رمضان برنامج رسالي

 

حسن الصفار

 

دار البيان العربي

 

بسم الله الرحمن الرحيم

{الذين يبلغون رسالات الله ويخشونه ولا يخشون أحداً إلا الله وكفى بالله حسيبا}

صدق الله العلي العظيم

(سورة الأحزاب - 39)

كلمات في البدء

البناية التي تفقد القواعد الثابتة، والأسس الرصينة في جوف الأرض، تكون مهددة بالانهيار والتحطم، ولا يطمئن الإنسان بالجلوس داخلها أو حولها.

وبنفس المعادلة: المبدأ أو القانون الذي لا يمتلك قواعد وأسس ثابتة في النفوس يكون معرضا دائما للمخالفة والانحراف.. وتكون ثقة الناس فيه مهزوزة..

والله سبحانه وتعالى حينما شرع الإسلام وأراد من الناس الإلزام به والمواظبة على تطبيقه جعل له أصولا راسخة وقواعد متينة تشد الناس إلى تنفيذه وعدم الاختلاف عليه والانحراف عنه.

وتلك الأصول والقواعد هي: الأفكار والعقائد الإسلامية

" أصول الدين". فإن أول ما يهتم به الإسلام هو اعتناق الإنسان لهذه العقائد لتكون الأرضية الخصبة لتقبل الفرائض والأحكام الشرعية (فروع الدين).

والآيات الكثيرة- في القرآن الحكيم- التي تحث على العمل الصالح أو تشيد بالقائمين به إنما تذكرة كمرحلة ثانية للعقيدة. يقول القرآن الحكيم وهو يصنف الناس في الحياة إلى فاشلين وناجحين: (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات.. ) العصر- ا-3 ومن مفهوم الآية أن من يعمل الصالحات مع فقدانه للإيمان يكون في قائمة الخاسرين.

وفي آية أخرى يقرر أن العمل الصالح لا يمكن أن يؤدي عطاءه إلا بالإيمان: (ومن يعمل من الصالحات من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فأولئك يدخلون الجنة) النساء- 124.

والنبي- صلى الله عليه وآله- حينما يعرف الدين يقول: " إقرار بالجنان وتصديق باللسان وعمل بالأركان" فالإقرار بالجنان الذي هو العقيدة هو جواز المرور إلى ساحة الدين الإسلامي.

 

***

 

و تفسير هذا الاهتمام الكبير بالعقيدة لأن فيها علاج جميع المشاكل والتساؤلات التي قد يثيرها الإنسان حول الأحكام والتشريعات بالإضافة إلى أنها هي التي تحفز الإنسان للقيام بالتكاليف الشرعية وتخلق لديه الرقابة الداخلية على التطبيق والالتزام.

والذي يتشبث بفروع الدين و جزئياته دون أصوله وقواعده فإنه غير مضمون الاستقامة والالتزام حيث يفقد الضمير الديني والذي تخلقها لعقيدة، وتزدحم لديه علامات الاستفهام حول اكثر الأحكام والفرائض.

وهذه هي المشكلة التي تجعل أكثر شبابنا يقف موقفا سلبيا تجاه كثير من القضايا الشرعية لأنه تلقاها منفصلة عن جذور العقيدة وأصول المبدأ. فالدين الذي عنده كالعمارة التي تفقد القواعد الصلبة والجسور القوية من الطبيعي أن تنهار.

فحينما تخاطب الشاب عن الصلاة: لماذا لا تصلى؟ فانه يجابهك : بل لماذا أصلي؟ !!

وفي مثل هذا الموقف إذا لم يكن للشاب ثروة عقيدية فمن الصعب جدا أن تقنعه بضرورة الصلاة من خلال سرد فوائدها الصحية أو عطائها الاجتماعي.

وتبدو عوارض هذه المشكلة جلية في مثل هذه الأيام حيث يطل علينا شهر رمضان المبارك بأجوائه الروحية وأحكامه الخاصة وذكرياته الخالدة، وحيث نلتقي بالكثير من الأفراد- المسلمين بالهوية- الذين لا يصومون أو لا يقتنعون بالصوم.

وهؤلاء إذا كانوا معتنقين لأفكار الإسلام فمن السهل إقناعهم، حيث أن من أوليات العقائد الإسلامية الاعتقاد بعدالة الله تعالى وحكمته، وذلك يفرض علينا أن لا نتهمه تعالى بالظلم أو بالعبث في التشريع، وإذا كان الصوم من التشريعات الإلهية فلا بد أن يكون صالحا ومهما للحياة، بالإضافة إلى ما نلاحظه من منافع وفوائد يقدمها الصوم للمجتمع.

أما إذا كان الطرف المقابل يفقد النضج العقائدي فعلينا أن نبدأ معه من جديد في ألف باء الإسلام..

ولعل من فوائد شهر رمضان المبارك أنه يثير في المجتمع موجة من التساؤل والالتفات والتفكير نحو الدين فعلينا أن نستغل أجواء هذا الموسم الرسالي لنعيد للناس ثقتهم بعقيدتهم ومبدئهم ونلفتهم إلى مواقع القوة والاستفادة في تشريعاته العظيمة التي يحتل الصوم منها جانبا كبيرا. حتى يكسب رمضان أصدقاء جدد في المستقبل.

- فما هي موقعية الصوم في الفكر الإسلامي؟

- وما هو العطاء الذي يقدمه للمجتمع؟

وكيف يمكن للأمة أن تستفيد من الصوم؟

هذه الأسئلة سنحاول الإجابة عليها في هذه الصفحات والله الموفق.

كيف نستفيد من رمضان؟

الإنسان يجب أن يكون في مسيرة تصاعدية دائمة.. ولا يصح له أبدأ أن يقف عند حد معين.. لأن وقوفه يعني وأد قدراته وبالتالي تجميد ثروات الحياة وشل حركتها..

يقول القرآن الحكيم: (يا أيها الإنسان أنك كادح إلى ربك كدحا فملاقيه ) الانشقاق- 6.

فمسيرة العمل والكدح مستمرة إلى أن تنتهي حياة الإنسان في هذا الكون ويؤوب إلى ربه. (وان ليس للإنسان إلا ما سعى، وان سعيه ســـــــــوف يرى، ثم يجزاه الجزاء الأوفى. وأن إلى ربك المنتهى ) النـجم 39- 42.

وفي الحديث الشريف: من تساوى يوماه فهو مغبون، ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون، ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان، ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة..

وهكذا يحفزنا الإسلام على مواصلة طريق التقدم والتطور، ويطالبنا بالتغيير الدائم والثورة المستمرة، حتى نحقق في أنفسنا التكامل الإنساني، وفق أهداف الرسالة السماوية بيد أن هناك أمراضا عارضة، وعقبات شاقة، تعترض طريق الإنسان نحو الكمال والتقدم.. فتعرقل المسير! وتشل الحركة!

فما هي هذه الأمراض والعقبات وكيف يمكن علاجها والتغلب عليها ليتمكن الإنسان من الاستمرار في خط الثورة والتغيير نحو الأفضل؟

 

ا- الغرور:

أول الأمراض هو مرض الغرور الذي يصور للإنسان أنه قد انتهى إلى آخر الشوط، وتسلق ذروة الكمال، وامتطى سنام المجد، فليوقف السير ويكتف بما حصل فليس بالإمكان أبدع مما كان !!

إن الغرور مرض خطير يشل طاقات الإنسان وقدراته ويبرر له الجمود والتأخر ويحجب عنه آفاق التقدم والتطور، فيجعله يعيش في الدنيا متخلفا بائسا وهو يرى نفسه في أحسن حالة وافضل من ا لآخرين..

يقول الإمام الصادق- عليه السلام- وهو يكشف لنا عن هذه الحقيقـــة:" المغرور في الدنيا مسكين"

ويبقى الإنسان (الفرد أو الأمة) متخلفا وهو لا يعلم أنه متخلف لفترة طويلة من الزمن تحت تأثير أفيون الغرور، الذي يخدر الإنسان ويسكره عن واقعه أكثر من إسكار الكحول والمشروبات المسكرة كما يقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب- عليه السلام-" سكر الغفلة والغرور ابعد إفاقة من سكر الخمور "

وتمتد سيقان الغرور البغيضة إلى جميع جوانب حياة الإنسان.. فقد يصاب بالغرور في الجانب العلمي فيكتفي بما توصل إليه، وينقطع عن الدراسة والبحث وحينئذ لا يرتجى له أي تقدم علمي !!

وقد يكون الغرور في الجانب الاقتصادي حيث ينخدع بما لديه من ثروة ومال فلا يفكر بعد ذلك في إبداع طرق جديدة للاستثمار والاستزادة!!

وحتى في المجال الديني لا يسلم الإنسان من الغرور، فقد يتصور فرد أو تتصور أمة انهم شعب الله المختار، وأن أفكارهم وممارساتهم الدينية هي الطريق الأسلم والأسرع لتحقيق رضا الله، وأن الجنة مضمونة لهم لا محالة، تحت شعار: "اعملوا ما شئتم فان مصيركم الجنة"!!

وحينئذ يتجمد التفكير فلا مجال للمناقشة والبحث والتساؤل، ومن اقدم على ذلك عرض نفسه لتهمة التكفير والمروق من الدين، ومن ثم تنحرف المسارات وينعدم البذل وتقل التضحية ويسود الانحراف!!

واعتقد إن مجتمعاتنا الإسلامية تعاني حاليا من هذا الداء الوبيل في مختلف الجوانب فلأننا نمتلك ثروات هائلة من الذهب الأسود (البترول) تقاعسنا عن الصناعة والزراعة والعلم..

بل صرنا نترفع عن العمل، ونستزري الزراعة ونتكاسل عن الدراسة.. واستهوانا الجلوس على المقاعد الوثيرة واستنشاق هواء المكيفات !! لم نفكر كيف نستثمر هذه الثروة قبل أن تنضب وكيف نحولها إلى كفاءات ومصانع وغذاء..

وطريقة تصرفنا في أموال البترول حيث التلاعب والإسراف والتبذير تؤكد غرورنا بما لدينا وعدم اهتمامنا بمستقبلنا الاقتصادي..

وعلى الصعيد العلمي ضاع عندنا الطموح، واصبح طلابنا و أبناؤنا يكتفون بالشهادة التي تحقق لهم لقمة العيش وتؤمن لهم المنصب فقط ثم يتغنون بتراثهم العلمي وتاريخهم المشرق !!

وفي الناحية الدينية يكون الأمر أكثر وضوحا، فمن قال ( لا اله إلا الله محمد رسول الله دخل الجنة) و (من صلى في المكان الفلاني كذا ركعة كتبت له براءة من النار) و (من بكى أو تباكى دخل الجنة) والآخرون هم حطب جهنم وهم فيها خالدون !!

فالجنة. محجوزة لنا فقط مع أننا لا نمتلك من الإسلام إلا الهوية والطقوس.. تماما كما كان يعتقد اليهود والنصارى حسب ما ينقل عنهم القرآن الكريم (وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) ولكن القرآن يفند اعتقادهم الزائف ويضع مقياسا حقيقيا للفوز برضا الله ودخول جنته ألا وهو الخضوع الكامل لله والمعاملة الحسنة مع عباده، يقول تعالى ( تلك أمانيهم قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين، بلى من اسلم وجهه لله فله اجره عند ربــه ولا خوف عليهم ولاهم يحزنون ) البقرة 111-112.

 

2- السير المعاكس والثورة المضادة:

وثاني هذه الأمراض هو السير المعاكس والثورة المضادة حيث تنعدم الرؤية السليمة، وتفقد النظرة الصحيحة، فيضل الإنسان طريق الحق والتقدم، ويسلك الطريق المضاد، باندفاع وحماس، وهو يتصور أنه إنما يشق طريق الكمال والتقدم، وهو في الواقع إنما يتراجع إلى الوراء ويبتعد أكثر عن خط التطور والكمال. وإلى هذه المشكلة تشير سيدتنا فاطمة الزهراء- عليها السلام- في خطبتها المشهورة حيث تقول:* واطلع الشيطان رأسه من مغرزه هاتفا بكم، فألفاكم لدعوته مستجيبين، وللغرة فيه ملاحظين، ثم استنهضكم فوجدكم خفافا وأحمسكم فألفاكم غضابا (أي: متحمسين ومندفعين لسلوك طريق الضلال) فوسمتم غير ابلكم و أوردتم غير شروركم (أي: اندفعتم في الاتجاه المعاكس لمصلحتكم).. ابتدارا زعمتم خوف الفتنة، إلا في الفتنة سقطوا وأن جهنم لمحيطة بالكافرين"

وقد سقطت بعض شعوبنا الإسلامية في هوة هذا الضلال الخطير، حيث استوردت مناهج باطلة وايديولوجيات منحرفة، وتحمست لتطبيقها و تنفيذها وداست على كل التقاليد والقيم تحت شعارات الثورية والتقدمية.. مع ضجيج إعلامي وصخب شعاراتي ضخم يوهمك باكتشاف طريق الخلاص والعثور على سر التطور والتقدم.

وها نحن نرى تلك الشعوب المخدوعة كيف أفاقت على نفسها بعد فشل تلك التجربة المريرة لتكتشف أنها ابتعدت أكثر عن طريق التطور وتوغلت اكثر في التأخر والتخلف.

وقد حذرنا القرآن الكريم من هذا المرض الخبيث حيث يقول: ( قل هل ننبئكم بالأخسرين أعمالا، الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون انهم يحسنون صنعاً ) الكهف 103-104.

 

3- الانهزامية:

وثمة مرض ثالث قد يصيب من سلم من المرضين السابقين ولا يقل خطورة عنهما.. وهو مرض الانهزام والتراجع أمام عقبات الطريق ومشاق السير نحو التكامل والأفضل. فطبيعي أن عملية التغيير المستمر والتقدم الدائم والتطور الحثيث، تصاحبها مصاعب جسيمة، وتصادفها عقبات كأداء، تفرضها طبيعة الحياة والأحياء، ومن لا يوطد نفسه على مقاومة تلك الصعاب، وتخطي تلك العقبات.. فانه لاشك سيتراجع وسيظل يعيش في أوحال التخلف والجمود. تماما كما قال الشاعر:

ومن لم يحاول صعود الجبال     يعش أبد الدهر بين الحفر

 

هذه هي الأمراض والعقبات الخطيرة التي تحول بين الإنسان وبين التقدم والتطور، ويمكن إيجازها بالشكل التالي:

أولا: انعدام الشعور والإحساس بالحاجة إلى التغيير والتطور. ثانيا: خطأ الطريق الصحيح وسلوك درب التخلف والانحطاط.

ثالثا: التراجع أمام عقبات السير ومشاق الطريق ولا يمكن التقدم إلا بالتغلب على هذه المشاكل وذلك بتوفير الشعور لدى الإنسان بضرورة التغيير والتقدم، وبعد ذلك هداية الإنسان إلى الطريق المستقيم لتحقيق ذلك الهدف، ثم توطين النفس على مقاومة المصاعب والصمود في وجه العقبات حتى يتحقق الهدف المطلوب..

 

العلاج الإسلامي:

والإسلام الذي جاء ليقود مسيرة التقدم البشري، ويوجهها في الاتجاه الصحيح والأفضل والأسرع، ما هو علاجه لهذه المشاكل النفسية الخطيرة التي تعترض الطريق وتوقف حركة السير إلى الأمام ؟ إن الإسلام برؤاه ومفاهيمه الحقة يدفع الإنسان للقفز على هذه المشاكل وتخطيها، لتحقيق سيطرة الإنسان على خيرات هذا الكون وثرواته التي لم يخلقها الله تعالى إلا لخدمة الإنسان ومصالحه: ( خلق لكم ما في الأرض جميعا ) سورة البقرة- 29. ( وسخر لكم ما في السموات وما في الأرض جميعا منه ) الجاثية-13.

وبالإضافة إلى ذلك فقد أعد الإسلام مواسم ودورات تربوية تستوعب الأمة كلها، لتنمي فيها روح الثورة وتذكي طموح التقدم وتعالج سلبيات المسير وتدفعها قدما نحو الإمام.

وفي طليعة تلك المواسم: شهر رمضان المبارك الذي يستضيف الله تبارك وتعالى فيه جماهير الأمة ليلهمها الثقة والإرادة والصمود والإقدام، كما يقول الرسول الأعظم- صلى الله عليه وآله-:" هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله".

فرمضان مدرسة التغيير، ودورة التدريب على الثورة والتقدم، ومحطة التأمل في خبايا النفس وحركات السلوك.. ولكنه كأي مدرسة أخرى يحتاج الطالب فيها إلى الالتزام والمواظبة والانتباه والاهتمام، وإلا فسيكون نصيبه السقوط والرسوب ليأتي عليه العام الثاني بموسمه الدراسي وهو يعيش في نفس المستوى السابق.

والمفروض في كل رمضان يأتي على الأمة ثم يغادرها أن تغادر معه السلبيات والأخطاء التي توجد في أجواء الأمة وأن يرتفع بعده مستوى إدراك الأمة ووعيها وتتقوى إرادتها وتتشجع أكثر على الإسراع في المسير، يقول الرسول الأعظم محمد- صلى الله عليه وآله- وهو يتحدث عن دور شهر رمضان في حياة الأمة وتأثيره عليها " إن شهر رمضان شهر عظيم يضاعف الله فيه الحسنات، ويمحو فيه السيئات، ويرفع فيه الدرجات".

ومما يؤسف له أن الأمة بأغلبيتها الساحقة لا تزال تعيش في مستوى معين، وتكرر الرسوب في كل موسم رمضاني من كل سنة إ! ولذا فإننا نعيش في أسفل درك من الشقاء والتخلف كما حذرنا الرسول الكريم محمد- صلى الله عليه وآله وسلم- حين قال: إن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم وبالطبع فإن غفران الله إنما يتأتى بالتخلي عن الأخطاء والسلبيات والتصميم على السير في الطريق المستقيم.

أما كيف يمكننا الاستفادة من شهر رمضان المبارك وتحقيق أهدافه السامية في حياتنا؟

فذلك عن طريق الالتزام ببرنامج تربوي يمكننا بواسطته استثمار هذا الموسم العظيم وجني ثمار التغيير من أجوائه المباركة.

لا أن يمر علينا هذا الشهر الكريم كما يمر غيره من سائر الشهور دون أي تغيير في برامجنا اليومية وسلوكنا الاجتماعي.. ولا أن يقتصر التغير على الإمساك عن الطعام طيلة النهار ثم ننتقم لأنفسنا بالشره في الليل.

أو يكون هذا الشهر الكريم مرتعا للأكلات الدسمة والموائد الثرية !! وفرصة للنوم الطويل والكسل القاتل !! وموسما لجلسات اللهو والبطالة لقتل الوقت والساعات في هذا الشهر العظيم الذي تعتبر ساعاته من افضل الساعات وأيامه من افضل الأيام ولياليه من افضل الليالي- كما يؤكد الرسول محمد صلى الله عليه وآله..

إن الواجب على كل فرد مسلم قبيل إشراقة هذا الشهر الكريم أن يعيد النظر في برامج حياته، وينظم له برنامجا خاصا يعينه على الارتفاع إلى مستوى ومكانة هذا الشهر العظيم عند الله. ويمكنه من الاستفادة من أيامه ولياليه وساعاته في سبيل إصلاح واقعه وتطوير حياته..

أما ما هو البرنامج الأفضل والأقدر على استثمار هذا الشهر الكريم؟

فهذا ما تكفلت بتحديده أحاديث قادة الإسلام العارفين بأهدافه والمسؤولين عن توجيه الأمة وتربيتها وفي طليعة تلك الأحاديث تلك الخطبة الغراء التي ألقاها الرسول محمد- صلى الله عليه وآله- على أصحابه قبيل شهر رمضان، وركز فيها على أهم مواد برنامج رمضان الرسالي.

 

الصوم في رحاب القرآن

بسم الله الرحمن الرحيم

( أيا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون، أياما معدودات فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين فمن تطوع خيرا فهو خير له وأن تصوموا خير لكم إن كنتم تعلمون )

( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان فمن شهد منكم الشهر فليصمه ومن كان مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر ولتكملوا العدة ولتكبروا الله على ما هداكم ولعلكم تشكرون ) البقرة 183- 185.

 

النداء الحبيب

( أيا أيها الذين أمنوا.... )

كم يرتاح الإنسان، وينتعش نفسيا، حينما يرى نفسه مؤهلا لتلقي خطاب، من جهة ذات مكانة اجتماعية، كمرجع ديني، أو ملك أو رئيس.. وإن إعزازه سيزداد سموا وعظمة، إذا كان الحطاب من قبل الله تعالى.. الذي خلق الكون والإنسان.. وهو مسير نظام الحياة.. وهو الذي بيده الخير.. وهو على كل شيء قدير..

والخطاب من قبل الله تعالى، يحمل في طياته قبسا من الهداية، في صورة تكليف. يقول الإمام الحسن (ع):

" إذا سمعت الله يقول: ( يا أيها الذين أمنوا ) فارع لها سمعك، فإنها لأمر تؤمر به أو لنهي تنهى عنه"

وكم يلتذ المؤمن ويرتاح، حينما يقرع سمعه، نداء من خالقه، وقد شحنت حروفه، بطاقات من اللذة والسرور، ولأنه يقيم النداء، ويعرف عظمة المنادي، فحينئذ يذوب عناء القيام بالتكليف، في غمرات اللذة والارتياح، اللذين يبعثهما النداء الرقيق، وتخف وطأة التكليف. روي عن الإمام الصادق (عليه السلام): " لذة ما في النداء أزال تعب العبادة والعناء ".

وعطاء آخر يمنحه هذا النداء المليء بالعطف والحنان، وهو: تهيئة الأرضية الصالحة، في قلوب المخاطبين، للقيام بالتكليف، حيث يلفتهم إلى أنهم مؤمنون، وهذا يعني خضوعهم وانقيادهم المطلق، لأوامر الله سبحانه وتعالى.

فالإتيان بهذا الخطاب لتذكيرهم بسمة نبيلة يتمتعون بها: الإيمان، فيلاقي الصدى الطيب في نفوسهم، فيقبلون ما يرسم لهم ربهم من الحكم، وإن كان يصطدم بميولهم وأهوائهم.

وبعد أن تغزو الآية القلوب برقتها وحنانها تتجه لتبيين تشريع إسلامي عظيم.

 

الصوم عبر الأديان

( كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم.. ) وبعد أن تشير الآيــة الكريمة إلى تشريع الصوم، وأنه فريضة كتبها الله علينا، تلفتنا إلى : أننا لسنا أول أمة فرض عليها الصوم، بل انه تشريع عريق في تاريخ البشرية، مما يؤكد أهمية الصوم، وأنه فريضة ضرورية لا غنى لمجتمع عنه.

ولكن ذلك لا يعني أن الصوم المفروض علينا كان مفروضا على من قبلنا، بالضبط في جميع أحكامه، وكل حدوده، فإن الدين الإلهي مر في أدوار تاريخية، وبمراحل من التجديد والتطور، حتى نزل بالصيغة النهائية الكاملة، على يد الرسول الأعظم محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وقد شمل التجديد والتطوير للدين الإلهي، جانبيه العقيد والتشريعي، إلّا انه في الحقل الثاني يختلف عنه في الحقل الأول، فهو في حقل العقيدة لا يعني سوى التوضيح والتعميق، أما في الثاني فقد يكون تغيير أو تفصيلا..

فالصوم كما تقرره الآية، تشريع مشترك، في جميع الشرائع والأديان، مما يؤكد أهميته، وأنه من الاحتياجات البشرية الأولى، في جميع الظروف والأدوار، التي مرت بها البشرية، ولأن الصوم حاجة ضرورية، تنبع من طبيعة الفرد والمجتمع، وجانب إصلاحي هام، لا غنى للمجتمع عنه. ولكن ليس من الضروري أن يكون في جميع الأدوار السابقة، بهذه الصورة التي مارسها الإسلام، فمن الممكن أن يكون قد أخذ صورا متنوعة، بر الأديان والشرائع، وفقا لنمو الإنسان الاجتماعي، إلى أن أخرجته الشريعة الإسلامية بهذه الصيغة الأخيرة الكاملة.

 

فلسفة الصوم

( لعلكم تتقون.. ).

وبعد أن قررت الآية أن الصوم فريضة عريقة، في تاريخ الإنسان، ألمحت إلى فلسفته التشريعية، وإلى آثاره التي يجنيها الفرد، وتنعكس على مسيرة المجتمع. حيث ترجو الآية، أن يكون الصوم مولدا لملكة التقوى، الملكة التي توقف كل إنسان عند حده، وتحجزه عن التجاوز على حقوق الآخرين ، وعن الاستجابة لنداءات الشهوة والغريزة، فيصبح إنسانا مثاليا، قائما بواجباته، ملتزما بحقوق أبناء جنسه، وإذا توفرت هذه الملكة عند جميع أفراد المجتمع، فستتحول الحياة إلى جنة نعيم ورخاء، وذلك حينما تغمر السعادة أجواء ذلك المجتمع.

والتقوى تعني لغة: الوقاية والمحاذرة.

واصطلاحا: اجتناب المعاصي والابتعاد عنه

وهناك تقارب ظاهر بين المعنيين: اللغوي والاصطلاحي. سئل كعب عن التقوى فقال للسائل:

هل أخذت طريقا شائكا؟

- نعم.

- فما صنعت؟

- حذرت وتشمرت.

- فذلك هو التقوى.

وكذلك فإن الحياة طريق شائك بالشهوات والميول ودواعي الانحراف، وعلى الإنسان أن يحذر ويشمر في سيره، لئلا تسيل دماؤه من الأشواك، أو تعز به العراقيل، بل أن عليه أن يحطم الأشواك، ويزيل العراقيل، ليسير في طريقه الحياتي بأمن وسلام.

ولكن ذلك يحتاج إلى إرادة صلبة، وعزيمة قوية، فمجاهدة الإنسان لشهواته وميوله وانحرافاته الغريزية، يتطلب إرادة قولة. والإرادة القوية هي التي تملك أن تقبض وتبسط حياة الإنسان، وتحدد شهواته وعواطفه، وبها يكون الإنسان حرا في حياته، بحيث لا تستعبده شهوة، ولا تقهره عاطفة، ولا يملك عليه مصيره أحد. وحينما يملك الإنسان رصيد الإرادة، يستطيع أن يكون تقيا متعاليا، عن أن تناله أشواك الشهوة والانحراف. فالإرادة هي التي تولد التقوى عند الإنسان.

والإسلام لاحظ هذا الجانب الطبيعي للإنسان، فاهتم بتكوين الإرادة لديه، ليستطيع تلبية نداءات الإسلام، واكتساح العراقيل عن طريقة، ففرض عليه "الصوم" الذي هو مدرسة الإرادة، حيث يحد من طغيان الجسم على الروح، والمادية على الإنسانية. ويظهر ذلك حينما نلاحظ:

ا- نوعية الأمور التي حرمها الله على الصائم، وشدة علاقتها بحياته اليومية، كالأكل والشرب. إذا لاحظنا ذلك، عرفنا قوة عملية الصوم، وأثرها في تربية الإرادة عند الإنسان. لأن الإنسان إذا استطاع أن يبتعد اختياريا عن أمور تفاعل معها في سلوكه اليومي، فمن الطبيعي أن تتصاغر أمام إرادته بقية العوامل التي تحاول استعباده، واستغلال موقفه.

2- أن الصوم يحطم قيود الرتابة، ويتغلب على العادة، التي تؤطر الإنسان، طوال أيام السنة. فبمجرد بزوغ هلال شهر رمضان يتغير برنامج حياته، وروتين سلوكه اليومي: فيتغير وقت وجبات طعامه، ووقت نومه واستيقاظه ودوامه وراحته.. وهكذا يحدث شهر رمضان تغييرا كليا في حياة الإنسان، وتمردا عارما على عادته وروتينه.

ولا يخفى ما لهذا من أثر كبير على حياة الإنسان، فان الإنسان الذي يغير مجرى حياته فجأة ولمدة شهر، ولا لشيء، إلا استجابة لأمر واحد من أوامر دينه، لابد وأن تخر على أقدامه الأهواء والعادات، ويبرز في المعركة قائدا منتصرا. بالإضافة إلى أن الإنسان قد تعترضه في الحياة مواقف، يتوقف كسبه لها على تخليه عن رتابته وعادته، ولكنه إذا كان غير متروض على ذلك، فانه سيرجح الالتزام بالرتابة والعادة على استغلال الموقف، وبعكسه الإنسان الصائم.

وبهذا نستطيع التوصل إلى مغزى الآية ( لعلكم تتقون ) بعد أن عرفنا: أن التقوى وليدة الإرادة، وأن الإنسان بلا إرادة لا يستطيع أن يكون تقيا، واتضح لنا أن الصوم مدرسة الإرادة ومزرعتها.

 

بساطة العمل وضخامة النتيجة

( أياما معدودات.. ) .

وبعد أن ألمحت الآيات الكريمة إلى فلسفة الصوم، والنتيجة المجتناة من خلفه، وهي توليد " ملكة التقوى " باعتبارها " رصيد السعادة " لحياة الإنسان، وهي بهذا نتيجة ضخمة ومادة هامة للحياة الاجتماعية أشارت الآية إلى بساطة العمل والتكليف مقابل النتيجة الضخمة.

فما هو إلا أياما معدودات، لا تعدو الثلاثين يوما يحبس الإنسان فيها نفسه، وبمعدل (12) ساعة يوميا تقريبا لينال من بعدها وثيقة تأمين لحياته، تدرأ عنه الأخطار، وتهيئ له الجو السعيد لا في الآخرة فقط بل وفي الدنيا فما أهنأ حياة المتقين في الدارين؟

فسياق الآية يوجه الإنسان إلى المقارنة بين التكليف وثمرته ليتضح له أخيرا ضآلة العمل تجاه النتيجة الضخمة.

والواقع أن الذين يستشقون الصوم، ويستصعبون القيام به لم يتوجهوا للمقايسة بينه وبين نتائجه العظيمة .

 

أنزل فيه القرآن

( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان ).

وجاءت الآيات الكريمة، تحدد وقت أداء هذه الفريضة السامية، وتعدد خصائص شهر رمضان، مما يؤهله لأن يكون موسما دينياً، تؤدي فيه فريضة من أعظم الفرائض الإسلامية، فهو الشهر ( الذي أنزل فيه القرآن ).

وشهر رمضان كان ظرفا لنزول جميع الكتب السماوية، على الأنبياء، فالتوراة والإنجيل والزبور كلها، أنزلت في ليالي هذا الشهر المبارك، وهذه الكتب المقدسة إنما تعني: أشعة الهداية ترسلها السماء للأرض، وتعني: صيغ النظم الإلهية، التي أعدت لقيادة الإنسان وإصلاح مسيرته، وبهذا يكون شهر رمضان، عيد ميلاد الرسالات والنظم السماوية، وفرصة الاتصال بين السماء والأرض.

وفي شهر رمضان أنزل الله أفضل كتاب هداية، أعدته السماء للأرض، وآخر كلمة في مفكرة السماء، وهو: القرآن الكريم، الدستور الإسلامي الخالد، أنزله الله في هذا الشهر المبارك، محلى افضل وأهم قائد عرفه التاريخ، المنقذ الأعظم نبينا محمد (صلى الله عليه وآله).

وإذا كانت المجتمعات المعاصرة، تهتم وتعظم اليوم العالمي، التي قررت فيه وثيقة حقوق الإنسان، فحري بها أن تحصي وتهتم بشهر رمضان، فإنه شهر نزول أهم وثيقة جاءت لإنصاف الإنسان، ورفع مستواه، ومنحه الحقوق التي تقتضيها إنسانيته، وهو القرآن الكريم، الذي سبق هيئة الأمم المتحدة، إلى تقرير حقوق الإنسان، بأربعة عشر قرنا، الحقوق العادلة، الملائمة لطبيعة الإنسان وكرامته، والتي اقترنت بالتطبيق والتجسيد، في الدولة الإسلامية. وليس الحقوق التي قررتها هيئة الأمم المتحدة، التي لم تعد إلا حبرا على ورق، ولم تنزل إلى ميدان التطبيق. ونظرة فاحصة تكشف لك وضع الإنسان المعاصر في ظل هذه الحقوق المزعومة. فبلدان تستعمر! وشعوب تشرد! وأبرياء يعتقلون! وجرائم تنتشر! وبالتالي خوف مطبق...!

وقد اختلف المفسرون في المقصود من إنزال القرآن في شهر رمضان، فذهب بعضهم إلى أن المراد هو: إنزاله من اللوح المحفوظ إلى سماء الدنيا، وبعدها نزل نجومأ متفرقة، طيلة (23) عاما. وقال آخرون: يعني بداية نزول القرآن في رمضان. ويرى قسم ثالث: أن أكثر القرآن كان نزوله في رمضان، ويقول العلامة الطباطبائي، بعد مناقشة الأقوال السابقة:" يحمل قوله ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) وقوله ( أنا أنزلناه في ليلة مباركة ) وقوله:( أنزلناه في ليلة القدر) على إنزال حقيقة الكتاب، والكتاب المبين، إلى قلب رسول الله (ص) دفعة، كما أنزل القرآن المفصل عليه تدريجيا في مدة الدعوة النبوية. وهذا هو الذي يلوح من نحو قوله تعالى: ( ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه )وقوله تعالى: ( لا تحرك به لسانك لتعجل به، إن علينا جمعه وقرأنه، فإذا قرأناه فاتبع قرأنه، ثم إن علينا بيانه ) القيامة- 16- 19. فإن هذه الآيات ظاهرة في أن رسول الله (صلى الله عليه وآله) كان له علم بما سينزل عليه، فنهي عن الاستعجال بالقراءة قبل قضاء الوحي .

ثم عرفت الآيات الكريمة القرآن الحكيم بأنه هدى للناس : يهديهم من الظلام إلى النور، وينقذهم من متاهات الخرافة والضلال، إلى الطريق المستقيم من الهداية والواقع.

والقرآن الكريم شعلة يهتدى بضوئها في جميع مجالات الحياة وكل جوانبها، والخلاصة: هو الحد الفاصل بين الهدى والضلال بين الخرافة والحقيقة، فهو دلالات واضحة وبينات جلية على الواقع الحق، وهو الفرقان بين الحق والباطل.

السنة.. تتحدث عن الصوم..

وقد أولت السنة الغراء الصوم عناية كبيرة، فقد وردت عن النبي صلى الله عليه وآله الطاهرين، أحاديث كثيرة اهتمت بحث الناس على الصوم، وعرضت لما له من العطاء الثري، والعوائد الجمة، و!وضحت الأحكام المتعلقة به، وحيث جاء الحديث عنها، فننتخب بعضا منها:

 

ربيع العبادة:

من أهم منافع الصوم، هو الانتصار للجانب الروحي، من حياة الإنسان، حيث يبقى الإنسان طوال السنة منغمسا في المادة، منساقا خلف متطلباتها، مهتما بمشاكلها، فيستغرق الجانب المادي الكثير من تفكيره وجهوده، فذا ما استمر على هذا الوضع يخاف عليه من طغيان الجانب المادي، على الجانب الروحي كليا، فتحتل المادة كل شيء في حياته.

وانطلاقا من هذا الموضوع لابد للإنسان من فترة يقوم فيها برحلة هادفة، إلى عالم الروح والمثل والقيم. ولكن أي وقت يكون موسما لهذه الرحلة الهامة؟

وشهر رمضان.. الذي اختاره الله لأن يكون ظرفا لإنزال رحمته .. وهدايته للبشر، المتمثلة في الكتب السماوية المقدسة. جدير أن يكون موسم هذه الرحلة الشيقة، ففرض فيه الصوم، كمركبة ضخمة لهذه الرحلة، وزودت بآليات تزيد في ص عتها، ليصل الإنسان وبسرعة إلى عالم الفضيلة والسمو. وتلك الآليات هي أعمال البر والإحسان، حيث يضاعف ثوابها، ويجزل الأجر للقائم بها، فتصبح الفريضة فيه كسبعين فريضة في غيره، والنافلة كالفريضة..

وبذلك يصبح شهر رمضان ربيع العبادة، وموسم التقرب، وفرصة الاستجمام.

ويبدو أن الرسول (صلى الله عليه وآله) كان في كل عام قبيل شهر رمضان، وفي الأيام الأخيرة من شعبان يخطب ويهيأ الأمة لاستقبال شهر الله فهناك روايات عديدة وبتعابير مختلفة عنه حول هذه المناسبة منها ما روي عن الإمام الرضا عن آبائه عن أمير المؤمنين (عليهم جميعا افضل الصلاة والسلام) قال: أن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم ) خطبنا ذات يوم فقال:

" أيها الناس انه قد اقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة شهر هو عند الله افضل الشهور، وأيامه افضل الأيام، ولياليه أفضل الليالي، وساعاته افضل الساعات، هو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله، وجعلتم فيه من آهل كرامة الله، أنفاسكم فيه تسبيح، ونومكم فيه عبادة، وعملكم فيه مقبول، ودعاؤكم فيه مستجاب، فسلوا الله ربكم بنيات صادقة، وقلوب طاهرة، أن يوفقكم لصيامه، وتلاوة كتابه، فان الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر العظيم، واذكروا بجوعكم وعشمكم فيه جوع يوم القيامة وعطشه، وتصدقوا على فقرائكم ومساكينكم، ووقروا كباركم، وارحموا صغاركم وصلوا أرحامكم، واحفظوا ألسنتكم، وغضوا عما لا يحل النظر إليه أبصاركم، وعما لا يحل الاستماع إليه أسماعكم، وتحننوا على أيتام الناس يتحنن على أيامكم، وتوبوا إليه من ذنوبكم، وارفعوا إليه أيديكم بالدعاء في أوقات صلاتكم، فإنها افضل الساعات ينظر الله عز وجل فيها بالرحمة إلى عباده يجيبهم إذا ناجوه، ويلبيهم إذا نادوه، ويستجيب لهم إذا دعوه.

أيها الناس إن أنفسكم مرهونة بأعمالكم ففكوها باستغفاركم، وظهوركم ثقيلة من أوزاركم فخففوا عنها بطول سجودكم، واعلموا أن الله تعالى ذكره اقسم بعزته أن لا يعذب المصلين والساجدين، وأن لايروعهم بالنار يوم يقوم الناس لرب العالمين.

أيها الناس من فطر منكم صائما مؤمنا في هذا الشهر كان له بذلك عند الله عتق رقبة ومغفرة لما مضى من ذنوبه. قيل يا رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم): وليس كلنا يقدر على ذلك فقال (صلى الله عليه وآله وسلم):

اتقوا النار ولو بشق تمرة، اتقوا النار ولو بشربة من ماء، فان الله تعالى يهب ذلك الأجر لمن عمل هذا اليسير إذا لم يقدر على أكثر منه.

أيها الناس، من حسن منكم في هذا الشهر خلقه كان له جواز على الصراط يوم تزل فيه الأقدام، ومن خفف في هذا الشهر عما ملكت يمينه خفف الله عليه حسابه ومن كف فيه شره كف الله عنه غضبه يوم يلقاه، ومن أكرم فيه يتيما أكرمه الله يوم يلقاه، ومن وصل فيه رحمه وصله الله برحمته يوم يلقاه، ومن قطع فيه رحمه قطع الله عنه رحمته يوم يلقاه، ومن تطوع فيه بصلاة كتب الله له براءة من النار، ومن أذى فيه فرضا كان له ثواب من أذى سبعين فريضة فيما سواه من الشهور، ومن أكثر فيه من الصلاة علي ثقل الله له ميزانه يوم تخف الموازين، ومن تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيه من الشهور.

أيها الناس، إن أبواب الجنان في هذا الشهر مفتحة فسلوا ربكم أن لا يغلقها عليكم، وأبواب النيران مغلقة فسلوا ربكم أن لا يفتحها عليكم، والشياطين مغلولة فسلوا ربكم أن لا يسلطها عليكم" الخ

وإذ نستقبل الآن شهر رمضان المبارك، ينبغي أن نشكر الله ونحمده إذ انعم علينا بالبقاء لنكون في ضيافة هذا الشهر الكريم، فكم من إنسان قد قضى نحبه بين شهر رمضان الماضي وهذا الشهر؟ وكم من إنسان كانت حياته مهددة بالفناء بين لحظة وأخرى، بصورة طبيعية، أو بالحوادث المفاجئة، إلا أن الله حفظه وأبقاه لينعم ويرفل بهذا الشهر، فعلى هذا ينبغي أن نشكره إذ جعلنا من الأحياء وأتاح لنا فرصة لنتزود بهذا الشهر الكريم. ونسأله تعالى أن يوفقنا لصيام هذا الشهر بكماله وتمامه، وان يجعلنا فيه من سعداء خلقه اللهم سلمنا لشهر رمضان وتسلمه منا وسلمنا فيه حتى ينقضي عنا شهر رمضان وقد عفوت عنا وغفرت لنا ورحمتنا" .

 

أفضل الأعمال:

يركب الكثير من الصائمين، التعرف على افضل الأعمال في هذا الشهر العظيم، ليواظب عليه، فيحرز التقرب إلى الله تعالى، وينال الثواب الوافر. ولكن الأفراد العاديين كثيرا ما يوجهون اهتمامهم إلى جدول الأعمال الخيرة الإيجابية، فيرى البعض: إن افضل الأعمال في هذا الشهر قراءة القرآن، ويرى آخرون: انه إفطار الصائم، ويذهب قسم ثالث إلى: أنه صلة الرحم وعيادة المريض أو تلاوة الأدعية والأذكار..

ولكن الرسول العظيم يلفت أنظارنا إلى جانب آخر، وهو: الجانب السلبي. فيعرف أفضل الأعمال في شهر رمضان، بالاجتناب عن المعاصي، وذلك حينما سأله أمير المؤمنين علي بن أبي طالب (ع) ما افضل الأعمال في هذا الشهر؟ قال (ص) الورع عن ! عارم اطه " فعلى من يريد التقرب إلى الله في هذا الشهر المبارك، س وركب ني الحصول عل الثواب الوافر، أن يبتعد عن المعاصي والذنوب، ويعصم جوارحه عن الانزلاق في مهاوي الانحراف والخطأ.

 

صوم الجوارح:

ليس المقصود من الصوم، أن يجيع الإنسان نفسه ويظمئها، ويتحمل مشقة الالتزام، بدون جدوى وفائدة. بل أن الصوم قصد منه أن يكون مدرسة للروح والضمير، ودروة تكميلية للنواقص البشرية، وحملة تطهيرية لتصفية الرواسب التي تتكلس في قرارات الإنسان خلال أحد عشر شهراً. وذلك لا يتأتى للإنسان، إلا إذا ارتفع عن حضيض الشهوات والمغريات، لا بمجرد الكف عن الطعام والشراب. ومن هنا فان الذي يكتفي من الصوم بهذه الصورة السطحية، تتهرب منه الفوائد المترتبة على هذه الفريضة، وسوف لا يجني سوى حرمان نفسه من الأكل والشرب والتلذذ، وفي الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وآله: رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش.

فالصوم الحقيقي لا يتأتى إلا إذا صام الإنسان بكل فكره وشعوره وجوارحه، فيمنع فكره من التفكير فيما لا يرضي الله، ويحجز شعوره عن حساسية الأنانية، ويكف جوارحه عن التعدي على حقوق الآخرين واستخدامها في المعصية.

والصائم الذي يفكر في الإخلال بالمصلحة العامة والأمن، ليس بصائم حقيقة.

والصائم الذي يشعر أنه مدار الفضل وقطب المكارم وأن لا قيمة للآخرين، ليس بصائم في منظار الواقع.

والصائم الذي يسمح ليده بالسرقة أو للسانه بالغيبة والنميمة أو لعينه بالنظر إلى المحرمات، لا يعترف الواقع له بالصيام.

سمع رسول الله (ص) امرأة تسب جارية لها، وهي صائمة، فدعا رسول الله (ص) بطعام فقال: كلي. قالت إني صائمة. قال لها: كيف تكونين صائمة وقد سببت جاريتك؟ إن الصوم ليس من الطعام والشرب وإنما جعل الله ذلك حجابا عن سواهما من الفواحش

وعن الإمام الصادق (ع): " إذا صمت فليصم سمعك، وبصرك، وجلدك عن الحرام والقبيح، ودع المراء، وأذى الخادم، وليكن عليك وقار الصائم، ولا تجعل يوم صومك كيوم فطرك". والواقع: أن الصوم لا يؤدي وظيفته الطبيعية، إلا إذا صام الفرد بكله، وأصام معه الأجهزة التي يديرها، فيعم الصيام المجتمع كله. حيث تصوم الدوائر الحكومية، والمدارس، والمستشفيات، ويصوم الكاتب بقلمه.. ويصوم الفن عن تصوير العهر والراقصات، وتصوم الإذاعات والتلفزة والمجلات والجرائد.. وجميع العوامل التي تلعب دورها في الحياة الاجتماعية.. تصوم عن التهتك والابتذال. فحينئذ يتأتى الصوم أن يبدي نتيجة الطبيعية للحياة.

 

عطاء الصوم

الإرادة القوية

كم يختلف الناس في شخصياتهم ومواقفهم ومستوياتهم؟ فتجد فيهم الشجاع الذي يتفجر بطولة وصمودا ويهزأ بالمخاوف ويخوض غمار المخاطر تحت شعار: "لا نبالي أوقعنا على الموت أم وقع الموت علينا ".

وعلى العكس من ذلك تجد الجبان المستسلم، الذي يخاف من ظله وينزعج من أطياف منامه، وينهار أمام أقل خطر محتمل!! وترى في الناس العالم المشغف بحب العلم، المتعطش للمعرفة، والذي يبذل ساعات عمره وطاقات جهده، في سبيل العلم والمعرفة.. وفي المقابل ترى الجاهل الذي يسأم الدراسة ويتهرب من العلم والثقافة.

وفي الناس الشخصية الرزينة المتسامية عن الإغراءات والشهوات.. وفيهم الشخصية الحيوانية المائعة التي تسقط لأبسط إغراء، وتنزلق عند اقل شهوة!!

لماذا يختلف الناس هكذا؟

ترى ما هو سبب اختلاف مواقفهم وشخصياتهم؟

هل أن هناك فارقا فسيولوجيا سبب لهم هذا التفاوت؟ كلا فتركيب جسم البطل الشجاع لا يختلف أبدا عن تركيب جسم الجبان الخائف.. وهيكل العالم العارف لا يفرق أبدا عن هيكل الجاهل الغارق في الجهل..

وفسيولوجية الشخص الرزين هي نفس فسيولوجية الشخص المائع. إذا فلماذا الاختلاف؟

هل الظروف والأجواء المعيشية والاجتماعية هي التي تفرض هذا ا لاختلاف؟

كلا. فصحيح أن الأجواء الاجتماعية والظروف المعيشية لها دخل في تكوين شخصية الإنسان، ولكن لا تعدو أن تكون عاملا مساعدا ومشجعا على اتجاه معين بيد أنها ليست العامل الأساس والسبب الرئيسي الوحيد.

والدليل على هذه الحقيقة واضح جدا: فقد يعيش إنسان في ظروف تتهيأ له فيها أجواء الدراسة، وتتوفر أسباب العلم.. ولكنه في الأخير لا يتوفق للعلم رغم كل الأجواء المساعدة بينما يعيش إنسان آخر في أجواء وأوضاع يصعب عليه فيها طلب العلم ولاتتأتى له أسباب الدراسة. ولكنه يصارع الأجواء ويتغلب على تلك الظروف ليصبح عالما عملاقا!! وفوق ذلك فقد يعيش شخصان في جو واحد وظروف متشابهة ثم تختلف شخصيتهما فيما بعد !! أليس كذلك؟

إذا فما هو السبب الرئيسي في صياغة شخصية الإنسان وتحديد مواقفه؟

إنه ليس شيئا من خارج الإنسان يفرض على الإنسان اتجاها خاصا يلبسه شخصية معينة.. وإلا لما كانت للإنسان أية قيمة حقيقية مادام آلة بيد الأوضاع الخارجية المفروضة عليه والتي لا يد له في صنعها.. وحينئذ فلا دور له إلا دور التنفيذ الذي لا يملك محيصا عنه. إذا فلماذا يتوجه إليه الذم أو المدح، وينال العقاب أو الثواب؟

إنما السر الحقيقي يكمن في أعماق نفس الإنسان، ويقبع في داخله.. انه تلك الملكة العظيمة، والجوهرة السامية، وافية الغالية، إنها الإرادة!!

الإرادة هـي الفارق المميز بين الإنسان وبين سائر المخلوقات يقول الله تعالى: ( إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فألن ان يحملنها أتشفقن منها وحملها الإنسان انه كان ظلوما جهولا ) وكانت الإرادة هي تلك الأمانة..

والإرادة تعني القدرة على التصميم والإصرار على تحقيق الهدف فحينما يصمم الإنسان على أمر ما ويمتلك القدرة على الصمود من اجل تحقيق ذلك الشيء، فانه لابد وان يصل إلى ما أراد أو يغادر الحياة دون أن يعترف بالعجز أو الفشل !!

فالطالب الذي يريد الوصول إلى مستوى علمي، ويصمم على بلوغ ذلك لابد وأن يجابه كل العوائق والظروف بصموده وإصراره، ويتحمل السهر والتعب والعناء والهجرة والفقر، إلى ان يصل إلى ما يصبوا اليه بقوى إرادته..

والشعب الذي يواجه عدوا مستعمرا وتتحرك فيه إرادة التحرر ويصمم على ذلك، فانه سيكون مستعدا للبذل والتضحية والعطاء حتى ينال الاستقلال والحرية.. كما حدث ذلك بالفعل للشعب الجزائري المسلم الذي واجه طغيان الاستعمار الفرنسي بكل شجاعة وصمود وقدم ما يزيد على مليون شهيد، حتى طرد الاستعمار الأثيم وعاش الحرية والاستقلال..

والإنسان الذي يتعرض لاغراء الشهوة وبريق الانحراف إذا ما تنبهت لديه إرادة التقوى فان جميع وسائل الإغراء ودواعي الشهوة ستتحطم إمام صموده وارادته..

وقد خلد لنا القرآن تجربة ناجحة في هذا المجال مر بها نبي الله يوسف- عليه السلام- الذي كان اجمل شباب عصره وساقته الظروف إلى بيت سيدة مصر زوجة العزيز الفائقة الجمال، وقد اغرمت به وعشقته أبرزت له كل وسائل الإغراء والشهوة وهيأت كل الأجواء والظروف، ولكنه أراد أن يكون عفيفا رغم كل ذلك. يقول القرآن الحكيم: ( وراودته التي هو في بيتها عن نفسه وكلقت الأبواب وقالت هيت لك.. قال معاذ ا!ته انه رب احسن مثواي انه لايفلح الظالمون ) سورة يوسف 23.

هكذا تمارس الإرادة دورها في حياة الإنسان وتوجه سلوكه وتصوغ نفسيته..

ولكن هل يختلف الناس في مستوى أرادتهم وقوتها؟ وإلا فلماذا يمتلك بعضهم إرادة فولاذية قوية بينما يعاني الآخرون خواء الإرادة وضعفها؟

في الواقع: ان مستوى الإرادة واحد عند جميع الناس والقوة والضعف في الإرادة ليس صفة تكوينية أصيلة و إنما هي صفة كسبية ثانوية ينالها الإنسان من خلال ممارساته وحياته تماما كالعضلات التي يمتلكها كل فرد منا بينما نختلف في توة هذه العضلات وضعفها بسبب ممارسة الرياضة والتدريب ومحاولة التقوية..

فعضلاتك يوم ولدت ليست بأقوى من عضلاتي يوم وردت الدنيا، ولكنك لو تعبت على نفسك ومارست رياضة تقوية العضلات بالتمارين ورفع الأوزان الثقيلة وما أشبه ستكون أقوى عضلا مني إن لم أمارس و أتدرب مثلك أليس كذلك؟

وهكذا يكون الأمر في الإرادة النفسية فالإنسان الذي يحاول ترويض نفسه وتدريب إرادته وممارسة الصمود والإصرار منذ بداية تفتحه ش وجميه للحياة.. هذا الإنسان تتوفر له إرادة حديدية فيما بعد.. عكس الإنسان الذي يعيش على أهوائه ويلبى شهواته ولا يؤذي نفسه بالصبر والصمود..

 

من اجل إرادة فولاذية

من هنا فقد ركزت النصوص والتعاليم الإسلامية على ضرورة ممارسة رياضة النفس لتنمية الإرادة عند الإنسان باعتبارها مفتاح سعادة الإنسان وسر نجاحه وتقدمه..

يقول الله تعالى: ( واما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن افوى فان الجنة هي المأوى ) النازعات- 40- 41.

ويحذر سبحانه وتعالى الإنسان من الانسياق مع أهواء نفسه وشهواتها، فأنها تورده حياض السوء وتسقطه في حضيض الانحراف، يقول الله تعالى: ( ان النفس لامارة بالسوء ) سورة يوسف-53.

أما الرسول الأعظم- صلى الله عليه وآله وسلم- فيعتبر جهاد النفس ومحاربة أهوائها أهم واعظم من جهاد العدو الخارجي حيث يقول: الجهاد الأكبر هو جهاد النفس .

ويقول الإمام أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام" اشجع الناس من غلب هواه .

وعن الإمام علي بن موسى الرضا- عليه السلام- قال سألني رجل عما يجمع خير الدنيا والآخرة؟ فقلت: خالف نفسك !

وعن الإمام الصادق- عليه السلام-* طوبى لعبد جاهد نفسه وهواه ومن هزم جند هواه ظفر برضا الله"

ولكن كيف يمارس الإنسان رياضة النفس ويقوي إرادته بالتدريب؟ ان ذلك لا يتم إلا بأن يتعمد الإنسان مخالفة نفسه، والتمرد على أهوائه في الأمور العادية والمباحة حتى تتقوى إرادته وتكون قادرة على: الصمود إمام الأمور الخطيرة والمحرمة.

وفي رمضان يفرض الله تعالى على الإنسان هذه الرياضة والتلإريب، حيث يحرم عليه أمورا هي في حد ذاتها مباحة وعادية يمارسها الإنسان في كل يوم- كالأكل والشرب- وذلك من اجل تقوبه إرادة الإنسان وتنمية صموده النفسي.

فأنت متعود في كل يوم أن تتناول وجبة الإفطار صباحا، والغذاء ظهرا وأن تشرب الماء كلما عشت وأن تتناول ما يقدمه لك مئديقك حين تزوره.. وكل ذلك ثيء طبيعي وعادي في جميع أيام السنة... ولكن ما ان يطل عليك هلال شهر رمضان حتى تتخذ قرارا جديدا صارما بالامتناع عن كل ما تعودت على تناوله في سائر الأيام !!

فطعام الإفطار والغذاء متوفر أمامك في البيت ونفسك تتوق للأكل، ولكنك تقول لنفسك وبصوت الإرادة: لا.. وتعطش ويلدغك الظمأ وتحن نفسك إلى الماء البارد، أو العصير اللذيذ- ولكن إرادتك تعلن رفضها وإصرارها على تنفيذ قرار الامتناع وتقول لك: لا.

وتأوي إلى فراشك فتجد زوجتك التي أباحها الله لك وقد ترتفع لديك درجة الحرارة الجنسية، وتثور شهوتك وما أن تنتبه لنفسك انك صائم حتى يرتفع هتاف الإرادة من أعماق نفسك: لا.

وهكذا تستمر فترة التدريب والرياضة معك طيلة شهر كامل حتى تتقوى عضلات إرادتك وينمو صمود نفسك، وتكون قادرا على ممارسة الإرادة وعلى قول: لا في الوقت المناسب وأمام أي كسل أو إغراء أو شهوة.

ولا ننسى أن نشير إلى مفعول الإيحاء النفسي لدى الإنسان عند الصوم. فقد يتساءل الإنسان الصائم مع نفسه: لماذا أتحمل الجوع؟ ولماذا اعاني قسوة العطش؟ ولماذا احرم نفسي من الالتذاذ مع زوجتي؟؟ وييز أمامه جواب عريض على شاشة نفسه: لأني قررت الصيام والامتثال لآمر الله تعالى.. ويتكرر السؤال فيتأكد الجواب، وبذلك تتقوى الإرادة هذه الإرادة .

هي الحكمة الأساسية من فريضة الصوم: تقوية . ولكن المشكلة ان كثيرا من الصائمين يغفلون عن هذا الهدف العظيم، ويمارسون الصوم كعادة سنوبه، دون أن يحاولوا التنبه إلى غاية الصوم المهمة!! وهؤلاء في الحقيقة لا يستفيدون أبدا من صيامهم إلا الفائدة الصحية التي يجلبها لهم الجوع والعطش لذلك ورد في الحديث الشريف" رب صائم حظه من صيامه الجوع والعطش. والآن- عزيزي الصائم- انتقل معك إلى بعض الأحكام التفصيلية للصوم والتي يبرز منها التركيز على الجانب الإرادي..

 

حكم الصيام

ا- أداء فريضة الصوم شيء لازم في الشريعة الإسلامية، فمن تركه إنكارا لأهميته ولزومه، يعتبر خارجا عن الشريعة.

ويسمى: كافرا. أما من اعترف بأهميته ووجوبه، ولكنه لم يجرأ على مخالفة شهواته بالصيام، فانه يعتبر فاسقا. يجب ان يؤدب في الدنيا (يعزر) وينتظره عذاب الله في الآخرة إن لم يتراجع أو يتوب..

 

توقيت الصيام

2- لا خيار للإنسان في توقيت هذه الفريضة (الرياضة) بل يجب ان يؤديها في فترة معينة لا تزيد ولا تخفض حيث شهر رمضان المبارك من أول يوم منه إلى أخر يوم فيه، وحينما ينتهي شهر رمضان يجب ان يتوقف الإنسان عن الصيام ليوم واحد هو يوم العيد، فصيامه حرام شرعا حيث يعود الإنسان إلى حياته الاعتيادية. وإن شاء بعد ذلك أن يمارس رياضة الصوم لمزيد من القوة النفسية والتدريب الإرادي، فله الثواب الجزيل من الله.

بل يستحب للإنسان أن يمارس هذه الرياضة على الأقل ثلاثة أيام من كل شهر ليجدد العهد بصموده وقوة إرادته.

كما يبدأ وقت الصيام الواجب من طلوع الفجر (وقت صلاة الصبح) إلى غروب الشمس (وقت صلاة المغرب) غروبا تاما.

 

نية الصيام

3- يجب أن تكون عملية الصوم بدافع نفسي معين: وهو قصد الصيام امتثالا لأمر الله تعالى الذي أوجب عليه هذه الفريضة ويطلق على ذلك القصد: (النية).

ولا يصح أن يكون الدافع الأساسي لممارسة الصيام هو متابعة المجتمع والتكيف مع عاداته وسلوكه فما لم يتوفر في نفس الصائم قصد الامتثال لأمر الله تعالى فان صيامه باطل.. لأن مثل هذا الصيام يضعف إرادة الإنسان حيث يعوده الانسياق مع الناس، ويربيه على التبعية للآخرين بدل ان يقوي إرادته. وكذلك يبطل صوم الإنسان لو قصد إبراز شخصيته إمام الناس فقط (الرياء) لأنه سيتعود حينئذ على تقمص أي دور ينال به إعجاب الناس.

وأيضا لا قيمة للصوم إذا لم يكن باختيار الإنسان نفسه وبإرادته الكاملة، وإنما امتنع عن المفطرات لعدم توفرها لديه أو لعدم رغبته فيها دون توفر قصد القربة إلى الله بامتثال آمره.

بل ان الإنسان إذا ساوره التردد، وفقد التصميم على الصوم في لحظة من لحظات النهار، كان صومه لاغيا باطلا وإن لم يقترب شيئا من المفطرات.

لأن أهم شيء في الصوم هو تقوية الإرادة، وتنمية صمود النفس، من هنا قال الفقهاء: "، النية روح العمل ".

 

المفطر ات

4- الأشياء التي يجب على الصائم أن يجتنبها أثناء الصوم هي ما يلي:

ا- الأكل والشرب: قليلة وكثيرة صالحه وفاسد، وهما رمز لرغبات الإنسان المادية. ولرابته اليومية، واجتناب الصائم عنهما بإرادته وتصميمه، رغم انشد اده لهما، يلقنه درسا بليغا في الإرادة والصمود، وتحطيم الروتين والعادة التي تتطلب ذلك.

2- الجنس: وهو المنزلق الخطير الذي يتهاوى فيه اكثر الناس، حيث يكون لشهوة الجنس سيطرة كبيرة ونفوذ ضخم على نفس الإنسان .

وفي أيام رمضان يبتعد الصائم عن ممارسة الجنس حتى الحلال منه فضلا عن الحرام مهما تاقت له نفسه واحتدت شهوته كل ذلك من اجل ان يتدرب على التمرد على غريزته الجنسية الجامحة..

3- الارتماس: ويعني غمس الرأس بكامله في الماء، وهذا مفطر يجب على الصائم الاجتناب عنه، ويمكن ان يكون واكرر: يمكن رمزا لهواية الإنسان ولعبه، حيث يهوى الإنسان القيام ببعض الأعمال أو يحب ان يلعب في بعض الأوقات ولأيمن الإسلام من ذلك ما لم تكن محرمة أو يكون اللعب مستلزما للحرام ولكن يجب) ن لا يصبح الإنسان عبدا لهوايته واسيرا للعبه على حساب مصالحه ولوازمه الأخرى.

كما نشاهده حاليا من تعلق اكثر الشباب بالرياضة الجسمية بمختلف أنواعها حيث يهمل البعض دروسه ويغفل عن واجباته، ويقضي كل أوقاته في ممارسة هذه الهواية واللعب وبذلك يفقد إرادته إمام إغراء اللعب.

ويمكننا ان نستفيد من منع الإسلام الارتماس أثناء الصوم كيف نحدد هواياتنا، ونتمرد على إغرائها.

4- الكذب على الله ورسوله وعلى الأنبياء اللائمة: حيث يحاول بعض المتلبسين بالدين حماية مصالحهم وشهواتهم بالتحايل على الدين بتزوير إحكامه ونصوصه. وهذا اعظم خطر يمكن ان تصاب به الأمة..

ووقاية للأفراد من تسرب هذا المرض إلى نفوسهم، وحماية لقدسية إحكام الإسلام وتعاليمه، ندد القرآن الكريم في أكثر من عشرين آية بهذا الجرم الكبير واعتبره أسوأ جريمة يقول تعالى: ( ومن اظلم ممن افترى على ا!ته كذبا أولئك يعرضون على ربهم ويقول الاشهاد هؤلاء الذين كذبوا على ربهم ألا لعنة الله على الظالمين ) هود-18.. وفي آيـة أخرى: ( ولا تقولوا لما تصف السنتكم الكذب هذا حلال وهذا حرام لتفتروا على الله الكذب إن الذين يفترون على الله الكذب لايفلحون متاع قليل ولهم عذاب اليم ) سورة النحل 116-117.

والمشكلة هي أن الذين يقومون بهذه الجريمة النكراء هم المعروفون بالتدين والا فغير المتدين لا يعتبره الناس مصدرا للأحكام والتعاليم الدينية فخطر افترائه محدود.

ومن هنا فان الإسلام يرفض هذا التدين المزيف، ويعتبر الممارسات الشكلية والعبادات التي تقوم بها هذه الفئة باطلة لاغية. فالصوم مثلا يكون باطلا إذ! ارتكب الصائم جريمة الكذب والتزوير الديني.

5- البقاء تعمدا على الجنابة إلى طلوع الفجر: فحينما يمارس الإنسان الجنس في ليل رمضان، أو يحتلم ثم يستيقظ اثناء الليل، فيجب عليه المبادرة للغسل قل طلوع الفجر وإلا بطل صومه.

ولماذا يؤجل عمل اليوم إلى غد؟ أخضوعا للكسل؟ أو تعودا على التمهل والتباطيء؟ لا يريد الإسلام لشخصية المسلم أن تتصف بذلك. فعليه أن يقوي إرادته ويدربها على التغلب على عوامل الكسل والتمهل واللامبالاة..

6- الحقنة بالمائع في المخرج المعتاد فأنها تفسد الصيام دون الحقنة بالجامد.

7- التقيؤ إذا كان عن عمد وقصد.

 

عزيزي الصائم:

إن أول مادة في برنامج شهر رمضان هو الصوم والذي يعني: اجتناب هذه المفطرات، المذكورة من طلوع الفجر إلى غروب الشمس بقصد امتثال أمرا لله والذي فرضه عليك من أجل تنمية نفسك وتقوية إرادتك .

وعليك- يا عزيزي الصائم- أن تكون واعيا لأهداف الصوم، منتبها إلى غايته السامية عاملا على تحقيقها وتوفيرها حتى لا ينتهي عليك شهر رمضان إلا وأنت تمتلك إرادة قوية وصمودا فولاذيا تستعين به على تحقيق طموحاتك وتواجه به مصاعب الحياة ومتاعب السير..

الصوم... تدريب إيماني

قد يصل الإنسان إلى مستوى رفيع في الحياة ولكن عليه أن لا يستسلم للجمود على ذلك المستوى والذي ينشأ غالبا من الغرور إذ يوحي لصاحبه بالاكتفاء بما حصل... فيبقى مكانه واقفا بينما تسير الحياة ويتقدم الآخرون.. وفجأة يكتشف نفسه يهرول إلى الوراء ويتأخر عن قافلة التقدم، فالذي لا يتقدم لا يحتفظ بمكانه وإنما يسير باتجاه معاكس لسير الحياة التقدمي..

وكما في الفرد كذلك في الأمة.. فقد تحتل أمة مكانة سامية في العالم.. ولكن عليها أن لا تضخم واقعها وأن لا تسمح للغرور بأن يستولي على أجوائها فيؤول أمرها إلى الجمود بينما تجذ الأمم الأخرى في منافستها والتفوق عليها. وبعد فترة تفيق على واقعها المتأخر المرير وترى نفسها متأخرة عن موكب الحياة.

وهذا بالضبط هو ما وقع لإسرائيل فبعد إن انتصرت في حزيران (67) استسلمت للغرور وخدعت أبناءها بأسطورة التفوق الإسرائيلي والسلاح الذي لا يقهر.. في الوقت الذي اهتمت الأمة الإسلامية ببناء نفسها واستعادة قواها تحت ضغط مرارة الهزيمة.. وجاءت حرب رمضان وأوقظت إسرائيل لترى نفسها في أوحال الهزيمة.

وهكذا يحب على الأمة الإسلامية أن تسير دائما باتجاه التغيير والثورة المستمرة على الجمود.. وأن لا تنام على الحرير الذي نسجته في رمضان فتعود مرة أخري إلى سجن الهزيمة.

يجب أن تطالب نفسها كل يوم بتقدم ملموس وإلا فإن كل يوم يمر عليها. يعني خطوة إلى الوراء. وهذا ما يعنيه الحديث الشريف: " من تساوى يوماه فهو مغبون .. ومن كان آخر يوميه شرهما فهو ملعون.. ومن لم ير الزيادة في نفسه فهو إلى النقصان ومن كان إلى النقصان فالموت خير له من الحياة".

والجمود هو عقدة التأخر لدى الأمة الإسلامية في هذا العصر.. حيث يستعصب كل فرد التخلي عن روتين حياته والثورة على الواقع الضعيف ويحلو له أن يحتفظ بالمستوى الذي أحرزه من دون طموح إلى التقدم.. وهو بهذا يفقد حتى ذلك المستوى الذي أراد المحافظة عليه و!راجح عنه إلى الخلف.

وكذلك غالبا ما تنشأ في المجتمعات تقاليد واعراف تكون مجافية لروح المبدأ ومصلحه المجتمع ولكن قدمها واستمرارها يجعل مخالفتها أمرا صعبا كقيودات الزواج والسفر والعلاقات العامة.

فما أحوجنا إلى التدرب والتمرن على الثورة حتى نستطيع أن نتغلب على واقعتا المريض.. ونثور على جمودنا القاتل..

وما أحوجنا إلى التمرد على كثير من العادات والتقاليد ألتي تعرقل مسيرتنا الإصلاحية ..

ويأتي شهر رمضان المبارك وهو يحمل إلينا فرمج!ة من أهم فرائض الإسلام.. الصوم.. وهو يعني: ثورة على الواقع الروتيني ا)رزي نعيشه وتغييرا شاملا للحياة اليومية التي تؤطرنا طوال السنة..

ومن هنا تأتي قيمة المحموم فهو تدريب ثوري يمرن الفرد كيف يثور على واقعه وجلص من اعتيادياته متى ما دعت الحاجة إلى ذلك..

 

الصوم : حرمان هادف

الإنسان هذا الكريم على الله.. والذي خلق الله الكون ومافية من اجله وسخره لخدمته..

هذا الإنسان لماذا يفرض عليه هذا الحرمان القاسي من طعامه وشرابه ولذاته- لمدة شهر-؟!!

الواقع: أن فرض هذا الحرمان لم يكن تشهيا ولا اعتباطا فهو صادر عن جهة حكيمة لا تعرف العبث والتشهي، انه حرمان هادف نابع من صميم مصلحة الإنسان وخيره، وأقل ما نستطيع أن شصوره أنه كالحرمان الذي يفرضه الطبيب على مريضه ليس إلا ليودع المرض وبعانق الشفماء سريعا.

ونسجل هنا بعض النقاط التي يهدف إليها هذا التكليف الشاق:

ا- يعيش الإنسان طوال السنة يتقلب بين اطباق اطعام الشهي والشراب اللذيذ وفي أحضان الجنس الناعم، فتشغله لذة هذه النعم وتستولي على تفكيره، فيغفل عن ما خلفها من منعم متفضل وما تستلزمه من شكر متواصل...

فالإنسان قد لا يقدر النعم مادامت متوفرة له وإنما يراها كشيء طبيعي ناله باستحقاقه لا فضل لأحد عليه به.. ولكن إذا فقد إحدى النعم فحينئذ يشعر بقيمتها وبالفراغ الذي تركته ومن هنا انطلقت الحكمة التي تقول: الصحة تاج على رؤوس الأصحاء لا يراها إلا المرضى.

والصوم موعظة عملية يحرم فيها الإنسان من النعم التي تغمره طوال السنة ويحس بألم الحرمان.. فيشعر بقيمة تلك النعيم ويعرف قدرها، ويفكر في فضل المنعم عليه بها.. فيتوجه إلى الله ويشكره على تلك النعم ويطلب إليه دوامها واستزادتها..

2- نظام الحياة يقتضي وجود التفاوت بين الناس اقتصاديا. فالناس ليسوا في مستوى واحد من الطاقات والقوى فمن الطبيعي أن يكون نصيب الأقوى من خيرات الكون أكثر من نصيب الضعيف.

ولو كان الناس كلهم في مستوى واحد لفقد التعاون والتفاعل بينهم لعمارة الحياة. فالعامل إذا كان مليونيرا فعلى ما يجهد نفسه في العمل، والكناس إذا كان ثريا فسوف لــــن يتنازل إلى مستوى الكناسة.. يقول القرآن الحكيــم: ( ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا) الزخرف- 32.

ومن ناحية أخرى فإن الله خلق الحياة كمرحلة ابتلاء وامتحان للبشر، وتفاوت المستوى الاقتصادي شكل من أشكال الامتحان

و ( ورفع بعضكم فوق بعض درجات ليبلوكم ) الأنعام- 165.

وإذا كان من الحكمة وجود هذا التفاوت الاقتصادي فليس من العدالة أن تستأثر فئة بخيرات الكون وثروات العالم وتتفرج على بقية الناس يعانون من ألم الفقر والحرمان!

فما هو العلاج الصحيح لهذه المشكلة الإنسانية؟

الحضارة المادية بلونيها الرأسمالي والاشتراكي أخفقت في حل هذه ا!مكلة وأثبت الواقع فشلها.

فالمذهب الرأسمالي يوسع شقة التفاوت بين الناس وينمي الطبقية البغيضة في المجتمع بما يتيح للأثرياء من حرية فردية تجعلهم يتفننون في امتصاص ثروات المجتمع..

وكذلك المذهب الاشتراكي الذي يغذي روح الفرقة والعداوة بين طبقتي المجتمع، فهو يغرس في قلوب الحمال الحقد والبغض على الطبقة الثرية ويحكم على الطبقة العاملة أن تعيش صراعا مستمرا ضد الطبقة الأخرى، وبالطبع لا تطيب نفوس الأثرياء أن تسلب منهم أموالهم بقوة وعنف!

بالإضافة إلى ما نتج عن هذين المذهبين من مضاعفات خطيرة لم تعد خافية على صعيد الواقع..

أما الإسلام وهو الدين السماوي الخالد فقد قدم للمشكلة علاجا إنساناً ناجحا حيث فرض للفقراء النصيب الوافر في أموال الأثرياء ووضع الطرق السليمة العادلة التي تضمن لهم حقوقهم.

وأول مرحلة يقوم بها الإسلام في هذا المجال هي: توليد التعاطف والتراحم بين الطبقتين واستعمل لذلك نوعين من الأسلوب:

أسلوب فكري:- ففي الآثار الإسلامية كتابا وسنة أحاديث كثيرة تحث على مراعاة الفقراء والمساكين وترغب في أنعاشهم ورفع مستواهم المعيشي..

وأسلوب عملي:- وذلك أن فرض على الإنسان فترة من الحرمان تذكره بتلك الأغلبية من الناس التي تعيش مثل هذه الحالة طوال حياتها.

فالإنسان في الصوم حينما يضنيه الظمأ ويزعجه الجوع وترتفع عنده درجة الحرارة الجنسية.. وحينما يحس بألم الحرمان وقساوتة.. يفكر في حالة هؤلاء الفقراء والمساكين والذين يعيشون هذه الصعوبة والحرمان دائما وأبدا.

وحينما تتولد الرحمة وينشا العطف فسيكونان بداية ناجحة لحياة تعاون ورفاه للطبقتين.

يقول الإمام الصادق عليه السلام:* أما العلة في الصيام ليستوي به الغني والفقير، وذلك لأن الغني لم يكن ليحس الجوع فيرحم الفقير لأن الغني كلما أراد شيئا قدر عليه، فأراد الله عز وجل أن يسؤي بين خلقه وأن يذيق الغني مس الجوع والألم ليرق على الضعيف ويرحم الجائع،، .

وسئل الإمام الحسين عليه السلام: "لم افترض الله عز وجل على عبده الصوم؟ فقال عليه السلام: لجد الغني مس الجوع فيعود بالفضل على المسكين " .

 

صومو ا: تصحو

ليس تطفلا من الإسلام أن يعنى في تشريعاته بشؤون الجسم كما يعني بشؤون الروح.. لان ترمز بعض أحكامه إلى الناحية الصحية لبدن الإنسان.. فهو الدين الذي أعلن من أول يوم أنه دين الدنيا والآخرة والمادة والروح، وليس كبقية الأديان التي كانت تصرح بتحيزها إلى أحد الجانبين على حساب الآخر..

الإسلام يؤمن بأن العقل السليم في الجسم السليم، وبأن الإنسان الذي تتوفر لديه الصحة والحيوية في جسمه بالإضافة إلى سلامة نحره وطهارة روحه.. هذا الإنسان يستطيع أن يقوم بدوره في الحياة خير قيام، وحينما يتحدث القرآن الكريم عن المؤهلات القيادية لطاغوت - عليه السلام- يقول: ( وزاد. بسطة في العلم والجس )

لذا وضع الإسلام أحكامه الوقائية لتجعل الإنسان بعيدا عن متناول المرض والإصابة والوقاية خير من العلاج، فحظر على الإنسان المواد التي تعمل للفتك بصحته وإن كانت تبدأ بأسلوب خفي ضئيل لتتفاقم فيما بعد..

فحرم الميتة والدم ولحم الخنزير والنجاسات والمسكرات ولبس الذهب والحرير (بالنسبة للرجال)..

ولكن ليست المواد الضارة هي المصادر الوحيدة للأمراض! فحتى المواد النافعة قد تسبب للإنسان أمراضا خطيرة! وذلك حينما يفقد التوازن في تناولها.

فأكثر الأمراض يكون سببها هو فقدان الاعتدال في الأكل والشرب والجنس. يقول أحد الأطباء:" إن معظم الناس يحفرون قبورهم بأسنانهم " وقام بعض الأطباء بدراسة دقيقة حول الإنسان المعاصر وأسلوب التغذية وصرح بعدها: بأن الناس يأكلون ثلاثة أضعاف حاجتهم وهم بذلك يجلبون الأمراض لأنفسهم ".

فكيف يخطط الإسلام للوقاية من هذا المرض الخطير؟

انه يضع تعاليمه الحكيمة لتوعية الناس نحو تغذية أفضل لتجنب مضاعفات الغذاء، فهذا القرآن الكريم يخاطب الناس: ( وكلو واشربوا ولاتسرفو) ويقول- صلى الله عليه وآله وسلم-0 المعدة بيت الداء0

ولكي يتعلم الإنسان كيف يتغلب على هذه المشكلة، ويتدرب على التوازن والاعتدال في أكله وشربه فقد فرض عليه الصوم حيث يمتنع هو من نفسه وباختياره عن الطعام والشراب قليلة وكثير مهما كان الطعام شهيا أو كان هو جائعا.

وتستمر به هذه الفترة التدريبية لمدة شهر يتعود خلالها على التوازن ويتمرن على ضبط النفس وتنظيم الغذاء فيأكل ليعيش لا يعيش ليأكل..

ومن ناحية أخري فالصوم يتيح للجهاز الهضمي والذي يعمل باستمرار فرصة ارتياح وهدوء بعد تعب طويل يستعيد فيها نشاطه ليعود بعدها إلى العمل..

وكذلك فان الصوم- كما يقرر الأطباء- يقضي على البؤر الصديدية التي تتكون داخل الجسم وتصب إفرازاتها السامة في الدم غير أن الإنسان قد لا يشعر بها حتى يتضاعف خطرها.. وفي الصوم عندما تقل المواد الغذائية في الجسم وتدب الأجهزة الداخلية في الاستهلاك فتحتوي تلك الخلايا وتريح الإنسان من خطرها.

 

***

 

ويعرض الأطباء قائمة من الأمراض التي يمكن أن يستعان بالصوم في علاجها: كاضطراب الهضم- البدانة- أمراض القلب- القلق- التوتر العصـبي- البول السكري- ارتفاع ضغط الـــــــدم- تذوب الشحم ا لزائد...وبالتالي، نجد كلمة الرسول الأعظم- صلى الله عليه وآله- ترتسم أمامنا بخط الواقع العريض: صوموا تصحو .ويقول أمير المؤمنين علي عليه السلام : الصيام أحـد الصحيتين،، .

 

ربيع القرآن

أهم عقبة تعترض طريق الدين وتمنع تفاعله مع الحياة وتحول دون تأثيره في المجتمع هي تجريد الدين من لساله وانتزاع روحه من مما رسا ته....

فان لكل عبادة من عبادات الإسلام ولكل شعيرة من شعائره روحا عظيمة ومحتوى كبيرا فإذا ما جردت شعائر الإسلام وعباداته من روحها ومحتوياتها وتشبث الناس بالممارسات الفارغة والإطارات الشكلية فان ذلك يعني قتل أهداف الدين وسحق رسالته العظيمة ومنع تفاعله مع الحياة.

ويصبح الدين حينئذ وجود شكلي أجوف لا يقدم !حياة أي خدمة مفيدة مما يحدث رد فعل ضد الدين لدى أي ملاحظ بسيط حين ينظر إلى الدين كتقاليد عقيمة وعادات بالية ليس إلا أي دور في الحياة ولا تقدم أي اثر في المجتمع.

وهذه هي مشكلة الدين في الوقت الحاضر حيث يهتم اغلب المتدينين بمظاهر الدين وشكلياته وممارساته العبا دية دون أن ينتبهوا إلى أهداف هذه المظاهر وغايات هذه الممارسات فيحاولون تحقيقها.. ونشأ الجيل الجديد فتعرف على الدين من خلال هذه الممارسات الجوفاء والتي سئمها ومجّها أخيراً واخذ يتجه يمينا ويسارا بحثاً عن أيديولوجية أخري تتفاعل مع الحياة وتتبنى قضايا الإنسان وتعالج مشاكله.

يقول الأمام أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام: " إلا وان للإسلام غايات فانتهوا به إلى غاياته "لا- نهج البلاغة-. فالصلاة مثلا عبادة عظيمة تحظى باهتمام خاص من الشريعة الإسلامية ولكنه ليس المقصود من الصلاة مجرد الحركات والألفاظ بل النفسية الملتزمة التي تزرعها الصلاة في نفس المصلي عن طريق التفكير والتأمل لأعمال الصلاة وتلاواتها، يقول تعالى ( إن الصلاة تنهى عن ا!شاء والمنكر )

هذا هو هدف الصلاة فإذا أدى المصلي واجبات الصلاة الشكلية من حركات وألفاظ ولكنه لم يسمح للصلاة أن تتفاعل في نفسه لتزرع هدفها السامي فصلاته حينئذ لا قيمة لها بل هي ويل ووبال عليه. يقـول تعــــالى: ( فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون، يعني عن أهداف صلاتهم غافلون )

والصوم له هدف أسا لصي أيضا وهو تنمية الإرادة وتدريبها عند الإنسان حتى يضمكن من مقاومة الانحراف ويتقي المعاصي. يقول الله تعالى: ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ). أي من أجل أن تحصلوا على ملكة التقوى، فإذا امتنع الصائم عن المفطرات دون أن يراعي هذا الهدف كان صيامه عبثا كما يؤكد الحديث الشريف كم من صائم ليس له من صومه إلا جوعه وعطشه ".

والحج هو الآخر شعيرة لها رسالة عظيمة في حياة المجتمع الإسلامي، وآثار فعالة في مختلف جوانب الحياة. يقول الله تعالى ( وأذن في الناس بالحج يأتوك رجالا وعلى كل ضامر يأتين من كل فج عميق ليشهدوا منافع لهم وليذكروا اسم الله في أيام معلومات ). أما إذا اقتمر الحج على طقوس ومناسك هي أشبه بالألغاز- حينما تنفصل عن رسالتها- فلشر هو ذلك الحج المطلوب من قبل الله وإنما هو حج مزيف.

وهكذا كل شعائر الإسلام وعباداته..

وأمامنا في هذا الحديث عبادة مهمة يؤكد عليها الإسلام ويلح في التشجيع عليها وهي تلاوة القرآن الكريم..

( وإذا قرىء القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون ) 204- ا لأعراف.

! وأمرت أن أكون من المسلمين وأن أتلو القرآن !91-سورة النمل (ورتل القرآن ترتيلا " 4- سورة المزمل...

( فاقرأوا ما تيسر من القرآن )20- سورة المزمل.

( وقرأنا فرقناه لتقرأه على مكث ونزلناه تنزيلا ) 106-سورة الإسراء

 

بأسنانهم إلى مجموعة ضخمة من الأحاديث:

فعنه- صلى الله عليه وآله- " نوروا بيوتكم بتلاوة القرآن. فأن البيت إذا كثر فيه تلاوة القرآن كثر خيره ومتع أهله أضاء لأهل السماء كما تضيء نجوم السماء لأهل الدنيا" .

وعن الأمام الصادق- عليه السلام-" القرآن عهد الله إلى خلقه فقد ينبغي للمرء المسلم أن ينظر في عهده وان يقرأ منه في كل يوم خمسين آية،، .

وعن الإمام الصادق- عليه السلام أيضاً " ما يمنع التاجر منكم المشغول في سوقه إذا رجع إلى منزله أن لأصنام حتى يقرأ سورة من القرآن فيكتب له مكان كل آية يقرأها عشر حسنات وتمحى عنه عشر سيئات.

وفي هذا الشهر المبارك- شهر رمضان- يتضاعف اهتمام الإسلام بهذه العبادة أضعافا مضاعفة.. حتى إن الرسول الأعظم (ص) يقول: من تلا فيه آية من القرآن كان له مثل أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور.. ويقول الإمام أبو جعفر الباقر- عليه السلام- لكل شيء ربيع وربيع القرآن شهر رمضان " .

ولكن لماذا كل هذا الاهتمام الذي يوليه الإسلام لتلاوة القرآن؟ ما هو الهدف الذي يكمن وراء هذه العبادة هل هو لمجرد التلاوة أم ماذا-؟

أن كثيرا من الناس يقرءون القرآن وبطوون صفحاته تلاوة وتجويدا وتلحينا وخاصة في هذا الشهر الكريم، ولكن هل يعرفون جيدا ما هو هدف الإسلام من هذه العبادة؟ وهل يعون هذا الهدف ويحرصون على تحقيقه؟ أم يتعاملون مع هذه العبادة معاملة شكلية سطحية؟ من الملاحظ إن بعض من يقرأ القرآن يقرأه قراءة تجارية على شكل ختمات يأخذ مقابل كل ختمة آجرا وما يهمه من التلاوة ليس إلا إنهاء الختمة لإبراء الذمة واخذ الأجرة حلالا!!

كما إن بعضا يقرأ القرآن للعادة والمجاملة حيث جرت عادة الناس إن يقرءوا في مجالس العزاء (الفواتح) اجزاءا من القرآن فهو يساير الناس في عادتهم ويقرأ جزءا للمجاملة وبحسب العادة وليس له من تلاوته أي هدف آخر !!

وبعض آخر يقرأ القرآن لطلب الثواب بتلاوة حروف الآيات فقط !!

وكل هذه الأهداف الساذجة تعتبر تزييفا للهدف الأساسي من تلاوة القرآن فما هو ذلك الهدف؟

إن الهدف الرئيسي المتوخى من تلاوة القرآن هو تحقيق الغاية التي أنزل من أجلها فما هي تلك الغاية؟

إنها أولا: صياغة نفس الإنسان صياغة جيدة وكنس رواسب الشر والانحراف ومعالجة أمراض الفساد.. ويؤكد القرآن هذا الهدف بقوله: ( يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين ) 57-سورة يونس.

وهدف القرآن ثانيا: بناء المجتمع بناء حضاريا تقدميا سعيدا بكل ما لهذه الكلمات من معنى وهذا لا يتأتى إلا بمكافحة الظلم والظلام ونشر العلم والوعي ليعرف المجتمع الطريق الأفضل للتقدم والحياة .. يقول الله تعالى: ( كتاب أنزلناه إليك لتخرج الناس من الظلمات إلى النور بإذن ربهم إلى صراط العزيز الحميد ).

وهدف القرآن ثالثا: تنظيم علاقة الإنسان بالكون والحياة عن طريق اكتشاف قوانين الحياة وسنن الكون والتفكر فيها ومن ثم تفجير ثروات الكون والاستفادة منها..

يقول الله تعالى: ( ونزلنا عليك الكتاب نبيانا لكل شيء وهدى ورحمة وبشرى للمسلمين ) 89- سورة النحل.

وقارئ القرآن يجب إن يجعل هذه الأهداف العظيمة للقرآن نصب عينيه ويتدبر في كل آية يتلوها ليرى إلى أهداف هدف من الأهداف الثلاثة ينصب اهتمامها ويحاول إن يستنتج منها رؤية أو فكرة ثم يعرض نفسه وسلوكه على رؤية القرآن وفكرته ليتسنى له تغيير نفسه وصياضها وفق مفاهيم القرآن.

فمثلا: قد يشعر الإنسان من نفسه الرغبة في عدم الأنفاق وبذل المال في سبيل الله بدافع الحرص على الثروة وتوفيرها للفائدة والاستثمار.. وهذا الإنسان حينما يقرأ في سورة آل عمران قوله تعالى: ( ولا يحسبن الذين يبخلون بما أتاهم الله من فضله هو خيرا لهم بل هو شر لهم سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة ودته ميراث السماوات والأرض والله بما تعملون خبير )180- سورة آل عمران.

حينما يقرأ هذه الآية يجب إن يغير نظرته الخاطئة حول الأنفاق فهو ليس خسارة كما إن الاحتفاظ بالمال والحرص عليه لشي خيرا وربحا. وصليا يبادر إلى الأنفاق ويصمم على الاستمرار في البذل والعطاء..

هذا في مجال الهدف الأول للقرآن أما في المجال الثاني فحينما يعيش الإنسان في مجتمع تسرب إليه الفساد والانحراف وغزته تيارات الضلال والجهل وسيطر عليه أهل الظلم والجور فقد يتصور هذا الإنسان إن دوره ينتهي عند حدود نفسه فعليه إن يحافظ على إيمانه وصلاحه ولايهمه بعد ذلك واقع مجتمعه وأوضاعه.. و يأتي هذا الشخص ليقرأ القرآن فيمر عليه قوله تعالى: ( وقكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر واولثك هم المفلحون ) 104- سورة آل عمران.

ويتلو قوله تعالى: ( كانو لايتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون ) 1799- سورة المائدة.

بعد إن يقرأ الإنسان المؤمن هذه الآيات هل يصح بعد ذلك الاحتفاظ بنظرته الأنانية السابقة إذا كان يعي ما يقرأ؟

كلا. وإنما يصحح فكرته ويستعد للقيام بدوره في إصلاح المجتمع.

وفي مجال الهدف الثالث أمامنا المثال التالي:

فالعالم الذي يشكك في إمكانية غزو الفضاء ولا يعرف الأخطار والعقبات التي تواجه الرحلة إلى هناك لابد وان يستفيد من القرآن حينما يقرأ قولـه تعالى: ( قل انظروا ماذا في السماوات والأرض ) 101- سورة يونس. وقولـه تعالى: ( الم تروا أن الله سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض )سـورة لقمان-.2. وقوله تعالى ( يامعشر الجن والانس إن استطعتم إن تنفذوا من اقطار السماوات والأرض فانفذوا لاتنفذون الا بسلطان، فبأي ألاء ربكما تكذبان يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس فلا تنتصران ) سورة الرحمن- 33.

فالآيات تفيد بوضوح إمكانية غزو الفضاء فالله يأمرنا بالنظر إلى مافي السماوات والأرض ولايتم النظر بشكل صحيح إلا بالسفر إلى هناك ولا يطلب الله من الشر شيئا!تحيلا. وتقرر الآيات بصراحة إن امحون إنما خلق لأجلنا وأنه بسماواته واراضينه مسخر لنا فلماذا يستحيل علينا الوصول إلى أعماقه؟ وكيف يتأق لنا الاستفادة الكاملة منه ما لم نتعرف على مجاهيله؟ واخيرا فإن القرآن يقدم لنا دعوة مفتوحة لزيارة الفضاء ( أنفذوا في اظار السماوات... ).

 

برنامج الاستثمار

كيف نستثمر شهر رمضان؟

سؤال ملح يراود كل إنسان مؤمن، إذ لا يكفي أن يعيش الإنسان في هذا الشهر، بل لابد أن يحقق الهدف منه.

إن شهر رمضان يشبه إلى حد بعيد المطر الذي يهطل على مختلف الأراضي الخصبة، منها والصبخة، فتتجاوب تلك الأراضي حسب كينونتها ونوعيتها، فمن الأراضي ما تنبت ومنها ما يزيدها المطر عقما، فاناس يستفيدون من بركات هذا الشهر فتخصب نفوسهم وتثمر قلويهم السعادة والخير، واناس يمر عليهم هذا الشهر مرور الكرام بل قد يزدادون تعسا وشقاء (والعياذ بالله) كما ورد في الحديث المروي عن رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

* إن الشقي من حرم غفران الله في هذا الشهر الكريم* .

ولكي تتحول نفس الإنسان إلى حدائق بهية تفوح منها عطور التقوى والإيمان والعمل الصالح، فلابد له إن يخطط لهذا الشهر، ليتحول إلى محطة وقود روحي ومنبع للسعادة الإيمانية، ولا يجهل ذلك إلا ببرمجة هذا الشهر المبارك.

وما اجمل إن يكون هذا البرنامج موضوعا من قبل إمام معصوم- هو الإمام على بن أبى طالب (عليه السلام)-.

إذ إن هناك وصية مهمة ورائعة جدا من وصاياه (عليه السلام) لو إن كل واحد منا اعتمدها كبرنامج في هذا الشهر الكريم، لاصبحنا مؤهلين لنيل رحمة الله واستثمار بركات هذا الشهر العظيم، ولهذه الوصية ميزتان:

ا/ إن الإمام علي (عليه السلام) قد وجه هذه الوصية للأمة في شهر رمضان المبارك، مما يعني تناسبها وتفاعلها مع أجواء هذا الشهر العظيم.

2/ والميزة الأخرى والاهم كونها آخر كلمة توجيهية للإمام على (عليه السلام) ومعلوم إن العظماء في حياتهم عبر وتجارب ودروس، والهادفون من العظماء لا يبخلون بتجاربهم وعبر حياتهم، وإنما يقدمونها للأجيال. وأمير المؤمنين (عليه السلام) من أعظم رجال التاريخ بعد رسول الله محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

فإذا كان كل عظيم في التاريخ تتحدد عظمته في بعد معين، فيكون عظيما في الجانب العلمي فقط، أو العسكري أو الأدبي أو الاجتماعي، فان الإمام علي (عليه السلام) عظيم في كل المجالات والإبعاد، وحياته مليئة بالتجارب والعبر التي استلهمها من رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) واكتسبها من معايشته لحركة الرسالة، ومواجهته لمعاناة الصراع..

ولعله في وصيته الأخيرة يقدم لنا خلاصة تجاربه في الحياة، وأهم ما يراه ضروريا لنا من رؤى وتوجيهات..

ونقترح بهذا الصدد إن تكون هذه الوصية هي برنامج كل إنسان مؤمن في هذا الشهر، بأن يقرأها ويحفظها.

ومعلوم إن حفظ الإنسان للنصوص الدينية من أحاديث وروايات له فضل عظيم.

فعن النبي محمد (صلى الله عليه وآله وسلم):

* من حفظ من أمتي أربعين حديثا يطلب بذلك وجه الله عز وجل، والدار الآخرة حشره الله يوم القيامة مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن اؤلئك رفيقا* .

وعن الإمام الصادق (عليه السلام):

( من حفظ عني أربعين من أحاديثنا في الحلال والحرام بعثه الله يوم القيامة فقيها عالما لم يعذبه " ).

فينبغي للإنسان إذن إن يحفظ ما استطاع من الآيات والأحاديث الشريفة، إن البعض منا يكتفي بمعرفة الأفكار والمفاهيم الإسلامية المستنبطة من النصوص دون إن يكلف نفسه عناء حفظ النصوص الشريفة.. وبذلك يحرم نفسه من فوائد عظيمة، فحفظ آيات القرآن وكلمات المعصومين يبعث النور والهدى في قلب الإنسان ويمنحه الطمأنينة والثبات في أوقات الشدة، والاخوة الذين تعرضوا للاعتقال والظروف الصعبة يعون هذه الحقيقة..

وبالمناسبة فائا نذكر الاخوة بأن الصيام من العوامل المساعدة على الحفظ فقد جاء في حديث للرسول (صلى الله عليه وآله):

- ثلاثة يذهبن النسيان ويحدثن الذكر: قراءة القرآن- والسواك، وا لصيام " . وكم هو جميل إن يحفظ الإنسان وصية الإمام علي (عليه السلام) وهو يستقبل الشهر المبارك، وينشرها في المجتمع فهناك من يبحث عن الكلمة الطيبة، لذا على كل فرد منا إن ينصح الآخرين بحفظها.

وأنه لمن المؤكد حتما أن المؤمن عندما يكثر وصية الإمام ويوزعها على أفراد المجتمع، ويوصي غيره ممن وصلت إليه تلك النسخة إن يكثرها أيضا، سوف ينال الأجر والثواب العظيمين من الله ويفيد المجتمع بها. ثم أن الوصية موجزة ومركزة، وقد قالها الإمام وهو على آخر رمق من حياته الشريفة بعد إن أصيب بتلك الضربة الغادرة من أبن ملجم وهو في محراب عبادته فجر التاسع عشر من شهر رمضان سنة 40 للهجرة.

 

وصية الأكثر علي (عليه السلام)

للحسن والحسين عليهما السلام لما ضربه ابن ملجم لعنه الله

* اوصيكما بتقوى الله، والا تبغيا الدنيا وان بغتكما، ولا تأسفا على يسيء منها زوى عنكما، وقولا بالحق، واعملا للأجر، وكونا للظالم خصما، وللمظلوم عونا.

أوصيكما وجميع ولدي وأهلي ومن بلغه كتابي، بتقوى الله، ونظم أمركم، وإصلاح ذات بينكم، فاني سمعت جدكما (صلى الله عليه وآله سلم) يقول:

إصلاح ذات البين أفضل من عامة الصلاة والصيام*

.الله الله في الأول فلا تغبوا أفكاره ولا يضيعوا بحضرتكم، والله الله في جيرانكم فإنهم وصية نبيكم، مازال يوصي بهم حتى ظننا انه سيورثهم.

الله الله في القرآن، لا يسبقكم بالعمل به غيركم .

الله الله في الصلاة فانها عمود دينكم.

والله الله في بيت ربكم، لا تخفوه ما بقيتم، فانه إمكانية ترك لم تناظر وا.

الله الله في الجهاد بأموالكم وأنفسكم والسنتكم في سبيل الله.

وعليكم بالتواصل والتبادل وإياكم والتدابير والتقاطع.

كثير من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيولى عليكم شراركم ثم تدعون فلا يستجاب لكم.

يابني عبد المطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين ".

الا لا يقتلن بي الا قاتي ، انظروا إذا نا متّ من ضربته هذه، فاضربوه ضربة بضربة، ولاتمثلوا بالرجل فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم) يقول: أو والمثلة ولو بالكلب العقور .

إمكانية هذه الوصية مركزة وشاملة لمختلف جوانب حياة الإنسان، فحرفي بنا إمكانية نحفظها ونهتدي بها في هذا الشهر الفضيل، وسوف نستعرض هنا بعض الفقرات لنستل منها مجموعة من الرؤى الحياتية المهمة.

أولا: تقوى الله..

إنها وصية الأنانية والرسل والأئمة والأولياء وتجلهم جميعا هي وصية الله سبحانه وتعالى لكل الأجيال البشرية، يقول تعالى: ( ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وايحم إمكانية اتقوا افه، وإن تكفروا فان دته ما في السموات وما في الأرض، وكان الله فنيا حميدا ) .

فما هي التقوى؟ ومن هو المتقي؟

سئل الأكثر الصادق (عليه السلام) عن تفسير التقوى فقال: أن لا يفقدك الله حيث أمرك ولا يراك حيث نهاك،، .

بعبارة أخرى، التقوى تعني الالتزام. ويقول الأكثر علي (عليه السلام)" المتقي من اتقى من الذنوب ".

وعنه أيضا (عليه السلام): رأس التقوى ترك الشهوات.

وعنه إياكم (عليه السلام): "من ملك شهوته كان تقيا .

من المعروف أن الإنسان يمتلك مجموعة من الغرائز والشهوات: كشهوة الجنس وشهوة المال، وشهوة الراحة، والإنسان الذي يتمكن من التحكم في شهواته وغرائزه يكون إنسان تقيا. وفريضة الصيام التي يتميز بها هذا الشهر العظيم إنما تستهدف زرع التقوى في نفس الإنسان وتنميتها في شخصيته، يقول تعالى: ( يا أيها الذين أمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون ) .

ولسنا هنا بصدد الحديث عن إبعاد التقوى وفضلها ومعانيها، وإنما سوف نتناول الإجابة على السؤال الأهم وهو: كيف يكون الإنسان تقيا؟

كيف يكون الإنسان ققياً؟؟

كل مؤمن يتمنى الوصول إلى درجة التقوى، ولكن ما هي العوامل التي تؤهل الإنسان ليكون تقيا؟

 

ا/ الوعي..

اكئر الناس الذين ينحرفون، ولا يلتزمون بأوامر الله إنما يرجع سببه إلى الجهل بمعالم الدين وثقافته فعن النبي (صلى الإيمانية عليه وآله وسلم):

"تمام التقوى أن تتعلم ما جهلت وتعمل بما علمت " ، فالمعرفة والوعي عامل من العوامل المساعدة على التقوى والذين يمتلكون الوعي والمعرفة الدينية مؤهلون لبلوغ درجة التقوى، فعن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم):

"لكل شيء معدن ومعدن التقوى قلوب العارفين" .

ذلك ينبغي للفرد أن يجالس العلماء المفكرين الإسلاميين ويرتاد المكتبات الإسلامية ليبحث في تراث الرسول وآل بيته الكرام (صلوات الإيمانية وسلامه عليهم أجمعين) عن المعرفة والوعي ويقرأ الكتب والمجلات الإسلامية ويستمع المحاضرات الإسلامية، ليزداد وعيا ومعرفة.

 

2/ البرامج الروحية..

ولكي يكون الإنسان تقيا لابد له أن يحيط نفسه وحياته بأكبر قدر ممكن من البرامج الروحية: من قراءة القرآن والأدعية وصلاة الليل والنوافل والصيام المستحب.

 

3/ المحيط الصالح..

إذا ما عاش الإنسان في جو صالح يشجع على التقوى والعمل الصالح، فسوف يكون تقيا في غالب الإمام. بيد انه عندما يعيش في محيط فاسد ومنحرف فسوف يكون ابعد ما يكون عن التقوى، ولا يعني هذا أن كل من عاش في أجواء صالحة يكون متقيا بالضرورة، وكل من عاش في أجواء فاسدة يكون غير متقي بالضرورة، كلا وإنما المحيط الصالح يساعد الإنسان على تقمص التقوى بينما المحيط الفاسد يثبط الإنسان عن التقوى.

 

ثانيا: ونظم أمركم..

بفضل الصحوة الإسلامية التي عمت عالمنا الإسلامي برز اناس كثيرون في مجتمعاتنا يتطلعون للعمل في سبيل الله وخدمة الدين وإصلاح المجتمع بخلاف المرحلة السابقة، حيث كان الرجال الذين يحملون شعور الإصلاح قلة، وكانت الأكثرية غافلة تعيش اللامبالاة تجاه واقعها.

ولامرية إمكانية المجتمع اليوم يسير نحو الهدى وطلائعه ينشدون العمل ونصرة الأراضي، حتى بعض أولئك الذين يبدون في ظاهرهم غير ملتزمين عندما تدخل معهم في نقاش حول الدين ووضع المجتمع والأمة ومسئوليتنا وواجبنا فأنهم يتجاوبون بمستوى جيد.

بيد أن المشكلة التي تبرز هنا هي حالة الفردية والمزاجية في العمل والتحرك، مما يجعل العمل غير مجد، بالصورة المطلوبة، مع إمكانية المطلوب هو أن قصب كل تلك الجهود والنشاطات في قنوات وأطر موحدة متعاونة. والأعداء يوصينا بنظم الأعمال والأمور ألانها مسألة مهمة للمجتمع الذي ينشد التقدم والسعادة.

ويقصد التنظيم بمعناه الواسع: تنظيم مختلف الطاقات والفعاليات والقدرات الاجتماعية وصبها في قناة واحدة لخدمة المجتمع.

وقد خطى مجتمعنا في هذا السبيل بعض الخطوات، إذ تكونت بعض الجمعيات الخيرية لاعانة الفقراء والمحتاجين بشكل منظم ومدروس، بينما في السابق كان الإنسان عندما يتصدق يعطي أي سائل يراه كان مستحقا أو غير مستحق وبصورة غير كافية لحاجات الفقير.

أما الآن فتجمع الأمر في صندوق واحد وضمن خطة مدروسة توزع، وهذا الأمر يعتبر نوعا من أنواع التنظيم في العمل الاجتماعي. وكذلك العمل الثقافي هو بأمس الحاجة إلى التنظيم، فالخطباء والعلماء والكتاب والشعراء الذي يسعون لتوعية المجتمع إذا كان كل واحد منهم يعمل بوحي من ذاته وبتشخيصه الفردي لطبيعة الواقع الاجتماعي، فسوف يكون عمل كل فرد في واد، وذلك لاختلاف التشخيص من فرد لآخر وهذا الأمر يؤدي بالنتيجة إلى تبعثر الجهود وتشتيت الطاقات.

فمثلا: شهر رمضان يعتبر مناسبة عظيمة للأرشد والتوجيه حيث يجد كل خطيب فرصة لصعود المنبر من أجل توعية الناس. ولكن كيف ينبغي للخطيب إمكانية يوجه المجتمع؟

هل هناك قضايا أساسية يعيشها المجتمع يجدر بالخطباء التركيز عليها في هذا الشهر؟ وما هو أفضل أسلوب للتوجيه؟

إن الإجابة المفيدة على هذه الأسئلة تستلزم اجتماع الخطباء فيما بينهم، في كل بلدة أو مدينة، ليتفقوا على برنامج موحد فحبذا لو يبادر بعض المؤمنين لعقد مثل هذه الاجتماعات بين الخطباء تحت اسم من الأسماء.

وكذلك الحال بالنسبة للعلماء لماذا نجد انهم يختلفون في مواقفهم وتوجهاتهم حتى في الأمور البسيطة كإثبات هلال شهر رمضان أو عمد الفطر؟

أهم سبب لذلك هو عدم التقائهم وإجتماعهم لمناقشة الأمور والمسائل معا.

وقد قال الأكثر علي (عليه السلام) "أحق على العاقل أن يضيف إلى رأيه رأي العقلاء ويضم إلى علمه علوم الحكماء " وعنه إياكم " من استقبل وجوه الاراء عرف مواقع الخطأ .

ربما يكون هنالك سببان لعدم توجه الخطباء والعلماء لتكوين تجمع موحد.

ا/ التخوف من ردة فعل السلطة. إذ يعتقد البعض إمكانية مثل هذه الاجتماعات قد ينظر إليه على إنكارا جلسات سياسية تدفع السلطة نحو القيام بإجراءات عدائية وقمعية ضدهم. ولكن إلى متى نحن نتخوف من سخط السلطة، ونحاول دائما إرضاءها على حساب قيمنا ومبادئنا؟ ولو كان آباؤنا يفكرون بمثل ما نفكر نحن لما أقاموا المجالس الحسينية.

ة هذا الإمر لا يحتاج سوى نوع من الجرأة والشجاعة. ثم إمكانية هذا الإجتماع ليس له مظهر سياسي، وإنما نشاط اجتماعي ثقافي، وسعي للتفكير الجماعي في كيفية ونوعية التوجيه الأخلاقي والعقائدي والروحي المطلوب في هذه الفترة.

2/ الحواجز النفسية عند الكثير من الخطباء والعلماء، حيث إمكانية بعضهم لا يمتلك الاستعداد للالتزام بالعمل الجماعي وذلك لسهولة العمل الفردي المزاجي، غير إمكانية التغيير الاجتماعي وإصلاح الناس والقضاء على الفساد في المجتمع لا يتم بالعمل الفردي، وإنما بالعمل الجماعي المنظم.

وفي مجتمعنا لا يمكن أن يحدث تغيير إذا لم تتركز الجهود والإيرادات، أليها الذين يحاربون العمل المنظم وينادون بالعمل كيفما اتفق فان هؤلاء ا قد رسموا في اذهانهم صورة مشوشة وغير واضحة عن التنظيم بينما التنظيم أمر سهل، لا يعني سوى جمع الطاقات والجهود وصبها وفق خطة محدودة وبر إدارة معينة، وبعد ذلك لك الخيار في الاسم، أردت إمكانية تسميه حزبا أو منظمة أتهم حركة أولئك اسم شئت سمه، فالمسألة ليست في الاسم، وإنما في المضمون والجوهر.

وكما نحتاج للتنظيم واتجمع في الإعلان الخيربة والثقافية والاجتماعية، كذلك لا يمكننا التحرك السياسي الفعال دون إطار تنظيمي، والواعون من أبناء مجتمعنا إذا ما أرادوا التصدي للفساد فلابد لهم من التعاون ضمن تنظيم سياسي ثوري، وعلى كل الألوان من العمل الجماعي المنظم يصدق مولانا أمير المؤمنين (عليه السلام)* الله الله في نظم أمركم ".

 

ثالثا: صلاح ذات بينكم..

وصلاح ذات بينكم فإني سمعت جدكما (صلى الله عليه وآله) يقول: صلاح ذات البين افضل من عامة الصلاة والصيام.

ما أحوج مجتمعاتنا إلى هذه الوصية، وهي تعيش الصراعات والحلافات والتمزقات.

إن هذه المشاكل والصراعات ترجع في جذورها إلى حالة التخلف والجهل، وإلى تشجيع السلطات أقدامهم، وهذا أمر طبيعي مارسه كل طغاة التاريخ، فعندما يرون بعض الناس يتحركون في اتجاه مناقض لسياستهم، فمن أجل إيقاف أو إعاقة هذا التحرك لا اقل فانهم يستخدمون وسيلة وقاعدة (فرق تسد) وقد حدثت بالفعل خلافات حتى في أوساط دينية للأسف الشديد إذ وصل الإمام بالبعض لأن يرتقي منابر الحسين) عليه السلام) ويستغل المآتم لمحاربة من يشكل امتدادا لخط الأكثر الحسين (عليه السلام) فيتحدث صراحة أو غمزا في قناة عمل المجاهدين الرساليين دونما وازع من ضمير، ثم يأوي إلى فراشه وينام ملء جفنيه. بينما أهله الذين وشاهم وعابهم يعيشون مشردين خارج اوطانهم وبعضهم في غياهب السجون يعانون من آلام التعذيب..

والغريب إمكانية الذين يقومون بمهمة الإصلاح بين الناس قلة، وهذه القلة غالبا ما تتوجه لا صلاح المشاكل الجانبية والعائلية، فإذا ما اختلف رجل مع زوجته فان إنها الخير قد يتوسطون ويصلحون بينهما، وهذا عمل جيد. ولكن هناك عمل أهم وهو الإصلاح بين طائفتين أو فئتين أتهم جماعتين من الناس، فأين أهل الخير في مجتمعاتنا؟ أين الوجهاء هـ العلماء؟ أين الشخصيات؟ أين المؤمنون من الخلافات التي تحدث في المجتمع؟

لقد وصل الإمام إلى استغلال المساجد والحسينيات، وإدخال السلطة في خلافات المتدينين مع بعضهم البعض وهذا ما تريده السلطة، حيث قام البعض بتقديم تقارير للسلطة حول العاملين الرساليين من أبناء مجتمعه بسبب تلك الخلافات التي تحصل بمختلف العناوين والأسماء.

ونحن لا نطالب بانحياز الوجهاء والعلماء إلى الطرف المحق، رغم إن نصرة الحق والانحياز له أمر ضروري ومطلوب، ولكن ليأخذوا على الأقل دور الإصلاح والتوسط للم الشمل، وتوحيد الصف، وإيقاف شماتة العدو بنا، وفرحته بفرقتنا.

إن هذا العمل من افضل الأعمال وقد قال رسول الله (صلى الله عليه وآله وسلم):

" إلا أخبركم بأفضل من الصيام والصلاة والصدقة ؟ درجة "صلاخ ذات البين، فان فسماد ذات البين هي الحالقة .

كما أن الله سجانه وتعالى قال في كتابه الكريم:

( إنما المؤمنون اخوة فأصلحوا بين اخويكم ) . وقــــال أيضا: ( واتقوا الله واصلعوا ذات بينكم )

وقد أوصى الإمام الصادق (عليه السلام) المفضل بن عمر: " إذا رأيت بين اثنين من شيعتنا منازعة فافتدها من مالي .

إن الإمام الصادق (عليه السلام) لا يرضى باختلاف اثنين من شيعته فيوصي بحل نزاعاتهم حتى لو كلف ذلك الحل دفع أموال من حق الإمام.

فكيف بالإمام الصادق (عليه السلام) لو يرى مجتمعنا الآن، ويجد الاختلاف والنزاع على صعيد العلماء والخطباء والمتدينين، كل يحارب الأخر باسم الدين وباسم التشيع وباسم أهل اليت ولاسم ي!لمرجعية ؟!!..

وشهر رمضان المبارك هو أفضل فرصة لممارسة إصلاح ذات البين، وتحقيق وصية أمامنا أمير المؤمنين (عليه السلام).

 

رابعا: الله الله في القرآن..

"الله الله في القرآن لا يسبقكم إلى العمل به غيركم ".

ويقول الإمام الباقر (عليه السلام) " لكل شيء ربيع، وربع القرآن شهر رمضان " ، وعنه أيضا: " من قرأ في شهر رمضان آية من القرآن، كان له أجر من ختم القرآن في غيره من الشهور،، .

لذا ينبغي أن نخصص وقتاً من برنامجنا اليومي لقراءة القرآن وأن نختمه لا أقل في شهر رمضان ولو مرة واحدة، فالأمام الرضا (عليه السلام) كما قال ابر أهيم بن العباس: كان كلامه (عليه السلام) وجوابه وتمثله انتزاعات من القرآن المجيد، وكان يختمه في كل ثلاث، وكان يقول: " لو إني أردت أن اختمه في اقرب من ثلاث لختمت، ولكن ما مررت بآية قط إلا فكرت فيها، وفي إي شيء نزلت. وقد وردت أحاديث كثيرة في فضيلة ومغانم قراءة القرآن نقتطف بعضها، عن الرسول (صلى الله عليه وآله):

" إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد " قيل: يا رسول الله،

فما جلاؤها؟" قال: تلاوة القرآن* .

 

وعنه (صلى الله عليه وآله) قال:

عليك بقراءة القرآن فإن قراءته كفارة للذنوب، وستر في النار، وأمان من العذاب.

هدا على صعيد التلاوة، أما الحفظ ففي مجتمعاتنا قليلون هم الذين يحفظون القرآن أو جزءأ كبيرا منه، فمع حالة التشجيع وإنشاء المعاهد وعقد المسابقات وتخصيص الجوائز لكي يتحفز الأفراد إلى حفظه إلا أنه القلة القليلة التي تتجاوب مع ذلك.

بينما المؤمنون السابقون كانوا كثيرا ما يحفظون القرآن في شهر رمضان، فحري بكل واحد منا أن يحفظ اكبر قدر ممكن من الآيات، ولاسيما الجزء الأخير من القرآن الكريم، فإن سوره قصار، وواضحة المعاني بديعة الإيقاع وقد وردت أحاديث كثيرة في فضل حفظ آيات القرآن الحكيم.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله):

يقال لصاحب القرآن اقرأ وارق ورتل كما كنت ترتل في دار الدنيا فإن منزلتك عند آخر آية كنت تقرأها" .

وهناك حديث جميل عن الإمام الصادق (عليه السلام) عتاب لمن يحفظ شيئا من القرآن ثم ينساه، تماما مثل الصديق الذي يعاتبك عندما تنسى اسمه بعد أن عشت معه أياما وشهورا طويلة، يقول الإمام الصادق (عليه السلام)" من نسي سورة من القرآن مثلت له في صورة حسنة ودرجة رفيعة في الجنة، فإذا رآها قال: ما أنت؟ فما أحسنك؟ ليتك لي. فتقول: أما تعرفني؟ أنا سورة كذا وكذا، ولو لم تنسني لرفعتك إلى هذا المكان " ).

الجانب الثالث في القرآن هو التدبر، فليس مفيدا كثيرا أن يقرأ الإنسان القرآن فقط دون أن يتأمل معانيه ففي الحديث عن الإمام علي (عليه السـلام):* إلا أتخير في قراءة لشي فيها تدبر..

والله سبحانه إنما أنزل القرآن للتدبر، قبل كل شيء قال تعالى: ( كتاب أنزلناه اليك مبارك ليدئروا آياته، وليتذكر أولوا ا لألباب )

والرسول (صلى الله عليه وآله) سأل عن قول الله تعالى: ( ورتل القرآن...) قال: بينه تبيانا، ولاتنزه نثر الرمل ولا تهذّه هذ الشعر، قفوا عند عجائبه وحركوا به القلوب ولا يكون همّ أحدكم آخر السورة،، .

يزعم فريق من المسلمين أن التدبر في القرآن، غير مسموح به إلا للذي أوتي نصيبا كبيرا من العلم ويستندون- في زعمهم هذا- ببعض الروايات المأثورة التي نهت عن تفسير القرآن بالرأي.

ولكن هذا الزعم غير منطقي أبدا، إذ أن الله كان أعلم بكتابه، وبخلقه حيث أمرهم بالتدبر في آيات القرآن، بل حيث خاطب بالقرآن كل إنسان وفي كل أرض وفي كل عصر.

يقول الله سبحانه عن كتابه:

( هذا بيان للناس، وهدى وموعظة للمتقين ) وهل يمكن إن يبعث الله بيانا للناس جميعا، ثم ينهاهم عن التفهم له، أو التدبر فيه إذا ما فائدة البيان؟

إن خطابات القرآن- تهتف بالناس كافة وتقول: يا أيها الناس- أو بالمؤمنين جميعا. وتقول: يا أيها الذين آمنوا، وهذا يعني أن الله يريدهم إن يسمعوا كلامه. ويتفهموا. فهل نستطيع أن نزعم أنه لا يجوز التدبر فيه؟

ولا يمكن أن نقول أن الروايات تنهى عن التدبر الذي أمر به الله. بل الأكثر منطقية القول أن الروايات نهت عن شيء والآية أمرت بشيء آخر، أو أن الروايات بينت حدود التدبر التي لا يجوز التحاوز عنه،، .

هناك عادة حسنة في مجتمعاتنا وهي عادة قراءة القرآن في شهر رمضان. ففي اغلب البيوت يجتمع نفر من الناس بعد الإفطار، ويقوم أحدهم بتلاوة القرآن الكريم، والكل يسمعه وينصت إليه. في كل ليلة يختمون جزءا أو أكثر.

إن شبابنا مدعوون للالتزام بهذه العادة الحسنة، ومن المفضل أن يمون معهم خص !ن من التدبر في القرآن، وشرح لعض معانيه.

فقد جاء في الحديث عن الرسول (صلى الله عليه وآله وسلم) ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله يتلون كتاب الله ويتدارسونه بينهم، إلا نزلت عليهم السكينة، وغشيتهم الرحمة، وحفتهم الملائكة، وذكرهم فيمن عنده " .

وكلما كانت قراءة القرآن قراءة حزينة ويلفها الخشوع كانت اقرب إلى القلب وانفذ إليه. فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله): " إن القرآن نزل بالحزن، فإذا قرأتموه فابكوا، فإن لم تبكوا فتباكوا،، .

وللأمام علي (عليه السلام) خطبة يصف فيها المتقين، جاء فيها قوله: " أما الليل فصافون أقدامهم، تالين لأجزاء القرآن، يرتلونها ترتيلا، يحرنون به أنفسهم، ويستشيرون به تهيج أحزانهم بكاءً على ذنوبهم، ووجع كلوم جراحهم، وإذا مروا بآية فيها تخويف أصغوا أليها مسامع قلوبهم وإبصارهم فاقشعرت منها جلودهم، ووجلت قلوبهم، فظنوا أن صهيل جهنم وزفيرها وشهيقها في أتصول آذانهم. وإذا مروا بآية فيها تشويق ركنوا أليها طمعا، وتطلعت أليها نفوسهم شوقا، وظنوا إنها نصب أعينهم،،

خامسا الله في الأيتام..

"الله الله في آلا يتام فلا تغبوا أفواههم، بحضرتكم . ألا لا يضيعو

نحن هنا لسنا بصدد الحديث عن الحالة النفسية لليتيم، وإنما نشير إلى ضرورة رعايته اجتماعيا، لما لهذه الرعاية من فوائد اجتماعية ودينية وأخروية. إذ أن الابن الذي يفقد أباه إذا لم ينل الرعاية من قبل المجتمع فسوف يتحول إلى عنصر إجرام بسبب عدم التربية والنقص العاطفي، بينما إذا نال الرعاية فسوف تكون الحالة صحية.

وقد وردت أحاديث كثيرة تنصح بالاهتمام بالأيتام.

فعن الإمام علي (عليه السلام): ما من مؤمن ولا مؤمنة يضع يده على رأس يتيم إلا كتب الله له بكل شعره مرت يده عليها حسنة وعن الرسول (صلى الله عليه وآله): " أن في الجنة دارا يقال لها دار الفرح لا يدخلها إلا من فرخ يتامـى المؤمنين .

أذن، لابد من رعاية اليتيم، ولاسيما إذا كان يتيما فاقدا لأبيه في سبيل الله، والآن في امتنا الإسلامية آلاف، بل عشرات الألوف من أبناء الإسلام، فكم من الإيهام في أفغانستان فقدوا آباءهم في سبيل الله؟ وكم من الإيهام في لبنان؟ وكم من الإيهام في بلادنا الذين استشهد آباؤهم في سبيل الله، إن هؤلاء الذين فقدوا آباءهم دفاعا عن الإسلام هم أمانة في أعناق المسلمين جميعا.

إنها مسألة إسلامية، فكل الإيهام من أبناء الشهداء هم أبناء الإسلام لهم حق كبير على الأمة الإسلامية قاطبة فالذي استشهد في العراق أو في أي أرض إسلامية أخرى، إنما قتل دفاعا عن الإسلام في كل مكان وليس عن أرض دون أخرى.

إذن فالمسؤولية تقع على عاتق كل مسلم ايتما كان. وهذا شهر رمضان مناسبة ثمينة يزداد فيها الاجر فينبغي أن يوصل كل فرد دعمه ومساعدته لابناء الشهداء سواء في بلاده . أو خارج بلاده.

وشبيه بأبناء الشهداء، أبناء المعتقلين، إذ انهم يلتقون معا في نقطة ضعف واحدة، وفي فقدان الرعاية والحنان.

وفي مجتمعاتنا الآن تعيش مجموعة كبيرة من المؤمنين في زنزانات السجون الرهيبة، بتهمة ممارسة النشاط الديني، وبعضهم حكم عليه بالسجن المؤبد أو لسنوات طويلة، مما يعني حرمان أبنائهم من الرعاية الأبوية، والحنإن العائلي، فهم كأبناء الشهداء أمانة في أعناقنا جميعا.

وشهر رمضان الكريم فرصة ثمينة لرعاية عوائل المعتقلين وزيارتهم ومواساتهم، والمطلوب ليس هو الدعم المادي فقط، بل المواساة العاطفية والإنسانية، فاتصالك بهم هاتفيا أو كتابيا، أو زيارتهم ونقديم هدية رمزية لهم ترفع معنوياتهم كثيرا..

سادسا: الله الله في الجهاد..

"الله الله في الجهاد في سبيل الله بأموالكم والسنتكم .

" إن الجهاد اشرف الأعمال بعد الإسلام، وهو قوام الدين، والأجر فيه عظيم، مع العزّة والمنعة، وهو الكرة، فيه الحسنات والبثرى بالجنة بعد الشهادة. كما قال الإمام على (عليه السلام).

إلا انه بسبب التخلف والجهل والخوف والجبن اصبح الجهاد عملا تقوم به فئة محدودة وقليلة من مجتمعاتنا. بينما هناك مجتمعات كالمجتمع الإيراني انعم الله عليهم، فأصبحوا يعرفون الجهاد ويرغبون فيه، فحينما يعلن عن التعبئة والتطوع إلى بهات القتال، فإن مئات الالوف يهرعون ملبين الإعلان والنداء، وكذلك هو حال المجتمع الأفغاني واللبناني، بينما في مجتمعاتنا لازال الجهاد غريبا وأصبح فريضة غائبة- كما قال اخوتنا المؤمنون في مصر-.

كما أن الفئة العاملة المجاهدة مع قلتها فهي لا تسلم من ألسنة المتقاعسين، إذ يعتبرونهم طائشين، متطرفين..

إن الإمام علي (عليه السلام) يذكرنا في شهر رمضان، وفي آخر وصية له بالجهاد وقد ربط الإمام في حديث سابق بين الجهاد والصيام وقال: " زكاة البدن الجهاد و الصيام " .

وقد تحدث في وصيته عن ثلاث ألوان من الجهاد:

 

أ/ الجهاد بالمال: ففي مقابل الميزانيات الضخمة التي ترصدها الحكومات لأجهزتها ومشاريعها، وفي مقابل الأموال التي يصرفها الأعداء على نشاطاتهم المناوئة لأمتنا، لا يمكن للعاملين في سبيل الله أن يواصلوا ويصعّدوا عملهم الجهادي دون مساعدة المجتمع ودعم الأثرياء والمتمكنين..

وفي بلادنا هناك كثير من التجار وأصحاب المال، ولكنهم، مع الأسف، يبخلون بأموالهم، ولا ينفقون شيئا منها في سبيل الله، وإذا ما تحمس أحدهم للأنفاق فإنه يقتصر على الأعمال والمشاريع العادية والمعروفة في المجتمع، كبناء المساجد ومساعدة الفقراء. أما الأنفاق من أجل الجهاد في سبيل الله ولمقاومة أعداء الإسلام، فهذا ما لا يفكر فيه أحد من الأثرياء في بلادنا..

ولا يجهل هؤلاء المتمكنون وجود المجاهدين والثائرين، ومحنهم غافلون أو متغافلون عن مسئوليتهم الشرعية تجاه الجهاد في سبيل الله..

وليتهم ينتبهون إلى أن مستقبل حياتهم، وأمواهم في خطر شديد، إن لم يقفوا في وجه الأعداء والظالمين. وأمامنا تجربة قاسية مرت بأخوتنا المسلمين في العراق حيث تقاعس الأثرياء عن دعم الحركة الإسلامية فتسلط المجرمون على الشعب، ولم يبقوا حرمة لدين أو دم أو مال..

أن الألوف من المؤمنين الذين صادر الظالمون أمواهم في العراق أبعدوهم بصورة بشعة، يتأسفون اليوم، ويتندمون حيث لا ينفع الندم، على تقصيرهم في دعم المجاهدين يوم كانت الأموال بأيديهم.

وما حكام كثير من البلاد الإسلامية الأخرى بأشفق قلبا من صدام و عصابته المجرمة.. وصدق أمير المؤمنين (عليه السلام) حينما يقول في فقرة أخرى من هذه الوصية: " لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولى عليكم شراركم، ثم تدعون فلا يستجاب لكم .

 

2/ الجهاد بالنفس: فمعركة الإسلام مع الكفر محتدمة الآن، والأعداء يحشدون كل ما لديهم من قدرات وطاقات لتثبيت هيمنتهم على امتنا الإسلامية.. وإذا لم يتصد المؤمنون الهذه الهجمة الكافرة الشرسة، فسيقضي الكفار على كل ما تبقى من جذورنا الإسلامية، وسنبقى بعدها لقرون طويلة نجتر الهزيمة المأساة والتخلف.

والتصدي لهجمات الأعداء يتطلب استعداد أبناء الأمة للفداء والتضحية بأنفسهم في سبيل الله.. كما يفعل الآن أخواتنا في أفغانستان وإيران ولبنان..

فليبادر القادرون من أبناء مجتمعنا للإلحاق بركب الثورة والجهاد، وليصمموا على التفرغ للعمل في سبيل الله. وما أروع تشويقه وترغيبه للمؤمنين في الجهاد والتضحية، حيث يقول: ( إن الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم بأن لهم الجنة، يقاتلون في سبيل الله، فيقتلون ويقتلون، وعدا عليه حقا في التوراة والإنجيل والقرآن ومن أوفى بعهده من الله، فاستبشروا ببيعكم الذي بايعتم به، وذلك هو الفوز العظيم ) .3/ الجهاد باللسان: وذلك بنشر الأفكار الثورية، وبدعوة الناس إلى الجهاد، وبالدفاع عن المجاهدين الرساليين.

فليدافع كل غيور عن العاملين في سبيل الله، فالسلطات والرجعيون يشيعون حولهم أتسوء الاتهامات، لمنع الناس من التفاعل والالتفاف حول المجاهدين.

إن الرساليين لا يدافعون عن أنفسهم، ولا يجاهدون من اجل مصالح شخصية.. بل يتحملون الأذى والنصب والآلام من اجل الدين، وكرامة المجتمع، فلا يصح لمؤمن أن يشارك في تشويه سمعتهم، لا بل لا يصح له السكوت عن محاولات الأعداء واتهاماتهم ضد المؤمنين المجاهدين.

فعن رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال:

" من اغتاب غازيا أو إذاه أو خلفه في أهله بخلافة سوء، نصب

له يوم القيامة علم فيستفرغ بحسناته ويركس في النار" .

 

سابعا: الا لاتقتلن الأ قاتلي..

" يا أبناء عبدا لمطلب، لا ألفينكم تخوضون دماء المسلمين خوضا، تقولون: قتل أمير المؤمنين ". ألا لاتقتلن بي إلا قاتلي، انظروا إن أنا مت من ضربته هذه فاضربوه ضربة بضربة، ولا تمثلوا بالرجل، فإني سمعت رسول الله (صلى الله عليه وآله) يقول: " إياكم والمثلة ولو بالكلب العقور.

إن هذا المعنى العظيم يلفتنا إلى الأوضاع السياسية التي تحبشها امتنا الإسلامية، والأوضاع التي يجب إن تكون، فالأمام على (عليه السلام) بالرغم من عظمته ومكانته عند الله سبحانه وتعالى، يرفض إن تراق الدماء بأسمه ومن أجل حياته وشخصيته.

الحاكم العادل هو الذي لا يستخدم القمع والإرهاب ضد شعبه، ولا يعمل لنفسه ولأسرته حقوقا ومميزات إضافية، ويحيط نفسه بهالة من القداسة. فيصبح مجرد انتقاده جريمة لاتغتفر، ويعرض منتقده إلى السجن والتعذيب.

والإمام على (عليه السلام) عندما قال مقولته هذه آخر حياته لم تكن كلاما وعظيا مجردا. بل كانت قبل ذلك واقعا مارسه الإمام أبان حكمه، حيث تنازل عن هيبته وفضل إن يعيش إنسانا عاديا في المجتمع، مع كونه في موقع السلطة والحكم.

وهناك قصص كثيرة نقلها لنا التاريخ عن عدالته وتواضعه وشعبيته:

" روي إن امرأة جميلة في الكوفة مرت قرب الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو جالس مع جماعة، فرمقها القوم بأبصارهم، فنهاهم أمير المؤمنين (عليه السلام) عن ذلك قائلا: إن إبصار هذه الرجال طوامح، وإن ذلك سبب هلاكها، فإذا نظر أحدكم إلى امرأة تعجبه فليلمس أهله، فإنما هي امرأة كامرأة. فقال رجل من الخوارج: قاتله الله من كافر ما افقهه. فوثب القوم إليه يريدون تأديبه. فقال (عليه السلام) ناهيا لهم: رويدا إنما هو سب بسب أو عفو عن ذنب، ثم عفى عنه وتركه وشأنه .

" وفي رواية أخرى انه كان في صلاة الصبح فقرأ ابن كوا ( وكان من المنافقين ) : ( ولقد أوحى إليك وإلى الذين من قبلك لئن أشركت ليحبطن عملك، ولتكونن من الخاسرين ) معرضا بالإمام. وانه قد أشرك بقبوله التحكيم (كما كان هكذا رأي الخوارج)، فأنصت علي (عليه السلام) لقراثة القرآن اتباعا .

 

لقوله تعالى:

( وإذا قرء القرآن فاستمعوا له أنصتوا ) حتى فرغ ابن كوا من الآية، ثم عاد بن كوا في قراثتها، فأنصت الإمام ايضا، فأعاد ابن كوا المرة الثالثة، فأنصت علي (عليه السلام)، وبعد ذلك قرأ هذه الآية المباركة:

( فاصبر إن وعد الله حق ولايستخفنك الذين لا يوقنون )

ولكي ندرك عظمة نفسية الإمام وروعة موقفه نطرح التساؤل التالي:

ماذا ترى سوف يحدث لو أن مثل هذا الموقف تكرر مع حاكم من الحكام بصورة أو بأخرى، فلو أن شخصا بادر إلى كتابة الآية الكريمة:

( إن الملوك إذا دخلوا قرية أفسدوها وجعلوا أعزة أهلها أذلة !وكذلك يفعلون ) كتبها بخط عريض على الشوارع فكيف ستتعامل معه السلطات الحاكمة؟

وان التاريخ يحدثنا كيف إن أحد الخلفاء كان منزعجا من تكرار الصحابي الجليل أبى ذر الغفاري (رضوان الله عليه) لقوله تعالى: ( والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله فبشرهم بعـذاب أليم )0 إذ اعتبر قراءة تلك الآية تعريضا بشخصيته وسياسته الاقتصادية، فنفى أبا ذر إلى الرّبذة، حيث مات هناك وحيدا غريبا.

إننا اليوم بحاجة ماسة إلى دراسة منهج أمير المؤمنين علي بن أبى طالب (عليه السلام) في السياسة والحكم، لندرك مدى انحراف الحاكمين علينا باسم الإسلام، ولتتضح أمامنا صورة الحياة الاجتماعية في ظل الإسلام، وكيف يكون الحاكم؟ وكيف يتعامل مع الناس؟

" فقد روى ابن الأثير في التاريخ* الكامل ": إن عليا (عليه السلام) وجد درعه عند نصراني فأقبل إلى شريح قاضيه وجلس إلى جانبه يخاصم النصراني فخاصمه رجل من رعاياه، وقال: إنها درعي، ولم ابع ولم اهب، قال شريح للنصراني: ما تقول فيما يقول أمير المؤمنين؟ قال: النصراني: ما الدرع إلا درعي وما أمير المؤمنين بكاذب، فالتفت شريح إلى علي (عليه السلام) يسأله: يا أمي المؤمنين هل من بينة؟ فضحك علي (عليه السلام)، وقال: مالي بينة، فقضى شريح بالدرع للنصراني، فأخذها ومشى وأمير المؤمنين (عليه السلام) ينظر إليه إلا إن النصراني لم يخط خطوات حتى عاد يقول: أما أنا فاشهد إن هذه أحكام الأنبياء يدنيني إلى قاضيه، وقاضيه يقضي عليه: الدرع والله درعك يا أمير المؤمنين " .

" وقد روى المؤرخون: انه لما ظهر الخوارج، واخذوا ينقضون الإمام ويكفرونه ويقولون: لا حكم الا لله (وهي كلمة حق يراد بها باطل، كما قال أمير المؤمنين (عليه السلام)) لم يتعرض لهم الإمام بسوء بل كان (كما في الرواية) يجري عليهم اعطياتهم من بيت المال.

وقد أراد أصحاب الإمام قتال هؤلاء باديء الأمر، ولكن الإمام أبى عليهم ذلك، وأنكره، وقال: إن سكتوا تركناهم، وان تكلموا حاججناهم، وان افسدوا قاتلناهم " .

هكذا جسد الإمام علي (عليه السلام) أفكاره إلى مواقف أتعطى للمسلمين صورة عن الحاكم العادل الذي لا يسن لنفسه امتيازات وحقوق إضافية ولا يحيط نفسه بهالة من القداسة. كما انه لا يمنع الناس من حرية إبداء الرأي والمعارضة.

وفي وصية الإمام علي (عليه السلام) مجال واسع لكي يتأمل الإنسان ويتفكر وش!تلهم القيم والمباديء الحقة.

عسى الله سبحانه إن يشملنا برحمته الواسعة، في هذا الشهر الكريم، وان يمن على امتنا الإسلامية بالحرية والاستقلال.. انه سميع مجيب.