الفهرست التفصيلي

حوارية الغسل

ها نحن اليوم سنتحاور في الغسل، وسأخرج عما قليل بعد نهاية محاورتي هذه، مزهواً بما تعلمته اليوم، متباهياً بما افدته، فرحاً بما اوتيته، فتطهير الجسد من أدرانه يستهويني، وربما أضفى عليه حبي للماء، وولهي به، وعشقي له، طعماً إضافياً آخر، بنكهة محببة لم تكن لو لا الماء لترد أو تكون، فأنا عاشق للماء قديم، أحببته مذ كنت طفلاً، أتراشق به مع أبي، وأكركر، كلما سنحتلي فرصة اللعب به، والغطس فيه، والتسلي بضربه برفق على صفحة وجهه، والفرح بملاعبته. وإذ تهيأت لي فرصة تعلم السباحة ـ والسباحة مستحبة كما قال لي أبى ـ كنت أظما للماء كلما أبعدت عنه قسراً ظمأ ربما قارب ظمأ سمكة ولهى أبعدت بفضاضة عن صدر حبيبها الماء قسوة وغلظة وشراسة وعسفاً.

نعم أنا كلف بالماء، مولع به، منذ اكتشفت انه وحده المطهر والمنظف ـ والنظافة من الإيمان ـ اغسل به جسدي، وبه اغتسل، وسيشرح لي أبى هذا اليوم كيف أغتسل.

الغسل.. قال أبي قسمان: ترتيبي وإرتماسي..

ـ وما الارتماسي؟

ـ ان تغمس جسدك بالماء دفعة واحدة.

ـ والترتيبي؟

ـ يكفي أن تغسل رأسك ورقبتك وشيئاً مما يتصل بها من البدن أولاً، ولا تنس غسل أذنيك من الخارج والداخل، ثم تغسل جسمك مبتدئاً بجانبك الأيمن وبعضاً مما يتصل به من الرقبة وبعضاً من الجانب الأيسر. ثم تثنّي وتغسل جانبك الأيسر، وشيئاً مما يتصل به من الرقبة وشيئاً من الجانب الأيمن، ولا يجب ان يكون غسلك لبدنك بعد تمام الرأس، لكن يجب أن تبدأ بالرأس.

ـ وهل للغسل من شروط؟

ـ يشترط فيه ما اشترط في الوضوء من نية التقرب إلى الله، وهو لا يحصل مع غصب الماء والمكان مع الالتفات إلى ذلك، كما يشترط فيه طهارة الماء وإطلاقه وطهارة أعضاء الجسد، ويشترط البدء بالرأس في الغسل الترتيبي ويشترط أن يباشر المغتسل غسله بنفسه ـ إن أمكنه ـ وان لا يكون هناك مانع من استعمال الماء شرعاً كالمرض (راجع حوارية الوضوء) ولكنه يختلف عن الوضوء في أمرين:

ـ وهما؟

ـ الأول: لا يشترط في غسل كل عضو هنا أن يكون غسله من الأعلى إلى الأسفل كما كان في الوضوء.

الثاني: لا يشترط في الغسل هنا الموالاة والتتابع كما كان في الوضوء، فيمكنك أن تغسل الرأس والرقبة، ثم تغسل بقية جسدك بعد فترة حتى لو جف رأسك ـ قبل أن تحدث ـ كما انك في الوضوء حين تغسل وجهك وتمر على شعر حاجبيك مثلاً تغسل ظاهرهما، وحين تمسح رأسك تمسح ظاهر الشعر منه، بينما يجب في الغسل أن توصل الماء إلى بشرة الرأس، وكذلك في شعر الحاجبين والشارب واللحية، ثم انه..

ـ ثم ماذا؟

ـ ثم أن غسل الجنابة يغني عن الوضوء.

ـ معنى هذا إني إذا اغتسلت للصلاة فلا أتوضأ بعد الغسل.

ـ نعم، تصلي بغسلك رأساً بلا وضوء. كما انه إذا اجتمعت عليك أغسال متعددة كغسل الجنابة والجمعة مثلاً جاز لك أن تغتسل غسلاً واحداً بقصد الجميع، أو لك ان تنوي غسلاً واحداً ـ كالجنابة مثلاً ـ فيغنيك عن الجميع.

ـ وإذا احتاجت المرأة إلى غسل الجنابة وغسل الحيض والجمعة مثلاً؟

ـ يمكنها أن تغتسل غسلاً واحداً بنية الجميع، أو تنوي غسلاً واحداً منها فيكفيها ذلك عن الجميع.

أضاف أبي..

سأذكر لك ملاحظات تنفعك في غسلك..

تأكد من أنك أزلت كل أثر للسائل المنوي كان على جسدك قبل أن تبدأ بالغسل.

تدخل المرافق للتبول قبل أن تبدأ بالغسل، لتخرج بقايا السائل المنوي مع البول.

يجب أن تزيل كل حاجب أو حائل يمنع وصول الماء إلى البشرة كالصمغ مثلاً، أما إذا تعذر أو تعسر عليك إزالته [فاجمع بين المسح عليه والتيمم].

إذا اعتراك شك أثناء الغسل تعتني به وتغسل المكان الذي شككت في غسله، وإذا كان شكك بعد الفراغ من الغسل فلا تعره أيّ اهتمام.

ـ غسل الجنابة والحيض والنفاس والاستحاضة والموت ومس الميت هذه كلها أغسال واجبة سبق أن حدثتني عنها، ولكنه مر عليّ في الحوار غسل أسميته أنت (غسل الجمعة) فهل هناك أغسال أخرى لم تذكرها لي؟

ـ نعم، هناك أغسال أخرى كثيرة، ولكنها مستحبة غير واجبة سأعدد لك بعضها..

أ - غسل الجمعة وهو مستحب مؤكد..ووقته يوم الجمعة من طلوع الفجر إلى الظهر، ولكنه بعد الزوال يكون بنية القضاء.

ب - غسل ليلة عيد الفطر.

خ - غسل يومي العيدين (الفطر والأضحى)، ووقتهما من طلوع الفجر إلى الظهر.

د - غسل اليوم الأول ، وليلة السابع عشر وليلة التاسع عشر وليلة الحادي والعشرين وليلة الثالث والعشرين من شهر رمضان المبارك.

هـ - غسل الوليد عند ولادته.

وهناك غيرها كثير مما لا يسع المجال في هذه العجالة لذكره.

ـ بقي أن أسألك سؤالي الأخير، وهو؛ إذا اغتسلت وانتهى كل شيء ثم خرجت بقايا سائل منوي بعد ذلك؟

ـ يجب عليك الغسل ثانية حتى ولو خرج السائل المنوي بدون شهوة وبدون ملاعبة، كما إذا لم تستبرء بالبول بعد جنابتك قبل أن تغتسل، أو علمت بكونه منياً ولو في غير تلك الصورة.

الفهرست التفصيلي

حوارية التيمم

حين قال أبي سنتحدث يوماً عن التيمم، أحسست أن هذه الكلمة ليست غريبة عليّ، بل هي أليفة ودافئة، غير أني ـ ساعتها ـ لم أستطع تحديد سبب هذا الدفء ومنشأ تلك العذوبة، وسر نكهة ذاك العطر.

وما أن حلّ يوم الحوار حتى اكتشفت علة تلك الألفة المحببة، فلفظة (التيمم) سبق أن قرأتها وسمعتها وأنا أتلو القرآن الكريم، أو أستمع إليه مقروءً بصوت أحد مقرئيه المشهورين، فقد عودني أبي أن أقرأ كل يوم من كتاب الله العزيز ما يتيسر لي قراءته، وقد درجت على هذا المنوال كل يوم تقريباً.. أقرئه فيتطيب بتلاوته فمي، وقلبي، ورئتاي، وذاكرتي. وأتدبره فأعيد على هداه ترتيب قناعاتي وأولوياتي، وأقوّم وفق نهجه أبجديات سلوكي وتصرفاتي في مجتمعي، ومع أفراد أسرتي، ومعارفي، وإخواني وأصدقائي.

ولكني رغم اكتشافي لألفة تلك المفردة وطيبها، إلا أني لم أتمكن من استحضار الآية القرآنية الكريمة التي تضمنتها، ولا استذكار اسم السورة التي وردت فيها، ولذلك فقد بدأت حواري اليوم بالسؤال التالي.

ـ أبي..لقد حاولت استحضار اسم السورة التي وردت فيها لفظة (التيمم) فلم تسعفني ذاكرتي.

ـ إنها سورة (النساء)، قال تعالى: (وإن كنتم مرضى أو على سفر أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء فلم تجدوا ماءً فتيمموا صعيداً طيباً فامسحوا بوجوهكم وأيديكم إن الله كان عفوّاً غفوراً).

لقد بينت الآية الكريمة ـ كما تلاحظ ـ متى، وبماذا، وكيف نتيمم، ولنبدأ بهنّ واحدة واحدة..

ـ ومتى يا أبي أتيمم؟

ـ تتيمم عوضاً عن الغسل، أو الوضوء، وبدلاً عنهما في مواضع منها:

1 - إذا لم تجد من الماء ما يكفيك للغسل أو الوضوء ، كلّ في محله.

2 - إذا وجدت الماء، ولكنه كان مما يحرم التصرف به، كما إذا كان مغصوباً مثلاً.

3 - إذا خفت على نفسك العطش، أو على من يهمك أمره ممن يتعلق بك كأهلك وعيالك، بل حتى حيواناتك التي يهمك أمرها.

4 - إذا كان يجب صرف الماء في غير الوضوء والغسل، كتطهير المسجد أو تطهير البدن أو الثياب للصلاة، أو كان هناك نفس يجب إنقاذها من التلف نتيجة العطش، فإن ذلك كله مقدم على الوضوء والغسل.

5 - إذا خفت على نفسك الضرر من استعمال الماء في الغسل أو الوضوء، لأن استعماله يسبب مرضاً، أو يطوّره ويعقّده، أو يطيل أمد شفائه، ولم يمكنك المسح على (الجبيرة).

ـ وما الجبيرة..؟

ـ سأحدثك عنها تفصيلاً في حواريتنا القادمة.

ـ عرفت الآن متى أتيمم، ولكن بماذا أتيمم؟

ـ تتيمم بوجه الأرض من تراب، أو رمل، أو حجر، أو حصى، أو صخر أملس، أو ما شاكل ويجوز التيمم بمثل الجص والإسمنت شرط أن يكون ما تتيمم به طاهراً، وغير مغصوب.

ـ وكيف أتيمم؟

ـ سأتيمم أمامك لتتعلم..

قال أبي ذلك وبدأ..

فخلع خاتماً كان في يده، وضرب بباطن كفيه معاً على الأرض ضربة واحدة، فضمهما ليمسح بهما جبهته.

ثم مسح بكفه الأيسر تمام ظاهر كفه الأيمن من الزند إلى أطراف الأصابع. ومسح بعد ذلك بكفه الأيمن تمام ظاهر كفه الأيسر من الزند إلى أطراف الأصابع.

ـ أبهذه البساطة والسرعة ينتهي التيمم؟

ـ نعم، وليس التيمم وحده فقط بهذه السهولة واليسر. قال تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر).

ـ وهل للتيمم شروط، إذا ما تحققت صح لي التيمم؟

ـ نعم، وهي:

1 - أن تكون معذوراً لا تستطيع الغسل أو الوضوء ـ كما مر سابقاً ـ.

2 - أن تنوي التيمم قربة لله تعالى؛ ولهذا لا يصح التيمم بالمغصوب مع الالتفات.

3 - أن يكون ما تتيمم به طاهراً، وغير ممزوج بما لا يصح التيمم به كالرماد مثلاً، [كما يجب أن تكون أعضاء التيمم طاهرة عند التيمم].

4 - أن يكون مسحك الجبهة من الأعلى إلى الأسفل.

5 - [أن تتيمم بعد دخول وقت الصلاة إذا كان تيممك للصلاة].

6 - أن تباشر بنفسك قدر الإمكان.

7 - [أن تتابع المسح فلا تفصل بين أفعال التيمم].

8 - أن لا يكون هناك فاصل أو حائل بين ما تمسح به وما تمسحه، أي بين كفك وجبهتك مثلاً.

9 - أن تمسح جبهتك قبل كفك اليمنى، وكفك اليمنى قبل اليسرى.

ـ أنا الآن معذور، لا أستطيع استعمال الماء، لا في الغسل ولا في الوضوء، ولكني أعلم أن عذري سيزول قبل خروج وقت الصلاة، فهل اُصلي الآن أو أنتظر وأتريث لحين زوال العذر؟

ـ انتظر وتريث حتى يزول العذر، ثم اغتسل ـ إذا كان حكمك الغسل ـ أو توضأ للصلاة بعد ذلك.

ـ إذا كنت معذوراً من استعمال الماء للغسل أو الوضوء بسبب مرضي فتيممت وصليت، ثم راجعت الطبيب فسمح لي باستعمال الماء وكان هناك وقت للصلاة؟

ـ اغتسل أو توضأ وأعد الصلاة التي صليتها بالتيمم ما دام وقت الصلاة لم ينته بعد.

ـ إذا منعني الطبيب من استعمال الماء عدة أيام لمرض، فتيممت وصليت، ثم سمح لي باستعمال الماء بعد شفائي، فهل اُعيد صلوات الأيام الماضية التي صليتها بالتيمم؟

ـ لا، لا تعدها.

ـ إذا تيممت بعد دخول وقت الصلاة وصليت، ثم حلّ وقت صلاة أخرى ولم يرتفع العذر. فهل أتيمم مرة أخرى لهذه الصلاة؟

ـ لا، لا حاجة لإعادة التيمم ما دام العذر موجوداً وأنت محتفظ بعدُ بتيممك.

ـ إذا تيممت بدلاً من غسل الجنابة فهل أتوضأ للصلاة؟

ـ لا، فهو يغنيك عن الغسل والوضوء معاً.

ـ وإذا تيممت للغسل ثم دخلت إلى المرافق مثلاً أو نمت. فهل أتيمم مرة أخرى للوضوء أو الغسل؟

ـ تتيمم للوضوء. وإذا أمكنك الوضوء فتوضأ ولا يصح منك التيمم.

ـ إذا شككت في مسح الجبهة أو مسح الكف اليمنى وأنا أمسح الكف اليسرى؟

ـ لا تُعِر شكك هذا أي اهتمام.

ـ وإذا شككت فيهما بعد انتهائي من التيمم؟

ـ كذلك لا تعر شكك هذا أي اهتمام.

ـ أحببت أن أسألك أني إذا فقدت الماء ولم أتوقع تحصيله في أثناء الوقت فهل لي أن أتيمم؟

ـ نعم، لك أن تتيمم.

ـ فإذا حصلت على الماء بعد الصلاة، والوقت بعد لم ينته فهل أعيد الصلاة.

ـ لا تعد صلاتك التي صليتها بتيمم، ولكن توضأ للصلوات الآتية.

الفهرست التفصيلي

حوارية الجبيرة

قلت لأبي ـ وقد حضرت ساعة الحوار ـ: ذكرت لي أمس (الجبيرة) وأرجأت الحديث عنها إلى اليوم.

ـ نعم، فإذا وضعت على جرح أو قرح أو كسر أو ورم أو نحو ذلك، لفافة أو ما شابهها، فقد صنعت (جبيرة).

ـ وكيف أغتسل أو أتوضأ أو أتيمم مع وجود الجبيرة؟

ـ إذا أمكنك رفع الجبيرة بدون ضرر فارفعها، واغسل أو امسح تحتها ما يجب غسله أو مسحه.

ـ وإذا لم يمكنّي رفع الجبيرة لأنه يضر بالجرح؟

ـ فحاول أن توصل الماء إلى بشرتك ولو بغمس العضو في الماء إذا لم يضرك الماء.

ـ وإذا أضرني الماء ولم يمكنّي ذلك؟

ـ اغسل ما حول الجبيرة مما يمكنك غسله من البشرة، وامسح على الجبيرة عوضاً عن الجزء المغطى بالجبيرة مع ملاحظة ما يأتي:

1 - أن يكون ظاهر الجبيرة ـ ذاك الذي تمسح عليه بيدك المبلولة ـ طاهراً، ولا يهمك نجاسة باطن الجبيرة الملاصق للجرح.

2 - أن يكون حجم الجبيرة بالمقدار المعتاد والمتعارف والطبيعي لحجم الجرح أو الكسر.

ـ وإذا كان ظاهر الجبيرة نجساً، ولم يمكنّي تبديلها أو تطهيرها، أو نزعها وترك الجرح مكشوفاً؟

ـ [فاجمع بين التيمم و الوضوء]، من دون مسح على الجبيرة إذا كانت نجسة.

ـ وإذا كان حجم الجبيرة أكثر مما تحتاجه طبيعة الجرح ولم يمكن نزعها، كما لم يكن هناك غيرها لتبديلها؟

ـ [اجمع بين التيمم والوضوء].

ـ إذا أمكنني رفع الجزء الزائد عن حجم الجرح من الجبيرة؟

ـ ارفعه واغسل ما تحته.

3 - ألا تكون الجبيرة مغصوبة.

ـ إذا استوعبت الجبيرة تمام وجهي، أو تمام إحدى يديّ، فكيف أغسلهما في الوضوء؟

ـ تتوضأ بالمسح على الجبيرة.

ـ وإذا استوعبت تمام موضع المسح من الرأس، أو تمام إحدى رجليّ فكيف أمسح في الوضوء؟

ـ امسح على الجبيرة.

ـ وإذا كان في وجهي أو يدي جرح أو قرح مكشوف بدون لفاف، ولكن الطبيب منعني من إيصال الماء اليه، فكيف أتوضأ؟

ـ اغسل ما حوله واترك غسله.

ـ وإذا كان في وجهي أو يدي كسر مكشوف ـ يضره الماء ـ من دون جرح. فكيف أتوضأ؟

ـ توضأ واغسل ما حوله.

ـ وإذا كان الجرح المكشوف الذي يضره الماء في أحد مواضع المسح، كما إذا كان في الرجل أو الرأس، فكيف أمسح في الوضوء؟

ـ امسح عليه، [وإن لم تتمكن فضع قطعة لفاف، أو ما شابه ذلك عليه، ثم امسح على القطعة].

ـ وإذا أردت الغسل، وكان في جسدي جرح أو قرح مكشوف؟

ـ اترك غسل الجرح أو القرح واغسل ما حوله.

ـ وإذا كان في جسدي كسر مكشوف، فكيف أغتسل؟

ـ اغسل ما حوله.