18 ـ ما رواه عبد الاعلى قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الغناء وقلت : أنهم يزعمون أن رسول الله (صلى الله عليه وآله)رخص في أن يقال : جئناكم جئناكم حيونا حيونا نحيّيكم، فقال كذبوا، أن الله عزّوجلّ يقول (وما خلقنا السَمواتِ والأرضَ وَ مَا بَينَهُما لاعبين)(3) (لَو اَرَدنا أن نَتَخِذَ لَهواً لاتَخَذناهُ مِن لَدُنا إن كُنا فاعلين بَل نَقُذِفُ بِالحقِّ عَلَى الباطِلِ، فَيَدْمَغُهُ فإذا هُوَ زاهِق وَ لَكُمُ الوََيْلُ ممّا تَصِفُونَ)(4) ثمّ قال : ويل لفلان ممّا يصف، رجل لم يحضر المجلس(5).
19 ـ ما رواه في المقنع عن الصادق (عليه السلام) قال : شر الاصوات الغناء(6).
20 ـ ما رواه الحسن بن هارون قال سمعت أبا عبدالله (عليه السلام) يقول : الغناء يورث النفاق ويعقب الفقر(7).
21 ـ ما رواه جابر بن عبدالله عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال : كان ابليس أوّل من تغنى وأوّل
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 ص 227 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 12.
(2) الوسائل : ج 12 ص 227 ب من أبواب ما يكتسب به ح 13.
(3) الدخان : 38.
(4) الأنبياء : 17 و 18.
(5) الوسائل : ج 12 ص 228 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 15.
(6) الوسائل : ج 12 ص 229 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 22.
(7) نفس المصدر : ح 23.
[57]
من ناح لمّا أكل آدم من الشجرة تغنى فلما هبطت حواء إلى الأرض ناح لذكره ما في الجنة(1).
22 ـ ما رواه الحسن بن محمّد الديلمي في «الارشاد» قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : يظهر في اُمتي الخسف والقذف قالوا متى ذلك ؟ قال إذا ظهرت المعازف والقينات و...(2).
23 ـ ما رواه عاصم بن حميد قال : قال لي أبو عبدالله (عليه السلام) اَنّى كنت ؟ فظننت أنه قد عرف الموضع، فقلت جعلت فداك أني كنت مررت بفلان فدخلت إلى داره ونظرت إلى جواريه. فقال : ذاك مجلس لا ينظر الله عزّوجلّ إلى أهله أمنت الله على أهلك ومالك ؟(3).
كأنه كانت جواريه مغنيات، وهذا يناسب التعبير بالمجلس في الحديث.
24 ـ ما رواه محمّد بن علي بن الحسين قال : سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت، فقال : ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة، يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء. فأمّا الغناء فمحظور(4).
25 ـ ما رواه الصدوق باسناده عن الأعمش عن جعفر بن محمّد (عليهما السلام) في حديث شرائع الدين قال : والكبائر محرّمة وهي الشرك بالله... والملاهي التي تصد عن ذكر الله عزّوجلّ مكروهة كالغناء وضرب الاوتار....(5) ولايضر التعبير بالكراهة بعد
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : ص 231 ح 28.
(2) نفس المصدر : ح 30.
(3) الوسائل : ج 12 ص 236 ب 101 من أبواب ما يكتسب به ح 4.
(4) الوسائل : ج 12 ص 86 ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 2.
(5) الوسائل : ج 11 ص 262 ب 46 من أبواب جهاد النفس ح 36.
[58]
التصريح بالكبائر المحرّمة.
* * *
الطائفة الرّابعة : ما يدلّ على أن أجر المغنية سحت بحيث يستفاد منه عدم منفعة محلّلة لها من حيث الغناء وهي روايات :
26 ـ ما رواه الصدوق في «اكمال الدين» عن إسحاق بن يعقوب في التوقيعات التي وردت عليه من محمّد بن عثمان العمري بخط صاحب الزمان (عليه السلام) ... وثمن المغنية حرام(1).
27 ـ ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال : قلت لأبي الحسن الأول (عليه السلام)جعلت فداك أن رجلاً من مواليك عنده جوار مغنيات قيمتهن أربعة عشر ألف دينار وقد جعل لك ثلثها فقال : لا حاجة لي فيها إن ثمن الكلب والمغنية سحت(2).
28 ـ ما رواه إبراهيم بن أبي البلاد قال : أوصى إسحاق بن عمر بجوار له مغنيات أن تبيعهن ويحمل ثمنهن إلى أبي الحسن (عليه السلام)... فقال (عليه السلام) : لا حاجة لي فيه أن هذا سحت وتعليمهن كفر والاستماع منهن نفاق وثمنهن سحت(3).
29 ـ ما رواه الحسن بن علي الوشاء قال : سئل أبو الحسن الرضا (عليه السلام) عن شراء المغنية قال : قد تكون للرجل الجارية تلهيه وما ثمنها إلاّ ثمن الكلب وثمن الكلب سحت والسحت في النار(4).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 ص 86 ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 3.
(2) الوسائل : ج 12 ص 87 ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 4.
(3) نفس المصدر : ح 5.
(4) نفس المصدر : ص 88 ح 6.
[59]
30 ـ ما رواه سعيد بن محمّد الطاطرى عن أبيه عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : سأله رجل عن بيع الجواري المغنيات فقال : شرائهن وبيعهن حرام وتعليمهن كفر واستماعهن نفاق(1).
* * *
الطائفة الخامسة : ما دلّ على حرمة استماعه ممّا يعلم منه حرمة أصله وهي أيضاً روايات :
31 ـ ما رواه الحسن قال : كنت اطيل القعود في المخرج لاسمع غناء بعض الجيران قال : فدخلت على أبي عبدالله (عليه السلام) فقال لي يا حسن : (اِن السمعَ والبَصَر وَ الفُؤادَ كُل اُولئكَ كان عنهُ مَسئُولاً) السمع وما وعى، والبصر وما رأى، والفؤاد وما عقد عليه !(2)
32 ـ ما رواه علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر (عليهما السلام) قال : سألته عن الرجل يتعمد الغناء يجلس إليه ؟ قال : لا(3).
33 ـ ما رواه عنبة عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : استماع اللهو الغناء ينبت النفاق كما ينبت الماء الزرع(4).
34 ـ ما رواه مسعدة بن زياد قال : كنت عند أبي عبدالله (عليه السلام) : فقال له رجل : بأبي أنت واُمي إني أدخل كنيفاً ولي جيران وعندهم جوار يتغنين ويضربن بالعود،
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) نفس المصدر : ح 7 (أيضاً في فروع الكافي : ج 5 ص 120 ح 5).
(2) الوسائل : ج 12 ص 231 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 29.
(3) الوسائل : ج 12 ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 3.
(4) نفس المصدر : ص
[60]
فربّما اطلت الجلوس استماعاً مني لهن فقال (عليه السلام) : لا تفعل، فقال الرجل : والله ما اَتيتُهُن، إنّما هو سماع اسمعه باُذني فقال (عليه السلام) : بالله أنت أما سمعت الله يقول : (ان السمع والبصر والفؤاد كلّ اُولئك كان عنه مسئولاً) فقال : بلى والله، كأني لم أسمع بهذه الآية من كتاب الله من عربي ولا عجمي، لا جرم أني لا أعود إن شاء الله، وأني استغفر الله فقال له : قم وأغتسل وصل ما بدا لك فانك كنت مقيماً على أمر عظيم ما كان أسوأ حالك لو مت على ذلك، أحمد الله وسله التوبة من كلّ ما يكره، فإنه لا يكره إلاّ كلّ قبيح والقبيح دعه لأهله فإن لكلّ أهلاً(1).
* * *
الطائفة السّادسة : ما دلّ على حرمة الغناء في القرآن وهي أيضاً روايات :
35 ـ ما رواه في عيون الأخبار... عن الرضا (عليه السلام) عن آبائه عن علي (عليه السلام) قال سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول : أخاف عليكم استخفافاً بالدين، وبيع الحكم، وقطيعة الرحم وان تتخذوا القرآن مزامير تقدّمون أحدكم وليس بأفضلكم في الدين(2).
36 ـ ما رواه عبدالله بن عباس عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حديث قال : ان مناشراط الساعة اضاعة الصلواة... فعندها يكون أقوام يتعلمون القرآن لغير الله ويتخذونه مزامير... ويتغنون بالقرآن...(3).
37 ـ ما رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) :
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 2
(2) الوسائل : ج 12 ص 228 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 18.
(3) الوسائل : ج 12 ص 230 ب 99 من أبواب ما يكتسب به ح 27.
[61]
اقرؤا القرآن بالحان العرب وأصواتها وإياكم ولحون أهل الفسق وأهل الكبائر فإنه سيجئ من بعدي أقوام يرجعون القرآن ترجيع الغناء والنوح والرهبانية لايجوز تراقيهم...(1) اضف إلى ذلك ما دلّ على وضوح حرمته بين الناس وتحاشى الأئمة (عليهم السلام)عنه بحيث يعرفه كلّ أحد مثل :
38 ـ ما رواه معمر بن خلاد عن أبي الحسن الرضا (عليهما السلام) قال خرجت وأنا اُريد داود بن عيسى بن علي، وكان ينزل بئر ميمون وعَلَيّ ثوبان غليظان، فلقيت امرأة عجوزاً ومعها جاريتان فقلت : يا عجوز ! اَتُباع هاتان الجاريتان ؟ فقالت : نعم ولكن لا يشتريهما مثلك ! قلت : ولِمَ ؟ قالت : لأن أحداهما مغنية والاُخرى زامرة...(2).
وما دلّ على نزول البلاء على بيوت الغناء مثل :
39 ـ ما رواه زيد الشّحام قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) بيت الغناء لا تؤمن فيه الفجيعة، ولا تجاب فيه الدعوة ولا يدخله الملك(3).
هذه أربعون حديثاً تقريباً، فيها صحاح وغيرها ودلالتها على المطلوب قوية، لاسيّما بعد ضم بعضها إلى بعض كما أن سندها متواتر وعليه عمل الأصحاب به.
* * *
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 4 ص 858 ب 24 من أبواب قراءة القرآن ح 1.
(2) الوسائل : ج 12 ص 226 ح 4.
(3) نفس المصدر : ج 12 ص 225 ح 1.
[62]
دليل المخالف
لا شكّ في أن الغناء كان مشتملاً غالباً في تلك الاعصار وفي كلّ عصر على محرّمات كثيرة مضافاً إلى هذا العنوان أهمها : كونها من الجواري اللآتي يحرم استماع صوتهن قطعاً بهذه الكيفية، فإذا لم يرضَ الشارع «خضوعهن في القول» فكيف يرضى بمثل ذلك ؟ !
وكذا الضرب بآلات اللهو، واشتمالها على وصف ما يحرم، أو يوجب الفساد في القلوب. ومخالطة الرجال بالنساء إلى غير ذلك من المحرّمات.
ولا أقل أن هذه الأربعة ممّا كانت من المقارنات الغالبة بل وقد تزيد عليها اُمور اُخرى أحياناً كشرب الخمور، ومزاولة الغلمان، وغيرهما، ولايزال المترفون والجبارون وأهل المعاصي يتعاطونها بهذه الكيفية، فهل هي ناظرة إلى هذا الفرد الشايع الغالب المقارن للمحرّمات، أو نفس عنوان الغناء مجرّداً عنها محرّمة ؟
ظاهر ما عرفت من الاطلاقات حرمة الغناء بعنوانه، ولو خلا عن جميع ما ذكر إلاّ أن يدلّ دليل على خلافه.
وغاية ما استدلّ به أو يمكن الاستدلال له اُمور :
الأوّل : ما ذكره في الوافي (وقد أشرنا إليه آنفاً) من أن الذي يظهر من مجموع روايات الغناء أنها ناظرة إلى ما كان متعارفاً في زمن بني اُمية وبني العباس من اختلاط الرجال بالنساء، وتكلمهن بالاباطيل، ولعبهن بالملاهي، وأمّا غير ذلك فلا محذور فيه فلابأس بسماع الغناء بما يتضمن ذكر الجنّة والنار والتشويق الى دار القرار والترغيب إلى الله وإلى طاعته. (انتهى ملخصاً)(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوافي : ج 3 ص 35 باب ما جاء في الغناء من أبواب وجوه المكاسب.
[63]
هذا وقد عرفت أن هذا الانصراف لا وجه له بعد أخذ هذا العنوان في متن الأحاديث الكثيرة الظاهرة في حرمته بنفسه.
الثّاني : الروايات الكثيرة الدالّة على مدح الصوت الحسن والأمر به في قراءة القرآن وأنه من أجمل الجمال، وأنه صفة الأنبياء الملرسلين وهي كثيرة منها :
1 ـ ما رواه عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : قال النبي (صلى الله عليه وآله) لكلّ شيء حلية، وحلية القرآن الصوت الحسن(1).
2 ـ ما روي عن أبي عبدالله (عليه السلام) قال : كان علي بن الحسين (عليهما السلام) احسن الناس صوتاً بالقرآن وكان السقاؤن يمرون فيقفون ببابه يستمعون قراءته(2).
3 ـ ما رواه أبو بصير قال : قلت لأبي جعفر (عليه السلام) إذا قرأتُ القرآن فرفعتُ به صوتي جاءني الشيطان فقال : إنّما ترائي بهذا أهلك، والناس، فقال : يا أبا محمّد أقرأ قراءة ما بين القراءتين تسمع أهلك... ورجع بالقرآن صوتك فإن الله عزّوجلّ يحب الصوت الحسن يرجع فيه ترجيعاً(3).
4 ـ وما رواه الحسن بن عبدالله التميمي عن أبيه عن الرضا (عليه السلام) قال : قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) : حسنوا القرآن بأصواتكم، فإن الصوت الحسن يزيد القرآن حسناً(4).
وهناك روايات اُخر رواها الكليني في الكافي(5).
هذا والانصاف أنه لا دلالة لشيء من هذه الروايات على ما نحن بصدده من
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 4 ص 859 ب 24 من أبواب قراءة القرآن ح 3.
(2) نفس المصدر : ح 4.
(3) نفس المصدر : ح 5.
(4) نفس المصدر : ح 6.
(5) اُصول الكافي : ج 2 ص 614 باب ترتيل القرآن بالصوت الحسن.
[64]
مسألة الغناء فإن مجرّد الترجيع كما سيأتي ليس غناءاً، بل الغناء نوع صوت لهوى كماسيأتي تعريفه والصوت الحسن أعمّ منه، وما أمر به في القرآن ليس هو القسم اللهوي منه قطعاً نعم لو قلنا بكون مجرّد الترجيع (وهو ترديد الصوت في الحلق) داخلاً في الغناء كان بعض هذه دليلاً على المطلوب، ولعلّ إلى ما ذكرنا يشير بعضها الدالّة على النهي عن «ترجيع القرآن ترجيع الغناء»، فالترجيع له نوعان أحدهما غناء والآخر ليس كذلك.
الثّالث : ما رواه في قرب الأسناد عن علي بن جعفر عن أخيه (عليه السلام) قال : سألته عن الغناء هل يصلح في الفطر والأضحى والفرح قال : لابأس ما لم يعص به(1).
فلو كان المراد من «عدم العصيان به» عدم وجود محرم آخر معه كان دليلاً، وأمّا لو كان عدم العصيان بنفس الغناء أعني الصوت كان دليلاً على الخلاف، ولكن ظاهره أن مجرّد الغناء ليس معصية ولكن سند الحديث محل إشكال.
وروى هذا الحديث علي بن جعفر في كتابه الاّ أنه قال «ما لم يزمر به» وسنده أوضح لصحّته كدلالته لأن عدم التزمر به بمعنى عدم كون المزمار معه فهو دليل على عدم كونه بنفسه حراماً بل بما يقترن معه.
وأمّا ما في مصباح الفقاهة من أن المراد عدم كون الصوت صوتاً مزمارياً(2) فهو يحتاج إلى تقدير أو مجاز وهو مخالف لظاهر الحديث.
كما أن احتمال اختصاص الحكم بمورد الرواية أبعد لأن الفرح أمر عام يشمل جميع أنواع الفرح الذي يقارنه.
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 ص 85 ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 5.
(2) مصباح الفقاهة : ج 1 ص 309.
[65]
الرّابع : ما رواه أبو بصير عن أبي عبدالله (عليه السلام) بعدّة طرق ففي طريق قال : قال (عليه السلام) : اجر المغنية التي تزف العرائس ليس به بأس، وليست بالتي يدخل عليها الرجال(1).
ورواه في الوسائل بطريق آخر يتصل إلى أبي بصير قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام)عن كسب المغنيات فقال : التي يدخل عليها الرجال حرام والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس (الحديث)(2) ودلالته أوضح من سابقه.
وقد يجاب عنهما بأن استثناء زفاف العرائس لا دلالة على جواز ذلك مطلقاً، ولكن يرد عليه أن التعبير فيهما إنّما هو بعنوان عام بل هو شبه تعليل، فإن قوله (عليه السلام) في الأول منهما «وليست بالتي يدخل عليها الرجال» في مقام التعليل، وأوضح منه جعله في الرواية الثّانية في مقابل ما يدعى إلى الأعراس فقال «التي يدخل عليها الرجال حرام، والتي تدعى إلى الأعراس ليس به بأس وهو قول الله عزّوجلّ : (ومن الناس من يشتري لهو الحديث...).
وحيث أن سند الاُولى مصحح، فهي من حيث السند قابلة للاعتماد.
الخامس : ما رواه مرسلاً في الفقيه (محمّد بن علي بن الحسين) وقد مرّت الاشارة إليه قال : سأل رجل علي بن الحسين (عليهما السلام) عن شراء جارية لها صوت فقال : ما عليك لو اشتريتها فذكرتك الجنّة. يعني بقراءة القرآن والزهد والفضائل التي ليست بغناء. فأمّا الغناء فمحظور(3).
وفيه مع ضعف السند أنه لا دلالة له على المطلوب بعد كون الصوت الحسن عاماً
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل : ج 12 ص 85 ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 3.
(2) الوسائل : ج 12 ص 84 ب 15 من أبواب ما يكتسب به ح 1.
(3) الوسائل : ج 12 ص 86 ب 16 من أبواب ما يكتسب به ح 2.
[66]
وبعد التصريح بنفي القسم الذي يدخل في الغناء بل هو على خلاف المطلوب أدلّ.
السّادس : يمكن الاستدلال على المسألة بما دلّ على جواز الحِداء للابل فإن الظاهر أنه نوع غناء، بناءً على تفسيره بالصوت المطرب، وقلنا أن الطرب حالة خفة تعرض النفس لشدّة الفرح أو الحزن فإنه من أظهر مصاديقه حينئذ بل لولا كونه مطرباً ما أفاد فائدة للابل.
نعم، لو قلنا هو الصوت اللهوي المناسب لمجالس أهل الفسوق لم يكن من مصاديقه، وسيأتي الكلام فيه إن شاء الله.
إلاّ إنه لا يوجد دليل على هذا الاستثناء في رواياتنا المعروفة عدى ما يحكى عن طرماح بن عُدي في مسير الحسين (عليه السلام) إلى كربلاء(1) والظاهر أنه حديث مرسل.
نعم، في روايات العامة من ذلك شيء كثير من حداء عبدالله بن رواحه عنده (صلى الله عليه وآله)وحداء غلام يقال له «انجشة» و«البراء بن مالك» ممّا يدلّ كلّه على الجواز(2).
السّابع : ما دلّ على جواز النياحة لاسيّما ما رواه سماعة، قال سألته عن كسب المغنية والنائحة فكرهه(3).
فلو كانت الكراهة بمعناها المصطلح كما هو الظاهر هنا كان دليلاً على المطلوب، ولكن السند لايخلو عن ضعف، هذا مضافاً إلى أنه لو فسر الغناء بالصوت المطرب كانت النياحة من مصاديقه، لاشتمالها على الطرب بمعنى الحزن.
فتلخص من جميع ما ذكرنا أن هناك روايتين معتبرتين تامتي الدلالة على
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مقتل الحسين لعبدالرزاق الموسوي المقرّم : ص 220 (والصفحة 186 حديثه).
(2) السنن للبيهقي : ج 10 ص 227.
(3) الوسائل : ج 12 ص 90 ب 17 من أبواب ما يكتسب به ح 8.
[67]
مطلوب المخالف، والباقي يكون مؤيداً لهما، ولكن هل يمكن الاعتماد عليهما مع مخالفة الأصحاب وإعراضهم عنهما أو حملهما على الاستثناء في بعض الموارد أو على التقية في مقابل الروايات الكثيرة السابقة ؟
ويمكن أن يكون وجه إعراضهم كونها مخالفة للاحتياط أو كون ما يدلّ على قول المشهور أكثر فلا أثر لاعراضهم والحمل على التقية خلاف الظاهر، فعلى هذا، الجمع بينهما وبين الأحاديث المحرّمة بما سبق من المحدّث الكاشاني ممكن، ولكن لايخلو من إشكال وسيأتي له مزيد توضيح بعد بيان حقيقة الغناء.
ويمكن تأييد ما ذكر من الجواز إذا خلا عن المحرّمات الاُخر باُمور :
1 ـ التصريح بدخوله في قول الزور الظاهر أنه بيان بعض مصاديقه الخارجية لا التعبدية، ولعلّه ما اشتمل على مضامين باطلة دون غيره.
2 ـ تفسير لهو الحديث به، وهو يدلّ على كون محتواه باطلاً مُضلاً.
3 ـ ذكر المغنية في أكثر روايات الحرمة أو القينات لا المغني، ولا شكّ أن صوت المرأة مع هذا الوصف حرام بنفسه.
4 ـ ذكر بيت الغناء أو مجلس الغناء أو شبه ذلك ممّا يدلّ على أن المراد ما اشتمل على اُمور اُخر.
5 ـ ما ورد أنه من اللغو أو من الباطل وأن الله إذا ميّز بينهما (الحقّ والباطل) كان من الأول فإنه مشعر باشتماله على أباطيل، ولكن مع ذلك العدول عمّا ذكره المشهور المؤيد بروايات كثيرة متواترة مشكل جدّاً.
* * *
[68]
المقام الثّاني : في معنى الغناء وحقيقته
هذا المقام معركة للآراء والخلاف الشديد بين أهل اللغة وفقهائنا وإليك نبذة ممّا ذكره أرباب اللغة وأكابر الفقه :
1 ـ هو الصوت (كما عن المصباح المنير).
2 ـ هو مد الصوت (كما عن بعض من لم يسم).
3 ـ هو ما مد وحسن ورجع (كما عن القاموس).
4 ـ أنه تحسين الصوت وترقيقه (كما عن الشافعي).
5 ـ كلّ من رفع صوتاً ووالاه فصوته عند العرف غناء (عن محكى النهاية).
6 ـ أنه الصوت المطرب (كما عن السرائر والإيضاح والقاموس).
7 ـ أنه الصوت المشتمل على الترجيع المطرب (كما عن مشهور الفقهاء).
8 ـ كلّ صوت يكون لهواً بكيفية ومعدوداً من الحان أهل الفسوق والمعاصي فهو حرام، وأن فرض أنه ليس بغناء، وكلّ ما لايعد لهواً فليس بحرام وإن فرض صدق الغناء عليه فرضاً غير محقق (اختاره العلاّمة الأنصاري (قدس سره)).
ويظهر ممّا ذكره في ذيل كلامه أن الغناء عنده بمعنى الصوت اللهوي المعدود من ألحان أهل الفسوق وصرّح به بعض محشي المكاسب أيضاً من أعلام العصر(1).
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) مصباح الفقاهة : ج 1 ص 311.
[69]
9 ـ أنه ما سمي في العرف غناءاً وإن لم يطرب (كما أختاره في الحدائق).
10 ـ أنه ما يسمى في العرف غناءاً (حكي عن المشهور أيضاً).
ومن الواضح أن المعاني الخمسة الاُولى ليست تعاريف جامعة ومانعة بل من قبيل شرح الأسم لوضوح أن مجرّد الصوت أو تحسينه أو رفعه وتواليه ليس بغناء قطعاً.
كما أن التعريفين الأخيرين ليس تعريفاً بل اعتراف بعد إمكان ضبطه تحت تعريف جامع، مضافاً إلى أنه يظهر من صاحب الجواهر (قدس سره) وهو من أهل اللسان بأنه الآن مشتبه بين عرف عامة سواد الناس من العرب لعدّهم الكيفية الخاصّة من الصوت في غير القرآن والدعاء وتعزية الحسين غناءاً ونفي ذلك عنها فيها وما ذاك إلاّ لاشتباهه للقطع بعدم مدخلية خصوص الألفاظ فيه(1).
فحينئذ يبقى من هذه المعاني، الثلاثة الأخيرة قبلهما، ففي واحد منها أخذ قيد «الطرب»، وفي الآخر «الترجيع والطرب» وفي الآخر التعريف باللهو المناسب لمجالس أهل الفسوق، فنقول إنّما الكلام في معنى الطرب واللهو، والظاهر أنه ليست الكلمتان أوضح تفسيراً من نفس الغناء !
أمّا «الطرب» فالمعروف في تفسيره في كتب اللغة والفقه أنها خفة عارضة لشدّة سرور أو حزن، وأمّا هذه الخفّة ما هي؟ فهل هي خفة في العقل شبيه السكر الحاصل بأسبابه، أو خفة في النفس بمعنى النشاط والانبساط والانشراح، الذي يكون في كلتا الحالتين، أو لذّة خاصّة حاصلة منهما جميعاً فبعض الأحزان ممّا يلتذ منه الإنسان كالسرور.
والإنصاف أن الطرب ليس أوضح من الغناء كما ذكرنا، حتّى يرفع ابهامه به وإن
ــــــــــــــــــــــــــــ
(1) جواهر الكلام : ج 22 ص 46.
[70]
كان يظهر من بعض العبارات أنها هي النشوة السكرية وهو غير ظاهر.
ثمّ أن المدار على «الطرب» بالفعل لكلّ أحد أو لأكثر أو الطرب بالقوّة، والأول منتف في كثير من مصاديقها.
أمّا «اللهو» فإن كان بمعناه الوسيع فلا إشكال في جوازه في الجملة فإن الذي يُلهي الإنسان عن ذكر الله أو يلهيه عن اُمور الحياة التي يعتادها أكثرها حلال وإن كان بمعنى أخص من هذا فما هذه الخصوصية ؟
نعم، أحسن كلام ذكر في المقام هو ما أفاده شيخنا الأعظم الأنصاري وهو : أن الغناء هي الالحان المناسبة لمجالس أهل الفسوق والمعاصي. ونزيد عليه أن تناسبها المقارنة لضرب الآلات والرقص والتصفيق وشبه ذلك وإن لم تكن بالفعل.
وأمّا الأصوات الحسنة والطيبة وإن كان فيها نوع طرب أعني نشاطاً وانبساطاً وفرحاً أو حزناً كما هو كثير عند قراءة آيات القرآن بالصوت الحسن وذكر الجنّة ونعيمها والنار وعذابها فلابأس به.
نعم، له مصاديق كثيرة مشكوكة والقاعدة تقتضي الأخذ بالقدر المتيقن المعلوم واجراء البراءة فيما زاد عليه فإنه من قبيل الأقل والأكثر الاستقلاليين.
الالحان على ثلاثة أقسام :
ومن الجدير بالذكر أن الالحان فيما نعلمه ونُشاهده على ثلاثة أقسام :
قسم منها لايناسب مجالس الفسوق أصلاً، وقسم منها يختص بها، وقسم ثالث مشترك بين الأمرين فإن كان محتواه أمراً باطلاً فاسداً شهوياً يختصّ بها، وإن كان أمراً صحيحاً حقّاً يكون في مجالس الحقّ أيضاً كما لايخفى على من سبرها.