بسم الله الرحمن الرحيم
العبادة من الموضوعات التي تطرق إليها الذكر الحكيم كثيرا. و قد حث عليها في أكثر من سورة و آية و خصها بالله سبحانه و قال: (و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه و بالوالدين إحسانا) (الإسراء/23) و نهى عن عبادة غيره من الأنداد المزعومة و الطواغيت و الشياطين، و جعلها الأصل الأصيل بين الشرائع السماوية و قال: (يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا إياه و لا نشرك به شيئا و لا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله) (آل عمران/ 64) كما جعلها الرسالة المشتركة بين الرسل فقال سبحانه: (و لقد بعثنا في كل امة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت فمنهم من هدى الله و منهم من حقت عليه الضلالة) (النحل/36).
فإذا كان لهذا الموضوع تلك العناية الكبيرة فجدير بالباحث المسلم أن يتناولها بالبحث و التحقيق العلمي، حتى يتميز هذا الموضوع عن غيره تميزا منطقيا.
و الذي يضفي على الدراسة، أهمية أكثر، هو أن التوحيد في العبادة أحد مراتب التوحيد التي لا محيص للمسلم من تعلمه، ثم عقد القلب عليه، و التحرر عن أي لوم من ألوان الشرك. فلا تنال تلك الأمنية في مجالي العقيدة و العمل إلا بمعرفة الموضوع معرفة صحيحة، مدعمة بالدليل حتى لا يقع في مغبة الشرك، و عبادة غيره سبحانه.
و رغم المكانة الرفيعة للموضوع لم نعثر على بحث جامع حول مفهوم العبادة يتكفل بيان مفهومها، و حدها الذي يفصله عن التكريم و التعظيم أو الخضوع و التذلل، و كأن السلف (رضوان الله عليهم) تلقوها مفهوما واضحا، و اكتفوا فيها بما توحي إليهم فطرتهم.
و لو صح ذلك فإنما يصح في الأزمنة السالفة، دون اليوم الذي استفحل عند بعض الناس أمر ادعاء الشرك في العبادة، فيما درج عليه المسلمون منذ قرون إلى أن ينتهي إلى عصر التابعين و الصحابة فأصبحـ بادعائهمـ كل تعظيم و تكريم للنبي، عبادة له، و كل خضوع أمام الرسول شرك، فلا يلتفت الزائر يمينا و شمالا في المسجد الحرام و المسجد النبوي إلا و توقر سمعه كلمة«هذا شرك يا حاج»، و كأنه ليس لديهم إلا تلك اللفظة، أو لا يستطيعون تكريم ضيوف الرحمن إلا بذلك.
فاللازم على هؤلاءـ الذين يعدون مظاهر الحب و الود، و التكريم و التعظيم شركا و عبادةـ وضع حد منطقي للعبادة، يميز بها، مصاديقها عن غيرها حتى يتخذه الوافدون من أقاص العالم و أدانيه، ضابطة كلية في المشاهد و المواقف، و لكنـ و للأسفـ لا تجد بحثا حول مفهوم العبادة و تبيينها في كتبهم و نشرياتهم و دورياتهم.
فلأجل ذلك قمنا في هذه الرسالة، بمعالجة هذا الموضوع، بشرح مفهومها لغة و قرآنا، حيث بينا أن حقيقة الشرك في تعاليم الأنبياء أخص مما ورد في المعاجم و كتب اللغة.
جعفر السبحاني
تحريرا في 25/2/1416 ه
إن المسلم في شرق الأرض و غربها، يخص العبادة و الاستعانة بالله سبحانه في كل يوم في صلواته الخمس فيقول: (إياك نعبد و إياك نستعين) و لا خلاف بين المسلمين في هذه الضابطة الكلية، أي أن العبادة مختصة بالله سبحانه، و لا يصح إصدار هوية إسلامية لشخص إلا بعد الاعتراف بهذه الكبرى، و إنما الخلاف بينهم في بعض الأمور و الأحوال الخارجية، فهل هي عبادة أو لا؟ فلو صحت كونها عبادة فلا يجوز الإتيان بها لغيره سبحانه و إن أتى بها لغيره يعد مشركا.
مثلا تقبيل الأضرحة هل هو عبادة لصاحب القبر أو تكريم و تعظيم له؟ و هكذا الصلاة في المشاهد و عند قبور الأنبياء، فهل هي عبادة لصاحب القبر (و إن كانت الصلاة لله) أو هي عبادة لله و لكن تتضمن التبرك بصاحب القبر؟
و مثل ذلك مسألة الاستعانة في نفس الآية، فمع الاعتراف بحصر الاستعانة بالله سبحانه، فلا شك عند العقلاء عامة أنه تجوز الاستعانة بالأحياء في الأمور الدنيوية، و لكن إذا استعان بإنسان حي فيما يرجع إلى الأمور الغيبية، كرد ضالته و برء مرضه فهل هو استعانة تخالف الحصر المذكور في الآية أو لا؟
و هناك صورة ثالثة أبهم من الصورة الثانية و هي: إذا استعان بميت بنحو من الأنحاء كما إذا طلب منه الدعاء و الاستغفار في حقه فهل هي استعانة تخالف الحصر أو لا؟ و قس على ذلك بعض ما يرد عليك من الصور المرددة بين العبادة و التكريم، أو بين الاستعانة الجائزة و المحرمة.
و لأجل أن يكون البحث أكثر علمية و موضوعية علينا أولا البحث في مسألتين:
1ـ تحديد مفهوم العبادة حتى تتميز عن التكريم و التبجيل و التبرك.
2ـ تحديد الاستعانة المختصة بالله و فصلها عن الاستعانة الجائزة.
كل ذلك في ضوء القرآن الكريم.
بالرغم من عناية اللغويين و المفسرين بتفسير لفظ العبادة و تبيينها، لكن لا تجد في كلماتهم ما يشفي الغليل، و ذلك لأنهم فسروه بأعم المعاني و أوسعها و ليس مرادفا للعبادة طردا و عكسا.
1ـ قال الراغب في المفردات: (العبودية: إظهار التذلل، و العبادة أبلغ منها، لأنها غاية التذلل، و لا يستحق إلا من له غاية الإفضال و هو الله تعالى و لهذا قال: (و قضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه...)).
2ـ قال ابن منظور في لسان العرب: (أصل العبودية: الخضوع و التذلل).
3ـقال الفيروزآبادي في القاموس المحيط: (العبادة: الطاعة).
4ـ قال ابن فارس في المقاييس: (العبد: الذي هو أصل العبادة، له أصلان متضادان، و الأول من ذينك الأصلين، يدل على لين و ذل، و الآخر على شدة و غلظ).
هذه أقوال أصحاب المعاجم و لا تشذ عنها أقوال أصحاب التفاسير و هم يفسرونه بنفس ما فسر به أهل اللغة، غير مكترثين بأن تفسيرهم، تفسير لها بالمعنى الأعم.
1ـ قال الطبري في تفسير قوله: (إياك نعبد) اللهم لك نخشع و نذل و نستكين إقرارا لك يا ربنا بالربوبية لا لغيرك. إن العبودية عند جميع العرب أصلها الذلة و أنها تسمى الطريق المذلل الذي قد وطئته الأقدام و ذللته السابلة معبدا، و من ذلك قيل للبعير المذلل بالركوب للحوائج: معبد، و منه سمي العبد عبدا، لذلته لمولاه (1) .
2ـ قال الزجاج: معنى العبادة: الطاعة مع الخضوع، يقال: هذا طريق معبدا إذا كان مذللا لكثرة الوطء، و بعير معبد إذا كان مطليا بالقطران، فمعنى (إياك نعبد):إياك نطيع، الطاعة التي نخضع منها (2) .
3ـ و قال الزمخشري: العبادة: أقصى غاية الخضوع و التذلل، و منه ثوب ذو عبدة أي في غاية الصفافة، و قوة النسج، و لذلك لم تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى لأنه مولى أعظم النعم فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع (3) .
4ـ قال البغوي: العبادة: الطاعة مع التذلل و الخضوع و سمي العبد عبدا لذلته و انقياده يقال: طريق معبد، أي مذلل (4) .
5ـ قال ابن الجوزي: المراد بهذه العبادة ثلاثة أقوال:
أـ بمعنى التوحيد (إياك نعبد) عن علي و ابن عباس.
بـ بمعنى الطاعة كقولة تعالى (لا تعبد الشيطان).
جـ بمعنى الدعاء (5) .
6ـ قال البيضاوي: العبادة أقصى غاية الخضوع و التذلل، و منه الطريق المعبد أي مذلل، و ثوب ذو عبدة، إذا كان في غاية الصفافة، و لذلك لا تستعمل إلا في الخضوع لله تعالى (6) .
و سيأتي أن تفسير العبادة بغاية الخضوع ربما يكون تفسيرا بالأخص، إذ لا تشترط في صدقها غاية الخضوع، و لذلك يعد الخضوع المتعارف الذي يقوم به أبناء الدنيا أمام الله سبحانه عبادة، و إن لم يكن بصورة غاية التعظيم، و ربما يكون تفسيرا بالأعم، فإن خضوع العاشق لمعشوقه ربما يبلغ نهايته و لا يكون عبادة.
7ـ و قال القرطبي: نعبد، معناه نطيع، و العبادة: الطاعة و التذلل، و طريق معبد إذا كان مذللا للسالكين (7) .
8ـ و قال الرازي: العبادة عبارة عن الفعل الذي يؤتى به لغرض تعظيم الغير و هو مأخوذ من قولهم: طريق معبد (8) .
و إذا قصرنا النظر في تفسير العبادة، على هذه التعاريف و قلنا بأنها تعاريف تامة جامعة للأفراد و مانعة للأغيار، لزم رمي الأنبياء و المرسلين، و الشهداء و الصديقين بالشرك و أنهمـ نستعيذ باللهـ لم يتخلصوا من مصائد الشرك، و لزم ألا يصح تسجيل أحد من الناس في قائمة الموحدين. و ذلك لأن هذه التعاريف تفسر العبادة بأنها:
1ـ إظهار التذلل.
2ـ إظهار الخضوع.
3ـ الطاعة و الخشوع و الخضوع.
4ـ أقصى غاية الخضوع.
و ليس على أديم الأرض من لا يتذلل أو لا يخشع و لا يخضع لغير الله سبحانه و إليك بيان ذلك:
إن الخضوع و التذلل حتى إظهار نهاية التذلل لا يساوي العبادة و لا يعد حدا منطقيا لها، بشهادة أن خضوع الولد أمام والده، و التلميذ أمام استاذه، و الجندي أمام قائده، ليس عبادة لهم و إن بالغوا في الخضوع و التذلل حتى و لو قبل الولد قدم الوالدين، فلا يعد عمله عبادة، لأن الله سبحانه يقول: (و اخفض لهما جناح الذل من الرحمة) (الإسراء/24) .
و أوضح دليل على أن الخضوع المطلق و إن بلغ النهاية لا يعد عبادة هو أنه سبحانه أمر الملائكة بالسجود لآدم و قال: (و إذا قلنا للملائكة اسجدوا لآدم) (البقرة/34) و آدم كان مسجودا له ككونه سبحانه مسجودا له، مع أن الأول لم يكن عبادة و إلا لم يأمر بها سبحانه، إذ كيف يأمر بعبادة غيره و في الوقت نفسه ينهى عنها بتاتا في جميع الشرائع من لدن آدم عليه السلام إلى الخاتم صلى الله عليه و آله، و لكن الثاني أي الخضوع لله، عبادة .
و الله سبحانه يصرح في أكثر من آية بأن الدعوة إلى عبادة الله سبحانه و النهي عن عبادة غيره، كانت أصلا مشتركا بين جميع الأنبياء، قال سبحانه: (و لقد بعثنا في كل أمة رسولا أن اعبدوا الله و اجتنبوا الطاغوت) (النحل/36) و قال سبحانه: (و ما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون) (الأنبياء/25) و في موضع آخر من الكتاب يعد سبحانه التوحيد في العبادة: الأصل المشترك بين جميع الشرائع السماوية، إذ يقول: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا و بينكم ألا نعبد إلا الله و لا نشرك به شيئا) (آل عمران/64) و معه كيف يأمر بسجود الملائكة لآدم الذي هو من مصاديق الخضوع النهائي؟ و هذا الإشكال لا يندفع إلا بنفي كون الخضوع عبادة، ببيان أن للعبادة مقوما لم يكن موجودا في سجود الملائكة لآدم.
و لم يكن آدم فحسب هو المسجود له بأمره سبحانه، بل يوسف الصديق كان نظيره، فقد سجد له أبواه و إخوته، و تحقق تأويل رؤياه بنفس ذلك العمل، قال سبحانه حاكيا عن لسان يوسف: (إني رأيت أحد عشر كوكبا و الشمس و القمر رأيتهم لي ساجدين) (يوسف/4).
كما يحكي تحققه بقوله سبحانه: (و رفع أبويه على العرش و خروا له سجدا و قال يا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا) (يوسف/100) و معه كيف يصح تفسير العبادة بالخضوع أو نهايته.
إنه سبحانه أمر جميع المسلمين بالطواف بالبيت، الذي ليس هو إلا حجرا و طينا، كما أمر بالسعي بين الصفا و المروة، قال سبحانه: (وليطوفوا بالبيت العتيق) (الحج/29) و قال سبحانه : (إن الصفا و المروة من شعائر الله فمن حج البيت أو اعتمر فلا جناح عليه أن يطوف بهما) (البقرة/158).
فهل ترى أن الطواف حول التراب و الجبال و الحجر عبادة لهذه الأشياء بحجة أنه خضوع لها؟ !
إن شعار المسلم الواقعي هو التذلل للمؤمن و التعزز على الكافر، قال سبحانه: (فسوف يأتي الله بقوم يحبهم و يحبونه أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين) (المائدة/54).
فمجموع هذه الآيات و جميع مناسك الحج، يدلان بوضوح على أن مطلق الخضوع و التذلل ليس عبادة. و لو فسرها أئمة اللغة بالخضوع و التذلل، فقد فسروها بالمعنى الأوسع، فلا محيص حينئذ عن القول بأن العبادة ليست إلا نوعا خاصا من الخضوع. و لو سميت في بعض الموارد مطلق الخضوع عبادة، فإنما سميت من باب المبالغة و المجاز، يقول سبحانه: (أ رأيت من اتخذ إلهه هواه أ فأنت تكون عليه وكيلا) (الفرقان/43) فكما أن إطلاق اسم الإله على الهوى مجاز فكذا تسمية متابعة الهوى عبادة لها، ضرب من المجاز.
و من ذلك يعلم مفاد قوله سبحانه: (أ لم أعهد إليكم يا بني آدم أن لا تعبدوا الشيطان
إنه لكم عدو مبين
و أن اعبدوني هذا صراط مستقيم) (يس/60ـ61)
فإن من يتبع قول الشيطان فيتساهل في الصلاة و الصيام، و يترك الفرائض أو يشرب الخمر و يرتكب الزنا، فإنه بعمله هذا يقترف المعاصي لأنه يعبده كعبادة الله، أو كعبادة المشركين للأصنام و لأجل ذلك، لا يكون مشركا محكوما عليه بأحكام الشرك، و خارجا عن عداد المسلمين، مع أنه من عبدة الشيطان لكن بالمعنى الوسيع الأعم من الحقيقي و المجازي.
و ربما يتوسع في إطلاق العبادة فتطلق على مطلق الإصغاء لكلام الغير، و في الحديث: (من أصغى إلى ناطق فقد عبده، فإن كان الناطق يؤدي عن الله عز و جل فقد عبد الله، و إن كان الناطق يؤدي عن الشيطان فقد عبد الشيطان» (9) .
إن بعض من يفسر العبادة بالخضوع و التذلل عند ما يقف أمام هذه الدلائل الوافرة، يحاول أن يجيب و يقول: إن سجود الملائكة لآدم أو سجود يعقوب و أبنائه ليوسف، لم يكن عبادة له و لا ليوسف، لأن ذلك كان بأمر الله سبحانه و لو لا أمره لا نقلب عملهم عبادة لهما .
و هذا التوجيه بمعزل عن التحقيق، لأن معنى ذلك أن أمر الله يغير الموضوع، و يبدل واقعه إلى غير ما كان عليه، مع أن الحكم لا يغير الموضوع.
فلو نفترض أنه سبحانه أمر بسب المشرك و المنافق فأمره سبحانه لا يخرج السب عن كونه سبا، فلو كان مطلق الخضوع المتجلى في صورة السجود لآدم، أو ليوسف، عبادة لكان معنى ذلك أنه سبحانه أمر بعبادة غيره، مع أنها فحشاء بتصريح الذكر الحكيم لا يأمر بها سبحانه، قال تعالى: (إن الله لا يأمر بالفحشاء أ تقولون على الله ما لا تعلمون) (الأعراف/28).
و هناك تعاريف للعبادة لجملة من المحققين نأتي بها واحدا بعد الآخر:
إن صاحب المنار لما وقف على بعض ما ذكرناه حاول أن يفسر العبادة بشكل يبعده عن بعض ما ذكرنا، لذلك أخذ في التعريف قيودا ثلاثة:
أـ العبادة ضرب من الخضوع بالغ حد النهاية.
بـ ناشئ عن استشعار القلب عظمة المعبود، لا يعرف منشأها.
جـ و اعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها و ماهيتها.
أولا: أن التعريف غير جامع، و ذلك لأنه إذا كان مقوم العبادة، الخضوع البالغ حد النهاية فلا يشمل العبادة الفاقدة للخشوع و الخضوع التي يؤديها أكثر المتساهلين في أمر الصلاة، و ربما يكون خضوع الجندي لقائده أشد من هؤلاء المتساهلين الذين يتصورون الصلاة عبادة و جهدا.
و ثانيا: ماذا يريد من قوله« عن استشعار القلب عظمة المعبود لا يعرف منشأها»؟ فهل يعتقد أن الأنبياء كانوا يستشعرون عظمة المعبود و لكن لا يعرفون منشأها. مع أن غيرهم يستشعر عظمة المعبود و يعرف منشأها، و هو أنه سبحانه: الخالق البارئ، المصور، أو أنه سبحانه هو الملك القدوس، السلام، المؤمن، المهيمن العزيز الجبار المتكبر.
و ثالثا: ماذا يريد من قوله: «و اعتقاده بسلطة لا يدرك كنهها و ماهيتها»؟.
فإن أراد شرطية هذا الاعتقاد في تحقق العبادة، فلازم ذلك عدم صدقها على عبادة الأصنام و الأوثان، فإن عباد الأوثان يعبدونها و كانوا يعتقدون بكونهم شفعاء عند الله سبحانه فقط لا أن لهم سلطة لا يدرك كنهها و ماهيتها.
و قد عرف شيخ الأزهر الأسبق العبادة بنفس ما عرفها به صاحب المنار، و لكنه يختلف عنه لفظا و يتحد معه معنى، فقال: العبادة خضوع لا يحد، لعظمة لا تحد (10) .
و هذا التعريف يشترك مع سابقه نقدا و إشكالا، و ذلك أن العبادة ليست منحصرة في خضوع لا يحد بل الخضوع المحدد أيضا ربما يعد عبادة، كما إذا كان الخضوع بأقل مراتبه. و كذلك لا يشترط كون الخضوع لعظمة لا تحد، إذ ربما تكون عظمة المعبود محدودة في زعم العابد كما هو الحال في عبادة الأصنام، الذي كان الدافع إلى عبادتها كونها شفعاء عند الله.
و أكثر التعاريف عرضة للإشكال هو تعريف ابن تيمية إذ قال:
«العبادة اسم جامع لكل ما يحبه الله و يرضاه من الأقوال و الأعمال الباطنية و الظاهرية كالصلاة و الزكاة و الصيام، و الحج، و صدق الحديث و أداء الأمانة، و بر الوالدين و صلة الأرحام» (11) .
و هذا الكاتب لم يفرقـ في الحقيقةـ بين العبادة و التقرب، و تصور أن كل عمل يوجب القربى إلى الله، فهو عبادة له تعالى أيضا، في حين أن الأمر ليس كذلك، فهناك أمور توجب رضا الله، و تستوجب ثوابه لكنها قد تكون عبادة كالصوم و الصلاة و الحج، و قد تكون موجبة للقرب إليه دون أن تعد عبادة، كالإحسان إلى الوالدين، و إعطاء الزكاة، و الخمس، فكل هذه الأمور (الأخيرة) توجب القربى إلى الله في حين لا تكون عبادة. و إن سميت في مصطلح أهل الحديث عبادة، فيراد منها كونها نظير العبادة في ترتب الثواب عليها.
و بعبارة أخرى: أن الإتيان بهذه الأعمال يعد طاعة لله و لكن ليس طاعة عبادة.
و إن شئت قلت: إن هناك أمورا عبادية و أمورا قربية، و كل عبادة مقربة، و ليس كل مقرب عبادة، فدعوة الفقير إلى الطعام، و العطف على اليتيمـ مثلاـتوجب القرب و لكنها ليست عبادة بمعنى أن يكون الآتي بها عابدا بعمله لله تعالى.
و إذا وقفت على قصور هذه التعاريف هنا نذكر في المقام تعريفين، كل يلازم الآخر.
إن لفظ العبادة من المفاهيم الواضحة، و ربما يكون ظهور معناها الواضح مانعا عن التحديد الدقيق لها غير أنه يمكن تحديدها من خلال الإمعان في الموارد التي تستعمل فيها تلك اللفظة، فقد استعملها القرآن في مورد الموحدين و المشركين، و قال سبحانه في الدعوة إلى عبادة نفسه (و لكن أعبد الله الذي يتوفاكم) (يونس /104) و قال سبحانه: (قل إني أمرت أن أعبد الله مخلصا له الدين) (الزمر /11).
و قال في النهي عن عبادة غيره: (إنما تعبدون من دون الله أوثانا و تخلقون إفكا) (العنكبوت /17) و قال: (أتعبدون ما تنحتون) (الصافات /95): فعلى الباحث أن يقتنص معنى العبادة بالدقة في أفعال العباد، و عقائدهم من غير فرق بين عبادة الموحدين و عبادة المشركين فيجعله حدا منطقيا للعبادة.
إن الإمعان في ذلك المجال يدفعنا إلى القول بأن العبادة عندهم عبارة عن الفعل الدال على الخضوع المقترن مع عقيدة خاصة في حق المخضوع له، فالعنصر المقوم للعبادة حينئذ أمران :
1ـ الفعل المنبني عن الخضوع و التذلل.
2ـ العقيدة الخاصة التي تدفعه إلى عبادة المخضوع له.
أما الفعل، فلا يتجاوز عن قول أو عمل دال على الخضوع و التذلل بأي مرتبة من مراتبها، كالتكلم بكلام يؤدي إلى الخضوع له بعمل خارجي كالركوع و السجود بل الانحناء بالرأس، أو غير ذلك مما يدل على ذلته و خضوعه أمام موجود.
و أما العقيدة التي تدفعه إلى الخضوع و التذلل فهي عبارة عن:
1ـ الاعتقاد بإلوهيته.
2ـ الاعتقاد بربوبيته.
أما الأول فالإلوهية منسوبة إلى الله و هو ليس بمعنى المعبودـ و إن اشتهر في الألسنـ بل كونه معبودا من لوازم كونه إلها لا أنه نفس معناه، بل إلالهـ كما يشهد عليه الذكر الحكيمـ مرادف، للفظ الجلالة و يختلف معه في الكلية و الجزئية، فالله كلي و لفظ الجلالة علم جزئي.
و توضيح ذلك أن الموحدين عامة و الوثنيين كلهم، و عبدة الشمس و الكواكب يعتقدون بإلوهية معبوداتهم إما لكون المعبود إلها كبيرا أو إلها صغيرا، إما إلها صادقا أو إلها كاذبا، فالاعقتاد بإلوهية المعبود بهذا المعنى هو المقوم لصدق العبادة.
و لأجل أنه لا يستحق العبادة إلا من كان إلها لذلك يؤكد القرآن بأنه لا إله إلا الله و مع ذلك فكيف تعبدون غيره.
يقول سبحانه: (الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون) (الحجر /96).
(و الذين لا يدعون مع الله إلها آخر)الفرقان /68).
(و اتخذوا من دون الله آلة ليكونوا لهم عزا) (مريم /81).
(أئنكم لتشهدون أن مع الله آلهة أخرى) (الأنعام /19).
و حاصل الآيات أن غيره سبحانه لا يستحق العبادة لأنها من شؤون الإلوهية و هي من خصائص الله سبحانه لا غير، فيتحصل من ذلك أن العبادة عبارة عن الخضوع أمام موجود للاعتقاد بأنه إله حقيقي أو مجازي، و لو لا ذلك الاعتقاد لا يوصف الخضوع بالعبادة، و الشاهد عليه أن العاشق الولهان إذا خضع لمعشوقته، خضوعا بالغا لا يعد عبادة لها، لأنه لم يصدر عن الاعتقاد بإلوهيتها و أنها إله، و إنما صدر عن اعتقاد بأنها جميلة تجذب الإنسان بنفسيتها و جمالها.
و يدل على ما ذكرنا من أن دعوة المشركين و خضوعهم و نداءهم و سؤالهم كانت مصحوبة بالاعتقاد بإلوهية أصنامهم، أنه سبحانه يفسر الشرك في بعض الآيات باتخاذ إله مع الله.
و يقول: (و أعرض عن المشركين
إنا كفيناك المستهزئين
الذين يجعلون مع الله إلها آخر فسوف يعلمون) (الحجر /94ـ 96).
و في بعض الآيات يندد بالمشركين بأنه ليس لهم إله غير الله فكيف يعبدون غيره، و يقول : (أم لهم إله غير الله سبحان الله عما يشركون) (الطور /43).
و الإمعان في هذه الآيات و نظائرها يؤكد أن اندفاع المشركين إلى عبادة الأصنام أو اندفاع الموحدين إلى عبادة الله هو اعتقادهم بكونهم آلهة أو كونه إلها، فهذا الاعتقاد كان يدفعهم إلى العبادة، و لأجل ذلك كانوا يقدمون لمعبوداتهم النذور و القرابين و غيرهما من التقاليد و السنن. و لما كانت كلمة التوحيد تهدم عقيدتهم بإلهوية غيره سبحانه لذلك كانوا يستكبرون عند سماعها، كما قال سبحانه: (إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون) (الصافات /35).
ثم إن الاعتقاد بإلهوية الأصنام لا يلازم الاعتقاد بكون المعبود خالقا للعالم حتى يقال بأن المشركين في الجاهلية كانوا موحدين في الخالقية، كما يدل على ذلك أكثر من آية. قال سبحانه:
(و لئن سألتهم من خلق السموات و الأرض ليقولن خلقهن العزيز العليم) (الزخرف /9).
إذ للإلوهية شؤون عندهم يقوم ببعضها الإله الأعلى كخلق السماوات و الأرض، و بعضها الآخر الآلهة المزعومة المتخيلة عندهم، كغفران الذنوب و الشفاعة المطلقة المقبولة بلا قيد و شرط، و بما أن هذين الأمرين الأخيرين من شؤون الإله الأعلى أيضا و ليس للآلهة المزعومة فيها حظ و لا نصيب، يركز القرآن على إثباتهما لله سبحانه فقط و يقول: (و من يغفر الذنوب إلا الله) (آل عمران /135). و يقول: (قل لله الشفاعة جميعا) (الزمر /44).
و في ضوء ذلك فالمشركون كانوا معتقدين بالإله الأعلى الأكبر و في الوقت نفسه يعتقدون بآلة شتى ليس لهم من الشؤون ماللإله الأعلى منها، و في الوقت نفسه كانت الآلهة عندهم مخلوقين لله سبحانه، مفوضين إليهم بعض الشؤون كما عرفت.
إن الدليل الواضح على أن الإله يرادف لفظ الجلالة و لكن يفترق عنها بالجزئية و الكلية الأمور التالية:
أـ وحدة المادة، إذ الأصل للفظ الجلالة هو الإله، فحذفت الهمزة و عوض اللام، و لذلك قيل في النداء: (يا الله، بالقطع كما يقال: يا إله) (12) .
بـ الآيات التي استدل فيها على وحدة الإله صريحة في أن المراد من الإله هو المتصرف المدبر، أو من بيده أزمة الأمور أو ما يقرب من ذلك، و لا يصح تفسير الإله بالمعبود و إلا لفسد الاستدلال، و إليك الآيات الواردة في ذلك المجال.
1ـ (لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا) (الأنبياء /22) فإن البرهان على نفي تعدد الآلهة لا يتم إلا إذا جعلنا (الإله) في الآية بمعنى المتصرف المدبر أو من بيده أزمة الأمور أو ما يقرب من هذين، و لو جعلنا الإله بمعنى المعبود لا نتقص البرهان لبداهة تعدد المعبودين في هذا العالم، مع عدم فساد النظام الكوني و قد كانت الحجاز يوم نزول هذه الآية مزدحمة بالآلهة بل و مركزها مع انتظام العالم و عدم فساده.
و عندئذ يجب على من يجعل (الإله) بمعنى المعبود أن يقيده بلفظ (بالحق) أي لو كان فيهما معبوداتـ بالحقـ لفسدتا، و لما كان المعبود بالحق مدبرا أو متصرفا لزم من تعدده فساد النظام و هذا كله تكلف لا مبرر له.
2ـ (ما اتخذ الله من ولد و ما كان معه من إله إذا لذهب كل إله بما خلق و لعلا بعضهم على بعض) (المؤمنون /91).
و يتم هذا البرهان أيضا لو فسرنا الإله بما ذكرنا من أنه كلي، ما يطلق عليه لفظ الجلالة . و إن شئت قلت: إنه كناية عن الخالق أو المدبر المتصرف أو من يقوم بأفعاله و شؤونه، و المناسب في هذا المقام هو الخالق، و يلزم من تعدده ما رتب عليه في الآية من ذهاب كل إله بما خلق و اعتلاء بعضهم على بعض.
و لو جعلناه بمعنى المعبود لا نتقص البرهان، و لا يلزم من تعدده أي اختلال في الكون . و أدل دليل على ذلك هو المشاهدة. فإن في العالم آلهة متعددة، و قد كان في أطراف الكعبة المشرفة ثلاثمائة و ستون إلها و مع ذلك لم يقع أي فساد أو اختلال في الكون.
فيلزم من يفسر (الإله) بالمعبود ارتكاب التكلف بما ذكرناه في الآية المتقدمة.
3ـ (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذا لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا) (الاسراء /42) فإن ابتغاء السبيل إلى ذي العرش من لوازم تعدد الخالق المدبر المتصرف، أو من بيده أزمة أمور الكون أو غير ذلك مما يرسمه في ذهننا معنى الإلوهية، و أما تعدد المعبود فلا يلازم ذلك إلا بالتكلف الذي أشرنا إليه فيما سبق.
4ـ (إنكم و ما تعبدون من دون الله حصب جهنم أنتم لها واردون
لو كان هؤلاء آلهة ما وردوها) (الأنبياء /98ـ 99) و الآية تستدل بورود الأصنام و الأوثان
في النار، على بطلان كونها آلهة إذ لو كانت آلهة ما وردوا النار.
و الاستدلال إنما يتم لو فسرنا الآلهة بما أشرنا إليه، فإن خالق العالم أو مدبره و المتصرف فيه أو من فوض إليه أفعال الله أجل من أن يحكم عليه بالنار و أن يكون حصب جهنم.
و هذا بخلاف ما إذا جعلناه بمعنى المعبود فلا يتم البرهان، لأن المفروض أنها كانت معبودات و قد جعلت حصب جهنم. و لو أمعنت في الآيات التي ورد فيها لفظ الإله و الآلهة لقدرت على استظهار ما اخترناه.
حصيلة البحث: أن العبادة عبارة عن الخضوع الصادر عمن يتخذه الخاضع إلها، و ما ذكرناه على وجه التفصيل هو الذي أفرغه الشيخ جواد البلاغي في قالب التعريف و قال: العبادة ما يرونه مشعرا بالخضوع لمن يتخذه الخاضع إلها، ليوفيه بذلك ما يراه له من حق الامتياز بالإلوهية (13) .
و اللغويون و إن ذكروا للرب معاني مختلفة كالخالق و المالك و الصاحب و المصلح، و لكن الظاهر أن أكثر هذه المعاني من لوازم المعنى الواحد، و يمكن تصويره بأنه من فوض إليه أمر الشيء من حيث الإصلاح و التدبير و التربية، فلو أطلق الرب على الخالق فلأنه يقوم بإصلاح مخلوقه و تدبيره، و تربيته. و لو أطلق على صاحب المزرعة رب الضيعة أو على سائس القوم أنه ربهم، فلأن الأول يقوم بتصليح أمور المزرعة، و الثاني بتدبير أمور القوم و شؤونهم و قس على ذلك سائر الأمور، فالله سبحانه رب العالمين،و (رب السموات و الأرض) (الصافات /5) و (هو رب الشعرى) (النجم /49) فلأجل أنه سبحانه مدبر و مدير و متصرف في شؤونها و القائم عليها. فلو أطلق الرب على مالك الدابة فلأجل أنه فوض إليه إصلاح المملوك .
هذا من جانب، و من جانب آخر نرى الله سبحانه يعلل في بعض الآيات حصر العبادة في الله سبحانه حيث حصر الربوبية به دون غيره، فتدل بصراحة على أن العبادة من شؤون الربوبية، و إليك بعض الآيات.
و قال المسيح:
(يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي و ربكم) (المائدة /72). (إن هذه أمتكم أمة واحدة و أنا ربكم فاعبدون) (الأنبياء /92). (إن الله ربي و ربكم فاعبدوه هذا صراط مستقيم) (آل عمران /51).
و إذا عرفت هذين الأمرين:
1ـ الرب من فوض إليه تدبير الشيء و إصلاحه و تربيته.
2ـ إن الآيات تعلل حصر العبادة في الله بكونه ربا.
فستعرف أن اتسام الخضوع، و السؤال و الدعاء بالعبادة من شؤون الاعتقاد بكون المخضوع له ربا بيده مسير الخاضع و مصيره، و إن شئت قلت: بيده شأن أو شؤون من حياته الدنيوية أو الأخروية بيده، فالخضوع المقرون بهذا الاعتقاد يضفي عليه عنوان العبادة.
و ليعلم أن المراد من كون الرب مالكا لشأن من شؤون حياته ليس المراد هو المالكية القانونية و الوضعية التي تعطى للإنسان حينا و تسلب عنه حينا آخر، بل المراد المالكية التكوينية المستمدة من الخالقية كما في الإله الأعلى أو من تفويض الإله الأعلى لها، كما هو الحال عند آلهة المشركينـ على زعمهمـ الذين يعتقدون بأنه سبحانه فوض إليهم بعض شؤون حياتهم، كغفران الذنوب و الشفاعة، بل يظهر مما نقله ابن هشام في سيرته أن الشرك دخل مكة في صورة الشرك في الربوبية فيما يرجع إلى الاستمطار، يقول ابن هشام:
(كان عمرو بن لحي) أول من أدخل الوثنية إلى مكة و نواحيها، فقد رأى في سفره إلى البلقاء من أراضي الشام أناسا يعبدون الأوثان و عند ما سألهم عما يفعلون قائلا:
ما هذه الأصنام التي أراكم تعبدونها؟
قالوا: هذه أصنام نعبدها فنستمطرها فتمطرنا، و نستنصرها فتنصرنا!
فقال لهم: أفلا تعطوني منها فأسير به إلى أرض العرب فيعبدونه؟
و هكذا استحسن طريقتهم و استصحب معه إلى مكة صنما كبيرا باسم (هبل) و وضعه على سطح الكعبة المشرفة و دعا الناس إلى عبادتها (14) .
إذن فاستمطار المطر من هذه الأوثان و الاستعانة بها يكشف عن أن بعض المشركين كانوا يعتقدون بأن لهذه الأوثان دخلا في تدبير شؤون الكون و حياة الإنسان.
إذا عرفنا أن مقوم العبادة عبارة عن اعتقاد السائل و الخاضع و الداعي أو المنادي بأن المسؤول و المخضوع له (إله) و (رب) يملك شيئا مما يرجع إليه في عاجله أو آجله، في مسيره و مصيره، و إنه يقوم بذلك لكونه خالقا أو مفوضا إليه من قبل الخالق، فيقوم على وجه الاستقلال و الأصالة، تستطيع أن تقضي في الأعمال التي يقوم بها اشياع الأنبياء و محبوهم، بأنها ليست عبادة أبدا و إنما هي من مصاديق التكريم و الاحترام و إن بلغت نهاية التذلل، لأنها لا تنطلق من اعتقاد الخاضع بإلوهية النبي، و لا ربوبيته بل تنطلق عن الاعتقاد بكونهم عباد الله الصالحين، و عباده المكرمين الذين لا يعصون الله و هم بأمره يعملون، نظير :
1ـ تقبيل الأضرحة و أبواب المشاهد التي تضم أجساد الأنبياء و الأولياء، فإن ذلك ليس عبادة لصاحب القبر و المشهد، لفقدان عنصر العبادة فيما يفعله الإنسان من التقبيل و اللمس و ما شابه ذلك.
2ـ إقامة الصلاة في مشاهد الأولياء تبركا بالأرض التي تضمنت جسد النبي أو الإمام، كما تبرك بالصلاة عند مقام إبراهيم اتباعا لقوله تعالى: (و اتخذوا من مقام إبراهيم مصلى) (البقرة /125).
3ـ التوسل بالنبي سواء كان توسلا بذاته و شخصه، أو بمقامه و شخصيته أو بدعائه في حال حياته و مماته، فإن ذلك كله لا يكون عبادة لعدم الاعتقاد بألوهية النبي و لا ربوبيته، و يعد من التوسل بالأسباب، سواء كان المدعو قادرا على إنجاز العمل أو عاجزا، غاية الأمر يكون التوسل في صورة العجز غير مفيد، لا متسما بالشرك، فلو افترضنا أن الأنبياء و الأئمة في حال الممات غير قادرين على شيء فالدعاء و التوسل بهم مع كونهم عاجزين لا يجعل العمل شركا، بل يجعله لغوا، مع أن أصل المبنى باطل أي أنهم غير قادرين في حال الممات.
4ـ طلب الشفاعة من الأنبياء أو النبي الأكرم ليس شركا لأنه يطلبها منه بقيد أنه عبد مأذون لا أنه مفوض إليه أمرها، و في الواقع إما أن يكون مأذونا فيشفع و إما أن يكون الطلب لغوا.
5ـ الاستغاثة بالأرواح المقدسة ليس إلا كالاستغاثة بهم في حال حياتهم، فهي على وجه يتسم بالشرك من غير فرق بين حالي الحياة و الممات و لا يتسم به على وجه آخر، كذلك فلو استغاث به بما أنه عبد أقدره الله تعالى على الإجابة حيا و ميتا، يكون من قبيل التوسل بالأسباب، و إن استغاث به بما أنه إله أو رب يقوم بالاستغاثة أصالة و استقلالا و أنه فوض إليه حياة المستغيث عاجلا و آجلا، فهو شرك من غير فرق بين الحالتين.
هذا خلاصة البحث حول حصر العبادة بالله سبحانه، و إذا أمعنت فيما ذكرنا يمكنك على بعض ما أثارته بعض المناهج الفكرية في الأوساط الإسلامية حول هذه الأمور، التي نسبت جل المسلمين إلى الشرك في العبادة مع أنهم بمنأى عن الشرك.
لقد ترك الإهمال في تفسير العبادة تفسيرا منطقيا، فوضى كبيرة في مقام التطبيق بين الإمام و المأموم فنرى أن إمام الحنابلة أحمد بن حنبل (164ـ 241 ه) صدر عن فطرة سليمة في تفسير العبادة، و أفتى بجواز مس منبر النبي صلى الله عليه و آله و التبرك به و بقبره و تقبيلهما عندما سأله ولده عبد الله بن أحمد، و قال: سألته عن الرجل يمس منبر النبي صلى الله عليه و آله و يتبرك بمسه، و يقبله، و يفعل بالقبر مثل ذلك، يريد بذلك التقرب إلى الله عز و جل؟ فقال:« لا بأس بذلك» (15) .
هذه هي فتوى الإمامـ الذي يفتخر بمنهجه أحمد بن تيمية، و بعده محمد بن عبد الوهابـ و لم ير بأسا بذلك، لما عرفت من أن العبادة ليست مجرد الخضوع، فلا يكون مجرد التوجه إلى الأجسام و الجمادات عبادة، بل هي عبارة عن الخضوع نحو الشي، باعتبار أنه إله أو رب، أو بيده مصير الخاضع في عاجله و آجله، و أما مس المنبر أو القبر و تقبيلهما، كل ذلك لغاية التكريم و التعظيم لنبي التوحيد، و إن كان لغاية التبرك فلا يتجاوز التبرك في المقام عن تبرك يعقوب بقميص ابنه يوسف، و لم يخطر بخلد أحد من المسلمين إلى اليوم الذي جاء فيه ابن تيمية بالبدع الجديدة، أنها عبادة لصاحب القميص و المنبر و القبر أو لنفس تلك الأشياء.
و لما كانت فتوى الإمام ثقيلة على محقق الكتاب، أو من علق عليه لأنها تتناقض مع ما عليه الوهابية و تبطل أحلام ابن تيمية، و من لف لفه، حاول ذلك الكاتب أن يوفق بين جواب الإمام و ما عليه الوهابية في العصر الحاضر، فقال: (أما مس منبر النبي فقد أثبت الإمام ابن تيمية في الجواب الباهر (ص 41) فعله عن ابن عمر دون غيره من الصحابة، و روى أبوبكر بن أبي شيبة في المصنف (4/121) عن زيد بن الحباب قال: حدثني أبو مودود قال: حدثني يزيد بن عبد الملك بن قسيط قال: رأيت نفرا من أصحاب النبي إذا خلا لهم المسجد قاموا إلى زمانة المنبر القرعاء فمسحوها، و دعوا قال: و رأيت يزيد يفعل ذلك.
و هذا لما كان منبره الذي لا مس جسمه الشريف، أما الآن بعد ما تغير لا يقال بمشروعية مسحه تبركا به).
و يلاحظ على هذا الكلام: بعد وجود التناقض بين ما نقل عن ابن تيمية من تخصيص المس بمنبر النبي بابن عمر، و ما نقله عن المصنف لابن أبي شيبة من مسح نفر من أصحاب النبي زمانة المنبر:
أولا: لو كان جواز المس مختصا بالمنبر الذي لامسه جسم النبي الشريف دون ما لا يمس كان على الإمام المفتي أن يذكر القيد، و لا يطلق كلامه، حتى و لو افترضنا أن المنبر الموجود في المسجد النبوي في عصره كان نفس المنبر الذي لامسه جسم النبي الأكرم، و هذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل الأكرم، و هذا لا يغيب عن ذهن المفتي، إذ لو كان تقبيل أحد المنبرين نفس التوحيد، و تقبيل المنبر الآخر عين الشرك، لما جاز للمفتي أن يغفل التقسيم و التصنيف.
و ثانيا: أن ما يفسده هذا التحليل أكثر مما يصلحه، و ذلك لأن معناه أن لجسمه الشريف تأثيرا في المنبر و ما تبرك به، و هذا يناقض التوحيد الربوبي من أنه لا مؤثر في الكون إلا الله سبحانه، فكيف يعترف الوهابي بأن لجسمه الشريف في الجسم الجامد تأثيرا و أنه يجوز للمسلمين أن يتأثروا به عبر القرون.
ثم إن المعلق استثنى مس قبر النبي صلى الله عليه و آله و التبرك به،و منعهما و قال في وجهه:
(و أما جواز مس قبر النبي و التبرك به فهذا القول غريب جدا لم أر أحدا نقله عن الإمام، و قال ابن تيمية في الجواب الباهر لزوار المقابر (ص 31): اتفق الأئمة على أنه لا يمس قبر النبي و لا يقبله، و هذا كله محافظة على التوحيد، فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد) (16) .
لكن يلاحظ عليه: كيف يقول: لم أجد أحدا نقله عن الإمام، أو ليس ولده أبو عبد الله راوية أبيه و كتبه يروي هذه الفتوى؟ و هو ثقة عند الحنابلة!
و أما التفريق بين مس المنبر و القبر بجعل الأول نفس التوحيد، و الثاني أساس الشرك، فمن غرائب الأمور، لأن الأمرين يشتركان في التوجه إلى غير الله سبحانه، فلو كان هذا محرز الشرك، فالموضوعات سيان، و إن فرق بينهما بأن الماس، ينتفع بالأول دون الثاني لعدم مس جسده بالثاني فلازمه كون الأول نافعا و الثاني أمرا باطلا دون أن يكون شركا.
و لو رجع المحقق إلى الصحاح و المسانيد و كتب السيرة و التاريخ، لوقف على أن التبرك بالقبر و مسه، كان أمرا رائجا بين المسلمين في عصر الصحابة و التابعين، و لأجل إيقاف القارئ على صحة ما نقول نذكر نموذجين من ذلك:
1ـ إن فاطمة الزهراء سيدة نساء العالمين بنت رسول الله حضرت عند قبر أبيها صلى الله عليه و آله و أخذت قبضة من تراب القبر تشمه و تبكي و تقول:
ماذا على من شم تربة أحمد
ألا يشم مدى الزمان غواليا
صبت علي مصائب لو أنها
صبت على الأيام صرن لياليا (17)
إن هذا التصرف من السيدة الزهراء المعصومة يدل على جواز التبرك بقبر رسول الله و تربته الطاهرة.
2ـ إن بلالـ مؤذن رسول اللهـ أقام في الشام في عهد عمر بن الخطاب فرأى في منامه النبي صلى الله عليه و آله و هو يقول:
(ما هذه الجفوة يا بلال؟ أما آن لك أن تزورني يا بلال؟)
فانتبه حزينا وجلا خائفا، فركب راحلته و قصد المدينة فأتى قبر النبي صلى الله عليه و آله فجعل يبكي عنده و يمرغ وجهه عليه، فأقبل الحسن و الحسين عليهما السلام فجعل يضمهما و يقبلهما... إلى آخر الخبر (18) .
هذه هي المسألة الثانية التي طرحت في صدر المقال و قلنا: إن المسلمين في أقطار العالم يحصرون الاستعانة في الله سبحانه و مع ذلك يستعينون بالأسباب العادية، جريا على القاعدة السائدة بين العقلاء، و لا يرونه مخالفا للحصر، كما أن المتوسلين بأرواح الأنبياء يستعينون بهم في مشاهدهم و مزاراتهم و لا يرون تعارض ذلك مع حصر الاستعانة بالله سبحانه، و ذلك لأن الاستعانة بغير الله يمكن أن تتحقق بصورتين:
1ـ أن نستعين بعاملـ سواء أكان طبيعيا أم غير طبيعيـ مع الاعتقاد بأن علمه مستند إلى الله، بمعنى أنه قادر على أن يعين العباد و يزيل مشاكلهم بقدرته المكتسبة من الله و إذنه.
و هذا النوع من الاستعانةـ في الحقيقةـ لا ينفك عن الاستعانة بالله ذاته، لأنه ينطوي على الاعتراف بأنه هو الذي منح تلك العوامل، ذلك الأثر، و أذن بها، و إن شاء سلبها و جردها منه.
فإذا استعان الزارع بعوامل طبيعية كالشمس و الماء و حرث الأرض، فقد استعان باللهـ في الحقيقةـ لأنه تعالى هو الذي منح هذه العوامل: القدرة على إنماء ما أودع في بطن الأرض من بذر و من ثم إنباته و الوصول به إلى حد الكمال.
2ـ و إذا استعان بإنسان أو عامل طبيعي مع الاعتقاد بأنه مستقل في وجوده، أو في فعله عن الله، فلا شك أن ذلك الاعتقاد يصير شركا و الاستعانة به عبادة.
فإذا استعان زارع بالعوامل المذكورة و هو يعتقد بأنها مستقلة في تأثيرها أو أنها مستقلة في وجودها و مادتها كما في فعلها و قدرتها، فالاعتقاد شرك و الطلب عبادة.
و بذلك يظهر أن الاستعانة المنحصرة في الله المنصوص عليها في قوله تعالى (و إياك نستعين) هي الاستعانة بالمعونة المستقلة النابعة من ذات المستعان به، غير المتوقفة على شيء، فهذا هو المنحصر في الله تعالى، و أما الاستعانة بالإنسان الذي لا يقوم بشيء إلا بحول الله و قوته و إذنه و مشيئته، فهي غير منحصرة بالله سبحانه، بل إن الحياة قائمة على هذا الأساس، فإن الحياة البشرية مليئة بالاستعانة بالأسباب التي تؤثر و تعمل بإذن الله تعالى.
و على ذلك لا مانع من حصر الاستعانة في الله سبحانه بمعنى، و تجويزها بغيره بمعنى آخر و هو ماله نظر في الكتاب العزيز.
و لإيقاف القارئ على هذه الحقيقة نلفت نظره إلى آيات تحصر جملة من الأفعال الكونية في الله تارة، مع أنها تنسب نفس الأفعال في آيات أخرى إلى غير الله أيضا، و ما هذا إلا لعدم التنافي بين النسبتين لاختلاف نوعيتهما فهي محصورة في الله سبحانه مع قيد الاستقلال، و مع ذلك تنسب إلى غير الله مع قيد التبعية و العرضية.
1ـ يقول سبحانه: (و إذا مرضت فهو يشفين) (الشعراء /80). بينما يقول سبحانه فيه (أي في العسل): (شفاء للناس) (النحل /69).
2ـ يقول سبحانه: (إن الله هو الرزاق) (الذاريات /58) بينما يقول: (و ارزقوهم فيها) (النساء /5).
3ـ يقول سبحانه: (أأنتم تزرعونه أم نحن الزارعون) (الواقعة /64). بينما يقول سبحانه : (يعجب الزراع ليغظ بهم الكفار) (الفتح /29).
4ـ يقول تعالى: (و الله يكتب ما يبيتون) (النساء /81). بينما يقول سبحانه: (بلى و رسلنا لديهم يكتبون) (الزخرف /80).
5ـ يقول تعالى: (ثم استوى على العرش يدبر الأمر) (يونس /3). بينما يقول سبحانه: (فالمدبرات أمرا) (النازعات /5).
6ـ يقول سبحانه: (الله يتوفى الأنفس حين موتها) (الزمر /42). بينما يقول: (الذين تتوفاهم الملائكة طيبين) (النحل /32).
إلى غير ذلك من الآيات التي تنسب الظواهر الكونية تارة إلى الله، و تارة إلى غيره تعالى .
و الحل أن يقال:إن المحصور بالله تعالى هو انتساب هذه الأمور على نحو الاستقلال، و أما المنسوب إلى غيره فهو على نحو التبعية، و بإذنه تعالى، و لا تعارض بين النسبتين و لا بين الاعتقاد بكليهما.
فمن اعتقد بأن هذه الظواهر الكونية مستندة إلى غير الله على وجه التبعية لا الاستقلال لم يكن مخطئا و لا مشركا، و كذا من استعان بالنبي أو الإمام على هذا الوجه.
هذا مضافا إلى أنه تعالى الذي يعلمنا أن نستعين به فنقول: (إياك نعبد و إياك نستعين) يحثنا في آية أخرى على الاستعانة بالصبر و الصلاة فيقول: (و استعينوا بالصبر و الصلاة) (البقرة /45) و ليس الصبر و الصلاة إلا فعل الإنسان نفسه.
إن الآيات الواردة حول الاستعانة على صنفين:
الصنف الأول: يحصر الاستعانة في الله فقط و يعتبره الناصر و المعين الوحيد دون سواه .
و الصنف الثاني: يدعونا إلى سلسلة من الأمور المعينة (غير الله) و يعتبرها ناصرة و معينة، إلى جانب الله.
أقول: اتضح من البيان السابق وجه الجمع بين هذين النوعين من الآيات، و تبين أنه لا تعارض بين الصنفين مطلقا، إلا أن فريقا نجدهم يتمسكون بالصنف الأول من الآيات فيخطئون أي نوع من الاستعانة بغير الله، ثم يضطرون إلى إخراج (الاستعانة بالقدرة الإنسانية و الأسباب المادية) من عموم تلك الآيات الحاصرة للاستعانة بالله نحو التخصيص، بمعنى أنهم يقولون :
إن الاستعانة لا تجوز إلا بالله إلا في الموارد التي أذن الله بها، و أجاز أن يستعان فيها بغيره، فتكون الاستعانة بالقدرة الإنسانية و العوامل الطبيعيةـ مع أنها استعانة بغير اللهـ جائزة و مشروعة على وجه التخصيص، و هذا مما لا يرتضيه الموحد.
في حين أن هدف الآيات هو غير هذا تماما، فإن مجموع الآيات يدعو إلى أمر واحد و هو: عدم الاستعانة بغير الله، و أن الاستعانة بالعوامل الأخرى يجب أن تكون بنحو لا يتنافى مع حصر الاستعانة في الله بل تكون بحيث تعد استعانة بالله لا استعانة بغيره.
و بتعبير آخر: إن الآيات تريد أن تقول: بأن المعين و الناصر الوحيد و الذي يستمد منه كل معين و ناصر، قدرته و تأثيره، ليس إلا الله سبحانه، و لكنهـ مع ذلكـ أقام هذا الكون على سلسلة من الأسباب و العلل التي تعمل بقدرته و أمر باستمداد الفرع من الأصل، و لذلك تكون الاستعانة به كالاستعانة بالله، ذلك لأن الاستعانة بالفرع استعانة بالأصل.
و إليك فيما يلي إشارة إلى بعض الآيات من الصنفين:
(و ما النصر إلا من عند الله العزيز الحكيم) (آل عمران /126).
(إياك نعبد و إياك نستعين) (الحمد /5).
(و ما النصر إلا من عند الله إن الله عزيز حكيم) (الأنفال /10).
هذه الآيات نماذج من الصنف الأول و إليك فيما يأتي نماذج من الصنف الآخر الذي يدعونا إلى الاستعانة بغير الله من العوامل و الأسباب:
(و استعينوا بالصبر و الصلاة) (البقرة /45).
(و تعاونوا على البر و التقوى) (المائدة /2).
(ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة) (الكهف /95).
(و إن استنصروكم في الدين فعليكم النصر) (الأنفال /72).
و مفتاح حل التعارض بين هذين الصنفين من الآيات هو ما ذكرناه و ملخصه:
إن في الكون مؤثرا تاما، و مستقلا واحدا، غير معتمد على غيره لا في وجوده و لا في فعله و هو الله سبحانه:
و أما العوامل الأخر فجميعها مفتقرةـ في وجودها و فعلهاـ إليه و هي تؤدي ما تؤدي بإذنه و مشيئته و قدرته، و لو لم يعط سبحانه تلك العوامل ما أعطاها من القدرة و لم تجر مشيئته على الاستعداد منها لما كانت لها أية قدرة على شيء.
فالمعين الحقيقي في كل المراحلـ على هذا النحو تماماـ هو الله فلا يمكن الاستعانة بأحد باعتباره معينا مستقلا. لهذه الجهة حصر هنا الاستعانة في الله وحده، و لكن هذا لا يمنع بتاتا من الاستعانة في الله وحده، و لكن هذا لا يمنع بتاتا من الاستعانة بغير الله باعتباره غير مستقل (أي باعتباره معينا بالاعتماد على القدرة الإلهية) و معلوم أن استعانةـ كهذهـ لا تنافي حصر الاستعانة في الله سبحانه لسببين:
أولا: لأن الاستعانة المخصوصة بالله هي غير الاستعانة بالعامل الأخرى، فالاستعانة المخصوصة بالله هي: (ما تكون باعتقاد أنه قادر على إعانتنا بالذات، و بدون الاعتماد على غيرها، في حين أن الاستعانة بغير الله سبحانه إما هي على نحو آخر، أي مع الاعتقاد بأن المستعان قادر على الإعانة مستندا على القدرة الإلهية، لا بالذات، و بنحو الاستقلال، فإذا كانت الاستعانةـ على النحول الأولـ خاصة بالله تعالى فإن ذلك لا يدل على أن الاستعانة بصورتها الثانية مخصوصة به أيضا.
ثانيا: إن استعانةـ كهذهـ غير منفكة عن الاستعانة بالله، بل هي عين الاستعانة به تعالى، و ليس في نظر الموحد (الذي يرى أن الكون كله من فعل الله و مستندا إليه) مناص من هذا .
و أخيرا نذكر القارئ الكريم بأن مؤلف المنار حيث إنه لم يتصور للاستعانة بالأرواح إلا صورة واحدة لذلك اعتبرها ملازمة للشرك فقال:
«و من هنا تعلمون: إن الذين يستعينون بأصحاب الأضرحة و القبور على قضاء حوائجهم و تيسير أمورهم و شفاء أمراضهم و نماء حرثهم و زرعهم، و هلاك أعدائهم و غير ذلك من المصالح هم عن صراط التوحيد ناكبون، و عن ذكر الله معرضون» (19) .
و يلاحظ عليه: بأن الاستعانة بغير الله (كالاستعانة بالعوامل الطبيعية) على نوعين:
إحداهما عين التوحيد، و الأخرى موجبة للشرك، إحداهما مذكرة بالله، و الأخرى مبعدة عن الله.
إن حد التوحيد و الشرك ليس هو كون الأسباب ظاهرية أو غير ظاهرية و إنما هو استقلال المعين و عدم استقلاله، و بعبارة أخرى المقياس: هو الغنى و الفقر، هو الأصالة و عدم الأصالة .
إن الاستعانة بالعوامل غير المستقلة المستندة إلى الله، التي لا تعمل و لا تؤثر إلا بإذنه تعالى غير موجبة للغفلة عن الله، بل هو خير موجه، و مذكر بالله. إذ معناها: انقطاع كل الأسباب و انتهاء كل العلل إليه.
و مع هذا كيف يقول صاحب المنار: (أولئك عن ذكر الله معرضون) و لو كان هذا النوع من الاستعانة موجبا لنسيان الله و الغفلة عنه للزم أن تكون الاستعانة بالأسباب المادية الطبيعية هي أيضا موجبة للغفلة عنه.
على أن الأعجب من ذلك هو شيخ الأزهر الشيخ محمود شلتوت الذي نقلـ في هذا المجالـ نص كلمات عبده دون زيادة و نقصان، و ختم المسألة بذلك، و أخذ بالحصر في (إياك نستعين) غافلا عن حقيقة الآية و عن الآيات الأخرى المتعرضة لمسألة الاستعانة (20) .
إذا كانت الاستعانة بالغير على النحو الذي بيناه جائزة فهي تستلزم نداء أولياء الله و الاستغاثة بهم في الشدائد و المكاره، و هي غير جائزة و ذلك لأن نداء غير الله في المصائب و الحوائج تشريك الغير مع الله، يقول سبحانه: (و أن المساجد لله فلا تدعوا مع الله أحدا) (الجن /18) و يقول تعالى: (و الذين تدعون من دونه لا يستطيعون نصركم و لا أنفسهم ينصرون) (الأعراف /197) و يقول عز من قائل: (و الذين تدعون من دونه ما يملكون من قطمير) (فاطر /13). إلى غير ذلك من الآيات التي تخص الدعاء لله و لا تسيغ دعوة غيره.
و قد طرح هذا السؤال الشيخ الصنعاني حيث قال: و قد سمى الله الدعاء عبادة بقوله: (ادعوني
أستجب لكم
إن الذين يستكبرون عن عبادتي) فمن هتف باسم نبي أو صالح بشيء فقد دعا النبي و الصالح،
و الدعاء عبادة بل مخها فقد عبد غير الله و صار مشركا (21) .
إن النقطة الحاسمة في الموضوع تكمن في تفسير الدعاء و هل كل دعاء عبادة و بينهما من النسب الأربع هي التساوي حتى يصح لنا أن نقول كل دعاء عبادة، و كل عبادة دعاء، أو أن الدعاء أعم من العبادة و أن قسما من الدعاء عبادة و قسما منه ليس كذلك؟ و الكتاب العزيز يوافق الثاني لا الأول، و إليك التوضيح:
لقد استعمل القرآن لفظ الدعاء في مواضع عديدة و لا يصح وضع لفظ العبادة مكانه، يقول سبحانه حاكيا عن نوح: (رب إني دعوت قومي ليلا و نهارا) (نوح /5) و قال سبحانه حاكيا عن لسان إبليس في خطابه للمذنبين يوم القيامة: (و ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي) (إبراهيم /22) إلى غيرهما من الآيات التي ورد فيها لفظ الدعاء، أفيصح القول بأن نوحا دعا قومه أي عبدهم، أو أن الشيطان دعا المذنبين أي عبدهم؟ كل ذلك يحفزنا إلى أن نقف في تفسير الدعاء وقفة تمعن حتى نميز الدعاء. الذي هو عبادة عما ليس كذلك.
و الإمعان فيما تقدم في تفسير العبادة يميز بين القسمين فلو كان الداعي و المستعين بالغير معتقدا بألوهية المستعان و لو ألوهية صغيرة كان دعاؤه عبادة و لأجل ذلك كان دعاء عبدة الأصنام عبادة لاعتقادهم بألوهيتها، قال سبحانه: (فما أغنت عنهم آلهتهم التي يدعون من دون الله من شيء) (هود /101).
و ما ورد من الآيات في السؤال كلها من هذا القبيل فأنها وردت في حق المشركين القائلين بألوهية أصنامهم و أوثانهم باعتقاد استقلالهم في التصرف و الشفاعة و تفويض الأمور إليهم و لو في بعض الشؤون. ففي هذا المجال يعود كل دعاء عبادة، و يفسر الدعاء في الآيات الماضية و التالية بالعبادة، قال تعالى:
(إن الذين تدعون من دون الله عباد أمثالكم) (الأعراف /194). (قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم و لا تحويلا) (الاسراء /56). (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة) (الاسراء /57). (و لا تدع من دون الله ما لا ينفعك و لا يضرك) (يونس /106). (إن تدعوهم لا يستمعوا دعاءكم) (فاطر /14). و ما ورد في الأثر من أن الدعاء مخ العبادة، أريد منه دعاء الله أو دعاء الآلهة لا مطلق الدعاء و إن كان المدعو غير إله لا حقيقة أو اعتقادا.
و في روايات أئمة أهل البيت إلماع إلى ذلك، يقول الإمام زين العابدين في ضمن دعائه:
(... فسيمت دعاءك عبادة و تركه استكبارا و توعدت على تركه دخول جهنم داخرين) (22) و هو يشير في كلامه هذا إلى قوله سبحانه: (و قال ربكم ادعوني أستجب لكم
إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين) (غافر/60).
هذا هو الدعاء المساوي للعبادة و هناك قسم آخر منه لا صلة بينه و بين العبادة و هو فيما إذا دعا شخصا بما أنه إنسان و عبد من عباد الله غير أنه قادر على إنجاز طلبه باقدار منه تعالى و إذن منه، فليس مثل هذه الدعوة عبادة بل سنة من السنن الإلهية في الكون، هذا هو ذو القرنين يواجه قوما مضطهدين يطلبون منه أن يجعل بينهم و بين يأجوج و مأجوج سدا فعند ذلك يخاطبهم ذو القرنين بقوله: (ما مكني فيه ربي خير فأعينوني بقوة أجعل بينكم و بينهم ردما) (الكهف /95) و ها هو الذي من شيعة موسى يستغيث به، يقول سبحانه: (فاستغاثة الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه) (القصص /15) و هذا هو النبي الأكرم صلى الله عليه و آله يدعو قومه للذب عن الإسلام في غزوة أحد و قد تولوا عنه، قال سبحانه : (إذ تصعدون و لا تلوون على أحد و الرسول يدعوكم في أخراكم) (آل عمران /153) فهذا النوع من الدعاء قامت عليه الحياة البشرية، فليس هو عبادة و إنما هو توسل بالأسباب، فإن كان السبب قادرا على إنجاز المطلوب كان الدعاء أمرا عقلائيا و إلا يكون لغوا و عبثا.
ثم إن القائلين بأن دعاء الصالحين عبادة، عند مواجهتهم لهذا القسم من الآيات و ما تقتضيه الحياة الاجتماعية، يتشبثون بكل طحلب حتى ينجيهم من الغرق و يقولون إن هذه الآيات تعود على الأحياء و لا صلة لها بدعاء الأموات، فكون القسم الأول جائزا و انه غير عبادة، لا يلازم جواز القسم الثاني و كونه غير عبادة.
و لكن عزب عن هؤلاء ان الحياة و الموت ليسا حدين للتوحيد و الشرك و لا ملاكين لهما، بل هما حدان لكون الدعاء مفيدا أو لا، و بتعبير آخر ملاكان للجدوائية و عدمها.
فلو كان الصالح المدعو غير قادر لأجل موته مثلا تكون الدعوة أمرا غير مفيد لا عبادة له، و من الغريب أن يكون طلب شيء من الحي نفس التوحيد و من الميت نفس الشرك.
كل ذلك يوقفنا على أن القوم لم يدرسوا ملاكات التوحيد و الشرك بل لم يدرسوا الآيات الواردة في النهي عن دعاء غيره، فأخذوا بحرفية الآيات من دون تدبر مع أنه سبحانه يقول: (كتاب أنزلناه إليك مبارك ليدبروا آياته و ليتذكر أولوا الألباب) (ص /29).
ثم ان الكلام في أن دعاء الصالحين بعد انتقالهم إلى رحمة الله مفيد أو لا، يتطلب مجالا آخرا و سوف نستوفي الكلام عنه في رسالة خاصة حول وجود الصلة بيننا و بين أولياء الله في ضوء الكتاب و السنة.
جعفر السبحاني
تحريرا في 27 صفر المظفر 1416 ه
تعليقات:
1) الطبري، التفسير 1:53، ط دار المعرفة، بيروت.
2) الزجاج، معاني القرآن 1: .48
3) الزمخشري، الكشاف 1: .10
4) البغوي، التفسير 1: .42
5)ابن الجوزي، زاد المستنير 1: .12
6) البيضاوي، أنوار التنزيل 1: .9
7) القرطبي، جامع أحكام القرآن 1: .145
8) الرازي، مفاتيح الغيب 1:242، في تفسير قوله تعالى: (إياك نعبد).
9) الكليني، الكافي 6: .434
10) تفسير القرآن الكريم: .37
11) مجلة البحوث الإسلامية، العدد 2: 187، نقلا عن كتاب العبودية: .38
12) الزمخشري، الكشاف 1: .30
13) البلاغي، آلاء الرحمن: 57، ط صيدا.
14) سيرة ابن هشام 1: .79
15) أحمد بن حنبل، العلل و معرفة الرجال 2: 492، برقم: 3243، تحقيق الدكتور وصي الله عباس، ط بيروت .1408
16) تعليقة المحقق، نفس الصفحة.
17) لقد ذكر هذه القضية جمع كثير من المؤرخين، منهم السمهودي في وفا، الوفا 2: 444ـ و الخالدي في صلح الاخوان: 57، و غيرهما.
18) ابن الأثير، أسد الغابة 1: 28، و غيره من المصادر.
19)المنار 1: .59
20)راجع تفسير شلتوت:36ـ .39
21)الصنعاني، تنزيه الاعتقاد كما في كشف الارتياب: .284
22)الصحيفة السجادية، دعاؤه برقم .45