[175]

والجواب عنه أيضاً ظاهر، فإنّ إنكار المنكر وإن كان لازماً إلاّ أنّه غير قادر عليه عن طريق القضاء، فإنّ جواز القضاء بعلمه أوّل الكلام، والتمسّك به من قبيل المصادرة بالمطلوب.
وأمّا من غير طريق القضاء فلا مانع منه في أبواب الحقوق بإيصال الحقّ إلى صاحبه إذا لم يزاحمه غيره، وأمّا في الحدود فلايجوز إجراؤها إلاّ عن طريق القضاء فيعود الإشكال. فهذه الأدلّة ممّا لايسمن ولايغني.

* * *

الروايات الواردة في المسألة

هناك روايات خاصّة واردة في المسألة استدلّ بها على المطلوب لابدّ من ذكرها وذكر مقدار دلالتها :
1 ـ منها ما رواه الحسين بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سمعته يقول : الواجب على الإمام إذا نظر إلى رجل يزني أو يشرب الخمر أن يقيم عليه الحدّ ولايحتاج إلى بيّنة مع نظره، لأنّه أمين الله في خلقه، وإذا نظر إلى رجل يسرق أن يزجره وينهاه ويمضي ويدعه، قلت : وكيف ذلك ؟ قال : لانّ الحقّ إذا كان لله فالواجب على الإمام إقامته وإذا كان للنّاس فهو للنّاس(1).
وهذا الحديث صريحٌ في جواز العمل بل وجوبه إذا ثبت الواقع عنده، ولكنّه خاصٌّ من جهتين :
من جهة كون مبادىء علمه هو النظر والحسّ ومن جهة كونه في حدود الله فقط، ولكنّ ظاهره أنّه إذا كان في حقوق النّاس وطالب صاحبه به وثبت عنده بالمشاهدة جاز له الحكم أيضاً.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 32 من أبواب مقدمات الحدود ح 3.

[176]

ولكنّ سند الحديث قابلٌ للمناقشة، لأنّ الحسين بن خالد ـ كما قيل ـ مردّدٌ بين «الصيرفيّ» الذي لم يثبت وثاقته، و«الخفاف» وهو الحسين بن خالد بن طهمان الذي ثبتت وثاقته عند جماعة، ومع اشتباه حاله لايمكن الاعتماد عليه.
ولو سلّمنا أنّه هو «الخفاف» بقرينةِ رواية «محمّد بن أحمد المحمودي» عن أبيه، عن يونس، عنه، ولكن في السند رجالٌ آخرون مجهولون منهم «علي بن محمّد» المشترك بين جماعة كثيرة، عدّةٌ منهم من المجاهيل وكذا «محمّد بن أحمد العلوي» غير واضح الحال، وكذا أبوه أحمد.
والحاصل أنّ الرواية غير نقيّة من حيث السند.
2 ـ ومنها ما روى في قصة درع طلحة، وهي روايةٌ معتبرةُ السند عن عبدالرحمن بن الحجّاج قال :
دخل الحكم بن عتيبة وسلمة بن كهيل على أبي جعفر (عليه السلام) فسألاه عن شاهد ويمين، فقال : قضى به رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقضى به عليٌّ (عليه السلام) عندكم بالكوفة.
ثمّ ذكر وجدان علي (عليه السلام) درع طلحة بيد عبدالله بن قف التميمي حيث قال عليٌّ (عليه السلام)هذه درع طلحة أخذت غلولاً يوم البصرة، فقال له شريح : هات على ما تقول بيّنةً، ثمّ قال : «ويلك أو ويحك إنّ إمام المسلمين يؤمن من اُمورهم على ما هو أعظم من هذا» !(1).
وجه الدلالة أنّه إذا علم الحال بشهادة إمام المسلمين فلا تنتظر البيّنة وغيرها.
والحديث مشتملٌ على قبول شهادة العبد أيضاً، وهو معروفٌ بين الأصحاب، وقبول الشاهد الواحد واليمين، وهو أيضاً معروفٌ بينهم في الجملة، ويدلّ عليه رواياتٌ عديدةٌ فراجع(2) كما أنّه يشتمل على أخذ الغلول ـ والمراد منه هنا الخيانة في
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 14 من أبواب كيفية الحكم ح 6.
(2) نفس المصدر.

[177]

الغنائم وشبهها ـ ولعلّ المراد منه هو أخذه من طريق الحاكم الشرعي بلا بيّنة.
ولكن يبقى الكلام في أنّه كيف يمكن الركون إلى هذه الرواية في غير العلم الحاصل من المبادئ الحسيّة أو القريبة من الحسّ هذا أوّلاً، وأمّا ثانياً فموضوع الحديث هو إمام المسلمين (الإمام المعصوم (عليه السلام)) فكيف يتعدّى إلى غيره (عليه السلام) ؟
3 ـ ما ورد في قضايا أميرالمؤمنين (عليه السلام) من أنّه :
جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ (صلى الله عليه وآله) فادّعى عليه سبعين درهماً ثمن ناقة باعها منه، فقال : قد أوفيتك. فقال : إجعل بيني وبينك رجلاً يحكم بيننا...
فقال علي (عليه السلام) : ما تدّعى على رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال : سبعين درهماً ثمن ناقة بعتها منه. فقال ما تقول يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) ؟ قال : قد أوفيته ثمنها، قال : يا أعرابي ! أصدق رسول الله (صلى الله عليه وآله) فيما قال ؟ قال الأعرابي : لا، ما أوفاني شيئاً ! فأخرج عليٌّ (عليه السلام) سيفه فضرب عنقه، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : لِمَ فعلت يا علي ذلك ؟ فقال : يا رسول الله (صلى الله عليه وآله)نحن نصدّقك على أمر الله ونهيه وعلى أمر الجنّة والنّار والثواب والعقاب ووحي الله عزّوجلّ ولا نصدّقك على ثمن ناقة الأعرابي ؟ ! وإنّي قتلته لأنّه كذّبك لما قلت له، فقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : أصبت يا عليّ فلا تعد إلى مثلها(1).
ودلالتها على المطلوب إجمالاً ظاهرةٌ، ولكن موردها ما إذا حصل العلم عن طريق إخبار المعصوم والتعدّي إلى غيره مشكل جداً.
4 ـ ونظيره من بعض الجهات ما ورد في شراء النبي (صلى الله عليه وآله) فرساً من أعرابي ثمّ إنكاره وشهادة خزيمة بن ثابت له، ولمّا سألة النبي (صلى الله عليه وآله) بمَ تشهد ؟ قال : بتصديقك يا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فجعل شهادته شهادتين وسمّاه ذا الشهادتين(2).
والكلام والمناقشة فيها بعين ما مرّ في سابقها لانحتاج إلى الإعادة، فهي أيضاً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 18 من أبواب كيفية الحكم ح 1.
(2) نفس المصدر : ح 3.

[178]

دالّةٌ ولكن في مورد خاصٍّ.
5 ـ ما رواه أبان بن عثمان قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) :
«إنّ عليّاً (عليه السلام) وجد امرأةً مع رجل في لحاف واحد فجلّد كلّ واحد منهما مائة سوط غير سوط»(1).
ودلالتها ظاهرةٌ على المقصود، إلاّ أنّه يختصّ بباب الحدود والتعزيرات مع حصول العلم من المبادئ الحسيّة، والتعدّي منهما إلى غيرهما ـ أي ما حصل اليقين فيه من مبادئ حدسيّة ـ يحتاج إلى دليل، وإلغاء الخصوصية هنا غير ممكن لاحتمال الخصوصيّة.
6 ـ وفي رواية اُخرى عن أبي عبدالله (عليه السلام) :
«أنَّ عليّاً (عليه السلام) وجد رجلاً وامرأةً في لحاف واحد فضرب كلّ واحد منهما مائة سوط إلاّ سوط»(2).
ودلالتها كسابقتها والكلام في عدم عمومها أيضاً كالكلام في عدم عموم تلك.
7 ـ ما رواه هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
إنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) رأى قاصّاً في المسجد فضربه بالدرّة وطرده(3).
والكلام فيه كالكلام في سابقيه، والظاهر أنّ المقصود من القاصّ من يقصّ قصصاً لهويّةً تشغل الناس عن عبادة الله، وهو المشار إليه في قوله تعالى : (ومن الناس من يشتري لَهو الحديث)(4) (على بعض التفاسير).
8 ـ ما رواه الشيخ بإسناده في قضايا أميرالمؤمنين (عليه السلام) عن محمّد بن قيس عن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 19.
(2) الوسائل : ج 18 ب 10 من أبواب حدّ الزنا ح 20.
(3) الوسائل: ج 18 ب 4 من أبواب بقية الحدود ح 1.
(4) لقمان : 6.

[179]

أبي جعفر (عليه السلام) من اختلاف جاريتين ولدت إحداهما إبناً والاُخرى بنتاً كلّ واحدة منهما تدّعي الابن، فتحاكما إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام) فأمر أن يوزن لبنهما وقال : أيّتهما كانت أثقل لبناً فالابن لها(1) (والقصّة طويلة نقلناها بالمعنى).
والظاهر أنّ الوجه فيه كون خلقة الذكور أشدّ من خلقة الإناث، فالأوّل جنسٌ ثقيلٌ يناسبه الغذاء واللبن الثقيل، والثّاني جنسٌ لطيفٌ يناسبه الغذاء اللطيف، ومن حكمة الله تعالى إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه فإنّه الّذي أعطى كلّ شيء خلقه ثمّ هدى.
بل الظاهر أنّ اللبن بحسب الدقّة يتغيّر من حيث الوزن والأجزاء التركيبيّة كلّ يوم، وفقاً لنموّ الطفل واقتضاء بدنه !
والحاصل أنّه حصل له العلم من هذا الطريق الدقيق بأنّ صاحبة اللبن الثقيل هي صاحبة الابن، والاُخرى صاحبة البنت، فيجوز عمل القاضي بعلمه في أمثال هذا المقام.
هذا ولكن غاية ما يستفاد منه جواز قضائه بما حصل له من طرق حسيّة أو قريبة من الحسّ كما في مورد الرواية لا أكثر، وأنّى لنا إلغاء الخصوصية منها لتعمّ الطرق الحدسيّة ؟ !
9 ـ ما ورد في قضاياه (عليه السلام) أيضاً بالإسناد السابق عن أبي جعفر (عليه السلام) :
توفّى رجلٌ على عهد أميرالمؤمنين (عليه السلام) فخلّف ابناً وعبداً، يدّعى كلّ واحد منهما أنّه الابن، وأنّ الآخر عبدٌ له، فأتيا أميرالمؤمنين (عليه السلام) فتحاكما إليه، فأمر (عليه السلام) أن يثقب في حائطِ المسجد ثقبين، ثمّ أمر كلَّ واحد منهما أن يدخل رأسه في ثقب ففعلا ثمّ قال : يا قنبر جرِّد السيف، وأشار إليه لا تفعل ما آمرك به، ثمّ قال : اضرب عنق العبد فنحّى العبدُ رأسه، فأخذه أميرالمؤمنين (عليه السلام).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 21 من أبواب كيفية الحكم ح 6.

[180]

وقال للآخر : أنت الابن وقد أعتقت هذا وجعلته مولى لك(1).
وهذا أيضاً من موارد حصول العلم من الطرق القريبة من الحسّ فإنَّه من الواضح أنّ كلّ من رأى مثل هذه الحركة يحصل له العلم بأنّ العبد هو الذي جذب رأسه من الثقب.
اللّهمّ إلاًّ أن يقال : هذا من مصاديق الإقرار العملي، ولكن يظهر من الرجوع إلى كلماتهم (قدس سرهم) أنّ الإقرار لابدّ أن يكون باللفظ الصريح فلا يكفي الإقرار بالفعل(2).
وفي قضيّة اُخرى شبيهةٌ بهذه القضيّة أنّ العبد اعترف وأقرّ باللفظ الصريح بعدما رأى ذلك(3).
لكنهما قضيّتان مختلفتان متشابهتان من بعض الجهات، فلا تقاس إحداهما على الاُخرى، وعدم دلالة الأخيرة على المقصود لايوجب رفع اليد عن الاُولى.
10 ـ ما رواه المفيد في الإرشاد وقال :
روت العامّة والخاصًّة أنّ امرأًتين تنازعتا على عهد عمر في طفل ادّعته كلّ واحدة منهما، ولداً لها بغير بيّنة، ولم ينازعهما فيه غيرهما، فالتبس الحكم في ذلك على عمر، ففزع فيه إلى أميرالمؤمنين (عليه السلام) فاستدعى المرأتين ووعظهما وخوّفهما، فأقامتا على التنازع، فقال علي (عليه السلام) إيتوني بمنشار فقالت المرأتان : فما تصنع به ؟ !
فقال : أقدّه نصفين لكلّ واحدة منكما نصفه ! فسكتت إحداهما وقالت الاُخرى : الله الله يا أبا الحسن ! إن كان لابدّ من ذلك فقد سمحت به لها، فقال : الله أكبر هذا منك، دونها، ولو كان ابنها لرقّت عليه وأشفقت، واعترفت الأُخرى أنّ الحقّ
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 21 من أبواب كيفية الحكم ح 9.
(2) لاحظ جواهر الكلام : ج 35 ص 5.
(3) الوسائل : ج 18 ب 21 من أبواب كيفية الحكم ح 4.

[181]

لصاحبتها وأنّ الولد لها دونها(1).
ولايخفى أنّ ذيلها وإن اشتمل على اعتراف المرأة الكاذبة ولكن حكمه (عليه السلام) إنّما صدر قبل هذا الإقرار، وهو دليل على المقصود. ولكنّ المشكل السابق موجودٌ فيها، وهو حصرها في العلم الحاصل من المبادئ القريبة من الحسّ الذي يحصل العلم بها لكلّ أحد، نعم هي واردةٌ في حقوق الناس فهي من هذه الناحية أقوى من بعض ما سبق.
11 ـ ما رواه أبو الصباح الكناني عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
أتى عمر بامرأة قد تزوّجها شيخٌ، فلمّا أن واقعها مات على بطنها فجاءت بولد، فادّعى بنوه أنّها فجرت وتشاهدوا عليها، فأمر بها عمر أن ترجم، فمرّ بها على عليٍّ (عليه السلام) فقالت : يابن عمّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) إن لي حجّةً قال : هاتي حجّتك فدفعت إليه كتاباً فقرأه فقال : هذه المرأة تعلّمكم بيوم تزوّجها ويوم واقعها وكيف كان جماعه لها، ردّوا المرأة، فلمّا كان من الغد دعى بصبيان أتراب ودعا بالصبيّ معهم فقال لهم : العبوا، حتّى ألهاهم اللعب، قال لهم اجلسوا حتّى إذا تمكّنوا، صاح بهم فقام الصبيان وقام الغلام فاتّكى على راحتيه، فدعى به علي (عليه السلام)وورّثه من أبيه، وجلّد إخوته المفترين حدّاً حدّاً. فقال عمر : كيف صنعت ؟ فقال : عرفت ضعف الشيخ في تكأة الغلام على راحتيه(2) (تكأة من وكأ بمعنى الإتّكاء على شيء).
ثمّ إنّه، هل الحكم كان مستنداً إلى الكتاب أو إليه وإلى ما رأى من ضعف الغلام الذي يشهد أنّه من ولد الشيخ ؟
وهل مجرّد الإتّكاء على راحتيه يوجب العلم بذلك، أو لايوجب إلاّ لمثل عليٍّ (عليه السلام)
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 21 من أبواب كيفية الحكم ح 1.
(2) نفس المصدر : ح 3.

[182]

العالم بدقائق الاُمور الخفيّة ؟
ولعلّ هناك قرائن اُخرى لم يصرّح (عليه السلام) بها في الحديث.
والذي يسهّل الخطب أنّ الرواية مرسلةٌ ولم يثبت شهرة العمل بها على فرض شهرة روايتها كما لايخفى.
والحاصل أنّه يشكل الفتوى بمضمونها لو وقع مثل هذه الحدث للفقيه الحاكم للشرع.
12 ـ ما رواه سليمان بن خالد عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
في كتاب عليٍّ (عليه السلام) أنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه فقال : يا ربّ كيف أقضي فيما لم أرَ ولم أشهد ؟ قال : فأوحى الله إليه : اُحكم بينهم بكتابي وأضفهم إلى أسمى فحلّفهم (تحلّفهم) به وقال : هذا لمن لم تقم له بيّنةٌ(1).
13 ـ ومثله ما عن أبان بن عثمان عمّن أخبره عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال :
في كتاب عليٍّ (عليه السلام) أنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه القضاء قال : كيف أقضي بما لم تَرَ عيني ولم تسمع اُذني ؟ فقال : اقضِ عليهم بالبيّنات وأضفهم إلى إسمى يحلفون به وقال : إنّ داود (عليه السلام) قال : يا ربّ أرني الحقّ كما هو عندك حتّى أقضي به قال : إنّك لا تطيق ذلك فألحَّ على ربّه حتّى فعل، فجاءه رجلٌ يَستعدي على رجل فقال : إنّ هذا أخذ مالي فأوحى الله إلى داود أنّ هذا المستعدي قتل أبا هذا، وأخذ ماله، فأمر داود بالمستعدي فقتل وأخذ ماله، فدفع إلى المستعدى عليه قال : فعجب النّاس وتحدّثوا حتّى بلغ داود (عليه السلام) ودخل عليه من ذلك ما كره فدعا ربّه أنّ يرفع ذلك ففعل(2).
14 ـ ومثله ما عن محمّد بن قيس عن أبي جعفر (عليه السلام) قال :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 1 من أبواب كيفية الحكم ح 1.
(2) نفس المصدر : ح 2.

[183]

إنّ نبيّاً من الأنبياء شكى إلى ربّه كيف أقضي في اُمور لم أخبر ببيانها ؟ قال : فقال له : ردّهم إليَّ وأضفهم إلى إسمى يحلفون به(1).
15 ـ ما عن أبي عبيدة الحذّاء عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث قال :
إذا قام قائم آل محمّد (عليه السلام) حكم بحكم داود (عليه السلام) لايسأل بيّنةً(2).
16 ـ ومثله ما عن أبان قال : سمعت أبا عبدالله يقول :
لاتذهب الدنيا حتّى يخرج رجلٌ منّي يحكم بحكم آل داود ولا يسأل بيّنةً يعطى كلّ نفس حظّها(3).
17 ـ ما رواه أبو بصير قال : سمعت جعفراً (عليه السلام) يقول :
«إنّ عليّاً (عليه السلام) قضى في رجل تزوّج إمرأةً لها زوجٌ فرجم المرأة وضرب الرجل الحدّ ثمّ قال : لو علمت أنّك علمت، لفضخت رأسك بالحجارة(4) (الفضخ هو كسر الشيء ولايكون إلاّ في الشيء الأجوف كما في بعض كتب اللغة ولعلّ استعمال هذه الكلمة من أمير الفصحاء إشارةٌ إلى أنّه لايقدم على هذا إلاّ الجاهل الأحمق).
وعلى كلّ حال وجه الدلالة ظاهرٌ، وهو أنّه وإن كان أصل الجرم في ظاهر المسألة قد ثبت بدليل آخر ـ أعني تزوّج أمرأة لها زوجٌ ـ ولكن خصوصية كون المتزوّج عالماً بأنّ لها زوجاً إن ثبتت بالعلم حكم بها، فهذا دليلٌ على كفاية العلم في مقام القضاء.
ولكنّ الإنصاف أنّه لا إطلاق فيها من جهة أسباب العلم لأنّه ليس في مقام بيان
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 1 من أبواب كيفية الحكم ح 3.
(2) نفس المصدر : ح 4.
(3) نفس المصدر : ح 5.
(4) نفس المصدر : ب 27 من أبواب حدّ الزنا ح 7.

[184]

الخصوصيّات من ناحية العلم بل مراده (عليه السلام) ثبوت هذا الحكم إجمالاً في مقابل الحدّ المذكور فيها.
18 ـ وقد استدلّ في المقام أيضاً ببعض ما ورد في باب الفتوى، مع الغفلة عن الفرق بين المقامين، مثل ما ذكره ابن قدامة في المغني من الاستدلال للقول بالحجيّة بأنّ النبيّ (صلى الله عليه وآله) لمّا قالت له هند : «إنّ أبا سفيان رجلٌ شحيحٌ لايعطي من النفقة ما يكفيني وولدي»، قال (صلى الله عليه وآله) : «وخذي ما يكفيك وولدك بالمعروف»(1).
فحكم لها من غير بيّنة ولا إقرار لعلمه بصدقها.
ولكنّ الإنصاف أنّها أجنبيّةٌ عن باب القضاء فهي من قبيل الفتوى بالمقاصّة وأخذ الحقّ من دون إقامة الدعوى، فلذا لم يحضر أبا سفيان ولم يسأله ولم يقم بسائر ما يعتبر في باب القضاء مع أنّها اُمورٌ لازمةٌ واجبةٌ فيه.
إلى هنا تمّ الكلام في ما استدلّ أو يمكن الاستدلال به على حجيّة علم القاضي ممّا وجدناه في طيّات كتب الحديث وسنتكلّم إن شاء الله يستفاد من مجموعها.
إلى هنا تمّ الكلام في أدلّة القائلين بحجية علم القاضي من الروايات وغيرها.

* * *

نتيجة الكلام

تحصّل من جميع ما ذكرناه من الأدلّة، ومن ضمّ الأحاديث المتضافرة بعضها إلى بعض، وجبر ضعف بعضها بقوة بعض، اعتبار علم القاضي إجمالاً من دون اختصاصه بالإمام المعصوم (عليه السلام)، ولكنّ القدر المتيقّن منها اعتبار العلم الحاصل من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) المغني : ج 11 ص 400، ونقله البخاري أيضاًً في صحيحه : ج 9 ص 89 في كتاب الأحكام  من باب القضاء على الغائب.

[185]

«المبادئ الحسّية» أو «القريبة من الحسّ».
والمراد منها ملاحظة القرائن الحسّية التي تدلّ على المقصود، دلالةً يقبلها كلّ من رآها، أو جلّ من رآها، لابتنائها على مقدمات حسّية.
فمثل نزاع المرأتين في الولد، وطلبه (عليه السلام) المنشار، ورقّة الاُمّ إلى آخرها، وكذا قضية نزاع المولى والعبد والأمر بضرب عنق العبد وما أشبه ذلك، كلّها من هذا القبيل، ولذا يحصل العلم منها لكلّ من رأى هذه المقدّمات.
أمّا لو حصل العلم من مقدّمات ظنّية حدسية، وحصل من تراكم هذه الظنون علمٌ حدسيٌّ، كما هو المعمول به في بعض القوانين الموجودة في عصرنا، يشكل الحكم به، لعدم الدليل على حجّية مثل هذا العلم في باب القضاء، وقد عرفت أنّ الأصل في المقام، عدم حجّية قضاء أحد على أحد إلاّ ما ثبت بالدليل.
ومّا يؤيد عدم اعتبار القسم الأخير أنّه لو كان ذلك حجّةً كان مظنّةً لانحراف القضاة عن منهج العدل والقضاء الشرعي لأنّهم ليسوا بمعصومين، وقد مرّ فتوى بعض فقهاء العامّة، وأنّه كان يفتي بحجّية علم القاضي في أوّل أمره، ثمّ لمّا رأى آثاره الفاسدة رجع عن فتواه وأفتى بعدم حجّيته مطلقاً(1).
أضف إلى ذلك أنّه يوجب التهمة للقضاة وإن مشوا على نهج الحقّ والطريقة الوسطى، كما مرّ في بعض الأحاديث الحاكية عن طلب بعض الأنبياء (عليه السلام) من الله أن يكون عالماً لا من الطرق الحسّية والعادية بالواقع، ثمّ لمّا استجيبت دعوته وحكم بمقتضاه تعجّب النّاس وتحدّثوا بما يدلّ على سوء ظنّهم بحكم النبيّ (صلى الله عليه وآله)، فطلب من الله أن يرفع هذا العلم فرفع، فإذا كان الأمر كذلك بالنسبة إلى الأنبياء فما ظنّك بغيرهم !
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مرّ ذلك عند نقل الأقوال عن الشافعي.

[186]

فعلى هذا فَتح باب هذه العلوم في المحاكم الشرعية يوجب سلب اعتماد الناس عنها، وقد يكون سبباً لأن تزلّ أقدام القضاة.
ويؤيّده أيضاً أنّا لم نسمع في القضايا المنقولة عن النبيّ (صلى الله عليه وآله) ووصيّه أميرالمؤمنين والأئمّة المعصومين من بعده (عليهم السلام) حكمهم بالمبادئ الحدسية والعلم الحاصل منها.
إن قلت : أليس ما مرّ في بعض الروايات عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) من فهم صدق المرأة في دعواها ولادة الولد من زوجها الذي كان شيخاً كبيراً، بضعف الولد عن القيام كسائر أترابه من الصبيان، من العلم الحاصل من المبادئ الحدسيّة ومع ذلك قد حكم (عليه السلام) بلحوق الولد بمثل هذا الزوج.
قلت : قد عرفت أنّ الحديث المذكور لايخلو عن الإشكال سنداً ودلالةً، أمّا الأوّل فلكونه مرسلاً، وأمّا الثّاني فلأنّ مجرّد ذلك قد لايوجب العلم بولادة الولد من أب هَرم. فلعلّ عدم قدرة الصبي عن القيام كان لمرض فيه أو ضعف من ناحية اُخرى. فلابدّ من حمله على محامل اُخرى أو ردّ علمه إلى أهله، ولايمكن الركون إليه في مثل هذه المسألة.

* * *

أدلّة المانعين عن حجيّة علم القاضي

قد ظهر ممّا ذكرنا أثناء البحث السابق كثيرٌ من أدلّتهم :
1 ـ منهم : قوله (صلى الله عليه وآله) :
إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان(1).
وما أشبه ذلك، فطريق القضاء منحصرٌ في هذين وليس علم القاضي منهما.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 2 من أبواب كيفية الحكم ح .

[187]

2 ـ ومنها : قوله (عليه السلام) :
أحكام المسلمين على ثلاثة : شهادةٌ عادلةٌ أو يمينٌ قاطعةٌ أو سنّةٌ ماضيةٌ...(1).
والعلم ليس من هذه الثلاثة، إلى غير ذلك من أمثاله.
ويمكن الجواب عنهما بأنّهما من قبيل العامّ وكلّ عامّ يقبل التخصيص، ولا مانع في أن يقال : إنّما أقضي بينكم بالبيّنات والإيمان وكذا بما ثبت لي من طريق الحسّ أو ما يقارب الحسّ.
نعم، لابدّ من قيام الدليل على التخصيص، وقد عرفت قيامه على ذلك.
3 ـ ومنها : ما ذكرنا من المؤيّدات التي قد تجعل جملتها دليلاً، من كون العمل به موجباً للتهمة وسوء الظنّ، وغير ذلك من المفاسد.
وقد عرفت الجواب عنها وأنّ ذلك إنّما يتصور في خصوص ما حصل من المبادئ الحدسيّة النظرية، فإنّها الموجبة للفساد واتّهام القاضي دون الحسّية أو ما قارب الحسّ، فإنّهما مقبولان عند جميع الناس كالقضايا المحكية عن أميرالمؤمنين(عليه السلام).
4 ـ ومنها : ما استدلّ به أيضاً من اُمور ضعيفة واهية، مثل أنّ عمل القاضي بعلمه تزكيةٌ لنفسه وهي قبيحةٌ ! أو أنّ بناء الحدود على المسامحة والدرء ومع حجّية علم القاضي يتّسع نطاقها. وما أشبه ذلك ممّا لا حاجة إلى ذكره الجواب عنه لوضوح فساده.
5 ـ بعض الأحاديث الواردة في الباب مثل ما يلي :
أ ـ ما رواه البيهقي في سننه عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في قضية الملاعنة :
لو كنت راجماً من غير بيّنة لرجمتها(2).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 18 ب 1 من أبواب كيفية الحكم ح 6.
(2) سنن البيهقي : ج 7 ص 407.

[188]

وقد ذكرها في مفتاح الكرامة في أدلّة المانعين أيضاً(1).
ولكن الإنصاف أنّ القضيّة مبهمةٌ. والذي يشهد بعض القرائن به أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) علم من بعض القرائن أنّ هذه المرأة كانت كاذبةً في دعواها «عدم الفجور»، ولاسيّما مع قول ابن عباس في ذيلها :
«تلك المرأة التي أعلنت السوء في الإسلام» فقد كانت منحرفةً معروفةً مشهورةً، وأتت بولد من غير زوجها وشهدت بعض القرائن الأُخرى بفجورها. فمن جميع ذلك حصل له (صلى الله عليه وآله) العلم بذلك، فتكلّم (صلى الله عليه وآله) بهذه المقالة.
وجه الاستدلال بها أنّها تدلّ على حصر طريق ثبوت الرجم بالبيّنة فلا يكفي العلم مطلقاً.
ويمكن الجواب عنه ـ مضافاً إلى ضعف سنده لعدم نقله من طرق موثّقة عندنا ـ أنّه لا مانع من الإلتزام بمضمونه وهو عدم كفاية العلم في باب الرجم. إمّا لأنّه كان من العلم الحاصل من المبادئ الحدسيّة، لظهور قول ابن عباس في ذلك، وإمّا لأنّ مطلق العلم ـ ولو حصل من المبادئ الحسيّة ـ غير حجّة في خصوص باب الرجم، فلا يجوز الرجم إلاّ بالشهود الأربعة أو الإقارير الأربعة. فلو رأى القاضي رجلاً أو امرأةً تزني فلا يجوز له الرجم أو الجلد، ففي الواقع باب الزنا ـ أو خصوص الرجم ـ مستثنى من مسألة حجّية علم القاضي لمصالح رآها الشارع المقدّس.