[220]

سؤال: يقول البعض: «ما لم نعلم بحكمة وفلسفة الأحكام لا ينبغي أن نعمل بها، بل نعمل بالأحكام التي ندرك حكمتها فقط!»، فهل هذا منطق صحيح؟
الجواب: من خلال ما ذكرناه في بيان التّصنيف الرّباعي للأحكام يتضح لنا أنّ هذه الرّؤية غارقة في الوهم، إذ لا يمكننا إلاّ التعرف على فلسفة بعض الأحكام، لأن علمنا وعقلنا محدود، وبالعلم والعقل المحدودين لا يمكن كشف القناع عن أسرار أحكام الله الذي لا حدّ لعلمه.
وعليه، لابدّ من العمل بكل الأحكام الإلهية، سواءً علمنا فلسفتها، أو لم نعلم، كما أنّ على المريض أن يعمل بكل توصيات الطبيب، سواء عرف الحكمة فيها، أو لم يعرف.
فإذا كان الإنسان يُسلّم تسليماً مطلقاً لطبيب من نوعه، فالأولى به أن يُسلّم تسليماً مطلقاً لخالقه، فيعمل بأحكامه بدون مناقشة، كالمريض الذي ليس له حق مناقشة طبيبه فيما يوصيه به من الأدوية، فانه إمّا أن يتعلم الطب ويصير طبيباً، وإمّا أن يهلك نتيجة لعناده، إذ لا يمكن الوقوف على فلسفة التّوصيات الطّبية بدون تحصيل العلم الكافي في الطب.

* * *

5 ـ ما هي الفائدة في معرفة فلسفة الأحكام الإلهية؟

وهنا يُطرح سؤال آخر وهو: إذا آمن الإنسان المسلم، بالله تعالى والنّبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)والأئمّة الأطهار (عليهم السلام)، أي آمن بالمنظومة العقائدية وعَلِمَ أنّ هذه

[221]

الأحكام هي من الله، فما هي ضرورة التعرف على فلسفة تلك الأحكام، ألا يعتبرالبحث عن فلسفة وحكمة الأحكام دليلا على ضعف الإيمان؟
الجواب: لمعرفة فلسفة الأحكام ـ في حالات الإمكان ـ فوائد ثلاث هي:
أ ـ معرفة فلسفة الأحكام يزيد إطمئنان المسلم بحكمة الله تعالى، وعمق وأصالة الشرع الإسلامي.
فالمسلم بعد أكثر من 1400 سنة من تشريع القانون الإسلامي، يرى بأنّ العلم في العصر الحديث مع سرعته وتقدمه يخضع ذلك التشريع الإلهي، ولا يمكن له إلاّ الاعتراف به، ويوصي النّاس بالعمل به، وهذا يزيد من إيمان المسلم بحكمة خالقه وربّه!
ب ـ إنّ معرفة فلسفة الأحكام الشّرعية يسهّل على الإنسان المسلم إطاعة الأوامر والنّواهي، ويدفعه إلى الإمتثال بشوق ورغبة، فمثلا لو أنّ مسلماً توجه لأداء فريضة الحج، وكان يعرف فلسفة هذه العبادة ـ التي تجب على المسلم مرّة واحدة في العمر عند الاستطاعة ـ وبركاتها وآثارها المختلفة، فانه سيتحمل صعوبات هذه العبادة بكل رحابة صدر ورغبة، بالضبط كما لو علم المريض بفوائد الدواء، فانه سيتحمل مرارة ذلك الدّواء ويشربه بشوق وفقاً للبرامج المقرّرة.
ج ـ الفائدة الثّالثة لمعرفة فلسفة الأحكام، هو أنها تجعل المسلم يشعر بفقره واحتياجه لهذا التشريع الالهي دون أن يكون فيه غرض آخر، وتكرّس في وعيه بأن كل هذه الأحكام إنّما هي لمصلحته وتحقق سعادته، كما أنه لو لم يعمل بها أحد فانّ ذلك لن ينقص من ساحة كبريائه عزّوجلّ (إنّ الله غَنِيٌّ عَنِ العالَمِينَ).

* * *

[222]

6 ـ فلسفة الأحكام خاضعة لمصلحة الأكثر، لا الكل

كانت حصيلة البحوث السابقة، أوّلا: إمكان معرفة فلسفة قسم معتدٍّ به من الأحكام، وثانياً: إنّ معرفة فلسفة الأحكام ليست عديمة النّفع والجدوى، بل هي مفيدة جداً ومربّية.
والآن ننتقل إلى النقطة الثالثة، وهي انّ فلسفة ذلك القسم من الأحكام التي تقع في مدار المعرفة البشرية لا تكون شاملة وعامّة لمختلف الافراد. وفي جميع الظّروف والمتغيّرات، بل هي مبتنية على أساس مصلحة الأكثرية من الناس وهي جارية في الغالب من الافراد لا الكل.
وتوضيح ذلك هو: إنّ فلسفة أيّ حكم من الأحكام لا تكون متجانسة مع خصوصيات كل الأفراد، كما أنّها ليست منسجمة مع خصوصيات الفرد الواحد على الدّوام وفي كل الحالات، وبتعبير آخر، ليس فيها عمومية أفرادية، ولا عمومية حالاتية، بل هي مبتنية على أساس أغلب الحالات وأغلب الأفراد.
ولكن هذا الأمر لا يقدح بعمومية الحكم، أي أنّ هذا الحكم يجب أن يطبّق حتى على الأفراد والحالات الفاقدة لتلك الفلسفة والحكمة. ولا فرق في هذه المسألة بين الأحكام الشرعية والمقررات والقوانين الاجتماعية.
ولمزيد من التوضيح إليك الأمثلة التالية:
1 ـ من قوانين شرطة المرور إنّه يمنع مرور السّيارات إلاّ من جهة واحدة في بعض الشوارع.
وفلسفة ذلك هي الحدّ من حوادث المرور وتخفيف الزحام، ولكن هذه الفلسفة قد لا تصدق لكل الأفراد وفي كل الحالات، نعم هي صادقة في الأعم الأغلب من الأفراد والحالات، ولكن القانون لابدّ أن يطبّق على الجميع.

[223]

فلو انّ سائقاً كان على درجة عالية من المهارة والانتباه بحيث يمكنه السّير في الاتجاه المعاكس في تلك الشّوارع بدون أن يتسبب في حادثة أو يعرقل المرور، ففلسفة ذلك القانون غير صادقة في حقّه، ومع ذلك لا يجوز له أن يخالف القانون، ولو فعل ذلك عوقب من قبل السلطات المختصة.
وهكذا مثال هذا القانون من قوانين المرور والسياقة كمنع اجتياز التّقاطعات في حالة الضوء الأحمر، والتوقف في الأماكن التي يمنع التّوقف فيها و...
سؤال: إذا لم تكن فلسفة الأحكام دائمية وشاملة، فلماذا أضحت نفس الأحكام دائمية وشاملة؟
ففي المثال السابق لماذا لا يكون مرور الأشخاص الذين يمكن أن يؤدي مرورهم من تلك الشوارع إلى حدوث حوادث واصطدامات أو يؤدي إلى عرقلة السير، ممنوعاً، ويكون مسموحاً للآخرين؟
والاجابة على هذا السّؤال جليّة، فان القانون إذا لم يكن عاماً وشاملا، كان ضعيفاً ومضطرباً، ولا يمكن تطبيقه بالمرّة، إذ أنّ كل شخص حينئذ سيدعي أنّه مستثنى من ذلك القانون ولذا ينبغي أن تكون صياغة القانون بشكل يوفّر له الشمولية على الرغم من كون فلسفة هذا القانون تابعة للأعم الأغلب لا للكل.
2 ـ يعتبر اعتداد المرأة بعد طلاقها أحد القوانين الإسلامية، ومن فلسفة هذا الحكم هو معرفة ما إذا كانت الزوجة قد حملت من زوجها السابق، فلا تضيع الانساب وإلاّ فقد يتداخل النسب ويشكل معرفة ذلك فيما لو تزوجت المرأة مباشرة بعد طلاقها ثم حملت، فلا يعلم من هو أب الولد هل هو الزوج الأول، أو الثاني؟ فهذه جزءين فلسفة الاعتداد، ولكن هذه الفلسفة قد لا تصدق في حقّ بعض النّساء، كالنّساء العقيمات اللائي نعلم بعدم انجابهنّ، ومع ذلك فانّ الاعتداد واجب عليهن في حال طلاقهنّ.

[224]

كما أنه يمكن أن لا يكون لهذا الغرض موردٌ في نساء اُخريات في بعض الحالات، ومع ذلك يجب عليهنّ الاعتداد، ولكي لا يكون ذلك حجّة للفرار من الاعتداد وأن يقول كل شخص: أني أعلم بأنّ تلك المرأة ليست بحامل.
3 ـ المثال الثّالث، مسألة أسهم الارث لكل من الذكر والاُنثى ـ التي يتوجّه بالاعتراض إليها اليوم بعض الناس، وحتى بعض الهيئات الدولية وأثاروا حولها ضجّة دون أن يلتفتوا إلى فلسفتها ـ وعلّة كون سهم الذكر ضعف سهم الاُنثى هو أنّ النفقة تكون على عاتق الرّجل وليست على المرأة مسؤولية الإعاشة في الاُسرة.
ولكن هذه الفلسفة أيضاً ليست متحققة دائماً وإنما، هي غالبة ومع ذلك فالقانون كلي ويجب تطبيقه في كل الأحوال والموارد; فالطفل الصغير لا يتعهد بشيء من النفقة على عائلته، ومع ذلك فهو مشمول لهذا الحكم، وكذا لو كبر ربّ الاُسرة وعجز عن العمل فأخذت زوجته تعمل وتصرف عليه، فانّها مع ذلك لا تستثنى من هذا الحكم مع أنّ فلسفة الارث مفقودة هنا.
ومن الواضح أنّ الأحكام لو خضعت لمثل هذه المتغيّرات لنشب الجدل العقيم بين النّساء والرجال فلا ينقطع أبداً.
4 ـ الإسلام يحكم بأن دية المرأة نصف دية الرّجل، أي لو قتل رجل وحكم على القاتل بدفع الدّية، وجب عليه أن يدفع ألف دينار ذهب إلى أولياء المقتول، أما إذا كان المقتول امرأة وجب عليه دفع خمسمائة دينار ذهب فقط.
وفلسفة هذا الحكم أنّ الدّية ليست ثمناً للدم إذ أنّ دم الإنسان لا يقيم بثمن، وإنّما الدّية شرعت لتعويض الخسارة النّاشئة من فقدان القتيل، ومن المسلّم انّ الخلل الاقتصادي والخسارة المادية النّاشئة من فقد الرّجل أكبر من الفراغ النّاشئ من فقد المرأة من جهة مدلولاته الاقتصادية على العائلة، ولذا كانت دية الرّجل ضعف دية المرأة. ولكن هذه الفلسفة قد لا تكون متحققة دائماً بل اخذت فيهما جهة الأغلبية

[225]

فمثلا لو كان المقتول طفلا فلا تصدق هذه الغاية عليه، ومع ذلك فالحكم ثابت ولا يتغيّر بارتباك بعض الموارد.
ولو كان الفراغ الحاصل من فقد المرأة أكبر من الفراغ الاقتصادي الحاصل من فقد الرّجل في بعض الاُسر، فالقانون يبقى عاماً وشاملاً لمثل هذه الموارد مع أنّ الغاية غير متحققة ظاهراً.
والنّتيجة، هي أنّ الحكم الشرعي والقانون الالهي عام من حيث التطبيق، وأمّا فلسفة الحكم فهي مبتنية على الأعم الأغلب.
وبالالتفات إلى هذه النكتة تتضح الكثير من الإشكالات التي يثيرها البعض حول الأحكام الإسلامية.

* * *

7 ـ ضمان العاقلة

بعد توضيح النكات الستة، نعود إلى أصل المسألة، لنجيب على السّؤال المطروح في ضمان العاقلة.
والحقيقة، أنّ هناك إشكالين وشبهتين: إحداهما مستندة إلى آيات القرآن الكريم، والثانية إلى الدّليل العقلي.
أمّا فيما يرتبط بالآيات الشّريفة، فقوله تعالى: (ولا تَزِرُ وازِرَةٌ وِزْرَ اُخرى)، فانّ كلمة «الوزر» ومشتقاتها تكررت في القرآن الكريم أكثر من عشرة مرات(1)، واستعملت غالباً فيما يرتبط بعالم الآخرة، وعلى أية حال فالآية الشريفة ترتبط بالجزاء والعقاب الاُخروي لا الضمان، فالمراد أنّ أحداً لا يعاقب ويجازى بدلا عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ذكرنا سابقاً خمسة موارد منها، وأما البقية فهي سورة الأنعام : الآية 31; سورة النحل :  الآية 25; سورة طه : الآية 87 و 100; سورة محمد (صلى الله عليه وآله) : الآية 40;وسورة الانشراح :الآية 2.

[226]

الآخر، لا انه لا يضمن الآخر في بعض الموارد وظلّ بعض الظروف الخاصة، وبالتوضيح الآتي يتبين لنا هذا المعنى، وتتبيّن لنا أيضاً الجهة العقلية في المسألة .

العاقلة نوع من التّأمين العائلي

يعتبر التأمين في الوقت الراهن مسألة مقبولة، معقولة ، مشروعة في كل المجتمعات، وفلسفة التأمين هي حفظ الأشخاص والمؤسسات أو الشركات الصغيرة والكبيرة من خطر التلاشي والاضمحلال حال تعرضها لبعض الحوادث، لأنّ الخسارة لو نزلت بشخص واحد أو شركة واحدة فانّها قد تسبب له كارثة، أمّا لو قسّمت تلك الخسارة، أمكن تحملها.
فمثلا لو شبّ حريق في بيت شخص، ولم يكن البيت مؤمّناً عليه في شركات التأمين، فانّ صاحب البيت سيتضرر كثيراً فيما إذاتحمل خسارة ذلك بمفرده، وقد يؤدي ذلك إلى افلاسه نهائياً.
وكذا لو غرقت سفينة نفط، أو باخرة نقل، ولم تكن الشركة المالكة للسفينة قد أمنّت عليها في شركات التأمين، فانه يُعرّض أن تتعرض تلك الشركة للافلاس فيما لو تحملت تلك الخسارة بمفردها.
أمّا في صورة التعاقد مع شركة التأمين في مثل هذه الموارد وغيرها، فانّ أصحاب تلك المنافع سيتمكنون أوّلا مواصلة نشاطهم باطمئنان. كما أنّ شركات التأمين ستتحمل عنهم القسم الأعظم من الخسارة. ألا يعتبر هذا الأمر مقبولاً وعقلائياً وعادلاً؟ هل يتنافى هذا الأمر مع الآية الشريفة (ولا تزر وازرة وزر اُخرى)؟
والآن، لو فرضنا انّ حكومة من الحكومات أجبرت الناس الذين لا يعرفون فوائد التأمين وفلسفته، على إجراء عقود التأمين مع الشركات المختصة، لتقف تلك الشركات إلى جانبهم حال حدوث بعض الأحداث والكوارث، فهل يجوز ذلك؟

[227]

ومسألة ضمان العاقلة في الواقع نوع تأمين، تأمين عائلي إلزامي من قبل الشارع الإسلامي المقدس، لأنّ قتل الخطأ المحض محتمل دائماً في حق كل إنسان، ولما كانت دية القتل تثقل كاهل الإنسان بمفرده، وليس كل الناس بإمكانهم تحمل ذلك بسهولة، دعى الإسلام أقرباء القاتل في هذه الموارد لاعانة صاحبهم بشرطين، الأوّل، أن يكونوا أقرباءه لأبيه، والثّاني: أن يكونوا رجالا، فأوجب عليهم تحمّل الدّية.
ومن البديهي أن هذه الحادثة التي أصابت بها هذا الشخص اليوم يمكن أن يبتلى بها غداًأحد أفراد العاقلة ـ الذي يتحمل اليوم قسطاً من الدّيّة ـ .
وعليه فمسألة ضمان العاقلة تشبه مسألة التأمين، ولكنه تأمين عائلي، وهي أمر معقول.

* * *

8 ـ الاشكال الاُخرى للعاقلة في المجتمع

هناك ما يشبه العاقلة في المجتمع باشكال اُخرى، وهي من الاُمور الرائجة بين الناس اليوم، والكل يستحسن ذلك ولا يقبل إليه.
مثلا في مراسم الزواج، فالمعتاد أن يهدي الناس الهدايا إلى العروسين اللذين يريدان أن يبدآ حياتهما من الصفر، وهذا الأمر له أشكال تختلف باختلاف المجتمعات والطوائف، ففي بعضها تقدم الأموال بدل الهدايا العينية، ويتم ذلك في مجلس العرس من قبل الحاضرين كل حسب طاقته، وقد يصل مقدار تلك الهدايا أحياناً إلى مبلغ ضخم لا يسدّ مصارف العرس فحسب، بل يكفي كرأسمال لبداية عمل وحياة جديدة.!
وفي بعض المناطق، اعتاد الناس المشاركة في مراسم العزاء وإقامة مجالس الترحيم، وهي سنّة حسنة، فكل من يشترك في مراسم الترحيم يتبرع بشيء من

[228]

النقود لصاحب العزاء لتخفيف هذا العبئ المالي عليه، ويتمكن من القيام بواجباته بسهولة.
وصاحب العزاء نفسه سيشترك في مجالس الآخرين ويساهم بدوره في التّخفيف عن كاهل أولئك المصابين، فهو تكافل وتعاون اجتماعي حسن.
وهذا العمل المشار إليه في المثالين أعلاه، يعتبر نوعاً من التأمين الاجتماعي، وهو شبيه في الواقع بضمان العاقلة، أي في الحوادث الباهظة التكاليف ـ ومن أي نوع كانت وبأي صورة ـ يتعاون أفراد العائلة مع بعضهم البعض ويأخذ بعضهم بيد البعض الآخر لحل المشاكل.

* * *

9 ـ حدود ضمان العاقلة

لابدّ من الالتفات إلى أنّ ضمان العاقلة لا يجري في كل الموارد والحالات، وإنّما تضمن العاقلة دية قتل الخطأ المحض فقط (وقد بيّنا سابقاً توضيح معنى قتل الخطأ)، والنقطة الاُخرى التي لابدّ من التذكير عليها، هي أنّ ضمان العاقلة إنّما يجري فيما لو ثبتت الجناية بالبيّنة الشرعية لا بالاقرار، إذ من الممكن أن يتآمر شخص مع قاتل ما، بأن يأخذ الأول مسؤولية القتل على عاتقه ليجبر عاقلته على دفع الدّية على أن يعطيه الثاني مبلغاً من المال! فالإقرار لا يكفي لاثبات هذا الحكم. كما إنّ علم القاضي بالقتل لا يكفي لإثبات الدّية على العاقلة، بل لابدّ من أن تثبت الجناية بالبيّنة الشرعية.
والنقطة الثالثة، هي انّ العاقلة إنّما تضمن الدّية فيما لو كانت مستطيعة وقادرة على دفعها، وعليه فالحكم بالدّية هنا ليس تكليفاً شاقاً لا يطاق.
والنقطة الرابعة، هي أنّ الدّية تقسّم على الأفراد جميعاً، بحيث يكون سهم الواحد منهم أحياناً ديناراً واحداً فقط.

[229]

والحاصل، هو أنّ ضمان العاقلة إنّما يتم ويجري في حدود معينة وله ضوابط محددة، وليس حكماً مطلقاً في كل الموارد والحالات، وفلسفة ضمان العاقلة واضحة في تلك الحدود.
وينبغي الالتفات هنا إلى نقطة اُخرى، وهي أنه لو فرض أنّ شركة تأمين معينة، أو جهة ضامنة عامة تكفلّت بدفع دية قتل الخطأ في بعض الموارد أو كلّها، سقطت الدّية عن العاقلة، وهذا طريق ميسور لمن يريد التخلص في عصرنا الحاضر من دية العاقلة.

* * *

10 ـ خلاصة البحث

من مجموع الأبحاث السابقة يمكن استخلاص ما يلي:
1 ـ إنّ مسألة ضمان العاقلة في حالات قتل الخطأ المحض مسألة مجمع ومتفق عليها من قبل كل علماء الإسلام ولا تختص بمذهب دون آخر.
2 ـ إنّ الرّوايات المتواترة الإسلامية ـ سنّية وشيعية ـ تدلّ على هذا الامر بوضوح.
3 ـ إنّ لضمان العاقلة فلسفة واضحة ومعقولة، وهي تنسجم مع العرف والعقل.
وحينئذ قد يتسأئل ويقول: مع كل هذا الوضوح في الأدلة التي تعتقدون بصحتها. اذاً، لماذا أنكر البعض مثل هذه المسألة الواضحة؟!
وجواب ذلك مع الاعتذار الشديد، هو: أنّ تطفّل بعض الأشخاص غير المتخصصين على الفقه لا يخلو من خلفيات سلبية، أحديها هذا الامر.
فللأسف الشديد، نحن نرى اليوم أنّ بعض الناس يسمح لنفسه التدخل في أصعب المسائل الشرعية مع قلّة إباعه الفلسفي والفقهي والكلامي، بل ويؤدي ذلك الى رأيه أداة التهجم والافتراء، مما يسّبب إلى ظهور المشاكل الاجتماعية العويصة!

[230]

وبطبيعة الحال، فانّ مثل هذا السّلوك السّلبي قد يكون مفيداً أحياناً، فانّ مثل هذه المسائل ستتضح أكثر فأكثر على أثر إجابة المحققين على الاشكالات المطروحة.
ولكن مع ذلك، الأفضل أن لا يتدخل في مثل هذه الموضوعات المعقدة والصعبة إلاّ أهل الخبرة من المحققين والمتخصصين في المسائل الشّرعية (مع اعطاء حق السؤال والاستفهام للجميع)، بالضبط كما انّ المسائل الطبية خاصة بالأطباء المحققين، وإن جاز للجميع السؤال عنها للاطلاع.
وفي الختام، نطلب من الله عزّوجلّ أن يزيدنا بصيرة ومعرفة بالأحكام والمعارف الإسلامية، ويوفقنا للعمل بقوانين الدين الإسلامي المقدس ....آمين يارب العالمين.

* * *


[231]


9 ـ المسائل المستحدثة في الفقه الاسلامي


[232]

[233]


المسائل المستحدثة في الفقه الإسلامي

إنّ النمط المعهود والمتعارف في بحث المسائل المستحدثة إنّما يكون بالرجوع إلى أدلّة كلّ مسألة على حدة كغيرها من المباحث الفقهية.. إلاّ أنّ الجديد في هذا المقال هو الاُطروحة المحكمة التي قدّمها الباحث ـ دام ظلّه ـ في لمّه لشعث هذه الفروع وصبّها في قوالب عامة وإرجاعها إلى الاُصول والاُسس الكلّية.. ليتم على ضوئها معالجة الكثير من تلك المسائل.. وإنّها بحقّ لخطوة كبير في حركة النهوض الفقهي.. ومبادرة تأسيسيّة موفّقة في سبيل تفعيل الاستنباط.... إن شاء الله تعالى..
تمهيد
قبل الورود في بحث المسائل المستحدثة بصورة مفصّلة نذكر مقدمتين نافعتين : أولاهما : في تعريف المسائل المستحدثة، وبيان الحاجة إليها، وعرض نماذج لها في أنواع مختلفة. والثانية : في بيان الاُسس العامّة للمسائل المستحدثة.
وهي تشمل ـ كما ذكرنا ـ على ثلاثة أبحاث :

1 ـ تعريف المسائل المستحدثة :

المسائل المستحدثة : هي كلّ موضوع جديد يتطلب حكماً شرعياً سواء لم يكن في السابق أو كان سابقاً لكن تغيّر بعض قيوده.

[234]

فالأول من قبيل النقود الاعتبارية التي لم تكن قبل، والثاني من قبيل اعتبار المالية لبعض الأعيان النجسة هذا الزمان ولم تكن لها مالية في الماضي كالدم.

2 ـ الحاجة إلى بحث هذه المسائل :

وتوضيح ذلك يكون ببيان أمرين :
الأمر الأوّل ـ إنّ من خصائص عالم المادة التغيّر الدائم والتحوّل المستمر، بل التغيّر ـ باعتقاد كثير من الفلاسفة والحكماء ـ من اللوازم الذاتية للمادة لا ينفكّ عنها بحال من الأحوال، وبما أنّ الإنسان يعيش في هذا العالم المادي، فمن الطبيعي أن يطال هذا التغيّر كلّ مظاهر الحياة الإنسانية على صعيد شكل ونمط ووسائل المعيشة، وكذلك على صعيد العلاقات الجديدة سواء كانت بين الأفراد أو ما بين المجتمعات والدول. وهذا ما جعل الفقه يواجه ظاهرتين جديدتين :
الاُولى :حدوث موضوعات جديدة للأحكام الشرعية لم تكن من قبل، كما هو الحال بالنسبة إلى الأوراق النقدية، فإنّه أمر حادث نسبياً، حيث كان المتعارف في سابق الأيام هو التعامل بالدينار والدرهم ـ أي الذهب والفضة المسكوكين ـ ولكن تطوّر الحياة واتساع حاجات البشر أوجب اعتبار الأوراق النقدية.
الثانية : ثمة موضوعات كانت موجودة في الماضي إلاّ أنّه طرأ عليها من الأحوال والظروف ما غيّر من قيودها، كما يلاحظ ذلك في الأعيان النجسة التي لم تكن لها قيمة ومالية في السابق، غير أنّ التطوّر الذي حدث في العلوم الطبية واكتشاف منافع كبيرة لبعض الأعيان النجسة كالدم وأجزاء الميتة أوجب أن يكون لها مالية في نظر العقلاء، فإنّه يُبذل اليوم بإزائها المال الكثير.
وعليه، فإنّ الفقيه لابدّ له من تبيين الحكم الشرعي في كلتا الحالتين، ولا يقتصر في البحث والفتيا على خصوص ما هو متعارف من المسائل المسطورة

[235]

في كتب فقهائنا القدماء (قدس سرهم).
الأمر الثاني ـ تمتاز شريعتنا الإسلامية ـ حسب ما نعتقد ـ بعدّة مميّزات، منها العالمية والاستمرار والشمولية لكلّ جوانب الحياة، فهي لم تتأطّر بزمان ولا مكان معيّنين، ولا تختص بصنف من الناس ولا بخصوص قوم أو جنس، فإنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قد بُعث إلى الناس كافة وفي شتى أقطار الأرض، عربيهم وأعجميهم، أبيضهم وأسودهم، شرقيهم وغربيهم، في أية بقعة وجدوا، وفي أي زمان عاشوا، فدعوته (صلى الله عليه وآله)عامة للناس، وفي الوقت ذاته إنّها تستوعب مختلف جوانب الحياة الإنسانية، وتقدّم الحلول لجميع معضلاتها.
وقد دلّ على ذلك ـ مضافاً إلى الدليل العقلي، ومضافاً إلى طبيعة الشريعة وقوانينها ـ النصوص الكثيرة، سيّما ما ورد في كتاب الله العزيز من الآيات الصريحة بذلك، والتي يمكن تصنيفها إلى ثلاث طوائف :
الطائفة الاُولى : ما صرّح فيها بالعموم من حيث المكان، بل الزمان أيضاً، منها :
1 ـ قوله تعالى ـ إشارة إلى القرآن المجيد ـ  : (إنْ هُوَ إلاّ ذِكْرى لِلْعَالَمِينَ)(1).
2 ـ قوله تعالى : (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعاً)(2).
3 ـ قوله تعالى : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِين)(3).
4 ـ قوله تعالى : (كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ)(4).
5 ـ قوله تعالى : (تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيراً)(5).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الأنعام : 90.
(2) الأعراف.: 158.
(3) الأنبياء : 107.
(4) إبراهيم : 1.
(5) الفرقان : 1.

[236]

6 ـ قوله تعالى : (وَ مَا أَرْسَلْنَاكَ إلاَّ كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَ نَذِيراً)(1).
7 ـ بل جميع الآيات التي وقع الخطاب فيها بلفظ «يا أَيُّهَا النَّاسُ»، وهي أكثر من عشر آيات.
فإنّ هذه الآيات شاملة لجميع آحاد الناس إلى يوم القيامة في مختلف أنحاء المعمورة من غير فرق بينهم من حيث اللون والجنس وغير ذلك.
بل قد يقال : إنّها شاملة لمن يسكن سائر الكواكب من أهل السماوات لو كان لها سكّان كالبشر، كما عساه يظهر من بعض الآيات والروايات التي ليس هنا موضع بحثها.
الطائفة الثانية : ما دلّ على خاتمية الرسالة الإسلامية وأنّه (صلى الله عليه وآله) خاتم الأنبياء، وهذه الطائفة أوضح ممّا تقدّم في عمومها بالنسبة إلى عموم الزمان، من قبيل قوله تعالى : (مَا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَا أَحَد مِن رِجَالِكُمْ وَ لَـكِن رَسُولَ اللهِ وَ خَاتَمَ النَّبِيِّينَ)(2).
الطائفة الثالثة : ما دلّ على كمال الدين وتمامية الشريعة واستيعابها لجميع الأحكام التي ينبغي أن تشرّع، نحو قوله تعالى : (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُم دِينَكُمْ وَ أَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَ رَضِيتُ لَكُمُ الاِْسْلاَمَ دِيناً)(3).
وحاصل ضرب هذه الآيات بعضها في بعض هو أنّ الشريعة قادرة على تلبية حاجات البشر التشريعية وتغطية كلّ ساحة الحياة في أي مقطع زمني وفي أية بقعة من أقطار الأرض سواء في المسائل العبادية والروحية أو الامور التربوية والأخلاقية أو الحقوق الاقتصادية أو الحقوقية، وسواء تعلّقت بالفرد أو المجتمع أو الدولة.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) سبأ : 28.
(2) الأحزاب : 40.
(3) المائدة : 3.