أصل الشيعة واصولها

 

تأليف:

الشيخ محمد حسين كاشف الغطاء

 

(5)

 

بسم الله الرحمن الرحيم

"كان الناس امة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس في ما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين اوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق باذنه والله يهدي من يشاء الى صراط مستقيم".

(البقرة 213)

"أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه".

(البقرة 75)

"فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون".

(البقرة 79)

(6)

دأب الناس على تبديل شرائع أنبياء الله وتحريف كتبهم من بعدهم، وكلما حرّف الناس كتاب نبي وبدّلوا شريعته جدّد الله دينه بإرسال نبي جديد حتى اقتضت حكمته أن يختم النبوات بإرسال خاتم أنبيائه محمد (ص)، فضمن حفظ كتابه بنفسه وقال:

"إنا نحن نزّلنا الذكر وإنا له لحافظون"(1).

***

تضمن القرآن الاصول الرئيسية لشريعة الاسلام من صلاة وزكاة وحج الى كل ما يحتاجه الانسان من عبادات ومعاملات وسائر الأحكام.

وبيّن الرسول عدد ركعات الصلاة وأذكارها، وعيّن أنصبة الزكاة وعلّم مناسك الحج وحدّد مواقيته.

 

________________________

(1) الحجر: 9.

(7)

وهكذا سائر الأحكام في القرآن اصوله، وفي سنة الرسول تبيينه وتحديده، ولذلك قال الله تعالى: -وما آتاكم الرسول فخذوه ما نهاكم عنه فانتهوا- (1).

ولما كان الناس قد كذبوا على رسول الله في حياته كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع).

-لقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال: -من كذب عليّ متعمداً فليتبوّأ مقعده من النار- (2)، ولم يكفّ الناس من الكذب عليه من بعده.

ومن هنا وقع التغيير في أحكام الاسلام في هذه الامة، فاذا كان الله قد حفظ كتابه العزيز من التحريف فقد مدّت الأيدي الى الحديث الشريف الذي فيه شرح القرآن وتحديد مفاهيمه، فغيّرت منه وبدّلت، ووضعت على رسول الله من الكذب والافتراء ما وضعت.

ومن ثم وقع الخلاف بين أبناء هذه الامة في كل جانب من جوانب الدين الاسلامي عقائده وأحكامه.

وقع الخلاف في صفات الله: أهو جسم وله أعضاء وجوارح، وهل يرى يوم القيامة وكيف يرى (3)؟.

 

______________________________

(1) الحشر: 7.

(2) راجع الخطبة 208 من نهج البلاغة، وصحيح البخاري باب (إثم من كذب على النبي) من كتاب العلم وفتح الباري 1 /209.

(3) راجع كتاب التوحيد لابن خزيمة نشر مكتبة الكليات الأزهرية بمصر ط. سنة 1387 هـ. وكلمة حول الرؤية للسيد عبد الحسين شرف الدين ط. النعمان في النجف.

 

(8)

وفي كلامه القرآن: أمخلوق هو أم قديم؟

وفي أنبيائه أهم معصومون من كل ذنب؟ أم معصومون عن الكذب في تبليغ الوحي فحسب، وقد صدرت منهم المعاصي!

وفي كيفية تلقي خاتم الأنبياء الوحي: أحسب النبي جبرائيل شيطاناً يتلعب به أم أدرك أنه الروح الأمين نزل بالقرآن على قلبه(1).

وفي الأحكام أيمسح المتوضئ رجليه أم يغسلهما؟ وهل يقرأ البسملة في الحمد أم لا؟ وهل يجب طواف النساء في الحج أم لا يجب(2)؟

وهكذا وقع الخلاف في جميع جوانب التشريع الاسلامي.

أما كيف نشأ الخلاف في كل هذه المسائل؟ فلعل الباحث المتتبع يدرك بيسر وسهولة، انها نشأت على اثر تدخل الحكام فيها مدى القرون، فإن الحكام - على الأغلب - كانوا اذا اقتضت سياسة الحكم عندهم أمراً أقرّوه (3) ثم أوّل المتزلفون إليهم القرآن بموجبه ورووا الحديث عن النبي في تأييدهم(4).

ثم أصبح ما تبناه الحكام قانوناً يعمل به ومثّل الاسلام

 

______________________________

(1) راجع بدء نزول الوحي على رسول الله في كتب السنة والشيعة.

(2) راجع (مسائل فقهية) للسيد شرف الدين والوضوء للشيخ نجم الدين العسكري.

(3) راجع (النص والاجتهاد) للسيد شرف الدين.

(4) راجع (من تاريخ الحديث) للكاتب و(أضواء على السنة المحمدية) للعالم المصري الشيخ محمود أبو رية.

(9)

الرسمي، وأهمل ما خالفه ونبذ المخالف وعوقب بقسوة الى حد القتل تارة، واخرى دون ذلك(1).

وأخيراً ارتأت السلطات(2) أن تقسر الامة على الأخذ بفتاوى أحد أئمة المذاهب الأربعة في الفقه وآراء الأشعري في العقائد.

وجمد طوائف من المسلمين على تقليد مؤلفي الصحاح في الحديث وخاصة البخاري ومسلم، فسدّوا على أنفسهم باب العلم بسدهم باب البحث في الحديث كما سدّ عليهم باب ا لاجتهاد بقسرهم على تقليد أحد الأئمة الأربعة.

وإذا كانت غالبية الامة تابعت حكامها في ما أقرّت وتبنّت فقد كان في الامة أئمة جاهدت في سبيل الحفاظ على التشريع الاسلامي من الضياع والتبديل وعلى سنة الرسول من التحريف والتصحيف، واولئك هم أئمة أهل بيت الرسالة، وتابعهم من الامة من سمّوا بشيعة أهل البيت حمل علماؤهم الحديث بعد النبي عن أئمة أهل البيت متمثلين بقول الشاعر:

 

______________________________

(1) راجع (تاريخ الشيعة) تأليف الشيخ محمد حسين المظفر.

(2) كما أصدر الظاهر بيبرس البندقداري أمراً بذلك سنة 665 هـ راجع خطط المقريزي ص 161.

والأئمة الأربعة هم كل من: أبي حنيفة النعمان بن ثابت مولى بني تيم الله المتوفي (150 هـ). وأبي عبد الله مالك بن انس المتوفي (179 هـ). وأبي عبد الله محمد بن ادريس الشافعي المطلبي المتوفي (204 هـ). وأبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الذهلي الشيباني المتوفي (241 هـ). أما الأشعري فهو أبو الحسن علي بن اسماعيل المتوفي (324 هـ) راجع تراجمهم في العبر.

(10)

ووال اناساً قولهم وحديثهم *** روى جدنا عن جبرائيل عن الباري

 

وجاهدوا في سبيل المحافظة عليها ونشرها الى يومنا هذا.

ولما كان الناس على دين ملوكهم رأوا الاسلام متمثلا بحكامهم وما تبنوه من حكم وعقيدة وسنة منسوبة الى النبي وسمّوا من تابع الحكام بأهل السنة والجماعة.

وسموا من خالف الحكام وتابع أئمة أهل البيت بالرفضة وطاردت الحكومات المتعاقبة أئمة أهل البيت أولاً ثم طاردت شيعتهم من بعدهم ورمتهم بأنواع التهم.

وقابلهم علماء الشيعة جيلا بعد جيل بتعريف التشيع لأهل البيت وتعريف شيعتهم وبيان وجوه الخلاف بينهم وبين اخوانهم من طوائف المسلمين وكان ممن ألف في ذلك من جهابذة علمائنا المعاصرين:

1 - السيد محسن الأمين المتوفي (1371) في كتابه أعيان الشيعة(1).

2 - الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء المتوفي (1373 هـ) في كتابه أصل الشيعة واصولها.

3 - الشيخ آغا بزرك المتوفي (1389) في كتابه الذريعة الى

 

 

______________________________

(1) أعيان الشيعة موسوعة في تراجم رجال الشيعة بلغت ستين مجلداً.

 

(11)

تصانيف الشيعة (1)، وكتابه طبقات الشيعة.

4 - الشيخ محمد رضا المظفر في كتابه عقائد الامامية.

5 - السيد محمد حسين الطباطبائي في كتابه شيعة در اسلام.

سلك هؤلاء الأعلام وغيرهم مسلك الدفاع عن التشيع والشيعة والتعريف بهما وكل واحد من سادتنا وشيوخنا المذكورين قد أجاد في ما كتب وأفاد، غير أننا نرى أنه لما كان منشأ الخلاف الحديث الشريف وما روي في سيرة الرسول - سنته - ينبغي للمسلمين ترك الجمود على تقليد السابقين وتقديسهم الى حد التعبد(2)، والقيام ببحث موضوعي في ما روي من سيرة الرسول وحديثه وسيرة الصحابة وخاصة من تحمّل الحديث عن الرسول منهم، ومن أصبح قدوة للمسلمين منهم ثم دراسة كتب الحديث ورواته طبقة بعد اخرى حتى يومنا هذا، وهذا هو السبيل - اليوم - للوصول الى الحق ورفع منشأ الخلاف من أساسه، وقد سلك هذا السبيل كل من:

1 - المغفور له السيد عبد الحسين شرف الدين المتوفي (1377 هـ) في كتابه أبو هريرة.

 

______________________________

(1) الذريعة الى تصانيف الشيعة بلغت مجلداته المطبوعة نحواً من أربع وعشرين مجلداً وبقي منها نحوالربع مخطوطاً، وطبقات اعلام الشيعة دونها وقد طبع منها أربع مجلدات في اعلام القرن الرابع عشر والثالث عشر.

(2) كما يرى ذلك من بعض طوائف المسلمين بالنسبة الى السلف الصالح.

(12)

2 - الكاتب في سلسلة دراسات في الحديث والتاريخ(1).

ويجد الباحث في جواب الامام علي بن أبي طالب (ع) لسليم بن قيس دليلاً على ما نقول. قال سليم قلت لأمير المؤمنين: إني سمعت من سلمان والمقداد وأبي ذر شيئاً من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله غير ما في أيدي الناس ثم سمعت منك تصديق ما سمعت منهم ورأيت في أيدي الناس أشياء كثيرة من تفسير القرآن وأحاديث عن نبي الله أنتم تخالفونهم فيها وتزعمون أن ذلك كله باطل افترى الناس يكذبون على رسول الله متعمدين ويفسرون القرآن بآرائهم، قال: فأقبل عليّ فقال: قد سألت فافهم الجواب:

إن في أيدي الناس حقاً وباطلا وصدقاً وكذباً وناسخاً ومنسوخاً، وعاماً وخاصاً، ومحكماً ومتشابهاً وحفظاً ووهماً، ولقد كذب على رسول الله (ص) على عهده حتى قام خطيباً فقال: أيها الناس قد كثرت الكذابة فمن كذب عليّ متعمداً فليتبوأ مقعده من النار.

ثم كذب عليه من بعده(2).

 

______________________________

(1) نشر منه حتى الآن:

1 - عبد الله بن سبأ - القسم الأول.

2 - أحاديث أم المؤمنين عائشة - القسم الأول.

3 - خمسون ومائة صحابي مختلق - القسم الأول والثاني.

(2) - الى هنا نقلناه من اصول الكافي ج 1 / 62 باب اختلاف الحديث ويتفق ما بعده مع ما ورد في الخطبة 208 من نهج البلاغة راجع ط.=

 

(13)

وإنما أتاك بالحديث أربعة رجال ليس لهم خامس:

رجل منافق مظهر للايمان متصنع بالاسلام، لا يتأتم ولا يتحرج يكذب على الله وعلى رسول الله (ص)، متعمداً فلو علم الناس أنه منافق كاذب لم يقبلوا منه، ولم يصدقوا قوله، ولكنهم قالوا صاحب رسول الله (ص): رآه، وسمع منه، ولقف عنه فيأخذون بقوله، وقد أخبر: الله عن المنافقين بما أخبرك، ووصفهم بما وصفهم به لك، ثم بقوا بعده (ع) فتقربوا الى أئمة الضلالة، والدعاة الى النار بالزور والبهتان، فولوهم الأعمال، وجعلوهم حكاماً على رقاب الناس، وأكلوا بهم الدنيا، وإنما الناس مع الملوك والدنيا إلا من عصم الله، فهذا أحد الأربعة.

ورجل سمع من رسول الله (ص) شيئاً لم يحفظه على وجهه، فوهم فيه ولم يتعمد كذباً، فهو في يديه ويرويه ويعمل به، ويقول: أنا سمعته من رسول الله (ص) فلو علم المسلمون أنه وهم فيه لم يقبلوا منه، ولو علم أنه كذلك لرفضه.

ورجل ثالث سمع من رسول الله (ص) شيئاً يأمر به ثم (أنه) نهى عنه وهو لا يعلم، أو سمعه ينهي عن شيء ثم أمر به وهو لا يعلم فحفظ المنسوخ ولم يحفظ الناسخ، فلو علم أنه منسوخ لرفضه، ولو علم المسلمون إذ سمعوه منه أنه منسوخ لرفضوه.

______________________________

= الاستقامة بالقاهرة تحقيق محي الدين عبد الحميد 2 / 215 - 216 وراجع تحف العقول ص 45.

(14)

وآخر رابع لم يكذب على الله، ولا على رسوله، مبعض للكذب خوفاً من الله، وتعظيماً لرسول الله (ص)، ولم يهم، بل حفظ ما سمع على وجهه، فجاء به على سمعه، لم يزد فيه ولم ينقص منه، فحفظ الناسخ فعمل به، وحفظ المنسوخ فجنب عنه وعرف الخاص والعام فوضع كل شيء موضعه، وعرف المتشابه ومحكمه.

وقد كان يكون من رسول الله (ص)، الكلام له وجهان: فكلام خاص وكلام عام، فيسمعه من لا يعرف ما عنى الله [سبحانه[ به، ولا ما عنى رسول الله (ص) فيحمله السامع، ويوجهه على غير معرفة بمعناه، وما قصد به، وما خرج من أجله، وليس كل أصحاب رسول الله (ص) من كان يسأله ويستفهمه، حتى ان كانوا ليحبون أن يجيئ الأعرابي والطارئ فيسأله (ع) حتى يسمعوا، وكان لا يمر من ذلك شيء إلا وسألت عنه وحفظته، فهذه وجوه ما عليه الناس في اختلاف، وعللهم في رواياتهم(1).

***

______________________________

(1) تجد بيان ما ورد في هذه الخطبة في الكتب الآتية:

1 - من تاريخ الحديث مخطوط للكاتب.

2 - أضواء على السنة المحمدية وشيخ المضيرة للشيخ محمود أبو رية.

3 - أبو هريرة للسيد عبد الحسين شرف الدين.

(15)

سجلنا كلمة الامام في منشأ الخلاف بطولها لأنها توضح بجلاء ما قلناه من لزوم تغيير مجرى البحث مما عليه المسلمون اليوم الى البحث حول حديث الرسول وسيرته ومن رواهما لييسر لنا السبيل الى تفهم الاسلام الحق بعونه تعالى.

وفي الختام أسأل الله تعالى أن يأخذ بيد هؤلاء الثلة من شبابنا المؤمن التي قامت بنشر سلسلة -أضواء على مدرسة أهل البيت- عليهم السلام ويوفقهم الى نشر ما فيه الخير لامتنا الاسلامية انه سميع مجيب.

3 ذي الحجة سنة 1391 هـ

مرتضى العسكري

(17)

بسم الله الرحمن الرحيم

ومنه أستمد وبه أستعين، بعد حمد الله وسلام علىعباده الذين اصطفى. . .

يكتب سطور هذ الطروس محمد الحسين آل كاشف الغطاء في النجف الاشرف: أوليات جمادي الاولى سنة الخمسين بعد الألف والثلثمائة هجرية.

والسبب الباعث على كتابتها:

إنه منذ سنتين كتب اليّ شاب عراقي من البعثة العلمية التي أرسلتها الحكومة العراقية للتحصيل في (دار العلوم العليا) بمصر كتاباً مطولاً ومما يذكر فيه ما خلاصته:

إنه كان يختلف الى كبار علماء القاهرة في الأزهر وغيره

(18)

وربما جرى الحديث بينهم (والحديث شجون) على ذكر (النجف) وعلمائها، وطريقة التحصيل فيها، والهجرة إليها، وكانوا يكيلون لهم الكيل الوافي من الثناء والإعجاب بسموّ مداركهم وعلوّ معارفهم، ولكن يردفون ذلك بقولهم: ولكن بالأسف انهم شيعة! يقول ذلك الشاب: فكنت أستغرب ذلك وأقول لهم: وما الشيعة؟ وهل هي إلا مذهب من مذاهب الاسلام وطائفة من طوائف المسلمين؟ فيقول قائلهم في الجواب ما حاصله: كلا ليست الشيعة من المسلمين، ولا التشيُّع من مذاهب الاسلام، بل ولا يحق أن يكون أو يُعدّ مذهباً أو ديناً، وإنما هي طريقة ابتدعها الفرس وقضية سياسية لقلب الدولة الأموية الى العباسية، ولا مساس لها بالأديان الإلهية أصلاً، ثم يكتب ذلك الشاب تلو هذا: وأنا يا سيدي شاب مترعرع لا علم لي بمبادء الأديان وتشعُّب المذاهب وفلسفة نشئها وارتقائها وكيف انتشرت، ومن أين ظهرت، وقد دخلني من اولئك الفخام الجسام، المعدودين من الأعلام، شك من أمر تلك الطائفة وصرت على شفا ريبة من إسلامهم فضلاً عن سلامتهم، ثم أخذ يتوسل اليّ بالوسائل المحرجة أن أكشف له عن صميم الحقيقة، ولباب الواقع، كي يستريح من حرارة الشك إلى برد اليقين وروح الطمأنينة، يقول: وإذا لم تنقذني من تلك المتاهة فالمسؤولية عليك إن زللت أو ضللت.

فكتبت إليه ما اتسع له ظرف المراسلة، واحتمله كاهل البريد، وما يلائم عقلية ذلك الشاب، وما رجوت أن

(19)

يزيح عن فؤاده كابوس الشك والإرتياب ولكن حملت على شواعري من الاستغراب، أضعاف ما كان يحمل هو من الإرتياب، وطفقت تتعارض على خواطري أسراب الشكوك من صحة تلك الواقعة، وإنه كيف يمكن أن يبلغ الجهل والعناد بعلماء بلاد هي في طليعة المدن العلمية الاسلامية، ومطمح أنظار العرب بل كافة المسلمين في تمحيص الحقائق، وتمزيق جلابيب الأكاذيب، المنبعثة على الأكثر عن الأغراض والأهواء أو الاسترسال إلى مفتريات السفلة والجهالة، وما كدت أركن الى صدق ما نقله ذلك الشاب حتى وقع في يدي - في تلك الآونة - كتاب الكاتب الشهير (أحمد أمين) الذي أسماه (فجر الاسلام) فسبرته حتى بلغت منه الى ذكر (الشيعة) فوجدته يكتب عنهم كخابط عشواء أو حاطب ليل، ولو أن رجلاً في أقاصي الصين كتب عنهم في هذا العصر تلك الكتابة لم ينفسح له العذر، ولم ترتفع عنه اللائمة، ولكن وقفت على قدم ثابتة من صحة ما كتبه ذلك الشاب، وقلت إذا كان مثل هذا الرجل وهو يكتب كتاباً يريد نشره في الامة الواحدة التي جعلها الله إخواناً بنصّ فرقانه المجيد واستطلاع أحوالهم، والوقوف على حقيقة أمرهم على كثب منه وأيسر شيء عليه، ومع ذلك يسترسل ذلك الاسترسال ويتقول على تلك الطائفة تلك الأقاويل، إذن فما حال السواد والرعاع من عامة المسلمين وقد عرف كل ذي حس مسيس الحاجة وقيام الضرورة الحافزة ا لى شدّ عقد الوحدة، وإبرام امراسها وأحكام أساسها،

(20)

وإنه لا حياة للمسلمين اليوم إلا بالتمسك بعروتها والمحافظة عليها وإلا فلا حياة عزيزة، ولا ميتة شريفة، ولو عرف المسلمون حقيقة مذهب الشيعة وأنصفوا أنفسهم وإخوانهم لأماتوا روح تلك النشرات الخبيثة التي تثير الحفيظة، وتزرع الضغينة، وتكون قرة عين وأكبر سلاح للمستعمرين ولملاحدة العصر، الذين هم أعداء كل دين، أفلا يثير الحفيظة ويؤجج نار الشحناء في صدور عامة الشيعة؟

ما يقوله في (فجر الاسلام) صفحة 33: أن التشيع كان مأوى يلجأ اليه كل من أراد هدم الاسلام الى آخر ما قال. . . يكتب هذا ويعلم أن النقد من ورائه والتمحيص على أثره، يجرح عاطفة امة تعدّ بالملايين، وتتكون منها الطائفة العظمى من المسلمين.

ومن غريب الاتفاق أن (أحمد أمين) في العام الماضي 1349 هجري بعد انتشار كتابه ووقوف عدة من علماء النجف عليه، زار (مدينة العلم) وحظي بالتشرّف بأعتاب (باب تلك المدينة) في الوفد المصري المؤلف من زهاء ثلاثين بين مدرّس وتلميذ، وزارنا بجماعته ومكثوا هزيعاً من ليلة من ليالي شهر رمضان في نادينا في محفل حاشد، فعاتبناه على تلك الهفوات عتاباً خفيفاً، وصفحنا عنه صفحاً جميلاً، وأردنا أن نمرّ عليه كراماً ونقول له سلاماً، وكان أقصى ما عنده من الإعتذار عدم الاطلاع وقلة المصادر، فقلنا: وهذا أيضاً غير سديد، فإن من يريد أن

(21)

يكتب عن موضوع يلزم عليه أولاً أن يستحضر العدة الكافية ويستقصي الاستقصاء التام، وإلا فلا يجوز له الخوض فيه والتعرض له، وكيف أصبحت مكتبات الشيعة ومنها مكتبتنا المشتملة على ما يناهز خمسة آلاف مجلد أكثرها من كتب علماء السنة وهي في بلدة كالنجف فقيرة من كل شيء إلا من العلم والصلاح إن شاء الله، مكتبات القاهرة ذات العظمة والشأن خالية من كتب الشيعة إلا شيئاً لا يذكر، نعم القوم لا علم لهم من الشيعة بشيء وهم يكتبون عنهم كل شيء، وأشد من هذا غرابة وأبعد شذوذاً أن جماعة من أبناء السنة في العراق لا يعرفون من أحوال الشيعة شيئاً مع دنوّ الدار وعصمة الجوار.

كتب إليّ قبل بضعة أشهر شاب مهذب عريق بالسيادة من شيعة بغداد: إنه سافر الى لواء الديلم (وهو اللواء المتصل ببغداد) وأكثر أهاليه من السنة فكان يحضر نواديهم فيروق لهم حديثه وأدبه ولما علموا أنه من الشيعة صاروا يعجبون ويقولون ما كنا نحسب أن هذه الفرقة أدباً وتهذيباً فضلا عن أن يكونوا ممن له علم أو دين، وما كنا نظنهم إلا من وحوش القفر وشذاذ الفلوات، وكان هذا الشاب يتثير حميتي بقوارص الملام، ويحثني بالطلب المتتابع على أن أكتب عن الشيعة رسالة موجزة تنشر بين الامم الجاهلة، وتعرفّهم، ولو النزر اليسير من أحوال هذه الطائفة ومعتقداتها ودياناتها، ثم بعد برهة سافر هذا الشاب الى سوريا للاصطياف وعرج منها الى مصر فكتب إليّ- يا سيدي

(22)

الحال عن الشيعة عند أهالي مصر هي الحال التي أنبأتك عنها في لواء الديلم، والصورة تلك الصورة، ثم يقول لي: أفما آن لك أن تفي بوعدك، وتقوم بواجبك؟ فإن الشيعة مصورة عند القوم بأبشع صورة يتصورها انسان، إلى آخر ما كتب وحقاً ما كتب وإن طال وأطنب.

فمن هذا كله، وأضاف مثله مما نجده في الصحف المصرية والسورية وغيرها وما تنشره مقالاتهم آونة بعد آخرى من قذف تلك الطائفة بكل هضيمة، ونبزهم بكل عظيمة، هم منها براء براءة يوسف الصديق وأخيه من السرقة، ولكن داء الجهل والعصبية هو الداء العياء الذي قد أعيا الأطباء.

نعم من كل ذلك - رأيت من الظلم الفاحش - السكوت والتغاضي عن هذه الكارثة، لا أعني أنه من الظلم على الشيعة، ولا أريد أن أدفع الظلم عنهم، والمفتريات عليهم، كلا، ولكن أعظم الغرض وأشرف الغاية، رفع أغشية الجهل عن المسلمين من عامة فرق الاسلام، كي يعتدل المنصف، وتتم الحجة على المعاند وترتفع الأئمة ووصمة التقصير عن علماء هذه الطائفة، وأعلى من ذلك رجاء حصول الوئام، ورفع الشحناء والخصام، بين فرق الاسلام الذي قد عم كل ذي شعور، ولا سيما في هذه العصور، إنه من ألزم الامور عسى أن لا يعود كاتب (فجر الاسلام) الذي تكاثقت عليه غواشي الظلم والظلام، فيقول في تلك التي اوعزنا إليها ما نصه: (والحق أن التشيع مأوى يلجأ إليه كل من أراد

(23)

هدم الاسلام لعداوة أو حقد، ومن يريد إدخال تعاليم آبائه من يهودية ونصرانية وزرادشتية) الى قوله: (فاليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة، وقال الشيعة: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلاً، وقال اليهود: لن تمسنا النار إلا أياماً معدودة، والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم أن نسبة الامام الى كنيسة المسيح إليه، وقالوا إن اللاهوت اتحد بالناسوت في الامام، وإن النبوة والرسالة لا تنقطع أبداً فمن اتحد به اللاهوت فهو نبي، وتحت التشيع ظهر القول بتناسخ الأرواح وتجسيم الله والحلول ونحو ذلك من الأقوال التي كانت معروفة عند البراهمة والفلاسفة والمجوس قبل الاسلام) الى آخر ما قال، ونحن لو لا محافظتنا على مياه الصفاء أن لا تتعكر، ونيران البغضاء أن لا تتسعر، وأن تنطبق علينا حكمة القائل: (لا تنه عن خلق وتأتي مثله) لعرفنا من الذي يريد هدم قواعد الاسلام بمعاول الإلحاد والزندقة، ومن الذي يسعى لتمزيق وحدة المسلمين بعوامل التقطيع والتفرقة، ولكننا نريد أن نسأل من ذلك الكاتب ، أي طبقات الشيعة أراد هدم الاسلام، الطبقة الاولى وهم أعيان صحابة النبي (ص) وأبرارهم كسلمان المحمدي - أو الفارسي - وأبي ذر، والمقداد، وعمار، وخزيمة ذي الشهادتين، وأبي التيهان، وحذيفة اليمان، والزبير، والفضل بن العباس، وأخيه الحبر عبد الله، وهاشم بن عتبة المرقال، وأبي أيوب الأنصاري، وأبان، وأخيه خالد ابني سعيد العاص الأمويين، وأُبي بن كعب سيد القراء، وأنس بن الحرث بن نبيه

(24)

الذي سمع النبي (ص) يقول: -إن ابني الحسين (ع) يقتل في أرض يقال لها كربلاء فمن شهد ذلك منكم فلينصره-، فخرج أنس وقتل مع الحسين (ع)، راجع (الإصابة) و(الاستيعاب) وهما من أوثق ما ألفّ علماء السنة في تراجم الصحابة، ولو أردت أن أعدّ عليك الشيعة من الصحابة وإثبات تشيعهم من كتب السنة لأحوجني ذلك ان افرد كتاب ضخم، قد كفاني مؤونة ذلك علماء الشيعة (راجع الدرجات الرفيعة في طبقات الشيعة) للسيد علي خان صاحب (السلافة) وغيرها من الكتب الجليلة (كطراز اللغة) الذي هو من أنفس ما كتب في اللغة، على أنه رحمه الله لم يذكر في الطبقات مشاهير الصحابة بعد بني هاشم كحمزة، وجعفر، وعقيل ونظائرهم، وذكر من غيرهم أكثر من قدمنا ذكرهم بزيادة عثمان بن الأحنف، وسهل بن حنيف، وأبي سعيد الخدري، وقيس بن سعد بن عبادة رئيس الأنصار، وبريدة، والبراء بن مالك، وخباب بن الأرت، رفاعة بن مالك الأنصاري، وأبي الطفيل عامر بن وائلة، وهند ابن أبي هالة، وجعدة بن عبيرة المخزومي، وامه ام هاني بنت أبي طالب، وبلال بن رباح المؤذن، هؤلاء جل ذكرهم أو أكثرهم، ولكن يخطر على بالي إني جمعت ما وجدته في كتب تراجم الصحابة (كالإصابة) و (أسد الغابة) و (الاستيعاب) ونظائرها من الصحابة الشيعة زهاء ثلاثمائة رجل من عظماء النبي (ص) كلهم من شيعة علي (ع)، ولعل المتتبع يعثر على أكثر من ذلك.

(25)

ولكن ما أدري أهؤلاء الذين أرادوا هدم الاسلام؟ أو إمام الشيعة علي بن أبي طالب (ع) الذي يشهد الثقلان أنه لو لا سيفه ومواقفه في بدر، وأُحد، وحنين، والأحزاب، ونظائرها لما اخضرّ للاسلام عود، ولما قام له عمود، حتى قيل في ذلك:

بنى الدين فاستقام ولو ضرب *** ماضيه ما استقام البناء

 

وغالى المعتزلي عبد الحميد وأساء التعبير حيث قال:

الا إنما الاسلام لولا حسامه *** . . . . . . . . . .

 

نعم لولا حسامه ومواقفه بعد الهجرة وقبلها وحماية أبيه أبي طالب قبل الهجرة، هذا في مكة وذاك فيها وفي المدينة لقضت قريش وذئبان العرب على الاسلام في مهده وخنقته وهو في حجر امه ولكن جزاء أبي طالب من المسلمين أن يحكموا بأنه مات كافراً، أما أبو سفيان الذي ما قامت راية حرب على النبي إلا وهو سائقها وقائدها وناعقها والذي أظهر الاسلام كرهاً وما زال يعلن بكفره وعدائه للاسلام وهو الذي يقول لما صارت الخلافة الى بني امية: تلقفوها با بني امية تلقف الكرة فو الذي يحلف به أبو سفيان ما من جنة ولا نار. نعم هذا بحكم المسلمين مات مسلماً، وأبو طالب حامية الاسلام مات كافراً مع أن أقل كلماته:

 

ولقد علمت بأن دين محمد *** من خير أديان البرية دينا

(26)

وأبو طالب ليس ذلك الرجل الضعيف، وذي الرأي السخيف الذي يعلم بأن دين محمد من خير الأديان ولا يتبعه ولا يتدين به خوفاً من الناس وهو سيد البطحاء، فدع عنك هذا وعد الى حديث من أراد هدم الإسلام!! أهم هؤلاء الذين ذكرناهم؟ أو الطبقة التي بعدهم طبقة التابعين كالأحنف ابن قيس، وسويد بن غفلة، وعطية العوفي، والحكم بن عتيبة، وسالم بن أبي الجعد، وعلي بن الجعد، والحسن بن صالح، وسعيد ابن جبير، وسعيد بن المسيب، والأصبغ بن نباتة، سليمان بن مهران الأعمش، ويحيى بن يعمر العدواني صاحب الحجاج، وأمثال هؤلاء ممن يطول تعدادهم وذكر أدلة تشيعهم، أهؤلاء الذين أرادوا هدم الاسلام أم الطبقة الاخرى من التابعين وتابعيهم وهم مؤسسوا علوم الإسلام؟ كأبي الأسود الدؤلي مؤسس علم النحو، والخليل بن أحمد مؤسس علم اللغة والعروض، أم أبو مسلم معاذ بن مسلم الهراء مؤسس علم الصرف الذي نص السيوطي في الجزء الثاني من المزهر وغيره انه كان شيعياً، ويعقوب بن اسحق السكيت إمام العربية، أم مؤسسو علم التفسير وأولهم الحبر عبد الله بن عباس وتشيعه كنار على علم، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وأبي بن كعب، وسعيد بن جبير، وسعيد بن المسيب، وأول مفسر جمع كل علوم القرآن وهو محمد بن عمر الواقدي الذي ذكره ابن النديم وغيره ونص على تشيعه واسم تفسيره (الرغيب)؟ أم مؤسس علم الحديث وهو أبو رافع مولى رسول الله (ص) صاحب كتاب الأحكام والسنن والقضايا وهو

(27)

من المختصين بأمير المؤمنين (ع) وصاحب بيت ماله بالكوفة، ثم تلاه ولده علي بن أبي رافع كاتب أمير المؤمنين (ع) وهو أول من صنّف في الفقه بعد أبيه، ثم أخوه عبيد الله بن أبي رافع وهو أؤل من ألفّ من المسلمين في التاريخ وضبط الحوادث والآثار.

أم مؤسسو علم الكلام؟ وأول من تكلم في علم الكلام أبو هاشم بن محمد بن الحنفية وألف فيه كتباً جليلة، ثم عيسى بن روضة التابعي الذي بقي إلى أيام أبي جعفر وهما أسبق من واصل ابن عطاء وأبي حنيفة الذي زعم السيوطي أنهما أول من صنّف في الكلام، ثم تلاهما من أعلام الشيعة في علم الكلام قيس الماصر، ومحمد بن علي الأحول المعروف عندنا بمؤمن الطاق وعند غيرنا بشيطان الطاق، وآل نوبخت وهم عائلة علم جليلة استمرت سلسلتهم أكثر من مائة سنة ولهم مؤلفات عالية كفصّ الياقوت وغيره، وهشام بن الحكم، والأحول والماصر وتلاميذهم كأبي جعفر البغدادي السكاك، وأبي مالك الضحاك الخضرمي، وهشام ابن سالم، ويونس بن يعقوب ونظرائهم، هؤلاء هم الذين دوّخوا علماء المذاهب من السلمين وغيرهم من الملاحدة وغيرهم في الجدل والاحتجاج حتى أوقعوهم في المضيق وسدّوا عليهم الطريق في التوحيد والإمامة وغيرهما، وإن أحداً يتصدى لجمع مناظرات كل واحد منهم منتشرة في متفرقات مؤلفات أصحابنا، لجاء لكل واحد كتاب مفرد، على الأخص هشام بن الحكم، كما أننا(28)

لو أردنا أن نحصي فلاسفة الشيعة وحكماءها ومتكلميها لاستوعب ذلك عدة مجلدات.

قل لنا يا صاحب (فجر الاسلام) أهؤلاء الذين آرادوا هدم الاسلام أم الذين أسسوا علم السير والآثار ودوّنوا سيرة النبي (ص) ومعجزاته وغزواته وكرم أخلاقه وأول من صنف ذلك من علماء الاسلام أبان بن عثمان الأحمر التابعي المتوفي سنة 140 هـ من أصحاب الصادق (ع)، ثم هشام بن محمد بن السائب الكلبي ومحمد بن اسحاق المطلبي وأبو مخنف الازدي، وكل من كتب في هذا الفن فهو عيال عليهم والجميع من أعلام الشيعة بالاتفاق، ثم تلاهم أعاظم المؤرخين وأثباتهم وكلهم من الشيعة كأحمد ابن خالد البرقي صاحب كتاب المحاسن، ونصر بن مزاحم المنقري، وإبراهيم بن محمد بن سعد الثقفي، وعبد العزيز الجلودي البصري الامامي، واليعقوبي أحمد بن يعقوب المطبوع تاريخه في (اوروبا) وفي النجف، ومحمد بن زكريا وأبي عبد الله الحاكم المعروف بابن الفيع، والمسعودي صاحب (مروج الذهب)، ومحمد علي بن طباطبا صاحب (الآداب السلطانية)، وكثير من أمثالهم مما يضيق التعداد عن حصرهم، ثم اعطف نظرك على أشعر شعراء الاسلام، وذوي الرايات والأعلام منهم، فهل تجدهم إلا من الشيعة؟ وهم على طبقات:

الاولى طبقة الصحابيين: وأعاظم شعراء هذه الطبقة كلهم من الشيعة أولهم النابغة الجعدي شهد مع أمير المؤمنين (ع)

(29)

صفين وله فيها أراجيز مشهورة، وعروة بن زيد الخيل وكان معه بصفين أيضاً (راجع الاغاني)، ولبيد بن ربيعة العامري نص جماعة على تشيعه، وأبو الطفيل عامر بن وائلة المشهور، وأبو الأسود الدؤلي، وكعب بن زهير صاحب بانت سعاد، وكثير من نظرائهم.

الطبقة الثانية المعاصرة لطبقة التابعين: كالفرزدق، والكميت، وكثير عزة، والسيد الحميري، وقيس بن ذريح وأقرانهم.

الطبقة الثالثة من بعدهم من أهل القرن الثاني: كدعبل الخزاعي، وأبي نواس، وأبي تمام، والبحتري، وديك الجن عبد السلام، وأبي الشيص، والحسين بن الضحاك، وابن الرومي، ومنصور النمري، والأشجع الأسلمي، ومحمد بن وهب، وصريع الغواني، وبالجملة فجلّ شعراء الدولة العباسية في هذا القرن وبعده كانوا من الشيعة عدا مروان بن أبي حفصة وأولاده.

وكذلك الطبقة الرابعة أهل القرن الرابع من الثلاثمائة فيما بعد: مثل متنبي الغرب ابن هاني الأندلسي، وابن التعاويدي والحسين بن الحجاج صاحب المجون، المهيار الديلمي، وأمير الشعراء الذي قيل فيه بدئ الشعر بملك وختم بملك وهو أبو فراس الحمداني، وكشاجم، والناشئ الصغير، والناشىء الكبير، وأبو بكر الخوارزمي، والبديع الهمداني، والطغرائي، وجعفر شمس الخلافة، والسري الرفاء، وعمارة اليمني والوادعي،

(30)

والخبزأرزي، والزاهي، وابن بسام البغدادي، والسبط ابن التعاويذي، والسلامي، والنامي، وبالجملة فأكثر شعراء (يتيمة الثعالبي) وهي أربع مجلدات - من الشيعة - حتى اشتهر وشاع قول من يقول: (وهل ترى من أديب غير شيعي).

وإذا أرادوا أن يبالغوا في رقة شعر الرجل وحسنه قالوا: يترفّض في شعره، وقد يعدّ المتنبي وأبو العلاء أيضاً من الشيعة وربما تشهد بعض أشعارهم بذلك راجع الجزء الثاني من المراجعات الريحانية وافهم هذا وتدبر هذا سوى شعراء الشيعة من قريش خاصة مثل الفضل بن العباس بن عتبة بن أبي لهب المترجم في الأغاني وغيره، وكأبي دهبل الجمحي، ووهب بن ربيعة، أو من العلويين خاصة، كالشريفين الرضي والمرتضى، والشريف أبي الحسن علي الحماني بن الشريف الشاعر محمد بن جعفر بن محمد الشريف بن زيد بن علي بن الحسين عليهم السلام وكلهم شعراء، وكان الحماني يقول: أنا شاعر وأبي مثلي وجدي مثلي ومحمد بن صالح العلوي الذي ترجمه في الأغاني وذكر له نفائس الشعر، والشريف ابن الشجري الى كثير من أمثالهم من شعراء الشيعة العلويين، راجع كتاب (نسمة السحر ممن تشيّع وشعر) للشريع اليماني تجده نبذة صالحة منهم، بل ومن شعراء الأمويين الشيعة كعبد الرحمن بن الحكم أخي مروان بن الحكم، وخالد بن سعيد بن العاص، ومروان بن محمد السروجي أموي شيعي،

(31)

هكذا ذكره الزمخشري في (ربيع الأبرار) على ما خطر بباله وأنشد له:

يا بني هاشم بن عبد مناف *** انني منكم بكل مكان

أنتم صفوة الإله ومنكم *** جعفر ذو الجناح والطيران

وعليَّ وحمزة أسد الله *** وبنت النبي والحسنان

ولئن كنت من امية اني *** لبرئ منهم الى الرحمان

وكأبي الفرج الأصبهاني صاحب الأغاني، ومقاتل الطالبيين، وكالأبيوردي الأموي الشاعر المشهور صاحب النجديات والعراقيات وغيرهم ممن لا تحضرني الساعة أسماؤهم، وكنت وقفت على جماعة من الشيعة الأمويين، ولكني أكتب هذا الكتاب على جري القلم وترسل الطبع وما هو العتيد الحاضر في الخاطر من تجديد مراجعة كتاب أو مطالعة باب.

ثم اعطف نظرك على أعاظم الملوك والامراء والكتاب والوزراء من الشيعة كالدولة الفاطمية، والبويهية، والحمدانية، وبني مزيد بن صدقة وبني دبيس، عمران بن شاهين أمير البطائح، والمقلد بن المسيب العقيلي، وقرواش بن المسيب، بل وأعاظم الخلفاء العباسيين كالمأمون، والمنتصر، والمعتضد أحمد ابن الموفق، والناصر أحمد بن المستضيء وهو أشهرهم في التظاهر بالتشيع وأشعرهم مراجعته مع ملك الأفضل علي بن يوسف صلاح الدين الأيوبي الصريحة في غلوّهما بالتشيع مشهورة، والمستنصر، وذي القرنين التغلبي وجيه الدولة أبي مطاع، وتميم ابن المعز بن باديس ملك افريقيا والمغرب وكثير من أمثالهم

(32)

مما لا مجال لتعداد أسمائهم فضلاً عن ترجمة أحوالهم وأبنائهم، ثم اسبر أكابر الوزراء في الاسلام فهل تجدهم إلا من الشيعة، كاسحاق الكاتب ولعله أول من سمي وزيراً في الاسلام قبل الدولة العباسية، وابن سملة الخلال حفص بن سليمان الهمدان الكوفي أول وزير لأول خليفة عباسي استوزره السفاح وفوّض جميع الامور لفضله وكفاءته ولقّب (وزير آل محمد) ثم قتله السفاح حين أحسّ منه بالتشيع لآل علي (ع).

وكأبي عبد الله يعقوب بن داود وزير المهدي الذي تولى تدبير جميع الامور حتى قيل فيه:

بنو امية هبوا طال نومكم *** ان الخليفد يعقوب بن داود

 

وحبسه المهدي أخيراً في المطبق لتشيعه أيضاً إلى أن أخرجه الرشيد، ومن بيوتات الوزارة من الشيعة بنو نوبخت وبنو سهل وزراء المأمون كالفضل بن سهل، والحسن بن سهل، وبنو الفرات الحسن بن علي تولى للمقتدر ثلاث مرات، وأبو الفتح الفضل بن جعفر، وبنو العميد محمد بن الحسين بن العميد وابنه ذو الكفايتين أبو الفتح علي بن محمد وزراء ركن الدولة، وبنو طاهر الخزاعي وزراء المأمون ومن بعده والوزير المهلبي الحسن بن هارون، وأبو دلف العجلي والصاحب وداهية السياسة أبو القاسم الوزير المغربي ومؤسس الدولة الفاطمية رجل الدولة والسياسة أبو عبد الله

(33)

الحسين بن زكريا المعروف (بالشيعي) وإبراهيم بن العباس الصولي الكاتب الشهير في دولة المتوكل، وطلائع بن رزيك أحد وزراء الفاطمية المشاهير، والأفضل أمير الجيوش في مصر وأولاده وأبو الحسن جعفر بن محمد بن فطير، وأبو المعالي هبة الله بن عبد المطلب وزير المستظهر، ومؤيد الدين محمد بن عبد الكريم القميّ من ذرية المقداد تولى الوزارة للناصر ثم للظاهر ثم للمستنصر والحسن بن سليمان أحد كتاب البرامكة ويعرف (بالشيعي) أيضاً كما في كتاب (الأوراق) للصولى ويحيى بن سلامة الحصفكي وابن النديم صاحب (الفهرست)، وأبو جعفر أحمد بن يوسف وأخوه أبو محمد القاسم وانظر في كتاب الأوراق للصولي قصائده البديعة في مديح أهل البيت ومراثيهم وكانا من أعيان الكتّاب والمتقدمين في عصر المأمون ومن بعده، وكذلك إبراهيم بن يوسف وأولادهم، والإمام في علوم العربية والنوادر أبو عبد الله محمد ابن عمران المرزباني صاحب المعجم الذي نص السمعاني وغيره على تشيعه واعتزاله(1) إلى كثير يضيق الاحصاء.

ولو أردنا ضبط جميع سلاطين الشيعة ومن تقلد الوزارة والإمارة والمناصب العالية بعلمهم وكتابتهم وعظيم خدماتهم

______________________________

(1) التشيع بالمعنى الخاص ينافي الاعتزال، ويكفي في تحقيق المباينة أن الشيعة تقول بالنص والمعتزلة لا تقول به، ولكن كثيراً من الشيعة كانوا يتظاهرون بالاعتزال، لمصلحة كانت يقتضيها ذلك الوقت، ومنهم يحيى بن زيد العلوي، الذي ينقل عنه ابن أبي الحديد جملة من التحقيقات العالية. فليفهم هذا.

 

(34)

للاسلام، لما وسعتهم المجلدات الضخمة والأسفار العديدة، وقد تصدى والدنا العلامة أعلى الله مقامه الى تراجم طبقات الشيعة من علماء وحكماء وسلاطين ووزراء ومنجمين وأطباء وهكذا، الى ثلاثين طبقة كل طبقة مرتّبة على حروف المعجم وسمّاه (الحصون المنيعة في طبقات الشيعة) فكتب عشرة مجلدات ضخام لم تخرج الى المبيّضة ومع ذلك لم يأت على القليل منهم، وكلنا نريد أن نقول لصاحب (فجر الاسلام) إن كان هؤلاء الذين ذكرنا وأضعاف أمثالهم من رجال الشيعة الذين أسسوا علوم الإسلام وشادوا دعائمه وأحكموا قوائمه إن كانوا هم الذين يريدون هدم الاسلام وأنت واستاذك الدكتور وزملاؤكم هم الذين شيّدوا الاسلام وأيّدوه - إذاً - فعلى الدنيا العفا وعلى الاسلام السلام، ورحم الله فيلسوف المعرّة حيث يقول:

إذا وصف الطائي بالبخل ما در *** . . . . . .

إلى قوله:

فيا موت زر إن الحياة ذميمة *** . . . . .

وما كان شيء من كل هذا من أصل قصدي وصميم غرضي، ولكن جرى القلم به عفواً وتمطى على القول فيه قهراً، فعسى أن يعلم الكاتب من أبناء العصر ومن بعده كيف يكتب ويتصور ماذا يقول، فقد قال أمير المؤمنين (ع) وما أشرفه من قول: لسان العاقل من وراء قلبه، وقلب الجاهل من وراء لسانه.

أما قوله: إن اليهودية ظهرت في التشيع بالقول بالرجعة

(35)

أصل من اصول الشيعة وركن من أركان مذهبها حتى يكون نبزاً عليها، ويقول القائل ظهرت اليهودية فيها، ومن يكون هذا مبلغ علمه عن طائفة أليس كان الأحرى به السكوت وعدم التعرض لها، - إذا لم تستطع أمراً فدعه - وليس التدين بالرجعة في مذهب التشيع بلازم ولا إنكارها بضار، وإن كانت ضرورية عندهم، ولكن لا يناط التشيع بها وجوداً وعدماً، وليست هي إلا كبعض أنباء الغيب، وحوادث المستقبل وإشراط الساعة مثل نزول عيسى من السماء، وظهور الدجّال، وخروج السفياني وأمثالها من القضايا الشائعة عند المسلمين وما هي من الاسلام في شيء، ليس إنكارها خروجاً منه، ولا الاعتراف بها بذاته دخولاً فيه، وكذا حال الرجعة عند الشيعة وعلى فرض أنها أصل من اصول الشيعة فهل اتفاقهم مع اليهود بهذا يوجب كون اليهودية ظهرت في التشيع؟ وهل يصح أن يقال أن اليهودية ظهرت في الاسلام لأن اليهودية يقولون بعبادة إله واحد والمسلمون به قائلون؟ وهل هذا إلا قول زائف، واستنباط سخيف، ثم هل ترى المتهوّسين على الشيعة بحديث الرجعة - قديماً وحديثاً - عرفوا معنى الرجعة والمراد بها عند من يقول بها من الشيعة، وأي غرابة واستحالة في القول أن سيحيي الله سبحانه جماعة من الناس بعد موتهم، وأي نكر في هذا بعد ان وقع مثله بنص الكتاب الكريم، ألم يسمع المتهوسون قصة ابن العجوز التي قصها الله سبحانه بقوله تعالى: -ألم ترَ إلى الذين خرجوا من ديارهم وهم أُلوف حذر الموت فقال لهم الله موتوا ثم أحياهم . . . -،

(36)

ألم تمرّ عليهم كريمة قوله تعالى: -ويوم نحشر من كل أُمة فوجاً-، مع ان يوم القيامة تحشر فيه جميع الامم لا من كل أُمة فوجاً، وحديث الطعن بالرجعة كان دأب علماء السنة من العصر الأول الى هذا العصر، فكان علماء الجرح والتعديل منهم اذا ذكروا بعض العظماء من رواة الشيعة ومحدّثيهم ولم يجدوا مجالاً للطعن فيه لوثاقته وورعه وأمانته نبذوه بأن يقول بالرجعة فكأنهم يقولون يعبد صنماً أو يجعل لله شريكاً، ونادرة مؤمن الطاق مع أبي حنيفة معروفة، وأنا لا اريد أن أثبت في مقامي هذا ولا غيره صحة القول بالرجعة وليس لها عندي من الاهتمام قدر صغير أو كبير، ولكني اردت أن أدلّ (فجر الاسلام) على موضع غلطه وسوء تحامله.

يقول: الشيعة تقول: إن النار محرمة على الشيعي إلا قليلاً وما أدري في أي كتاب من كتب الشيعة وجد هذا، وهل يليق برجل تربّع على دست النقد والتمحيص للمذاهب والأديان أن يقذف طائفة من المسلمين بشناعة لا يأتي عليها منهم بشاهد ولا برهان، كيف وهذه كتب الشيعة كادت أن تسمع حتى الأصم الأبكم، إن الله سبحانه خلق الجنة لمن أطاعه ولو كا ن عبداً حبشياً وخلق النار لمن عصاه ولو كان سيداً قرشياً، ويروون عن أئمتهم عليهم السلام من أمثال ذلك ما يفوت حد الاحصاء، نعم باب الشفاعة من النبي والأئمة عليهم السلام لبعض المذنبين باب آخر، ولعل القول بالشفاعة في الجملة من ضروريات مذهب

(37)

الاسلام، وأيضاً نعيد ما قلناه قريباً، وإنه لو تنازلنا وافترضنا أن الشيعة تقول ذلك فهل يصح بهذا أن يقال التشيع اخذ من اليهودية أو اليهودية ظهرت في التشيع؟ وهل يحسن بعاقل أن يقول أن أبا حنيفة أخذ فقهه من المجوس لأنه وافقهم في بعض الفروع في باب النكاح أو غيره ويعضد ذلك أنه فارسي الأصل أليس يعدّ هذا من سفه القول، وخطل الآراء التي لا فائدة فيها سوى إيقاد نار الشحناء والبغضاء بين المسلمين؟

ثم يقول: والنصرانية ظهرت في التشيع في قول بعضهم ان نسبة الامام الى الله كنسبة المسيح الى الله. . . ان حق الأمانة علي ابن الأمين - ان يعيد الهدف، ولا يرسل في غير سدود وبغير سداد - كان يجب عليه أن يذكر من هو القائل بهذا القول من الشيعة فدل مراده ما يسمونهم غلاة الشيعة كالخطابية والغرابية والعلياوية والمخمسة والبزيعية وأشباههم من الفرق الهالكة المنقرضة التي نسبتها الى الشيعة من الظلم الفاحش وما هي إلا من الملاحدة كالقرامطة ونظارئهم، أما الشيعة الإمامية وأئمتهم عليهم السلام فيبرأون من تلك الفرق براءة التحريم، على أن تلك الفرق لا تقول بمقالة النصارى، بل خلاصة مقالتهم بل ظلالتهم أن الامام هو الله سبحانه ظهوراً أو اتحاداً أو حلولاً أو نحو ذلك مما يقول به كثير متصوفة الاسلام ومشاهير مشائخ الطرق، وقد ينقل الحلاج بل والكيلاني والرفاعي والبدوي وأمثالهم من الكلمات (وان شئت فسمها كما يقولون شطحات)

(38)

ما يدل بظاهره على أن لهم منزلة فوق الربوبية وأن لهم مقاماً عن الالوهية (لو كان ثمة موضع لمزيد) وقريب من ذلك ما يقول به أرباب وحدة الوجود أو الموجود.

أما الشيعة الامامية وأعني بهم جمهرة العراق وإيران وملايين المسلمين في الهند ومئات الالوف في سوريا والأفغان فإن جميع تلك الطائفة من حيث كونها شيعة يبرأون من تلك المقالات ويعدّونها من أشنع الكفر والضلالات، وليس دينهم إلا التوحيد المحض وتنزيه الخالق عن كل مشابهة للمخلوق أو ملابسة لهم في صفة من صفات النقص والامكان، والتغير والحدوث، وما ينافي وجوب الوجود والقدم والأزلية، الى غير ذلك من التنزيه والتقديس المشحونة به مؤلفاتهم في الحكمة والكلام من مختصرة (كالتجريد) أو مطولة (كالأسفار) وغيرهما مما يتجاوز الالوف. وأكثرها مطبوع منتشر، وجلها يشتمل على إقامة البراهين الدامغة على بطلان التناسخ والاتحاد والحلول والتجسيم.

ولو راجع المنصف الذي يمشي وراء الحقائق وفوق العصبية والأغراض شيئاً منها لعرف قيمة قول هذه الناشئة المترعرعة التي قذفتنا بهم أعاصير هذا العصر وتطورات هذا الزمن، ثم يعرف قيمة قذف الشيعة بالتناسخ والحلول والتجسيم والقصارى، إنه ان أراد بالشيعة هم تلك الفرق البائدة، والمذاهب الملحدة، التي لا احسب أن في رقعة الأرض منهم اليوم نافخ ضرمه فنحن لا نضايقه في ذلك، ولكن نسبتهم الى الشيعة ظلم فاحش وخطأ

(39)

واضح، وقد أساء التعبير، وما أحسن البيان، ولم يعط الحقيقة حقها، وان أراد بالشيعة الطائفة المعروفة بهذا الاسم التي تعدُّ بالملايين من المسلمين، فنحن نطالبه بإثبات ذلك من مصنفات أحد علمائهم من حاضر أو غابر.

وعلى أي حال فقد استبان مما ذكرناه أن جميع ما ذكره (فجر الاسلام) عن الشيعة في المقام وغيره تهويل لا تحصُّل، ودعا بغير دليل ونحن لا نريد في مقامنا هذا أن نتعقب كتاب (فجر الاسلام) بالنقد وندل على جميع خطيئاته ومبهرج آرائه واجتهاداته، وإنما ذكرنا هذه النبذة استطراداً في قول وشاهداً على صورة حال الشيعة عند كتبة العصر ومن ينظِّمونه في سلك العلماء وأهل الاقلام فما ظنك اذن بالسواد والعوام؟

ومنبع البلية أن القوم الذين يكتبون عن الشيعة يأخذون في الغالب مذهب الشيعة وأحوالهم عن ابن خلدون البربري الذي يكتب وهو في افريقيا وأقصى المغرب عن الشيعة في العراق وأقصى المشرق، أو عن أحمد بن عبد ربه الأندلسي وأمثالهم.

فإذا أراد كتبة العصر أن يتضلعوا ويتوسعوا في معرفة الشيعة رجعوا إلى كتبة الغربيين وكتبة الأجانب كالاستاذ (ولهوسن) أو الاستاذ (دوزي) وأمثالهم.

وهناك الحجة القاطعة والقول الفصل اما الرجوع الى كتب الشيعة وعلمائهم فذاك مما لا يخطر على بال احدهم ولكن الشيعي الذي هو على بينّة من أمره وحقيقة مذهبه إذا نظر إلى ما يكتبه حملة الأقلام،

(40)

في هذه الأيام، عن الشيعة وعقائدها وجدها من نمط النادرة التي يحدّثنا بها الراغب الاصفهاني في كتابه المعروف بـ (المحاضرات) قال على ما يخطر ببالي: سئل رجل كان يشهد على اخر بالكفر عند جعفر بن سليمان فقال: انه خارجي، معتزلي، ناصبي، حروري، جبري، رافضي، يشتم علي بن الخطاب، وعمر بن أبي قحافة، وعثمان بن أبي طالب، وأبا بكر بن عفان، ويشتم الحجاج الذي هو والي الكوفة لأبي سفيان، وحارب الحسين بن معاوية يوم القطايف -أي يوم الطف أو يوم الطائف - فقال له جعفر بن سليمان: قاتلك الله ما أدري على أي شيء أحسدك أعلى علمك بالأنساب أو بالأديان أم المقالات؟

أما (عبد الله بن سبأ) الذي يلصقونه بالشيعة أن يلصقون الشيعة به، فهذه كتب الشيعة بأجمعها تعلن بلعنه والبراءة منه وأخفَّ كلمة تقولها كتب الشيعة في حقه ويكتفون بها عن ترجمة حاله عند ذكره في العين هكذا: (عبد الله بن سبأ ألعن من أن يذكر) انظر رجال أبي علي وغيره، على أنه ليس من البعيد رأي القائل: أن عبد الله بن سبأ ومجنون بني عامر وأبي هلال وأمثال هؤلاء الرجال أو الأبطال كلها أحاديث خرافة وضعها القصاصون وأرباب السمر والمجون، فان الترف والنعيم قد اقصاه في أواسط الدولتين الأموية والعباسية، وكلما اتسع

(41)

العيش وتوفرت دواعي اللهو، اتسع المجال للوضع وراجع سوق الخيال، وجعل القصص والأمثال، كي يأنس بها ربات الحجال، وأبناء الترف والنعمة المنغمرين في بلهينة العيش.

وأن سمادير الأهازيج التي أصبح يتغنى بها لنا عن القرآن والاسلام (الدكتور طه حسين) وزملاؤه، والدور الذي جاؤا يلعبون فيه للمسلمين بالحرب والدرق فهو أشبه أن يكون من أدوار تلك العصور الخالية، لا من أدوار هذه العصور التي تتطلب تمحيص الحقائق بحصانة وأمانة ورصانة.

ومهما كان الأمر أو يكن فكل ذلك ليس من صميم غرضنا في شيء وما كان ذكره إلا من باب التوطئة والتمهيد للقصد، وإنما جلّ الغرض انه بعد توفر تلك الأسباب والدواعي والشئون والشجون والوقوف على تلك الطعنات الطائشة على الشيعة المتتابعة من كتبة العصر في مصر وغيرها، رأينا من الفرض علينا الذي لا ندحة عنه أن نكتب موجزاً من القول عن معتقدات الشيعة واصول مذهبها وامهات مسائل فروعها التي عليه إجماع علمائها والذي يصح أن يقال أنه مذهب الشيعة على إطلاقها أما ما عداه فهو رأي الفرد والأفراد منها ومثله لا يصح أن يعد مذهباً لها، ومعلوم أن باب الاجتهاد لم يزل مفتوحاً عند الشيعة ولكل رأيه ما لم يخالف الإجماع أو نص الكتاب والسنة أو ضرورة العقول فإن خالف شيئاً من ذلك كان زائغاً عن الطريق، ومارقاً عن تلك الطائفة على اصول مقررة وقواعد محرمة لا يتسع المقام لمجملاتها فضلاً عن مفصلاتها، وإنما المقصود

(42)

هنا بيان ذات المسائل التي يدور عليها عملهم ولا خلاف فيها بينهم من دون تعرُّض للأدلة والحجج فإنها موكولة الى الكتب المطوّلة، وهو خارج عن الغرض المهم من تعريف كافة فرق المسلمين وافراد كل طائفة من علمائها وعوامها عن عقائد الشيعة حتى يعرفوا أنهم مسلمون مثلهم فلا يظلمون أنفسهم ويتورطون في نسبة الأضاليل والأباطيل الى اخوانهم في الدين، ولا يتمثلونهم كالسعالى وأنياب الأغوال ورؤوس الشياطين، أو كوحوش افريقيا وآكلة لحوم البشر، بل هم بحمد الله ممن تأدب بآداب الاسلام، وتمسك بتعاليم القرآن وأخذ بحظ وافر من الايمان ومكارم الأخلاق، ولا يعتمدون إلا على الكتاب والسنة وضرورة العقل، فعسى أن يتنبه الغافل ويعلم الجاهل، ويرتدع المهوّس الطائش عن غلوائه، ويكسر المتعصب عن سورته، ويتقارب من إخوانه، لعل الله يجمع شملهم ويجعلهم يداً واحدة على أعدائهم وما ذلك على الله بعزيز.

ولا بدّ أولاً من بيان مبدأ التشيع وأسباب نشؤنه ونموه، ثم بيان اصوله ومعتقداته، إذاً فالغرض يحصل في مقصدين:

الأول: في أن التشيع من أين نشأ؟ ومتى تكوَّن؟ ومن هو غارس بذرته الاولى، وواضع حجره الأول، وكيف أفرعت دوحته حتى سما واستطال وأزهر وأثمر، واستدام واستمر حتى تدينت به جملة من أعاظم ملوك بل وجملة من خلفاء بني العباس كالمأمون والناصر لدين الله وكبار وزراء الدولة العباسية وغيرها.

(43)

فنقول وبالله المستعان:

ان أول من وضع بذرة التشيع في حقل الاسلام - هو نفس صاحب الشريعة الاسلامية - يعني أن بذرة التشيع وضعت مع بذرة الاسلام، جنباً الى جنب، وسواء بسواء، ولم يزل غارسها يتعاهدها بالسقي والعناية حتى تمت وأزهرت في حياته ثم أثمرت بعد وفاته. وشاهدي على ذلك نفس أحاديثه الشريفة لا من طرق الشيعة ورواة الامامية حتى يقال انهم ساقطون لأنهم يقولون (بالرجعة) أو أن راويهم (يجر الى قرصته) بل من نفس أحاديث علماء السنة وأعلامهم، ومن طرقهم الوثيقة التي لا يظن ذو مسكة فيها الكذب والوضع، وأنا أذكر جملة مما علق بذهني من المراجعات الغابرة والتي عثرت عليها عفواً من غير قصد ولا عناية، فمنها ما رواه السيوطي في كتاب (الدر المنثور في تفسير كتاب الله بالمأثور) في تفسير قوله تعالى: -اولئك هم خير البرية- قال اخرج ابن عساكر عن جابر بن عبد الله قال: كنا عند النبي (ص) فأقبل علي (ع) فقال النبي: والذي نفسي بيده ان هذا وشيعته هم الفائزون يوم القيامة، ونزلت: -إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية-، وأخرج ابن عدي عن ابن عباس قال: لما نزلت -إن

(44)

الذين آمنوا وعملوا الصالحات- قال رسول الله لعلي هو أنت وشيعتك يوم القيامة راضين مرضيين.

وأخرج ابن مردويه عن علي (ع) قال: قال لي رسول الله (ص): ألم تسمع قول الله: -إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات اولئك هم خير البرية- هم أنت وشيعتك وموعدي وموعدكم الحوض، إذا جاءت الامم للحساب تدعون غرّاً محجّلين، انتهى حديث السيوطي، وروي بعض هذه الأحاديث ابن حجر في (صواعقه) عن الدارقطني، وحدّث أيضاً عن ام سلمة أن النبي (ص) قال: يا علي أنت وأصحابك في الجنة، وفي (نهاية ابن الأثير) ما نصه في مادة (قمح): وفي حديث علي (ع) قال له النبي (ص) ستقدم على الله أنت وشيعتك راضين مرضيين ويقدم عليه عدوك غضاباً مقمَّحين، ثم جمع يد ه إلى عنقه ليريهم كيف الاقماح، انتهى.

وببالي أن هذا الحديث أيضاً رواه ابن حجر في (صواعقه) وجماعة آخرون من طرق اخرى تدل على شهرته عند أرباب الحديث، والزمخشري في (ربيع الابرار) يروي عن رسول الله أنه قال: يا علي إذا كان يوم القيامة اخذت بحجزة الله تعالى واخذت أنت بحجزتي واخذ ولدك بحجزتك واخذ شيعة ولدك بحجزتهم فترى أين يؤمر بنا.

ولو أراد المتتبع كتب الحديث مثل مسند الامام أحمد بن حنبل وخصائص النسائي وأمثالهما أن يجمع أضعاف هذا القدر

(45)

لكان سهلاً عليه، وإذا نفس صاحب الشريعة الاسلامية يكرر ذكر شيعة علي وبنوه عنهم بأنهم هم الآمنون يوم القيامة وهو الفائزون والراضون المرضيون، ولا شك أن كل معتقد بنبوته يصدقه فيما يقول أنه لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى. فإذا لم يصر كل أصحاب النبي شيعة لعلي فالطبع والضرورة تلفت تلك الكلمات نظر جماعة منهم أن يكونوا ممن ينطبق عليه ذلك الوصف بحقيقة معناه لا بضرب من التوسع والتأويل. نعم وهكذا كان الأمر فإن عدداً ليس بالقليل اختصوا في حياة النبي بعلي ولازموه وجعلوه إماماًٍ كمبلّغ عن الرسول، وشارح ومفسر لتعاليمه، وأسرار حكمه وأحكامه، وصاروا يعرفون بأنهم شيعة علي كعلم خاص بهم كما نص على ذلك أهل اللغة، راجع النهاية ولسان العرب وغيرهما تجدهم ينصون على أن هذا الاسم غلب على أتباع علي وولده ومن يواليهم حتى صار اسماًٍ خاصاً بهم، ومن الغني عن البيان أنه لو كان مراد صاحب الرسالة من شيعة علي ومن يحبه أو لا يبغضه بحيث ينطبق على أكثر المسلمين كما تخيله بعض القاصرين لم يستقم التعبير بلفظ (شيعة) فان صرف محبة شخص لآخر أو عدم بغضه لا يكفي في كونه شيعة له بل لا بد هناك من خصوصية زائدة وهي الاقتداء والمتابعة له بل ومع الالتزام أيضاً، وهذا يعرفه كل من له أدنى ذوق في مجاري استعمال الألفاظ العربية، وإذا استعمل في غيره فهو مجاز مدلول عليه بقرينة حال أو مقال، والقصارى إني لا أحسب أن المنصف يستطيع أن ينكر ظهور

(46)

تلك الأحاديث وأمثالها في إرادة جماعة خاصة من المسلمين ولهم نسبة خاصة بعلي (ع) يمتازون بها عن سائر المسلمين الذين لم يكن فيهم ذلك اليوم من لا يحب علياً فضلاً عن وجود من يبغضه.

ولا أقول: إن الآخرين من الصحابة وهم الأكثر الذين لم يتسموا بتلك السمة، قد خالفوا النبي (ص) ولم يأخذوا بارشاده كلاً ومعاذ الله أن يظن بهم ذلك وهم خيرة من على وجه الأرض يومئذ، ولكن لعل تلك الكلمات لم يسمعها كلهم، ومن سمع بعضها لم يلتفت الى المقصود منها، وحصابة النبي الكرام أسمى من أن تحلق إلى أوج مقامهم بغاث الأوهام.

ثم إن صاحب الشريعة لم يزل يتعاهد تلك البذور ويسقيها بالماء النمير العذب من كلماته وإشاراته في أحاديث مشهورة عند أئمة الحديث من علماء السنة فضلاً عن الشيعة وأكثرها مروي في الصحيحين مثل قوله (ص): علي مني بمنزلة هارون من موسى مثل: لا يحبك إلا مؤمن ولا يبغضك إلا منافق، وفي حديث الطائر اللهم ائتني بأحب خلقك إليك، ومثل: لأعطين الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله، ومثل: إني تارك فيكم الثقلين كتاب الله وعترتي أهل بيتي، وعلي مع الحق والحق مع علي، إلى كثير من أمثالها مما لسنا في صدد إحصائه إثبات أسانيده، وقد كفانا ذلك موسوعات كتب الامامية، فقد ألف العالم الحبر (السيد حامد حسين اللكناهوري) كتاباً

(47)

أسماه (عبقات الأنوار) يزيد على عشرة مجلدات كل مجلد بقدر صحيح البخاري تقريباً أثبت فيها أسانيد تلك الأحاديث من الطرق المعتبرة عند القوم ومداليلها، وهذا واحد من الوف ممن سبقه ولحقه.

ثم لما ارتحل الرسول من هذه الدار إلى دار القرار ورأى جمع من الصحابة أن لا تكون الخلافة لعلي (ع) إما لصغر سنه أو لأن قريشاً كرهت أن تجتمع النبوة والخلافة لبني هاشم زعماً منهم أن النبوة والخلافة إليهم يضعونها حيث شاؤا أو لامور اخرى لسنا بصدد البحث عنها، ولكنه باتفاق الفريقين امتنع أولاً محمد البيعة، بل في صحيح البخاري في باب غزوة خيبر أنه لم يبايع إلا بعد ستة أشهر وتبعه على ذلك جماعة من عيون الصحابة كالزبير وعمار والمقداد وغيرهم.

ثم لما رأى تخلفه فتقاً في الاسلام لا يرتق، وكسراً لا يجبر، وكل أحد يعلم أن علياً ما كان يطلب الخلافة رغبة في الامرة، ولا حرصاً على الملك والغلبة الاثرة، وحديثه مع ابن عباس بذي قار مشهور، وإنما يريد تقوية الاسلام وتوسيع نطاقه ومد رواقه، وإقامة الحق، وإماتة الباطل.

وحين رأى أن المتخلفين - أعني الخليفة الأول والثاني - بذلا أقصى الجهد في نشر كلمة التوحيد وتجهيز الجنود وتوسيع الفتوح ولم يستأثروا ولم يستبدوا، بايع وسالم، وأغضى عما يراه حقاً له، محافظة على الاسلام أن تتصدع وحدته، وتتفرق كلمته

(48)

ويعود الناس الى جاهليتهم الاولى، وبقي شيعته منضوين تحت جناحه ومستنرين بمصباحه، ولم يكن للشيعة والتشيع يومئذ مجال للظهور لأن الاسلام كان يجري على مناهجه القويمة، حتى إذا تميز الحق من الباطل، وتبين الرشد من الغي، امتنع معاوية عن البيعة لعلي وحاربه في (صفين) انضم بقية الصحابة إلى علي حتى قتل أكثرهم تحت رايته وكان معه من عظماء أصحاب النبي ثمانون رجلاً كلهم بدري عقبي كعمار بن ياسر، وخزيمة ذي الشهادتين، وأبي أيوب الأنصاري ونظرائهم ثم لما قتل علي (ع) واستتب الأمر لمعاوية انقضى درو الخلفاء الراشدين سار معاوية بسيرة الجبابرة في المسلمين واستبد واستأثر عليهم وفعل في شريعة الاسلام ما لا مجال لتعداده في هذا المقام، لكن باتفاق المسلمين سار بضد سيرة من تقدموا من الخلفاء، وتغلب على الامة قهراً عليها، وكانت أحوال أمير المؤمنين وأطواره في جميع شؤونه جارية على نواميس الزهد والورع وخشونة العيش وعدم المخادعة والمداهنة في شيء من أقواله وأفعاله، وأطوار معاوية كلها على الضد من ذلك تماماً.

وقضية إعطائه مصر لابن العاص على الغدر والخيانة مشهورة وقهر الامة على بيعة يزيد واستلحاق زياد أشهر، وتوسعه بالموائد وألوان الطعام الأنيقة معلوم، وكل ذلك من أموال الامة وفيء المسلمين الذي كان يصرفه الخليفتان في الكراع والسلاح والجند، ويحدثنا الوزير أبوسعيد منصور بن الحسين الآبي المتوفي سنة 422

(49)

في كتابه (نثر الدرر) ما نصه: قال أحنف بن قيس: دخلت على معاوية فقدم لي من الحار والبارد والحلو والحامض ما كثر تعجبي منه ثم قدّم لوناً لم أعرف ما هو فقلت: ما هذا؟ فقال: هذا مصارين البط محشوّة بالمخ قد قلي بدهن الفستق وذرّ عليه بالطبرزد، فبكيت، فقال: ما يبكيك؟ قلت: ذكرت علياً بينا أنا عنده وحضر وقت الطعام وإفطاره وسألني المقام فجيء له بجراب مختوم، قلت: ما في الجراب؟ قال: سويق شعير، قلت: خفت عليه أن يؤخذ أو بخلت به؟ فقال: لا ولا أحدهما لكن خفت أن يلته الحسن والحسين بسمن أو زيت، فقلت: محرم هو يا أمير المؤمنين؟ فقال: لا ولكن يجب على أئمة الحق أن يعدّوا أنفسهم من ضعفة الناس لئلا يطغى الفقير فقره، فقال معاوية - ذكرت من لا ينكر فضله، وتجد في (ربيع الأبرار) للزمخشري ونظائره لهذه النادرة نظائر كثيرة.

هذا كله والناس قريبو عهد بالنبي والخلفاء وما كانوا عليه من التجافي عن زخارف الدنيا وشهواتها، ثم انتهى الأمر به إلى أن دسّ السم إلى الحسن (ع) فقتله بعد أن نقض كل عهد وشرط عاهد الله عليه له. ثم أخذ البيعة لولده يزيد قهراً، وحاله معلوم عند الامة يومئذ أكثر مما هو معلوم عندنا اليوم فمن هذا وأضعاف أمثاله استمكن البغض له والكراهة في قلوب المسلمين، وعرفوا أنه رجل دنيا لا علاقة له بالدين، وما أصدق ما قال عن نفسه فيها حدثنا الزمخشري في (ربيعه) قال: قال معاوية: أما أبو بكر فقد سلم من الدنيا وسلمت منه، وأما

(50)

عمر فقد عالجها وعالجته، وأما عثمان فقد نال منها ونالت منه، وأما أنا فقد ضجعتها ظهراً لبطن وانقطعت إليها وانقطعت إليّ.

ومن ذلك اليوم أعني (يوم خلافة معاوية ويزيد) انفصلت السلطة المدنية عن الدينية وكانت مجتمعة في الخلفاء الأولين، فكان الخليفة يقبض على أحدهما باليمين وعلى الآخر بالشمال، ولكن من عهد معاوية عرفوا أنه ليس من الدين على شيء، وإن الدين له أئمة ومراجع هم أهل وأحق به ولم يجدوا من توفرت فيه شروط الامة من العلم والزهد والشجاعة وشرف الحسب والنسب غير علي وولده، ضم إلى ذلك ما يرويه الصحابة للناس من كلمات النبي في حقهم والإيعاز إلى أحقيتهم فلم يزل التشيع لعلي (ع) وأولاده بهذا وأمثاله ينموا يسري في جميع الامة الاسلامية سريان البرء جسد العليل خفياً وظاهراً ومستوراً وبارزاً ثم تلاه شهادة الحسين (ع) وما جرى عليه يوم الطف مما أوجب انكسار القلوب والجروح الدامية في النفوس وهو ابن رسول الله وريحانته، بقايا الصحابة كزيد بن أرقم، وجابر ابن عبد الله الأنصاري، وسهل بن سعد الساعدي، وانس بن مالك الذين شاهدوا حفاوة رسول الله (ص) به وبأخيه وكيف كان يحملهما ويقول: نعم المطية مطيتكما ونعم الركبان أنتما، وأنهما سيدا شباب أهل الجنة، وكثير من أمثال ذلك، لم يزالوا بين ظهراني الامة يبثّون الأحاديث، ونشرون تلك

(51)

الفضائل وبنو امية يلغون في دمائهم ويتبعونهم قتلاً وسماً وأسراً كل ذلك كان بطبيعة الحال مما يزيد التشيع شيوعاً وانتشاراً ويجعل لعلي وأولاده المكانة العظمى في النفوس، وغرس المحبة في القلوب، والمظلومية - كما يعلم كل أحد - لها أعظم المدخلية.

فكان بنو امية كلما ظلموا واستبدوا واستأثروا وتقاتلوا كان ذلك كخدمة منهم لأهل البيت وترويجاً لأمرهم وعطفاً للقلوب عليهم، وكلما شدّدوا بالضغط على شيعتهم مواليهم، وأعلنوا على منابرهم سبّ علي وكتمان فضائله وتحريرها إلى مثالب انعكس الأمر صار (ردّ فعل) عليهم، أما سمعت ما يقول الشعبي لولده: يا بني ما بنى الدين شيئاً إلا وهدمته الدنيا وما بنت الدنيا شيئاً إلا وهدمه الدين، انظر الى علي وأولاده فان بني امية لم يزالوا يجهدون في كتم فضائلهم وإخفاء أمرهم وكأنما يأخذون بضبعهم إلى السماء، وما زالوا يبذلون مساعيهم في نشر فضائل أسلافهم وكأنما ينشرون منهم جيفة، هذا مع أن الشعبي كان ممن يتهم ببغض علي (ع)، ولكن الزمخشري يحدّثنا عنه في (ربيعه) أنه كان يقول ما لقينا من علي، ان أحببناه قتلنا وان أبغضناه هلكنا، الى أن تصرمت الدولة السفيانية وخلّفتها الدولة المروانية وعلى رأسها عبد الملك، وما أدراك ما عبد الملك، نصب الحجاج المجانيق على الكعبة بأمره حتى هدمها وأحرقها ثم قتل أهاليها وذبح عبد الله بن الزبير في المسجد الحرام بين الكعبة والمقام وانتهك حرمة الحرم الذي

(52)

كانت الجاهلية تعظمه ولا تستبيح دماء الوحش فضلاً عن البشر وأعطى عهد الله وميثاقه لابن عمه عمرو بن سعيد الأشدق ثم قتله غدراً وغيلة حتى قال فيه عبد الرحمن بن الحكم من أبيات:

 

غدرتم بعمرو يا بني خيط باطل *** ومثلكم يبني العهود على الغدر

 

فهل هذه الأعمال تسيغ أن يكون صاحبها مسلماً فضلاً عن أن يكون خليفة المسلمين، وأمير المؤمنين، ثم سارت المروانية كلها على هذه السيرة وما هو أشقّ وأشقى منها عدا ما كان من العبد الصالح عمر بن عبد العزيز.

ثم خلّفتها الدولة العباسية فزادت (كما يقال) في الطنبور نغمات حتى قال أحد مخضرمي الدولتين:

يا ليت جور بني مروان دام لنا *** وليت عدل بني العباس في النار

وتتبعوا الذراري العلوية من بني عمهم فقتلوهم تحت كل حجر ومدر، وخرّبوا ديارهم، وهدّموا آثارهم، حتى قال الشعراء في عصر المتوكل:

تالله ان كانت امية قد أتت *** قتل ابن بنت نبيها مظلوماً

فلقد اتته بنو أبيه بمثله *** هذا لعمرك قبره مهدوماً

أسفوا على أن لا يكونوا شار *** كوا في قتله فتتبعوه رميما

ضع في قبال ذلك سيرة بني علي وانسبها الى سيرة المروانيين والعباسيين، هناك تتجلى لك

(53)

الحقيقة في أسباب انتشار التشيع وتعرف سخافة المهوّسين انها نزعة فارسية أو سبائية أو غير ذلك، هناك تعرف انها اسلامية محمدية لا غير، انظر في تلك العصور الى بني علي وفي أي شأن كانوا، انظرهم على رأسهم الامام زين العابدين (ع) فانه بعد شهادة أبيه انقطع عن الدنيا وأهلها وتخلص للعبادة وتربية الأخلاق وتهذيب النفس والزهد في حطام الدنيا وهو الذي فتح هذا الطريق لجماعة من التابعين كالحسن البصري وطاووس اليماني ابن سيرين وعمرو بن محمد الباقر (ع) وحفيده الصادق (ع) فشاهدوا ذلك البناء وجاءت الفترة بين دولتي بني امية وبني العباس فاتسع المجال للصادق (ع) وارتفع كابوس الظلم وحجاب التقية فتوسع في بثّ الأحكام الإلهية ونشر الأحاديث النبوية التي استقاها من عين صافية من أبيه عن جده أمير المؤمنين عن رسول الله (ص) وظهرت الشيعة ذلك العصر ظهوراً لم سبق له فيما غبر من أيام آبائه، وتولعوا في تحمل الحديث وبلغوا من الكثرة ما يفوت حد الاحصاء حتى أن أبا الحسن لو شاء قال لبعض أهل الكوفة أدركت في هذا الجامع يعني (مسجد الكوفة) أربعة آلاف شيخ من أهل الورع والدين كل يقول: حدّثني جعفر بن محمد.

ولا نطيل بذكر الشواهد على هذا فنخرج عن الغرض مع أن ا لأمر أجلى من ضاحية الصيف ولا يرتاب متدبر أن اشتغال بني امية وبني العباس في تقوية سلطانهم ومحاربة أضدادهم وانهماكهم

(54)

في نعيم الدنيا، وتجاهرهم بالملاهي والمطربات وانقطاع بني علي الى العلم والعبادة والورع والتجافي عن الدنيا وشهواتها، وعدم تدخلهم في شأن من شئون السياسة (وهل السياسة إلا الكذب والمكر والخداع)، كل ذلك هو الذي أوجب انتشار مذهب التشيع وإقبال الجم الغفير عليه (ومن الواضح الضروري) أن الناس وإن تمكن حب الدنيا والطموح الى المال في نفوسهم وتملك على أهوائهم ولكن مع ذلك فان للعلم والدين في نفوسهم المكان المكين والمنزلة السامية لا سيما وعهد النبوة قريب، وصدر الاسلام رحيب، ولا يمنع عن طلب الدنيا من طرقها المشروعة، لا سيما وهم يجدون عيانآً، ان دين الاسلام هو الذي درّ عليهم بضروع الخيرات، وصبّ عليهم شآبيب البركات، وأذلّ لهم ملك الأكاسرة والقياصرة، ووضع في أيديهم مفاتيح خزائن الشرق والغرب، وبعض هذا فضلاً عن كله لم تكن العرب لتحلم به في المنام، فضلاً عن تأتي بتحقيقه الأيام، وكل هذا مما يبعث لهم أشد الرغبات في الدين وتعلم أحكامه والسير ولو في الجملة على مناهجه ولو في النظام الاجتماعي وتدبير العائلة وطهارة الأنساب وأمثال ذلك، لا جرم أنهم يطلبون تلك الشرائع والأحكام أشد الطلب، ولكن لم يجدوها عند اولئك المتخلفين، والمتسمى كل احد منهم بأمير المؤمنين وخليفة المسلمين، نعم وجدوا أكمله وأصحه وأوفاه عند أهل بيته، فدنوا لهم واعتقدوا بامامتهم، وأنهم خلفاء رسول الله (ص) حقاً وسدنة شريعته ومبلّغو أحكامه الى امته، وكانت هذه العقيدة الإيمانية والعاطفة الإلهية

(55)

كشعلة نار في نفوس بعض الشيعة تدفعهم الى ركوب الأخطار، وإلقاء أنفسهم على المشانق، وتقديم أعناقهم أضاحي للحق، وقرابين للدين، اعطف بنظرك في هذ المقام الى حجر بن عدي الكندي وعمرو بن الحمق الخزاعي ورشيد الهجري وميثم التمار عبد الله بن عفيف الازدي، الى عشرات المئات من أمثالهم، انظر كيف نطحوا صخرة الضلال والجور وما كسرت رؤوسهم حتى كسروها وفضحوها وأعلنوا للملأ بمخازيها، فهل تلك الإقدامات والتضحية من اولئك الليوث كانت لطمع مال أو جاه عند أهل البيت (ع) أو خوفاً منهم (وهم يومئذ الخائفون المشردون) كلا بل عقيدة حق وغريزة إيمان وصخرة يقين.

ثم انظر الى فطاحل الشعراء في القرن الأول والثاني مع شدة أطماعهم عند ملوك زمانهم وخوفهم منهم، ومع ذلك كله لم يمنعهم عظيم الطمع والخوف (والشاعر ماديّ على الغالب) والسلطة من خلفهم والسيوف مشهورة على رؤوسهم أن جاهروا بالحق ونصروه وجاهدوا الباطل وفضحوه، خذ من الفرزدق الى الكميت الى السيد الحميري الى دعبل الى ديك الجن الى أبي تمام الى البحتري الى الأمير أبي فراس الحمداني صاحب الشافية:

الدين مخترم والحق مهتضم *** وفيء آل رسول الله مقتسم

 

الى آخر القصيدة ، راجعها وانظر ما يقول بها، بل لكل واحد من نوابغ شعراء العصور القصائد الرنانة والمقاطيع

(56)

العبقرية في مدح أئمة الحق والتشيع على ملوك زمانهم بالظلم والجور وإظهار الولاء لاولئك والبراءة من هؤلاء، كان دعبل بقول اني أحمل خشبتي على ظهري منذ أربعين سنة فلم أجد من يصلبني عليها، وكان قد هجا الرشيد والأمين والمأمون والمعتصم ومدح الصادق والكاظم والرضا وأشعاره بذلك مشهورة، وفي كتب الأدب والتاريخ مسطورة، هذا كله في أيام قوة بني امية وبني العباس وشدة بأسهم وسطوتهم فانظر ماذا يصنع الحق واليقين بنفوس المسلمين، واعرف هنالك الحق الشجاعة والبسالة والمفاداة والتضحية، وهذا بحث طويل الذيل ينصب لوأردناه استيفاءه انصباب السيل، وليس هو القصود الآن بالبيان وإنما المقصود بيان مبدأ التشيع وغارسها في حديقة الاسلام وشرح أسباب نشوئها ونموها، وسموّها وعلوّها، وما تكلمت عن عاطفة بل كباحث عن حقيقة، يمشي على ضوء امور راهنة وعلل وأسباب معلومة وأحسبني يتوفيقه تعالى قد أصحرت بذلك وأعطيته من البحث حقه فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر.

ثم لا يذهبنّ عنك أنه ليس معنى هذا أنا نريد أن ننكر ما لاولئك الخلفاء من الحسنات وبعض الخدمات للاسلام التي لا يجحدها إلا مكابر، ولسنا بحمد الله من المكابرين، ولا سبابين ولا شتامين بل ممن يشكر الحسنة ويغضي عن السيئة، ونقول: تلك امة قد خلت لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت وحسابهم على الله فان عفا فبفضله وإن عاقب فبعد له وما كنا نسمح لصل

(57)

القلم أن ينفث بتلك النفثات لولا أن بعض كتّاب العصر بتحاملهم الشنيع على الشيعة أحرجونا الى بثها (نفثة مصدور) وما كان صميم الغرض إلا الدلالة على غارس بذرة التشيع، وقد عرفت أنه النبي الأمين وأن أسباب شيوعها وانتشارها سلسلة امور مرتبطة بعضها ببعض وهي علل ضرورية تقضي ذلك الأثر بطبيعة الحال، ولنكتف بهذا من المقصد الأول ونستأنف الكلام.

(المقصد الثاني): وهو بيان عقائد الشيعة اصولاً وفروعاً ونحن نورد امهات القضايا ورؤوس المسائل على الشرط الذي أشرنا إليه آنفاً من الاقتصار على المجتمع عليه الذي يصح أن يقال أن مذهب الشيعة دون ما هو رأي الفرد والأفراد منهم فنقول أن الدين ينحصر في قضايا خمس: -1- معرفة الخالق -2- معرفة المبلّغ عنه -3- معرفة ما تعبد به والعمل به -4- الأخذ بالفضيلة ورفض الرذيلة -5 - الاعتقاد بالمعاد والدنيونة فالدين علم وعمل (وأن الدين عند الله الاسلام) والاسلام والإيمان مترادفان ويطلقان على معنى أعم يعتمد على ثلاثة أركان:

التوحيد، والنبوّة، والمعاد، فلو انكر الرجل واحداً منها فليس بمسلم ولا مؤمن، وإذا دان بتوحيد الله ونبوّة سيد الانبياء محمد (ص) واعتقد بيوم الجزاء من آمن بالله ورسوله واليوم الآخر فهو مسلم حقاً، له ما للمسلمين وعليه ما عليهم دمه وماله وعرضه حرام، ويطلقان أيضاً على معنى أخص يعتمد على معنى أخص يعتمد على تلك الاركان الثلاثة وركن رابع هو العمل بالدعائم التي بنى الاسلام عليها وهي خمس:

(58)

الصلاة، والصوم، والزكاة، والحج، والجهاد، وبالنظر الى هذا قالوا: الإيمان إعتقاد بالجنان، وإقرار باللسان، وعمل بالأركان، (من آمن بالله ورسوله وعمل صالحاً) فكل مورد في القرآن اقتصر على ذكر الإيمان بالله ورسوله واليوم الآخر - يراد به الاسلام والايمان بالمعنى الأول وكل مورد أضيف إليه ذكر العمل الصالح يراد به المعنى الثاني والأصل في هذا التقسيم قوله تعالى: (قالت الاعراب آمنّا قل لم تؤمنوا لكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الايمان في قلوبكم) وزاده تعالى إيضاحاً بقوله بعدها: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله اولئك هم الصادقون) يعنى أن الايمان قول ويقين وعمل، فهذه الأركان الأربعة هي اصول الاسلام والايمان بالمعنى الأخص عند جمهور المسلمين.

ولكن الشيعة الإمامية زا دوا (ركناً خامساً) وهو الإعتقاد بالإمامة يعني أن يعتقد أن الإمامة منصب إلهي كالنبوّة، فكما أن الله سبحانه يختار من يشاء من عبادة للنبوّة والرسالة، ويؤيد بالمعجزة التي هي كنص من الله عليه (وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة).

فكذلك يختار للإمامة من يشاء ويأمر نبيّه بالنص عليه، وأن ينصبه إماماً للناس من بعده للقيام بالوظائف التي كان عليه النبي أن يقوم بها سوى أن الإمام لا يوحى إليه كالنبي وإنما يتلقى الأحكام منه مع تسديد إلهي فالنبي مبلّغ عن الله والإمام مبلّغ

(59)

عن النبي، والإمامة متسلسلة في اثني عشر كل سابق ينص على الاحق ويشترطون أن يكون معصوماً كالنبي عن الخطأ والخطيئة وإلا زالت الثقة به وكريمة قوله تعالى: (إني جاعلك للناس إماماً قال ومن ذريتي قال لا ينال عهدي الظالمين) صريحة في لزوم العصمة في الإمام لمن تدبّرها جيداً وأن يكون أفضل أهل زمانه في كل فضيلة وأعلمهم بكل علم لأن الغرض منه تكميل البشر وتزكية النفوس وتهذيبها بالعلم والعمل الصالح (هو الذي بعث في الاميين رسولاً يتلو عليهم آياته ويزكّيهم ويعلمّهم الكتاب والحكمة) والناقص لا يكون مكمّلاً، والفاقد لا يكون معطياً، فالإمام في الكمالات دون النبي وفوق البشر، فمن اعتقد بالإمامة بالمعنى الذي ذكرناه فهو عندهم مؤمن بالمعنى الأخص، وإذا اقتصر على تلك الأركان الأربعة فهو مسلم ومؤمن بالمعنى الأعم تترتب عليه جميع أحكام الإسلام من حرمة دمه وماله وعرضه ووجوب حفظه وحرمة غيبته وغير ذلك لأنه بعدم الإعتقاد بالإمامة يخرج عن كونه مسلماً (معاذ الله)، نعم يظهر أثر التدين بالإمامة، في منازل القرب والكرامة يوم القيامة، أما في الدنيا فالمسلمون بأجمعهم سواء وبعضهم لبعض أكفاء، وأما في الآخرة فلا شك أن المسلمين تتفاوت درجاتهم ومنازلهم حسبت نياتهم وأعمالهم، وأمر ذلك وعلمه إلى الله سبحانه ولا مساغ للبحث به لأحد من الخلق والغرض ان أهم ما امتازت به الشيعة عن سائر فرق المسلمين هو القول بإمامة الأئمة الأثني عشر وبه سميت هذ الطائفة (إمامية) إذ ليس كل

(60)

الشيعة تقول بذلك كيف واسم الشيعة يجري على الزيدية والإسماعيلية والواقفية والفطحية غيرهم هذا إذا اقتصرنا على الداخلين في حظيرة الاسلام منهم، أنا لو توسعنا في الإطلاق والتسمية حتى للملاحدة الخارجين عن حدود كالخطابية واضرابهم فقد تتجاوز طوائف الشيعة المئة أو أكثر ببعض الاعتبارات والفوارق ولكن يختص اسم الشيعة اليوم على إطلاقه بالإمامية التي تمثل أكبر طائفة في المسلمين بعد طائفة السنّة والقول بالاثني عشر ليس بغريب عن اصول الاسلام وصحاح كتب المسلمين فقد روى البخاري وغيره في صحيحه حديث الاثني عشر خليفة بطرق متعددة (منها) بسنده عن النبي (ص) ان هذا ا لأمر لا ينقضي حتى يمضي فيهم أثنا عشر خليفة قال ثم تكلم بكلام خفي عليّ فقلت لأبي ما قال؟ قال كلهم من قريش وروى أيضاً لا يزال أمر الناس ماضياً ما وليهم أثنا عشر رجلاً وروى أيضاً لا يزال الاسلام عزيزاً إلى اثني عشر خليفة وما أدري من هؤلاء الاثنا عشر؟ والقوم يروون عنه (ص) الخلافة بعدي ثلاثون ثم تعود ملكاً عضوضاً، دع عنك ذا فلسنا بصدد إقامة الدليل والحجة على إمامة الاثني عشر فهناك مؤلفات لهذا الشأن تتوف على الألوف ولكن القصد أن نذكر اصول عقائد الشيعة ورؤوس أحكامها المجمع عليه عندهم والعهدة في إثباتها على موسوعات مؤلفاتهم، وهنا نعود فنقول الدين علم وعمل، وظائف للعقل ووظائف للجسد فهنا -منهجان-:

-الأول- في وظائف العقل.

 

التوحيد(1)

يجب على العاقل بحكم عقله عند الإمامية تحصيل العلم والمعرفة بصانعه والإعتقاد بوحدانيته في الالوهية وعدم شريك له في الربوبية واليقين بأنه هو المستقل بالخلق والرزق والموت والحياة والإيجاد الإعدام بل لا مؤثر في الوجود عنده إلا الله، فمن اعتقد أن شيئاً من الرزق أو الخلق أو الموت أو الحياة لغير الله فهو كافر مشرك خارج عن ربقة الاسلام، وكذا يجب عندهم إخلاص الطاعة والعبادة لله، فمن عبد شيئاً معه أو شيئاً دونه أو ليقرّبه زلفى الى الله فهو كافر عندهم أيضاً، ولا تجوز العبادة إلا لله وحده لا شريك له وطاعة الانبياء والأئمة عليهم السلام فيما يبلّغون عن طاعة الله ولكن لا يجوز عبادتهم بدعوى أنها عبادة لله، فانها خدعة شيطانية وتلبيسات أبليسية، نعم التبرك بهم والتوسل الى الله بكرامتهم ومنزلتهم عند الله والصلاة

______________________________

(1) التوحيد هو الأصل الأول عند الامامية.

(62)

عند مراقدهم لله كله جائز وليس من العبادة لهم بل العبادة لله، وفرق واضح بين الصلاة لهم الصلاة لله عند قبورهم (في بيوت أذن الله أن ترفع ويذكر فيها اسمه) هذه العقيدة الإمامية في التوحيد المجمع عليها عندهم على اختصار وإيجاز، ولعل الأمر في التوحيد أشدّ عندهم مما ذكرناه، وله مراتب ودرجات كتوحيد الذات وتوحيد الصفات وتوحيد الأفعال وغير ذلك مما لا يناسب المقام ذكرها وبسط القول فيها.

 

النبوة(1)

يعتقد الشيعة الإمامية أن جميع الأنبياء الذين نص عليهم القرآن الكريم رسل من الله وعباد مكرمون بعثوا لدعوة الخلق الى الحق وأن محمداً خاتم الأنبياء وسيد الرسل وأنه معصوم من الخطأ والخطيئة وأنه ما ارتكب المعصية مدة عمره وما فعل إلا ما يوافق رضا الله سبحانه حتى قبضه الله إليه، وأن الله سبحانه أسرى به من المسجد الحرام الى المجسد الأقصى ثم عرج من هناك بجسده الشريف الى ما فوق العرش والكرسي وما وراء الحجب والسرادقات حتى صارمن ربه قاب قوسين أو أدنى، وأن الكتاب الموجود في أيدي المسلمين هو الكتاب الذي أنزله الله إليه للإعجاز والتحدي ولتعليم الأحكام وتمييز الحلال من الحرام وأنه لا نقص فيه ولا تحريف ولا زيادة، وعلى هذا إجماعهم ومن ذهب منهم أو من غيرهم من فرق المسلمين الى وجود نقص فيه

______________________________

(1) الأصل الثاني عند الشيعة الامامية.

(64)

أو تحريف فهو مخطئ نص الكتاب العظيم -إنا نحن نزّلنا الذكر وإنّا له لحافظون-، والأخبار الواردة من طرقنا أو طرقهم الظاهرة في نقصه أو تحريفه ضعيفة شاذة وأخبار آحاد لا تفيد علماً ولا عملاً فإما أن تأول بنحو من الاعتبار أو يضرب بها الجدار، ويعتقد الإمامية أن كل من اعتقد أو ادعى نبوة بعد محمد (ص) أو نزول وحي أو كتاب فهو كافر يجب قتله.

 

الامامة(1)

قد أنبأناك أن هذا هو الأصل الذي امتازت به الإمامية وافترقت عن سائر فرق المسلمين وهو فرق جوهري أصلي وما عداه من الفروق فرعية عرضية كالفروق التي تقع بين أئمة الاجتهاد عندهم كالحنفي والشافعي وغيرهما وعرفت أن مرادهم بالإمامة كونها منصباً إلهياً يختاره الله بسابق علمه بعباده كما يختار النبي ويأمر النبي بأن يدل الامة عليه ويأمرهم باتباعه، ويعتقدون أن الله سبحانه أمر نبيه بأن ينص على علي وينصبه علماً للناس من بعده، وكان النبي يعلم أن ذلك سوف يثقل على الناس وقد يحملونه على المحاباة والمحبة لابن عمه وصهره، ومن المعلوم أن الناس ذلك اليوم وإلى اليوم ليسوا في مستوى واحد من الإيمان واليقين بنزاهة النبي وعصمته عن الهوى والغرض،

______________________________

(1) الأصل الثالث عند الامامية.

(66)

ولكن الله سبحانه لم يعذره في ذلك فأوحى اليه: -يا أيها النبي بلّغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلّغت رسالته-، فلم يجد بداً من الإمتثال بعد هذا الإنذار الشديد فخطب الناس عند منصرفه من حجة الوداع، في غدير خم فنادى وجلّهم يسمعون: ألست أولى بالمؤمنين من أنفسهم؟ فقالوا اللهم نعم، فقال: (من كنت مولاه فهذا علي مولاه) الى آخر مال قال، ثم أكد ذلك في مواطن اخرى تلويحاً وتصريحاًٍ وإشارة ونصاً حتى أدى الوظيفة وبلّغ عند الله المعذرة، ولكن كبار المسلمين بعد النبي (ص) تأولوا تلك النصوص نظراً منهم لصالح الاسلام حسب اجتهادهم فقدّموا وأخرّوا وقالوا الامر يحدث بعده الأمر وامتنع علي وجماعة من عظماء الصحابة عن البيعة أولاً ثم رأى امتناعه من الموافقة والمسالمة ضرر كبير على الاسلام بل ربما ينهار عن أساسه وهو بعد في أول نشوئه وترعرعه، وأنت تعلم أن للاسلام عند أمير امؤمنين من العزة والكرامة والحرص عليه والغيرة بالمقام الذي يضحي له بنفسه وأنفس ما لديه، وكم قذف في لهوات المنايا تضحية للاسلام، وزد على ذلك أنه رأى الرجل الذي تخلف على المسلمين قد نصح للاسلام وصار يبذل جهده في قوته وإعزازه وبسط رايته على البسيطة، وهذا أقصى ما يتوخاه أمير المؤمنين من الخلافة والإمرة، لأجل ذلك كله تابع وبايع حيث رأى أن بذلك مصلحة الإسلام وهو على منصبه الإلهي من الإمامة وان سلّم لغيره التصرف والرئاسة العامة فإن ذلك المقام مما يمتنع التنازل عنه بحال من الأحوال.

(67)

أما حين انتهى الأمر إلى معاوية وعلم أن موافقته ومسالمته وإبقائه والياً فضلاً عن الإمرة ضرر كبير وفتق واسع على الاسلام لا يمكن بعد ذلك رتقه لم يجد بداً من حربه ومنابذته.

-والخلاصة- أن الإمامية يقولون: نحن شيعة علي وتابعوه نسالم من سالمه، ونحارب من حاربه، ونعادي من عاداه، ونوالي من والاه إجابة وامتثالاً لدعوة النبي (ص): اللهم وال من واله، وعاد من عاداه، وحبنا وموالاتنا لعلي وولده إنما هي محبة وموالاة للنبي وإطاعة له.

تالله ما جهل الانسان موضعها *** لكنهم ستروا وجه الذي علموا

وهذا كله أيضاً خارج عن القصد، فلنعد إلى ما كنا فيه من إتمام حديث الإمامية فنقول: إن الإمامية تعتقد أن الله سبحانه لا يخلي الأرض من حجة على العباد من نبي أو وصي ظاهر مشهور أو غائب مستور، وقد نص النبي (ص) وأوصى إلى ولده الحسن وأوصى الحسن أخاه الحسين وهكذا إلى الإمام الثاني عشر المهدي المنتظر، وهذه سنّة الله في جميع الأنبياء من آدمهم إلى خاتمهم، وقد ألّف جم غفير من أعاظم علماء الدين مؤلفات عديدة في إثبات الوصية، وها أنا اورد لك أسماء المؤلفين في الوصية من القرون الاولى والصدر الاول قبل القرن الرابع (كتاب الوصية) لهشام بن الحكم المشهور، (الوصية) للحسين ابن سعيد، (الوصية) للحكم بن مسكين، (الوصية) لعلي بن

(68)

الحسين بن الفضل، (كتاب الوصية) لابراهيم بن محمد بن سعيد ابن هلال، (الوصية) لأحمد بن محمد بن خالد البرقي صاحب المحاسن، (الوصية) للمؤرخ الجليل عبد العزيز بن يحيى الجلودي، وأكثر هؤلاء من أهل القرن الأول والثاني، أما أهل القرن الثالث فهم جماعة كثيرة أيضاً، (الوصية) لعلي بن رئاب، (الوصية) لمحمد بن المستفاد، (الوصية) لمحمد بن أحمد الصابوني (الوصية) لمحمد بن الحسن بن فروخ، (كتاب الوصية والإمامة) للمؤرخ الثبت الجليل علي بن الحسين المسعودي صاحب مروج الذهب، (الوصية) لشيخ الطائفة محمد بن الطوسي، (الوصية) لمحمد بن علي الشلمغاني المشهور، (الوصية) لموسى بن الحسين بني عامر، أما ما أُلف بعد القرن الرابع فشيء لا يستطاع حصره، وذكر المسعودي في كتابه المعرفو بـ (إثبات الوصية)(1) لكل نبي اثني عشر وصياً ذكرهم بأسمائهم ومختصر من تراجمهم وبسط الكلام بعض البسط في الأئمة الاثني عشر وقد طبع في إيران طبعة غير جيدة، وهذا ما ألفه العلماء في الإمامة وإقامة الأدلة العقلية والنقلية عليها، ولسنا بصدد شيء من ذلك، نعم في قضية المهدي قد تعلو نبرات الإستهتار والإستنكار من سائر فرق المسلمين بل ومن غيرهم على الإمامية في الإعتقاد بوجود إمام غائب عن الإبصار ليس له أثر من الآثار، زاعمين أنه رأي قائل وعقيدة سخيفة والمعقول من إنكار يرجع إلى أمرين:

 

______________________________

(1) طبع في النجف وايران حديثاً.

(69)

(الأول): استبعاد بقائه طول هذه المدة التي تتجاوز الألف سنة وكأنهم ينسون أو يتناسون حديث عمر نوح الذي لبث في قومه بنص الكتاب ألف سنة إلا خمسين عاماً وأقل ما قيل في عمره ألف وستمائة سنة وقيل أكثر إلى ثلاثة آلاف، وقد روى علماء الحديث من السنة بغير نوح ما هو أكثر من ذلك (تهذيب الأسماء) ما نصه: اختلفوا في حياة الخضر ونبوّته فقال الأكثرون من العلماء هو حي موجود بين أظهرنا وذلك متفق عليه عند الصوفية وأهل الصلاح والمعرفة وحكاياتهم في رؤيته والاجتماع به والأخذ عنه وسؤاله وجوابه ووجوده في المواضع الشريفة ومواطن الخير أكثر من أن تحصى وأشهر من أن تذكر، قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح في فتاويه هو حي عند جماهير العلماء والصالحين والعامة معهم وإنما شذّ بانكاره بعض المحدثين.

ويخطر لي أنه قال هو في موضع آخر والزمخشري في (ربيع الأبرار): إن المسلمين متفقون على حياة أربعة من الأنبياء اثنان منهم في السماء وهما إدريس وعيسى اثنان في الأرض الياس والخضر وأن ولادة الخضر في زمن إبراهيم أبي الأنبياء والمعمرون الذين تجاوزوا العمر الطبيعي إلى مئات السنين كثيرون وقد ذكر السيد المرتضى في أماليه جملة منهم وذكر غيره كالصدوق في (إكمال الدين) أكثر مما ذكره الشريف، وكم رأينا في هذه الأعصار من تناهت بهم الأعمار إلى المائة والعشرين وما قاربها

(70)

أو زاد عليها، على أن الحق في نظر الاعتبار أن من يقدر على حفظ الحياة يوماً واحداً يقدر على حفظها آلافاً من السنين، ولم يبق إلا أنه خارق العادة وهل خارق العادة والشذوذ عن نواميس الطبيعة في شؤون الأنبياء والأولياء بشيء عجيب أو أمر نادر؟

راجع مجلدات المقتطف السابقة تجد فيها المقالات الكثيرة والبراهين الجلية لأكابر فلاسفة الغرب في إثبات إمكان الخلود في الدنيا للانسان، وقال بعض كبار علماء أوروبا: لو لا سيف ابن ملجم لكان علي بن أبي طالب من الخالدين في الدنيا لأنه قد جمع جميع صفات الكمال والاعتدال، وعندنا هنا تحقيق بحث واسع لا مجال لبيانه.

(الثاني): السؤال عن الحكمة والمصلحة في بقائه مع غيبته وهل وجوده مع عدم الإنتفاع به إلا كعدمه؟ ولكن ليت شعري هل يريد اولئك القوم أن يصلوا الى جميع الحكم الربانية، والمصالح الإلهية، وأسرار التكوين والتشريع ولا تزال جملة الأحكام إلى اليوم مجهولة الحكمة، كتقبيل الحجر ا لأسود مع أنه حجر لا يضر ولا ينفع، وفرض صلاة المغرب ثلاثاً العشاء أربعاً والصبح اثنتين وهكذا إلى كثير من أمثالها، وقد استأثر الله سبحانه نفسه لعلم جملة أشياء لم يطلع عليها ملكاً مقرباً ولا نبياً مرسلاً كعلم الساعة وأخواته -إن الله عنده علم الساعة وينزّل الغيث-.

(71)

وأخفى جملة امور لم يعلم على التحقيق وجة الحكمة في إخفائها كالاسم الأعظم وليلة القدر وساعة الإستجابة، والغاية أنه لا غرابة في أن يفعل سبحانه فعلاً أو يحكم حكماً مجهولي الحكمة لنا إنما الكلام في وقوع ذلك وتحقيقه فإذا صح أخبار النبي وأوصيائه المعصومين عليهم السلام لم يكن بد من التسليم والإذعان ولا يلزمنا البحث عن حكمته وسببه وأخذنا على أنفسنا في هذا الكتاب الوجيز أن لا نتعرض لشيء من الأدلة بل هي موكولة إلى مواضعها، والأخبار في (المهدي) عن النبي (ص) من الفريقين مستفيضة، ونحن وان اعترفنا بجهل الحكمة وعدم الوصول الى حاق المصلحة، ولكن كان قد سألنا نفس هذا السؤال بعض عوام الشيعة فذكرنا عدة وجوه تصلح للتعليل، ولكن لا على البت فإن المقام أدق وأغمض من ذلك ولعل هناك اموراً تسعها الصدور، ولا تسعها السطور، وتقوم بها المعرفة، ولا تأتي عليها الصفة، والقول الفصل انه إذا قامت البراهين في مباحث الإمامة على وجوب وجود الإمام في كل عصر وأن الأرض لا تخلو من حجة، وإن وجوده لطف، وتصرفه لطف آخر، فالسؤال عن الحكمة ساقط والأدلة في محالها على ذلك متوفرة وفي هذا القدر من الإشارة كفاية إن شاء الله.

 

العدل(1)

ويراد به الاعتقاد بأن الله سبحانه لا يظلم أحداً ولا يفعل ما يستقبحه العقل السليم، وليس هذا في الحقيفة أصلاً مستقلاً بل هو مندرج في نعوت الحق ووجوب وجوده المستلزم لجامعيته لصفات الجمال والكمال فهو شأن من شؤون التوحيد، ولكن الأشاعرة لما خالفوا العدلية وهم المعتزلة والإمامية فأنكروا الحسن والقبح العقليين وقالوا ليس الحسن إلا ما حسنّه الشرع وليس القبح إلا ما قبّحه الشرع، وأنه تعالى لو خلّد المطيع في جهنم، والعاصي في الجنة، لم يكن قبيحاً لأنه يتصرف في ملكه و -لا يسأل عما يعفل وهم يسألون- حتى أنهم أثبتوا وجوب معرفة الصانع ووجوب النظر في المعجزة لمعرفة النبي من طريق السمع والشرع لا من طريق العقل لأنه ساقط عن متعة

 

______________________________

الأصل الرابع من اصول العقائد عند الامامية وأركان الايمان.

(73)

الحكم فوقعوا في الاستحالة والدور الواضح (أما العدلية) فقالوا ان الحاكم في تلك النظريات هو العقل مستقلاً ولا سبيل لحكم الشرع فيها إلا تأكيداً وإرشاداً والعقل يستقل بحسن بعض الأفعال وقبح البعض الآخر ويحكم بأن القبيح مناف للحكمة، وتعذيب المطيع ظلم والظلم قبيح وهو لا يقع منه تعالى، وبهذا أثبتوا لله صفة العدل وأفردوها بالذكر دون سائر الصفات إشارة الى خلاف الأشاعرة فإن الأشاعرة في الحقيقة لا ينكرون كونه تعالى عادلاً غايته أن العدل عندهم هو ما يفعله وكل ما يفعله فهو حسن، نعم أنكروا ما أثبته المعتزلة والإمامية من حكومة العقل وإدراكه للحسن والقبح على الحق جل شأنه زاعمين أنه ليس للعقل وظيفة الحكم بأن هذا حسن من الله وهذا قبيح منه، والعدلية بقاعدة الحسن والقبح العقليين المبرهن عليها عندهم، أثبتوا جملة من القواعد الكلامية كقاعدة اللطف، ووجوب شكر المنعم، ووجوب النظر في المعجزة، وعليها بنوا أيضاً مسألة الجبر والاختيار وهي من معضلات المسائل التي أخذت دوراً مهماً في الخلاف حيث قال الأشاعرة بالجبر أو بما يؤدي اليه وقال المعتزلة بأن الإنسان حر مختار له حرية الإرادة والمشيئة في أفعاله غايته أن ملكة الاختيار وصفته كنفس وجوده من الله سبحانه فهو خلق العبد وأوجده مختاراً، فكلي صفة الاختيار من الله والاختيار الجزئي في الواقع الشخصية للعبد ومن العبد، والله جل شأنه لم يجبر على فعل ولا ترك بل العبد اختار ما شاء منهما مستقلاً، ولذا يصح عند العقل والعقلاء ملامته وعقوبته على

(74)

فعل الشر ومدحه ومثوبته على فعل الخير إلا لبطل الثواب والعقاب ولم تكن فائدة في بعثة الأنبياء وإنزال الكتب والوعد والوعيد ولا مجال هنا لأكثر من هذا وقد بسطنا بعض الكلام في هذه المباحث في آخر الجزء الاول من كتاب (الدين والاسلام) وقد أوضحناها بوجه يسهل تناوله وتعقله للأواسط فضلاً عن الأفاضل، وإنما الغرض هنا أن من عقائد الامامية واصولهم ان الله عادل، وان الانسان حر مختار.

 

المعاد(1)

يعتقد الامامية كما يعتقد سائر المسلمين أن الله سبحانه يعيد الخلائق ويحييهم بعد موتهم يوم القيامة للحساب والجزاء، والمعاد هو الشخص بعينه وبجسده وروحه بحيث لو رآه الرائي لقال هذا فلان ولا يجب أن تعرف كيف تكون الاعادة وهل هي من قبيل إعادة المعدوم أو ظهور الموجود أو غير ذلك ويؤمنون بجميع ما في القرآن والسنة القطعية من الجنة والنار ونعيم البرزخ وعذابه والميزان والصراط والأعراف والكتاب الذي لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها، وأن الناس مجزيون بأعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشرا -ومن يعمل مثقال ذرة خيراً يره ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره- إلى غير ذلك من التفاصيل المذكورة في محلها من كل ما صدع به الوحي المبين، وأخبر به الصادق الأمين.

هذا تمام الكلام في الشطر الأول من شطري الايمان بالمعنى الأخص وهو ما يرجع إلى وظيفة العقل والقلب، ومرحلة العلم والاعتقاد، ونستأنف الكلام فيما هو من وظيفة القالب والجسد أعني مرحلة العمل بأركان الإيمان من أفعال الجوارح.

 

______________________________

الأصل الخامس من اصول العقائد عند الامامية.

 

تمهيد وتوطئة

يعتقد الإمامية أن لله بحسب الشريعة الاسلامية في كل واقعة حكماً حتى أرش الخدش، وما من عمل من أعمال المكلفين من حركة أو سكون إلا ولله فيه حكم من الأحكام الخمسة، الوجوب، والحرمة، والندب، والكراهة، والإباحة.

وما من معاملة على مال أو عقد نكاح ونحوهما إلا وللشرع فيه حكم صحة أو فساد، وقد أودع الله سبحانه جميع تلك الأحكام عند نبيه خاتم الأنبياء، وعرفها النبي بالوحي من الله أو الالهام، ثم أنه سلام الله عليه حسب وقوع الحوادث أو حدوث الوقائع أو حصول الابتلاء، وتجدّد الآثار والأطوار بيّن كثيراً منها للناس وبالأخص لأصحابه الحافين به الطائفين كل يوم بعرش حضوره ليكونوا هم المبلّغين لسائر المسلمين في الآفاق -لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيداً-، وبقيت أحكام كثيرة لم تحصل الدواعي والبواعث لبيانها أو

(77)

لعدم الابتلاء بها في عصر النبوة أو لعدم اقتضاء المصلحة لنشرها، والحاصل أن حكمة التدريج اقتضت بيان جملة من الأحكام وكتمان جملة، ولكنه سلام الله عليه أودعها عند أوصيائه، كل وصي يعهد به الى الآخر لينشره في الوقت المناسب له حسب الحكمة من عام مخصص أو مطلق مقيد أو مجمل مبيّن الى أمثال ذلك، فقد يذكر النبي عاماً ويذكر مخصصه بعد برهة من حياته وقد لا يذكر أصلاً بل يودعه عند وصيه الى وقته، ثم ان الأحاديث التي نشرها النبي (ص) في حياته قد يختلف الصحابة في فهم معانيها على حسب اختلاف مراتب أفهامهم وقرائحهم -انزل من السماء ماءً فسالت أودية بقدرها-.

ولكن تأخذ الأذهان منه *** على قدر القرائح والفهوم

 

ثم إن الصحابي قد يسمع من النبي في واقعة حكماً ويسمع الآخر في مثلها خلافه، وتكون هناك خصوصية في أحدهما اقتضت تغاير الحكمين غفل أحدهما عن الخصوصية أو التفت إليها وغفل عن نقلها مع الحديث فيحصل التعارض في الأحاديث ظاهراً ولا تنافي واقعاً، ومن هذه الأسباب وأضعاف أمثالها احتاج حتى نفس الصحابة الذين فازوا بشرف الحضور، في معرفة الأحكام الى الاجتهاد والنظر في الحديث وضم بعضه الى بعض والإلتفات الى القرائن الحالية فقد يكون للكلام ظاهر ومراد النبي خلافه اعتماداً على قرينة كانت في المقام، والحديث

(78)

نقل والقرينة لم تنقل، وكل واحد من الصحابة ممن كان من أهل الرأي والرواية. . . إذ ليس كلهم كذلك بالضرورة، تارة يروي نفس ألفاظ الحديث السامع من بعيد أو قريب فهو في الحال راوٍ ومحدّث، وتارة يذكر الحكم الذي استفاده من الرواية أو الروايات بحسب نظره واجتهاده فهو في هذا الحال مفتٍ وصاحب رأي، وأهل هذه الملكة مجتهدون، وسائر المسلمين الذين لم يبلغوا إلى تلك المرتبة إذا أخذوا برأيه مقلّدون وكان كل ذلك قد جرى في زمن صاحب الرسالة وبمرأى منه ومسمع، بل ربما أرجع بعضهم إلى بعض، على أن الناس من هذا بازاء أمر واقع لا محالة.

وإذا أمعنت النظر فيما ذكرناه اتضح لديك أن باب الاجتهاد كان مفتوحاً في زمن النبوة وبين الصحابة فضلاً عن غيرهم وفضلاً عن سائر الأزمنة التي بعده، نعم غايته ان الاجتهاد يومئذ كان خفيف المؤنة جهداً لقرب العهد وتوفر القرائن وإمكان السؤال المفيد للعلم القاطع ثم كلما بعد العهد من زمن الرسالة وتكثّرت الآراء واختلطت الأعارب بالأعاجم وتغيّر اللحن وصعب الفهم للكلام العربي على حاق معناه وتكثّرت الأحاديث الروايات، وربما دخل فيها الدس والوضع، وتوفرت دواعي الكذب على النبي (ص)، أخذ الاجتهاد ومعرفة الحكم الشرعي يصعب ويحتاج الى مزيد مؤونة واستفراغ واسع، وجمع بين الأحاديث وتمييز الصحيح منها من السقيم وترجيح بعضها على بعض، وكلما بعد العهد وانتشر الاسلام وتكثرت العلماء والرواة ازداد الأمر

(79)

صعوبة، ولكن مهما يكن الحال فباب الاجتهاد كان في زمن النبي (ص) مفتوحاً بل كان أمراً ضرورياً عند من يتدبر، ثم لم يزل مفتوحاً عند الإمامية إلى اليوم، والناس بضرورة الحال لا يزالون بين عالم وجاهل وبسنّة الفطرة وقضاء الضرورة ان الجاهل يرجع اإلى العالم، فالناس إذاً في الأحكام الشرعية بين عالم ومجتهد، وجاهل ومقلد، يجب عليه الرجوع في تعيّن تكاليفه إلى أحد المجتهدين، والمسلمون متفقون أن أدلة الأحكام الشرعية منحصرة في الكتاب والسنة ثم العقل والإجماع، ولا فرق في هذا بين الإمامية وغيرهم من فرق المسلمين، نعم يفترق الإمامية عن غيرهم هنا من امور:

(منها) ان الإمامية لا تعمل بالقياس وقد تواتر عن أئمتهم عليهم السلام (ان الشريعة إذا قيست محق الدين) والكشف عن فساد العمل بالقياس يحتاج إلى فصل بيان لا يتسع له المقام.

و (منها): أنهم لا يعتبرون من السنة (أعني الأحاديث النبوية) إلا ما صح لهم من طرق أهل البيت عن جدهم يعني ما رواه الصادق عن أبيه الباقر عن أبيه زين العابدين عن الحسين السبط عن أبيه أمير المؤمنين عن رسول الله سلام الله عليهم جميعاً، أما ما يرويه مثل أبي هريرة وسمرة بن جندب ومروان ابن الحكم وعمران بن حطان الخارجي وعمرو بن العاص ونظائرهم فليس لهم عند الإمامية من الاعتبار مقدار بعوضة، وأمرهم

(80)

أشهر من أن يذكر، كيف وقد صرح كثير من علماء السنة بمطاعنهم ودلّ على جائفة جروحهم.

(ومنها) أن باب الاجتهاد كما عرفت لا يزال مفتوحاً عند الإمامية بخلاف جمهور المسلمين فإنهم قد سد عندهم هذا الباب وأُقفل على ذوي الألباب، وما أدري في أي زمان وبأي دليل وبأي نحو كان ذلك الانسداد، ولم أجد من وفى هذا الموضوع حقه من علماء القوم وتلك أسئلة لا أعرف من جواباتها شيئاً، والعهدة في إيضاحها عليهم.

وما عدا تلك الامور فالامامية وسائر المسلمين فيها سواء لا يختلفون إلا في الفروع كاختلاف علماء الامامية أو علماء السنة فيما بينهم من حيث الفهم والاستنباط.

والمراد بالمجتهد من زاول الأدلة ومارسها واستفرغ وسعه فيها حتى حصلت له مكلة وقوة يقدر بها على استنباط الحكم الشرعي من تلك الأدلة وهذا أيضاً لا يكفي في جواز تقليده بل هنا شروط اخرى - أهمها العدالة - وهي ملكة يستطيع معها المرء الكف عن المعاصي والقيام بالواجب كما يستطيع من له مكلة الشجاعة اقتحام الحرب بسهولة بخلاف الجبان، وقصاراها أنها حالة من خوف الله ومراقبته تلازم الانسان في جميع أحواله وهي ذات مراتب أعلاها العصمة التي هي شرط في الامام، ثم أنه لا تقليد ولا اجتهاد في الضروريات كوجوب الصلاة والصوم وأمثالها مما هو مقطوع به لكل مكلف ومنكره

(81)

منكر لضروري من ضروريات الدين كما لا تقليد في اصول العقائد كالتوحيد والنبوّة والمعاد ونحوها مما يلزم تحصيل العلم به من الدليل على كل مكلف ولو إجمالاً فإنها تكليف علمية وواجبات اعتقادية لا يكفي الظن والاعتماد فيها على رأي الغير (فاعلم أنه لا إله إلا هو) وما عداها من الفروع فهو موضع الاجتهاد والتقليد.

وأعمال المكلفين التي هي موضوع لأحكام الشرع يلزم معرفتها اجتهاداً أو تقليداً ويعاقب من ترك تعلمها بأحد الطريقين لا تخلو إما أن يكون القصد منها المعاملة بين العبد وربه فهي العبادات الموقوف على صحتها على قصد التقرب بها إلى الله، (بدنية) كالصوم والصلاة والحج أو(مالية) كالخمس والزكاة والكفارات أو المعاملة بينه وبين الناس، وهي إما أن تتوقف على طرفين كعقود المفاوضات والمناكحات، أو تحصيل من طرف واحد كالطلاق والعتق ونحوهما أو المعاملة مع خاصة نفسه، ومن حيث ذاته كأكله وشربه ولباسه وأمثال ذلك، والفقه يبحث عن أحكام جميع تلك الأعمال في أبواب أربعة.

العبادات، المعاملات، الايقاعات، الأحكام.

وامهات العبادات ست:

اثنتان بدنية محضة، وهما الصوم والصلاة، واثنتان مالية محضة وهما الزكاة، والخمس، واثنتان مشتركة على المال والبدن

(82)

وهما: الحج والجهاد -جاهدوا بأموالكم وأنفسكم- أما الكفارات فعقوبات خاصة على جرائم مخصوصة.

 

الصلاة

هي عند الإمامية بل عند عامة المسلمين عمود الدين والصلة بين العبد والرب ومعراج الوصول إليه، فإذا ترك الصلاة فقد انقطعت الصلة بينه وبين ربه، ولذا ورد في أخبار أهل البيت أنه ليس بين المسلم وبين الكفر بالله العظيم إلا ترك فريضة أو فريضتين وعلى أيٍّ فإن للصلاة بحسب الشريعة الإسلامية مقاماً من الأهمية لا يوازيه شيء من العبادات، وإجماع الإمامية على أن تارك الصلاة فاسق لا حرمة له قد انقطعت من الإسلام عصمته وذهبت أمانته وحلت غيبته، وأمرها عندهم مبنى على الشدة جداً، والواجب منها بحسب أصل الشرع خمسة أنواع: الفرائض اليومية، صلاة الجمعة، صلاة العيدين، صلاة الآيات وصلاة الطواف وقد يوجبها المكلف على نفسه بسبب من نذر أو يمين أو استئجار، وما عدا ذلك فالنوافل.

وأهمّ النوافل عندنا (الرواتب) يعني رواتب اليوم والليلة وهي ضعف الفرائض التي هي سبع عشرة ركعة فمجموع الفرائض والنوافل في اليوم والليلة عند الشيعة إحدى وخمسون وخطر على بالي هنا ذكر:

(83)

طريفة

أوردها الراغب الاصفهاني في كتاب (المحاضرات) وهي من الكتب القيمة الممتعة قال: كان باصبهان رجل يقال له الكناني في أيام أحمد بن عبد العزيز وكان يتعلم أحمد منه الإمامة فاتفق أن تطلعت أم أحمد يوماً فقالت يا فاعل جعلت أبني رافضياً، فقال الكناني يا ضعيفة العقل! الرافضة تصلي كل يوم إحدى وخمسين ركعة وابنك لا يصلي في كل أحد وخمسين يوماً ركعة واحدة فأين هو عن الرافضة.

ويليها في الفضل أو الأهمية نوافل شهر رمضان وهي الف ركعة زيادة عن النوافل اليومية، وهي كما عند إخواننا من أهل السنة سوى أن الشيعة لا يرون مشروعية الجماعة فيها (إذ لا جماعة إلا في فرض) والسنة يصلونها جماعة وهي المعروفة عندهم بالتراويح.

وباقي الفرائض كالجمعة، والعيدين والآيات وغيرهما كيفية النوافل قد استوفت كتب الإمامية بيانهاعلى غاية البسط وتزيد المؤلفات فيها على عشرات الالوف ولها أوراد وأدعية وآداب وأذكار مخصوصة قد أفردت بالتأليف ولا يأتي عليها الحصر والعدّ.

ولكن تتحصل ماهية الصلاة الصحيحة عندنا شرعاً من أُمور ثلاثة:

(84)

(الاول) الشروط وهي أوصاف تقارنها واعتبارات تنتزع من أُمور خارجة عنها وأركان الشروط التي تبطل بدونها مطلقاً ستة: الطهارة، الوقت، القبلة، الساتر، النية، أما المكان فليس من الأركان وإن كان ضرورياً ويشترط إباحته وطهارة موضع السجود.

(الثاني) أجزاؤها الوجودية التي تتركب الصلاة منها وهي نوعان ركن تبطل بدونه مطلقاً وهو أربعة: تكبيرة الاحرام، والقيام والركوع والسجود، وغير ركن وهي: القراءة والذكر، والتشهد، والتسليم، والطمأنينة معتبرة في الجميع، والاذان والإقامة مستحبان مؤكدان بل الأخير وجوبه قوي مع السعة.

(الثالث) الموانع وهي أمور بوجودها تبطل الصلاة وهي أيضاً نوعان: ركن تبطل به مطلقاً وهو الحدث والاستدبار والعمل الكثير الماحي لصورتها وغير ركن تبطل بوجوده عمداً فقط وهوالكلام، والضحك - بصوت - والبكاء كذلك والإلتفات يميناً وشمالاً، والأكل، والشرب.

والطهارة: وضوء وغسل ولكل منهما أسباب توجبها وإذا لم يتمكن منهما إما لعدم وجود الماء أو لعدم التمكن من استعماله لمرض أو برد شديد أو ضيق وقت فبدلهما التيمم (فتيمموا صعيداً طيباً) واختلف الفقهاء واللغويون في معنى الصعيد، فقيل خصوص التراب وقيل مطلق وجه الأرض فيشمل الحصى والرمل

(85)

والصخور والمعادن قبل الأحراق ويجوز السجود عليها وهذا هو الأصح، وهذا موجز من الكلام في الصلاة وفيها أبحاث جليلة وطويلة تستوعب المجلدات الضخمة.

 

الصوم

هو عند الإمامية ركن من أركان الشريعة الإسلامية وينقسم من حيث الحكم إلى ثلاثة أقسام: (واجب) وهو قسمان: واجب بأصل الشرع وهو صوم شهر رمضان، وواجب بسبب كصوك الكفارة وبدل الهدي والنيابة والنذر ونحوها. (ومستحب): كصوم رجب وشعبان ونحوهما وهو كثير. (حرام): كصوم العيدين وأيام التشريق - قيل - ومكروه كصوم يوم عرفة وعاشوراء وهو نسبي، وللصوم شروط وموانع وآداب وأذكار مذكورة في محلها وقد ألفت الإمامية فيه أُلوف المؤلفات، والتزام الشيعة بصيام شهر رمضان قد تجاوز الحد حتى أن الكثير منهم يشرف على الموت من مرض أو عطش وهو لا يترك الصيام، فالصلاة والصوم هما العبادة البدنية المحضة.

 

الزكاة

هي عند الشيعة تالية الصلاة بل في بعض الأخبار عن (أئمة

(86)

الهدى) ما مضمونه: إن من لا زكاة له لا صلاة له وتجب عندهم كما عند عامة المسلمين في تسعة أشياء الأنعام الثلاثة: الإبل، البقر، الغنم، وفي الغلات الأربع: الحنطة، الشعير، التمر، الزبيب، وفي النقدين الذهب والفضة وتستحب في مال التجارة وفي الخيل، وفي كل ما تبنته الأرض من الحبوب: كالعدس، والفول وأمثالها ولكل من الوجوب والإستحباب شروط وقيود مفصلة في محالها ولا شيء منها إلا وهو موافق لمذهب من المذاهب المعروفة: الحنفي، الشافعي، المالكي، الحنبلي، ومصرفها ما ذكره جلّ شأنه في آية: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين) إلى آخرها.

 

زكاة الفطر

وهي تجب على كل إنسان بالغ عاقل غني، عن نفسه وعمن يعول به من صغير أو كبير حر أو مملوك، وقدرها عن كل إنسان صاع من حنطة أو شعير أو تمر أو نحوهما مما يحصل به القوت ومذهب الشيعة هنا لا يخالف مذاهب السنة في شيء.

 

الخمس

ويجب عندنا في سبعة أشياء: غنائم دار الحرب، الغوص،

(87)

الكنز، المعدن، أرباح المكاسب، الحلال المختلط بالحرام، الأرض المنتقلة من المسلم إلى الذمي والأصل فيه قوله تعالى (وأعلموا أن ما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى) إلى آخرها والخمس عندنا حق فرضه الله لآل محمد صلوات الله عليه وعليهم عوض الصدقة التي حرّمها عليهم من زكاة الأموال والأبدان ويقسّم ستة سهام ثلاثة لله ولرسوله ولذي القربى، وهذه السهام يجب دفعها إلى الإمام إن كان ظاهراً، وإلى نائبه و (هو المجتهد العادل) إن كان غائباً، يدفع إلى نائبه في حفظ الشريعة وسدانة الملة. ويصرفه على مهمات الدين، ومساعدة الضعفاء والمساكين، لا كما قال محمد الآلوسي في تفسيره مستهزئاً (ينبغي أن توضع هذه السهام في مثل هذه الأيام في السرداب) مشيراً إلى ما يرمون به الشيعة من أن الإمام غاب فيه، وقد أوضحنا غير مرة أن من الأغلاط الشائعة عند القوم من سلفهم إلى خلفهم وإلى اليوم زعمهم أن الشيعة يعتقدون غيبة الإمام في السرداب مع أن السرداب لا علاقة له بغيبة الإمام أصلاً وإنما تزوره الشيعة وتؤدي بعض المراسم العبادية فيه لأنه موضع تهجد الإمام وآبائه العسكريين ومحل قيامهم في الأسحار لعبادة الحق جل شأنه.

أما الثلاثة الاخرى فهو حق المحاويج والفقراء من بني هاشم عوض ما حرّم عليهم من الزكاة، هذا حكم الخمس عند الإمامية من زمن النبي إلى اليوم ولكن القوم بعد رسول الله (ص)

(88)

منعوا الخمس عن بني هاشم وأضافوه إلى بيت المال وبقي بنو هاشم لا خمس لهم ولا زكاة، ولعلّ لهذا أشار الإمام الشافعي (رحمه الله) حيث يقول في كتاب (الام) صفحة 69: فأما آل محمد الذين جعل لهم الخمس عوضاً من الصدقة فلا يعطون من الصدقات المفروضات شيئاً قل أو كثر ولا يحل لهم أن يأخذوها ولا يجزي عمن يعطيهموها إذا عرفهم، إلى أن قال: وليس منعهم حقهم في الخمس لهم ما حرّم عليهم من الصدقة، انتهى.

ومن جهة سقوطه عندهم لا تجد له عنواناً وباباً في كتب فقهائهم حتى الشافعي في كتابه بخلاف الإمامية فإنه ما من كتاب فقه لهم صغير أو كبير إلا للخمس فيه عنوان مستقل كالزكاة غيرها(1). فالزكاة والخمس هما العبادة المالية المحضة، وأما المشتركة بينهما فالحج والجهاد.

 

الحج

من أعظم دعائم الإسلام عند الشيعة، وأهم أركانه،

 

______________________________

(1) نعم ذكر الحافظ الثبت أبو عبيد القاسم بن سلام المتوفي سنة 225 في كتابه (كتاب الأموال) الذي هو من أهم الكتب ونفائس الآثار - ذكر كتاب الخمس مفصلاً والأصناف التي يجب الخمس فيها ومصرفه وسائر أحكامه وأكثر ما ذكره موافق لما هو المشهور عند الإمامية - فليراجع من شاء من صفحة 303 إلى 349.

(89)

ويتخير تاركه بين أن يموت يهودياً أو نصرانياً، وتركه على حدّ الكفر بالله كما يشير إليه قوله تعالى: (ومن كفر فإن الله غني عن العالمين) وهو نوع من الجهاد بالمال والبدن حقيقة بل الحج جهاد معنوي والجهاد حج حقيقي. وبامعان النظر فيهما يعلم وجه الوحدة بينهما وبعد توفر الشرائط العامة في الأنسان كالبلوغ، والعقل، والحرية، وخاصة كالأستطاعة بوجدان الزاد والراحلة وصحة البدن، وأمن الطريق، يجب الحج في العمر مرة واحدة فوراً، وهو ثلاثة أنواع: (إفراد) وهو المشار إليه بقوله تعالى: -ولله على الناس حج البيت- و (قِران) وهو المراد بقوله تعالى: -وأتموا الحج والعمرة لله- و (تمتع) وهو المعنى بقوله جلّ وعلا -فمن تمتع بالعمرة إلى الحج-. ولكل واحدٍ منها مباحث وفيرة، وأحكام كثيرة، موكولة إلى محالها من الكتب المطوّلة، وقد سيرت عدّة مؤلفات في الحج لعلماء السنة فوجدتها موافقة في الغالب لأكثر ما في كتب الإمامية لا تختلف عنها إلا في الشاذ النادر، والتزام الشيعة بالحج لا يزال في غاية الشدة وكان يحج منهم كل سنة مئات الالوف مع ما كانوا يلاقونه من المهالك والأخطار من اناس يستحلون أموالهم ودماءهم وأعراضهم ولم يكن شيء من ذلك يقعد بهم عن القيام بذلك الواجب والمبادرة إليه وبذل المال والنفس في سبيله وهم مع ذلك كله -ويا للأسف- يريدون هدم الإسلام؟!

 

الجهاد

وهو حجر الزاوية من بناء هيكل الإسلام وعموده الذي قامت عليه سرادقه، واتسعت مناطقه، وامتدت طرائفه ولولا الجهاد لما كان الإسلام رحمة للعالمين وبركة على الخلق أجمعين.

والجهاد هو مكافحة العدو ومقاومة الظلم والفساد في الأرض بالنفوس والأموال والتضحية والمفادات للحق.

والجهاد عندنا على قسمين: (الجهاد الأكبر) بمقاومة العدو الداخلي وهو (النفس) ومكافحة صفاتها الذميمة وأخلاقها الرذيلة من الجهل، والجبن، والجور، والظلم، والكبر، والغرور، والحسد، والشحّ، إلى آخر ما هناك من نظائرها (أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك).

(والجهاد الأصغر) هو مقاومة العدو الخارجي، عدو الحق، عدو العدل، عدو الصلاح، عدو الفضيلة، عدو الدين.

ولصعوبة معالجة النفس وانتزاع صفاتها الذميمة وغرائزها المستحكمة فيها والمطبوعة عليها، سمي النبي (ص) هذا النوع في بعض كلماته (بالجهاد الاكبر) ولم يزل هو وأصحابه رضوان الله عليهم طول حياته وحياتهم مشغولين بالجهادين حق بلغ الإسلام إلى أسمى مبالغ العزّ والمجد.

ولو أردنا أن نطلق عنان البيان للقلم في تصوير ما كان عليه

(91)

الجهاد بالأمس عند المسلمين وما صار اليوم لتفجّرت العيون دماً، ولتمزّقت القلوب أسفاً وندماً، ولتسابقت العبرات والعبارات والكلوم والكلمات ولكن! أتراك فطنت لما حبس قلمي ولوي عناني وأجج لوعتي وأهاج أحزاني وسلبني حتى حرية القول ونفثة المصدور وبثة المجمور:

فدع عنك نهباً صيح في حجراته *** ولكن حديث ما، حديث الرواحل

 

حديث: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

الذي هو من أهم الواجبات شرعاً وعقلاً وهو أساس من أُسس دين الإسلام، وهو من أفضل العبادات، وأنبل الطاعات وهو باب من أبواب الجهاد، والدعوة إلى الحق، والدعاية إلى الهدى، ومقاومة الضلال والباطل، والذي ما تركه قوم إلا وضربهم الله بالذل وألبسهم لباس البؤس وجعلهم فريسة لكل غاشم وطعمة كل ظالم، وقد ورد من صاحب الشريعة الإسلامية وأئمتنا المعصومين صلوات الله عليهم في الحث عليه والتحذير من تركه وبيان المفاسد والمضار في أهماله ما يقصم الظهور ويقطع الأعناق والمحاذير التي أنذرها ونابها عند التوكل والتخاذل في شأن هذا

(92)

الواجب قد أصبحنا نراها عياناً ولا نحتاج عليها دليلاً ولا برهاناً، ويا ليت الآمر وقف عند ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولا يتجاوزه إلى أن يصير المنكر معروفاً والمعروف منكراً ويصير الآمر بالمعروف تاركاً له والناهي عن المنكر عاملاً به، فإنا لله وإنا إليه راجعون (ظهر الفساد في البر والبحر) فلا منكر مغير ولا زاجر مزدجر لعن الله الآمرين بالمعروف والتاركين له الناهين عن المنكر العاملين به(1).

هذه أمهات العبادات عند الإمامية طبق الشريعة الإسلامية إكتفينا منها بالإشارة والعنوان وتفاصيلها على عدة مؤلفات

______________________________

(1) ولله دين الإسلام ما أوسعه وأجمعه لقوانين السياسة الدينية والمدنية وأسباب الرقي والسعادة، ولما جعل الشارع الأحكام ووضع الحدود والقيود للبشر والأوامر والنواهي بمنزلة القوة التشريعية احتاج ذلك إلى قوة تنفيذية فجعل التنفيذ على المسلمين جميعاً حيث أوجب على كل مسلم (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) ليكون كل واحد قوة تنفيذية لتلك الأحكام فكلكم راع وكلكم مسؤول، والجميع مسيطر على الجميع فإذا لم تنجع هذه القوة ولم يحصل الغرض منها يحمل الناس على الخير وكفهم عن الشر فهناك ولاية ولي الأمر والراعي العام والمسؤول المطلق وهو الامام أو السلطان المنصوب لاقامة الحدود علىالمجرمين وحفظ ثغور المسلمين وفي وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والعمل به من الفوائد والثمرات وعظيم الآثار ما يضيق عنه نطاق البيان في هذا المقام ولكن هل تجد مثل هذه السياسة في دين من الأديان؟ وهل تجد أعظم وأدق من هذه الفلسفة أن يكون كل إنسان رقيباً على الآخر ومهيمناً عليه؟ وعلى كل واحد واجبات ثلاثة: أن يتعلم ويعمل، وأن يعلم، وأن يبعث غيره على العلم والعمل، فتأمل واعجب بعظمة هذا الدين وأعظم من ذلك واعجب من حالة أهليه اليوم، فلا حول ولا قوة إلا بالله.

(93)

أصحابنا من الصدر الأول إلى اليوم الموجود منها في هذا العصر فضلاً عن المفقود ينوف على مئات الالوف.

أما المعاملات: وهي ما يتوقف على طرفين موجب وقابل فتارة يكون المقصد المهم منها المال وهي عقود المعاوضات وهي على قسمين:

العقود اللازمة: كالبيع، والإجارة، والصلح، والرهن، والهبة المعوّضة وما إلى ذلك من نظائرها وهي عقود المغابنات والعقود الجائزة كالقرض، والهبة غير المعوّضة، والجعالة وأضرابها والكل مشروح في كتب الفقه في متونها وشروحها وأُصولها وفروعها وقواعدها وأدلتها من مطولات ومختصرات.

ولكن أصحابنا رضوان الله اليهم لا يحيدون قيد شعرة في شيء من أحكام تلك المعاملات، كما لا يحيد في العبادات أيضاً عن الكتاب والسنة والقواعد المستفادة منها من استصحاب وغيره - ولا يحل عندنا اكتساب المال إلا من طرقه المشروعة بتجارة أو إجارة أو صناعة أو زراعة أو نحو ذلك ولا يحل بالغصب ولا بالزنا ولا بالخيانة ولا بالغش ولا التدليس، ولا تحل عندنا الخديعة للكافر فضلاً عن المسلم، كما يجب الأمانة، ولا تحل خيانة الكافر فيها فضلاً عن المسلم.

وتارة تكون الغرض المهم ليس هو المال وأن تضمن المال وذلك كعقود الزواج الذي يقصد منه النسل ونظام العائلة وبقاء النوع وهو عندنا قسمان: (عقد الدوام) وهو الزواج المطلق

(94)

والعقد المرسل (وأنكحوا الأيامى منكم والصالحين من عبادكم) و(عقد الانقطاع) وهو الزواج المقيد والنكاح الموقت، والأول هو الذي اتفقت عليه عامة المسلمين، وأما الثاني ويعرف (بنكاح المتعة) المصرّح به في الكتاب الكريم بقوله تعالى: (فما استمتعتم به منهن فآتوهن أجورهن) فهو الذي انفردت به الإمامية من بين سائر فرق المسلمين بالقول بجوازه وبقاء مشروعيته إلى الأبد، ولا يزال النزاع محتدماً فيه بين الفريقين من زمن الصحابة إلى اليوم، وحيث أن المسألة لها مقام من الإهتمام فجدير أن نعطيها ولو بعض ما تستحق من البحث إنارة للحقيقة وطلباً للصواب.

فنقول: إن من ضروريات مذهب الإسلام التي لا ينكرها من له أدنى إلمام بشرائع هذا الدين الحنيف - أن المتعة - بمعنى العقد إلى أجل مسمى، قد شرعها رسول الله (ص) وأباحها وعمل بها جماعة من الصحابة في حياته، بل وبعد وفاته، وقد اتفق المفسرون أن جماعة من عظماء الصحابة كعبد الله بن عباس، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وعمران بن الحصين، وابن مسعود، وأُبي بن كعب وغيرهم كانوا يفتون بإباحتها ويقرأون الآية المتقدمة هكذا: (فما استمتعتم به منهن إلى أجل مسمى) ومما ينبغي القطع به أن ليس مرادهم التحريف في كتابه جلّ شأنه والنقص منه (معاذ الله) بل المراد بيان معنى الآية على نحو التفسير الذي أخذوه من الصادع بالوحي ومن أنزل عليه ذلك الكتاب الذي لا ريب فيه الروايات التي أوردها ابن جرير في تفسيره الكبير

(95)

وان كانت ظاهرة في أنها من صلب القرآن المنزل حيث يقول أبو نصيرة: قرأت هذه الآية على ابن عباس فقا إلى أجل مسمى. فقلت ما أقرأها كذلك قال والله لأنزلها الله كذلك (ثلاث مرات) ولكن يجل مقام حبر الامة عن هذه الوصمة فلا بدّ أن يكون مراده أن صحّت الرواية إن الله أنزل تفسيرها كذلك.

(وعلى أي) فالإجماع بل الضرورة في الإسلام قائمة على ثبوت مشروعيتها وتحقق العمل بها غاية ما هناك أن المانعين يدعون أنها نسخت وحرمت بعد ما أُبيحت وحصل هنا الاضطراب في النقل والإختلاف الذي لا يفيد ظناً فضلاً عن القطع ومعلوم حسب قواعد الفن إن الحكم القطعي لا ينسخه إلا دليل قطعي.

فتارة يزعمون أنها نسخت بالسنة وأن النبي حرّمها بعد ما أباحها، وأُخرى يزعمون أنها قد نسخت بالكتاب وهنا وقع الخلاف والإختلاف أيضاً فبين قائل أنها نسخت بآية الطلاق (إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن) وآخر يقول: نسختها آية مواريث الأزواج (لكم نصف ما ترك أزواجكم) وأجدني في غنى عن بيان بطلان هذه الآيات وتلك الآية حتى يكون بعضها ناسخاً لبعض وسيأتي له مزيد توضيح في بيان أنها زوجة حقيقية ولها جميع أحكامها.

نعم يقول الأكثر منهم أنها منسوخة بآية (إلا على أزواجهم أو ما ملكت أيمانهم) حيث حضرت الآية

(96)

أسباب حلية الوطأ بأمرين : الزوجية، وملك اليمين، قال الآلوسي في تفسيره: ليس للشيعة أن يقولوا أن المتمتع بها مملوكة لبداهة بطلانه، أو زوجة لانتفاء لوازم الزوجية كالميراث، والعدة، والطلاق، والنفقة، انتهى، وما أدحضها من حجة. (أما أولاً) فإن أراد لزومها غالباً فهو مسلم ولا يجديه وإن أراد لزومها دائماً وأنها لا تنفك عن الزوجية فهو ممنوع أشدّ المنع ففي الشرع مواضع كثيرة لا ترث فيها الزوجة الكافرة، والقاتلة، والمعقود عليها في المرض إذا مات زوجها فيه قبل الدخول كما أنها قد ترث حق الزوجة مع خروجها عن العدة قبل انقضاء الحول إذاً فالإرث لا يلازم الزوجية طرداً ولا عكساً. (وأما ثانياً) فلو سلمنا الملازمة ولكن إرث المتمتع بها ممنوع فقيل بأنها ترث مطلقاً وقيل ترث إلا مع شرط العدم، والتحقيق حسب قواعد الإستنباط ومقتضى الجمع بين الآيتين ان المتمتع بها زوجة يترتب عليها آثار الزوجة إلا ما خرج بالدليل القاطع.

أما العدة فهي ثابتة لها بإجماع الإمامية قولاً واحداً بل وعند كل من قال بمشروعيتها، أما النفقة فليست من لوازم الزوجية فإن الناشز زوجة ولا تجب نفقتها إجماعاً، أما الطلاق فهبة المدة تغني عنه ولا حاجة إليه.

(وأما ثالثاً) فنسخ آية المتعة بآية الأزواج مستحيل لأن آية المتعة في سورة النساء وهي مدنية، وآية الأزواج في سورة المؤمنين والمعارج وكلاهما مكيتان، ويستحيل تقدم الناسخ على المنسوخ.

(97)

 (وأما رابعاً) فقد روى جماعة من أكابر علماء السنة أن آية المتعة غير منسوخة منهم الزمخشري في (الكشاف) حيث نقل عن ابن عباس أن آية المتعة من المحكمات، ونقل غيره أن الحكم ابن عيينة سئل: أن آية المتعة هل هي منسوخة؟ فقال لا.

"والخلاصة " أن القوم بعد اعترافهم قاطبة بالمشروعية ادّعوا أنها منسوخة فزعموا تارة نسخ آية بآية وقد عرفت حاله، واخرى نسخ آية بحديث واستشهدوا على ذلك بما رواه البخاري ومسلم أن النبي (ص) نهى عنها وعن الحمر الأهلية في فتح مكة أو فتح خيبر أو غزوة أوطاس، وهنا اضطربت القضية اضطاباً غريباً وتلوّنت ألواناً وتنوّعت أنواعاً وجاء الخلف والاختلاف، واسع الأكتاف، فقد حكي عن القاضي عياض أن بعضهم قال ان هذا مما تداوله التحريم والإباحة والنسخ مرتين.

ولكن من توسع في تصفح أسفارهم، ومأثور أحاديثهم وأخبارهم يجد القضية أوسع بكثير، ففي بعضها أن النسخ كان في حجة الوداع العاشرة من الهجرة -واخرى- إنه في غزوة تبوك التاسعة من الهجرة، وقيل في غزوة أوطاس أو غزوة حنين وهما في الثامنة في شوال، وقيل يوم فتح مكة وهو في شهر رمضان من الثامنة أيضاً، وقالوا إنه إباحها في فتح مكة ثم

(98)

حرّمها هناك بعد أيام، والشائع وعليه الأكثر أنه نسخها في غزوة خيبر السابعة من الهجرة أو في -عمرة القضاء- وهي في ذي الحجة من تلك السنة، ومن كل هذه المزاعم يلزم أن تكون قد ابيحت ونسخت خمس أو ست مرات لا مرتين أو ثلاث كما ذكره النووي وغيره في (شرح مسلم) فما هذا التلاعب بالدين يا علماء المسلمين؟ وبعد هذا كله، فهل يبقى قدر جناح بعوضة من الثقة في وقوع النسخ بمثل هذه الأساطير المدحوضة باضطرابها.

(أولاً) بأن الكتاب لا ينسخ بأخبار الآحاد.

(وثانياً) بأنها معارضة بأخبار كثيرة من طرقهم صريحة في عدم نسخها.

(وثالثاً) ففي صحيح البخاري حدثنا أبو رجاء عن عمران ابن حصين رضي الله عنه قال: نزلت آية المتعة في كتاب الله ففعلناها مع رسول الله (ص) ولم ينزل قرآن بحرمتها ولم ينه عنها رسول الله حتى مات، قال رجل برأيه ما شاء، يقال إنه عمر، انتهى نص البخاري. وفي صحيح مسلم بسنده عن عطاء قال: قدم جابر بن عبد الأنصاري معتمراً فجئناه في منزله، فسأله القوم عن أشياء ثم ذكروا المتعة فقال: نعم استمتعنا على عهد رسول الله (ص) وعلى عهد أبي بكر وعمر، وفيه عن جابر أيضاً حيث يقول: كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق لأيام على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن

(99)

عمرو بن حريث، وفيه عن أبي نضرة قال: كنت عند جابر بن عبد الله فأتاه آت فقال ابن عباس وابن الزبير اختلفا في المتعتين، فقال جابر: فعلناهما مع رسول الله (ص) ثم نهانا عنهما عمر فلم نعد لهما.

أقول: وأنهم لم يعودوا لهما لأن عمر كان يرجم من يثبت عنده أنه قد تمتع.

ومن يراجع هذا الباب من صحيح مسلم بإمعان يرى العجائب فيما أورده فيه من الأحاديث المثبتة والنافية، والنسخ وعدم النسخ، والجهني يقول: أمرنا رسول الله (ص) بالمتعة عام الفتح حين دخلنا مكة ثم لم نخرج حتى نهانا عنها، والنسخ تارة ينسب الى رسول الله واخرى الى عمر، وأنها كانت ثابتة في عهد أبي بكر وإن علي بن أبي طالب نهى ابن عباس عن القول بالمتعة في مواطن فرجع عن القول بها، مع أنه روي أن ابن الزبير قام بمكة فقال: ان اناساً أعمى الله قلوبهم كما أعمى أبصارهم (يعني ابن عباس) يفتون بالمتعة، فناداه (أي ابن عباس) إنك لجلف جاف فلعمري لقد كانت المتعة تفعل على عهد علي إمام المتقين الى آخر الحديث، وهذا يدل على فتواه الى آخر عمره في خلافة ابن الزبير.

وأعجب من الجميع نسبة النهي عنها الى أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) مع أن حلية المتعة قد صار شعاراً لأهل البيت

(100)

وشارة لهم، وعلي (ع) بالخصوص قد تظافر النقل عنه بانكار حرمة المتعة، ومن كلماته المأثورة التي جرت مجرى الأمثال قوله: لو لا نهي عمر عن المتعة ما زنى إلا شقي أو الأشقى، ففي تفسير الطبري الكبير روي عن علي بن أبي طالب أنه قال: لو لا أن عمر نهى الناس عن المتعة ما زنى الاشقى - شفا(1).

ومن طرقنا الوثيقة عن جعفر الصادق (ع) أنه كان يقول: ثلاث لا أتقي فيهن أحداً: متعة الحج، ومتعة النساء، والمسح على الخفين.

وكيف كان فلا ريب حسب قواعد الفن، والاصول المقررة في (علم الفقه) انه اذا تعارضت الأخبار وتكافأت سقطت عن الحجة والاعتماد وصارت من المتشابهات، ولا بد من رفضها والعمل بالمحكمات، وبعد ثبوت المشروعية والإباحة باتفاق المسلمين واستصحاب بقائها وأصالة عدم النسخ عند الشك يتعين القول بجوازها وحليتها إلى اليوم.

______________________________

(1) شفا: أي قليل أو من أشفى وشارف على الهلكة.

 

التمحيص وحل العقدة

وإذا أردنا أن نسير على ضوء الحقائق ونعطي المسألة حقها من التمحيص والبحث عن سر ذلك الارتباك وبذرته الأولى التي تمت وتأثلت لا نجد حلاً لتلك العقدة، إلا أن الخليفة عمر (رض) قد اجتهد برأيه لمصلحة رآها بنظره للمسلمين في زمانه وأيامه اقتضت أن يمنع من استعمال المتعة منعاً مدنياً لا دينياً لمصلحة زمنية ومنفعة وقتية ولذا تواتر النقل عنه أن قال: متعتان كانتا على عهد رسول الله وأنا احرمهما واعاقب عليهما، ولم يقل أن رسول الله حرّمهما أو نسخهما بل نسب التحريم إلى نفسه وجعل العقاب عليهما منه لا من الله سبحانه، وحيث أن أبا حفص الحريص على نواميس الدين الخشن على إقامة شرائع الله، أجل مقاماً، وأسمى إسلاماً، من أن يحرّم ما أحل الله أو يدخل في الدين ما ليس من الدين وهو يعلم أن حلال محمد حلال الى يوم القيامة، وحرامه حرام الى يوم القيامة، والله سبحانه يقول في حق نبيه الكريم: -ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل لأخذنا منه باليمين، ثم لقطعنا منه الوتين، وما منكم من أحد عنه عاجزين- فلا بد من أن يكون مراده المنع الزمني، والتحريم المدني لا الديني، ولكن بعض معاصريه ومن بعده من المحدّثين البسطاء لما غفلوا عن تلك النكتة الدقيقة واستكبروا من ذلك الزعيم

(102)

العظيم القائم على حراسة الدين، أن يحرّم ما أحل الله ويجترئ على حرمات الله اضطروا الى استخراج مصحح فلم يجدوا إلا دعوى النسخ من النبي بعد الإباحة، فارتبكوا ذلك الارتباك واضطربت كلماته ذلك الاضطراب، ولو أنهم صححوا على الخليفة بما ذكرناه لأغناهم عن ذلك التكلف والارتباك.

ويشهد لما ذكرناه ما سبق من رواية مسلم عن جابر: كنا نتمتع بالقبضة من التمر والدقيق على عهد رسول الله (ص) وأبي بكر حتى نهى عنه عمر في شأن عمرو بن حريث(1) عن المتعة من أجل قضية في واقعة استنكر الخليفة منها، الحديث، فإنه يدل دلالة واضحة ان عمر نهى فرأى من الصالح للامة النهي عنها وإن كنا لم نعثر على شيء من شأن القضية ولكن أبا حفص كان معلوماً حاله في الشدة والتنمر، والغلظة والخشونة في عامة اموره، فربما يكون قد استنكر شيئاً في واقعة خاصة أوجب تأثره وتهيجه الشديد الذي بعثه على المنع المطلق خوف وقوع أمثاله اجتهاداً منه ورأياً تمكن في ذهنه، وإلا فأمر المتعة وحليتها بعد

______________________________

(1) في شرح مسلم المسمى باكمال المعلم للوشتاني الابي قوله: شأن عمرو بن حريث قيل كان نهيه عن ذلك في آخر خلافته وقيل في أثنائها وقال: لا يؤتى برجل تمتع وهو محصن إلا رجمته ولا برجل تمتع وهو محصن إلا جلدته، وقضية عمرو بن حريث أنه تمتع على عهد رسول الله (ص) ودام ذلك حتى لخلافة عمر فبلغه ذلك فدعاها فسألها فقالت نعم قال من شهد قال عطاء فأراها قالت امها وأباها قال فهلا غيرهما فنهى عن ذلك.

(103)

نص القرآن وعمل النبي والصحابة طول زمن النبي ومدة خلافة أبي بكر (رض) وبرهة من خلافة عمر (رض) أوضح من أن يحتاج إلى شي’ من تلك المباحث الهنابث، وتلك المداولات العريضة الطويلة كيف والذي يظهر من فلى نواصي التاريخ، والاستطلاع من ثنايا القضايا أن عقد المتعة كان مستعملاً في زمن الرسالة حتى عند أشراف الصحابة ورجالات قريش، ونتجت منه الذراري والأولاد الأمجاد، فهذا الراغب الأصفهاني من عظماء علماء السنة يحدثنا وهو الثقة الثبت في كتابه السابق الذكر ما نصه: أن عبد الله الزبير عير أبن عباس بتحليله المتعة، فقال: له ابن عباس سل امك كيف سطعت المجامر بينها وبين أبيك، فسألها فقالت والله ما ولدتك إلا وأنت تعلم من هي ام عبد الله ابن الزبير، هي أسماء ذات النطاقين بنت أبي بكر الصديق اخت عائشة أم المؤمنين وزوجها الزبير من حواري رسول الله وقد تزوجها بالمتعة، فما تقول بعد هذا أيها المكابر المجادل؟

ثم إن الراغب ذكر عقيب هذه الحكاية رواية اخرى فقال: سأل يحيى بن أكثم شيخاً من أهل البصرة فقال له بمن اقتديت في جواز المتعة؟ فقال: بعمر بن الخطاب (رض)، فقال له: كيف وعمر كان من أشد الناس فيها؟ قال: نعم صح الحديث عنه أنه صعد المنبر فقال: يا أيها الناس متعتان أحلهما الله ورسوله لكم وأنا احرّمهما واعاقب عليهما، فقبلنا شهادته ولم نقبل تحريمه انتهى. وقريب منها ما ينقل عن عبد الله بن عمر، ولكن في

(104)

عبارة شيخ أهل البصرة من الشطح والتجاوز ما لا يرتضيه كل مسلم، والعبارة الشائعة عن أبي حفص (رض) أخف وألطف من ذلك وهي قوله متعتان كانتا على عهد رسول الله (ص) وأنا احرّمهما، وإذا كان مراده ما أوعزنا اليه وكشفنا حجابه، وحللنا عقدته، يهون الأمر وتخف الوطأة.

وبعد ما انتهينا في الكتابة إلى هنا وقفنا على كلام لبعض الأعاظم من علمائنا المتقدمين وهو (المحقق محمد بن أدريس الحلي) من أهل القرن الخامس وجدناه يتفق مع كثير مما قدمناه فأحببنا نقله هنا ليتأكد البيان وتتجلى الحجة، قال في كتابه (السرائر) الذي هو من جلائل كتب الفقه والحديث ما نصه: النكاح المؤجل مباح في شريعة الاسلام مأذون فيه، مشروع في الكتاب والسنة المتواترة بإجماع المسلمين إلا أن بعضهم ادعى نسخه فيحتاج في دعواه الى تصحيحها ودون ذلك خرط القتاد، وأيضاً فقد ثبت بالأدلة الصحيحة أن كل منفعة لا ضرر فيها في عاجل ولا في آجل مباحة بضرورة العقل وهذه صفة نكاح المتعة فيجب إباحته بأصل العقل. فإن قيل: من أين لكم نفي المضرة عن هذا النكاح في الآجل والخلاف في ذلك. قلنا: من ادعى ضرراً في الآجل فعليه الدليل وأيضاً فقد قلنا أنه لا خلاف في إباحتها من حيث ان قد ثبت بإجماع المسلمين أنه لا خلاف في إباحة هذا النكاح في عهد النبي (ص) بغير شبهة ثم ادعى تحريمها من بعده ونسخها ولم يثبت النسخ، وقد ثبتت الإباحة

(105)

بالإجماع فعلى من ادعى الحظر والنسخ الدلالة، فإن ذكروا الأخبار التي رووها في أن النبي (ص) حرّمها ونهى عنها، فالجواب عن ذلك أن جميع ما يروونه من هذه الأخبار (إذا سلمت من المطاعن والضعف أخبار آحاد وقد بنيت أنها لا توجب علماً ولا عملاً في الشريعة ولا يرجع بمثلها عما علم وقطع عليه، وأيضاً قوله تعالى بعد ذكر المحرمات من النساء: -وأحل لكم ما رواء ذلك أن تبتغوا بأموالكم محصنين غير مصافحين فما استمعتم به منهن فاتوهن اجورهن فريضة ولا جناح عليكم فيما تراضيتم به من بعد الفريضة- ولفظة استمعتم لا تعدو وجهين: إما أن يراد بها الإنتفاع أو الإلتذاذ الذي هو أصل موضوع اللفظة أو العقد المؤجل المخصوص ا لذي اقتضاه عرف الشرع ولا يجوز أن يكون المراد هو الوجه الأول لأمرين (أحدهما) أنه لا خلاف بين محصلي من تكلم في اصول الفقه في أن لفظ القرآن إذا ورد وهو محتمل الأمرين: (أحدهما) وضع اللغة (والآخر) عرف الشريعة فإنه يجب حمله على عرف الشريعة، ولهذا حملوا كلهم لفظ الصلاة والزكاة والصيام والحج على العرف الشرعي دون الوضع اللغوي، وأيضاَ فقد سبق إلى القول بإباحة ذلك جماعة معروفة الأقوال من الصحابة والتابعين كأمير المؤمنين علي ابن أبي طالب (ع) وابن عباس ومناظرته لابن الزبير معروفة رواها الناس كلهم، ونظم الشعراء فيها الأشعار فقال بعضهم:

(106)

أقول للشيخ لما طال مجلسه *** يا شيخ هل لك في فتوى ابن عباس

وعبد الله بن مسعود، ومجاهد، وعطاء، وجابر بن عبد الله الأنصاري، وسلمة بن الأكوع، وأبي سعيد الخدري، والمغيرة ابن شعبة، وسعيد بن جبير، وابن جريج، وأنهم كانوا يفتون بها، فادعاء الخصم الاتفاق على حظر النكاح المؤجل باطل انتهى كلامه، وكل ذي بصيرة يعرف ما فيه من المتانة والرصانة وقوة الحجة والمعارضة.

هذا كله في البحث عن المسألة من وجهتها الدينية والتاريخية والنظر اليها من حيث الدليل حسب القواعد الأصلية، والطرق الشرعية. . .

أما النظر فيها من الوجهة الأخلاقية والاجتماعية:

فأقول أليس دين الإسلام هو الصوت الإلهي والنغمة الربوبية الشجية التي هبّت على البشر بنسائم الرحمة وعطرت مشام الوجود بلطائف السعود، وجاءت لسعادة الانسان لا لشقائه، ولنعمته لا لبلائه هو الدين الذي يتمشى مع الزمان في كل أطواره ويدور مع الدهر في جميع أدواره ويسد حاجات البشر في نظم معاشهم ومعادهم وجلب صلاحهم ودرء فسادهم، ما جاء دين الاسلام ليشق على البشر ويلقيهم في حظيرة المشقة وعصارة البلاء والمحنة وكلفة الشقاء والتعاسة، كلا! بل جاء رحمة للعالمين،

(107)

وبركة على الخلق أجمعين، ممهداً سبل الهناء والراحة، ووسائل الرخاء والنعمة، ولذا كان أكمل الأديان، وخاتمة الشرائع، إذ لم يدع نقصاً في نواميس سعادة البشر يأتي دين بعده فيكمله، أو ثلمة في ناحية من نواحي الحياة فتأتي شريعة اخرى فتسدها.

ثم أليس من ضرورات البشرمنذ عرف الانسان نفسه وإدراك حسه ومن المهن التي لا ينفك من مزاولتها والإندفاع اليها بدواع شتى وأغراض مختلفة هو السفر والتغرب عن الأوطان بداعي التجارة والكسب في طلب علم أو مال أو سياحة أو ملاحة، أو غير ذلك من جهاد وحروب وغزوات ونحوها، ثم أو ليس الغالب في اولئك المسافرين لتلك الأغراض هم الشبان، وما يقاربهم من أصحاء الأبدان وأقوياء الأجساد، الراتعين بنعيم الصحة والعافية.

ثم أليس الصانع الحكيم بباهر حكمته، وقاهر قدرته قد أودع في هذا الهيكل الانساني غريزة الشهوة، وشدة الشوق والشبق إلى الأزواج لحكمة سامية، وغاية شريفة، وهي بقاء النسل وحفظ النوع، ولو خلي من تلك الغريزة وبطلت أو ضعفت فيه تلك الجبلة لم يبق للبشر على مر الأحقاب عين ولا أثر ومن المعلوم أن حالة المسافرين لا تساعد على القران الباقي، والزواج الدائم لما له من التبعات واللوازم، التي لا تتمشى مع حالة المسافر، فاذا امتنع هذا النحو من الزواج حسب مجاري العادات وعلى الغالب والمتعارف من أمر

(108)

الناس وملك اليمين والتسري بالاماء والجوار المملوكة بأحد الأسباب، قد بطل اليوم بتاتاً وكان متعذراً أو متعسراً من ذي قبل.

فالمسافر لا سيما من تطول أسفارهم في طلب علم أو تجارة أو جهاد أو مرابطة ثغر، وهم في ميعة الشباب وريعان العمر، وتأجج سعير الشهوة لا يخلو حالهم من أمرين: إما الصبر ومجاهدة النفس الموجب للمشقة التي تنجر الى الوقوع في أمراض مزمنة، أو علل مهلكة مضافاً الى ما فيه من قطع النسل وتضييع ذراري الحياة، المودعة فيهم، وفي هذا نقض للحكمة وتفويت للغرض وإلقاء في العسر والحرج وعظيم المشقة تأباه شريعة الاسلام الشريعة السمحة السهلة (يريد بكم اليسر ولا يريد بكم العسر) (وما جعل عليكم في الدين من حرج).

وأما الوقوع في الزنا والعهار، الذي ملأ الممالك والأقطار، بالمفاسد والمضار، ولعمر الله، وقسماً بشرف الحق لو أن المسلمين أخذوا بقواعد الاسلام، ورجعوا الى نواميس دينهم الحنيف وشرائعه الصحيحة (لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض) ولعاد إليهم عزهم الدائر، ومجدهم الغابر.

ومن تلك الشرائع مشروعية المتعة فلو أن المسلمين عملوا بها على اصولها الصحيحة من العقد والعدة والضبط وحفظ النسل منها لانسدت بيوت المواخير واوصدت أبواب الزنا والعهار

(109)

ولارتفعت أو قلت ويلات هذا الشر على البشر ولأصبح الكثير من تلك المومسات المتهتكات مصونات محصنات ولتضاعف النسل وكثرت المواليد الطاهرة واستراح الناس من اللقيط والنبيذ وانتشرت صيانة الأخلاق وطهارة الأعراق إلى كثير من الفوائد والمنافع التي لا تعد ولا تحصى، ولله در عالم بني هاشم وحبرالامة عبد الله بن عباس (رض) في كلمته الخالدة الشهيرة التي رواها ابن الأثير في (النهاية) والزمخشري في (الفايق) وغيرهما حيث قال: ما كانت المتعة إلا رحمة رحم الله بها امة محمد ولولا نهيه عنها ما زنى إلا شقي، وقد أخذها من عين صافية من استاذه ومعلمه ومربيه أمير المؤمنين (ع)، وفي الحق أنها رحمة واسعة وبركة عظيمة ولكن المسلمون فوّتوها على انفسهم وحرموا من ثمراتها وخيراتها ووقع الكثير في حمأة الخنا والفساد والعار والنار والخزي والبوار (أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير) فلا حول ولا قوة إلا بالله. ولكن مع هذا كله على تعجب حين ترى ما نشره في (الاعتدال) أيضاً (161) من المجلد الأول بعنوان: (لم يبق إلا أن نتخذ من القلم إبرة تطعيم ونجعل المعاني مصلاً).

وذكر صورة كتاب ورد إليه من بغداد بتوقيع (خادم العلماء) على الجواب الذي تقدم في مبادئ هذه النسخة بتوقيع (ابن ماء السماء) يعيد فيه أشكال اختلاط الأنساب وضياع

(110)

النسل وعقد عابر الطريق والمجهول ويقول إن ابن ماء السماء لم يتعرض للمجهول الذي هو محل النظر إلى أن قال: فما يقول في تحليل المتعة الدورية التي يتناوبها ويتعاقبها ثلاثة أو أربعة بل وعشرة بحسب الساعات فما يقول في الولد إذا جاء من هذه الجهة فمن يتبع وبمن يحلق نعم من المعلومات حل المتعة بجميع طرقها عند الشيعة ولكن تراهم يتحاشون ويتحاشى أشرافهم وسرائهم من تعاطيهم بينهم فلم يسمع من يقول حضرنا تمتع السيد الفلاني أو الفاضل الفلاني بالانسة بنت السيد الفلاني كما يقال حضرنا عقد نكاح الفاضل الفلاني بآنسة الفاضل بل أكثر جريانها وتعاطيها في الساقطات والسافلات فهل ذلك إلا لقضاء الوطر وان حصل منه النسل قهراً وجدير من العلامة كاشف الغطاء الذي قام بتهذيب أصل الشيعة وأصولها أن يهذب أخلاق أهلها وينهض بهم إلى مراتب النزاهة وفقه الله لذلك.

بغداد: خادم العلماء

ونشر في جواب هذا الكتاب ما نصه:

ورد على إرادة مجلة الإعتدال كتاب من بغداد من كاتب مجهول يقول: إنه قرأ في العدد الثالث من المجلة جواباً لابن ماء السماء فوجده لا يناسب السؤال ولا يلائم المقال ثم أعاد الكاتب ما ذكره السيد الراوي من إختلاط الأنساب وضياع النسل الذي دفعه ابن ماء السماء بأقوى حجة وأجلى بيان وقد أوضح له

(111)

أن حكمة تشريع العدة هو حفظ النسل ومنع اختلاط المياه، وهي كما أنها لازمة في الدائم كذلك تلزم في المنقطع فلا يجوز لأحد أن يتمتع بإمرأة تمتع بها غيره حتى تخرج من عدة ذلك الغير وإلا كان زانياً ومع اعتبار العدة فأين يكون إختلاط الأنساب وضياع النسل؟ ثم قال الكاتب ولم يتعرض ابن ماء السماء للمجهول الذي هو محل النظر فما حال الولد إذا تمتع بها عابر الطريق والمجهول وأتت بعد فراقه بالولد فقول ابن ماء السماء والولد يتبع والده فليت شعري أين يجده وهو مجهول، انتهى.

وما أدري أن هذا الخادم لم ينظر إلى تمام كلام ابن ماء السماء أو نظر فيه ولم يفهمه، وإلا فأي بيان أوضح في دفع هذا الاشكال من قوله صفحة 112 ويجب على الزوج أن يتعرف حالها، ويعرفها بنفسه حتى إذا ولدت ولداً ، ألحق به كي لا تضيع الأنساب كذلك المتمع بها إذا انتهى أجلها يجب عليها أن تعتد وأن يتعرف حالها وتعرف حاله ونسبه كي تلحق الولد به بعد فصاله أينما كان، فأين المجهول الذي لم يتعرض له ابن ماء السماء أيها الكاتب المجهول؟

وإذا كنت لا تفهم هذا البيان مع هذا الوضوح والجلاء فلم يبق إلا أن تتخذ من القلم إبرة تطعيم ونجعل المعاني مصلاً نحقن بها دماغك، عساك تحس بها وتفهمها.

(112)

وأما قولك: فما قولكم في المتعة الدورية التي يتناوبها ويتعاقبها الثلاثة والأربعة بل والعشرة بحسب الساعات فمن يتبع الولد وبمن يلحق؟ فاللازم (أولاً) أن تدلنا على كتاب جاهل من الشيعة ذكرفيه تحليل هذا النحو من المتعة فضلاً عن عالم من علمائهم، وإذا لم تدلنا على كتابة منهم أو كتاب فاللازم أن تحد حد المفتري الكذاب كيف وإجماع الإمامية على لزوم العدة في المتعة وهي على الأقل خمسة وأربعون يوماً فأين التناوب والتعاقب عليها حسب الساعات؟

وإن كنت تريد أن بعض العوام والجهلاء الذين لا يبالون بمقارفة المعاصي وانتهاك الحرمات قد يقع منهم ذلك، فهذا مع أنه لا يختص بعوام الشيعة بل لعله في غيرهم أكثر، ولكن لا يصح أن يسمى هذا تحليلاً إذ التحليل ما يستند إلى فتوى علماء المذهب لا ما يرتكبه عصاتهم وقساتهم وهذا النحو من المتعة عند علماء الشيعة من الزنا المحض الذي يجب فيه الحد ولا يلحق الولد بواحد كيف وقد قال سيد البشر: الولد للفراش وللعاهر الحجر.

أما(1) تحاشى أشراف الشيعة وسراتهم من تعاطيها فهو عفة وترفع واستعناء واكتفاء بما أحل الله من تعدد الزوجات الدائمة ومثنى وثلاث ورباع فإن أرادوا الزيادة على ذلك جاز لهم التمتع بأكثر من ذلك كما يفعله بعض أهل الثروة والبذخ من رؤساء

 

______________________________

(1) هذه القطعة غير منشورة في الاعتدال.

(113)

القبائل وغيرهم، وعلى كل تحاشي الأشراف والسراة لا يدل على الكراهة الشرعية فضلاً عن عدم المشروعية، ألا ترى أن الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم كانوا كثيراً ما يتسرون بالإماء ويتمتعون بملك اليمين ويلدن لهم الأولاد الأفاضل، أما اليوم فالأشراف والسراة يأنفون من ذلك مع أنه حلال بنص القرآن العزيز.

كما أن تحاشي الأشراف والسراة من الطلاق بحيث لم تسمع أن شريفاً طلّق زوجة له، لا يدل على عدم مشروعية الطلاق.

أما قولك: وجدير من العلامة كاشف الغطاء الذي قام بتهذيب أصل الشيعة واصولها أن يهذب أخلاق أهلها وينهض بهم الى مراتب النزاهة.

فهو حق (وما في الحق مغضبة) وهو - دامت بركاته - لا يزال قائماً بوظيفته من التهذيب والإرشاد ليس للشيعة فقط بل لعامة المسلمين والجميع في نظره على حد سواء، ولكن لا تختص هذه الوظيفة به - أيده الله - بل تعم سائر علماء المسلمين ولعل وجوبها على علماء العواصم التي تكثر فيها المنكرات، ويجاهر فيها بالكبائر أشد وآكد، والمسؤلية عليهم ألزم وأعظم.

ولو أننا لا نريد أن نحيد عن خطة هذه الصحيفة (الإعتدال) لسردنا من أحوال سائر الطوائف ما يتجلى لكل أحد أن عوام الشيعة الإمامية فضلاً عن خواصهم، أعفّ وأنزه وأتقى وأبرّ،

(114)

بيد أن حسب تعاليم استاذنا العلامة الأكبر كاشف الغطاء نتباعد عن كل ما يشمّ منه رائحة النعرات الطائفية والنزعات المذهبية، ونسعى حسب إرشاده الى توحيد الكلمة، ورفض الفواصل والفوارق بين الامم الاسلامية، ولا يزال يعلمنا، وهو العلامة المصلح، أن دين الاسلام دين التوحيد لا دين التفريق وشريعته شريعة الوصل لا التمزيق، وأن صالح المسلمين أجمعين قلع شجرة التشاجر والخلاف فيما بينهم من أصلها، ولا يزال يوصينا ويقول: أيها المسلمون نزّهوا قلوبكم عن نية السوء، وألسنتكم عن بذيء القول والهمز واللمز، وأقلامكم عن طعن بعضكم في بعض. . . إذاً تسعدون وتعيشون كمسلمين حقاً وكما كان آباؤكم من قبل، رجال صدق في القول، وإخلاص في العمل.

هذه هي (مراتب النزاهة) يا خادم العلماء لا ما جئتنا به منذ اليوم، وكنا نظن أن هذه المبارات والمناظرات في قضية المتعة قد انتهى دورانها وغسلت أدرانها، بأجوبة (ابن ماء السماء) ولكن المسمي نفسه بـ (خادم العلماء) قد شاء أو شاءت له الجهالة، أن يثير غبارها، ويعيد شرارها ويسدل على الحقيقة أستارها، والحقيقة نور تمزق الحجب والستور وتأبى إلا الجلاء والظهور، حتى من معلم (الجهلاء).

 

الفذلكة

وفذلكة تلك الأبحاث أن الزواج الذي هو عقلة المرء والمرأة وربط خاص يحدث بالعقد الخاص من الإيجاب والقبول بشرائط معلومة.

فان وقع العقد مرسلاً مطلقاً بغير مدة، حدثت الزوجية بطبيعتها المرسلة المطلقة الدائمة المؤبدة التي لا ترتفع إلا برافع من طلاق ونحوه.

وان قيد العقد بأجل معين من يوم أو شهر أو نحوهما حدثت الزوجية الخاصة المحدودة وطبيعة الزوجية فيهما سواء لا يختلفان إلا في الضيق والسعة والطول والقصر ويشتركان في كثير من الآثار ويمتاز كل منهما عن الآخر في بعضها وليس الإختلاف من اختلاف الحقيقة بل من اختلاف النوع أو التشخص باختلاف الزنجي والرومي في كثير من اللوازم مع وحدة الحقيقة.

ونظير الزوجية المطلقة والمقيدة في الشرع، الملكية التي تحدث بعقد البيع وهي عبارة عن علقة تحدث بين الانسان وعين ذات مالية من الاعيان فان أطلق العقد حدثت الملكية المطلقة اللازمة الدائمة المؤبدة التي لا ترتفع إلا برافع اختياري كبيع أو هبة، أو صلح أو اضطراري، كفلس أو موت، وإن قيدت

(116)

بخيار فسخ أو الإنفساخ حدثت الملكية المقيدة الجائزة المحدودة إلى زمن الفسخ أو الإنفساخ، وكل هذه المعاني والاعتبارات امور يتطابق عليها العقل والشرع والعرف والإعتبار.

فما هذا النكير والنفير والنبز والتعبير على الشيعة في أمر المتعة يا علماء الاسلام، ويا حملة الأقلام!.

(لبث قليلاً يلحق الهيجا حمل) أفهل في هذا مقنع مع اختصاره لكم في كف الخصام وحصول الوئام والإنقياد للحق والاستسلام.

فوعزة الحق وشرف الحقيقة إني لم أتعصب فيما كتبت إلا للحق ولم أتحامل إلا على الباطل، وحسبنا الله عليه توكلنا وإليه أنبنا وإليه المصير.

ولنكتف من مباحث عقود النكاح وأحكامه بهذا القدر، أما نكاح الإماء وأحكام الأولاد والنفقات والعدد والنشوز وأمثالها من المباحث العريضة الطويلة فهي موكولة إلى محالها من كتب الإمامية التي برعوا وأبدعوا فيها بين مختصر حوى تمام الفقه من الطهارة إلى الحدود والديات في خمسين ورقة بقطع الربع وبين مطول (الجواهر) و (الحدائق) الذي جمع الفقه في أربعين مجلداً مثل (البخاري) و(صحيح مسلم) وبين الطرفين أوساط ومتوسطات لا تعد ولا تحصى.

 

الطلاق

لقد استجليت من كلماتنا التي مرت عليك قريباً أن حقيقة الزواج هي عبارة عن علقة وربط خاص يحدث بين الرجل والمرأة يصير ما هو فرد من كل منهما بلحاظ نفسه زوجاً بلحاظ انضام الآخر اليه وارتباطه به وملابسة صيّرت كلاً منهما قريباً للآخر وعدلاً له ومتكافئاً معه مثل اقتران العينين واليدين بل السمعين والبصرين، وبعد أن كان كل منهما مبايناً للآخر ومنفصلاً عنه، أحدث العقد الخاص ذلك الربط وتلك الملابسة التي لا ملابسة فوقها ولا يعقل بل يمكن أن توجد عبارة تشير الى حقيقة ذلك الربط وعميق آثاره أعلى من قوله تعالى: (هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهنّ) وهي من آيات الإعجاز والبلاغة وفرائد القرآن ومخترعاته، ولا يتسع المقام لتعداد ما تضمنته من دقائق المعاني وأسرار البيان وعجيب الصنعة.

وعرفت ان من شأن ذلك الربط وطبيعته مع إرسال العقد وإطلاقه أن يبقى ويدوم إلى الموت بل وما بعد الموت، إلا أن يحصل له رافع يرفعه عامل يزيله، ولما كانت الحاجة والضرورة والظروف والأحوال قد تستوجب حلّ ذلك الربط وفك تلك العقدة ويكون من صالح الطرفين أو أحداهما، لذلك جعل

(118)

الشارع الحكيم أسباباً رافعة وعوامل قاطعة تقطع ذلك الحبل وتفصل ذلك لوصل فان كانت النفرة والكراهة من الزوج - فالطلاق بيده - وإن كانت من الزوجة _ فالخلع بيدها - وإن كان منهما - فالمباراة بيدها - ولكل واحد منهما أحكام وشروط ومواقع خاصة لا تتعداها ولا يقوم سواها مقامها.

ولكن لما كان دين الاسلام ديناً اجتماعياً، وأساسه التوحيد والوحدة، وأهم مقاصده الاتفاق والإلفة، وأبغض الأشياء اليه التقاطع والفرقة، لذلك ورد في كثير من الأحاديث ما يدل على كراهة الطلاق والردع عنه، ففي بعض الأخبار (ما من حلال أبغض إلى الله من الطلاق)، فكانت الحاجة والسعة على العباد وجعلهم في فسحة من الأمر تقضي بتشريعه، والرحمة والحكمة وإرشاد العباد إلى مواضع جهلهم بالعاقبة (وعسى أن تكرهوا شيئاً ويجعل الله فيه خيراً كثيراً) كل ذلك يقتضي التحذير منه، والردع عنه، والأمر بالتروي والتبصرّ فيه، ونظراً لهذه الغاية جعل الشارع الحكيم للطلاق قيوداً كثيرة وشرط فيه شروطاً عديدة حرصاً على تقليله وندرته (والشيء إذا كثرت قيوده، عزّ وجوده) فكان من أهم شرائطه - عند الامامية - حضور شاهدين عدلين (وأشهدوا ذوي عدل منكم) فلو وقع الطلاق بدون حضورهما كان باطلاً، وفي هذا أبدع ذريعة وأنفع وسيلة إلى تحصيل الوئام، وقطع مواد الخصام بين الزوجين، فان للعدول وأهل الصلاح مكانة وتأثيراً في النفوس كما أن من واجبهم

(119)

الإصلاح والموعظة، وإعادة مياه صفاء الزوجين المتخاصمين إلى مجاريها، فاذا لم تنجع نصائحهم ومساعيهم في كل حادثة فلا أقل من التخفيف والتلطيف والتأثير في عدد كبير وقد ضاعت هذه الفلسفة الشرعية على إخواننا من علماء السنة فلم يشترطوا حضور العدلين فاتسعت دائرة الطلاق عندهم وعظمت المصيبة فيه وقد غفل الكثير منا ومنهم عن تلك الحكم العالية والمقاصد السامية، في أحكام الشريعة الإسلامية، والأسرار الإجتماعية، التي لو عمل المسلمون بها لأخذوا بالسعادة من جميع أطرافها، ولما وقعوا في هذا الشقاء التعيس والعيش الخسيس واختلال النظام العائلي في أكثر البيوت، ومن أهم شرائط الطلاق أيضاً أن لا يكون الزوج مكرهاً ومتهيجاً أو في حال غضب وانزعاج وان تكون الزوجة طاهرة من الحيض، وفي طهر لم يواقعها فيه.

وقد اتفقت الإمامية أيضاً على أن الطلاق الثلاث واحدة فلو طلقها ثلاثاً لم تحرم عليه ويجوز له مراجعتها ولا تحتاج إلى محلّل نعم لو راجعها ثم طلقها وهكذا ثلاثاً حرمت عليه في الطلاق الثالث ولا تحل له حتى تنكح زوجاً غيره ولو طلقها ثم راجعها تسع مرات مع تخلل المحل حرمت عليه في التاسعة حرمة مؤبدة، وقد خالف في طلاق الثلاث الأكثر من علماء السنة فجعلوا قول الزوج لزوجته (أنت طالق ثلاثاً) يوجب تحريمها ولا تحل إلا بالمحلل، مع أنه قد ورد في الصحاح عندهم ما هو صريح في أن الثلاث واحدة، مثل ما في البخاري بسنده عن ابن عباس قال:

(120)

كان الطلاق على عهد رسول الله وأبي بكر وسنتين من خلافة عمر طلاق الثلاث واحدة فقال عمر إن الناس قد استعجلوا في أمر كانت لهم فيهم أناة فلو أمضيناه عليهم، والكتاب الكريم أيضاً صريح في ذلك لمن تأمله (الطلاق مرتان فإمساك بمعروف أو تسريح بإحسان) إلى أن قال جل شأنه: (فإن طلّقها فلا تحل له من بعد حتى تنكح زوجاً غيره) وفي هذا كفاية. هذا مجمل من أسباب الفراق، والتفصيل موكول إلى محله، وهناك أسباب اخرى للفرقة كالعيوب الموجبة للفسخ في الزوح مثل العنن، والجنون، والجذام ونحوها، وفي الزوجة كالرتق والقرن ونحوهما، كالظهار والإيلاء مما تجده مستوفي في كتب الفقه، كما تجد فيها تفاصيل العدد وأقسامها من عدة الوفاة وعدة الطلاق ووطئ الشبهة وملك اليمين، والعدة تجب على الزوجة في وفاة الزوج مطلقاً حتى اليائسة والصغيرة وغير المدخول بها.

أما في الطلاق فتجب على ما عدا هذه الثلاث، فموت الزوج مطلقاً والوطأ الغير المحرم مطلقاً يوجبان العدة مطلقاً إلا في اليائسة والصغيرة، أما الوطأ المحرم كالزنا فلا عدة فيه لأن الزاني لا حرمة لمائه، وعدة الوفاة أربعة أشهر وعشرة أيام إن كانت حائلاً وفي الحامل أبعد الأجلين وعدة الطلاق ثلاثة قروء أو ثلاثة أشهر، وفي الحامل وضع الحمل، وللأمة نصف الحرة والطلاق إذا لم يكن ثلاثاً ولا خلعياً فللزوج أن يرجع بها ما دامت في العدة فاذا خرجت من العدة فقد ملكت أمرها ولا

(121)

سبيل له عليها إلا بعقد جديد، ولا يعتبر عندنا في الرجعة حضور الشاهدين كما يعتبر في الطلاق وان استحب ذلك (1) ولا يعتبر فيها لفظ مخصوص بل يكفي كلما دل عليها حتى الاشارة وتعود زوجته له كما كانت.

______________________________

(1) أهدي الينا هذا العام العلامة المتبحر الاستاذ أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي بمصر - أيده الله - مؤلفه الجليل: (نظام الطلاق في الاسلام) قراقني وأعجبني ووجدته من أنفس ما أخرجه هذا العصر من المؤلفات فكتبت اليه كتاباً نشره هو، حفظه الله، في مجلة (الرسالة) الغراء عدد 157 بعد تمهيد مقدمة قال فيها:

ومن أشرف ما وصل إلي وإغلاه كتاب كريم من صديقي الكريم واستاذي الجليل، شيخ الشريعة، وإمام مجتهدي الشيعة بالنجف الأشرف العلامة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء فقد تفضل - حفظه الله - بمناسبة رأيي في مسألة من مسائل الكتاب وهي مسألة اشتراط الشهود في صحة مراجعة الرجل مطلقته فإنني ذهبت إلى اشتراط حضور شاهدين حين الطلاق وانه إذا حصل الطلاق في غير حضرة الشاهدين لم يكن طلاقاً ولم يعتد به وهذا القول وان كان مخالفاً للمذاهب الأربعة المعروفة إلا أنه يؤيده الدليل ويوافق مذهب الأئمة من أهل البيت والشيعة الامامية وذهبت أيضاً الى اشتراط حضور شاهدين حين المراجعة وهو يوافق أحد قولين للامام الشافعي يخالف مذهب أهل البيت والشيعة واستغربت من قولهم أن يفرقوا بينهما، والدليل واحد فيهما، فرأى الاستاذ - بارك الله فيه - أن يشرح لي وجهة نظرهم في التفريق بينهما فقال:

بسم الله الرحمن الرحيم وله الحمد والمجد

من النجف الأشرف 8 صفر سنة 1355 الى مصر

لفضيلة الاستاذ العلامة المتبحر النبيل أحمد محمد شاكر المحترم أيده الله سلامة لك وسلام عليك وصلتني هديتك الثمينة رسالة (نظام الطلاق في الاسلام) فامعنت النظر فيها مرة بل مرتين أعجاباً لما حوته من غور النظر ودقة البحث، وحرية الفكر، وإصابة هدف الحق والصواب، وقد استخرجت لباب الأحاديث الشريفة وأزحت عن محيا الشريعة الوضاء أغشية الأوهام، وحطمت قيود التقاليد القديمة وهياكل المجود بالأدلة القاطعة والبراهين الدامغة، فحياك الله، وحيا ذهنك الوقاد، وفضلك الجم، وامهات مباحث الرسالة ثلاث: (1) طلاق الثلاث. (2) الحلف بالطلاق والعتاق. (3) الاشهاد على الطلاق. وكل واحدة من هذه المسائل قد وفيتها حقها من البحث، وفتحت فيها باب الاجتهاد الصحيح على قواعد الفن ومدارك الاستنباط القويم من الكتاب والسنة، فانتهى بك السير على تلك المناهج القويمة الى مصاف الصواب، وروح الحقيقة وجوهر الحكم الإلهي وفرض الشريعة الاسلامية، وقد وافقت آراؤك السديدة في تلك المسائل ما اتفقت عليه الامامية من صدر الاسلام الى اليوم ولم يختلف منهم اثنان حتى عندهم من الضروريات، كما اتفقوا على عدم وجود الاشهاد على الرجعة مع اتفاقهم على لزومه في الطلاق باطل عندهم بدونه.

وقد ترجح عندك قول من يقول بوجوب الاشهاد فيهما معاً فقلت في صفحة 120 وذهبت الشيعة الى وجوب الاشهاد في الطلاق وانه ركن من أركانه كما في كتاب (شرائع الاسلام) ولم توجبوه في الرجعة والتفريق بينهما غريب ولا دليل عليه، انتهى.

وفي كلامك هذا (أيدك الله) نظر أستميحك السماح في بيانه وهو: ان من الغريب حسب قواعد الفن مطالبة النافي بالدليل والأصل معه وإنما يحتاج المثبت الى الدليل ولعلك (ثبتك الله) تقول قد قام الدليل عليه وهو ظاهر الآية على ما ذكرته في صفحة 18 حيث تقول: والظاهر من سياق الآية (واشهدوا) راجع الى الطلاق والرجعة معاً، الى آخر ما ذكرت وكأنك (أنار الله برهانك) لم تمعن النظر هنا في الآيات الكريمة كماهي عاداتك من الامعان في غير هذا ا لمقام وإلا لما كان يخفى عليك أن السورة الشريفة مسوقة لبيان خصوص الطلاق وأحكامه حتى انها قد سميت بسورة الطلاق، وابتدأ الكلام في صدرها بقوله تعالى: (اذا طلقتم النساء) ثم ذكر لزوم وقوع الطلاق في صدر العدة، أي لا يكون في طهر المواقعة ولا في الحيض ولزوم احصاء العدة وعدم اخراجهن من البيوت، ثم اسطر الى ذكر الرجعة في خلال بيان أحكام الطلاق، حيث قال عز شأنه: (فإذا بلغن أجلهن فامسكوهن بمعروف) أي إذا أشرفن على الخروج من العدة فلكم امساكهن بالرجعة أو تركهن على المفارقة، ثم عاد الى تتمة أحكام الطلاق، فقال: (وأشهدوا ذوي عدل منكم) أي في الطلاق الذي سبق الكلام لبيان أحكامه ويستهجن عودة الى الرجعة التي لم تذكر إلا تبعاً واستطراداً ألا ترى لو قال القائل: إذا جاءك العالم وجب عليك احترامه وإكرامه وان تستقبله سواء جاء وحده أو مع خادمه أو رفيقه ويجب المشايعة وحسن الموادعة فانك لاتفهم من هذا الكلام إلا وجوب المشايعة والموادعة للعالم لا له ولخادمه ورفيقه. وان تأخر عنه وهذا لعمري حسب القواعد العربية والذوق السليم جلي واضح لم يكن ليخفى عليك وأنت خريج العربية لولا الغفلة والغفلات تعرض للأديب هذا من حيث لفظ الدليل وسياق الآية الكريمة وهنالك ما هو أدق وأحق بالاعتبار من حيث الحكمة الشرعية والفلسفة الاسلامية وشموخ مقامها وبعد نظرها في أحكامها وهو أن من المعلوم انه ما من حلال أبغض الى الله سبحانه من الطلاق، ودين الاسلام كما تعلمون - جمعي اجتماعي - لا يرغب في أي نوع من أنواع الفرقة ولا سيما في العائلة والاسرة، وعلى الأخص في الزوجية بعد ما أفضى كل منهما الى الآخر بما أفضى، فالشارع بحكمته العالية يريد تقليل وقوع الطلاق والفرقة، فكثر قيوده وشروطه علىالقاعدة المعروفة من أن الشيء اذا كثرت قيوده عز، أو قل وجوده، فاعتبر الشاهدين العدلين للضبط أولاً وللتأخير والاناة ثانياً وعسى الى أن يحضر الشاهدان أو يحضر الزوجان أو أحدهما عندنا يحصل الندم ويعودان الى الالفة كما اشير بقوله تعالى: (لا تدري لعل الله يحدث بعد ذلك أمراً) وهكذا حكمة عميقة في اعتبار الشاهدين لا شك انها ملحوظة للشارع الحكيم مضافاً الى الفوائد الاخر وهذا كله بعكس قضية الرجوع فانه يريد التعجيل به ولعل في التاخير آفات فلم يوجب في الرجعة أي شرط من الشروط تصح عندنا معشر الامامية بكل ما دل عليها من قول أو فعل أو اشارة، ولا يشترط فيها صيغة خاصة كما يشترط في الطلاق، كل ذلك تسهيلاً لوقوع هذا الأمر المحبوب للشارع الرحيم بعباده والرغبة الأكيدة في إلفتهم وعدم تفرقهم، وكيف لا يكفي في الرجعة حتى الاشارة ولمسها ووضع يده عليها بقصد الرجوع وهي - أي المطلقة الرجعية - عندنا معشر الامامية لا تزال زوجة الى أن تخرج من العدة، ولذا ترثه ويرثها وتغسله ويغسلها وتجب عليه نفقتها ولا يجوز أن يتزوج بأختها وبالخامسة الى غير ذلك من أحكام الزوجية. = فهل في هذه كلها مقنع لك في صحة ما ذهبت اليه الامامية من عدم وجوب الاشهاد في الرجعة بخلاف الطلاق. فان استصوبته حمدنا الله وشكرناك وإلا فأنا مستعد للنظر في ملاحظاتك وتلقيها بكل ارتياح وما الغرض إلا إظهار الحقيقة واتباع الحق أينما كان ونبذ التقليد الأجوف والعصبية العمياء أعاذنا الله وإياكم منها وسدد خطواتنا عن الخطأ والخطيئات ان شاء الله ونساله تعالى أن يوفقكم لأمثال هذه الآثار الخالدة والأثريات اللامعة والمآثر الناصعة (والباقيات الصالحات خير عند ربك ثواباً وخير أملاً) ولكم في الختام أسنى تحية وسلام.

محمد الحسين آل كاشف الغطاء

ملاحظة: ومن جملة المسائل التي أجدت فيها البحث والنظر بطلان طلاق الحائض، وقد غربلت حديث ابن عمر بغربال الدقيق، وهذه الفتوى أيضاً مما اتفقت عليه الامامية وهي بطلان طلاق الحائص إلا في موارد استثنائية معدومة.

هذا هو نص كتاب الاستاذ شيخ الشريعة لم احذف فيه شيئا الا كلمة خاصة لا علاقة لها بالموضوع وانما هي عن تفضله باهداء بعض كتبه الي وسأحاول ان ابين وجهة نظري واناقش استاذي فيما رآه وأختار بما يصل اليه جهدي في عدد قادم ان شاء الله.

أحمد محمد شاكر القاضي الشرعي

هذا تمام ما نشره فضيلة القاضي في ذلك العدد ثم تعقبه في عدد 159 وعدد 150 بمقالين أسهب فيهما بعض الأسهاب مما دل على طول باع وسعة اطلاع واستفراغ وسع في تأييد نظريته وتقوية حجته وكتبنا الجواب عنهما وأعرضنا عن ذكر تلك المساجلات هنا خوف الاطالة والخروج عن وضع هذه الرسالة التي أخذنا على أنفسنا فيها بالايجاز، فمن أراد الوقوف عليها فليراجع أعداد مجلة (الرسالة) الغراء يجد في مجموعات تلك المراجعات فوائد جمة، وقواعد لعلها في الفقه مهمة والى الحقيقة منتهى القصد.

 

الخلع والمبارات

لا ينبعث الزوجان الى قطع علاقة الزوجية بينهما إلا عن كراهة أحدهما للآخر أو كراهة منهما للآخر، وهذا هو سبب الفرقة غالباً، فان كانت الكراهة من الزوج فقط فالطلاق بيده

(123)

يتخلص به منها إذا أراد وإن كانت الكراهة منها خاصة كان لهذا أن تبذل لزوجها من المال ما تفتدي به نفسها سواء كان بمقدار ما دفع لها أو أكثر فيطلقها على ما بذلت وهذا هو خلع

(124)

فيقول فلانة طالق على ما بذلت فهي مختلعة ويشترط فيه جميع شرائط الطلاق وإضافة كون الكراهة منها وكونها كارهة شديدة كما يشير اليه قوله تعالى: (فإن خفتم ألا يقيما حدود الله

(125)

فلا جناح عليهما فيما افتدت به تلك حدود الله فلا تعتدوها) الآية، وتفسيره في أخبار أهل البيت أن تقول لزوجها: لا أبر لك قسماً ولا اقيم حدود الله فيك ولا أغتسل لك من جنابة ولا

(126)

وطئن فراشك وأدخلن بيتك من تكره، ومعلوم أن المراد بهذا ظهور الكراهة الشديدة وعدم إمكان الالتئام لا خصوص تلك الألفاظ.

وإن كانت الكراهة منها معاً فهي المباراة ويعتبر فيها أيضاً جميع شرائط الطلاق ولا يحل له أن يأخذ أكثر مما أعطاها فيقول لها بارأتك على كذا فأنت طالق، والطلاق في الخلع والمباراة بائن لا رجوع للزوج فيه، نعم لها أن ترجع في البذل فيجوز له الرجوع حينئذ ما دامت في العدة.

 

الظهار والايلاء واللعان

هي من أسباب تحريم الزوجة أيضاً في الجملة وبشرائط مخصوصة مذكورة في كتب الفقه، لم نذكرها لندرة وقوعها.

 

الفرائض والمواريث

الإرث هو عبارة عن انتقال مال أو حق من مالكه عند موته الى آخر للعلاقة بينهما من نسب أو سبب، فالحي القريب وارث والميت موروث والاستحقاق ارث، والنسب هو تولد شخص من آخر أو تولدهما من ثالث.

والوارث أن عين الله سبحانه حقه في كتابه الكريم بأحد الكسور التسعة المعروفة فهو ممن يرث بالفرض، وإلا فيرث بالقرابة، والفروض المنصوصة بالكتاب الكريم ستة: نصف وهو للزوج مع عدم الولد وللبنت مع عدمه وللأخت كذلك، ونصفه وهو الربع للزوج مع الولد ولزوجة مع عدمه، ونصفه وهو الثمن للزوجة مع الولد، والثلث وهو للام مع عدم الولد وللمتعدد من كلالتها، وضعفه الثلثان للبنتين فما زاد مع عدم الذكر المساوي، وللاختين كذلك للأب أو الأبوين، ونصفه وهو السدس لكل واحد من الأبوين مع الولد وللام مع الحاجب وهم الاخوة واحد من كلالتها ذكراً كان أو انثى وما عدا هؤلاء فيرثون بالقرابة للذكر مثل حظ الانثيين في جميع طبقات الورثة وهي ثلاث: الأبوان والأبناء وان نزلوا ثم الأجداد وان علوا

(128)

والاخوة وان نزلوا ثم الأعمام والأخوال وهم اولو الأرحام وليس فيهم ذو فرض أصلاً.

ثم ان أرباب الفروض إما أن تساوي فرائضهم المال كأبوين وبنتين "ثلث وثلثان" أو تزيد كأبوين وبنتين وزوج فتعول الفريضة أي زادت على التركة بربع أو نقصت عنها بربع، أو تنقص كاخت وزوجة ففضل من التركة بعد الفريضة ربع فالاولى مسألة العول والثانية مسألة التعصيب، وليس في جميع مسائل الارث خلاف يعتد به بين الامامية وجمهور علماء السنة إلا في هاتين المسألتين فقد تواتر عند الشيعة عن أئمة أهل البيت سلام الله عليهم أنه لا عول ولا تعصيب وهو أيضاً مذهب جماعة من كبراء الصحابة، وقد اشتهر عن ابن عباس رضي الله عنه أن الذي احصى رمل علاج ليعلم أن الفريضة لا تعول، وأن الزائد يرى لذوي الفروض على نسبة سهامهم العصبة بفيها التراب فلو اجتمع بنت وأبوان من الاولى وأخ وعم من الثانية والثالثة فللبنت النصف ولكل من الأبوين السدس ويفضل السدس من المال يرد عندنا على البنت والأبوين بنسبة سهامهم، وغيرنا من فقهاء المسلمين يورثونه الأخ والعم وهم العصبة، نعم لا رد عندنا على زوج أو زوجة كما لا نقص عليهما، أما اذا عالت الفريضة وزادت على المال كالمثال المتقدم فالنقص يدخل على البنت أو البنات والاخت والأخوات دون الزوجة وغيرهما (والضابطة) أن كل ما أنزله الله من فرض إلى فرض فلا يدخله النقص ومن

(129)

لم يكن له إلا فرض واحد كان عليه النقص وله الرد أما الأب ففي دخول النقص عليه وعدمه خلاف أما جمهور فقهاء المسلمين فيدخلون النقص على الجميع.

وللامامية على نفي العول والتعصيب أدلة كثيرة من الكتاب والسنة مدونة في مواضعها من الكتب المبسوطة، ومما انفردوا به من أحكام المواريث (الحبوة) للولد الأكبر فانهم يخصونه بثياب أبيه وملابسه ومصحفه وخاتمه زائداً على حصته من الميراث على تفاصيل وشروط مذكورة في بابها.

وانفردوا أيضاً بحرمان الزوجة من العقار ورقبة الأرض عيناً وقيمة ومن الأشجار والأبنية عيناً لا قيمة فتعطى الثمن أو الربع مع قيمة تلك الأعيان، كل ذلك لأخبار وردت عن أئمتهم سلام الله عليهم، والأئمة يروونها عن جدهم رسول الله (ص).

فهذه مهمات المسائل الخلافية في الارث وما عدا ذلك فالخلاف على قلته في بعض المسائل هو كالخلاف بين فقهاء الجمهور أنفسهم وكاختلاف فقهاء الإمامية فيما بينهم.

 

الوقف والهبات والصدقات

المال الذي هو ملك لك وتريد أن تخرجه عن ملكيتك فإما أن يكون إخراجه ليس من ملكك فقط بل عن مطلق الملكية

(130)

بمعنى أنك تجعله غير صالح للملكية أصلاً فيكون تحريراً وذلك كالعبد تعتقه فيكون حراً، وكالدار أو الأرض تفكها من الملكية فتجعلها معبداً أو مسجداً أو مشهداً وهذا القسم لا يصلح أن يعود الى الملكية أبداً مهما عرضت العوارض واختلفت الطوارئ.

وإما أن يكون إخراجه لا عن مطلق الملكية بل عن ملكك الى ملك غيرك فقط، وحينئذ فإما أن يكون ذلك بعوض مع التراضي في عقد لفظي أو ما يقوم مقامه فتلك عقود المعاوضات كالبيع والبيع الوفائي والصلح وأمثالها، وإما أن يكون بغير عوض مالي، فان كان بقصد الأجر والمثوبة لوجه الله فهو الصدقة بالمعنى الأعم، فان كان المال مما يبقى مدة معتقداً بها، وقصد المتصدق بقاء عينه، فحبس العين وأطلق المنفعة.

فهذا هو (الموقف) وإن كان المال مما لا يبقى أو لم يشترط المتصدق بقائه فهو (الصدقة) بالمعنى الأخص، وإن كان التمليك لا يقصد الأجر والمثوبة بل تمليك مجاني محض، فهو (الهبة) فان اشترط فيها مقابلتها بهبة فهي (الهبة المعوضة) كما لو قال وهبتك الثوب بشرط أن تهبني الكتاب فقال قبلت، وهي لازمة لا يجوز لأحدهما الرجوع بهبته إلا إذا تراضيا على التفاسخ والتقايل، وإلا فهي (الهبة الجائزة) ولا يصح شيء من أنواع الهبات إلا بالقبض ويجوز الرجوع في الهبات الجائزة حتى بعد القبض إلا إذا كانت لذي رحم وزوج أو زوجة أو بعد

(131)

التلف، أما الصدقات فلا يجوز الرجوع في شيء منها بعد القبض ولا تصح أيضاً إلا بالقبض، وإذا أجرى الواقف صيغة الوقف وهي قوله: وقفت هذه الدار مثلاً قربة الى الله تعالى ثم أقبضه المتولي أو الموقوف عليهم أو قبضه بنية الوقف، إذا كان قد جعل التولية لنفسه فحينئذ لا يجوز الرجوع فيه أصلاً ولا بيعه ولا قسمته سواء كان وقف ذرية هو (الوقف الخاص) أو وقف جهة وهو (الوقف العام) كالوقف على الفقراء والغرباء والمدارس وأمثالها، نعم قد يصح البيع في موارد استثنائية تلجئ إليها الضرورة المحرجة يجمعها خراب الوقف خراباً لا ينتفع به منفعة معتداً بها، أو خوف أن يبلغ خرابه إلى تلك المرتبة، أو وقوع الخلاف بين أربابه بحيث يخشى أن يؤدي إلى تلف الأموال أو النفوس أو هتك الأعراض ومع ذلك بيع الوقف بحال من الأحوال ولا قسمته إلا بعد عرض المورد الشخصي على الحاكم الشرعي وإحاطته بالموضوع من جميع جهاته وصدور حكمه بالبيع أو القسمة لحصول المسوغ شرعي، وبدون ذلك لا يجوز وقد تساهل الناس في أمر الوقف وتوسعوا في بيعه وإخراجه عن الوقفية توسعاً أخرجهم عن الموازين الشرعية والقوانين المرعية، والله من وراء القصد وهو اللطيف الخبير، هذا كله على طريقة المشهور ولنا تحقيق ونظر آخر في الوقف لا مجال له هنا.

 

القضاء والحكم

لولاية القضاء ونفوذ الحكم في فصل الحكومات بين الناس منزلة معينة ومقام منيع، وهي عند الإمامية غصن من دوحة النبوة والإمامة ومرتبة من الرياسة العامة، وخلافة الله في الأرضين (يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالعدل، فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً) كيف لا والقضاء والحكام امناء الله على النواميس الثلاثة النفوس والأعراض والأموال، ولذا كان خطره عظيماً وعثرته لا تقال، وفي الأحاديث من تهويل أمره ما تخف عنده الجبال مثل قوله (ع) : القاضي على شفير جنهم ولسان القاضي بين جمرتين من نار، يا شريح قد جلست مجلساً لا يجلسه إلا نبي أو وصي نبي أو شقي. وفي الحديث النبوي: من جعل قاضياً فقد ذبح بغير سكين إلى كثير من نظائرها، والحكم الذي يستخرجه الفقيه ويستنبطه من الأدلة إن كان على موضوع كلي فهو (الفتوى) مثل إن مال الغير لا يجوز التصرف فيه إلا بأذن مالكه وإن وطأ الزوجة حلال ووطأ الأجنبية حرام. . . وإن كان على موضوع جزئي فهو (القضاء والحكومة) مثل أن هذه زوجة وتلك أجنبية وهذا مال زيد.

(133)

وكل منهما من وظائف المجتهد العادل الحائز منصب النيابة العامة عن الإمام سوى أن القضاء الذي هو في الحقيقة عبارة عن تشخيص الموضوعات مع المرافعة والخصومة أو بدونها كالحكم بالهلال والوقت والنسب ونحوها يحتاج إلى لطف قريحة وقوة حدس وعبقرية ذكاء، وحدة ذهن، أكثر مما تحتاجه الفتوى واستنباط الأحكام الكلية بكثير، ولو تصدى له غير الحائز لتلك الصفات كان ضرره أكبر من نفعه وخطأه أكثر من صوابه، أما تصدي غير المجتهد العادل الذي له أهلية الفتوى فهو عندنا معشر الإمامية من أعظم المحرمات وأفظع الكبائر بل هو على حد الكفر بالله العظيم بل رأينا أعاظم علماء الإمامية من أساتيذنا الأعلام يتورعون من الحكم ويفصلون الحكومات غالباً بالصلح ونحن لا نزال غالباً على هذه الوتيرة اقتداء بسلفنا الصالح.

ثم أن أمهات أسباب الحكم والخصومات والحقوق ثلاثة: الاقرار، البينة، اليمين، والبينة هي الشاهدان العادلان، وإذا تعارضت البينتان أو البينات فخلاف عظيم في تقديم بينة الداخل والخارج أو الرجوع الى المرجحات، وقد أفرد الكثير من فقهائنا للقضاء مؤلفات مستقلة في غاية البسط والإحاطة سوى ما دوّنوه في الكتب المشتملة على تمام أبواب الفقه، ولا يسعنا بأن نأتي بأقل قليل منه فضلاً عن الكثير، وقد ذكرنا جملة صالحة من هذ المباحث في الرابع من (تحرير المجلة) فليراجع إليه من شاء.

(134)

وإذا حكم الحاكم الجامع للشرايط المتقدمة فالراد عليه المتخلف عن اتباع حكمه راد على الله تعالى ولا يجوز لغيره بعد حكمه أن ينظر في تلك الدعوى، نعم له أن يعيد النظر فيها بنفسه فإذا تبين له الخلل نقض حكمه بالضرورة.

 

الصيد والذباحة

الأصل في الحيوان مطلقاً عند الإمامية حرمة أكله ونجاسته بالموت إذا كانت له عروق يشخب دمها عند القطع وهو المعبر عنه عند الفقهاء بذي النفس السائلة ثم ان الحيوان قسمان: نجس العين ذاتاً وهو ما لا يمكن أن يطهر أبداً كالكلب والخنزير، وطاهر العين وهو ما عدا ذلك، والأول لا تفارقه النجاسة وحرمة الأكل حياً وميتآً مذكّى وغير مذكّى، والثاني: إذا مات بغير الذكاة الشرعية فهو نجس العين حرام الأكل مطلقاً طيراً كان أو غيره وحشياً أو أهلياً ذا نفس أو غير ذي نفس، أما إذا مات (بالتذكية) فهو طاهر العين مطلقاً كما كان في حياته ثم ان كان من السباع أو الوحوش فهو حرام الأكل وان كان طاهراً، وإلا فهو حلال الأكل أيضاً.

وتذكية ذي النفس تحصل شرعاً بأمرين:

(الأول) الصيد لا يحل منه إلا ما كان بأحد أمرين الكلب

(135)

المعلم الذي يتزجر إذا زجر ويأتمر إذا امر ولا يعتاد أكل صيده ويكون الرامي مسلماً وأن يسمي، فلو قتل الكلب أو السهم صيداً ومات حل أكله ولو أدركه حياً ذكاه ولا يحل بباقي آلات الصيد كالفهود والحبالة وغيرهم نعم لو أدركه حياً ذكاه.

(الثاني) من أسباب التذكية: الذباحة الشرعية ويشترط عندنا في الذابح الاسلام أو ما بحكمه كولده أو لقيطه، وأن يكون الذبح بالحديد مع القدرة ومع الضرورة بكل ما يفري الأوداج وأن يسمي ويستقبل وأن يفري الأوداج الأربعة المري والودجين والحلقوم، ويكفي في الإبل نحرها عوض الذبح ولو تعذر ذبح الحيوان ونحوه كالمتردي والمستعصي يجوز أخذه بالسيف ونحوه مما يقتل فان مات حل وإلا ذكاه، أما ما لا نفس له فلا يحل شيء منه إذ حيوان البحر لا يحل إلا ما كان له فلس كالسمك.

 

ظريفة

قال محمد بن النعمان الأحول مؤمن الطاق: دخلت على أبي حنيفة فوجدت لديه كتباً كثيرة حالت بيني وبينه فقال لي: أترى هذه الكتب؟ قلت: نعم، قال: كل هذه الكتب في أحكام الطلاق، فقلت له: قد أغنانا الله سبحانه عن جميع كتبك

(136)

هذه بآية واحدة في كتابه: (يا أيها النبي إذا طلقتم النساء فطلقوهن لعدتهن واحصوا العدة)، فقال لي: سألت صاحبك (جعفر بن محمد) عن بقرة خرجت من البحر هل يحل أكلها؟ فقال: نعم، قال لي: (كلما له فلس جملاً كان أو بقرة وكلما لا فلس له لا يحل أكله) وذكاة السمك عندنا موته خارج الماء.

الأطعمة والأشربة والمحلل والمحرم منها

أنواع الحيوان ثلاثة: حيوان الأرض، حيوان الماء، حيوان الهواء، وقد عرفت أنه لا يحل من حيوان البحر إلا السمك وبيضه تابع له، ولا من حيوان الأرض إلا الغنم الأهلية وبقر الوحش، وكبش الجبل والحمير، والغزلان، واليحامير، ويحل الخيل، والبغال، والحمير على كراهة ويحرم الجلال منها وما يتغذى بالعذرة ويطهر بالاستبراء ويحرم كل ذي ناب كالسباع، والذئاب، وتحرم الأرانب والثعالب والضبّ واليربوع وأمثالها من الوحش، وتحرم الحشرات مطلقاً كالخنافس والديدان والحيات ونحوها، أما حيوان الهواء وهي الطيور فيحرم منها سباع الطير

(137)

كالصقر والنسر والبازي ونحوهما مطلقاً، أما عداها فقد جعل الشارع لما يحل أكله منها ثلاث علامات في ثلاث حالات، فان كان طائراً في الجو فما كان دفيفه أكثر من صفيفه فهو حلال وإلا فلا، وإن كان على الأرض فان كان له صيصة وهي ما يكون كالاصبع الزائد فهو حلال وإلا فلا، وان كان مذبوحاً فان كانت له حوصلة أو قانصة فهو حلال وإلا فلا، فالخفاش والطاووس والزنابير والنحل ونحوها محرمة، أما الغراب فما يأكل الجيف محرم وما يأكل النبات حلال.

أما المحرم من المشروب والمأكول غير الحوال فيمكن غير الحيوان فيمكن ضبطه ضمن قواعد كلية:

(1) كل مغصوب حرام.

(2) كل نجس حرام.

(3) كل مضر حرام.

(4) كل خبيث حرام، وأعظم المحرمات من المائعات البول وأعظم منه الخمر وإخوانها من النبيذ والفقاع والعصير إذا غلا ولم يذهب ثلثاه، ولحرمة الخمر ونجاستها عند الامامية من الغلظة والشدة ما ليس عند فرقة من المسلمين، فقد ورد في التحذير منها عن أئمتهم سلام الله عليهم أحاديث هائلة، وزواجر دامغة تشيب لها النواصي، ويرتجف منها أجرأ الناس على المعاصي،

(138)

وتكررت منهم لعنة الله على عاصرها وجابيها وبائعها وشاربها، وتعرف في شرعنا بام الخبائث.

وفي بعض أحاديث أهل البيت عليهم السلام ما يظهر منه حرمة الجلوس على مائدة وضع فيها قدح خمر، ولعل السر شدة الحذر والتحرزّ من أن يتطاير بخار منها يمس الطعام فيفسده أو يدخل في جوف الآكل ذرة من جراثيمها الخبيثة موادها الهالكة ولو بعد حين، وقد اهتدى العلم الحديث بعد الجد والجهد في تحليلها الكيماوي وتمحيصها الطبي إلى مضارّها التي أنبأ عنها الاسلام قبل ثلاثة عشر قرناً بدون كلفة ولا عناء فحرموا على أنفسهم ما يحرمه دينهم وتمنعه شريعتهم فلله شريعة الاسلام ما أشرفها، وأنبلها، وأدقها، وأجلها، وأفضلها، وأكملها، وخسرت صفقة المسلمين الذين أضاعوها فضاعوا، واستهانوا بها فهانوا، وعسى أن يحدث الله بعد ذلك أمراً.

هذا مجمل القول في امهات الحلال والحرام من المأكول والمشروب، وهناك فروع كثيرة لا يتسع لشرحها صدر هذه الرسالة الوجيزة.

 

الحدود

عقوبات عاجلة على جنايات خاصة، الغرض منها حفظ نظام الاجتماع وقطع دابر الشر عن البشر.

حد الزنا

كل بالغ عاقل وطأ امرأة لا يحل له وطؤها شرعاً عالماً عامداً وجب على ولي الأمر أن يحدّه بمئة جلدة ثم بالرجم بالحجارة ان كان محصناً أي عنده من الحلال ما يسدّ حاجته وإن لم يكن فبالجلد وحده ويحلق رأسه وينفى من البلد سنة، ثم ان كانت راضية حدث أيضاً بهما ان كانت محصنة وإلا فبالجلد وحده وإذا زنى باحدى محارمه النسبية أو الرضاعية أو بامرأة أبيه أو بمسلمة وهو ذمي أو أُكره على الزنا بها كان حده القتل. ويثبت الزنا باقراره أربع مرات أو بأربعة شهود عدول أو ثلاثة رجال

(140)

وامرأتين ولو شهد رجلان وأربع نسوة ثبت الجلد دون الرجم، ولا يثبت بأقل من ذلك ولو شهد ثلاثة أو اثنان حدّ واحد القذف ويشترط اتفاق شهادتهم من كل وجه والمشاهدة عياناً ولو اقر بموجب الرجم ثم انكر سقط، ولو زنى ثالثاً بعد الحدين قتل، ولا تجلد الحامل حتى تضع، ولا المريض حتى يبرأ.

 

حد اللواط والسحق

لا شيء من المعاصي والكبائر أفظح حداً وأشد عقوبة من هذه الفاحشة والفعلة الخبيثة، حتى أن التعذيب بالاحراق لا يجوز بحال من الأحوال إلا في هذا المقام، وحد اللائط أحد امور يتخير ولي الأمر فيها القتل أو الرجم أو إلقاءه من شاهق تتكسر عظامه أو إحراقه بالنار ويقتل المفعول به أيضاً ان كان بالغاً مختاراً وان كان صغيراً عزّز ويثبت اللواط بما يثبت به الزنا وكذا السحق وتجلد كل من الفاعلة والمفعولة مئة جلدة ولا يبعد الرجم مع الاحصان ويجلد (القواد) خمسة وسبعين جلدة ويحلق رأسه ويشهر يثبت بشاهدين عدلين وبالاقرار مرتين.

(141)

حد القذف

يجب أن يحدّ المكلف إذا قذف المسلم البالغ العاقل الحر بما فيه حد كالزنا واللواط أو شرب الخمر بثمانين جلدة ويسقط ذلك بالبينة المصدقة أو يصدقه المقذوف ويثبت بشهادة العدلين أو الاقرار مرتين ولو واجهه بما يكره كالفاسق والفاجر والأجذم والأبرص وليست فيه كان حكمه التعزير، ومن ادعى النبوة أو سب النبي أو أحد الأئمة سلام الله عليهم فحكمه القتل.

 

حد المسكر

من شرب خمراً أو فقاعاً أو عصيراً قبل ذهاب ثلثيه أو أي نوع من المسكرات من أنواعه الحديثة أو القديمة عالماً عامداً بالغاً وجب أن يحد ثمانين جلدة عارياً على ظهره وكتفه، ولو تكرر الحد ولم يرتدع قتل في الرابعة ولو شربها مستحلاً فهو مرتد يجب قتله وبائع الخمر يستتاب فإن تاب وإلا قتل.

(142)

 

حد السرقة

إذا سرق الرجل البالغ العاقل من الحرز وهو المصون بقفل وصندوق أو نحو ذلك ما قيمته ربع مثقال من الذهب الخالص وجب بعد المرافعة عند الحاكم والثبوت بالاقرار مرتين أو البينة أن تقطع أصابع الأربع من يده اليمنيى فإن عاد بعد الحد قطعت رجله اليسرى من وسط القدم فان عاد ثالثاً خلد في السجن فإن سر ق فيه قتل ولو تكررت السرقة قبل الحد كفى حد واحد والطفل والمجنون يعزران والسارق يغرم ما سرق مطلقاً ويكتفي في الغرامة والإقرار مرة وشهادة العدل الواحد مع اليمين، والوالد لا يقطع بسرقة مال ولده والولد يقطع.

 

حد المحارب

كل من شهر سلاحاً في بلد أو بر أو بحر للإخافة والسلب والنهب وجب على ولي الأمر حده مخيراً بين قتله وصلبه وقطعه من خلاف بقطع اليد اليمنى والرجل اليسرى أو نفيه من الأرض وفق الآية الشريفة (إنما الذين يحاربون) إلى آخر وإذا

(143)

نفي الى بلد كتب بالمنع من مواكلته ومعاملته ومجالسته الى أن يتوب، واللص الذي يهجم على الدار محارب فإن قتل فدمه هدر، ومن كابر امرأة على عرضها أو غلاماً فلهما دفعه فإن قتلاه فدمه هدر ويعزر المختلس والمحتال وشاهد الحاكم الزور بما يراه من العقوبة التي يرتدع بها هو وغيره.

 

حدود مختلفة

ومن وطأ بهيمة وجب تعزيره فإن كان بالغاً وتكرر منه ذلك قتل في الرابعة، ثم ان كانت مأكولة اللحم حرم لحمها ولحم نسلها بعد الوطئ وتذبح وتحرق ويغرم قيمتها لصاحبها، ولو اشتبهت اخرجت بالقرعة، ولو كانت غير معدة للأكل كالخيل ونحوها بيعت في بلد آخر ويتصدق بثمنها ويغرم بصاحبها قيمتها ان لم تكن له ويثبت بشهادة العدلين أو الإقرار مرتين، ومن زنى بميتة كمن زنا بحية، وتغلظ العقوبة هنا، ولو كانت زوجته أو مملوكته عزر وللانسان أن يدافع عن نفسه وحريته وماله ما استطاع بالأسهل فان لم يندفع فبالأصعب متدرجاً، ومن اطلع على دار قوم فزجروه فلم ينزجر فرموه بحجارة أو نحوها فقضت عليه فدمه هدر.

 

القصاص والديات

قتل النفس المحرمة من أعظم الكبائر، وهو الفساد الكبير في الأرض، ومن قتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها وكذا الجناية على طرف ثم ان الجناية مطلقاً على نفس أو طرف إما عمد، أو شبيه العمد، أو خطأ محض، والعمد واضح، وشبيه العمد أن يكون عامداً في فعله مخطئاً في قصده كمن قصد الفعل ولم يقصد القتل فقتل اتفاقاً فلو ضربه بما لا يقتل غالباً للتأديب فمات، أو سقاه دواء فقضى عليه فهو من شبيه العمد، وأما الخطأ المحض فهو ما لم يقصد فيه القتل ولا الفعل كمن رمى طائراً فأصاب أنساناً، أو رفع بندقيته فثارت وقتلت رجلاً، ومن أوضح أنواعه فعل النائم أو الساهي ا لذي لا قصد له أصلاً وفعل المجنون والصبي غير المميز بل والمميز لأن عمد الصبي خطأ شرعاً، ولو قصد رجلاً فأصاب آخر وكلاهما محقون الدم فهو عمد محض، أما لو كان القصد الى غير المحقون فأصاب المحقون فهو من شبه العمد، ولا فرق في جميع ذلك بين المباشرة والتسبيب إذاً أثر في انتساب الفعل اليه كما فرق في الإنفراد والإشتراك ولا قصاص

(145)

إلا في العمد المحض أما الخطأ وشبيه العمد ففيه الدية ويشترط في القصاص بلوغ الجاني وعقله فلا يقاد الصبي وإن بلغ عشراً ولا بمجنون وان كان ادوارياً إذا جنى حال جنونه فان عمدهما خطأ فيه الدية علىالعاقلة أما المجنى عليه فالأقوى اشتراط البلوغ والعقل فيه أيضاً قلو قتل البالغ صبياً فالدية وقيل يقاد به وكذا المجنون ويشترط اختياره ان كان في طرف أما في النفس فلا أثر للاكراه إذ لا تقية في الدماء فلو اكره على القتل قتل ويحبس المكره حتى يموت وأن يكون المجنى عليه معصوم النفس فلو كان ممن أباح الشارع دمه فلا قصاص وأن لا يكون الجاني أباً أو جداً وإن علا فإنه لا يقاد الأب أو الجد بل عليهما الدية لباقي الورثة ولا يقاد المسلم إلا بالمسلم كما لا يقاد الحر إلا بالحر ويقاد الحر بالحرة ويرد وليها على أهله نصف ديته لأن ديته ضعف ديتها وتقاد الحرة بالحر ولا يدفع أهلها لأن الجاني لا يجني بأكثر من نفسه.

ودية الحر المسلم مائة من الابل أو مئتان من البقر أو ألف شاة أو مائتا حلة كل حلة ثوبان أو ألف دينار (خمسمائة ليرة عثمانية) فإذا أرضى أولياء الدم بها سقط القصاص ووجب دفعها اليهم في مدة سنة وفي شبه العمد تتعين الدية وتستوفي مدة سنتين وكذلك في الخطأ ولكن في ثلاث سنوات كل سنة ثلث وجناية الطرف كقطع يده أو رجله أو فقأ عينه وما أشبه ذلك إن كانت عمداً فالقصاص (العين بالعين والأنف بالأنف والاذن بالاذن والسن بالسن والجروح قصاص).

(146)

وإن كانت خطأ أو شبهة فلكل واحد من الأعضاء إما الدية أن نصفها أو أقل من النصف، وكل مفرد في الانسان كالأنف والذكر ففيه تمام الدية، وكل مثنى كالعينين واليدين والرجلين ففي واحد النصف وفي كليهما تمام الدية، والدية في شبه العمد على الجاني، وفي الخطأ على العاقلة والتفاصيل موكولة إلى الموسوعات، كما أننا لم نذكر كثيراً من كتب الفقه وأبوابه كالبيوع مثل السلف والصرف وبيع الثمار وبيع الحيوان ومثل الاجارة والرهن والعارية والمزارعة والمساقاة والضمان والحوالة والكفالة والاقرار والكفارات وكثير من أمثالها.

ولم يكن الغرض هنا إلا الإشارة واللمحة والنموذج والنفحة وما ذكرناه في هذه الوجيزة هو رؤوس عناوين من عقائد الامامية وفقهائها وهي أصغر صورة مصغرة تحكي عن معتقداتها ومناهجها في فروعها واصولها وقواعدها وأداتها وثقافة عقولها ومداركها وسعة علومها ومعارفها.

فيا علماء الدين، ويا رجال المسلمين، هل رأيتم فيما ذكرناه عن هذه الطائفة ما يوجب هدم الاسلام، أو ما هو مأخوذ من اليهودية والنصرانية أو المجوسية والزرادشتية.

وهل في شيء من تلك المباحث ما فيه شذوذ عن أصل قواعد الاسلام وخروج من منطقة الكتاب والسنة، ليحكم المنصفون منكم والعارفون، وليرتدع عن إفكهم الجاهلون.

وعسى أن يجمع الله الشمل ويلم الشعث وتزول الوحشة

(147)

ويتحد الاخوان، تحت راية القرآن، ويعيدوا مجدهم الغابر، وعزهم الداثر، وأنهم لن ينالوا ذلك ولن يبلغوا العز والحياة حتى يميتوا بينهم النزعات المذهبية، والنزعات الطائفية، ولا زلت أقول: يلزم أن تكون المذاهب عندنا محترمة ونحن فوق المذاهب، نعم وفوق ذلك كله ما هو البذرة والنواة لحياة الامم، هو أن يخلص كل لأخيه المودة ويبدله المحبة، ويشاركه في المنفعة، فينفعه وينتفع به، ولا يستبد ويستأثر عليه فيحب لأخيه ما يحب لنفسه، جداً وحقيقة، لا مخادعة ومخاتلة.

وتحقق هذه السجايا بحقائقها وإن أوشك أن يعد ضرباً من الخيال ونوعاً من المحال ولكن ليس هو على الله بعزيز ولا يأس من روح الله وأن يبعث في هذه ا لامة اليائسة من لدنه روحاً جديدة فتحيا بعد الموت وتبصر بعد العمى وتصحو بعد السكر إن شاء الله تعالى.

 

الخاتمة

مما يشنع به الناس على الشيعة ويزدري به عليهم أيضاً أمران:

(الأول): قولهم بـ (البداء) تخيلاً من المشنعين أن البداء الذي تقول به الشيعة هو عبارة عن أن يظهر ويبدو لله عز شأنه أمراً لم يكن عالماً به، وهل هذا إلا الجهل الشنيع والكفر الفظيع، لاستلزامه الجهل على الله تعالى وإنه محل للحوادث والتغيرات فيخرج من حظيرة الوجوب إلى مكانة الإمكان، وحاشا (الإمامية) بل وسائر فرق الإسلام من هذه المقالة التي هي عين الجهالة بل الضلالة، اللهم إلا ما ينسب إلى بعض المجسمة من المقالات التي هي أشبه بالخرافات منها بالديانات، حتى قال بعضهم فيما ينسب إليه: (اعفوني عن الفرج واللحية وأسألوني عما شئتم)، أما البداء الذي تقول به الشيعة والذي هو من أسرار آل محمد (ص) وغامض علومهم حتى ورد في أخبارهم الشريفة

(149)

أنه : (ما عبد الله بشيء مثل القول بالبداء)، وأنه: (ما عرف الله حق معرفته ولم يعرف بالبداء)، الى كثير من أمثال ذلك، فهو عبارة عن إظهار الله جل شأنه أمراً يرسم في ألواح المحو والأثبات وربما يطلع عليه بعض الملائكة المقربين أو أحد الأنبياء والمرسلين فيخبر الملك به النبي والنبي يخبر به امته لم يقع بعد ذلك خلافه لأنه محاه وأوجد في الخارج غيره وكل ذلك كان جلّت عظمته يعلمه حق العلم ولكن في علمه المخزون ا لمصون الذي لم يطلع عليه لا ملك مقرّب ولا نبي مرسل ولا ولي ممتحن وهذا المقام من العلم هو المعبر عنه القرآن الكريم (بام الكتاب) المشار اليه وإلى المقام الأول بقوله تعالى: (يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده ام الكتاب)، ولا يتوهم الضعيف أن هذا الإخفاء والإبداء يكون من قبيل الإغراء بالجهل وبيان خلاف الواقع فإن في ذلك حكماً ومصالح تقصر عنها العقول وتقف عندها الألباب، و(بالجملة) فالبداء في عالم التكوين، كالنسخ في عالم التشريع.

فكما أن لنسخ الحكم وتبديله بحكم آخر مصالح وأسراراً بعضها غامض وبعضها ظاهر فكذلك في الإخفاء والإبداء في عالم التكوين، على أن قسماً من البداء يكون من إطلاع النفوس المتصلة بالملأ الأعلى على الشيء وعدم اطلاعها على شرطه أو مانعه (مثلاً) اطلع عيسى (ع) أن العروس يموت ليلة زفافه ولكن لم يطلع على أن ذلك مشروط بعدم صدقة أهله.

(150)

فاتفق أن امه تصدقت عنه وكان عيسى (ع) أخبر بموته ليلة عرسه فلم يمت وسئل عن ذلك فقال لعلكم تصدّقتم عنه والصدقة قد تدفع البلاء المبرم.

وهكذا نظائرها وقد تكون الفائدة لامتحان وتوطين النفس كما في قضية أمر إبراهيم بذبح اسماعيل، ولولا البداء لم يكن وجه للصدقة ولا للدعاء ولا للشفاعة ولا لبكاء الأنبياء والأولياء وشدة خوفهم وحذرهم من الله مع أنهم لم يخالفوه طرفة عين، إنما خوفهم من ذلك العلم المصون المخزون الذي لم يطلع عليه أحد ومنه يكون البداء وقد بسطنا بعض الكلام في البداء وأضرابه من القضاء والقدر ولوح المحو والأثبات في الجزء الأول من كتابنا (الدين والاسلام) فراجع إذا شئت.

(الثاني): من الامور التي يشنع بها بعض الناس على الشيعة ويزدري عليهم بها قولهم (بالتقية) جهلاً منهم أيضاً بمعناها وبموقعها وحقيقة مغزاها ولو تثبتوا من الأمر وتريثوا في الحكم وصبروا وتبصروا لعرفوا أن التقية التي تقول بها الشيعة لا تختص بهم ولم ينفرودا بها بل هو أمر ضرورة العقل وعليه جبلة الطباع وغرائز البشر وشريعة الاسلام في اسس أحكامها وجوهريات مشروعيتها تماشي العقل والعلم جنباً إلى جنب وكتفاً الى كتف رائدها العلم وقائدها العقل ولا تنفك عنهما قيد شعرة، ومن ضرورة العقول وغرائز النفوس أن كل انسان مجبول على الدفاع عن نفسه والمحافظة على حياته وهي أعز الأشياء عليه وأحبها

(151)

إليه، نعم قد يهون بذلها في سبيل الشرف وحفظ الكرامة وصيانة الحق ومهانة الباطل، أن في غير أمثال هذه المقاصد الشريفة والغايات المقدسة فالتعزير بها وإلقاؤها في مظان الهلكة ومواطن الخطر سفه وحماقة لا يرتضيه عقل ولا شرع، وقد أجازت شريعة الاسلام المقدسة للمسلم في مواطن الخوف على نفسه أو عرضه إخفاء الحق والعمل به سراً ريثما تنتصر دولة الحق وتغلب على الباطل كما أشار اليه جل شأنه: (إلا أن تتقوا منهم تقاة)، وقوله: (إلأ من أُكره وقبله مطمئن بالإيمان) وقصة عمار وأبويه وتعذيب المشركين لهم ولجماعة من الصحابة وحملهم لهم على الشرك وإظهارهم الكفر مشهورة والعمل وبالتقية له أحكامه الثلاثة، فتارة يجب كما إذا كان تركها يستوجب تلف النفس من غير فائدة، اخرى يكون رخصة كما لو كان في تركها والتظاهر بالحق نوع تقوية له فله أن يضحي بنفسه وله أن يحافظ عليها، وثالثة يحرم العمل بها كما لو كان ذلك موجباً لرواج الباطل، وإضلال الخلق، وإحياء الظلم والجور ومن هنا تنصاع لك شمس الحقيقة ضاحية وتعرف أن اللوم والتعبير بالتقية (ان كانت تستحق اللوم والتعبير).

ليس على الشيعة بل على من سلبهم موهبة الحرية، وألجأهم الى العمل بالتقية.

تغلب معاوية على الامة وابتزها الامرة عليها بغير رضا وصار يتلاعب بالشريعة الاسلامية حسب أهوائه، وجعل يتتبع شيعة

(152)

علي ويقتلهم تحت كل حجر ويأخذ على الظنة والتهمة، وسارت على طريقه العوجاء وسياسته الخرقاء الدولة المروانية، ثم جاءت العباسية فزادت على ذلك بنغمات اضطرت الشيعة الى كتمان أمرها تارة والتظاهر به اخرى زنة ما تقتضيه مناصرة الحق ومكافحة الضلال وما يحصل به إتمام الحجة وكي لا تعمى سبل الحق بتاتاً عن الخلق، ولذا تجد الكثير من رجالات الشيعة وعظمائهم سحقوا التقية تحت أقدامهم وقدّموا هياكلهم المقدسة قرابين للحق على مشانق البغي وأضاحي في مجازر الجور والغي، أهل استحضرت ذاكرتك شهداء (مرج عذراء)، قرية من قرى الشام، وهم أربعة عشر من رجال الشيعة ورئيسهم ذلك الصحابي الذي أنهكه الورع والعبادة (حجر بن عدي الكندي) الذي كان من القادة في فتح الشام.

قتلهم معاوية صبراً ثم صار يقول: ما قتلت أحداً إلا وأنا أعرف فيما قتلته خلا حجر، فإني لا أعرف بأي ذنب قتلته، نعم، وأنا أعرف من معاوية بذنب حجر، ذنبه ترك العمل بالتقية وغرضه اعلان ضلال بني امية ومقدار علاقتهم من الدين وهل تذكرت الصحابي الجليل (عمرو بن حمق الخزاعي) و (عبد الرحمن بن حسان العنزي) الذي دفنه زياد في (قس الناطف حياً)؟

أتراك تذكرت ميثم التمار، ورشيد الهجري، وعبد الله بن يقطر الذي شنقهم ابن زياد في كناسة الكوفة، هؤلاء والمئات

(153)

من أمثالهم هانت عليهم نفوسهم العزيزة في سبيل الحق ونطحوا صخرة الباطل وما تهشمت رؤسهم حتى هشموها وما عرفوا أين زرع التقية وأين واديها، بل لضاعت العمل لها حراماً عليهم، ولو سكتوا عملوا بالتقية وجدوا البقية من الحق وأصبح دين الاسلام دين معاوية ويزيد وزياد وابن زياد دين المكر، دين الغدر، دين النفاق، دين الخداع، دين كل رذيلة، وأين هذا من دين الاسلام الذي هو دين كل فضيلة، اولئك ضحايا الاسلام وقرابين الحق، ولايغيبن عنك ذكر (الحسين) وأصحابة سلام الله عليهم الذين هم سادة الشهداء، وقادة أهل الإباء.

نعم. . . هؤلاء وجدوا العمل بالتقية حراماً عليهم، وقد يجد غيرهم العمل بها واجباً ويجد الآخرون العمل بها رخصة وجوازاً، حسب اختلاف المقامات وخصوصيات يخطر على بالي من بعض المرويات أن مسيلمة الكذاب ظفر برجلين من المسلمين فقال لهما: إشهدا أني رسول الله، فقال أحدهما: أشهد أن محمداً رسول الله وإنك مسيلمة الكذاب، فقتله، فشهد الآخر بما أراد منه فأطلقه، ولما بلغ خبرهما الى النبي (ص) قال: أما الأول فقد تعجل الرواح الى الجنة، وأما الآخر فقد أخذ بالرخصة ولكل أجره، فيا أيها المسلمون لا تحرجوا إخوانكم الى العمل بالتقية وتعيروهم بها، ونسأله تعالى أن يختم لنا ولكم بالحسنى ويجمع كلمتنا على الحق والهدى ان شاء الله.

والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.

 

المؤلف في سطور

* ولد رحمه الله في مدنية النجف الاشرف في العراق مهد العلم والثقافة سنة 1295 م - 1876 هـ.

* نشأ وترعرع في عائلة علمية عريقة، وبعد أن أكمل دراسته الأولية تلقى علومه من فطاحل العلماء الكبار في النجف، وتلمذ في الفقه على الحاج آقا رضا الهمداني صاحب كتاب الطهارة والصلوة، والسيد محمد كاظم اليزدي صاحب العروة وغيرهما، وفي الاصول على العلامة الشيخ كاظم الخراساني صاحب الكفاية، وفي الحديث على الميزرا حسين النوري، وفي الكلام والحكمة على الشيخ أحمد الشيرازي، والميرزا محمد باقر الاصطهباناتي وغيرهما.

* أصبح مرجعاً من مراجع الشيعة في النجف بين سنة 1965 - 1973 م.

(159)

* له رحلات عديدة وخطابات تاريخية مهمة في كل من القاهرة والقدس وسوريا وايران والباكستان ففي سنة 1367 هـ سافر الى السعودية لأداء فريضة الحج، وفي سنة 1350 هـ سافر الى فلسطين لحضور المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في مدينة القدس، وفي سنة 1369 سافر الى ايران واجتمع مع زعماء الشيعة هناك بعد أن زار الامام الرضا (ع)، وفي سنة 1371 هـ دعته الحكومة الباكستانية لحضور المؤتمر الاسلامي هناك، وقد دعته الحكومة اللبنانية أيضاً لحضور المؤتمر الاسلامي الذي انعقد في بحمدون.

* له مؤلفات ومقالات كثيرة أشهرها كتاب الدين والاسلام، وأصل الشيعة واصولها، والمثل العليا في الاسلام لا في بحمدون.

* من أقواله: الإنسان:آراؤه وأفكاره لا صورته وأعضائه.

* توفي في ايران سنة 1973 م يوم الاثنين 18 ذو القعدة الحرام ونقل جثمانه الطاهر الى مقره الأخير في النجف الأشرف ودفن هناك في مقبرة وادي السلام رحمة الله عليه.

الناشر