ومن فقهاء الشافعية في هذا الدور
1. القاضي أبو حامد أحمد بن بشر المروزي، من أصحاب أبي إسحاق، صنّف كتاب
الجامع، وهو محيط بالاَُصول والفروع، آت على النصوص والوجوه، وهو عمدة عند أصحاب
الشافعي، وشرح مختصر المزني. توفي عام 362هـ.
2. أبو القاسم عبد الواحد بن الحسين الصيمري، كان حافظاً للمذهب، حسن
التصنيف، وبه تخرّج جماعة منهم الماوردي، ومن تصانيفه: «الاِفصاح» في المذهب،
«الكفاية»، «القياس والعلل» وكتاب صغير في أدب المفتي والمستفتي، وكتاب في الشروط
. توفي عام 386هـ.
3. أبو إسحاق إبراهيم بن علي الفيروزآبادي الشيرازي، صاحب «التنبيه»
و«المهذب» في الفقه، و«النكت» في الخلاف و«اللمع» وشرحه و«التبصرة» في أُصول
الفقه، و«الملخّص» و«المعونة» في الجدل، وله مناظرات مع أبي عبد اللّه الدامغاني
الحنفي. توفي سنة 476هـ.
4. أبو نصر عبد السيد بن محمد المعروف بـ «ابن الصباغ» صاحب «الشامل»
و«الكامل» و«عدّة العالم والطريق السالم» و«كفاية السائل»و«الفتاوى» انتهت إليه
رئاسة الشافعية ببغداد. توفي عام 487هـ.
5. أبو المعالي عبد الملك بن عبد اللّه الجويني، المعروف بـ«إمام الحرمين»،
تفقّه على والده، وصار إمام نيسابور في الفقه والاَُصول والكلام، وجاور مكة أربع
سنين، ومن هنا لقب بإمام الحرمين، ولمّا عاد إلى نيسابور بنى له نظام الملك
المدرسة النظامية، ومن تصانيفه:«النهاية» في الفقه، و«البرهان» في أُصول الفقه،
و«مغيث الخلق» في ترجيح مذهب الشافعي. توفي سنة 478هـ.
6. حجة الاِسلام، أبوحامد محمد بن محمد بن محمد الغزالي، ولد بطوس عام
450هـ، وتفقّه عند إمام الحرمين، وجدَّ حتى برع في المذهب
![]()
===============
والخلاف والجدل والاَصلين والمنطق، وقرأ الحكمة
والفلسفة، وبعد وفاة إمام الحرمين ذهب إلى بغداد، وتولّى تدريس النظامية بها، صنّف
في المذهب:«البسيط» و«الوسط» و«الوجيز» و«الخلاصة»، وفي أُصول الفقه: «المستصفى»
و«المنخول» و«بداية الهداية» و«المآخذ» في الخلافيات و«شفاء العليل في بيان مسائل التعليل»
وغير ذلك من الكتب في علوم شتى. توفي بطوس عام 505هـ. (1)
![]()
* * *
ومن فقهاء الحنابلة في هذا الدور
1. أبو الوفاء علي بن عقيل بن محمد بن عقيل بن أحمد البغدادي (431ـ 513هـ)
له تصانيف كثيرة، منها:«التذكرة» وكتاب «الفنون» وله في الفقه كتاب «الفصول»
ويسمّى «كفاية المفتي» في عشرة مجلدات، و«عمدة الاَدلّة»، وكتاب «المفردات»، وكتاب
«الاِشارة» وكتاب «المنشور». (2)
2. محفوظ أحمـد بن الحسـن بن أحمـد الكلوذانـي (432 ـ 510هـ) أبو الخطاب
البغدادي، أحد أئمّة المذهب وأعيانه ، من تصانيفه:«الهداية»و«الخلاف الكبير»
المسمّى بـ«الانتصار في المسائل الكبار» والخلاف الصغير المسمّى بـ«روَوس المسائل»
وله أيضاً كتاب «التهذيب» في الفرائض و«التمهيد» في أُصول الفقه. (3)
3. محمـد بن عبـد اللّه بن محمـد بن الحسين السامري (535 ـ 616هـ) ويلقّب
نصير الدين، وتفقّه على ابن حكيم، ولازمه مدّة، وبرع في الفقه والفرائض، وصنّف
فيها تصانيف مشهورة، منها:«المستوعب» وكتاب «الفروق»
![]()
____________
1 . محمد الخضري بك: تاريخ التشريع
الاِسلامي: 266 ـ 270.
2 . سير أعلام النبلاء: 19|443؛ الفتح
المبين: 2|12 ـ 13، وغيرهما.
3 . سير أعلام النبلاء: 19|348 برقم 206؛
الاَعلام: 5|291.
![]()
===============
وكتاب «البستان» في الفرائض. (1)
4. مجد الدين أبو البركات عبد السلام، بن عبد اللّه بن أبي القاسم بن تيمية
(المتوفّى 652هـ) شيخ الحنابلة، وله تصانيف، منها: «المحرر» و«أطراف أحاديث
التفسير» و«أُرجوزة في علم القراءات» و «الاَحكام الكبرى» في عدّة مجلّدات،
و«المنتقى من أحاديث الاَحكام»، و«منتهى الغاية في شرح الهداية».(2)
حصر المذاهب في الاَربعة
لاذت الاَُمّة الاِسلامية بعد رحيل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) إلى الصحابة
والتابعين ثمّ الفقهاء بغية الاِجابة عن المشاكل والعوائق التي تواجهها في أُمور
الدين والدنيا في برهة لم يكن للمذاهب الاَربعة أي أثر يذكر ولم يكن العمل في ظل
فتوى الفقهاء آنذاك خلافاً للكتاب والسنّة.
فإذا كان هذا واقع الاَمر فليس هناك أي دليل على حصر المذاهب الفقهية في
الاَربعة، ومن حصرها فإنّما تم بدافع سياسي لا ديني، وعليه فالحصر لا يستند إلى
دليل شرعي لكي يكون الخروج عنه أمراً غير مشروع.
وممّن أرّخ لحصر المذاهب وانّه تم بدافع سياسي هو المقريزي في كتابه
«الخطط» قائلاً: استمرت ولاية القضاة الاَربعة من سنة 665هـ حتى لم يبق في مجموع
أمصار الاِسلام مذهب يعرف من مذاهب الاِسلام غير هذه الاَربعة، وعودي من تمذهب
بغيرها، وأُنكر عليه، ولم يول قاضٍ، ولا قبلت شهادة أحد، ولا قدّم للخطابة
والاِمامة والتدريس أحد ما لم يكن مقلّداً لاَحد هذه المذاهب، وأفتى فقهاء هذه
الاَمصار في طول هذه المدة بوجوب اتباع هذه المذاهب وتحريم ماعداها، والعمل على
هذا إلى اليوم.(3)
____________
1 . سير أعلام النبلاء: 23|291 برقم 198؛
الاَعلام: 4|6.
2 . المقريزي: الخطط: 2|344.
3 . المقريزي: الخطط: 2|344.
![]()
===============
( 89 )
أقول: إنّ قوله: «وتحريم ماعداها» يكشف بوضوح عن أعظم المصائب التي حلّت
بالاِسلام حيث لم يسمع أحد من المسلمين ممن عاشوا في القرنين الاَوّلين اسم
المذاهب أبداً، فكانوا بالنسبة إلى الاَحكام الفرعية في غاية من السعة والحرية،
كان يقلّد عامّيهم من اعتمد عليه من المجتهدين، وكان المجتهدون يستنبطون الاَحكام
من الكتاب والسنّة على موازينهم المقرّرة عندهم في العمل بالسنّة النبوية، فأي شيء
أوجب بعد هذا التاريخ على عامة المسلمين: العامي المقلّد والفقيه المجتهد، أن لا
يخرج عن نطاق تقليد الاَئمّة الاَربعة في الاَحكام الشرعية؟! وبأي دليل شرعي صار
اتّباع أحد المذاهب الاَربعة واجباً مخيّراً والرجوع إلى ماوراءها حراماً معيناً،
مع علمنا بأحوال بعض المذاهب من بدئها وكيفية نشرها وتأثير العوامل لا سيما
السياسية في تقدّم بعضها، كما أفصح عن بعض ذلك ما ذكره ابن الفوطي في «الحوادث
الجامعة ص 216 في وقائع سنة 645هـ يعني قبل انقراض بني العباس بإحدى عشرة سنة في
أيام المستعصم الذي قتله هولاكو سنة 656هـ. (1)
أمّا ما ذكره المقريزي فهو لا يعني شروع الحصر في هذه السنّة في مصر،
وإنّما كان يرجع جذوره إلى العراق، فقد ذكر ابن الفوطي في كتابه «الحوادث الجامعة»
عند ذكر فتح المدرسة المستنصرية: انّه قسمت الاَرباع، فسلم ربع القبلة الاَيمن إلى
الشافعية، والربع الثاني يسرة القبلة إلى الحنفية، والربع الثالث يمنة الداخل إلى
الحنابلة، والربع الرابع يسرة الداخل للمالكية، وأُسكنت بيوتها وغرفها واجري لهم
الجراية الوافرة عملاً بشرط الواقف، ثمّ نهض نصير الدين وأرباب الدولة والحاضرون
وكان يومئذٍ الخليفة جالساً في الشباك الذي في
![]()
____________
1 . راجع تاريخ حصر الاجتهاد لشيخنا
العلاّمة الطهراني: 104.
![]()
===============
( 90 )
صدر الاِيوان ينظر جميع ماجرت الحال عليه. (1)
هذا ما يذكره ابن الفوطي عند افتتاح المدرسة المستنصرية عام 631هـ، ويذكر
في حوادث 645هـ: أُحضر مدرسو المستنصرية إلى دار الوزير، وتقدم إليهم أن لا يذكروا
شيئاً من تصانيفهم، ولا يلزموا الفقهاء بحفظ شيء منها، بل يذكروا كلام المشايخ
تأدّباً معهم وتبرّكاً بهم، وأجاب جمال الدين عبد الرحمن بن الجوزي مدرس الحنابلة
بالسمع والطاعة، ثمّ مدرس المالكية سراج الدين عبد اللّه الشرمساحي، وقال: ليس
لاَصحابنا تعليقة، فأمّا النقط من مسائل الخلاف فمما أرتبه، فبان بذلك عذره، وأمّا
شهاب الدين الزنجاني مدرس الشافعية وأقضى القضاة عبد الرحمن بن اللمغاني مدرس
الحنفية فإنّهما قالا ما معناه: إنّ المشايخ كانوا رجالاً ونحن رجال، ونحو ذلك من
إيهام المساواة فانهيت صورة الحال، فتقدم الخليفة أن يلزموا بذكر كلام المشايخ
واحترامهم، فأجابوه بالسمع والطاعة. (2)
فسواء أكان العامل لانحصار المذاهب الاَربعة هم الفقهاء كما يظهر من
المقريزي في عبارته السابقة، أو من الخليفة العباسي كما يظهر من عبارات ابن
الفوطي، فهذا العمل كان بخساً لحقوق سائر الاَئمة والمذاهب، كما انّه عدّ إهانة
للسابقين الذين كان ديدنهم العمل بفتاوى غير الاَئمّة الاَربعة.
وقد نقل الاَُستاذ محمد مصطفى المراغي شيخ الاَزهر في رسالة له باسم «البحث
في التشريع الاِسلامي»: انّ ابن الصلاح عثمان بن عبد الرحمن بن عثمان الشهروزي
شارح الوسيط في فقه الشافعية، المدرس بدار الحديث، والمتوفّى بها سنة 642هـ انّه
أفتى بحرمة الخروج عن تقليد الاَربعة مستدلاً له
![]()
____________
1 . عبد الرزاق بن الفوطي البغدادي:
الحوادث الجامعة: 58.
2 . المصدر السابق: 217.
![]()
===============
( 91 )
بإجماع المحقّقين. (1)
ويظهر من كتاب «تهذيب الاَنساب ونهاية الاَعقاب» تأليف السيد النسابة أبي
الحسن محمد بن محمد بن علي بن الحسن الحسيني الموسوي انّ فكرة الحصر للمذاهب كانت
في أوائل القرن الخامس في عصر خلافة القادر باللّه.
وقال: اشتهر على ألسنة العلماء انّ العامة في زمن الخلفاء لمّا رأوا تشتّت
المذاهب في الفروع واختلاف الآراء، إلى أن يقول: وذلك بعينه على نهج تفرّق أقوال
النصارى وطبق تشتّت أحوال هوَلاء دين الحيارى بعد غيبة نبيّهم عيسى، وعلى وفق وفور
الاَناجيل وظهور كثير من الاَقاويل وشيوع غفير الاَباطيل، فلمّا تحيّروا في ذلك
احتالوا بالاِجماع على صحّة الاَناجيل الاَربعة، أعني: إنجيل متى، ومرقس، ولوقا،
ويوحنا؛ وبطلان الباقي منها والقول بعدم صحته، فأسّسوا في الفروع على الظن
والحسبان والتشهّي والاستحسان على ما أوضحناه في القسم الثاني من كتابنا الموسوم
بـ «وثيقة النجاة» وبيّناه أيضاً في بعض رسائلنا المعمولة في ردّ تلك الكفرة
الغواة.
وقال ـ بعد كلام له ـ : آل أمر الشيعة إلى ما آل في العمل بقول الآل السادة
الاَنجاب، والعامة قد جوّزوا الاجتهاد في المذهب ولم يجوّزوا الاجتهاد عن المذهب،
حتى أنّهم لم يجوّزوا تلفيق أقوال هوَلاء الاَربعة، والقول في بعض المسائل بقول
بعض الاَربعة وفي بعض الآخر من المسائل بقول الآخر منهم، وشدّدوا في ذلك الباب و
سدّوا سائر الاَبواب، وشيّدوا الحبال والاَطناب على نحو ما ذكرناه مشروحاً في
القسم الثالث من كتاب «وثيقة النجاة» واستمروا على هذا الرأي إلى يومنا هذا، ولم
يخالفهم أحد منهم في تلك الاَعصار المتمادية سوى محيي الدين العربي الصوفي المعروف
المعاصر للفخر الرازي حيث
![]()
____________
1 . نقله شيخنا الطهراني في كتابه تاريخ
حصر الاجتهاد:108.
![]()
===============
خالفهم هو في عمل الفروع فتارة يقول بقول واحد من
هوَلاء الاَئمّة الاَربعة في مسألة، ويقول في مسألة أُخرى بقول الآخر، فيلفّق بين
أقوال الاَربعة، وتارة يخترع في بعض المسائل وينفرد بقول لم يدخل في تلك
الاَقاويل. (1)
مضاعفات حصر المذاهب
وقد أعقب حصر المذاهب في الاَربعة استيلاء الجمود والركود على الفقهاء منذ
منتصف القرن السابع الهجري، فلم يكن لهم بُدّ إلاّ السير على ضوء هذه المذاهب، وإن
أدركوا بذكائهم أنّ الحقّ في غيرها، وربما امتلكوا موَهلات فكرية لو استخدموها في
استنباط الاَحكام لوصلوا إلى ما لم يصل إليها السابقون.
أمّا باب الاجتهاد، عند الشيعة فهو مفتوح على مصراعيه فلم يغلق منذ فتح
بابه، وقد أنجبت المدرسة الشيعية العديد من المجتهدين والفقهاء إلى يومنا هذا، قد
أحيوا الشريعة وأنقذوها من الانطماس والانكماش، فافتوا بحرمة تقليد المجتهد الميت
ولزوم الرجوع إلى المجتهد الحي،وصار هذا سبباً لانتعاش الاجتهاد وراج سوقه في
الجامعات الاِسلامية، واكتظت برواد العلم، فلم يزل المجتهد الحي مقلّداً يأخذ
بزمام الاَُمور إلى أن يفارق الحياة، فيقوم مقامه مجتهد آخر يرجع إليه الناس في
أُمور دينهم ودنياهم، وبذلك صار الفقه الشيعي يساير سنن الحياة وتطوّرها، وصارت
النصوص الشرعية في ظل الاجتهاد حيّة مرنة نامية متطوّرة تتمشى مع نواميس الزمان
والمكان، فلا جمود حتى يباعد الدين عن الدنيا ولا العقيدة عن الحياة.
وفي هذا تذكرة للمفكّرين من أهل السنّة في أن يقوموا بإنهاض الفقه وإنعاشه
حتى يواكب مستجدات الزمان.
![]()
____________
1 . رياض العلماء: 4|33 و 34، ذيل ترجمة
الشريف المرتضى.
![]()
===============
( 93 )
إنّ لزوم فتح باب الاجتهاد في أعصارنا هذه أمر واضح لا يحتاج إلى البرهنة،
إذ نحن في زمن نواجه الحوادث والمستجدات التي تتطلب لنفسها حلولاً،ونحن أمام أحد
الطرق التالية:
1. بذل الوسع في استنباط أحكامها على ضوء الكتاب والسنّة وسائر الاَُصول
الشرعية.
2. اتباع المبادىَ الغربية من غير نظر إلى مقاصد الشريعة.
3. الوقوف دون إعطاء حكم لها.
ومن الواضح انّ المتعيّن هو الاَوّل.
الاجتهاد في مذهب خاص ليس اجتهاداً مطلقاً
إنّ الاجتهادعبارة عن بذل الجهد في استنباط الاَحكام عن أدلّتها الشرعية،
سواء أوافق حكم مجتهد متقدّم عليه أم لا ، فلا يكون المجتهد مجتهداً مطلقاً إلاّ
إذا تحرّر عن كلّ رأي مسبق إلاّ الالتزام بالاَدلّة الشرعية، وأمّا الاجتهاد في
مذهب خاص، كمذهب أبي حنيفة أو الشافعي، فليس اجتهاداً مطلقاً، وإنّما هو بذل جهد
لتشخيص رأي كلّ إمام في موضوع خاص.
نعم ربما يعزى الاجتهاد المطلق إلى الغزالي في القرن الخامس، وأبي طاهر
السلفي في القرن السادس، وعز الدين بن عبد اللّه السلام، وابن دقيق العيد في القرن
السابع، وتقي الدين السبكي وابن تيمية في القرن الثامن،وجلال الدين السيوطي في
القرن التاسع، ولكن الحقّ انّ ما قاموا به لا يتجاوز في نظر المنهج العلمي الحديث
باب الفتوى ولا يدخل في شيء من الاجتهاد، بل لا يعدو في الواقع إلاّ الخروج عن
إطار المذهب الواحد دون اجتياز حدود المذاهب الاَربعة.
ولا أدري لماذا أُقفل هذا الباب وإن تفلسف في بيان وجهه بعض الكتاب
![]()
===============
المعاصرين حيث قال: لم يكن مجرد إغلاق باب الاجتهاد
باجتماع بعض العلماء وإصدار قرار منهم، وإنّما كانت حالة نفسية واجتماعية، وذلك
انّهم رأوا غزو التتار لبغداد وعسفهم بالمسلمين، فخافوا على الاِسلام، ورأوا
أنّأقصى ما يصبون إليه هو أن يصلوا إلى الاحتفاظ بتراث الاَئمّة ممّا وضعوه
واستنبطوه. (1)
والحقّ انّ ما ذكره الكاتب ليس شيئاً يركن إليه، فإنّ حياة الفقه، وبعث
الروح في شريانه، وحفظ التراث الفقهي رهن مدارسته ومذاكرته ونقاشه، فاللّه سبحانه
هو القادر أن يهب للخلف ما وهب للسلف من ذكاء وفطنة ومقدرة علمية لفهم الكتاب
والاِحاطة بالحديث ورد الفروع إلى الاَُصول، فلماذا يقف الخلف مكتوف الاَيدي أمام
السلف؟!
وقد استشعر بعض المفكّرين والكتاب المعاصرين في العصر الحاضر بلزوم إعادة
الروح إلى الفقه من خلال فتح باب الاجتهاد المطلق ليكون مواكباً لازدهار الحضارة
وتقدّمها.
يقول محمد علي السايس: ومهما يكن من العوامل التي اختلف أثرها في الفقه،
فقد استقر في تلك المذاهب المشهورة،وأخذ سبيله بين الناس في حدود تلك المذاهب، وإن
اختلفت هي رواجاً أو كساداً بين مقلّديها وفي الاَقطار التي استوطنتها.
ومع أنّ التقليد وصل بالناس في نهاية أمرهم إلى تمسّك كلّ فريق بمذهب إمامه
وإسرافهم في التعصّب له وحبسهم الجهود على كتب علمائه، فقد نشطت في مصر حياة علمية
جديدة، وثارت لها في عصرنا هذا همم فتية رغبت عن ذلك التعصب الجاحد، وحفظت لكل
مذهب حرمته ـ مراعية انّ المذاهب
![]()
____________
1 . أحمد أمين: رسالة الاِسلام، العدد
الثاني من السنة الثالثة.
![]()
===============
التي عليها جمهور المسلمين راجعة كلّها إلى أصل واحد،
وهو دين اللّه الحق ومستمدة من بحر واحد هو كتاب اللّه وسنّة رسوله (صلى
الله عليه وآله وسلم) وعمل أسلافنا ـ نظروا إلى ذلك، وإلى أنّ الناس كثيراً ما يتعرّضون للحرج،
وتلتوي عليهم السبل كلّما جدت بهم حاجة شخصية أو اجتماعية ووقفوا بها عند مذهب
معيّن، على حين أنّهم لا يجدون في ذلك المذهب منفذاً للتخلص منها ولا حيلة في
تفاديها.
فلم يرق للمصلحين من رجال العلم أن يدعوا الاَمر على هذا الجمود البغيض،
ويتركوا الناس يجأرون بالشكوى من كلّ جانب ولم يكن بدّمن العمل على تقريب مسافات
الخلف بين المذاهب المشهورة والاتجاه بالناس إزاء حاجاتهم إلى التماس المخرج في
غير المذهب الذي يلتزمونه متابعة للشريعة في رفقها، واقتباساً من سماحتها وسيراً بالناس
في أحداثهم ومقتضيات زمنهم على ضوء الاِسلام الحنيف. (1)
وقد شعر بما ذكره غيره، فقام الاَُستاذ علي منصور المصري مستشار مجلس
الدولة السابق لمحكمة القضاء الاِداري بنشر مقال مبسوط حول فتح باب الاجتهاد،
نشرته مجلة رسالة الاِسلام في عددها الاَوّل من السنة الخامسة، ومن أراد فليرجع
إليها. وقد اقتبسنا شيئاً منه في كتاب مفاهيم القرآن. (2)
المرجع هو الكتاب والسنّة
إنّ الواجب علينا العمل بالكتاب والسنّة، ورأي المجتهد واستنباطه سبيل إلى
العلم بما فرضه اللّه، فإذا توفرت شرائط الاِفتاء في المجتهد على النحو المقرّر في
علم الاَُصول، فلا فرق بين مجتهد دون مجتهد، ومذهب دون آخر.
![]()
____________
1 . محمد على السايس:تاريخ الفقه
الاِسلامي: 129.
2 . السبحاني: مفاهيم القرآن: 3|275 ـ 278.
![]()
===============
( 96 )
فالاِلزام بالتمذهب بمذهب فقهي معيّـن بدعة مخالفة للاَُصول، والاَُمة
الاِسلامية جرت منذ أمد طويل على الاَخذ بفتاوى الفقهاء الذين سبقوا أصحاب المذاهب
الاَربعة، وكان هذا ديدنهم إلى أن تدخلت السياسة في ذلك المضمار فألغت سائر
المذاهب الفقهية وأضفت الرسمية على الاَربعة منها فقط.
وهناك كلمة لابن قيم الجوزية جاء فيها:
لا واجب إلاّ ما أوجبه اللّه ورسوله، ولم يوجب اللّه ولا رسوله على أحد من
الناس أن يتمذهب بمذهب رجل من الاَُمّة فيقلده دينه دون غيره، وقد انطوت القرون
الفاضلة مبرأة مبرأ أهلها من هذه النسبة ـ إلى أن قال: ـ وهذه بدعة قبيحة حدثت في
الاَُمّة لم يقل بها أحد من أئمّة الاِسلام، وهم أعلى رتبة وأجل قدراً، واعلم
باللّه ورسوله من أن يلزموا الناس بذلك، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب
بمذهب عالم من العلماء، وأبعد منه قول من قال: يلزمه أن يتمذهب بأحد المذاهب
الاَربعة.
فياللّه العجب! ماتت مذاهب أصحاب رسول اللّهص ومذاهب التابعين وتابعيهم
وسائر أئمّة الاِسلام و بطلت جملة، إلاّمذاهب أربعة أنفس فقط من بين سائر الاَئمّة
والفقهاء.
وهل قال ذلك أحد من الاَئمّة، أو دعا إليه، أو دلّت عليه لفظة واحدة من
كلامه عليه؟ والذي أوجبه اللّه تعالى ورسوله على الصحابة والتابعين وتابعيهم هو
الذي أوجبه على من بعدهم إلى يوم القيامة. (1)
كان الناس أحراراً في تقليد المذاهب التي صحت عن أصحابها إلى أن تدخلت
السلطة في حصر المذاهب بالاَربعة، كما عرفت من ابن الفوطي
![]()
____________
1 . إعلام الموقعين عن رب
العالمين:4|262ـ263.
![]()
===============
( 97 )
والمقريزي.
وهنا سوَال يطرح نفسه:
وهو انّه يجب على المسلم العمل وفق المذهب الذي قام الدليل على حجيته بينه
و بين اللّه، فهل هناك دليل على حجّية كل واحد من تلك المذاهب؟ وهل هناك خبر مرسل
فضلاً عن مسند يتصل بالنبي (صلى الله عليه وآله وسلم) يضفي الحجية فيها
على واحد من تلك المذاهب؟
وهل جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) تلك المذاهب مرجعاً
دينياً بعد رحيله على الرغم من الفاصل الزماني السحيق بينه (صلى
الله عليه وآله وسلم) وبين أصحاب تلك المذاهب؟ ولو افترضنا انّ النبي أضفى الحجية على ما يُروى
عن الصحابة من الفتاوى، فهو مختص بفتاوى الصحابة ولا يعم أصحاب تلك المذاهب.
إنّ من له أدنى إلمام بالفقه يقف على أنّ أكثر ما يروى عن هوَلاء من الآراء
ليس مأخوذاً من الكتاب والسنّة، وإنّما هي آراء استخرجوها في ظل مقاييس ظنّية،
وقواعد استحسانية يدور أمرها بين الصواب والخطأ، فما الدليل على اتّباع قولهم على
الاِطلاق في غير ما كان فيه نص الكتاب والسنّة؟
نعم جعل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) الكتاب والعترة
مرجعاً بعد رحيله ، وجعل ذكر العترة في الصلوات بعد ذكر اسمه «اللّهم صلِّ على
محمد وآل محمد»، وقال في غير موقف من المواقف:«إنّي تارك فيكم الثقلين: كتاب اللّه
وعترتي» فما وجه العدول إذن عنهم والرجوع إلى الاَخذ بآراء وأفكار غيرهم؟
فلو صرفنا النظر عمّا ذكرنا وافترضنا جواز العمل بجميع المذاهب الاِسلامية
الفقهية من غير فرق بين مذهب ومذهب، فلماذا يُفرز المذهب الفقهي الشيعي الاِمامي
عن سائر المذاهب مع أنّه له مقوّمات وأُسس وأُصول يعتمد عليها كسائر المذاهب
الفقهية«وكلّهم من رسول اللّه مقتبس» ؟فالاَولى
![]()
===============
( 98 )
النظر إلى جميع المذاهب بعين واحدة، كما عليه أصحاب
السماحة والفضيلة من أعلام السنّة.
سأل سائل شيخ الاَزهر ـ المغفور له ـ شلتوت، فقال لفضيلته:
إنّ بعض الناس يرى أنّه يجب على المسلم لكي تقع عباداته ومعاملاته على وجه
صحيح أن يقلّد أحد المذاهب الاَربعة المعروفة، وليس من بينها مذهب الشيعة
الاِمامية ولا الشيعة الزيدية، فهل توافقون فضيلتكم على هذا الرأي على إطلاقه،
فتمنعون تقليد مذهب «الشيعة الاِمامية الاثني عشرية» مثلاً؟
فأجاب فضيلته:
1. إنّ الاِسلام لا يوجب على أحد من أتباعه، اتباعَ مذهب معين، بل نقول:
إنّ لكل مسلم الحق في أن يقلّد بادىَ ذي بدء أي مذهب من المذاهب المنقولة نقلاً
صحيحاً، والمدوّنة أحكامها في كتبها الخاصة، ولمن قلّد مذهباً من هذه المذاهب أن
ينتقل إلى غيره ـ أي مذهب كـان ـ ولا حرج عليه في شيء من ذلك.
2. إنّ مذهب الجعفرية المعروف بـ «مذهب الشيعة الاِمامية الاثني عشرية»
مذهب يجوز التعبّد به شرعاً كسائر مذاهب أهل السنّة.
فينبغي للمسلمين أن يعرفوا ذلك، وأن يتخلّصوا من العصبية بغير الحق لمذاهب
معينة، فما كان دين اللّه وما كانت شريعته بتابعة لمذهب، أو مقصورة على مذهب،
فالكلّ مجتهدون مقبولون عند اللّه تعالى يجوز لمن ليس أهلاً للنظر والاجتهاد
تقليدهم والعمل بما يقرّرونه في فقههم، ولا فرق في ذلك بين العبادات والمعاملات. (1)
____________
1 . رسالة الاِسلام: السنة الحادية عشرة،
العدد الثالث الموَرّخ محرم سنة 1379هـ.
![]()
===============
ميزة الدور الثالث
يعلم ممّا سبق ميزات هذا الدور وأهمها ترجع إلى:
1. نشاط حركة التخريج والترجيح المذهبية مقروناً بالتعصّب المذهبي.
2. إقفال باب الاجتهاد وتكريم الاَئمّة.
3. تدوين المذاهب بصور مختلفة.
4. تأسيس علم الاَُصول على أيدي رجال كبار، وشيوع مناظرات مذهبية بين
رجالات المذاهب.
تعليق على مقال
إنّ الشيخ محمد زاهد الكوثري (1296ـ1371هـ) كتب في مقال تحت عنوان:«اللا
مذهبية قنطرة اللا دينية» وقد ندّد بالذين يرون فتح باب الاجتهاد المطلق، وكسر حصر
المذاهب في الاَربعة بكلام طويل ليس له محصل إلاّما يلي:
فمن يدعو الجمهور إلى نبذ التمذهب بمذاهب الاَئمّة المتبوعين لا يخلو من أن
يكون من الذين يرون تصويب المجتهدين في استنباطاتهم كلّها بحيث يباح لكلّ شخص غير
مجتهد أن يأخذ بأي رأي من آراء أي مجتهد من المجتهدين بدون حاجة إلى الاقتصار على
آراء مجتهد واحد يتخيّره في الاتّباع.
فيرد عليه ما قاله أبو إسحاق الاِسفراييني عن تصويب المجتهدين مطلقاً:
أوّله سفسطة وآخره زندقة، لاَنّأقوالهم تدور بين النفي والاِثبات، فأنّى يكون
الصواب في النفي والاِثبات معاً ؟
![]()
===============
( 100 )
وأمّا إن كان ذلك الداعي إلى نبذ التمذهب يعتقد في الاَئمة المتبوعين أنّهم
من أسباب وعوامل الفرقة والخلاف بين المسلمين، وانّ المجتهدين في الاِسلام إلى
اليوم كلّهم على خطأ، وانّه يستدرك عليهم في آخر الزمن الصواب الذي خفي على
الاَُمّة منذ بزوغ شمس الاِسلام إلى اليوم، فهذا من التهوّر والمجازفة البالغين
حدّ النهاية. (1)
أقول: إنّ ما ذكره الكوثري في تفسير الشقين ليس على صواب، فأمّا الشق
الاَوّل، فهو ما يعبّـر عنه في الاَُصول والكلام بالمصوبة، ومعناه انّ كلّ حكم لم
يرد فيه نص في الكتاب والسنّة، فقد فوّض اللّه حكمه إلى المجتهدين، فما حكم به
المجتهد فهو حكم اللّه، وفي مثل ذلك لا مانع من اجتماع النفي والاِثبات، لاَنّ
امتناع اجتماعهما فيما إذا كان لحكم اللّه وراء اجتهاد المجتهد واقع مستقل، ففي
مثله لا يمكن أن يكون كلّ من النفي والاِثبات صحيحاً.
وأمّا إذا لم يكن هناك واقع محفوظ كما هو الحال فيما لا نصّ فيه، فكل جهد
بذل لاستنباط الحكم فهو حقّ نسبي في حقّه وحقّمقلّديه، وليس كذلك بالنسبة إلى
مجتهد آخر ومقلّديه، و التصويب بهذا المعنى وإن كان باطلاً عند الشيعة الاِمامية،
ولكن لا يرد عليه ما ذكره أبو إسحاق الاسفراييني وتبعه الكوثري بلا تأمل، ولا مانع
حينئذٍ من اجتماع النفي والاِثبات.
وأمّا الشقّ الثاني ، فهو ما يعبّر عنه بالمخطئة وعليه جمهور الفقهاء
خصوصاً الشيعة الاِمامية، ومعناه انّ المجتهد قد يصيب وقد يخطىَ، فللاَوّل أجران
وللثاني أجر واحد، وانّه ليس في الشريعة الاِسلامية حادث ليس لحكمه دليل في
الشريعة، وليس الدليل منحصراً في الكتاب والسنّة.
وعلى ضوء ذلك فكلّ الاَحكام لها دليل غير انّ المجتهد ربما يصيبه
![]()
____________
1 . مقالات الكوثري:223ـ225.
![]()
===============
( 101 )
وربما لا يصيبه هذا هو معنى المخطئة، وليس معناه «انّ
المجتهدين في الاِسلام إلى اليوم كلّهم على خطأ، وانّه يستدرك عليهم في آخر الزمن
الصواب الذي خفي على الاَُمّة منذ بزوغ شمس الاِسلام إلى اليوم»، فإنّ هذا التفسير
مجازفة وتهوّر بلا مسوغ.
وحصيلة الكلام: أنّ الاِسلام لم يفرض على مكلّف تقليد أحد الاَئمّة
الاَربعة، فلو قلنا بأنّه يجوز تقليد مجتهد، حياً كان أو ميتاً يجوز تقليد كلّ من
أراد من المجتهدين الماضين إذا كان مذهبه الفقهي واصلاً إلى المكلّف عن طريق
معتبر، وإن قلنا بشرطية الحياة في المجتهد، فعلى كلّ مكلّف أن يقلّد أي مجتهد حي،
وعلى أُصول الاِمامية بما انّ تقليد الميت باطل من رأس، كما انّتقليد الاَعلم فرض
ومعه لا يجوز تقليد غيره، فيجب على كلّ مكلّف تقليد المجتهد الحي الاَعلم حتى
تجتمع كلمة المسلمين على مجتهد واحد ويتبعه جميع المسلمين.
أقول: إنّ شيخنا الكوثري من أفذاذ الاَُمّة ومن المتبحّرين في التتبع، ولكن
مقاله هذا نشأ من تعصّبه للاَئمّة الاَربعة وبالاَخص لاِمام مذهبه أبي حنيفة،
ولولا ذلك الحجاب لما سمّى الخروج عن حصر المذاهب في الاَربعة قنطرة اللا دينية.
![]()
===============
( 102 )
أدوار
الفقه السنّي
4
الدور
الرابع
عصر
الانحطاط الفقهي
(أواسط
القرن السابع ـ أواخر القرن الثالث عشر)
إنّ كلّ ظاهرة من الظواهر سرعان ما تأخذ بالحركة نحو الكمال، وتتدرّج في
مدارج الترقّي، ثمّتبتلى بعوامل تعوقها عن سيرها وتحدّ من نشاطها ممّا يجعلها
تراوح في مكانها لا تتقدّم قيد أنملة.
وهكذا الظاهرة الفقهية لم تكن مستثناة من هذه الضابطة، فقد شلّت حركتها في
الدور الرابع، وراوحت في مكانها، وأصابها الانحطاط في هذا الدور، فصارت مصداقاً
لقوله سبحانه: "ثُمَّ جَعَلَ مِنْ
بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعفاً وَشَيْبَة"
. (1)
هذا الوضع المزري الذي وصل الفقه إليه يكمن في
الاَوضاع والظروف الخارجية التي أحاطت بالفقه والتي منها الوهن والضعف الذي أصاب
الخلافة الاِسلامية من جرّاء انقسامها إلى دويلات وحكومات، وما أعقبه من هجمات
شرسة من قبل أعداء الاِسلام من الوثنيين والمسيحيين المتحالفين على تمزيق الجسد
الاِسلامي المتمثل آنذاك في الخلافة العباسية حتى أنشبت الصليبية
![]()
____________
1 . الروم:54.
![]()
===============
( 103 )
مخالبهـا في الوطن الاِسلامي في أوائل
القرن السادس، فأشعلت حروباً طاحنة راح ضحيتها آلاف من المسلمين، وكان الانتصار
فيها حليف الصليبيين تارة والمسلمين أُخرى، وبينما كان الجسد الاِسلامي مثخناً
بالجراح إذ واجهته حملات أشرس من ذي قبل من قبل الوثنيّين المغول من الشرق،
فاجتاحوا المدن الاِسلامية الآمنة، واستولوا على زهرتها بغداد، فأراقوا دماءً
كثيرة، وأحرقوا المكتبات الاِسلامية، وقتلوا العلماء، فأضحت البلاد الاِسلامية تحت
نير المغول في الشرق، و الصليبية في الغرب.
فإذا كان هذا حال البلاد من الدمار والفوضى والهلع،
فقد انعكست تلك الظروف المتدهورة على الفقه الاِسلامي، فتخلّف عن عجلة الحضارة.
هذا هو ابن الاَثير يصوّر لنا الدمار الذي خلّفته تلك الحروب، قائلاً: وقد بلي
الاِسلام والمسلمون في هذه المدة بمصائب لم يبتل بها أحد من الاَُمم، منها هوَلاء
التتار أقبلوا من المشرق، ففعلوا الاَفعال التي يستعظمها كل من سمع بها، ومنها
خروج الاِفرنج من المغرب إلى الشام، وقصدهم ديار مصر، وملكهم ثغر دمياط منها،
وأشرفت ديار مصر والشام وغيرها على أن يملكوها لولا لطف اللّه ونصره عليهم. (1)
ففي هذا الدور أخذ الفقه بالانحطاط، و انتهى الاَمر
به إلى الجمود، وساد الفكر التقليدي المغلق والاكتفاء بنقل كلّ ما في الكتب
المذهبية، دون مناقشة، وطفق يتضاءل ويغيب ذلك النشاط الذي كان يحرّكه التخريج
والترجيح والتنظيم في فقه المذاهب، وأصبح طالب الفقه يدرس كتاب فقيه معين من رجال
مذهبه، فلا ينظر إلى الشريعة وفقهها إلاّ من خلال سطوره بعد أن كان قبلاً يدرس
القرآن والسنّة وأُصول الشرع ومقاصده.
![]()
____________
1 . الكامل في التاريخ:12|360.
![]()
===============
( 104 )
وقد أصبحت الموَلّفات الفقهية أواخر هذا العصر
اختصاراً لما وجد من الموَلفات السابقة، أو شرحاً لها، فانحصر العمل الفقهي في
ترديد ما سبق ودراسة ألفاظها وحفظها.
وفي هذا الدور اكتفى الفقهاء بكتابة المتون والشروح
والتعليق عليها.
كان الاَمر على هذا المنوال حتى تألّق نجم الحضارة
الغربية، فانتقل التشريع الوضعي إلى الاَوساط الشرقية، فصار هناك تلاقح بين
الحضارتين، فظهر للفقه نشاط في الجامعات و المعاهد الدينية وهذا ما سنذكره في
الدور الخامس.
نعم تنفّس المسلمون منذ منتصف القرن التاسع الصعداء
باستيلاء أقوام منهم على مدينة القسطنطينية التي صارت فيما بعد عاصمة إسلامية،
فازدهر الاِسلام وقويت شوكته، وصار للفقه أيضاً إقبال وازدهار.
فإذا كانت سيادة روح التقليد على العلماء وعدم الخروج
عن نصوص الاَئمّة الاَربعة من مميزات الدور الثالث، فيكون الحال في هذا الدور نفس
ما سبق، لكن بوضع أسوأ، فقد تنحّى الفقه عن مكانته العالية وأُصيبت الحركة الفقهية
بالشلل الكامل، وقلّما نجد في هذا الدور تصنيفاً أوكتاباً للفقه إلاّ الشيء اليسير
من الذين كسروا طوق التقليد، ومع ذلك كلّه فالطابع العام المخيِّم على الفقه هو
روح التقليد والجمود والهرم، ومع أنّه ابتلي بما ابتلي به الفقه في الدور الثالث
ولكن وجد فيهم علماء أحرار، نشير إلى أسماء بعضهم:
1. العز بن عبد السلام (577ـ660هـ).
2. تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن تيمية (مع ما فيه
من الانحراف في العقائد) (661ـ 728هـ).
3. شمس الدين محمد بن أبي بكر بن قيم الجوزية
(المتوفّى751هـ).
![]()
===============
( 105 )
4. تقي الدين أبو الحسن علي بن القاضي السبكي (683 ـ
756هـ).
5. عبد الوهاب بن علي بن الكافي السبكي (727 ـ 771هـ).
6. أحمد بن علي بن حجر العسقلاني (773 ـ 852هـ).
7. جلال الدين السيوطي(848ـ911هـ).
8. شيخ الاِسلام أبو يحيى زكريا بن محمد الاَنصاري
(823 ـ 926هـ).
9. أحمد بن محمد بن علي بن حجر الهيتمي (909ـ 974هـ).
ولكن هذا المقدار من العلماء الاَكابر قليل جداً
بالنسبة إلى عظم الرقعة الاِسلامية، وسعة مدارسها، وكثرة المترجمين عنها.
يقول الاَُستاذ مصطفى الزرقاء: ففي هذا العصر ساد
الفكر التقليدي المغلق، وانصرفت الاَفكار عن تلمس العلل والمقاصد الشرعية في فقه
الاَحكام إلى الحفظ الجاف، والاكتفاء بتقبل كلّ ما في الكتب المذهبية دون مناقشة.
إلى أن قال: وفي أواخر هذا الدور حلَّ الفكر العامي
محل الفكر العلمي لدى كثير من متأخري رجال المذاهب الفقهية.
وقد شاعت كنتيجة لذلك طريقة «المتون» في التآليف
الفقهية وأصبحت هي الطريقة السائدة العامة، وحلت كتب المتأخرين فيها محل كتب
المتقدمين القيمة في الدراسة الفقهية.
وطريقة المتون هذه يعمد فيها المتأخرون إلى وضع
مختصرات يجمعون فيها أبواب العلم كلها في ألفاظ ضيقة يتبارون فيها بالايجاز، حتى
تصل إلى درجة المسخ أو الاَلغاز، وتكاد كل كلمة أو جملة تشير إلى بحث واسع أو
مسألة تفصيلية، كمن يحاول حصر الجمل في قارورة ! ويسمى هذا المختصر «متناً» .
![]()
===============
ثم يعمد موَلف المتن نفسه، أو سواه، إلى وضع «شرح»
على المتن لايضاح عباراته، وبسط تفاصيل مسائله، والزيادة عليها.
ثم توضع من قبل آخرين تعليقات على تلك الشروح تسمى
«الحواشي» ثم توضع على تلك الحواشي ملاحظات تسمى «تقريرات». (1)
ميزة الدور الرابع
ولعلّ القارىَ لا يحتاج إلى تبين ميزة هذا الدور،
فإنّ سيادة الفكر التقليدي انتجت كثرة كتب الفتاوى الرسمية حسب ما طرحت عليهم من
المسائل، وقد وجد من كتب الفتاوى في هذا الدور ما كان وما يزال من أهم المراجع
الفقهية، كالفتاوى الستارخانية، والخانية والبزازية والحامدية والهندية.
![]()
____________
1 . مصطفى الزرقاء: المدخل الفقهي
العام:1|186ـ187.
![]()
===============
أدوار الفقه السنّي
5
الدور
الخامس
عصر
إعادة النشاط الفقهي
(أواخر
القرن الثالث عشر إلى يومنا هذا)
ظهور
الدولة العثمانية
كان الركب الفقهي ينحو هذا المنحى إذ ظهرت الدولة
العثمانية في المشرق، وامتد سلطانها حتى فتحت القسطنطينية في عهد السلطان محمد
الفاتح، ثمّ وحدت معظم بلاد المسلمين ونشرت الاِسلام إلى منتصف أُوربا، فصار
للمسلمين شوكة، وقوة برية وبحرية، ولكن بما انّ المذهب الرسمي الذي اتّخذته الدولة
العثمانية هو المذهب الحنفي لم يكن هناك أي إنهاض للهمم في سبيل كسر طوق الجمود عن
كاهل الفقه، فانصبت الهمم إلى اختصار الكتب، أو شرحها، أو التعليق على الشروح،
وهكذا؛ ممّا أضعف ملكة الاجتهاد والتخريج، وأدّى إلى التقهقر والانحطاط أكثر ممّا
سبق.
وقد أعان على ذلك الخصومات البارزة بين أتباع المذاهب
الاَربعة لا سيما انّ المناصب والوظائف كانت مختصة بالاَحناف دون سائر المذاهب.
![]()
===============
( 108 )
وثمة حقيقة لا يمكن إنكارها، وهي انّ الركب الفقهي
إذا تحرّك في فلك الدولة، فيكون استثماره لصالح الدولة ومقاصدها، فتكون الفتاوى
طبقاً للاَهداف المنشودة، ومثل هذا لا يتيح للفقه تكاملاً حقيقياً.
وأمّا إذا كان العامل لدفع عجلة الفقه نحو الاَمام هو
العامل الذاتي النفسي، فلا محالة يستثمر العلم بأحسن ما يمكن وتنصبُّ الجهود في
اقتناص الحقائق، وكشف المجهولات، والاِجابة عن المستجدات حسب ما يرشد إليه الدليل.
وهذا هو سرّ خلود «الفقه الاِمامي الاثني عشري»
وتكامله عبر القرون، فلم يكن للركب الفقهي فيه وقفة بارزة في قرن من القرون كما
سيوافيك بيانه.
هذه هي الاَدوار التي مرّبها الفقه السنّي، وهي أدوار
خمسة، غير أنّموَرّخي الفقه السنّي حاولوا أن يكشفوا دوراً سادساً، وهو دور
التجديد وإعادة النشاط الفقهي إلى الحياة العصرية، وذكروا انّ مبدأه هو تأليف مجلة
الاَحكام للدولة العثمانية في أواخر حياتها، أي سنة 1286 هـ ،وإليك بيانه:
الاتصال الوثيق بين الدولة العثمانية والدول الغربية
دفع الدولة إلى تدوين قوانين في مجموعة تكون دستوراً رسمياً للدولة في العدل
والقضاء، فوضعت اللجنة في السنة1286هـ مجلة «الاَحكام العدلية»بصفة قانون مدني عام
من الفقه الحنفي، وقسّمتها إلى كتب، وكلّ كتاب إلى أبواب أوّلها البيوع وآخرها
القضاء بالترتيب التالي:
البيوع، الاِجارات، الكفالة، الحوالة، الرهن،
الاَمانات، الهبة، الغصب، الاتلاف، الحجر والشفعة، الشركات، الوكالة، الصلح
والاِبراء، الاِقرار، الدعوى، البيّنات، التحليف والقضاء.
![]()
===============
( 109 )
فشكل فبُذِرت فيما بعد النواة الاَُولى لتطوير الفقه
في هذا العصر ومابعده، وتابعته إنشاء المجامع الفقهية ومجالس الافتاء، وقيام
العلماء بالاجتهاد في المسائل المستجدة والوقائع الجديدة، فاجتهدوا في موضوعات
متعدّدة مثل: التأمين، والشركات، والاَسهم،وزكاة الاَسهم، وأطفال الاَنابيب، وموت
الدماغ، والتشريح، وقامت الدعوة إلى الاجتهاد الجماعي مقام الاجتهاد الفردي.
ثمّ تلاها إقامة الندوات الفقهية والموَتمرات
القانونية، فصار في ذلك إنهاض للهمم في سبيل تطوير الفقه السنّي وإخراجه من حيز
الجمود إلى الحركة ومسايرة الاَحداث المستجدة، ولم يزل الركب سائراً على هذا
الطريق.
هذا هو تاريخ الفقه السنّي وأدواره حسب ما يناسب
المقام و من يطلب التفصيل، فعليه الرجوع إلى المصادر أدناه . (1)
ويتلوه الكلام في أدوار الفقه الشيعي بإذن منه سبحانه.
![]()
____________
1 . راجع موسوعة النظم والحضارة
الاِسلامية للدكتور أحمد شلبي في أجزاء، والجزء السابع مختص بتاريخ التشريح
الاِسلامي، وتاريخ النظم القضائية في الاِسلام، الفكر السامي في تاريخ الفقه
الاِسلامي تأليف محمد بن الحسن الحجوي الثعالبي في جزءين، المدخل الفقهي العام
للاَُستاذ مصطفى أحمد الزرقاء، تاريخ الفقه الاِسلامي للدكتور محمد يوسف موسى.
![]()
===============
العهد
التأسيسي للتشريع(1)
بعث النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) وسط
مجتمع أُمّي، والاَُمّي من لا يحسن القراءة والكتابة، منسوباً إلى الاَُم باقياً
على الحالة منذ يوم ولدته أُمّه، وكان عدد من يجيد القراءة والكتابة من قريش عند
ظهور الاِسلام لا يتجاوز سبعة عشر شخصاً، كما لا يتجاوز أحد عشر شخصاً بين الاَوس
و الخزرج في المدينة. (2)
وهذا هو الاِمام علي (عليه السّلام) يصف
التخلّف الثقافي الذي فشا في تلك البيئة، بقوله: «إنّ اللّه بعث محمداً (صلى
الله عليه وآله وسلم) وليس أحد من العرب يقرأ كتاباً ولا يدّعي نبوة، فساق
الناس حتى بوّأهم محلّتهم،وبلّغهم منجاتهم، فاستقامت قناتهم، واطمأنّت صفاتهم».
ولم يقتصر التخلّف على الصعيد الثقافي، بل شملت كافة
الاَصعدة الاَخلاقية والاجتماعية، وكانت حياتهم حياة قَبَليّة لا يحكمهم القانون،
ولا يسود بينهم العدل، فهذا هو التاريخ يحكي لنا انّ رجلاً من زبيد دخل مكة
المكرمة في شهر ذي القعدة، وعرض بضاعة له للبيع، فاشتراها منه العاص بن وائل، وحبس
عنه حقّه، فاستعدى عليه الزبيدي قريشاً، فطلب منهم أن ينصروه على العاص، وقريش
آنذاك في أنديتهم حول الكعبة، فنادى المشتكي بأعلى صوته وقال:
![]()
____________
1 . قد سبق أنّ العهد التشريعي خارج عن
أدوار الفقه مطلقاً سنّياً كان أم شيعياً.
2 . البلاذري : فتوح البلدان: 457.
![]()
===============
( 111 )
يا آل فهر لمظلوم
بضاعتُه * ببطن مكة نائي الدار والنفر
ومحرم أشعث لم يقض عمرتَه * يا للرجال وبين الحجر
والحجر
انّ الحرام لِمَنْ تمّتْ كرامته * ولا حرام لثوب
الفاجر القذر (1)
وتكمن عظمة النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) في أنّه
صنع من هذه الاَُمّة المتخلّفة، أُمّة متحضّـرة سائرة في ركاب الحضارة، وأوجد
مدينة فاضلة قلّما يشهد التاريخ لها من نظير.
كانت الجزيرة العربية غاصة بالفساد من كافة الجوانب،
فكان يسودهم الشرك وعبادة الاَوثان، و وأد البنات، وقتل الاَولاد، والاِغارة، وقتل
النفس، والبخس في الميزان، إلى غير ذلك من مساوي الاَخلاق ورذائلها.
وإصلاح أُمّة كهذه، رهن أمرين:
الاَوّل: التشريع الكامل.
الثاني: المنفذ الحاذق الذي يكون في مستوى التشريع
الكامل.
وماهذا الانقلاب الحضاري الذي طرأ عليهم إلاّبفضل
هذين الاَمرين.
ومن وقف على آيات الاَحكام في القرآن يجد فيها غزارة
المادة، وروعة التشريع، وشمولها للعبادات والمعاملات والاِيقاعات والسياسات،
فنستعرض الموضوعات التي تبنّاها القرآن بالتشريع.
فمن العبادات: الصلاة، والصوم، والحج، و العمرة.
ومن المعاملات: البيع، والربا، و العقود كلّها.
ومن الاِيقاعات: الطلاق، والاِيلاء، والظهار، والوصية.
ومن السياسات: القصاص،والحدود، كحد الزاني والقاذف
والسارق وقطّاع الطرق، ويلحق به الجهاد بشتّى أقسامه، والعهود، والمواثيق المنعقدة
بين
![]()
____________
1 . البداية والنهاية: 1|290؛ السيرة
الحلبية: 1|132.
![]()
===============
( 112 )
الحاكم الاِسلامي وخصومه، وأسرى الحرب،
وغنائمها.
هذه نماذج من نظام التشريع القرآني الذي عدّ رصيداً
في بناء الحضارة الاِسلامية وإعادة الاِنسان إلى الحياة الحرّة الكريمة ، وقد
اعترف أعداء الاِسلام بهذه الحقيقة، قال الدوزي: «وبعد ظهور الذي جمع قبائل العرب
أُمّة واحدة، تقصد مقصداً واحداً، ظهرت للعيان أُمّة كبيرة، مدّت جناح ملكها من
نهر تاج إسبانيا إلى نهر الجانج في الهند، ورفعت على منار الاِشادة أعلام التمدّن
في أقطار الاَرض، أيام كانت أوروبا مظلمة بجهالات أهلها في القرون المتوسطة، ثمّ
قال: إنّهم كانوا في القرون المتوسطة مختصين بالعلوم من بين سائر الاَُمم، وانقشعت
بسببهم سحائب البربرية التي امتدت إلى أُوربا حين اختل نظامها بفتوحات المتوحشين».
وبما انّا استوعبنا الكلام في العهد التأسيسي للفقه
في الجزء الاَوّل عند البحث عن الكتاب والسنّة، فنقتصر في المقام بهذا المقدار .
![]()