[202]

الحكم فيه معتضدٌ بفتاوي الأصحاب(1) وظاهره كون الحكم مشهوراً على الأقلّ. ولكن قد حكي الخلاف فيه في الجملة عن الخلاف والمبسوط، أنّه يقطع إذا ثبت بالإقرار (ولم يكن هناك مطالبةٌ)(2).
هذا ولكن ظاهر النصوص متفاوتٌ : ففي خبر الحسين بن خالد الذي مرّ آنفاً أنّ الإمام «إذا نظر إلى رجل يسرق عليه أن يزبره وينهاه ويمضي ويدعه» معلّلاً بأنّ الحقّ «إذا كان للناس فهو للناس»(3).
ولكن في إحدى صحيحتي الفضيل عن الصادق (عليه السلام) قال :
... إذا أقرّ على نفسه عند الإمام بسرقة، قطعه فهذا من حقوق الله، وإذا أقرّ على نفسه أنّه شرب خمراً حدّه فهذا من حقوق الله...(4).
ثمّ ذكر في ذيل الرواية أنّ الفرية وكذا القتل من حقوق المسلمين. والظاهر أنّ الصحيحة غير معمول بها، وأنّ خبر الحسين منجبرٌ بعمل الأصحاب، مضافاً إلى درء الحدود بالشبهات، وهذا من مصاديقه الواضحة.
وأمّا حمل خبر الحسين على الإشتغال ببعض مقدّمات السرقة دون وقوعها، فينافي التعليل الوارد في ذيله بأنّ الحقّ إذا كان لله فلا يتوقّف على المطالبة وإذا كان للناس توقّف عليها. هذا على فرض عدم كون صحيحة الفضيل مهجورةً، وقد عرفت أنّها مهجورةٌ فلايمكن العمل بها.
هذا كلّه مضافاً إلى أنّ هناك رواياتٌ تدلّ على جواز عفو صاحب المال عن السارق قبل رفعه إلى الحاكم الشرعي وعدم جوازه بعد رفعه إليه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 41 ص 551.
(2) نفس المصدر : ص 550.
(3) الوسائل : ج 18 ب 32 من أبواب مقدّمات الحدود ح 3.
(4) نفس المصدر : ح 1.

[203]

منها : قصّة سرقة رداء صفوان بن أشميّة في زمن رسول الله (صلى الله عليه وآله) وأنّه بعد ما رفع اللصّ إليه (صلى الله عليه وآله) قال صفوان : «أنا أهبه له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) فهلاّ كان هذا قبل أن ترفعه إليّ..»(1).
ومنها : ما عن سماعة بن مهران عن أبي عبدالله (عليه السلام) : «من أخذ سارقاً فعفى عنه فذلك له فإذا رفع إلى الإمام قطعه...»(2). ويستفاد من هذا الحكم أنّه من حقوق الناس، وإن كان فيه شائبة حقوق الله أيضاً.
إلى هنا تمّ الكلام في مسألة علم القاضي وبعض ما يتفرّع عليها والحمد لله أوّلاً وآخراً.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 17 من أبواب مقدّمات الحدود ح 2.
(2) نفس المصدر : ح 3.

[204]

[205]


8 ـ ضمان العاقلة وفلسفتها


[206]

[207]


ضمان العاقلة في قتل الخطأ

تمهيد
من وظائف العلماء والفقهاء، حراسة الأحكام الفرعيّة والمسائل الفقهيّة الإسلاميّة.
ومن هنا فانّ دروس الفقه في الحوزات العلمية وخصوصاً في مرحلة البحث العالي، أي درس الخارج ـ مبتنية على هذا الأساس، فالفقهاء والطلاب المجتمعون في هذه الدروس يتناولون بالبحث والتحقيق كلاًّ من مسائل الفقه الكلاسيكية والمسائل المستحدثة، واستنباط أحكامها الشرعية.
ومن جملة هذه الدّروس المباركة، بحث خارج الفقه للمرجع الجليل المجدّد سماحة آية الله العظمى مكارم الشّيرازي ـ مد ظلّه العالي ـ الذي ينعقد في صالة المسجد الأعظم قم المقدّسة بحضور جمع غفير من محققي وفضلاء الحوزة العلمية.
ومنهج سماحة الاستاذ في دروسه وأبحاثه هو أنّه يبيّن الشبهات المطروحة الحديثة بشكل واضح ويجيب عنها، مضافاً إلى دارسة المسائل الفقهية .
ومن جملة تلك الشبهات التي عالجها سماحته مسألة ضمان العاقلة، حيث انه عندما انتهى إليها بحثه استجلى باستدلال متين ورائع.

[208]

ولما كانت هذه المسألة قد طرحت في بعض الصحف والمجلات كاستفهام على الأحكام الفقهية الإسلامية، قررنا تنظيم هذه المجموعة من دروس الاستاذ المعظم، نضعها بين أيدي قراءنا الأعزّاء.

ربّنا تقبّل منّا إنّك أنت السميع العلم.

أبو القاسم عليان نژادي

[209]


أقسام القتل

أحد الأحكام الإسلامية المطروحة في مبحث الديّات هو جزاء عقوبة قتل الإنسان البري.
والقتل في الإسلام على ثلاثة أقسام: قتل العمد، شبه العمد، الخطأ المحض، فان قتل شخص شخصاً آخر متعمداً ـ أي ضربه بآلة قاتلة غالباً، أو ضربه بقصد قتله وإن لم تكن بآلة غير قاتلة ـ فعقابه القصاص ولأولياء القتيل الاقتصاص منه.
وإذا كان القتل شبه عمد ـ أي ضربه باداة ليست قاتلة غالباً وبدون قصد الاماتة، فمات المضروب إتفاقاً، فهنا يلزم القاتل بدفع دية المقتول من ماله الخاص.
وإذا كان القتل خطأ محضاً ـ أي انّ القاتل لم يقصد القتل بل ولم يستهدف المقتول وإنما استهدف شيئاً آخر فأصاب المقتول إتفاقاً فقتله كما لو استهدف طيراً في الهواء فأصاب رجلا فقتله ـ فحكمه الدّية ولكن الدّية، هنا تؤخذ من مال عاقلة القاتل(1)أي انّ الدّية توزّع على أقرباء القاتل الرجال من أبيه بحسب مكنتهم، فيدفعون الدّية بأنفسهم إلى أولياء الدّم، أو يتدخل الحاكم الشرعي في ذلك إذا ما اختلف أولياء الدّم مع عاقلة القاتل.
ولقد استشكل بعض في هذا الحكم الإسلامي، وانه لماذا يجب على العاقلة تحمل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لمزيد من الاطلاع حول أقسام القتل وأحكامه وفروعه راجع تحرير الوسيلة للإمام  الخميني (قدس سره) كتاب الديات : المسألة 2 ـ 7 ، أو كتاب جواهر الكلام : ج 43 ص 3 فما بعدها.

[210]

مسؤولية ذنب ارتكبه غيرهم؟ وانّ هذه المسألة مخالفة لحكم العقل القاضي بتحمّل الفرد عاقبة جريمته هو لا جريمة الآخرين! بل انّ هذا الحكم لا ينسجم مع آيات القرآن الكريم، ومن جملتها الآية 164 من سورة الأنعام والتي جاء فيها: (وَلا تَزِرُ وازِرَةٌ وُزْرَ اُخرى)(1).
وعليه فمسألة ضمان العاقلة، ودفع ثمن الدّم من قبلهم نيابة عن القاتل، لا تنسجم حكم العقل ومضامين القرآن الكريم.
ولتوضيح الإجابة عن هذا الإشكال، لابدّ من التطرّق الى البحوث العشرة التّالية.
1 ـ آراء فقهاء الإسلام حول ضمان العاقلة
2 ـ ضمان العاقلة في الروايات الإسلامية ـ السنّية والشيعية.
3 ـ سبب تسمية العاقلة بهذا الإسم.
4 ـ هل يمكن الوقوف على حكمة الأحكام الشرعية؟ وإذا كان الجواب بالايجاب، فهل هذا العمل جائز؟
5 ـ فائدة معرفة فلسفة الأحكام.
6 ـ فلسفة الأحكام لها جهة نوعية لا شخصية.
7 ـ العاقلة، تأمين عائلي (ضمان متقابل).
8 ـ وجود العاقلة بأشكال اُخرى في المجتمع.
9 ـ في أي صورة تضمن العاقلة الدّية؟
10 ـ خلاصة والبحث وحصيلته.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) وقد تكررت هذه الآية الشريفة في سور اُخرى كسورة الاسراء : الآية 15; وسورة فاطر :  الآية 18; وسورة الزمر : الآية 7; وسورة النجم : الآية 38.

[211]


1 ـ آراء فقهاء الإسلام في ضمان العاقلة

أ ـ يقول الشّيخ الطوسي(قدس سره) وهو من كبار فقهاء وعلماء الشيعة في كتابه القيّم «الخلاف» دية قتل الخطأ على العاقلة وبه قال جميع الفقهاء; وقال الاصم(1) أنّه يلزم القاتل دون العاقلة; قال ابن المنذر: وبه قالت الخوارج. دليلنا: اجماع الفرقة وأخبارهم وأيضاً اجماع الاُمّة والاصم لا يعتد به»(2).
ب ـ يقول ابن قدامة وهو من فقهاء أهل السنّة في كتابه «المغني» وهو من الكتب الفقهية السنّية المفصّلة : «ولانعلم بين أهل العلم خلافاً في أنّ دية الخطأ على العاقلة» ثمّ نقل عن ابن المنذر إجماع أهل العلم على ذلك»(3).
والعجيب، أن إبن قدامة لم ينقل خلافاً عن أحد في المسألة حتى عن الأصمّ والخوارج!
ج ـ يقول الشّيخ محمّد حسن النّجفي «رضوان الله عليه» في كتابه النفيس «جواهر الكلام»: «وعلى كل حال فهي على العاقلة بلا خلاف أجده بيننا، بل وبين غيرنا فيه كما اعترف به بعضهم إلاّ من الاصمّ منهم الذي لا يعتد بخلافه، وكذا الخوارج، بل عن الخلاف دعوى اجماع الاُمّة عليه!»(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) اسمه «عقبة بن عبد اللّه» توفي تقريباً في سنة (200 هـ. ق) وكان معاصراً للامام أبي  عبد الله الصّادق(عليه السلام).
(2) الخلاف : كتاب الديات المسألة96، وقد ذكر الشّيخ (قدس سره) في هذا الكتاب القيّم، المسائل المختلف  فيها بين الشيعة والسنّة، ولكن وكما تبيّن لك انّ هذه المسألة لا خلاف فيها يعتد به، فانّ مخالفة  الخوارج لا يُعتد بها، ومخالفة رجل باسم الأصمّ لا تقدح في الاجماع.
(3) المغني : ج 9 ص 498.
(4) جواهر الكلام : ج 43 ص 25.

[212]

د ـ وذكر المرحوم المحقق المتتبع العاملي «رضوان الله عليه» صاحب كتاب «مفتاح الكرامة» قال: « وهي على العاقلة لا يضمن القاتل منها شيئاً اجماعاً معلوماً وأخباراً متواترة وباجماع الاُمّة وخلاف الاصم لا يعتد به كما في الخلاف وبلا خلاف إلاّ من الاصم كما في الغنية، ومراده نفي الخلاف بين المسلمين»(1).
ومن مجموع ما ذكر نقلا عن علماء الإسلام سنّة وشيعة، نستنتج أنّ هذه المسألة اتفاقية عند علماء الإسلام واجماعية، ولم يخالف فيها أحد من فقهاء الشيعة أو السنّة إلاّ القليل ممن لا يعتدّ بخلافه(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مفتاح الكرامة : ج 10 ص 261.
(2) مضافاً إلى هذه الكتب الأربعة، فانّ هناك (26) كتاب تذهب إلى نفس الحكم وهي:  1ـ رياض المسائل : ج 2 ص 530; 2 ـ الغنية : ص250 (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 24);  3 ـ المبسوط : ص 292 (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج40); 4 ـ المجموع : ج 20 ص 294  (وهذه الكتب الأربعة تدعي الإجماع في المسألة); 5 ـ نكت النهاية : (نقلا عن الجوامع الفقهية :  ص 402); 6 ـ مختلف الشيعة : ص 403; 7 ـ شرح اللمعة : ج 2 ص 403; 8 ـ كشف اللثام :  ج 2 ص528; 9 ـ تلخيص المرام : (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 40 ص 484); 10 ـ الهداية  بالخير (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 24 ص 31); 11 ـ المقنعة (نقلا عن سلسلة الينابيع :  ج 24 ص109); 12 ـ الكافي (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 24 ص 94); 13ـ النهاية (نقلا  عن سلسلة الينابيع : ج 24 ص 168); 14 ـ المراسم (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 24  ص144); 15 ـ المهذّب (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 24 ص 168); 16 ـ فقه القرآن (نقلا  عن سلسلة الينابيع : ج 24 ص 226); 17 ـ الوسيلة (نقلا عن سلسلة الينابيع :  ج 24 ص 265); 18 ـ اصباح الشيعة (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 24 ص 289);  19 ـ السرائر (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 25 ص 307); 20 ـ شرايع الإسلام (نقلا عن  سلسلة الينابيع : ج 25 ص 392); 21 ـ المختصر النافع (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 25  ص 473); 22 ـ الجامع للشرايع (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 25 ص 490); 23 ـ قواعد  الأحكام (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 25 ص 599); 24 ـ اللمعة الدّمشقية (نقلا عن سلسلة  الينابيع : ج 25 ص 648); 25 ـ تبصرة المتعلمين (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 40  ص 417); 26 ـ إرشاد الأذهان (نقلا عن سلسلة الينابيع : ج 40 ص 445).

[213]

وعليه فلا إشكال من وجهة نظر فقهاء الإسلام في هذا الحكم.

* * *

2 ـ ضمان العاقلة حسب الروايات الفقهية

ولقد وردت في هذه المسألة روايات كثيرة في كتب الشيعة والسنّة; حتى ادّعى بعض العلماء(1) انّها متواترة(2).
وهذه الروايات تنقسم إلى طائفتين:
1 ـ الرّوايات التي تدلّ صراحة على انّ دية قتل الخطأ المحض، على العاقلة.
2 ـ الرّوايات التي تذكر جزئيات مسألة العاقلة، وهي تدل على بحثنا بشكل غير مباشر.
ونشير هنا إلى خمس روايات من كل طائفة.

الطّائفة الاُولى (الرّوايات الصّريحة):

1 ـ روى سلمة بن كهيل ـ من خواص أصحاب أمير المؤمنين (عليه السلام) ـ قال: «أُتي أمير المؤمنين (عليه السلام)برجل قد قتل رجلا خطأً ... فان كان رجل منهم يرثه له سهم في الكتاب لا يحجبه عن ميراثه أحد من قرابته فألزمه الدّية، وخذه بها نجوماً في ثلاث سنين...»(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) من جملتهم العاملي;، صاحب كتاب مفتاح الكرامة، كما تقدّم.
(2) الرّواية المتواترة هي الرّواية التي تولد اليقين بصدورها عن المعصوم (عليه السلام)، وبتعبير آخر، إذا  كانت الأحاديث الواردة في مسألة معينة كثيرة إلى درجة تبعث على الاطمئنان بصدورها عن  المعصوم (عليه السلام) فهي متواترة.
(3) الوسائل : ج19، أبواب العاقلة ، الباب2، الحديث1.

[214]

2 ـ روى صاحب كتاب الجعفريات عن علي (عليه السلام) قال: «في النفس الدّية ... وإذا كان خطأً جعلت الدّية ... على العاقلة»(1).
3 ـ روى صاحب كتاب «دعائم الإسلام» عن الإمام الصادق (عليه السلام) عن آبائه (عليهم السلام) : «إنّ أمير المؤمنين (عليه السلام) قضى في قتل الخطأ بالدّية على العاقلة، وقال: تؤدّى في ثلاث سنين، في كل سنّة ثلث»(2).
4 ـ وروى أيضاً في رواية اُخرى عن أمير المؤمنين (عليه السلام) انّه قال: «ليس على العاقلة دية العمد، وإنّما عليهم دية الخطأ»(3).
5 ـ يقول الشافعي وهو أحد الأئمة الأربعة عند أهل العامة: وجدنا عاماً في أهل العلم وهي: «أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله)قضى في جناية الحرّ المسلم على الحر خطأ بمائة من الإبل على عاقلة الجاني»(4).
والحاصل، إنّ هذه الروايات الخمس ـ وهي جزء من كثير ـ صريحة في الدّلالة على أنّ دية قتل الخطأ المحض على العاقلة.

الطّائفة الثّانية (وهي الرّوايات الدالّة بشكل غير مباشر):

1 ـ روى أبو بصير ـ وهو أحد أصحاب الإمام الباقر (عليه السلام) ـ عن الباقر (عليه السلام) قال: «لا تضمن العاقلة عمداً ولا إقراراً ولا صلحاً»(5).
2 ـ روى أبو مريم عن الباقر (عليه السلام) قال: «قضى أمير المؤمنين (عليه السلام) أن لا يُحمل على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مستدرك الوسائل : ج 18، أبواب ديات النفس، الباب2، الحديث1.
(2) نفس المصدر.
(3) مستدرك الوسائل : ج18، أبواب العاقلة، الباب 3، الحديث 4.
(4) السنن الكبرى، المجلد8، ص109.
(5) الوسائل : ج19، أبواب العاقلة، الباب 3، الحديث1.

[215]

العاقلة إلاّ الموضحة(1) فصاعداً»(2).
3 ـ روى زيد بن علي بن الحسين (عليه السلام) عن أجداده أنّهم قالوا: «لا تعقل العاقلة إلاّ ما قامت عليه البيّنة»(3).
4 ـ روى في دعائم الإسلام عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) انه قال: «إذا أقرّالرّجل بقتل خطأ وجراحة فعليه الدّية من ماله في ثلاث سنين، فان شهد شهود أنّ قتله خطأ فقد صدّقوه والدّية على عاقلته»(4).
5 ـ روى محمد بن مسلم عن الإمام الباقر (عليه السلام) قال: «كان أمير المؤمنين (عليه السلام) يجعل جناية المعتوه على عاقلته خطأً كان أو عمداً»(5).
وخلاصة ما يستفاد من هذه الروايات الخمسة ـ وهي نماذج لكثير من الروايات الاُخرى ـ هو أنّ أصل ضمان العاقلة كان واضحاً عند أصحاب الأئمّة(عليهم السلام)، ولذا نجدهم يسألون عن تفاصى وجزئيات هذه المسألة، فيجيبهم الأئمة (عليهمالسلام)على ذلك.
والنّتيجة هي إنّنا نستفيد مطلبين من الرّوايات العشر السّابقة:
1 ـ إنّ العاقلة ضامنة لدية قتل الخطأ المحض.
2 ـ إنّ ضمان العاقلة مشروط بشروط خاصة وليس مطلقاً، فمثلا في صورة إقرار القاتل بالقتل، أو صورة المصالحة و... لا تضمن العاقلة الدّية.

* * *

ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) للجناية على أعضاء جسد الإنسان أقسام، أحدها (الموضحة)، وهي التي يظهر فيها العظم  بعد فتق اللحم وجلد العظم، لمزيد من الإطلاع راجع تحرير الوسيلة : ج 2 كتاب الديات،  المقصد الثالث من الشجاج والجراح.
(2) الوسائل : ج 19 أبواب العاقلة الباب 5 ح 1.
(3) الوسائل : ج 19 أبواب العاقلة الباب 9 ح 1.
(4) مستدرك الوسائل : ج 18 أبواب العاقلة الباب 6 ح 1.
(5) الوسائل : ج 19 أبواب العاقلة الباب 11 ح 1.

[216]


3 ـ وجه تسمية العاقلة

ورد في كلمات فقهاء الإسلام الكبار بيان عدّة علل لتسمية أقرباء القاتل الرجال لأبيه باسم «العاقلة» منها:
1 ـ يعتقد البعض انّ كلمة (العاقلة) مأخوذة من (العقل)، والعقل في الأصل بمعنى «المنع»، أي كما انّ عقل الإنسان يمنعه من ارتكاب المخالفات، فالعاقلة أيضاً تمنع الجاني من تكرار ارتكاب هذا النوع من الخطأ، وتنصحه بالاحتياط والتحفّظ، ولذا سميت العاقلة بالعاقلة(1).
قد يقال: إنّ حكم العاقلة يرتبط بقتل الخطأ، وفي قتل الخطأ كما هو واضح لم يرتكب القاتل ما يخالف الاحتياط، فانّ الحادثة وقعت صدفة، وعليه فالحكمة المذكورة غير صحيحة هنا، لأنّ القاتل لم يتعمد المخالفة حتى يُلام وينصح بعدم التّكرار.
فنقول في الجواب: صحيح انّ قتل الخطأ المحض يقع صدفةً، ولكن الكثير من المخالفات والجنايات غير العمدية تقع نتيجة لعدم الدقّة وعدم الاحتياط، فالفلسفة المذكورة صحيحة، وهي تحدّ من وقوع مثل هذه الجنايات، والمراد منها بالضّبط هو دعوة الأفراد للتّدبّر والتّأنّي في مثل هذه الموارد.
2 ـ يقول البعض: إنّ التّسمية مأخوذة من «عقال»، وهو ما تربط به الإبل، وذلك انّ الناس سابقاً في بعض البوادي كانوا يأتون بمائة بعير ويعقلونها عند أولياء دم المقتول خطأً، ومن هنا سمي أقرباء القاتل بالعاقلة(2).
3 ـ ويعتقد البعض الآخر أنّ سبب التسمية بالعاقلة لأنّ أقرباء القاتل يعقلون
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) ومن جملة من أشار إلى هذا القول من الفقهاء صاحب الجواهر (قدس سره) في ج43 ص413.
(2) أشار الشّهيد الثّاني في شرح اللمعة : ج 2 ص 420 إلى هذا الرأي.

[217]

ألسنة اللائمين، وذلك لأنهم بدفعهم الدّية يمنعون أولياء دم المقتول من توجيه اللوم والشماتة لهم(1).
4 ـ النّظرية الرّابعة مأخوذة من كلمات بعض الفقهاء واللغويين وهي أنّ رجلا في الجاهلية، لو قتل آخر، دافعت قبيلة القاتل عنه، ومنعت قبيلة المقتول من الإنتقام، بلا فرق في أن يكون القاتل ظالماً متعمداً أو كان قتله خطأً وصدفة.
وعندما جاء الإسلام، ألغى مثل هذا التعصّب الجائر(2)، وأعلن انّ حماية القبيلة لأفرادها حسن، ولكن ليس مطلقاً، وإنما يحق لهم حماية القاتل فيما لو كان القتل خطأً محضاً، وذلك عن طريق دفع دية المقتول.
وعليه، سميت العاقلة عاقلة لأنّها تمنع قبيلة المقتول من الإنتقام الجائر.
وينبغي الالتفات إلى هذه النّكتة، وهي أنّه في بحث التسمية وبيان عللها، لا يشترط أن يكون هناك إرتباط تامّ بينهما كالإرتباط الحاصل بين العلّة والمعلول، أي إرتباطاً حقيقياً تكوينياً، بل يكفي أن يكون الارتباط معقولا. (تأملوا جيداً).

* * *

4 ـ هل يمكن الوقوف على فلسفة الأحكام؟

إنّ علم الإنسان محدود، ويشهد له قوله تعالى: (وَما أُوتِيتُم مِنَ العِلْمِ إلاّ قَلِيلا)(3).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) أشار الشّهيد الثّاني(قدس سره)، في شرح اللمعة : ج 2 ص 420 الى هذا الرأي أيضاً.
(2) لقد أقرّ الإسلام كثير من الطقوس والعادات الجارية في الجاهلية بعد تهذيبها وإصلاحها، فمثلا  كان العرب يعتقدون بشؤم المرأة، فاستفاد الإسلام من هذا الاعتقاد وقال: أنّ شؤم المرأة إنما  هو لأجل مهرها العالي، أمّا لو كان مهرها قليلا فانّها مصدر للبركة والخير وليس الشؤم  والنحس، وبحث العاقلة طبقاً للنظرية الرّابعة من هذا القبيل. راجع الوسائل : ج15 أبواب  المهور، الباب 5.
(3) الاسراء : 85 .

[218]

والرّواية الشّريفة «لا شيء أبعد عن عقول الرجال من دين الله»(1) تدل على أنّ عقله أيضاً محدود. وهل يمكن بهذا العلم والعقل المحدودين درك فلسفة الأحكام الإلهية؟ وعلى فرض إمكان ذلك، هل يجوز لنا أن نخطو في هذا الوادي؟
للإجابة عن هذا السّؤال لابدّ من مراجعة القرآن الكريم، والروايات، وسيرة المعصومين (عليهم السلام)، ومن خلال مراجعة القرآن والسنّة يمكننا استنباط دليلين على الجواز، وهما:
1 ـ لقد أشار القرآن والرّوايات الإسلاميّة إلى فلسفة بعض الأحكام الشرعية، فمثلا نجد انّ القرآن الكريم يرى أنّ فلسفة الصلاة هي تنزيه المصلي عن الفحشاء والمنكر(2) وانّ حكمة الصوم هي الوصول إلى تقوى الله(3)، وانّ علّة تشريع الزّكاة تطهير وتزكية معطي الزّكاة(4)، وبيان كل واحدة من هذه العلل يحتاج إلى ايضاح وتفصيل، وفي الروايات بيان أوسع لفلسفة بعض الأحكام، حتى صنفت كتب في هذا المجال(5)، وهذا بمثابة ضوء أخضر لجواز الدخول في هذا المضار.
2 ـ الدّليل الثاني هو سيرة المعصومين (عليهم السلام)، فعندما يسأل الإمام عن علل الأحكام، نجد أنّه لا يمتنع عن بيانها، فلو أنّ هذا الأمر كان محظوراً لما اقدم عليه الأئمّة (عليهم السلام)، وسيرتهم حجّة.
وبناءً على هذين الدّليلين، يحقّ لنا أن نبحث عن فلسفة الأحكام الشرعية، ويمكن الوصول إلى حكمتها.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) لم نجد هذه الرّواية في المجامع الروائية، ولكن الشّيخ الأعظم(قدس سره) ذكرها في فرائد الاُصول :  ج 1 ص 218 و 255.
(2) العنكبوت : 45.
(3) البقرة : 183.
(4) التوبة : 103.
(5) من بينها كتاب علل الشرائع للمرحوم الصدوق ـ رحمة الله عليه ـ وقد اختص لبيان علل  الأحكام، وفي الوسائل بعض الإشارات إلى فلسفة بعض الأحكام.

[219]

ولكن ينبغي الالتفاف إلى أنّ الأحكام الشّرعية من جهة بيان فلسفتها تنقسم إلى أربعة أقسام:
1 ـ أحكام شرعية لها فلسفة واضحة، ويمكن اعتبارها من المستقلات العقلية(1)، كتحريم السرقة، والكذب، والغيبة، وظلم الآخرين، وغيرها من الاُمور التي يمكن للعقل البشري أن يدرك انّها نوع من الظلم، وقبح الظلم من المستقلات العقلية.
2 ـ الأحكام الشّرعية التي لا تعتبر فلسفتها من المستقلات العقلية، فهي فلسفة غير بيّنة، إلاّ أنّ القرآن الكريم والروايات هي التي تكفّلت ابداء فلسفتها، وهذه الأحكام كثيرة، مثل فلسفة الصلاة والزكاة والصوم.
3 ـ الأحكام الشّرعية التي ليست فلسفتها من المستقلات العقلية، وليست من الأحكام التي بيّن القرآن أو الروايات فلسفتها، ولكن على أثر مرور الزمان وتقدم العلم اتضحت لنا فلسفة وحكمة تشريعها، مثل فلسفة حرمة أكل لحم الخنزير التي توصل العلم اليوم إلى اكتشاف فلسفة تحريمه.
4 ـ الأحكام الشرعية التي لم تتضح فلسفتها بأي من الطرق الثّلاثة السّابقة، مثل عدد ركعات الصلاة، مقادير سهام الارث، نصاب الزكاة، مقادير الديات وغيرها من الأحكام التي لم نتوصل لحدّ الآن إلى معرفة فلسفتها، والنّتيجة هي أنّ الأحكام الشرعية أربعة أقسام، ثلاثة منها يمكن التّعرف على فلسفتها، ويحقّ لنا البحث فيها، وأمّا القسم الرابع فلا يمكن الوقوف على فلسفته(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المستقلات العقلية مصطلح يطلق على الاُمور البديهية التي يدركها كل عاقل، ولا يمكن  إنكارها، كقبح الظلم وحسن الإحسان وإعانة الآخرين.
(2) وهذه النّظرية هي النّظرية الوسط في هذه المسألة، وهناك نظريتان اُخريان : إحداهما لزمت  جانب الإفراط، والاُخرى لزمت جانب التفريط، فالاُولى تقول: إنّ البحث في فلسفة  الأحكام ممنوع مطلقاً! والاُخرى تقول: إنّ معرفة الأحكام ممكنة مطلقاً، وكلا النظريتين  خاطئة، وللأسف فانّ مثل هذا التفريط والإفراط كثير في النظريات التي تبحث في المسائل  العلمية والاجتماعية والثقافية و... وغالباً ما يكون وجود إحدى هاتين الرؤيتين سبباً ورد فعل  لظهور النظرية المعاكسة.