمر: لا تتركون يابني هاشم حسدكم القديم لنا أبدا إن هذه الغضائن التي في صدوركم لن تذهب، والله لقد هممت آن أنبشها فاصلي عليها، فقال علي (عليه السلام): والله لورمت ذاك يا ابن صهاك لا رجعت

 

===============

( 200 )

إليك يمينك، لئن سللت سيفي لا غمدته دون إزهاق نفسك: فانكسر عمر وسكت وعلم أن عليا (عليها السلام) إذا حلف صدق.

ثم قال علي (عليه السلام): يا عمر ألست الذي هم بك رسول الله (صلى الله عليه واله) وأرسل إلي فجئت متقلدا سيفي ثم أقبلت نحوك لاقتلك فأنزل الله عز وجل " فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا " (1).

أقول: تمام الخبر مع الاخبار الاخر المشتملة على ما وقع عليها من الظلم أوردتها في كتاب الفتن.

30 - مصباح الانوار: عن جعفر بن محمد، عن آبائه (عليهم السلام) قال: ماتت فاطمة (عليها السلام) ما بين المغرب والعشاء وعن عبدالله بن الحسن، عن أبيه، عن جده (عليه السلام) أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) لما احتضرت نظرت نظرا حادا ثم قالت: السلام على جبرئيل، السلام على رسول الله، اللهم مع رسولك، اللهم في رضوانك وجوارك ودارك دار السلام، ثم قالت: أترون ما أرى؟ فقيل لها ماترى؟ قالت: هذه مواكب أهل السموات، وهذا جبرئيل، وهذا رسول الله، ويقول: يابنية أقدمي فما أمامك خير لك.

وعن زيد بن علي (عليه السلام) أن فاطمة (عليها السلام) لما احتضرت سلمت على جبرئيل وعلى النبي (صلى الله عليه واله) وسلمت على ملك الموت، وسمعوا حس الملائكة، ووجدوا رائحة طيبة كأطيب ما يكون من الطيب.

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن فاطمة عاشت بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) ستة أشهر.

وعن أبي جعفر (عليه السلام) قال: مكثت فاطمة (عليها السلام) في مرضها خمسة عشر يوماوتوفيت.

وعن جعفر بن محمد (عليهما السلام) قال: شهد دفنها سلمان الفارسي والمقداد بن الاسود وأبوذر الغفاري وابن مسعود والعباس بن عبدالمطلب والزبير بن العوام.

وعن أبي جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) أن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) عاشت بعد * (هامش) * (1) مريم: 85. (*)

 

===============

( 201 )

النبي (صلى الله عليه واله) ستة أشهر ما رؤيت ضاحكة، وعنه (عليه السلام) أن فاطمة كفنت في سبعة أثواب.

وعن حسين بن علوان، عن سعدبن طريف، عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: بدو مرض فاطمة بعد خمسين ليلة من وفاة رسول الله (صلى الله عليه واله) فعلمت أنها الوفاة فاجتمعت لذلك تأمر عليا بأمرها وتوصيه بوصيتها وتعهد إليه عهودها، وأمير المؤمنين (عليه السلام) يجزع لذلك، ويطيعها في جميع ما تأمره.

فقالت: يا أبا الحسن إن رسول الله (صلى الله عليه واله) عهد إلى وحدثني أني أول أهله لحوقا به ولابد مما لا بدمنه، فاصبر لامر الله تعالى وارض بقضائه، قال: و أوصته بغلسها وجهازها ودفنها ليلا ففعل، قال: وأوصته بصدقتها وتركتها قال: فلما فرغ أميرالمؤمنين من دفنها لقيه الرجلان فقالا له: ما حملك على ما صنعت؟ قال:

وصيتها وعهدها.

31 - ع: حدثنا علي بن أحمد قال: حدثنا أبوالعباس أحمد بن محمد بن يحيى عن عمرو بن أبي المقدام وزياد بن عبدالله قالا: أتى رجل أباعبدالله (عليه السلام) فقال له:

يرحكمك الله هل تشيع الجنازة بنار ويمشى معها بمجمرة وقنديل أو غير ذلك مما يضاء به؟ قال: فتغير لون أبي عبدالله (عليه السلام) من ذلك واستوى جالسا ثم قال: إنه جاء شقي من الاشقياء إلى فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه واله) فقال لها: أما علمت أن عليا قد خطب بنت أبي جهل فقالت: حقاما تقول: فقال: حقا ما أقول - ثلاث مرات - فدخلها من الغيرة ما لا تملك نفسها وذلك أن الله تبارك وتعالى كتب على النساء غيرة وكتب على الرجال جهادا. وجعل للمحتسبة الصابرة منهن من الاجر ما جعل للمرابط المهاجر في سبيل الله.

قال: فاشتد غم فاطمة (عليها السلام) من ذلك، وبقيت متفكرة هي حتى أمست وجاء الليل حملت الحسن على عاتقها الايمن والحسين على عاتقها الايسر وأخذت بيد ام الكثوم اليسرى بيدها اليمنى ثم تحولت إلى حجرة أبيها فجاء علي (عليه السلام) فدخل في حجرته فلم ير فاطمة (عليها السلام) فاشتد لذلك غمه وعظم عليه، ولم يعلم القصة

 

===============

( 202 )

ماهي فاستحيى أن يدعوها من منزل أبيها فخرج إلى المسجد فصلى فيه ماشاء الله ثم جمع شيئا من كثيب المسجد واتكا عليه.

فلما رأى النبي (صلى الله عليه واله) ما بفاطمة من الحزن أفاض عليه الماء ثم لبس ثوبه ودخل المسجد، فلم يزل يصلي بين راكع وساجد وكلما صلى ركعتين دعا الله أن يذهب ما بفاطمة من الحزن والغم وذلك أنه خرج من عندها وهي تتقلب وتتنفس الصعداء فلما رآها النبي (صلى الله عليه واله) أنها لا يهنئها النوم، وليس لها قرار قال لها: قومي يابنية فقامت فحمل النبي (صلى الله عليه واله) الحسن وحملت فاطمة الحسين وأخذت بيد ام الكثوم فانتهى إلى علي (عليه السلام) وهو نائم فوضع النبي رجله على رجل علي فغمزه وقال: قم ياأبا تراب، فكم ساكن أزعجة، ادع لي أباكبر من داره وعمر من مجلسه وطلحة.

فخرج علي (عليه السلام) فاستخر جهما من منزلهما، واجتموا عندرسول الله فقال رسول الله (صلى الله عليه واله): يا علي أما علمت أن فاطمة بضعة مني وأنا منها، فمن آذاها فقد آذاني [ومن آذاني فقد آذي الله] (1) ومن آذاها بعد موتى كان كمن آذاها في حياتي، ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتى؟ قال: فقال علي: بلى يا رسول الله قال: فقال: فما دعاك إلى ما صنعت؟ فقال علي: والذي بعثك بالحق نبيا ما كان مني مما بلغها شئ ولا حدثت بها نفسي فقال النبي (صلى الله عليه واله): صدقت وصدقت.

ففرحت فاطمة (عليها السلام) بذلك وتبسمت حتيى رئى ثغرها فقال أحدهما لصاحبه: إنه لعجب لحينه ما دعاه إلى ما دعانا هذه الساعة قال: ثم أخذ النبي (صلى الله عليه واله) بيد علي (عليه السلام) فشبك أصابعه بأصابعه فحمل النبي (صلى الله عليه واله) الحسن وحمل الحسين على (عليه السلام) وحملت فاطمة (عليها السلام) ام الكلثوم وأدخلهم النبي (صلى الله عليه واله) بيتهم ووضع عليهم قطيفة، واستودعهم الله ثم خرج وصلى بقية الليل.

فلما مرضت فاطمة (عليها السلام) مرضها الذي ماتت فيه أتياها عائدين و استأذنا عليها فأبت أن تأذن لهما فلما رأى ذلك أبوبكر أعطى الله عهدا لا يظله سقف

_______________

 (1) زيادة جعلها في المصدر ج 2 ص 177 بين العلامتين ولم يذيل بشئ وكيف كان فهى زيادة يستدعيها السياق كما يأتى آنفا من كلامها (عليها السلام). (*)

 

===============

( 203 )

بيت حتى يدخل على فاطمة (عليها السلام) ويتراضاها. فبات ليلة في الصقيع ما أظله شئ ثم إن عمر أتى عليا (عليه السلام) فقال له: إن أبابكر شيخ رقيق القلب، وقد كان مع رسول الله (صلى الله عليه واله) في الغار فله صحبة وقد أتيناها غير هذه المرة مرارا نريد الاذن عليها وهي تأبى أن تأذن لنا حتى ندخل عليها فنتراضى فان رأيت أن تستأذن لنا عليها فافعل، قال: نعم، فدخل علي على فاطمة (عليهما السلام) فقال: يا بنت رسول الله قد كان من هذين الرجلين ما قد رأيت وقد ترددا مرارا كثيرة ورددتهما ولم تأذني لهما وقد سألاني أن أستأذن لهما عليك فقالت: والله لا أذن لهما ولا اكلمهما كلمة من رأسي حتى ألقى أبي فأشكوهما إليه بما صنعاه وارتكباه مني.

قال علي (عليه السلام): فاني ضمنت لهما ذلك، قالت: إن كنت قد ضمنت لهما شيئا فالبيت بيتك والنساء تتبع الرجال لا اخالف عليك بشئ فائذن لمن أحببت، فخرج علي (عليه السلام) فأذن لهما فلما وقع بصرهما على فاطمة (عليها السلام) سلما عليها فلم ترد عليهما وحولت وجهها عنهما فتحولا واستقبلا وجهها حتى فعلت مرارا، وقالت: يا علي جاف الثوب، وقالت لنسوة حولها: حولن وجهي، فلما حولن وجهها حولا إليها فقال أبوبكر: يا بنت رسول الله إنما أتيناك ابتغاء مرضاتك، واجتناب سخطك نسألك أن تغفري لنا وتصفحي عما كان منا إليك، قالت: لا اكلمكما من رأسي كلمة واحدة حتى ألقى أبي وأشكو كما إليه، وأشكو صنعكما وفعالكما وما ارتكبتما مني.

قالا: إنا جئنا معتذرين مبتغين مرضاتك فاغفري واصفحي عنا ولا تؤاخذينا بماكان منا، فالتفتت إلى علي (عليه السلام) وقالت: إني لا اكلمهما من رأسي كلمة حتى أسألهما عن شئ سمعاه من رسول الله (صلى الله عليه واله) فان صدقاني رأيت رأيي قالا: اللهم ذلك لها وإنا لانقول إلا حقها ولا نشهد إلا صدقا.

فقالت: انشدكمابالله أتذكر ان أن رسول الله (صلى الله عليه واله) استخرجكما في جوف الليل بشئ كان حدث من أمر علي؟ فقالا: اللهم نعم، فقالت: انشدكما بالله

 

===============

( 204 )

هل سمعتما النبي (صلى الله عليه واله) يقول: فاطمة بضعة مني وأنا منها من آذاها فقد آذاني ومن آذاني فقد آذى الله ومن آذاها بعد موتي فكان كمن آذاها في حياتي ومن آذاها في حياتي كان كمن آذاها بعد موتي؟ قالا: اللهم نعم قالت: الحمد لله.

ثم قالت: اللهم إني اشهدك فاشهدوا يا من حضرني أنهما قد آذياني في حياتي وعند موتي، والله لا اكلمكما من رأسي كلمة حتى ألقى ربي فأشكو كما إليه بما صنعتما [به و] بي وارتكبتما مني، فدعا أبوبكر بالويل والثبور وقال: ليت امي لم تلدني، فقال عمر: عجبا للناس كيف ولوك امورهم وأنت شيخ قد خرفت تجزع لغضب امرأة وتفرح برضاها وما لمن أغضب امرأة، وقاما وخرجا.

قال: فلما نعي إلى فاطمة (عليها السلام) نفسها أرسلت إلى ام أيمن وكانت أوثق نسائها عندها وفي نفسها فقالت: يا ام أيمن إن نفسي نعيت إلي فادعي لي عليا فدعته لها فلما دخل عليها قالت له: يا ابن العم اريد أن اوصيك بأشياء فاحفظها علي فقال لها: قولي ما أحببت، قالت له: تزوج فلانة تكون مربية لولدي من بعدي مثلي، واعمل نعشا رأيت الملائكة قد صورته لي فقال لها علي: أريني كيف صورته، فأرته ذلك كما وصفت له وكما أمرت به، ثم قالت: فاذا أنا قضيت نحبي فأخرجني من ساعتك أي ساعة كانت من ليل أو نهار، ولا يحضرن من أعداء الله وأعداء رسوله للصلاة علي، قال علي (عليه السلام): أفعل.

فلما قضت نحبها صلى الله عليها وهم في ذلك في جوف الليل أخذ علي (عليه السلام) في جهازها من ساعته كما أوصته، فلما فرغ من جهازها، أخرج علي الجنازة وأشعل النار في جريد النخل، ومشى مع الجنازة بالنار، حتى صلى عليها ودفنها ليلا.

فلما أصبح أبوبكر وعمر عاودا عائدين لفاطمة، فلقيا رجلا من فريش فقالا له: من أين أقبلت؟ قال: عزيت عليا بفاطمة، قالا: وقد ماتت؟ قال: نعم، ودفنت في جوف الليل، فجزعا شديدا ثم أقبلا إلى علي (عليه السلام) فلقياه فقالا له: والله

 

===============

( 205 )

ما تركت شيئا من غوائلنا ومسائتنا وما هذا إلا من شئ في صدرك علينا، هل هذا إلا كما غسلت رسول الله (صلى الله عليه واله) دوننا ولم تدخلنا معك، وكما علمت ابنك أن يصبح بأبي بكر أن: انزل عن منبر أبي.

فقال لهما علي (عليه السلام): أتصدقاني إن حلفت لكما؟ قالا: نعم، فحلف فأدخلهما علي المسجد قال: إن رسول الله (صلى الله عليه واله) لقد أوصاني وقد تقدم إلي أنه لا يطلع على عورته أحد إلا ابن عمه، فكنت اغسله والملائكة تقلبه والفضل بن العباس يناولني الماء وهو مربوط العينين بالخرقة، ولقد أردت أن أنزع القميص فصاح بي صائح من البيت سمعت الصوت ولم أر الصورة: لا تنزع قميص رسول الله (صلى الله عليه واله) ولقد سمعت الصوت يكرره علي فأدخلت يدي من بين القميص فغسلته، ثم قدم إلي الكفن فكفنته، ثم نزعت القميص بعد ما كنفته.

وأما الحسن ابني فقد تعلمان ويعلم أهل المدينة أنه كان يتخطى الصفوف حتى يأتي النبي (صلى الله عليه واله) وهو ساجد فيركب ظهره فيقوم النبي (صلى الله عليه واله) ويده على ظهر الحسن والاخرى على ركبته حتى يتم الصلاة قالا: نعم قد علمنا ذلك.

ثم قال: تعلمان ويعلم أهل المدينة أن الحسن كان يسعى إلى النبي (صلى الله عليه واله) ويركب على رقبته ويدلي الحسن رجليه على صدر النبي (صلى الله عليه واله) حتى يرى بريق خلخاليه من أقصى المسجد والنبي (صلى الله عليه واله) يخطب ولايزال على رقبته حتى يفرغ النبي (صلى الله عليه واله) من خطبته والحسن على رقبته فلما رأى الصبي على منبر أبيه غيره شق عليه ذلك، والله ما أمرته بذلك ولا فعله عن أمري.

وأما فاطمة فهي المرأة التي استأذنت لكما عليها، فقد رأيتما ما كان من كلامها لكما، والله لقد أوصتني أن لا تحضرا جنازتها ولا الصلاة عليها، وما كنت الذي اخالف أمرها ووصيتها إلي فيكما فقال عمر: دع عنك هذه الهمهمة، أنا أمضي إلى المقابر فأنبشها حتى اصلي عليا، فقال له علي (عليه السلام): والله لو ذهبت تروم من ذلك شيئا وعلمت أنك لا تصل إلى ذلك حتى يندر عنك الذي فيه عيناك فاني كنت لا اعاملك إلا بالسيف قبل أن تصل إلى شئ من ذلك.

 

===============

( 206 )

فوقع بين علي (عليه السلام) وعمر كلام حتى تلاحيا واستبسل، واجتمع المهاجرون والانصار فقالوا: والله ما نرضى بهذا أن يقال في ابن عم رسول الله وأخيه ووصيه وكادت أن تقع فتنة، فتفرقا. (1)

بيان: الصعداء بالمد تنفس ممدود، قوله (صلى الله عليه واله): وصدقت إما تأكيد للاول أو على بناء المجهول من المخاطب، أو على الغيبة أي صدقت فاطمة (عليها السلام) لانها لم تذكر إلا ما سمعت، والصقيع الذي يسقط من السماء بالليل شبيه بالثلج، ويقال أجفيت السرج من ظهر الفرس إذا رفعته عنه، وجافاه عنه أي أبعده ولعل المعنى:

خذ الثوب وارفعه قليلا حتى أتحول من جانب إلى جانب " والهمهمة " تنويم المرأة الطفل بصوتها، وندر الشئ يندر ندرا سقط وشذ، والملاحاة المنازعة، والمباسلة المصاولة في الحرب والمستبسل الذي يوطن نفسه على الموت، واستبسل أي طرح نفسه في الحرب، وهو يريد أن يقتل لا محالة.

32 - ع: أبي، عن أحمد بن إدريس، عن ابن عيسى، عن البزنطي، عن عبدالرحمن بن سالم، عن المفضل قال: قلت لابي عبدالله (عليه السلام): جعلت فداك من غسل فاطمة؟ قال: ذاك أمير المؤمنين (عليه السلام) قال: فكأني استعظمت ذلك من قوله فقال: كأنك ضقت مما أخبرتك به؟ قلت: قد كان ذلك جعلت فداك، قال: لا تضيقن فانها صديقة لا يغسلها إلا صديق، أما علمت أن مريم لم يغسلها إلا عيسى (عليه السلام).

كا: محمد بن يحيى، عن ابن عيسى، عن عبدالرحمن بن سالم مثله.

33 - ب: ابن طريف، عن ابن علوان، عن جعفر، عن أبيه (عليهما السلام) أن عليا (عليه السلام) غسل امرأته فاطمة (عليها السلام) بنت رسول الله (صلى الله عليه واله).

34 - ع: علي بن أحمد بن محمد، عن الاسدي، عن النخعي، عن النوفلي عن ابن البطائني، عن أبيه قال: سألت أبا عبدالله (عليه السلام) لاي علة دفنت فاطمة

_______________

 (1) عرضنا الحديث على المصدر ج 1 ص 177 وصححنا بعض ألفاظه المصحفة. (*)

 

===============

( 207 )

(عليها السلام) بالليل ولم تدفن بالنهار؟ قال: لانها أوصت أن لا يصلي عليها الرجلان الاعرابيان. (1)

بيان: الاعرابيان: الكافران لقوله تعالى " الاعراب أشد كفرا ونفاقا " (2)

35 - ع، لى: ابن موسى، عن ابن زكريا القطان، عن ابن حبيب، عن محمد ابن عبيدالله وعبدالله بن الصلت الجحدري قالا: حدثنا ابن عائشة، عن عبدالله ابن عبدالرحمن الهمداني، عن أبيه قال: لما دفن علي بن أبي طالب (عليه السلام) فاطمة (عليها السلام) قام على شفير القبر وذلك في جوف الليل لانه كان دفنها ليلا ثم أنشأ يقول:

لكل اجتماع من حليلين فرقة * وكل الذي دون الممات قليل

وإن افتقادي واحدا بعد واحد * دليل على أن لا يدوم خليل

ستعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ويحدث بعدي للخليل خليل

36 - كتاب الدلائل للطبرى: عن أحمد بن محمد الخشاب، عن زكريا بن يحيى، عن ابن أبي زائدة، عن أبيه، عن محمد بن الحسن، عن أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: لما قبض رسول الله (صلى الله عليه واله) ما ترك إلا الثقلين: كتاب الله وعترته: أهل بيته، وكان قد أسر إلى فاطمة صلوات الله عليها أنها لا حقة به أول أهل بيته لحوقا.

قالت: بينا أني بين القائمة واليقظانة بعد وفاة أبي بأيام إذ رأيت كأن أبي قد أشرف علي فلما رأيته لم أملك نفسي أن ناديت يا أبتاه انقطع عنا خبرالسماء فبينا أنا كذلك إذ أتتني الملائكة صفوفا يقدمها ملكان حتى أخذاني فصعدابي إلى السماء فرفعت رأسي فإذا أنا بقصور مشيدة وبساتين وأنهار تطرد، وقصر بعد قصر، وبستان بعد بستان، وإذا قد اطلع علي من تلك القصور جواري كأنهن اللعب فهن يتباشرن ويضحكن إلي ويقلن: مرحبا بمن خلقت الجنة وخلقنا من -

_______________

 (1) في المصدر المطبوع ج 1 ص 176: أن لا يصلى عليها رجال.

(2) براءة: 98. (*)

 

===============

( 208 )

أجل أبيها.

فلم تزل الملائكة تصعد بي حتى أدخلوني إلى دار فيها قصور في كل قصر من البيوت ما لا عين رأت وفيها من السندس والاستبرق على أسرة (1) وعليها ألحاف من ألوان الحرير والديباج، وآنية الذهب والفضة، و فيها موائد عليها من ألوان الطعام، وفي تلك الجنان نهر مطرد أشد بياضا من اللبن وأطيب رائحة من المسك الاذفر، فقلت: لمن هذه الدار؟ وما هذا النهر؟ فقالوا: هذه الدار الفردوس الاعلى الذي ليس بعده جنة وهي دار أبيك ومن معه من النبيين ومن أحب الله، قلت: فما هذا النهر؟ قالوا: هذا الكوثر الذي وعده أن يعطيه إياه فقلت:

فأين أبي قالوا: الساعة يدخل عليك.

فبينا أنا كذلك إذ برزت لى قصور هي أشد بياضا وأنور من تلك وفرش هي أحسن من تلك الفرش وإذا بفرش مرتفعة على أسرة وإذا أبي (صلى الله عليه واله) جالس على تلك الفرس، ومعه جماعة، فلما رآني أخذني فضمني وقبل ما بين عيني وقال:

مرحبا بابنتي! وأخذني وأقعدني في حجره ثم قال لي: يا حبيبتي أما ترين ما أعد الله لك وما تقدمين عليه؟ فأراني قصورا مشرقات فيها ألوان الطرائف والحلي والحلل، وقال: هذه مسكنك ومسكن زوجك وولديك ومن أحبك وأحبهما فطيبي نفسا فانك قادمة علي إلى أيام، قالت: فطار قلبي واشتد شوقي وانتبهت من رقدتي مرعوبة.

قال أبوعبدالله: قال أميرالمؤمنين (عليه السلام): فلما انتبهت من مرقدها صاحت بي فأتيتها فقلت لها: ما تشتكين؟ فخبرتني بخبر الرؤيا ثم أخذت علي عهدالله ورسوله أنها إذا توفت لا اعلم أحدا إلا ام سلمة زوج رسول الله (صلى الله عليه واله) وأم أيمن وفضة ومن الرجال ابنيها وعبدالله بن عباس وسلمان الفارسي وعمار بن ياسر والمقداد وأبوذر وحذيفة، وقالت: إني أحللتك من أن تراني بعد موتي فكن مع النسوة فيمن

_______________

 (1) الاسرة: جمع سرير وهو التخت ويغلب على تخت الملك، لان من جلس عليه من أهل الرفعة يكون مسرورا. وألحاف جمع لحاف - على غير قياس - والمراد هنا غطاء التخت. (*)

 

===============

( 209 )

يغسلني ولا تدفني إلا ليلا ولا تعلم أحدا قبري.

فلما كانت الليلة التي أراد الله أن يكرمها ويقبضها إليه أقبلت تقول: وعليكم السلام وهي تقول لي: ياابن عم قد أتاني جبرئيل مسلما وقال لي: السلام يقرأ عليك السلام يا حبيبة حبيب الله، وثمرة فؤاده، اليوم تلحقين بالرفيع الاعلى وجنة المأوى ثم انصرف عني. ثم سمعناها ثانية تقول: وعليكم السلام فقالت: ياابن عم هذا والله ميكائيل وقال لي كقول صاحبه.

ثم تقول: وعليكم السلام ورأيناها قد فتحت عينيها فتحا شديدا ثم قالت:

ياابن عم هذا والله الحق وهذا عزرائيل قد نشر جناحه بالمشرق والمغرب وقد وصفه لي أبي وهذه صفته، فسمعناها تقول: وعليك السلام يا قابض الارواح عجل بي ولا تعذبني ثم سمعناها تقول: إليك ربي لا إلى النار ثم غمضت عينيها ومدت يديها ورجليها كأنها لم تكن حية قط.

37 - لى: المكتب، عن العلوي، عن الفزاري، عن محمد بن الحسين الزيات عن سليمان بن حفص المروزي، عن ابن طريف، عن ابن نباته قال: سئل أميرالمؤمنين علي بن أبي طالب (عليه السلام) عن علة دفنه لفاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) ليلا فقال: إنها كانت ساخطة على قوم كرهت حضورهم جنازتها وحرام على من يتولاهم أن يصلي على أحد من ولدها.

38 - ما: المفيد، عن محمد بن أحمد المنصوري، عن سلمان بن سهل، عن عيسى بن إسحاق القرشي، عن حمدان بن علي الخفاف، عن ابن حميد، عن الثمالي، عن أبي جعفر الباقر، عن أبيه (عليهما السلام)، عن محمد بن عمار بن ياسر، عن أبيه قال: لما مرضت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) - مرضتها التي توفيت فيها - وثقلت (1) جاءها العباس بن عبدالمطلب عائدا فقيل له إنها ثقيلة وليس يدخل عليها أحد فانصرف إلى داره وأرسل إلى علي (عليه السلام) فقال لرسوله: قل له: ياابن أخ عمك يقرؤك السلام ويقول لك: لله قد فجأني من الغم بشكاة حبيبة رسول الله (صلى الله عليه واله)

_______________

 (1) عطف على قوله: " لما مرضت ". (*)

 

===============

( 210 )

وقرة عينيه وعيني فاطمة ماهدني وإني لاظنها أولنا لحوقا برسول الله (صلى الله عليه واله) يختارلها ويحبوها ويزلفها لربه، فان كان من أمرها ما لابد منه، فأجمع - أنالك الفداء - المهاجرين والانصار حتى يصيبوا الاجر في حضورها والصلاة عليها، وفي ذلك جمال للدين.

فقال علي (عليه السلام) لرسوله وأنا حاضر عنده: أبلغ عمي السلام وقل لا عدمت إشفاقك وتحيتك، وقد عرفت مشورتك، ولرأيك فضله، إن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) لم تزل مظلومة، من حقها ممنوعة، وعن ميراثها مدفوعة، لم تحفظ فيها وصية رسول الله (صلى الله عليه واله) ولا رعي فيها حقه، ولا حق الله عزوجل، وكفى بالله حاكما ومن الظالمين منتقما، وأنا أسألك يا عم أن تسمح لي بترك ما أشرت به فانها وصتني بستر أمرها.

قال: فلما أتى العباس رسوله بما قال علي (عليه السلام) قال: يغفر الله لابن أخي فانه لمغفور له إن رأى ابن أخي لا يطعن فيه، إنه لم يولد لعبد المطلب مولود أعظم بركة من علي إلا النبي (صلى الله عليه واله) إن عليا لم يزل أسبقهم إلى كل مكرمة وأعلمهم بكل فضيلة، وأشجعهم في الكريهة، وأشدهم جهادا للاعداء في نصرة الحنيفية، وأول من آمن بالله ورسوله (صلى الله عليه واله).

39 - ل: محمد بن عمير البغدادي، عن أحمد بن الحسن بن عبدالكريم، عن عباد بن صهيب، عن عيسى بن عبدالله العمري، عن أبيه، عن جده، عن علي (عليه السلام) قال: خلقت الارض لسبعة بهم يرزقون، وبهم يمطرون، وبهم ينصرون: أبوذر وسلمان والمقداد وعمار، وحذيفة، وعبدالله بن مسعود قال علي (عليه السلام): وأنا إمامهم وهم الذين شهدوا الصلاة على فاطمة.

كش: جبرئيل بن أحمد، عن الحسين بن خرزاد، عن ابن فضال، عن ثعلبة، عن زرارة، عن أبي جعفر، عن أبيه، عن جده (عليهم السلام) مثله.

40 - جا، ما: المفيد، عن الصدوق، عن أبيه، عن أحمد بن إدريس، عن

 

===============

( 211 )

محمد بن عبد الجبار، عن القاسم بن محمد الرازي، عن علي بن محمد الهرمرازي (1)

عن علي بن الحسين، عن أبيه الحسين (عليهما السلام) قال: لما مرضت فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) وصت إلى علي بن أبي طالب (عليه السلام) أن يكتم أمرها ويخفي خبرها ولا يؤذن أحدا بمرضها، ففعل ذلك، وكان يمرضها بنفسه وتعينه على ذلك أسماء بنت عميس رحمها الله، على استسرار بذلك ما وصت به، فلما حضرتها الوفاة وصت أميرالمؤمنين (عليه السلام) أن يتولى أمرها، ويدفنها ليلا ويعفي قبرها، فتولى ذلك أميرالمؤمنين (عليه السلام) ودفنها، وعفى موضع قبرها.

فلما، نفض يده من تراب القبر هاج به الحزن، فأرسل دموعه على خديه وحول وجهه إلى قبر رسول الله (صلى الله عليه واله) فقال:

السلام عليك يا رسول الله، السلام عليك من ابنتك وحبيبتك، وقرة عينك وزائرتك، والبائتة في الثرى ببقيعك، المختار الله لها سرعة اللحاق بك، قل يارسول الله عن صفيتك صبري، وضعف عن سيدة النساء تجلدي، إلا أن في التأنسي لي بسنتك، والحزن الذي حل بي لفراقك، موضع التعزي، ولقد وسدتك في ملحود قبرك، بعد أن فاضت نفسك على صدري، وغمضتك بيدي، وتوليت أمرك بنفسي.

نعم وفي كتاب الله أنعم القبول، إنا لله وإنا إليه راجعون، قد استرجعت الوديعة، واخذت الرهينة، واختلست الزهراء، فما أقبح الخضراء والغبراء يا رسول الله.

أما حزني فسرمد، وأماليلي فمسهد، لايبرح الحزن من قلبي أو يختار الله لي دارك التي فيها أنت مقيم، كمد مقيح، وهم مهيج، سرعان مافرق [الله )

بيننا، وإلى الله أشكو، وستنبئك ابنتك بتظاهر امتك علي، وعلى هضمها حقها فاستخبرها الحال، فكم من غليل معتلج بصدرها لم تجد إلى بثه سبيلا، وستقول و

_______________

 (1) كذا في النسخة وفيه الهروى خ ل وقد مر عن الكافى (ج 1 ص 458) الهرمزانى راجع ص 193 فيما سبق. (*)

 

===============

( 212 )

يحكم الله وهو خير الحاكمين.

سلام عليك يارسول الله سلام مودع لاسئم (1) ولا قال، فان أنصرف فلا عن ملالة، وإن اقم فلا عن سوء ظني بما وعدالله الصابرين، الصبر أيمن وأجمل ولو لا غلبة المستولين علينا، لجعلت المقام عند قبرك لزاما، والتلبث عنده معكوفا، ولاعولت إعوال الثكلى على جليل الرزية. فبعين الله تدفن بنتك سرا، ويهتضم حقها قهرا ويمنع إرثها جهرا، ولم يطل العهد، ولم يخلق منك الذكر، فالى الله يارسول الله المشتكى، وفيك أجمل العزاء، فصلوات الله عليها وعليك ورحمة الله وبركاته.

41 - عيون المعجزات للسيد المرتضى رحمه الله: روي أن فاطمة (عليها السلام) توفيت ولها ثمان عشرة سنة وشهران، وأقامت بعد النبي (صلى الله عليه واله) خمسة وسبعين يوما و روي أربعين يوما، وتولى غلسلها وتكفينها أميرالمؤمنين (عليه السلام) وأخرجها ومعه الحسن والحسين في الليل، وصلوا عليها ولم يعلم بها أحد، ودفنها في البقيع وجدد أربعين قبرا فاستشكل على الناس قبرها فأصبح الناس ولام بعضهم بعضا وقالوا: إن نبينا (صلى الله عليه واله) خلف بنتا ولم نحضر وفاتها والصلاة عليها ودفنها، ولا نعرف قبرها فنزورها.

فقال من تولى الامر: هاتوا من نساء المسلمين من تنبش هذه القبور، حتى نجد فاطمة (عليها السلام) فنصلي عليها ونزور قبرها، فبلغ ذلك أميرالمؤمنين (عليه السلام) فخرج مغضبا قد احمرت عيناه وقد تقلد سيفه ذاالفقار حتى البقيع وقد اجتمعوا فيه فقال (عليه السلام): لو نبشتم قبرا من هذه القبور لو ضعت السيف فيكم، فتولى القوم عن البقيع.

42 - يب: سلمة بن الخطاب، عن موسى بن عمر بن يزيد، عن علي بن النعمان، عن ابن مسكان، عن سليمان بن خالد، عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: سألته عن أول من جعل له النعش، فقال: فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله).

- 43 يب: سلمة بن الخطاب، عن أحمد بن يحيى بن زكريا عن أبيه، عن

_______________

 (1) والقياس: سؤوم. (*)

 

===============

( 213 )

حميد بن المثني، عن أبي عبدالرحمن الحذاء عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال: أول نعش احدث في الاسلام نعش فاطمة إنها اشتكت شكوتها التي قبضت فيها وقالت لاسماء:

إني نحلت وذهب لحمي ألا تجعلين لي شيئا يسترني؟ قالت أسماء: إني إذ كنت بأرض الحبشة رأيتهم يصنعون شيئا أفلا أصنع لك فان أعجبك أصنع لك؟ قالت: نعم فدعت بسرير فأكبته لوجهه، ثم دعت بجرائد فشددته على قوائمه ثم جللته ثوبا فقالت: هكذا رأيتهم يصنعون فقالت: اصنعي لهي مثله استريني سترك الله من النار.

44 - من بعض كتب المناقب القديمة: اختلف الروايات في وقت وفاتها ففي رواية أنها بقيت بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) شهرين. وفي رواية ثلاثة أشهر، وفي رواية مائة يوم، وفي رواية ثمانية أشهر.

وعن علي بن أحمد العاصمي بإسناده عن موسى بن جعفر، عن آبائه (عليهم السلام) عن علي (عليه السلام) فاطمة لما توفي رسول الله (صلى الله عليه واله) كانت تقول: واأبتاه من ربه ما أدناه، واأبتاه جنان الخلد مثواه، واأبتاه يكرمه ربه إذا أتاه، ياأبتاه الرب و الرسل تسلم عليه حين تلقاه.

فلما ماتت فاطمة (عليها السلام) قال علي بن أبي طالب يرثيها:

" لكل اجتماع من خليلين فرقة " الابيات.

وذكر الحاكم أن فاطمة لما ماتت أنشأ علي (عليه السلام):

نفسي على زفراتها محبوسة * ياليتها خرجت مع الزفرات

لا خير بعدك في الحياة وإنما * أبكي مخافة أن تطول حياتي

وعن سيد الحفاظ أبي منصور الديلمي بإسناده أن عبدالله بن الحسن دخل على هشام بن عبدالملك وعنده الكلبي، فقال هشام لعبد الله بن الحسن: يا أبا محمد!

كم بلغت فاطمة بنت رسول الله من السن؟ فقال: بلغت ثلاثين فقال للكلبي:

ما تقول؟ قال: بلغت خمسا وثلاثين، فقال هشام لعبدالله: ألا تسمع ما يقول الكلبي؟

فقال عبدالله: يا أميرالمؤمنين سلني عن امي فأنا أعلم بها وسل الكلبي عن امه فهو أعلم بها.

 

===============

( 214 )

وعن العاصمي بإسناده، عن محمد بن عمر قال: توفيت فاطمة بنت محمد (صلى الله عليه واله) لثلاث ليال خلون من شهر رمضان وهي بنت تسع وعشرين أو نحوها.

وذكر أبوعبدالله بن مندة الاصفهاني في كتاب المعرفة أن عليا تزوج فاطمة بالمدينة بعد سنة من الهجرة وبنى بها بعد ذلك بنحو من سنة وولدت لعلي الحسن والحسين والمحسن وام كلثوم الكبرى وزينب الكبرى.

وقال محمد بن إسحاق: توفيت ولها ثمان وعشرون سنة، وقيل: سبع وعشرون سنة، وفي رواية أنها ولدت على رأس سنة إحدى وأربعين من مولد النبي (صلى الله عليه واله) فيكون سنها على هذا ثلاثا وعشرين، والاكثر على أنها كانت بنت تسع وعشرين أو ثلاثين (عليها السلام).

وذكر وهب بن منبه، عن ابن عباس أنها بقيت أربعين يوما بعده، وفي رواية ستة أشهر وساق ابن عباس الحديث إلى أن قال: لما توفيت (عليها السلام) شقت أسماء جيبها وخرجت فتلقاها الحسن والحسين فقالا: أين امنا؟ فسكتت فدخلا البيت فاذا هي ممتدة فحركها الحسين فاذا هي ميتة، فقال: يا أخاه آجرك الله في الوالدة، وخرجا يناديان: يا محمداه يا أحمداه اليوم جدد لنا موتك إذ ماتت امنا.

ثم أخبرا عليا وهو في المسجد فغشي عليه حتى رش عليه الماء ثم أفاق فحملهما حتى أدخلهما بيت فاطمة وعند رأسها أسماء تبكي وتقول: وايتامى محمد، كنا نتعزى بفاطمة بعد موت جدكما فبمن نتعزى بعدها فكشف علي عن وجهها فاذا برقعة عند رأسها فنظر فيها فإذا فيها:

بسم الله الرحمن الرحيم هذا ما أوصت به فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله) أوصت وهي تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله وأن الجنة حق والنار حق وأن الساعة آتية لاريب فيها وأن الله يبعث من القبور يا علي أنا فاطمة بنت محمد زوجني الله منك لاكون لك في الدنيا والاخرة أنت أولى بي من غيري حنطني وغسلني و كفني بالليل وصل علي وادفني بالليل ولا تعلم أحدا وأستودعك الله وأقرء على ولدي السلام إلى يوم القيامة.

 

===============

( 215 )

فلما جن الليل غسلها علي ووضعها على السرير، وقال للحسن: ادع لي أباذر فدعاه فحملاه إلى المصلى، فصلى عليها ثم صلى ركعتين، ورفع يديه إلى السماء فنادى: هذه بنت نبيك فاطمة أخرجتها من الظلمات إلى النور، فأضاءت الارض ميلا في ميل فلما أرادوا أن يدفنوها نودوا من بقعة من البقيع إلي إلي فقد رفع تربتها مني فنظروا فاذا هي بقبر محفور، فحلمواالسرير إليها فدفنوها فجلس علي على شفير القبر فقال: يار أرض! استودعتك وديعتي، هذه بنت رسول الله فنودي منها: يا علي أنا أرفق بها منك فارجع ولاتهتم فرجع وانسد القبر واستوى بالارض فلم يعلم أين كان إلى يوم القيامة.

45 - أقول: قال أبوالفرج في مقاتل الطالبين: كانت وفاة فاطمة (عليها السلام) بعد وفاة النبي (صلى الله عليه واله) بمدة يختلف في مبلغها فالمكثر يقول: ثمانية أشهر، والمقلل يقول:

أربعين يوما إلا أن الثبت في ذلك ما روي عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام) أنها توفيت بعده بثلاثة أشهر حدثني بذلك الحسن بن علي، عن الحارث، عن ابن سعد، عن الواقدي، عن عمرو بن دينار، عن أبي جعفر محمد بن علي (عليهما السلام).

46 - كف، مصبا: في الثالث من جمادى الاخرة كان وفاة فاطمة (عليها السلام) سنة إحدى عشرة.

47 - مصبا: في اليوم الحادي والعشرين من رحب كانت وفاة الطاهرة فاطمة (عليها السلام) في قول ابن عباس.

بيان: أقول لايمكن التطبيق بين أكثر تواريخ الولادة والوفاة ومدة عمرها الشريف، ولا بين تواريخ الوفاة وبين مامر في الخبر الصحيح أنها (عليها السلام) عاشت بعد أبيها خمسة وسبعين يوما إذ لو كان وفاة الرسول (صلى الله عليه واله) في الثامن والعشرين من صفر كان على هذا وفاتها في أواسط جمادى الاولى، ولو كان في ثاني عشر ربيع الاول كا ترويه العامة كان وفاتها في أواخر جمادى الاولى، ومارواه أبوالفرج، عن الباقر (عليه السلام) من كومن مكثها بعده (صلى الله عليه واله) ثلاثة أشهر يمكن تطبيقه على ما هو المشهور من كون وفاتها في ثالث جمادى الاخرة، ويدل عليه أيضا مامر من خير

 

===============

( 216 )

أبي بصير، عن أبي عبدالله (عليه السلام) برواية الطبري بأن يكون (عليه السلام) لم يتعرض للايام الزائدة لقلتها والله يعلم.

48 - أقول: في الديوان المنسوب اليه (عليه السلام) أنه أنشد بعد وفاة فاطمة (عليها السلام):

ألا هل إلى طول الحياة سبيل * وأنى وهذا الموت ليس يحول

وإني وإن أصبحت بالموت موقنا * فلي أمل من دون ذاك طويل

وللدهر ألوان تروح وتغتدي * وإن نفوسا بينهن تسيل

ومنزل حق لا معرج دونه * لكل امرئ منها إليه سبيل

قطعت بأيام التعزز ذكره * وكل عزيز ما هناك ذليل

أرى علل الدنيا علي كثيرة * وصاحبها حتى الممات عليل

وإني لمشتاق إلى من احبه * فهل لي إلى من قد هويت سبيل

وإني وإن شطت بي الدار نازحا * وقد مات قبلي بالفراق جميل

فقد قال في الامثال في البين قائل * أضربه يوم الفراق رحيل

لكل اجتماع من خليلين فرقة * وكل الذي دون الفراق قليل

وإن افتقادي فاطما بعد أحمد * دليل على أن لايدوم خليل

وكيف هناك العيش من بعد فقدهم * لعمرك شئ ما إليه سبيل

سيعرض عن ذكري وتنسى مودتي * ويظهر بعدي للخليل عديل

وليس خليلي بالملول ولا الذي * إذا غبت يرضاه سواي بديل

ولكن خليلي من يدوم وصاله * ويحفظ سري قلبه ودخيل

إذا انقطعت يوما من العيش مدتي * فان بكاء الباكيات قليل

يريد الفتى أن لايموت حبيبه * وليس إلى ما يبتغيه سبيل

وليس جليلا رزء مال وفقده * ولكن رزء الاكرمين جليل

لذلك جنبي لا يؤاتيه مضجع * وفي القلب من حر الفراق غليل

بيان: خبر " أنى " محذوف و " منزل " عطف على ألوان و " المعراج " محل

 

===============

( 217 )

الاقامة وشطت الدار ونزحت: بعدت، والباء للتعدية، والتضريب مبالغة في الضرب والبين: الفراق أي أضرب المثل الذي قاله القائل في يوم الفراق الذي هو رحيل، و المثل قوله: لكل اجتماع، وفاطم مرخم فاطمة لضرورة الشعر: والبديل: البدل، ودخيل الرجل الذي يداخله في اموره ويختص به " لايؤاتيه " أي لا يوافقه والغليل: العطش، ومنه: قوله (عليه السلام) عند رحلتها (عليها السلام):

حبيب ليس يعدله حبيب * وما لسواه في قلبي نصيب

حبيب غاب عن عيني وجسمي * وعن قلبي حبيبي لا يغيب

بيان: حبيب في الموضعين خبر مبتداء محذوف أو الثاني خبر الاول.

ومنه: مخاطبا لها بعد وفاتها:

مالي وقفت على القبور مسلما * قبر الحبيب فلم يرد جوابي

أحييب مالك لاترد جوابنا * أنسيت بعدي خلة الاحباب

ومنه: مجيبا لنفسه من قبلها (عليها السلام):

قال الحبيب:

وكيف لي بجوابكم * وأنا رهين جنادل وتراب

أكل التراب محاسني فنسيتكم * وحجبت عن أهلي وعن أترابي

فعليكم مني السلام تقطعت * عني وعنكم خلة الاحباب

 بيان: الجنادل: الاحجار، والترب: الموافق في السن.

وفي شرح الديوان: روي أن الابيات الاخيرة سمعت من هاتف.

49 - مصباح الانوار: عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: إن فاطمة بنت رسول الله (صلى الله عليه واله): مكثت بعد رسول الله (صلى الله عليه واله) ستين يوما ثم مرضت فاشتدت عليها فكان من دعائها في شكواها: يا حي ياقيوم برحمتك أستغيث فأغثني اللهم زحزحني عن النار، وأدخلني الجنة، وألحقني بأبي محمد (صلى الله عليه واله) فكان أميرالمؤمنين