5. الشيخ محمد حسن الآشتياني (1248ـ1320هـ)
هو الشيخ محمد حسن بن جعفر الآشتياني الطهراني من تلامذة شيخنا الاَنصاري،
ومن مشاهير علماء طهران وأعلمهم في عصره.
ولد في ناحية آشتيان حدود 1248هـ، فتعلم القراءة والكتابة، ثمّ انتقل إلى
بروجرد وكانت يومذاك دار العلم، وبقي فيها أربع سنين، ثمّ غادرها إلى النجف
الاَشرف، وحضر هناك دروس العلاّمة الاَنصاري ولازمه طيلة عمره.
ولما ارتحل أُستاذه غادر النجف الاَشرف وهبط طهران العاصمة، وأصبح فيها
زعيماً ومدرّساً كبيراً، عكف على دروسه عدد غفير من روّاد العلم.
ومن آثاره العلمية: تعليقته على الرسائل المطبوع باسم «بحر الفوائد» وهو
أحد الثلاثة ـ بعد الشيخ أبي القاسم كلانتر و المجدّد الشيرازي ـ الذين نشروا
أفكار شيخنا الاَنصاري وحقّقوها و بيّنوها.
6. الشيخ محمد رضا الهمداني (1250ـ1322هـ)
الشيخ محمد رضا بن الشيخ محمد هادي الهمداني النجفي، من أجلّة الفقهاء
الورعين، ومن الاَُصوليين المحقّقين، ومن مشاهير فقهائنا العظام، أخذ المبادىَ
والسطوح في مدينة همدان، ثمّ غادرها إلى النجف الاَشرف، فحضر دروس شيخنا المحقّق
الاَنصاري، ثمّ السيد محمد حسن المجدّد الشيرازي.
يعرّفه شيخنا الطهراني بقوله: كان من أجلّة الفقهاء، هاجر إلى سامراء،
فلازم درس السيد المجدّد الشيرازي سنين طوال إلى أن عاد إلى النجف في حياة
أُستاذه، فالتف حوله جمع من أهل الفضل و اشتغل بالتدريس والتأليف،
![]()
===============
وكان ذا اطّلاع واسع في الفقه وأُصوله. (1)
ويعد كتابه«مصباح الفقيه» الذي كتبه شرحاً مزجياً على كتاب «شرائع
الاِسلام» للمحقّق الحلّي، من جلائل الكتب في الفقه الاستدلالي في القرن الرابع
عشر، ولا تجد له مثيلاً بين ما أُلّف في هذا القرن؛ خرج منه كتاب الطهارة والصلاة
والزكاة والخمس وكتاب الصوم والرهن، وهو في باب العبادات يعادل كتاب المكاسب في
المعاملات.
ولعمر القارىَ انّ شيخنا المحقّق الهمداني جمع بين عذوبة القلم ووضوحه،
والدقة والعمق في الموضوع، فالقارىَ كلّما يسبر في رياضه ويسبح في حياضه لا يكلّ
ولا يمل، وكأنّه يتكلّم مع القارىَ بلسان ذلق وبيان واضح مع التدقيق والتحقيق،
والكتاب من حسنات الدهر، يعد محوراً للبحوث العليا في الفقه.وكان سيدنا المحقّق
البروجردي يعظّمه ويجلّله ويثني عليه في دروسه. وله وراء المصباح كتب أُخرى أهمها
تعليقته على الفرائد، وقد طبع في جزء واحد.
7. السيد محمد كاظم الطباطبائي اليزدي(2)(7421ـ7331هـ)
هو السيد محمد كاظم بن السيد عبد العظيم الطباطبائي اليزدي النجفي، أحد
الفقهاء الكبار في القرن الرابع عشر، والمرجع الديني الاَعلى بعد رحيل شيخنا
المحقّق الخراساني، تتلمذ على يد الشيخ محمد باقر بن الشيخ محمد تقي صاحب الحاشية
على المعالم في إصفهان إلى أن غادرها عام 1381هـ إلى
النجف الاَشرف، وقد وصل إليه نعي شيخنا الاَنصاري وهو في طريقه إلى
![]()
____________
1 . نقباء البشر: 2|776.
2 . كان المفروض تأخير ترجمته على ترجمة
المحقّق الخراساني، ولمّا كان للثاني دور فعال في تخريج جيل من العلماء الفطاحل
آثرنا تأخير ترجمة الثاني ليتسلسل ترجمة الاَُستاذ و تلاميذه.
![]()
===============
النجف، فحضر بحث السيد المجدّد الشيرازي، واستقل
بالتدريس بعد رحيله، وكان معاصراً للشيخ الهمداني، وقد تألّق نجمهما في سماء الفقه.
وقد ترك في الفقه تراثاً فكرياً قيّماً، نشير إلى قسم من تآليفه:
أ. تعليقته على مكاسب الشيخ الاَنصاري، طافحة بالتحقيق والتدقيق، وقد صدر
عنه أكثر من علق بعده على مكاسب الشيخ.
ب. العروة الوثقى المشتملة على الفروع التخريجية في الكتب التالية:
الطهارة، الصلاة، الصوم، الخمس، الزكاة، الحج، النكاح لم يوَلف مثله، وقدعلق عليه
كلّ من جاء بعده.
ج. التكملة على العروة الوثقى في جزءين، وهو كتاب استدلالي يبحث في القضاء
على وجه التفصيل ويشتمل على كتب فقهية أُخرى من كتب المعاملات.
توفي (رحمه الله) عام 1337هـ في النجف الاَشرف، ودفن في الصحن الحيدري.
8. المحقّق الخراساني (1255ـ 1329هـ)
هو الشيخ محمد كاظم الخراساني الهروي، ولد عام 1255هـ، واشتغل في خراسان
بتعلم المقدّمات، ثمّانتقل إلى مدينة سبزوار للاستضاءة من دروس الحكيم المتألّه
الشيخ محمد هادي السبزواري (المتوفّى 1278هـ)، فبقى هناك مدة إلى أن أعدّالعدّة
للسفر إلى النجف الاَشرف، فحضر بحوث العلاّمة الاَنصاري، ولمّا لبّى الاَُستاذ
دعوة ربّه حضر بحوث السيد المجدّد الشيرازي.
ويعد شيخنا هذا الحلقة الاَخيرة من تلامذة الشيخ الاَنصاري، وهو في الوقت
نفسه أضاف إلى ما استفاده من أفكار شيخه الاَنصاري، إبداعات وابتكارات جديدة جعلته
صاحب منهج متكامل في الاَُصول، وصاحب مدرسة
![]()
===============
( 443 )
خاصة به، ولولا انّ إبداعاته قد اقتصرت على الاَُصول
ولم تشمل الفقه إلاّ شيئاً يسيراً لجعلناه مبدأ دور جديد.
كان شيخنا المحقّق الخراساني من أعاظم المدرسين يحضر في محاضراته أكثر من
ألف طالب، كما ذكره شيخنا الطهراني في «الذريعة» (1) حيث قال: وقد سمعت
ممّن أحصى تلاميذ شيخنا الاَُستاذ الاَعظم المولى محمد كاظم الخراساني في الدورة
الاَخيرة انّه زادت عدّتهم على الاَلف والمائتين، وكان كثير منهم يكتب تقريراته،
ورأيت تقريراتهم الكثيرة في الكراريس والمجلدات.
ولقد خلّف شيخنا الخراساني ثروة علمية، منها: «كفاية الاَُصول» الذي عليه
محور البحث و الدراسة في الحوزات العلمية، وقد كتب عليها تعليقات وشروح كثيرة.
وتلاه تعليقته على الرسائل، وتعليقته على المكاسب، والكتاب الثالث يتمتع
بتحقيق رائع وعمق واسع.
ابداعاته الاَُصولية
ثمّ إنّ شيخنا المحقّق الخراساني يتفق مع شيخه الاَنصاري في قسم من المسائل
فمثلاً: اتفق معه في عدم صحّة أخذ قصد الاَمر في متعلّقه، لمشاكل في الاَخذ، ولكن
يختلف معه في كثير من المباحث الآتية:
1. انّ الشرط في الواجب المشروط قيد للهيئة عند المحقّق الخراساني، وهو قيد
للمادة عند شيخنا الاَنصاري.
2. العام بعد التخصيص مجاز عند الشيخ الاَنصاري، وهو حقيقة عند
![]()
____________
1 . الذريعة: 4|366، مادة التقريرات.
![]()
===============
( 444 )
المحقّق الخراساني.
3. تقوم الاَمارة مقام القطع الموضوعي الطريقي بنفس دليل حجّيتها عند الشيخ
الاَنصاري، وليس كذلك عند المحقّق الخراساني.
4. الاَُصول العملية لا تجري في أطراف العلم الاِجمالي عند الشيخ الاَنصاري
لاستلزامه وجود التناقض في دليلها، أعني قوله (عليه السّلام) :«لا تنقض اليقين
بالشك ولكن انقضه بيقين آخر».
وليس كذلك عند المحقّق الخراساني، فهو يشاركه في عدم الشمول، لكن لا لاَجل
التناقض في مدلول دليل الاستصحاب بل لاَجل تعارض الاَصلين.
5. يفسّـر الشيخ الاَنصاري الاِمكان في قولهم إمكان التعبّد بالاَمارات
بالاِمكان الاحتمالي، بينما المحقّق الخراساني يفسّره بالاِمكان الوقوعي بمعنى عدم
ترتب المفسدة على إمكان التعبد به.
6. الاستصحاب عند الشيخ الاَنصاري حجّة في الشكّ في الرافع، وليس حجّة في
الشك في المقتضي، ولكنّه حجّة مطلقاً عند المحقّق الخراساني.
7. الاَحكام الوضعية انتزاعية عند شيخنا الاَنصاري كالسببية والشرطية
والجزئية والمانعية، ولكنّها على أقسام ثلاثة عند المحقّق الخراساني.
8. انّالشيخ الاَنصاري يقسم المكلّف الملتفت إلى أقسام ثلاثة: قاطع، وظان،
وشاك في الحكم؛ بينما المحقّق الخراساني جعل التقسيم ثنائياً لا ثلاثياً، وذلك
لاَنّ الظن لو كان حجّة يدخل تحت القطع بالحكم الظاهري، وإن لم يكن حجّة فيدخل تحت
الشك.
إلى غير ذلك من الفروق بين الاَُستاذ والتلميذ في الآراء والمباني.
![]()
***
===============
انتقل شيخنا المحقّق الخراساني إلى رحمة الباري أواخر عام 1329هـ، ولكنّه
ربّى جيلاً كبيراً من فطاحل الفقه والاَُصول، ولكلّ دور فعّال في تطوير الفقه
والاَُصول.
9. العلاّمة المحقّق الشيخ ميرزا محمد
حسين النائيني (1274ـ1355هـ)
أحد أقطاب العلم في النجف الاَشرف، ورافع راية الاجتهاد بعد رحيل أُستاذه
المحقّق الخراساني، وقد استقل بالتدريس وإلقاء المحاضرات بعد رحيله قرابة ربع قرن،
فتخرج على يديه جمع غفير حملوا أفكاره وصاروا مراجع للعلم والفكر بعده.
ترك شيخنا النائيني تراثاً علمياً إمّا بقلمه الشريف، كرسالة «في حكم اللباس
المشكوك» أو بقلم تلامذته، فإنّ أكثر أفكاره في الفقه و الاَُصول دوّنت بقلم لفيف
منهم، و من تلك الآثار:
أ. «فوائد الاَُصول» بقلم الشيخ محمد علي الكاظمي (1309ـ1365هـ) في أربعة
أجزاء.
ب. «أجود التقريرات» بقلم المرجع الديني الاَعلى السيد أبو القاسم الخوئي
(1317ـ1413هـ) في جزءين.
ج. «منية الطالب في أحكام المكاسب» في جزأين بقلم العلاّمة الشيخ موسى
الخوانساري (1303ـ 1365هـ).
وقد كانت الحوزات العلمية الشيعية عامرة بفضل أفكار مترجمنا وتلاميذه، وكان
السيد الخوئي أحد أبرز تلاميذه إذا جلس على منصة التدريس لا يبدأ بالدرس إلاّ بعد
قراءة الحمد على روح أُستاذه المحقّق النائيني أداءً لبعض حقوقه.
![]()
===============
10. ضياء الدين العراقي (1278ـ1361هـ)
هو الشيخ ضياء الدين بن محمد العراقي النجفي، من أكابر تلاميذ شيخنا
المحقّق الخراساني، قد عرف بالذكاء المفرط منذ صباه، حضر بحوث أُستاذه المحقّق
الخراساني وعلا أمره، وعرف بالتحقيق والتدقيق، تخرج على يده عدد كبير من المجتهدين
العظام، منهم: العلاّمة المرجع الاَعلى السيد محسن الحكيم (1306ـ1390هـ)، والسيد
المحقّق العلاّمة السيد حسن البجنوردي (1316ـ 1396هـ) صاحب كتاب القواعد الفقهية.
ترك شيخنا ثروة علمية في الاَُصول باسم «المقالات الاَُصولية»، ودورة فقهية
استدلالية، وقد طبع بعض أجزائها، وهو أحد الاَعاظم القلائل الذين دوّنوا دورة
كاملة في الفقه.
وقد دوّن تلاميذه أفكاره باسم التقريرات، أذكر منهم:
1. «بدائع الاَفكار» للعلاّمة الشيخ ميرزا هاشم الآملي (1323ـ 1414هـ) في
أربعة أجزاء.
2. «نهاية الاَفكار» للعلاّمة الشيخ محمد تقي البروجردي (1316ـ 1391هـ)وهي
دورة كاملة لدروس أُستاذه العراقي في الاَُصول، وطبع منه في حياته المباحث العقلية
ضمن الجزءين الثالث و الرابع من الكتاب، ثمّ طبع الجزءان الاَوّلان في مجلد واحد.
11. الشيخ محمد حسين الاِصفهاني
(1296ـ1361هـ)
هو الشيخ محمد حسين بن محمد حسن الاصفهاني النجفي من تلامذة شيخنا المحقّق
الخراساني، وهو حكيم متألّه، وأُصولي بارع، وفقيه مدقّق، عكف
![]()
===============
على كتبه ودروسه لفيف من الفضلاء العلماء، وربّى
جيلاً كبيراً، منهم:
الف. السيد العلاّمة محمد حسين الطباطبائي (1321ـ1402هـ) الغنيّ عن الاطراء
والتعريف صاحب كتاب «الميزان في تفسير القرآن».
ب. العلاّمة السيد محمد هادي الميلاني (1313ـ 1394هـ): كان رحمه اللّه آية
في الذكاء والدقّة، وله آثار فقهية مطبوعة وغير مطبوعة، وكان زعيماً علمياً في
خراسان منذ هبوطه بها عام 1371هـ.
ج. الشيخ محمد رضا المظفر (1322ـ 1384هـ).
وقد ترك ثروة علمية نذكر منها ما يلي:
1. «نهاية الدراية في شرح الكفاية» طبع في جزءين.
2. التعليقة على مكاسب الشيخ الاَنصاري في جزء واحد.
3. الاجتهاد والتقليد والعدالة.
إلى غير ذلك من الآثار العلمية المذكورة في ترجمته. (1)
12. السيد أبو الحسن الاِصفهاني (1284ـ
1365هـ)
هو السيد أبو الحسن الاِصفهاني زعيم الشيعة في وقته، ومن أشهر مراجعهم
وفقهائهم، أتقن المقدّمات في إصفهان، ثمّ هاجر إلى النجف الاَشرف، وحضر بحث شيخنا
المحقّق الخراساني، واستقل بالتدريس بعده، ورزق ذاكرة وقّادة قلّما ير مثله عند
أقرانه.
ويعد كتابه «وسيلة النجاة» دورة فقهية كاملة، يشمل عامة الكتب الفقهية
![]()
____________
1 . له ترجمة ضافية في مقدمة كتابه «تحفة
الحكيم» و «الاَنوار القدسية» و «تعليقته على المكاسب»، فقد قام الشيخ محمد علي
الاَردوبادي، والشيخ المظفر بترجمة أُستاذهما.
![]()
===============
غير القضاء والشهادات والحدود و الديات، وله حقّعظيم
على الحوزة العلمية في النجف الاَشرف، وقد تسلّم مقاليد الزعامة في عصر عصيب وزمان
كثرت فيه الاضطرابات.
13. الشيخ عبد الكريم الحائري (1274ـ
1355هـ)
هو الشيخ عبد الكريم بن محمد جعفر اليزدي الحائري، تلقّى المقدّمات في
مدينة يزد، ثمّ غادرها إلى النجف الاَشرف، فحضر بحث أُستاذه السيد محمد الفشاركي
(المتوفّى 1315هـ) والمحقّق الخراساني، ثمّاستقل بالتدريس.
ثمّ إنّه (قدس سره) غادر العراق ونزل مدينة أراك عام 1316هـ، فمكث فيها إلى
سنة 1324هـ، وقد كان لاِقامته في تلك المدينة أثر بالغ في تربية جيل جديد للفقه
والاَُصول، ولكنّه سرعان ما انتقل إلى النجف الاَشرف عام 1324هـ، ولما قامت الحركة
الدستورية انشقت عصا الوحدة بين العلماء، فآثر شيخنا مغادرة النجف والاِقامة في
كربلاء المقدسة البعيدة عن هذه الاَجواء السياسية ، ولما كثرت عليه الطلبات للعودة
إلى «أراك» والقيام بوظيفته الرسالية السابقة غادر الحائر الشريف عام 1332هـ فهبط
مدينة «أراك» وأخذ بالتدريس والتربية إلى عام 1340هـ ، وفي هذ السنة غادر المدينة
فهبط مدينة قم حيث عزم الاِقامة فيها.
![]()
***
جامعة قم وعطاوَها
إنّ مدينة قم المقدسة كانت بلدة عامرة بالعلم والفقه منذ القرن الثاني إلى
أواخر القرن الرابع، حيث اكتظت بعباقرة الحديث والفقه والرجال، ومنها انتشر العلم
إلى سائر الاَمصار.
![]()
===============
( 449 )
فالمحدّثون القميّون عرفوا في سماء الحديث والفقه، وكفاك أنّ إبراهيم بن
هاشم، وابنه علي بن إبراهيم، وأحمد بن محمد بن خالد البرقي، وأحمد بن محمد بن عيسى
الاَشعري، ومحمد بن أحمد بن عمران الاَشعري، وغيرهم من جهابذة الحديث والفقه
خرّيجو مدرسة قم، وتركوا مصنّفات ثمينة بقيت مصونة عن حوادث الزمان.
لم يبق تألّق نجم العلم في هذه البلدة على منوال و احد، بل كان له طلوع
وغروب مرّة تلو أُخرى، إلى أن ساق القضاء رجل العلم والفضيلة، مثال الزهد والتقوى،
آية اللّه العظمى الشيخ عبد الكريم الحائري اليزدي ـ قدّس اللّه سرّه ـ إليها عام
1340هـ، فقام بتأسيس الحوزة العلمية فيها، ونفض الغبار عن كاهل حوزتها، ونفث روحاً
جديدة في عروقها، في حين كانت رياح الضلال تعصف في أرجاء العالم كلّه، ووقعت إيران
العزيزة في مهب رياحه، لكن شاءت الاَقدار الاِلهية أن تكون تلك الحوزة العلمية
سدّاً منيعاً أمام التيارات الاِلحادية، ووتداً راسخاً يحول دون الهزة العلمانية،
فأضحت مناراً فيّاضاً يشع نوراً وهداية في قلب الاَُمّة الاِسلامية على وجه تمثل
قول أئمّة أهل البيت (عليهم السلام) في حقّ هذه البلدة
الطيبة:«منها يفيض العلم».
هبط الموَسس آية اللّه الحائري مدينة قم في 22 من شهر رجب المرجب من شهور
عام1340هـ، وتقاطر روّاد العلم إليها من كلّ فجّ عميق، فانتعش العلم ببركته، وخرّج
طليعة من روّاد العلم والعلماء إلى أن لبّى نداء ربّه في أواخر سنة 1355هـ، وبذلك
فقدت الحوزة العلمية زعيمها وموَسسها، ولكن دام عطاء الحوزة العلمية على يد
تلامذته، فقاموا برعاية الجامعة العلمية بعد رحيله على أحسن ما يرام، وأخذوا بزمام
الاَُمور بعزم سديد، ويد من حديد في جو مشحون بأنواع من المحن والشدائد التي كادت
أن تقلع جذور تلك الشجرة المباركة
![]()
===============
( 450 )
الطيبة، ولا غرو أن نذكر أسماءهم إجلالاً للجهود
الثمينة التي بذلوها والعناية التي أولوها:
1. آية اللّه السيد محمد الحجة (1301ـ1372هـ).
2. آية اللّه السيد صدر الدين الصدر (1299ـ1373هـ).
3. آية اللّه السيد محمد تقي الخوانساري (1306ـ1371هـ).
وهوَلاء الاَقطاب الثلاثة كانوا مراجع العلم وأساتذة الحوزة وزعماءها،
صابرين على المحن و الكوارث، غيرمكترثين بما ينتابهم من صروف الدهر، وغير الزمان،
مجابهين ضوضاء الباطل بحكمة عملية وعظة بالغة.وفي الختام نذكر ما تركه شيخنا ـ
المترجم له ـ من آثار علمية في الفقه والاَُصول، ونخص منها بالذكر كتابين مهمين:
أ. «درر الفوائد» وهي دورة أُصولية كاملة كان عليه مدار تدريسه، وقد طبع في
جزءين، وللموَلّف على الكتاب تعليقات علّقها حسب ما بدا له من الآراء الجديدة في
خلال دوراته الاَُصولية.
ب. كتاب «الصلاة» وهو و إن اختص بكتاب الصلاة، ولكنّ فيه بحوثاً علميةً
تتمتع بالعمق، يستفيد منها القارىَ في أبواب أُخر، وقد كان سيدنا البروجردي ـ حسب
ما سمعته منه شفهياً ـ يثني عليه بأنّه مع الاختصار قل نظيره بين موَلّفات
المعاصرين متضمن لمطالب كثيرة.
ثمّ أُتيحت لشيخنا المترجم فرصة تربية جيل كبير من الفقهاء الذين أضحوا
فيما بعد عمد الدين، وأساطين الحوزة، ومراجع للفقه والاَُصول، ولا يمكن في هذه
العجالة الاِشارة إلى أسمائهم، وكفانا في ذلك ما أُلّف في هذا المجال من الرسائل
والكتب، وقد غطى البلاد جل المتخرّجين من هذه الحوزة،
![]()
===============
فما من مدينة إلاّ وفيها خريج من هذه الحوزة المباركة
من تلامذته، أو من المتخرجين على يدي تلامذته، منهم: الاِمام الخميني، وسيد
الطائفة آية اللّه الكلبايكاني، وشيخ الفقهاء آية اللّه الاَراكي (قدس سرهم) .
14. السيد حسين البروجردي (1292ـ1380هـ)
هو السيد حسين بن السيد علي بن السيد أحمد بن السيد علي نقي بن السيد جواد،
أخو بحر العلوم، ولد في بيت عريق في العلم والفضل، وتلقّى المقدّمات في موطنه ثمّ
غادر إلى إصفهان يوم كانت حوزة علمية كبيرة تكتظ بأساتذة ذوي اختصاص في المعقـول
والمنقـول عام 1309هـ، فبقي فيها إلى سنة 1318هـ ثمّ غادرها متوجّهاً إلى النجف
الاَشرف، فحضر بحث المحقّق الخراساني ما يقرب من عشر سنين.
وقد شهد له أُستاذه بالعلم والفقاهة، فلمّا هبط سيدنا المترجم موطنه، عكف
على دراسة الفقه و الاَُصول والرجال وغيرها بعيداً عن الاَجواء المتوترة، فصار ذا
منهج في استنباط الاَحكام وعلم الرجال، ذا أفكار رائعة في المسائل الاَُصولية، قام
(قدس سره) بتدوين الرجال على حسب الطبقـات، فهو أوّل من أحيا ذلك المنهج بعد صاحب
«جامع الرواة» وإن كان هناك فرق بينهما في الاِحاطة وكيفية العرض، وفي مستهل سنة
1364هـ غادر مسقط رأسه إلى قم بعد فترة قصيرة قضاها في طهران لتدهور حالته الصحية،
فاستقبله العلماء بحفاوة بالغة، فعادت روح جديدة في عروق الحوزة، وتجسّدت الآمال
الكبيرة في شخصه وشخصيته وزعامته.
قام السيد بإلقاء الدروس ورعاية الحوزة إلى أن هزّ البلاد الاِسلامية نبأ
وفاة زعيم الشيعة آية اللّه العظمى السيد أبو الحسن الاِصفهاني، في الثامن من ذي
الحجـة الحـرام من شهـور عام 1365هـ (رضـوان اللّه عليه) ومنذ ذلك
![]()
===============
الحين استقطب أنظار الشيعة في كل أرجاء المعمورة،
وتجسدت فيه الزعامة الدينية للشيعة الاِمامية.
وكان ذا ولع خاص بإلقاء الدروس والمحاضرات، وتربية الفقهاء بالرغم من قيامه
بأعباء الزعامة.
وتعبّر محاضراته الفقهية عن نتاج أفكاره، فتطرق في غير واحد من أبواب
الفقه، كالاِجازة، والوصية، والصلاة، والخمس، والطهارة، وغير ذلك.
وأمّا أُصول الفقه فقد جعل محور دراستها كتاب «كفاية الاَُصول» لاَُستاذه
المحقّق الخراساني، فألقى محاضرات في معظم مباحث الاَلفاظ، ثمّ في المباحث
العقلية، فأكمل البحث في القطع والظن والبراءة، وشيئاً من مباحث الاشتغال، حتى
عاقته أُمور الزعامة عن مواصلتها.
كان السيد البروجردي آية في جل العلوم الاِسلامية، فما منعه سبر الغور في
الفقه وأُصوله، عن دراسة المعقول والكلام والتاريخ والرجال، وكان هو الدافع
الرئيسي لانكباب الفضلاء وعلماء الحوزة على محاضراته، مع أنّهم كانوا في الرعيل
الاَوّل من الاَساتذة.
15. السيد الاِمام روح اللّه الموسوي
الخميني
(رحمه الله) (1320ـ 1409هـ)
هو السيد روح اللّه بن السيد مصطفى، الزعيم الاَكبر، والاِمام الاَعظم، أحد
الشخصيات القلائل التي يضنّ بهم الدهر إلاّ في فترات يسيرة.
والكلام عنه وخدماته الجليلة وآثاره ومعطياته للاَُمّة خاصة رهن مقال مسهب
بل كتاب مفرد.
تلقى المقدّمات في موطنه «خمين» ثمّ انتقل إلى أراك عام 1339هـ يوم كان
شيخه المحقّق الحائري زعيماً لحوزة أراك، ولمّا انتقل الاَُستاذ إلى مدينة قم
![]()
===============
( 453 )
غادرها الاِمام الخميني إلى قم، فأقام فيها قرابة 43
سنة أي إلى عام 1383هـ ، فحضر دروس أُستاذه الحائري في الفقه و الاَُصول، كما حضر
دروس الشيخ محمد علي الشاه آبادي في المعقول والعرفان، ولم يقتصر نشاطه العلمي على
هذين الاَُستاذين بل أخذ عن غيرهما وإن كان أكثر استفادته منهما.
ولمّا لبّى المحقّق الحائري نداء ربّه عام 1355هـ استقل بالتدريس في كلا
المجالين المعقول والمنقول، وربّى جيلاً كبيراً في هذه البرهة، ولمّا حلّ السيد
البروجردي بمدينة قم وأضفى على الحوزة نشاطاً علمياً خاصاً، حضر سيدنا الاِمام
الخميني أندية دروسه حضوراً فعالاً للاستفادة من منهل علمه ورحيق فكره، وقد كتب من
دروس السيد البروجردي شيئاً كثيراً. فكتب محاضراته في علم الاَُصول من أوّله إلى
حجّية الظن، وفي الوقت نفسه كان يلقي محاضرات في الفقه وأُصوله، وكانت له حوزة
فقهية كبيرة تضم عدداً كبيراً من الفضلاء.
ترك سيدنا الاِمام الخميني ثروة فقهية كبيرة نشير إلى بعضها:
1. «المكاسب» في خمسة أجزاء تبحث عن:المكاسب المحرّمة، وأحكام البيع،
والخيارات. وهي من جلائل آثاره تتمتع بقوة التعبير، وعمق الفكر.
2. «تحرير الوسيلة»، والاَصل للسيد الاصفهاني وقد أكملها السيد الاِمام
الخميني بتحرير جديد، وصارت رسالة عملية له، وهي تكشف عن إحاطته بالفروع، وقوة
عارضه في إرجاعها إلى الاَُصول.
3. «دورات أُصولية» ألقاها في حوزة قم دورة بعد دورة، أوسطها ما حررناها
ونشرناها تحت عنوان: «تهذيب الاَُصول» في جزءين، وقد أشرف على عامة ما حررته،
فصحّح ما طغى عليه الفكر أو زاغ عنه البصر.
4. وللسيد الاِمام الخميني رسائل فقهية وأُصولية أُخرى مذكورة في ترجمته.
![]()
===============
( 454 )
وله (قدس سره) وراء ما ألّفه في الفقه والاَُصول تآليف أُخرى في الفلسفة
والعرفان والاَخلاق وذبِّ الشبهات عن حياض الاِسلام، فقد كان لكتابه «كشف
الاَسرار» صدى واسع في المحافل العلمية والشعبية، ألّفه رداًعلى بعض الشبهات
المطروحة حول الاِسلام والتشيّع.
كما انّ لكتابه «مصباح الهداية إلى الخلافةوالولاية» مكانة عالية في سماء
العرفان قلَّ نظيره.
وقد قام السيد الاِمام بقيادة الثورة الاِسلامية بعد الاِطاحة بنظام الشاه
ما يربو على 11 سنة ألقى خلالها العديد من المحاضرات السياسية والاجتماعية
والاَخلاقية وقد طبع الجميع باسم «صحيفة النور»في أزيد من عشرين جزءاً.
إنّ شخصية الاِمام الخميني شخصية لامعة أثبت بثورته انّ الاِسلام دين
للماضي والحاضر والمستقبل، وانّه ليس للاِنسان المتحضر بدٌّ إلاّ التمسك بأهداب
ذلك الدين القيم.
وظل الاِمام قائماً بأعباء الزعامة الدينية والسياسية إلى أن وافاه الاَجل
في 29 من شهر شوال المكرم عام 1409هـ، وقد شُيع جثمانه الطاهر تشييعاً جماهيرياً
حاشداً قلّما شهد التاريخ مثله.
وأنا شخصياً أرفع أسمى آيات الاعتذار إلى سماحة أُستاذي الكبير الاِمام
الخميني (قدس سره) فإنّ ما ذكرته هنا ليست ترجمة لحياته أو إشارة إلى جانب من
خدماته، فإنّ هذا رهن كتاب مفرد، وقد قمت بترجمته في مقال مسهب نشر في مجلة «مكتب
إسلام» أيام رحيله قد استوفيت فيه بعض الحقّ.
فَسَلام اللّه عليه يوم ولد ويوم مات ويوم يبعث حيّاً.
![]()
===============
16. السيد أبو القاسم الخوئي (1317ـ1413هـ)
هو السيد الفقيه الكبير، والاَُصولي البارع، السيد أبو القاسم بن السيد علي
أكبر الخوئي، ولد في مدينة «خوي» إحدى مدن إيران، وانتقل مع والده إلى النجف
الاَشرف عام 1330هـ ، فقرأ المقدّمات والسطوح العالية عند أساتذة الفن حتى حضر بحث
الشيخ المحقّق شيخ الشريعة الاِصفهاني عام 1338هـ ، ولمّا التحق شيخ الشريعة
بالرفيق الاَعلى عام 1339هـ اختص بشيخيه الجليلين:
أ. الشيخ محمد حسين النائيني (المتوفّى 1355هـ).
ب. الشيخ محمد حسين الاِصفهاني(المتوفّى 1361هـ).
فقد عكف على دروسهما، وكتب شيئاً كثيراً منها، حتى أصبح أُستاذاً بارزاً
يشار إليه بالبنان في الفقه والاَُصول، واكتظت دروسه برواد العلم والمعرفة، وأصبح
مرجعاًعلمياً، وزعيماً دينياً للطائفة الشيعية بعد رحيل السيد محسن الحكيم (قدس
سره) .
إنّ السيد الخوئي كان صاحب مدرسة في الفقه و الاَُصول، وقد انتشرت عنه
تقريرات ومحاضرات كثيرة لم ينتشر عن أحد قبله، وهذا يعرب عن أنّه كان أُستاذاً
مربياً للجيل، حنوناً، وعطوفاً على التلاميذ، يرعاهم ويرشدهم إلى معالم العلم،
ويذاكرهم، ولا يمل، ويباحثهم ولا يكل.
أمّا ما انتشر بقلمه، فهو عبارة عن الكتب التالية:
1. «أجود التقريرات» في جزءين، تقريراً لمحاضرات أُستاذه المحقّق النائيني.
2. رسالة في «اللباس المشكوك» نشر عام 1361، وهي مفعمة بالتحقيق.
3. «البيان في تفسير القرآن» وهو أحد المصادر لمن يكتب عن علوم القرآن.
4. معجم رجال الحديث في 23 جزءاً وهو من حسنات الدهر.
![]()
===============
( 456 )
وأمّا ما انتشر بقلم تلامذته فحدث عنها ولا حرج، فقد انتشر منها:
أ. «التنقيح» في سبعة أجزاء، لتلميذه المحقّق ميرزا علي الغروي التبريزي
دام ظلّه.
ب. «مستند العروة» وهو شرح استدلالي على العروة الوثقى.
وأمّا ما انتشر عنه في الاَُصول فكثير كـ «مصباح الاَُصول»، «المحاضرات» في
خمسة أجزاء، وغيرها.
توفي (رحمه الله) عام 1413هـ في مدينة النجف الاَشرف.
يعد السيد الخوئي أحد الاَعلام الكبار الذين يقف القلم عند تحليل شخصيتهم،
ولنقتصر بما ذكره تلميذه الطائر الصيت الشيخ محمد جواد مغنية حيث يقول:
السيد الخوئي: عالم لم يقف عند جهة واحدة من جهات العلم والفكر، بل أتقن
منها ما أتقن، وألمّ بما ألمّ، وأحاط وتعمّق في أشرفها وأعظمها حتى أصبح علماً من
أعلامها الاَمثلين، ورائداً من روّادها المقلدين، فقد لبث زمناً يدنو من السبعين
يتعلم ويعلم ويوَلّف ويخرج العلماء ويناقش الجدد منهم والقدماء.
أمّا أُسلوبه في الجدال والنقاش، فهو أُسلوب سقراط يتجاهل ويتظاهر بتسليم
قول الطرف المقابل ثمّ يعرض عليه الشكوك والتساوَلات، ويتصنّع الاستفادة
والاسترشاد، وشأن الطالب والتلميذ، حتى إذا أجاب المسكين ببراءة وسذاجة انقض عليه،
وانتقل به إلى حقائق تلزم أقواله، ولا يستطيع التخلص منها، ويوقعه في التناقض من
حيث لا يشعر، ويحمله قهراً على الاعتراف بالخطأ والجهل.
أمّا الّذين تخرّجوا عليه فلا يعلم عددهم إلاّ اللّه وحده، ولكنّي على علم
اليقين انّهم يعدون بالمئات وانّهم يملاَون جامعة كبرى ومازالوا على ازدياد،
![]()
===============
والآن تنضوي المئات تحت منبره، وفيهم الشيوخ والشباب
والاَساتذة والطلاب والكثير منهم يهضم أفكاره وآراءه بل ويلتهمها بشوق. (1)
17. السيد محمد رضا الكلبايكاني
(1316ـ1414 هـ)
هو السيد محمد رضا بن السيد محمد الكلبايكاني، أحد أكابر تلامذة الشيخ عبد
الكريم الحائري موَسس الحوزة العلمية وأحد المراجع الكبار في عصره، قرأ المقدمات
في موطنه، ثمّانتقل إلى مدينة «أراك» عام 1336هـ وهو في نهاية العقد الثاني من
عمره، وحضر هناك دروس الشيخ الحائري والشيخ محمد تقي الگوگدي، ولما غادر شيخنا
الموَسس إلى مدينة قم المقدسة وحط الرحال فيها، التحق به سيدنا المترجم مستفيضاً
من دروس أُستاذه الكبير، إلى أن قضى شيخنا الحائري نحبه، فاستقل سيدنا بالتدريس
والتأليف.
ولما نزل السيد البروجردي في مدينة قم بدعوة من علمائها لا سيما سيدنا
المترجم، أخذ السيّد يتردد إلى اندية دروسه فقهاً وأُصولاً مدّة مديدة ولمّا وافى
السيد البروجردي الاَجل،عُيّن للمرجعيّة وزعامة الحوزة الدينية وتربية الاَفاضل
والمجتهدين، وقد تزامنت مرجعيته مع ظهور النهضة الاِسلامية الكبرى فساهم فيها مع
أُستاذنا الكبير الاِمام الخميني (قدس سره) مساهمة فعالة بغية ارساء قواعدها، وقد
تحمل في هذا السبيل الكثير من الصعاب والمشاق من قبل السلطات الغاشمة.
ولسيدنا المترجم مصنفات ومشاريع خيرية كثيرة، منها:
1. كتاب الحج، 2. ولاية الفقيه، 3. الشهادات، 4. الدر المنضود في أحكام
الحدود، 5. نتائج الاَفكار، 6. كتاب الطهارة.
وهذه كلّها محاضرات ألقاها في أندية دروسه وحرّرها تلامذته الاَفاضل.
![]()
____________
1 . محمد جواد مغنية: من هنا و هناك:155ـ
156.
![]()
===============
وأما ما يرجع إلى ما ألّفه بقلمه فهو تعليقته على درر الفوائد في علم
الاَُصول وقد طبع في جزءين.
ومن مشاريعه الخيرية:
1. تأسيس دار القرآن الكريم، 2. إنشاء مستشفى كبير في مدينة قم، 3. إنشاء
مركز ديني للجاليات الاِسلامية في لندن، 4. إنشاء مساجد عديدة في أنحاء إيران.
كان سيدنا قائماً بأعباء الزعامة إلى أن وافاه الاَجل يوم الخميس ، الرابع
والعشرين من جمادى الآخرة من شهور عام 1414هـ
وقد شيّع جثمانه الطاهر تشييعاً جماهيرياً حاشداً، ودفن ـ قدس اللّه سرّه ـ
في حرم السيدة معصومة (عليها السلام) .
ميزات الدور السابع
1. كان الدور السابع في الحقيقة إكمالاً للاَُسس التي ورثها الشيخ
الاَنصاري وتلاميذه عن المحقّق البهبهاني ومن أعقبه، فإنّ أكثر ما ورد في كلمات
علماء هذا الدور تجد لها جذوراً في كتب المحقّق البهبهاني وتلاميذه، ولكن مع فارق
جليّ، وهو إعطاء منهجية لتلك الاَُصول وتنظيمها بشكل أضفى عليها شكلاً جديداً أصبح
بذلك يمثل دوراً على حدة.
2. انّ الفقه وإن كان ذا أبواب متعدّدة، كالعبادات والمعاملات والعقود
والاِيقاعات والسياسات، ولكن فقهاء هذا الدور صبّوا اهتماماتهم على العبادات
والعقود بالاَخص المعاملات منها، وتجلّى هذا بشكل واضح في كتاب «المكاسب» للشيخ
الاَنصاري، و«مصباح الفقيه» للمحقّق الهمداني، وتعليقة
![]()
===============
( 459 )
السيد الفقيه اليزدي على المكاسب، وكتاب «العروة
الوثقى» ولا تجد فقيهاً إلاّ وله تأليف في أحدهما.
وبذلك قلّ التصنيف في الاَحوال الشخصية مقارنة بهما وأقل منه ما يرجع إلى
الاَحكام والسياسات، وذلك لاَنّ الفقهاء في أكثر هذه الفترة كانوا بمعزل عن
السياسات والاَحكام وإجراء الحدود.
نعم بعدما قامت الثورة الاِسلامية المباركة في إيران كثر التأليف حول السياسات
والاَحكام، والركب بعد سائر.
3. تبويب المسائل الاَُصولية بشكل قلّ نظيره في الاَدوار السابقة، ثمّ
تقسيمها إلى مباحث الاَلفاظ و المباحث العقلية، وأشبعوا الكلام في الثاني على وجه
لم يكن له نظير في السابق.
نعم بعض ما عدّ من مباحث الاَلفاظ، كباب الملازمات العقلية يلزم أن يعد من
المباحث العقلية كما حقّقناه في محله.
4.ظهور نمط من التأليف في الفقه والاَُصول باسم التقريرات، وهو كالاَمالي
بين القدماء، فإنّ الاَُستاذ كان يملي دروسه فيحرره التلميذ، ثمّ ينشر باسم
الاَُستاذ، كأكثر الاَمالي الموروثة من القدماء، وهذا بخلاف التقريرات، فإنّ
الاَُستاذ يملي والتلميذ يكتب، وينتشر باسم التلميذ مضيفاً إلى أنّ المحتوى من
الاَُستاذ.
وأمّا عدد التقريرات التي دونت من عصر شيخنا الاَنصاري إلى يومنا هذا ممّا
لا يحصيه إلاّ اللّه سبحانه، كما ذكره شيخنا الطهراني في «الذريعة».
5. ظهور رسائل عملية بلغات مختلفة ليرجع إليها المسلمون في أعمالهم الدينية
والدنيوية، وأفضل ما أُلّف في هذا المضمار هو:
![]()
===============
أ. «العروة الوثقى» للسيد الفقيه محمد كاظم اليزدي الطباطبائي (قدس سره) .
ب. «وسيلة النجاة» للسيد أبو الحسن الاِصفهاني (قدس سره) .
ج.«منهاج الصالحين»للسيد الحكيم (قدس سره) .
د. «تحرير الوسيلة» للسيد الاِمام الخميني (قدس سره) .
هـ. «تكملة منهاج الصالحين» للسيد الخوئي (قدس سره) .
و. «توضيح المسائل »وعليها التعليقات.
وخصوصية هذه الرسائل انّها تشتمل على آراء الفقيه بصورة مختصرة دون أن
يتطرّق إلى الاستدلال في كافة الجوانب المادية والمعنوية.
الميزة الجامعة بينها هي الدقة والعمق وكثرة التفريع ممّا خلف تراثاً
فقهياً ضخماً تفتخر به الشيعة قلّ نظيره عند المذاهب المختلفة.
المراكز العلمية في هذا الدور
تمتعت أكثر البلدان في هذا الدور بحوزات علمية فقهية كبرى، إلاّ أنّ
المراكز المهمة التي نشطت فيها عبارة عن الحوزات التالية:
1. حوزة النجف الاَشرف المدرسة الكبرى للشيعة.
2. حوزة كربلاء المقدسة.
3. حوزة سامراء.
4. حوزة إصفهان.
5. حوزة خراسان.
6. حوزة تبريز.
![]()
===============
( 461 )
وأخيراً حوزة قم التي أسّسها الزعيم الديني الاَكبر الشيخ عبد الكريم
الحائري (قدس سره) مضافاً إلى الحوزات العلمية للشيعة في الهند وباكستان ولبنان
والشام وغيرها التي كانت عامرة بعلمائها وفضلائها، وبذلك لا يتمكن أي أحد من أداء
حق هذا الدور على وجه يليق به.
هذه إلمامة عابرة بالاَدوار الفقهية للشيعة الاِمامية، وكان الطريق وعراً
غير مذلّل ولا معبّد لكن سلكناه ـ بفضل اللّه سبحانه ـ بعزم راسخ، آملين أن يقع
مورد القبول.
![]()
تمّ الكتاب بقلم موَلفه جعفر
السبحاني
في صبيحة يوم الاَحد المصادف
خامس ربيع الثاني عام 1418هـ
في موَسسة الاِمام الصادق (عليه
السّلام)
للدراسات والاَبحاث الاِسلامية
في مدينة قم المقدسة صانها اللّه
من عوائد الدهر.
وآخر دعوانا أن الحمد للّه
ربّالعالمين
![]()