وقال رسول الله ( صلى الله عليه واله ) : ( إن الله جميل يحب الجمال ، ويحبّ أن يرى أثر نعمته على عبده ، ويبغض البؤس والتباؤس ) .

وقال أمير المؤمنين ( عليه السلام ) : ( التجمّل مروءة ظاهرة ) .

إنّ الشريعة الإسلاميّة الغرّاء قد اعتنت بمسألة الجمال والتجمّل والذوق الجميل والحسّ الجميل عناية فائقة ، ولقد تحدّث القرآن الكريم عن الجمال والزينة والطيب ، وبيّن للإنسان ما في عالم الموجودات من جمال وزينة ولطافة وبداعة ، وأنّ له الحقّ في التجمّل والتطيّب والتزيّن والاستمتاع .

وكان الرسول الأكرم وخلفاؤه وأوصياؤه الأئمّة الإثنا عشر ( صلوات الله وسلامه عليه وعليهم أجمعين ) المثل الرائع والقدوة اللطيفة في الأناقة والتجمّل وسمّو الذوق والتطيّب .

كما وإنّ التربية الذوقيّة والجماليّة والحسّية تربّي لدى الإنسان ـ سيّما الشباب ـ سمّو الذوق الجميل ، وتجسّد الحسّ السليم ، ولها تأثير عظيم في أنماط السلوك الإنسانيّ والروابط الاجتماعيّة .

وهي أيضاً تفتح الأفق النفسيّ والعقليّ والوجدانيّ لدى الإنسان ، وتشدّه إلى مبدع خلائقه ومصوّر جمالها في هذا الوجود ، الله عزَّ وجلَّ، الخالق المبدع المصوّر الخبير العليم .

فالجمال والتربية الجماليّة والخيال الخصب والذوق الجميل والحسّ الرقيق يعتبر طريقاً إلى معرفة الخالق جلّت قدرته؛ لأنّ ذلك دليل على عظمته سبحانه ، وعلى الارتباط العقليّ والوجدانيّ به تعالى .

فهذا الكون من سماء وأرض كلّ ما فيهما من تناسق وجمال وروعة ونظام وترتيب ما هو إلاّ لوحة فنيّة خلاّبة ، ومصدر إلهام فنّي وذوقي وجماليّ .

وقد أكّدت بحوث الفلاسفة الإسلاميّين القيم الإنسانيّة والمثل العليا ( الحقّ والخير والجمال ) ، وجعلتها هدفاً أسمى في هذا الوجود ، يسعى المرء لبلوغها ، وتحقيق مصاديقها ، وبناء الحياة على أساسها .

كما تناول علماء الكلام ـ علماء العقيدة الإسلاميّة ـ وعلماء أصول الفقه والمنطق مسألة الحسن والقبح في الأفعال والأشياء بالبحث والتدقيق العلميّ تفصيلاً ، فنفوا عن الله عزَّ وجلَّ القبح وفعل القبيح ، وأثبتوا له الحسن والفعل الحسن .

وأقاموا على هذه المبادئ قيماً وأسساً ومفاهيم تشريعيّة لتنظيم السلوك الفرديّ والعلاقات الاجتماعيّة والروابط الإنسانيّة ، فجعلوا الحسن والجمال والبداعة واللطف أساساً لبناء الحياة .

ومن نظرة الإسلام العظيم إلى الحسن والجمال يتعيّن على الآباء والمعلّمين والمربّين تأصيل وتعميق هذا الشعور الإنسانيّ اللطيف في نفس الأولاد منذ طفولتهم ، وتحبيب الجمال والتجمّل إليهم .

فإنّ تربيتهم على هذه القيم تعني تنمية الذوق اللطيف والحسّ الجماليّ لديهم ، وتعمل على تهذيب سلوكهم وأخلاقهم ، وإرهاف حسّهم الذوقيّ ، وتجذير قدرتهم على التمييز بين الشيء الحسن والآخر القبيح ، والتفاعل مع الجمال الماديّ والمعنويّ .

إن تعويد الإنسان منذ نعومة أظفاره على الأناقة والجمال والزينة ، والذوق الأدبي والأخلاقيّ ، ولمسه للعناية الأسريّة لهذه المظاهر اللطيفة ، ومشاهدته آثار الجمال على البيت ، من هندسة بنائه وترتيب حديقته ، وتنظيم أثاثه ، وترتيب الطعام على المائدة ، وكذلك استصحابه في التجوال والسفر ، وتمتّعه بمشاهدة الطبيعة الجميلة ، وانتباهه إلى مواطن الجمال والفتنة ، وكذلك غرس الأبوين في نفسه روح التأثر بالمظاهر الجماليّة ، كلّ هذه تخلق فيه حساً ذوقيّاً وجماليّاً لطيفاً .

كما وأنّ الإطراء والمدح على اهتمامه بمظهره وقيافته ، وعنايته بترتيب لوازمه وأدواته ، وتنظيم وتصفيف لعبه ، وكذلك تشجيعه على إنتاجاته الفنيّة المرهفـة والذوقيّة مهما كانت بسيطة ، كلّ ذلك يعدّ من المحفّزات الضروريّة لتنمية الذوق الجميل والحسّ الفنّي والقدرة الإبداعيّة والأداء الفنيّ الجميل .

كما أنّ نقد وتقبيح مظاهر القبح ، وإشعاره بالنفور والتقزّز من المظاهر والمناظر القبيحة والفاقدة للجمال ، يكوّن لديه حسّاً نقديّاً وتمييزيّاً ، وذوقا سليماً .

ويركّز في نفسه الإقبال على الحسن والجمال من الفعل والقول والسلوك والأشياء ، والنفور من أشكال مظاهر القبح والفساد ومعانيهما .

وينبغي أن نربّي أولادنا على أنّ الجمال كما يتجسّد في الموضوعات الحسيّة كالمظهر في اللباس والعطر والحدائق وطراز بناء البيوت وهندسة الشوارع وتخطيط المدن ، واللوحات والواجهات الفنيّة .

كذلك فإنّ الجمال يتجسّد في القيم الأخلاقيّة العليا ، والمثل الأدبيّة السامية الرفيعة ، وكذا في الكلمة الطيبّة والمنطق الحسن والكلام المؤدبّ والأسلوب المهذّب والمعاملة الحسنة والمعاشرة الجميلة ، وفي فعل الخير واحترام حقوق الآخرين .

وذلك حتى ينشأوا ويكبروا على القيم الأخلاقيّة النبيلة ، والتحسّس بالجمال ، وتوظيفه في تهذيب السلوك وتسامي الذوق ورفعة الأدب والأخلاق الكريمة .

ولاهتمام الإسلام بالجمال ، وطبع شخصيّة الطفل بطابعه ، وتوفير العناصر الجماليّة في حياته ، تراه قد دعا الناس إلى انتقاء المرضعة الحسنة الوضيئة ، وكرّه أن ترضعهم المرأة القبيحة .

فلو أعددنا شبابنا الإعداد الفنيّ والذوقيّ والجماليّ الحسن ، فإنّنا في الحقيقة نكون قد أعددنا مجتمعاً إسلاميّاً ذوّاقاً سامياً مرتّباً منظّماً قوّياً ، وذلك من مظاهر القدرة والمنعة ومن عناصر الحضارة ومعالم رقيّها .

 

 

 

( الفصل الثامن )

التربية الوطنيّة والقياديّة

روي عن النبي ( صلّى الله عليه وأله ) : ( حبّ الوطن من الإيمان ) .

وعن أمير المؤمنين ( عليه السلام ) أنّه قال : ( عُمّرت البلدان بحبّ الأوطان ) .

يتبيّن من هذين القولين و غيرهما مما قيل في الوطن وفي حبّه والتضحية من أجل عزّته وكرامته ، أنّ الإسلام العظيم يولي اهتماماً كبيراً وأساسيّاً للوطن وحبّه والدفاع عنه ، إذ فيه عزّة الفرد المسلم والمجتمع الإسلاميّ ، وبالتالي الدين الإسلاميّ نفسه .

وإنّ التربية الوطنيّة موضوع أساسيّ في تنشئة الشباب وإعدادهم إعداداً صحيحاً سليماً ، يتناسب والدور الذي سيساهمون فيه لبناء مجد الأمّة وعزّتها وكرامتها وسؤددها في المستقبل الزاهر بعونه جلّ وعلا .

في الحقيقة إنّ كلّ أمّة من أمم الأرض إذا أرادت أن تحقّق لنفسها السيادة والقوّة والغلبة ، وأن تجعل ميزان القوى في العالم لصالحها ، فلابدّ لها من الالتزام بأسس معيّنة في تربية مواطنيها ، كيما ينشأوا مخلصين لأمّتهم ، مضحّين في سبيل أهدافها ومثلها وقيمها .

ولو تصفّحنا تاريخ الأمم السحيق لوجدنا حبّ الوطن والدفاع عنه كان من البالغة الأهميّة عندهم .

وممّا لا ريب فيه أنّ الأمّة الإسلاميّة ، منذ عهد الرسول الأكرم ( صلّى الله عليه وآله ) حينما بدأت في سيادة العالم سياسيّاً وعسكريّاً وحضاريّاً ، كانت واحدة من نوادر الأمم التي تمكنّت من تربية أجيالها تربية وطنيّة رصينة صالحة ، ممّا مكّن المسلمين لأن يتحكّموا فترة طويلة وقروناً متطاولة بالميزان الدولي ، وجعله يميل إلى كفّتهم ويصّب في صالحهم ، بل وفي صالح البشريّة جميعاً ، لما في النظام الإسلاميّ من قوانين وأنظمّة وقواعد إنسانيّة شريفة تخدم الصالح العام .

وهذا ما كان سبب تقدّمها في العالم وسيطرتها على بقعة كبيرة منه .

إذ وصلت جيوشها شرقاً إلى بلاد الصين وأخضعوها لسيطرتهم ، وغرباً إلى بلاد المغرب والمحيط الأطلسي ، وشمالاً إلى أواسط روسيا ودول أوربا كآسيا الصغرى واليوغسلاف .

حتّى أنها عبرت أسبانيا والبرتغال وأصبحت على مشارف بلاد الإفرنج ( فرنسا ) ، وجنوباً إلى المحيط الهادي والبحر العربي وأفريقيا .

فكان سبب ذلك الفتح الهائل هو كونها من الأمم الفكريّة المتميّزة بروحيّة عقيدتها وسماويّة تشريعها وأخلاقيّة رسالتها .

فطبيعي أن هكذا أمّة تمتلك كل عناصر القوّة والغلبة أن تكون كذلك ، وحينما يغمر روّادها مواطنيهم بالحبّ والعطف والرعاية والاهتمام والألفة والاحترام .

ففي ذلك تحقيق رضا الله عزَّ وجلَّ ، ونيل الهدف السامي الذي من أجله بعث الإسلام لهداية الناس جميعاً إلى الخير والتوفيق والسعادة .

ويجسّد أمير المؤمنين ( عليه السلام ) هذا المعنى في رسالته إلى ولده الإمام الحسن المجتبى ( عليه السلام ) مؤكّداً في قوله :

( يا بُنيّ ، إجعل نفسك ميزاناً فيما بينك وبين غيرك ، فأحبب لغيرك ما تحبّ لنفسك ، واكره له ما تكره لها ، ولا تظلم كما لا تحبّ أن تظلم ، وأحسن كما تحبّ أن يحسن إليك ، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك ، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك ) .

هذه هي المواطنة الصالحة التي يحدّد إطارها الإمام عليّ ( عليه السلام ) ويحدّد معيارها ، حين يحثّ المسلمين على السعي إلى الإصلاح والوقوف بوجه الظلم والانحراف ، فيقول :

( إنّ من رأى عدواناً يُعمل به ومنكراً يدعى إليه ، فأنكره بقلبه فقد سلم وبرئ ، ومن أنكره بلسانه فقد أُجر ، وهو أفضل من صاحبه ، ومن أنكره بالسيف لتكون كلمة الله العليا وكلمة الظالمين السفلى ، فذلك الذي أصاب سبيل الهدى ، وقام على الطريق ، ونوّر في قلبه اليقين ) .

وبقدر ما تجب على الإنسان المسلم المواطنة الصالحة ، فقد تجب عليه أيضاً الدفاع عن حياض دينه الإسلاميّ الحنيف ، والمحافظة على ثغور وطنه الإسلامي العزيزمع أنّ القتال والحرب دمار للإنسان وإزهاق للأرواح واستهلاك للطاقات البشريّة وهدر للقدرات الإنسانيّة .

إلاّ أنّه إذا وصلت الحالة إلى غزو الأوطان والاعتداء على أهلها وإخضاعهم وإذلالهم ، توجّب حين ذاك أن يهبّ أهلها للدفاع عن حياضها وعن كرامتهم وعزّتهم ومقدّساتهم .

و في الحقيقة شتّان بين جيلين من الشباب ، جيل يعيش على الحرب والدماء والخراب والدمار ، ويتّخذها وسيلة للظلم والاستغلال والعدوان واستعباد المستضعفين ، ليشبع نهم نفسه الشريرة ، ويبسط غطرسته وتجبّره عليهم .

وجيل يعيش نظريّة الحبّ والسلام ، والأخوّة والمساواة والعدالة ، ويعتبر الحرب أداة لردّ العدوان ، ووسيلة للدفاع عن الحقّ .

والحمد لله رب العالمين