( 57 )

أدوار الفقه السنّي
   
2

الدور الثاني

 

عصر ظهور المذاهب الفقهية

 

(أوائل القرن الثاني ـ أوائل القرن الرابع)


ما مرّ في القائمة السابقة من أسماء ممن أُخذت عنهم الفتيا أوجدت أرضية خصبة لظهور طبقة الفقهاء الذين قاموا بتدوين الفقه، فأرسوا قواعد الفقه وأشادوه وبسطوا الفروع، فصار الفقه الاِسلامي مواكباً للحضارة ملبّياً لحاجاتها ومتطلباتها.
إنّ المذاهب الفقهية التي ظهرت بعد طبقة التابعين منها ما هو فردي، ومنها ما هو جماعي، والمراد من المذهب الفردي مجموعة الآراء الفقهية الموروثة عن المجتهد دون تبنّيها من قبل أتباعه، بغية إرساء قواعد ذلك المذهب ونشره وإكماله.
وهذا النوع من المذاهب ذهب بذهاب أصحابه، إذ لم تحظَ بالنشر والتدوين، وإنّما نقلت آراوَها في ثنايا الكتب الفقهية والحديثية ولم يبق لها أثر.
وأمّا المذاهب الجماعية، فهي المذاهب التي لم تتكوّن من آراء أصحابها فحسب، بل نضجت تحت ظل مادوّنه أصحاب تلك المذاهب وأتباعها في مجموعات متكاملة، وأضافوا إليها آراءهم الخاصة في المسائل التي لم ينقل فيها

===============

( 58 )

عن أصحاب تلك المذاهب قول.
ثمّ إنّ تميز المذاهب الفردية عن الجماعية يتوقّف على دراسة تاريخ المذهب وكيفية نشوئه وسيره التاريخي، حتى يقف الباحث على أنّالمذهب لم يكن وليد فكر الموَسس فحسب، وإنَّما تكوّن ونضج تحت ظل عوامل أُخرى كما عرفت.
وأكثر المذاهب التي لم يكتب لها البقاء طويلاً بعد رحيل أصحابها هي كالتالي:

المذاهب البائدة
1. مذهب الحسن البصري(23ـ110هـ) (1) هو الحسن بن أبي الحسن يسار، أبو سعيد، مولى زيد بن ثابت الاَنصاري، ولد في المدينة لسنتين بقيتا من خلافة عمر.
له:«التفسير» رواه عن جماعة، وكتابه إلى عبد الملك بن مروان في «الرد على القدرية».
2. محمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى(74ـ 148هـ) (2) كان من أصحاب الرأي، وتولّى القضاء بالكوفة، وأقام حاكماً 33 سنة، ولي لبني أُميّة ثمّ لبني العباس، وكان فقيهاً مفتياً، توفّي سنة 148هـ.
وكان بينه وبين أبي حنيفة وحشة، إذ كثيراً ما يُستفتى أبو حنيفة فيما قضى

____________
1 . طبقات ابن سعد:7|156، وفيات الاَعيان:2|69، تهذيب الكمال: 256، تاريخ الاِسلام:4|98، تذكرة الحفاظ:1|66،تهذيب التهذيب: 2|263، شذرات الذهب: 1|136، طبقات المفسرين:1|147، سير أعلام النبلاء: 4|563.
2 . انظر ترجمته في تهذيب التهذيب: 9|301، الطبقات الكبرى: 6|358، طبقات الفقهاء:84، الجرح والتعديل:7|322؛ سير أعلام النبلاء:6|310.

===============

( 59 )

فيه ابن أبي ليلى فيفتي بخلافه، فيتأثر لذلك ابن أبي ليلى.
3. الاَوزاعي، أبو عمرو عبد الرحمن بن عمرو بن محمد الاَوزاعي (88ـ157هـ) (1)، كان أصله من سبأ السند، وكان ينزل الاَوزاع ـ اسم قبيلة ـ وغلب ذلك عليه.
انتشر مذهبه بالشام والاَندلس، ولكنّه انقرض في القرن الرابع بعد أن تولّى قضاء دمشق، أتباع الشافعي ونشروا مذهبه، كما انقرض مذهبه من الاَندلس بعد المائتين بسبب تغلّب مذهب الاِمام مالك، وقبره في بيروت، له كتاب : «السنن في الفقه والمسائل».
4. سفيان الثوري (97ـ161هـ) (2) وهو كوفي، وكان له مذهب فقهي، ولم يطل العمل بمذهبه، وحل مكانه مذهب الاَوزاعي، وقد أوصى إلى عمار بن سيف في كتبه فمحاها وأحرقها، وقد أخذ بمذهبه أُناس باليمن، وآخرون من إصفهان وقوم بالموصل، وقد انقرض أهل هذا المذهب في وقت قصير، ثمّ اختفت كتبهم.
5. ليث بن سعد الفهمي (المتوفّى 175هـ) (3) ولد بقلقشندة على نحو أربعة فراسخ من الفسطاط، عالم مصر وفقيهها ورئيسها.

____________
1 . انظر ترجمته في تهذيب التهذيب:6|238 برقم 484؛ الزركلي: الاَعلام: 3|320؛ تذكرة الحفاظ: 1|376؛ حلية الاَولياء: 6|135؛ طبقات الفقهاء:76؛ الطبقات الكبرى:7|488؛ مشاهير علماء الاَمصار:180؛ سير أعلام النبلاء: 7|107؛ تاريخ الاِسلام: حوادث (141ـ160): 483.
2 . انظر ترجمته في الطبقات الكبرى: 6|371؛ مشاهير علماء الاَمصار: 169، تاريخ بغداد:9|101؛ سير أعلام النبلاء: 7|229؛ غاية النهاية:1|308؛ تهذيب التهذيب: 4|111.
3 . انظر ترجمته في طبقات ابن سعد: 7|517؛ التاريخ لابن معين:501؛ التاريخ الكبير:7|246؛ الجرح والتعديل:7|180ـ 197؛ تاريخ بغداد: 13|3؛ تهذيب التهذيب:8|459؛ شذرات الذهب:1|285.

===============

( 60 )

ارتحل إلى الحجاز ثمّ إلى العراق حتى استقر في مصر، وكان له مذهب خاص في الفقه، إلاّ أنّه غلب على مذهبه مذهب الاِمامين مالك والشافعي اللّذين تقاسما مصر بعد وفاته. وله رسالة إلى مالك بن أنس نشرها ابن قيم الجوزية في «إعلام الموقعين».
6. أبو ثور إبراهيم بن خالد بن اليمان الكلبي البغدادي (المتوفّى 240هـ) (1) كان ببغداد، وكان مذهبه مشتقاً من مذهب الشافعي، فهو يعد من أئمّة فقهاء الشافعية، وإن كان لا يقلده بل يخالفه متى ظهر الدليل،وقد اختار لنفسه آراء، وصار له مذهب خاص، وله أتباع، لكنّه لم يدم طويلاً.
7. أبو سليمـان داود بن علي بن خلف الاصبهــاني (202ـ270هـ) (2) المعروف بالظاهري، ولد بالكوفة سنة 202هـ، وكان من مقلّدي المذهب الشافعي، وأكثر الناس تعصباً له، انتهت إليه رئاسة العلم ببغداد. ثمّ انتحل لنفسه مذهباً خاصاً أساسه العمل بظاهر الكتاب والسنّة، مالم يدل دليل منهما، أو من الاِجماع على أنّه يراد به غير الظاهر، فإن لم يوجد نص عمل بالاِجماع، ورفض القياس رفضاً باتاً، وكان يقول: إنّ في عمومات النصوص من الكتاب والسنّة ما يفي بكلّ جواب.
له مصنّفات منها: كتاب «إبطال التقليد» وكتاب «إبطال القياس».
وقد استمر مذهب داود متبعاً إلى منتصف القرن الخامس، ثمّ اضمحل، وله آراء خالف فيها أهل السنّة، نتجت من ترك القياس والرأي والعمل بظاهر

____________
1 . انظر ترجمته في طبقات الفقهاء: 92؛ تذكرة الحفاظ:2|87؛ ميزان الاعتدال: 1|15؛ تاريخ بغداد: 6|65؛ طبقات الشافعية: 1|227؛ وفيات الاَعيان:1|7.
2 . انظر ترجمته في وفيات الاَعيان:1|175؛ تذكرة الحفاظ: 2|136؛ الجواهر المضيّة:2|419؛ تاريخ بغداد: 8|369؛ طبقات الشافعية:2|42.

===============

( 61 )

الكتاب والسنّة.
8. أبو جعفر محمد بن جرير الطبـري (224ـ310هـ) (1)ولد بآمل طبرستان، أخذ الفقه عن داود، ودرس فقه أهل العراق ومالك والشافعي، فاجتمع عنده وجوه المعرفة بالفقه، وانتحل لنفسه مذهباً خاصاً، وكان له أتباع، وقد اشتهر مذهبه في بغداد، ومن موَلّفاته في الفقه كتاب «اختلاف الفقهاء» والكتاب يعرب عن إلمامه بآراء فقهاء عصره و من قبله، وقد حفظ بذلك آراء من تقدّمه أو عاصره من الفقهاء، أفل نجم مذهبه بعد منتصف القرن الخامس وبقيت آراوَه في الكتب.

المذاهب السائدة
هذه هي المذاهب الفقهية الفردية أو الجماعية التي لم يكتب لها البقاء لعلل شتى، بقي الكلام في المذاهب الفقهية السائدة والتي كتب لها البقاء، وظل العمل بها إلى زماننا هذا، وهي: المذهب الحنفي، و المالكي، والشافعي، والحنبلي. وإليك لمحة خاطفة عن نشوئها ومميزاتها:

المذهب الحنفي
أسّسه أبوحنيفة النعمان بن ثابت، وهو كوفي نشأ فيها ويعد من أتباع التابعين، والمعروف انّه ولد سنة ثمانين،ومات ببغداد سنة 150هـ، وقد اشتغل منذ البداية بعلم الكلام، ثمّ تحول إلى الفقه، وتربّى على يدي حماد بن أبي سليمان الكوفي (المتوفّى 120هـ)، وكان له وراء أبي حنيفة تلاميذ يعلّمهم الفقه.

____________
1 . انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ:2|351؛ وفيات الاَعيان:1|456؛ طبقات الشافعية:2|135؛ البداية والنهاية:11|145؛ غاية النهاية:2|106؛ تاريخ بغداد: 2|162.

===============

( 62 )

لقد استقى أبو حنيفة فقهه من أُستاذه حمّاد وهو بدوره ورث الفقه من أعلام الصحابة والتابعين الذين جاءوا الكوفة ونزلوا بها وتعلّم منهم الناس فقههم، وفي مقدّمتهم الاِمام علي بن أبي طالب (عليه السّلام) (المتوفّـى40هـ) وعبد اللّه بن مسعـود (المتوفّـى32هـ) وعلقمة بن قيس (المتوفّـى62هـ)و مسروق بن الاَجدع (المتوفّـى53هـ) وأخيراً إبراهيم النخعي (المتوفّـى 96هـ) وعامر بن شراحيل الشعبي (المتوفّـى104هـ).
يقول الكوثري: أصبحت الكوفة لا مثيل لها بعد أن اتّخذها علي بن أبي طالب (كرم اللّه وجهه) عاصمة الخلافة، فكبار أصحاب علي وابن مسعود ـ رض ـ بها لو دوّنت تراجمهم في كتاب خاص لاَتى كتاباً ضخماً، وليس هذا موضع سرد لاَسمائهم، وقد جمع شتات علوم هوَلاء ، إبراهيم بن يزيد النخعي، وقد جمع أبو حنيفة علوم هوَلاء ودوّنها بعد أخذٍ و ردٍّ شديدين في المسائل بينه و بين أفذاذ أصحابه في مجمع فقهي كيانه من أربعين فقيهاً من نبلاء تلاميذه. (1)
روى الخطيب البغدادي عن أبي مطيع قال: قال أبو حنيفة: دخلت على أبي جعفر أمير الموَمنين، فقال لي: يا أبا حنيفة عمّن اخترت العلم؟ قال: قلت: عن حماد، عن إبراهيم، عن عمر بن الخطاب وعلي بن أبي طالب وعبد اللّهبن مسعود وعبد اللّه بن عباس. (2) فقد تحمّل حمّاد فقه هوَلاء، وورّثه تلميذه أبا حنيفة، ومن لطيف الكلام انّه كان فقيهاً وفي الوقت نفسه يتّجر، ويلمس ما يجري في الاَسواق من بيع وشراء وعقود ومعاملات.

____________
1 .مقالات الكوثري:221، بتلخيص.
2 . تاريخ بغداد: 13|334.

===============

( 63 )

أُصول مذهبه
لقد بنى أبوحنيفة فقهه على أُسس وقواعد نذكرها كالتالي:
1. الكتاب العزيز: وهو أُس جميع المذاهب الاِسلامية.
2. السنّة: وهي المبيّنة لكتاب اللّه، المفصّلة لمجمله، وربما تشتمل على أحكام فقهية غير مذكورة في الكتاب، وهي أيضاً أُس جميع المذاهب الفقهية.
3. قول الصحابي: فإنّ الصحابة أدركوا النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وحملوا علمه.
4. القياس: وهو استنباط حكم موضوع من موضوع آخر لجهة جامعة بينهما. وبعبارة أُخرى: إذا عرفت علّة الحكم، طُبق الحكم على كلّ موضع تنطبق فيه العلّة، وقد بلغ أبو حنيفة في الاستنباط بالقياس الذروة.
5. الاستحسان: وقد اختلفت كلمة الاَحناف في تفسيره. ومضت كلماتهم في الجزء الاَوّل.
6. الاِجماع: وهو اتفاق المجتهدين من الاَُمّة الاِسلامية في عصر على الحكم في أمر من الاَُمور، وهو في ذاته حجّة عند الحنفية دون فرق بين الاِجماع القولي، أو الاِجماع السكوتي، غير انّ الاَوّل دليل قطعي، والثاني دليل ظنّي.
7. العرف: أن يكون عمل المسلمين على أمر لم يرد فيه نص من القرآن أو السنّة أو عمل الصحابة، والمقصود هو العرف العام الذي لا يخالف الاَدلّة السابقة.
هذه هي الاَُصول التي اعتمد عليها أبو حنيفة في فقهه، وشيّد عليها أركان مذهبه، ولنا هنا وقفة قصيرة مع بعض تلك الاَُصول التي تقبّلها الاِمام وأتباعه طيلة قرون.
لا شك انّ الكتاب و السنّة من أُسس المذهب، ولولاهما لما قام للمذهب

===============

( 64 )

الفقهي الاِسلامي عمود، ولا اخضرّ له عود.
ولكن المعروف انّ أبا حنيفة لم يعتمد على السنّة إلاّ قليلاً.
يقول ابن خلدون في هذا الصدد: إنّ الاَئمّة المجتهدين تفاوتوا في الاِكثار من هذه الصناعة والاِقلال، فأبو حنيفة يقال بلغت روايته إلى سبعة عشر حديثاً أو نحوها، ومالك إنّما صحّ عنده ما في كتاب الموطأ وغايتها ثلاثمائة حديث أو نحوها، وأحمد بن حنبل في مسنده خمسون ألف حديث ولكل ما أداه إليه اجتهاده في ذلك وقد تقوّل بعض المبغضين المتعسفين إلى أنّ منهم من كان قليل البضاعة في الحديث، فلهذا قلت روايته ـ ثمّ رد على ذلك الزعم بقوله ـ وإنّما قلّل منهم من قلّل الرواية لاَجل المطاعن التي تعترضه فيها، والعلل التي تعرض في طرقها سيّما والجرح مقدّم عند الاَكثر، فيوَديه الاجتهاد إلى ترك الاَخذ بما يعرض مثلَ ذلك فيه من الاَحاديث وطُّرق الاَسانيد ويكثر ذلك فتقلُّ روايته لضعف في الطُّرق.
إلى أن قال: و الاِمام أبو حنيفة إنّما قلّت روايته لما شدّد في شروط الرواية والتحمّل وضعف رواية الحديث اليقيني إذا عارضها الفعل النفسي وقلّت من أجلها روايته، فقلَّ حديثه لا أنّه ترك رواية الحديث متعمداً. (1)
أقول: أين هذا التشدّد في الاَخذ بالحديث ممّا عليه أهل الحديث من الاَخذ بكل حديث صحيح وسقيم، وإذا لم يثبت عنده إلاّ سبعة عشر حديثاً فما هو مصدر الاَحاديث التي استخرجها أصحاب الصحاح، وهذا هو الاِمام البخاري استخرج صحيحه من ستمائة ألف حديث، وكان الاِمام ابن حنبل يحفظ ألف ألف حديث؟
ولاَجل هذا التشدّد لم يجد أبو حنيفة محيصاً عن التمسّك بقواعد،

____________
1 . ابن خلدون: المقدمة: 444ـ445، الفصل السادس في علوم الحديث.

===============

( 65 )

كالقياس والاستحسان، وهو ممّن توسّع في القياس والاستحسان وقدّمه على الاَثر المنقول عن الصحابة، وقد نقل عنه أنّه قال: إنّما آخذ بكتاب اللّه إذا وجدته، فما لم أجد فيه أخذت بسنّة رسول اللّه والآثار الصحاح عنه التي فشت في أيدي الثقات، فإذا لم أجد في كتاب اللّه ولا سنّة رسول اللّه أخذت بقول من شئت من أصحابه وأدع قول من شئت ثمّ لا أخرج من قولهم إلى غيرهم، فإذا انتهى الاَمر إلى إبراهيم (النخعي) والشعبي والحسن وابن سيرين وسعيد بن الحسين فلي أن أجتهد كما اجتهدوا. (1)
والظاهر انّه كان يجتهد في الاَقوال المنقولة، كالصحابة ويأخذ بما وافق القياس، وتميّز فقهه بإخراج الناس من المأزق بإعمال الحيل الشرعية، وقد تقدّم الكلام عند البحث في مصادر الفقه.
وقد انتشر مذهبه بفضل أتباعه خاصة بعدما بسط العثمانيون نفوذهم على معظم الاَمصار الاِسلامية، وجعلوا المذهب الحنفي هو المذهب الرسمي للدولة، وأمروا القضاة أن يعملوا وفق فقهه، فصار الفقه الرائج هو الفقه الحنفي، فدخل: مصر، والشام، وتونس، والجزائر، وطرابلس، واليمن، و آسيا الوسطى؛ يقول ابن خلدون: وأمّا أبو حنيفة فقلّده اليوم أهل العراق ومسلمة الهند والصين وماوراء النهر وبلاد العجم كلها لما كان مذهبه أخص بالعراق ودار السلام، وكان تلاميذه صحابة الخلفاء من بني العباس، فكثرت تآليفهم ومناظراتهم مع الشافعية، وحسنت مباحثهم في الخلافيات، وجاءوا منها بعلم مستظرف وأنظار غريبة. (2)

____________
1 . تاريخ بغداد:13|368.
2 . مقدمة ابن خلدون:448.

===============

( 66 )

المذهب المالكي
وهو مذهب فقهي للاِمام مالك بن أنس بن مالك بن أنس (94ـ 179هـ) وقد ذكرنا فيما سبق نبذة مختصرة عن سيرته وكتابه«الموطأ» فلا نطيل، والجدير ذكره هو بيان أُصول مذهبه الفقهي، فنقول:
1. القرآن الكريم.
2. السنّة: وكان يقبل المرسل من الاَحاديث مادام رجاله ثقات، وفي موطئه كثير من المراسيل و منقطع الاسناد، ولم يكن يرى التشدّد المعهود عند أبي حنيفة في الحديث، ومن أهم ميزات مذهبه هو الاعتماد على الحديث، لا سيما حديث أهل الحجاز.
3. عمل أهل المدينة: وقد كتب مالك إلى ليث بن سعد: إنّالناس تبع لاَهل المدينة التي كانت إليها الهجرة، وبها نزل القرآن ـ وَهذا هو الاَساس لاعتباره عمـل أهل المدينـة أساسـاً لفقهه، ـ قائلاً: بإنّ رسول اللّه أقام في المدينة وأقام أصحابه، فيكون أهل المدينة أعلم الناس بالتنزيل، وليست هذه الميزة لغيرهم.
4. قول الصحابي: إذا لم يرد حديث صحيح في المسألة عن النبي، فإنّ قول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون حجّة باعتبار انّ الصحابة أعلم بالتأويل وأعرف بالمقاصد، وقد روى في كتابه شيئاً من أقوال الصحابة والتابعين، وإذا تعارض قول الصحابي مع عمل أهل المدينة، فهو يقدّم عمل أهل المدينة على قول الصحابي.
5. المصالح المرسلة: هي المصالح التي لم يشهد لها نص معين من الشرع بالبطلان ولا بالاعتبار، وكانت ترجع إلى حفظ مقصود شرعي يعلم كونه مقصوداً بالكتاب أو السنّة أو الاِجماع. إلاّ إذا عارضته مصلحة أُخرى، فعند ذلك

===============

( 67 )

يقوم العمل بالثاني، وإليك مثالين:
الاَوّل: إذا وجد بيد شخص زعفران مغشوش، أفتى مالك بأنّه يتصدّق به على المساكين قلّ أو كثر، يقول الشاطبي: إنّه يماثل إراقة عمر اللّبن المغشوش بالماء، ووجّه بذلك التأديب للغاش، وهذا التأديب لا نص يشهد له لكن من باب الحكم على الخاص لاَجل العام.
الثاني: ضرب المتهم بالسرقة ليقر بالمسروق، فقد جوّزه مالك وخالفه غيره، لاَنّهذه مصلحة تعارض مصلحة أُخرى هي مصلحة المضروب إذ قد يكون بريئاً.
6. القياس: حيث لا يوجد نص من كتاب، أو سنّة، أو قول صحابي، أو إجماع من أهل المدينة؛ فهو يستخدم القياس في اجتهاده، فقد جاء في «الموطأ» (1) سئل مالك عن الحائض إذا طهرت ولم تجد ماءً هل تتيمم؟ فقال: نعم، قياساً على الجنب عند فقد الماء الذي ثبت بالنص القرآني.
7. سد الذرائع: وهو المنع عن التذرّع بفعل جائز إلى عمل غير جائز، وإن شئت قلت: الحيلولة عن التوصل بأمر مباح إلى فعل محظور، وقد استعمله مالك كثيراً في فقهه.
يقول الشاطبي في «الاعتصام»: كان مالك (ره) شديد المبالغة في سد الذرائع.
فمثلاً لو وقف الحاكم على أنّ رجلاً يزرع ويغرس كرماً بغية عملها خمراً، فللحاكم إيقافه عن العمل للحيلولة دون الوصول إلى غرضه.
أو افترضنا انّ رجلاً رأى هلال شوال وحده، فليس له الاِفطار لئلاّ يكون

____________
1 . الموطأ: 64 ح 91، كتاب الصلاة، باب طهر الحائض.

===============

( 68 )

ذريعة إلى إفطار الفسّاق محتجّين بعمله، إلى غير ذلك من الاَمثلة التي وردت في «الموطأ» وغيره.
وفي الحقيقة انّ سد الذرائع أصل مناقض للحيل تمام المناقضة، فما جوّزه الاَحناف من إعمال الحيل قد سدّته المالكية والحنابلة بأصل آخر، وهو سد الذرائع.
8. الاِجماع.
9. العرف والعادة.
10. الاستحسان.
11. الاستصحاب.

المذهب الشافعي
وقد شيّد معالمه محمد بن إدريس الشافعي (150ـ204هـ) (1) الذي تخرّّج على يد مالك شيخ الحجازيين وزعيم مدرسة الحديث، كما اتصل بمحمد بن الحسن تلميذ أبي حنيفة وزعيم مدرسة الرأي، فأخذ منهما فصار مذهبه الفقهي حدّاً فاصلاً بين المذهبين الحنفي و المالكي.
بنى الاِمام الشافعي أُصول مذهبه على الكتاب والسنّة والاِجماع والقياس، ولم يجنح إلى سائر الاَدلّة التي اعتمد عليها أبو حنيفة ومالك، فهو يحتج بظواهر القرآن، كما يحتج بالسنّة وإن كان خبراً واحداً، شريطة أن يكون الراوي ثقة

____________
1 . انظر ترجمته في تذكرة الحفاظ:1|354ـ 361؛ حلية الاَولياء:9|63ـ161؛ تاريخ بغداد: 2|56ـ73؛ الاَنساب للسمعاني:325|ب؛ تهذيب الاَسماء للنووي:1|44ـ67؛ تهذيب الكمال:580|م؛طبقات الشافعية:1|100ـ107؛ الرسالة المستطرفة:54؛ مقدّمة تحفة الاحوذي:100ـ 101.

===============

( 69 )

ضابطاً والحديث متصلاً برسول اللّه (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ثمّ إذا لم يكن هناك دليل منصوص عمد إلى القياس وترك العمل بالاستحسان الذي قالت به الحنفية والمالكية، وأنكر الاحتجاج به قائلاً: «من استحسن فقد شرّع» وألّف كتاب «إبطال الاستحسان» ورد كذلك المصالح المرسلة «الاستصلاح»، وأنكر الاحتجاج بعمل أهل المدينة، وأطال في كتــاب «الاَُم» في ردّه.
وأمّا قول الصحابي، فالظاهر انّه لا يعمل بقوله إذا صدر عن رأي واجتهاد، ونقل عنه قوله:« لا يقلّد المجتهد صحابياً كما لا يقلّد عالماً آخر». (1)
وفي نقل آخر عنه أيضاً أنّه قال: إنّقول الصحابي إذا لم يعلم له مخالف يكون خيراً لنا من رأينا لاَنفسنا، وإذا اختلف أصحاب رسول اللّه في مسألة فإنّه يأخذ من قول بعضهم ما يراه أقرب إلى الكتاب والسنّة، ولا يتجاوز أقوالهم إلى غيرها. (2)

مذهبه القديم والجديد
ورد الشافعي إلى العراق عام 195هـ في خلافة الاَمين، وصنف كتابه القديم المسمّى بـ«الحجة» ومدّة إقامته بالعراق سنتان، ثمّ رجع إلى الحجاز، وفي سنة 198هـ قدم إلى العراق مرّة أُخرى فأقام هناك أشهراً، ثمّ ارتحل إلى مصر فظهرت فيها مواهبه الفقهية، فأملى على تلاميذه كتبه الجديدة التي يعبر عنها بالقول الجديد، ويجمعها كتاب «الاَُم» وهو المذهب الذي تغير إليه اجتهاده بمصر، ولعلّ سبب التغيّر سماعه بعض الاَحاديث من علمائها، ولم يكن واقفاً

____________
1 . نقله العطار في حاشيته على جمع الجوامع:2|261؛ انظر تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور أحمد فرّاج حسين.
2 . مناع القطان: تاريخ التشريع الاِسلامي:312.

===============

( 70 )

عليها، وربما يكون لتقاليد وعادات الموطن الذي حلّ فيه تأثير في تغير فتاواه.
وبما ذكرنا في ترتيب الاَُصول التي بنى عليه فقهه يظهر وجه الاختلاف بين الاَئمّة الاَربعة في الفتوى، فمثلاً:
1. انّ أبا حنيفة يشترط في الحديث الشهرة إذا عمّت البلوى، بخلاف الشافعي فهو يعمل على الخبر الصحيح المتصل سواء أَبَلَغَ الشهرة أم لا.
2. انّ مالكاً يشترط في العمل بالحديث عدم مخالفته لعمل أهل المدينة، بخلاف الشافعي فهو يعمل بالحديث الصحيح المتصل وإن كان مخالفاً لعمل أهل المدينة.
3. انّ أبا حنيفة ومالكاً يعملان بالاستحسان، في حين انّ الشافعي قد نقل عنه: انّ من استحسن فقد شرع.
4. انّ مالكاً يعمل بقاعدة الاستصلاح والمصالح المرسلة، في حين انّ الشافعي لا يعتمد عليها.
5. انّ أبا حنيفة جعل القياس في الدرجة الثالثة من الاعتبار حتى اشتهر في الفقه الحنفي «انّ من لا قياس عنده لا فقه عنده، ومن رد القياس الشرعي سدّ على نفسه باب الاجتهاد». (1)
والحال انّالشافعي جعل القياس في الدرجة الاَخيرة من الاعتبار ، حيث قال: والعلم طبقات، الاَُولى: الكتاب والسنة، الثانية: الاِجماع فيما ليس كتاباً ولا سنّة، الثالثة: أن يقول صحابي فلا يعلم له مخالف من الصحابة، الرابعة: اختلاف الصحابة، الخامسة: القياس. (2)
____________
1 .المقالات الكوثرية:216ـ225.
2 . ابن القيم: إعلام الموقعين:4|121ـ122.

===============

( 71 )

هذه الوجوه وأمثالها أثارت خلافاً واسعاً بين المذاهب الاَربعة.
وقد انتشر مذهبه على يد تلامذته في كثير من الاَقطار، وذكر تفصيلها ابن خلدون في «المقدمة» وقال ما هذا خلاصته: أمّا الشافعي فمقلّدوه بمصر أكثر من سواها، وقد كان انتشر مذهبه بالعراق وخراسان وماوراء النهر، وقاسموا الحنفية في الفتوى والتدريس في جميع الاَمصار، وعظمت مجالس المناظرات بينهم، وشحنت كتب الخلافيات بأنواع استدلالتهم.
إلى أن قال: وقد انقرض فقه أهل السنّة في مصر بظهور فقه أهل البيت، ولمّا انقرض على يد صلاح الدين رجع إليهم فقه الشافعي وأصحابه من أهل العراق والشام، واشتهر منهم: محيي الدين النووي، وعز الدين بن عبد السلام، وتقي الدين بن دقيق العيد، ثمّ تقي الدين السُبكي، إلى أن انتهى إلى شيخ الاِسلام بمصر لهذا العهد وهو سراج الدين البلقيني، فهو اليوم أكبر الشافعية بمصر، وكبير العلماء بها بل أكبر العلماء من أهل مصر. (1)

المذهب الحنبلي
المذهب الحنبلي هو المنسوب إلى الاِمام أحمد بن محمد بن حنبل (164ـ 241هـ) وقد ذكرنا شيئاً من ترجمته عند البحث عن تدوين الجوامع الحديثية الثانوية عند السنّة، ولا شكّ انّه يعد من كبار المحدّثين، ومسنده الموجود دليل على توسّعه في الحديث، إنّما الكلام في أنّه هل كان جالساً على منصة الاِفتاء، أو أنّه كان يتورّع عن الاِفتاء إلاّ قليلاً؟وقد مرّ الكلام فيه، وعلى كلّ تقدير فالفقه المنسوب إليه مبني على الاَُسس التالية:

____________
1 . مقدّمة ابن خلدون: 415، ط دار الكتاب العربي.

===============

( 72 )

أُصول مذهبه
وقد ذكر ابن القيم (الذي يغالي في الاِمام أحمد غلواً كبيراً) انّ الاِمام كان يعتمد في تدوين مذهبه على خمسة أُصول هي:
1. النصوص: فإذا وجد النص أفتى بموجبه، ولم يلتفت إلى ما خالفه ومن خالفه، ثمّ ذكر عدّة أمثلة، ويقول: ولم يكن يقدّم على الحديث الصحيح عملاً، ولا رأياً، ولا قياساً، ولا قول صحابي، ولا عدم علمه بالمخالف الّذي يسمّيه كثير من الناس إجماعاً، وقد كذّب أحمد من ادّعى هذا الاِجماع، ولم يسغ تقديمه على الحديث الثابت.
2. ما أفتى به الصحابة، فإنّه إذا وجد لبعضهم فتوى لا يعرف له مخالف منهم فيها لم يعدها إلى غيرها ولم يقل إنّ ذلك إجماع، وإذا وجد الاِمام أحمد هذا النوع من الصحابة لم يقدّم عليه عملاً ولا رأياً ولا قياساً.
3. إذا اختلفت الصحابة تخيّر من أقوالهم ما كان أقربها إلى الكتاب والسنّة، ولم يخرج عن أقوالهم، فإن لم يتبيّـن له موافقة أحد الاَقوال حكى الخلاف فيها ولم يجزم بقوله.
4. الاَخذ بالمرسل والحديث الضعيف إذا لم يكن، وهو الذي رجّحه على القياس، وليس المراد بالضعيف عنده الباطل ولا المنكر ولا من في روايته متهم بحيث لا يسوغ الذهاب إليه والعمل به، بل الحديث الضعيف عنده قسيم الصحيح وقسم من أقسام الحسن، ولم يكن يقسم الحديث إلى صحيح وحسن وضعيف، بل إلى صحيح وضعيف، وللضعيف عنده مراتب.
5. القياس: فهو يقدّم الحديث المرسل والمنقطع والبلاغات وقول الصحابي على القياس، فإذا لم يكن عنده شيء من هذه يعمل به واستعمله

===============

( 73 )

للضرورة، وقد قال في كتاب «الخلال»: سألت الشافعي عن القياس، فقال: إنّما يصار إليه عند الضرورة، أو ما هذا معناه.
فهذه الاَُصول الخمسة من أُصول فتاويه (1) وعليها مدارها، وقد يتوقف في الفتوى لتعارض الاَدلّة عنده، أو لاختلاف الصحابة فيها، أو لعدم اطّلاعه فيها على أثر، أو قول أحد من الصحابة والتابعين.
وكان شديد الكراهة والمنع للاِفتاء بمسألة ليس فيها أثر عن السلف، كما قال لبعض أصحابه: إيّاك أن تتكلّم في مسألة ليس لك فيها إمام. وكان يسوغ استفتاء فقهاء الحديث وأصحاب مالك، ويدل عليهم، ويمنع من استفتاء من يعرض عن الحديث ولا يبني مذهبه عليه،ولا يسوغ العمل بفتواه. (2)
ما ذكرنا من المذاهب الاَربعة هي المذاهب السائدة إلى الآن، وقد أُبيدت المذاهب الاَُخرى لعلل شتّى، وحصرت المذاهب في الاَربعة بعدما انتحل الناس مذاهب أُخرى، ونظراً لاَهمية هذا الموضوع نستعرض في نهاية الفصل مبحث حصر المذاهب في الاَربعة، وإغلاق باب الاجتهاد، وما أعقبته من نتائج سلبية ومضاعفات على النهضة الفقهية.

ميزة الدور الثاني
وبالاِمعان فيما جرى في هذا العهد من الاَحداث يمكن أن نقول: إنّ هذا الدور يتميّز بأمرين:

____________
1 . وقد صرّح بعض الكتّاب المعاصرين انّ الاِمام أحمد اعتمد في مذهبه الفقهي على أدلّة ثمانية هي: القرآن، السنّة، فتاوى الصحابة، الاِجماع، القياس، الاستصحاب، المصالح المرسلة، سد الذرائع. (انظر تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور أحمد فراج حسين).
2 . ابن القيم: إعلام الموقعين: 1|33.

===============

( 74 )

1. استقلال علم الفقه عن سائر العلوم على وجه صار علم الفقه علماً مستقلاً عن سائر العلوم، كما هو الحال بالنسبة إلى الآداب العربية .
2. شيوع طريقة الرأي في الفقه، وقد مرّ فيما مضى انّ بذور هذه الفكرة كانت بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ، ولكن تصاعَد نشاطها في هذا الدور لاَنّهم واجهوا العديد من الحوادث التي لم يكن لها حلول في الشريعة، سوى إعمال الرأي لا سيما في بلد كالعراق مكتظ بأعراف وثقافات مختلفة ومتنوعة.

===============

( 75 )

أدوار الفقه السنّي
    
3

الدور الثالث

 

عصر ركود الحركة الاجتهادية

 

(أوائل القرن الرابع ـ أواسط القرن السابع)


لقد تألّق نجم المذاهب الاَربعة من منتصف القرن الرابع إلى سقوط بغداد سنة 656هـ(سقوط الدولة العباسية) فسرت روح التقليد للاَئمة الاَربعة سرياناً عاماً اشترك فيها العلماء وجمهور الناس بعدما كان الناس على فرقتين:
فرقة تدرس الكتاب والسنّة وتستنبط الاَحكام الشرعية من ظواهرها، وفرقة مقلّدون تَفْزع إلى الفرقة الا َُولى في كلّ حادثة ونازلة، ولكن تغير الوضع عقب منتصف القرن الرابع، فانصبّت همم الفقهاء والعلماء على فهم ما أُثر عن الاَئمّة الاَربعة من النصوص والقواعد في مجال الاَحكام، فراج الاجتهاد في المذهب بدل الاجتهاد المطلق، وانحصر بذل الجهود في فهم كلام أئمّة المذاهب، وبذلك نزلت كلماتهم منزلة النصوص القرآنية أو الحديثية.
يقول الاستاذ الخضري بك في هذا الصدد: أمّا في هذا الدور فإنّ روح التقليد سرت سرياناً عاماً واشترك فيها العلماء وغيرهم من الجمهور، فبعد أن كان مريد الفقه يشتغل أوّلاً بدراسة الكتاب ورواية السنّة اللّذين هما أساس الاستنباط، صار في هذا الدور يتلقّى كتب إمام معيّن ويدرس طريقته التي

===============

( 76 )

استنبط بها ما دوّنه من الاَحكام، فإذا أتم ذلك صار من العلماء الفقهاء، ومنهم من تعلو به همّته فيوَلّف كتاباً في أحكام إمامه إمّا اختصاراً لموَلّف سبق، أو شرحاً له، أو جمعاً لما تفرّق في كتب شتّى، ولا يستجيز الواحد منهم لنفسه أن يقول في مسألة من المسائل قولاً يخالف ما أفتى به إمامه، كأنّ الحقّ كلّه نزل على لسان إمامه وقلبه، حتّى قال طليعة فقهاء الحنفية في هذا الدور وإمامهم من غير منازع، وهو أبو الحسن عبيد اللّه الكرخي: كل آية تخالف ما عليه أصحابنا فهي موَولة أو منسوخة، وكل حديث كذلك فهو موَول أو منسوخ، وبمثل هذا أحكموا دونهم إرتاج باب الاختيار. (1)
لقد تلقّى المتأخرون، المذاهب الاَربعة تراثاً إسلامياً بلغ من القداسة كأنّه موحى من اللّه لا يمكن النقاش فيه، ولا يجوز الخروج عن إطاره، فأصبحت نصوص الاَئمّة الاَربعة، كالوحي المنزل يجب استفراغ الوسع في فهم كلامهم، وموَدّى لفظهم، خلف ذلك فيما بعد آثاراً سلبية حالت دون تكامل الفقه، منها:
1. نشوء روح التقليد عند فقهاء تلك الاَعصار، والتعصّب لمذهب الاَسلاف.
2. كثرة التخريج والتفريع والترجيح بين فقهاء المذاهب، فإنّهم بدل أن يبذلوا جهودهم في فهم الكتاب والسنّة انصبت جهودهم في استنباط الفروع من الاَُصول الثابتة عند أئمّة المذاهب، ولاَجل ذلك كثر التأليف والتصنيف في هذه العصور وأكثرها يحمل طابع التخريج والتفريع، وقد حفظ تاريخ طبقات الفقهاء أسماء الذين برعوا في تلك الاَعصار، وكلّ يحمل على عاتقه الدفاع عن المذهب الذي ينتحله، ويتعصّب له، ويوَلّف في فقه إمامه، أو يشرح كتب من ألّف من فقهه.

____________
1 . الخضري بك: تاريخ التشريع الاِسلامي: 278 ط دار الفكر .

===============

( 77 )

وقد خلّف هذا الوضع أثراً سلبياً عجيباً، وهو انّ انتصار كلّ حاكم من الحكام لمذهب من المذاهب، صار سبباً لانقراض كثير من المذاهب، كمذهب سفيان الثوري، وسفيان بن عيينة، وعبد اللّه بن مبارك، وأبي عمرو الاَوزاعي، ومحمد بن عبد الرحمن بن أبي ليلى، وليث بن سعد، وداود بن علي، وأبي ثور، وابن جرير الطبري وغيرهم.
فقد كانت الدولة العباسية تثبّت دعائم مذهب أبي حنيفة، فيولّى على القضاء من كان متبعاً لهذا المذهب، ولما استولى الفاطميون على مصر نشروا المذهب الاِسماعيلي ومنعوا التفقّه على مذهب أبي حنيفة، لاَنّه مذهب الدولة العباسية وسمحوا بالتفقّه على المذهب المالكي والشافعي والحنبلي.
وقد ذكر الاَُستاذ أحمد مصطفى الزرقاء العوامل التي سببت الاِفتاء بغلق باب الاجتهاد، وذكر منها الاَسباب التالية:

1. التعصّب المذهبي
فقد تعصّب التلاميذ لآثار أساتذتهم من الاَئمّة المجتهدين الّذين أناروا العصر السابق، وكشفوا ظلمات المسائل بنور عقولهم الساطع.
ولا يخفى انّالتعصّب لفكرة، يحمل الاِنسانَ على الجمود عليها والتعلّق بأهدابها، ودعوة الناس إليها دون سواها، وهكذا فعل أُولئك الذين جاءوا بعد الاَئمة السابقين، فقد عنوا بدراسة مذاهبهم ونشرها بدلاً من السير على منهاجها، والاجتهاد كما اجتهد أصحابها، فوثق الناس بالسابقين وشكّوا في أنفسهم.

2. ولاية القضاء
فقد كان الخلفاء يختارون القضاة أوّل الاَمر من المجتهدين لا من

===============

( 78 )

مقلّديهم، ولكنّهم فيما بعد آثروا اختيارهم من المقلّدين، ليقيدوهم بمذهب معين، ويعيّنوا لهم ما يحكمون على أساسه بحيث يكونون معزولين عن كلّ قضاء يخالف ذلك المذهب، ولاَنّ بعض القضاة المجتهدين كان يتعرض الفقهاء المذهبيون لتخطئته، فيكون حكمه مثاراً لنقد الناس لا سبب اطمئنان لهم.
وهكذا كان تقيّد القاضي بمذهب يرتضيه الخليفة سبباً في اكتفاء أكثر الناس به وإقبالهم عليه.

3. تدوين المذاهب
إنّ تدوين المذاهب قد سهّل على الناس تناولها، والناس دائماً يطلبون السهل اليسير دون الصعب العسير، وقد كان يدفع الناس إلى الاجتهاد في العصور السابقة ضرورة ملجئة إلى تعرّف أحكام حوادث وشوَون جديدة ما كانوا يعرفون حكمها الشرعي.
فلمّا جاء المجتهدون ودوّنوا أحكام الحوادث التي عرضت والتي يحتمل عروضها، صار الناس كلّما عرضت لهم مسألة وجدوا السابقين قدتعرّضوا لها، فاكتفوا بمقالهم في شأنها، فسدّت حاجتهم بما وجدوا، فلا عامل يحفزهم إلى بحث جديد.
وساعد على ذلك ما للاَقدمين من موقع علمي كبير جدير بالتقدير، وما يكسبهم تفوقهم على مضي الزمن من إجلال، وما يكون من عناية الاَهم بتكريم سلفها الصالح ليرتبط حاضرها بماضيها برباط متين.
لهذا كلّه انصرف الناس إلى التقليد، اللّهمّ إلاّ في تعرّف علل الاَحكام المذهبية، أوترجيح بعض الآراء في المذهب نفسه على غيرها.
ويسمّى من أُوتي القدرة العلمية على ذلك: مجتهداً في المذهب، أي انّه

===============

( 79 )

ليس مجتهداً مطلقاً ذا مذهب مستقل، بل هو من أتباع إمام مجتهد، ولكنّه ذو رأي معتبر في ضمن مذهب إمامه، وفي البناء على أُصوله. (1)
هذه العوامل الثلاثة وإن سببت ركود الحركة الاجتهادية، ولكنّها عوامل جانبية على ما يبدو، بل هناك سبب آخر وهو المهم في شلِّ الحركة العلمية الفقهية، وهو تأثير السياسة التي اتّخذها القادر باللّه الخليفة العباسي للحد من نشاط الحركة الاجتهادية حيث تصدّى للخلافة ما يقرب عن 41 عاماً. (2) ساد في هذه الفترة الطويلة فكرة التقشف والتنسّك وذم الفكر والاجتهاد في الدين، ويعرب عن ذلك ما ذكر من حالاته وأفعاله، فقد عرفوا القادر باللّه بأنّه: صنّف كتاباً ذكر فيه فضائل الصحابة على ترتيب مذهب أصحاب الحديث، وأورد في كتابه فضائل عمر بن عبد العزيز، وأفكار المعتزلة، والقائلين بخلق القرآن، وكان الكتاب يُقرأ في كلّ جمعة في حلقة أصحاب الحديث بجامع المهدي، ويحضر الناسُ سماعه، ذكر محمد بن عبد الملك الهمداني انّ القادر باللّه كان يلبس زي العوام ويقصد الاَماكن المعروفة بالبركة، كقبر معروف وتربة ابن بشار. (3)
وقد بلغ كبح جماح الفكر بمكان انّه استتاب القادر باللّه سنة 408هـ فقهاء المعتزلة والحنفية، فأظهروا الرجوع وتبرّأوا من الاعتزال، ثمّ نهاهم عن الكلام والتدريس والمناظرة في الاعتزال والرفض والمقالات المخالفة للاِسلام، وأخذ خطوطهم بذلك وانّهم متى خالفوه حلَّ بهم من النكال والعقوبة ما يتعظ به أمثالهم، وامتثل يمين الدولة وأمين الملّة أبو القاسم محمود أمر أمير الموَمنين، واستنّ بسننه في أعماله التي استخلفه عليها من خراسان وغيرها في قتل

____________
1 . مصطفى أحمد الزرقاء: المدخل الفقهي العام:1|177ـ 179.
2 . بويع بالخلافة عام 381هـ وتوفي عام 422هـ. لاحظ المنتظم:14|353 و15|217.
3 . ابن الجوزي: المنتظم:14|354.

===============

( 80 )

المعتزلة والرافضة والاِسماعيلية والقرامطة والجهمية والمشبهة وصلبهم وحبسهم ونفاهم،وأمر بلعنهم على منابر المسلمين، وإيعاد كلّ طائفة من أهل البدع وطردهم عن ديارهم، وصار ذلك سنّة في الاِسلام. (1)
فإذا كان هذا حال أمير الموَمنين وحال وزيره في أصقاع كبيرة من الاَرض كخراسان، فكيف يستطيع أي متكلم بارع أو فقيه متضلّع أن يفكّر في تجديد الهيكلية الفقهية أو العقائدية، أو يطرح وجهات نظره الخاصة ، إذ لا يوَمن من أن يوَخذ باتّهام مخالفته لاَهل السنّة والجماعة، فينكل به أو يحبس أو يصلب على أعواد المشانق؟!
وقد مضى انّه كتب كتاباً عرف باسم «الاعتقاد القادري»، وكأنّه وحي منزل يجب أن يقرأ في كلّ جمعة، وقد امتد ذلك طول خلافته الطويلة، ومع أنّه توفي عام 422هـ، ولكن السياسة التي ابتدعها للدولة دامت بعد موته في خلافة ابنه القائم بأمر اللّه، وهذا هو ابن الجوزي يذكر في حوادث عام 433هـ انّه قرأ الاعتقاد القادري في الديوان، وحضر الزهّاد والعلماء، وممّن حضر الشيخ أبو الحسن علي بن عمر القزويني، فكتب خطه تحته قبل أن يكتب الفقهاء، وكتب الفقهاء خطوطهم فيه: إنّ هذا اعتقاد المسلمين ومن خالفه فقد فسق وكفر، ثمّ ذكر نص الاعتقاد القادري. (2)
ويقول في آخره: هذا هو قول أهل السنّة والجماعة الذي من تمسّك به كان على الحق المبين، وعلى منهاج الدين، و الطريق المستقيم، ورجا به النجاة من النار ودخول الجنة. (3)
وقد شعر ببعض ما ذكرنا بعض المستشرقين يقول آدم مِتز:
وكان معنى ذلك نهاية تطور علم الكلام، ويستطيع الرجل الثاقب النظر أن

____________
1 . المنتظم: 15|125ـ 126.
2 . المنتظم: 15|279، حوادث سنة 433هـ.
3 . المنتظم:15|281.

===============

( 81 )

يتبيّـن في كلّ كلمة من هذا الاعتقاد جراثيم المنازعات التي مضت عليها قرون ثم نقل الاعتقاد القادري بنصّه. (1)
والحقّ انّ القادر باللّه ليس هو أوّل من كبح جماح الفكر، بل تبع المنهج الذي اختطه المتوكل باللّه بعد المأمون وابنه الواثق، فقاطبة الخلفاء الذين أعقبوا المتوكل قادوا حملة شرسة ضد الفكر وأهله، وروّجوا لما ورثه العلماء من السلف.
يقول آدم مِتز : ومضى عصر الابتكار في التشريع و اعتُـبر العلماء الاَوّلون كالمعصومين، وأصبح الفقيه لا يستطيع إصدار حكمه الخاص إلاّ في المسائل الصغيرة، وهذا يشبه ما حدث عند اليهود من مجيَ الربّانيين الذين كان قصاراهم، التناقش في آراء القدماء، وذلك بعد مضي عهد علماء الكتاب الذي يعلمون الكتاب ويحق لهم الاجتهاد. (2)
وفي الحقيقة انّه كان هناك صراع بين الفقهاء، أهل الفكر الحر الذين يبغون إثارة الكتاب والسنّة واستنطاقها للاِجابة على كلّ حادث مستجد، وبين المحدّثين المتمسّكين بالسنّة القديمة.
يقول آدم مِتز: وكان أهم المذاهب بين أصحاب الحديث الحنابلة والاَوزاعية والثورية، ولم يكن الحنابلة في ذلك ـ خلافاً لما صار إليه الحال فيما بعد ـ يعتبرون من جملة الفقهاء، وفي سنة 306هـ ذُكر أصحاب الحديث، فكانوا الشافعية والمالكية والثورية أصحاب سفيان الثوري والحنفية والداوودية وفي أواخر القرن الرابع كانوا هم الحنفية والمالكية والشافعية والداوودية ولم يذكر الحنابلة بين الفقهاء في هاتين المدّتين، ولمّا توفي محمد بن جرير الطبري عام 310هـ دفن بداره ليلاً، لاَنّ العامة اجتمعت ومنعت من دفنه نهاراً، وكان ذلك بتأثير الحنابلة، وقد تعصب عليه هوَلاء، لاَنّه جمع كتاباً ذكر فيه اختلاف الفقهاء ولم يذكر فيه أحمد بن حنبل، فسئل عن ذلك؟ فقال: لم يكن فقيهاً وإنّما كان محدّثاً. (3)

____________
1 . آدم متز: الحضارة الاِسلامية:1|363 و 369 و 370.
2 . آدم متز: الحضارة الاِسلامية:1|363 و 369 و 370.
3 . آدم متز: الحضارة الاِسلامية:1|363 و 369 و 370.

===============

( 82 )

هذه الجمل المتناثرة من التاريخ تكشف لنا بوضوح عن سيادة أهل الحديث والسلفية على البيئات العلمية ونصرة السلطات الحاكمة لها، ممّا أصاب الفكر الحرَّ الجمودُ والانتكاس، كما يعلم انّ انحصار المذاهب الفقهية في الاَربعة لم يكن وليد الساعة وإنّما آل الاَمر إليه بالتدريج عبر الزمان.
نعم كانت قبل المذاهب الاَربعة ومعها، مذاهب فقهية أُخرى كان لها دعاة، نذكر على سبيل المثال بعضها؛ مذهب الاَوزاعي،وسفيان الثوري، وداود الاصفهاني، ومحمد بن جرير الطبري وغير ذلك، فهذه مذاهب بائدة، بادت لعوامل شتى واستقرت المذاهب الفقهية بالتدريج في الاَربعة .

كثرة التخريج والتفريع
أُصيب الفقه الاِسلامي السنّي في هذه الفترة بركود في حين نشطت حركة أُخرى وإن كانت أقل قيمة ألا وهي حركة التخريج والتفريع، فجمعوا الآثار، ورجّحوا بين الروايات، وخرّجوا علل الاَحكام، واستخرجوا من شتّى المسائل والفروع أُصول أئمتهم وقواعدهم التي بنوا عليها فتاواهم، وألّفوا كتب الخلافيات جمعوا فيها أحكام الاَئمّة وأدلّتهم، ونصر كل مذهب إمامه، ودَعَمَ رأيه وزيّف أدلّة مخالفيه، وأفتوا في مسائل كثيرة لم يكن لاَئمتهم فيها نص، فهم مكمّلون لمذاهب أئمتهم بما قاموا به من النظر في ترجيح الاَقوال، والتنبيه على مسالك التعليل ومدارك الاَدلّة، وبيان تنزيل الفروع على الاَُصول، وإيضاح المشكل وتقييد المهمل، ومقابلة بعض الاَقوال ببعض، والنظر في تمييز قويّها من ضعيفها.
فمع أنّه لم يوجد في هذا العصر مجتهد مستقل، لكن انحصر عمل العلماء في:
1. تعليل الاَحكام.
2. الترجيح بين الآراء المختلفة في المذاهب.

===============

( 83 )

3. الانتصار للمذاهب. (1)
ولاَجل الاِشارة إلى هذا النوع من المساهمات نعطف الاَنظار إلى أسماء بعض الفقهاء الذين صنّفوا في تلك الفترة وتركوا تراثاً فقهياً مهماً.
لقد استقصى الشيخ محمد الخضري بك أسماء الموَلّفين الذين كان لهم دور في هذه الاَُمور الثلاثة، فذكر من علماء الحنفية 20 فقيهاً، ومن المالكية 23 فقيهاً، ومن الشافعية 30 فقيهاً، ولم يذكر من الحنابلة أحداً مع أنّ مختصر الشيخ الخرقي وشرحه باسم المغني لابن قدامة من أهم الكتب التي صنّفت في تلك الفترة على وجه قلّما يتفق أن يوجد للمغني مثيل فيما سبق، ونحن نقتصر من كل طائفة ببعضهم، ونذكر من الحنابلة مالم يذكره.

فمن فقهاء الحنفية في هذا الدور
1. أبو بكر أحمد بن علي الرازي الجصّاص، صاحب تفسير آيات الاَحكام المطبوع المتداول.
2. أبو الحسن أحمد بن محمد القدوري البغدادي، وهو صاحب المختصر المشهور، وشرح مختصر الكرخي، وصنّف كتاب «التجريد» وهو مشتمل على الخلاف بين أبي حنيفة والشافعي مجرّداً عن الدلائل، وكان حسن العبارة في النظر، وكان يناظر الشيخ أبا حامد الشافعي، توفي سنة 428هـ.
3. أبو زيد عبد اللّه بن عمر الدبوسي السمرقندي، وهو أوّل من وضع علم الخلاف، وأجلّ تصانيفه «الاَسرار» وله «النظر في الفتاوى» وكتاب «تقدّم الاَدلّة» وكان يضرب به المثل في النظر، و استخراج الحجج،وكان له بسمرقند وبخارى مناظرات مع الفحول، توفي سنة 430هـ.
4. شمس الاَئمة محمد بن أحمد السرخسي تلميذ الحلواني، عدّ من

____________
(1) محمد علي السايس: تاريخ الفقه الاِسلامي: 113ـ 114.

===============

( 84 )

المجتهدين في المسائل كان متكلّماً مناظراً أُصولياً مجتهداً، أملى المبسوط نحو خمسة عشر مجلداً، وهو في السجن بأوزجند، وله كتاب في أُصول الفقه، وشرح السير الكبير، وشرح مختصر الطحاوي، ومبسوطه عبارة عن شرح الكافي الحاكم والشهيد، وقد طبع في مصر، توفي في أواخر القرن الخامس.
5. برهان الدين أبو الحسن علي بن أبي بكر المعروف بالمرغيناني (530 ـ 593 هـ) موَلّف كتاب «الهداية في شرح بداية المبتدي» والشرح والمتن لنفس الموَلف وهو أحسن كتاب في الفقه الحنفي ايجازاً وتأليفاً وتبويباً.
وهو في الحقيقة كالشرح لمختصر القدوري المتوفى عام 428، والجامع الصغير لمحمد بن الحسن الشيباني.
ومن تصانيفه الا َُخرى كتاب «مجموع النوازل» وكتاب «الفرائض» و «المنتقى» و «كفاية المنتهى» و «مناسك الحج» .(1)

ومن فقهاء المالكية في هذا الدور
1. بكر بن العلاء القشيري، بصري الاَصل، ثمّ انتقل إلى مصر، تفقّه على تلامذة القاضي إسماعيل، ألّف كتباً جليلة، منها: كتاب «الاَحكام» المختصر من كتاب إسماعيل بن إسحاق والزيادة عليه، وكتاب «الرد على المزني» وكتاب «أُصول الفقه» وكتاب «القياس» وغير ذلك، توفي سنة 314هـ. (2)
2. يوسف بن عمر بن عبد البر، شيخ علماء الاَندلس وكبير محدّثيها في وقته، صنّف كتاب «الاستنكار» بمذاهب علماء الاَمصار فيما تضمّنه الموطأ من معاني الآثار، شرح فيه الموطأ على وجهه ونسق أبوابه، وصنّف كتاب «الكافي» في الفقه، وغير ذلك من الكتب، توفي عام 380هـ . (3)

____________
ـ انظر مقدمة الهداية.
(1) محمد الخضري : تاريخ التشريع الاِسلامي : 260 و 261.
(2)3. محمد الخضري: تاريخ التشريع الاِسلامي: 260 و 261.

===============

( 85 )

3. أبو الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد القرطبي، زعيم فقهاء وقته بالاَندلس والمغرب ومقدّمهم، المعترف له بصحة النظر، وجودة التأليف، ودقة الفقه، وكانت الدراية أغلب عليه من الرواية، ألّف كتاب «البيان والتحصيل لما في المستخرجة من التوجيه والتعليل»، وكتاب «المقدّمات» لاَوائل كتب المدوّنة، واختصار الكتب المبسوطة من تأليف يحيى بن إسحاق، وتهذيبه لكتب الطحاوي في مشكل الآثار وحجب المواريث، توفي سنة 520 هـ. (1)
4. أبو بكر محمد بن عبد اللّه المعروف بابن العربي المعافري الاِشبيلي، تأدّب ببلده، ثمّ رحل رحلة طويلة إلى بلاد المشرق، ولقي كثيراً من العلماء، منهم: الغزالي، فاستفاد كثيراً، وأتقن مسائل الخلاف والاَُصول والكلام، ثمّ انصرف إلى الاَندلس تعلّم كثيراً، وصنّف كثيراً، ومن تصانيفه: كتاب «أحكام القرآن» وكتاب «المسالك في شرح موطأ مالك» وله كتاب «المحصول في أُصول الفقه». توفي سنة 534 هـ. (2)
5. القاضي أبو الفضل عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي، كان إمام وقته في الحديث والتفسير، فقيهاً أُصولياً، بصيراً بالاَحكام، عاقداً للشروط، حافظاً لمذهب مالك، ومن شيوخه ابن رشد. له التصانيف المفيدة، منها: «إكمال العلم في شرح صحيح مسلم»، و«الشفا بتعريف حقوق المصطفى» و «مشارق الاَنوار» في تفسير غريب الموطأ والبخاري ومسلم، وكتاب «ترتيب المدارك وتقريب المسالك» لمعرفة أعلام مذهب مالك، وغير ذلك. توفي سنة 541هـ.(3)

* * *


____________
1 . شجرة النور الزكية : 129 برقم 376 .
2 . محمد الخضري: تاريخ التشريع الاِسلامي: 261 ـ 264.
3 . محمد الخضري: تاريخ التشريع الاِسلامي: 261 ـ 264.