وقد تلتبس مظاهر الحب في الاخلاء خاصة والناس عامة، وتخفى سماته وعلائمه، ويغدو المرء آنذاك في شك وارتياب من ودّهم أو قلاهم، وقد وضع أهل البيت عليهم السلام مقاييس نفسية تستكشف دخائل الحب والبغض في النفوس وتجلو أسرارها الخفية.
قال الراوي: سمعت رجلاً يسأل أبا عبد اللّه عليه السلام فقال:
الرجل يقول اودك، فكيف اعلم انه يودني؟
فقال عليه السلام: «امتحن قلبك، فان كنت توده فانه يودك» (1).
وقال عليه السلام في موطن آخر:
«انظر قلبك، فان انكر صاحبك، فاعلم أنه احدث» (2) يعني قد احدث ما يوجب النفرة وضعف المودة.
وعن أبي جعفر عليه السلام قال:
«لما احتضر امير المؤمنين عليه السلام جمع بنيه، حسناً وحسيناً وابن الحنفية والاصاغر فوصّاهم، وكان في آخر وصيته : - يا بنيّ عاشروا الناس عشرة، ان غبتم حنّوا اليكم، وإن فقدتم بكوا عليكم، يا بنّي إن القلوب جنود مجندة تتلاحظ بالمودة، وتتناجى بها، وكذلك هي في البغض،
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 106 عن الكافي.
(2) الوافي ج 3 ص 106 عن الكافي.
{
448 }فاذا احببتم الرجل من غير خير سبق منه اليكم فارجوه، واذا ابغضتم الرجل من غير سوء سبق منه اليكم فاحذروه» (1).
الصداقة بين المدّ والجزر:
اختلف العقلاء في أيّهما ارجح وأفضل، الاكثار من الاصدقاء أو الاقلال منهم.
ففضل بعضهم الاكثار منهم والتوفر عليهم، لما يؤمل فيهم من جمال المؤانسة وحسن المؤازرة والتأييد.
ورجح آخرون الاقلال منهم، لما ينجم عن استكثارهم من ضروب المشاكل المؤدية الى التباغض والعداء، كما قال ابن الرومي:
عدوك من صديقك مستفاد*** فلا تستكثرن من الصحاب
فانّ الداء اكثر ما تراه*** يكون من الطعام او الشراب
والحق أنّ قيم الأصدقاء ليست منوطة بالقلة او الكثرة، وانما هي فيما يتحلون به من صفات النبل والاخلاص والوفاء، التي لا تجتمع الا في المثاليين منهم، وهم فئة قليلة نادرة تتألق في دنيا الاصدقاء تألق اللآليّ بين الحصا.
_____________________
(1) البحار كتاب العشرة ص 46 عن امالي الشيخ ابي علي ابن الشيخ الطوسي.
{
449 }وصديق مخلص وفيّ خير من الف صديق عديم الاخلاص والوفاء، كما قال الاسكندر: المستكثر من الاخوان من غير اختيار كالمستوفر من الحجارة، والمقلّ من الاخوان المتخير لهم كالذي يتخير الجوهر.
حقوق الاصدقاء:
وبعد ان اوضح أهل البيت عليهم السلام فضل الاصدقاء الاوفياء، رسموا لهم سياسة وآداباً وقرروا حقوق بعضهم على بعض، ليوثقوا أواصر الصداقة بين المؤمنين، ومن ثم لتكون باعثاً على تعاطفهم وتساندهم. واليك طرفاً من تلك الحقوق:
1 - الرعاية المادية:
قد يقع الصديق في ازمة اقتصادية خانقة، ويعاني مرارة الفاقة والحرمان ويغدو بأمسّ الحاجة الى النجدة والرعاية المادية، فمن حقه حقه على اصدقائه النبلاء ان ينبروا لاسعافه، والتخفيف من أزمته بما تجود به اريحيتهم وسخاؤهم، وذلك من الزم حقوق الاصدقاء وابرز سمات النبل والوفاء فيهم، وقد مدح اللّه اقواماً تحلوا بالايثار وحسن المواساة فقال تعالى:
«ويؤثرون على انفسهم ولو كان بهم خصاصة» (الحشر: 9).
وقال الامام موسى بن جعفر عليه السلام لرجل من خاصته:
{
450 }« يا عاصم كيف انتم في التواصل والتواسي؟
قلت: على أفضل ما كان عليه أحد.
قال عليه السلام: أيأتي أحدكم الى دكان اخيه او منزله عند الضائقة فيستخرج كيسه ويأخذ ما يحتاج اليه فلا ينكر عليه؟ قال: لا.
قال عليه السلام: «فلستم على ما احب في التواصل»(1).
وعن ابي اسماعيل قال: قلت لأبي جعفر عليه السلام: «جعلت فداك، إن الشيعة عندنا كثير، فقال عليه السلام:
فهل يعطف الغني على الفقير؟ وهل يتجاوز المحسن عن المسيء؟ ويتواسون. فقلت: لا.
فقال عليه السلام:
ليس هؤلاء شيعة، الشيعة من يفعل هذا»(2).
وقال ابو تمام:
اولى البرية حقاً ان تراعيه*** عند السرور الذي اساك في الحزن
إنّ الكرام اذا ما أسهلوا ذكروا*** من كان يألفهم في المنزل الخشن
وقال الواقدي:
كان لي صديقان: احدهما هاشمي، وكنا كنفس واحدة، فنالتني ضيقة شديدة وحضر العيد، فقالت امرأتي: أما نحن في أنفسنا فنصبر على البؤس والشدة، وأما صبياننا هؤلاء فقد قطعوا قلبي رحمة لهم،
_____________________
(1) البحار كتاب العشرة ص 46 عن كتاب قضاء الحقوق للصوري.
(2) البحار كتاب العشرة ص 71 عن الكافي.
{
451 }لانهم يرون صبيان الجيران وقد تزينوا في عيدهم، وأصلحوا ثيابهم، وهم على هذه الحال من الثياب الرثّة! فلو احتلت بشيء تصرفه في كسوتهم! فكتبت الى صديقي الهاشمي أسأله التوسعة عليّ، فوجه اليّ كيساً مختوماً، ذكر ان فيه الف درهم، فما استقر قراري حتى كتب اليّ الصديق الآخر يشكو مثل ما شكوت الى صاحبي، فوجهت اليه الكيس بحاله، وخرجت الى المسجد فأقمت فيه ليلي مستحياً من امرأتي.
فلما دخلت عليها استحسنت ما كان مني، ولم تعنفني عليه.
فبينما انا كذلك إذ وافى صديقي الهاشمي ومعه الكيس كهيئته، فقال لي: اصدقني عما فعلته فيما وجهت اليك؟
فعرفته الخبر على وجهه، فقال: انك وجهت الي وما أملك على الارض الا ما بعثت به اليك، وكتبت الى صديقنا اسأله المواساة فوجه الي بكيسي! فتواسينا آلالف أثلاثاً!
ثم نمي الخبر الى المأمون فدعاني، فشرحت له الخبر، فأمر لنا بسبعة آلاف دينار، لكل واحدٍ ألفا دينار وللمرأة الف دينار! (1).
2 - الرعاية الأدبية:
وهكذا تنتاب الصديق ضروب الشدائد والارزاء ما تسبب إرهاقه وبلبلة حياته، ويغدو آنذاك مفتقراً الى النجدة والمساندة لاغاثته وتفريج كربه.
_____________________
(1) قصص العرب ج 1 ص 290.
{
452 }فحقيق على اصدقائه الاوفياء ان يسارعوا الى نصرته والذب عنه، لساناً وجاهاً، لانقاذه من اعاصير الشدائد والازمات، ومواساته في ظرفه الحالك.
هذا هو مقياس الحب الصادق والعلامة الفارقة بين الصديق المخلص من المزيف.
قال امير المؤمنين عليه السلام:
«لا يكون الصديق صديقاً حتى يحفظ اخاه في ثلاث: في نكبته، وغيبته، ووفاته»(1).
وقال الشريف الرضي:
يعرّفك الاخوان كل بنفسه*** وخير اخ من عرّفتك الشدائد
* * *
3 - المداراة:
والاصدقاء مهما حسنت أخلاقهم، وقويت علائق الودّ بينهم فانهم عرضة للخطاء والتقصير، لعدم عصمتهم عن ذلك. فاذا ما بدرت من احدهم هناة وهفوة في قول او فعل، كخلف وعد، او كلمة جارحة او تخلف عن مواساة في فرح او حزن ونحو ذلك من صور التقصير.
فعلى الصديق اذا ما كان واثقاً بحبهم واخلاصهم ان يتغاضى عن إساءتهم
_____________________
(1) نهج البلاغة.
{
453 }ويصفح عن زللهم حرصاً على صداقتهم واستبقاءاً لودّهم، اذ المبالغة في نقدهم وملاحاتهم، باعثة على نفرتهم والحرمان منهم.
ومن ذا الذي ترضى سجاياه كلها*** كفى المرء نبلاً ان تعدّ معائبه
انظر كيف يوصي امير المؤمنين عليه السلام ابنه الحسن عليه السلام بمداراة الصديق المخلص والتسامح معه والحفاظ عليه:
«احمل نفسك من أخيك عند صرفه على الصلة، وعند صدوده على اللطف والمقاربة، وعند جموده على البذل، وعند تباعده على الدنو، وعند شدته على اللين، وعند جرمه على العذر، حتى كأنك له عبد، وكأنه ذو نعمة عليك.
واياك ان تضع ذلك في غير موضعه او تفعله بغير أهله، لا تتخذنّ عدو صديقك صديقاً فتعادي صديقك، وامحض أخاك النصيحة حسنة كانت او قبيحة، وتجرع الغيظ. فاني لم أر جرعه احلى منها عاقبة ولا الذّ مغبّة، ولِن لمن غالظك فانه يوشك ان يلين لك، وخذ على عدوك بالفضل فانه احلى الظفرين، وان اردت قطيعة اخيك فاستبق له من نفسك بقية ترجع اليها إن بدا له ذلك يوماً ما، ومن ظن بك خيراً فصدق ظنّه. ولاتضيعن حق اخيك اتكالاً على ما بينك وبينه. فانه ليس لك بأخ من اضعت حقه» (1).
وقال الامام الحسن عليه السلام لبعض ولده:
«يا بني لا تؤاخ احداً حتى تعرف موارده ومصادره، فاذا استبطنت
_____________________
(1) نهج البلاغة. في وصيته لابنه الحسن عليه السلام.
{
454 }الخبرة ورضيت العشرة فآخه على إقالة العثرة، والمواساة في العشرة» (1).
وقال ابو فراس الحمداني:
لم أواخذك بالجفاء لاني*** واثق منك بالوداد الصريح
فجميل العدو غير جميل*** وقبيح الصديق غير قبيح
وقال بشار بن برد:
اذا كنت في كل الامور معاتباً*** صديقك لم تلق الذي لا تعاتبه
فعش واحداً أو صِل اخاك فانه*** مقارف ذنب مرة ومجانبه
اذا انت لم تشرب مراراً على القذى*** ظمئت واي الناس تصفو مشاربه
وقال ابو العلاء المعري:
من عاش غير مداج من يعاشره*** اساء عشرة اصحاب واخدان
كم صاحب يتمنى لو نعيت له*** وإن تشكيت راعاني وفدّاني
ومن اروع صور مداراة الاصدقاء واجملها وقعاً في النفوس: الاغضاء عن اساءتهم والصفح عن مسيئهم.
ولذلك مظاهر واساليب رائعة:
1 - ان يتناسى الصديق الاساءة ويتجاهلها ثقة بصديقه، وحسن ظن به، واعتزاراً باخائه، وهذا ما يبعث المسيء على اكبار صديقه وودّه والحرص على صداقته.
2 - ان يتقبل معذرة صديقه عند اعتذاره منه، دونما تشدد او تعنت في قبولها. فذلك من سمات كرم الاخلاق وطهارة الضمير والوجدان.
_____________________
(1) تحف العقول.
{
455 }3 - ان يستميل صديقه بالعتاب العاطفي الرقيق، استجلاباً لودّه، فترك العتاب قد يشعر باغفاله وعدم الاكتراث به، او يوهمه بحنق الصديق عليه واضمار الكيد له.
ولكن العتاب لا يجدي نفعاً ولا يستميل الصديق الا اذا كان عاطفياً رقيقاً كاشفاً عن حب العاتب ورغبته في استعطاف صديقه واستدامة وده، إذ العشرة فيه والافراط منه يحدثان رد فعل سيّئ يضاعف نفار الصديق ويفصم عرى الود والاخاء.
لذلك حثت الشريعة الاسلامية على الصفح والتسامح عن المسيء وحسن مداراة الاصدقاء خاصة والناس عامة.
قال تعالى: «ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم، واستغفر لهم، وشاورهم في الامر» (آل عمران: 159).
وقال سبحانه: «إدفع بالتي هي احسن، فاذا الذي بينك وبينه عداوة كأنه ولي حميم، وما يلقاها الا الذين صبروا، وما يلقاها الا ذو حظ عظيم» (حم السجده: 34 - 35).
وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: «امرني ربي بمداراة الناس كما امرني بأداء الفرائض» (1).
وقال صلى اللّه عليه وآله: «أعقل الناس اشدهم مداراة للناس» (2).
_____________________
(1) الوافي. ج 3 ص 86 عن الكافي.
(2) معاني الأخبار للصدوق.
{
456 }والجدير بالذكر أن من اقوى عوامل ازدهار الصداقة وتوثيق اواصر الحب والاخلاص بين الاصدقاء، هو ان يتفادى كل منهم جهده عن تصديق النمامين والوشاة المغرمين بغرس بذور البغضاء والفرقة بين الاحباب وتفريق شملهم، وفصم عرى الاخاء بينهم. وهؤلاء هم شرار الخلق كما وصفهم رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله حيث قال:
«ألا انبئكم بشراركم؟ قالوا: بلى يا رسول اللّه. قال: المشاؤون بالنميمة المفرقون بين الاحبة، الباغون للبراء المعايب» (1).
* * *
الاعتدال في حب الصديق والثقة به:
ومن الحكمة أن يكون العاقل معتدلاً في محبة الاصدقاء والثقة بهم والركون اليهم دون اسراف او مغالاة، فلا يصح الافراط في الاطمئنان اليهم واطلاعهم على ما يخشى إفشاءه من اسراره وخفاياه.
فقد يرتد الصديق ويغدو عدواً لدوداً، فيكون آنذاك أشد خطراً واعظم ضرراً من الخصوم والاعداء.
وقد حذرت وصايا اهل البيت عليهم السلام واقوال الحكماء والادباء نظماً ونثراً من ذلك:
قال امير المؤمنين عليه السلام: «احبب حبيبك هوناً ما، عسى ان
_____________________
(1) البحار كتاب العشرة ص 191 عن الكافي.
{
457 }يكون بغيضك يوماً ما، وابغض بغيضك هوناً ما، عسى ان يكون حبيبك يوماً ما»(1).
وقال الصادق عليه السلام لبعض اصحابه:
«لا تطلع صديقك من سرك الا على ما لو اطلع عليه عدوك لم يضرك قان الصديق قد يكون عدوك يوماً ما»(2).
قال المعري:
خف من تودّ كما تخاف معادياً*** وتمار فيمن ليس فيه تمار
فالرزء يبعثه القريب وما درى*** مضر بما تجنى يدا أنمار
وقال أبو العتاهية:
ليخل امرؤ دون الثقات بنفسه*** فما كل موثوق ناصح الحب
* * *
_____________________
(1) نهج البلاغة.
(2) البحار، كتاب العشرة ص 39 عن أمالي الصدوق.
التآزر والتعاطف:
لقد جهد الاسلام في حث المسلمين وترغيبهم في التآزر والتعاطف، ليجعلهم امة مثالية في اتحادها وتعاضدها على تحقيق اهدافها، ودفع الازمات والاخطار عنها.
ودأب على غرس تلك المفاهيم السامية في نفوس المسلمين ليزدادوا قوة ومنعة وتجاوباً في أحاسيس الود ومشاعر الاخاء.
«محمد رسول اللّه، والذين معه اشداء على الكفار رحماء بينهم».
(الفتح: 29)
«وتعاونوا على البر والتقوى، ولا تعاونوا على الاثم والعدوان».
(المائدة: 2)
وكان من ذلك تحريض المسلمين على حسن الجوار ورعاية الجار، لينشئ من المتجاورين جماعة متراصة متعاطفة تتبادل اللطف والاحسان، وتتعاون على كسب المنافع ودرء المضار، ليستشعروا بذلك الدعة والرخاء والقوة على معاناة المشاكل والاحداث.
ولقد أوصى القرآن الكريم برعاية الجار والاحسان اليه فقال:
«واعبدوا اللّه ولا تشركوا به شيئاً وبالوالدين إحساناً وبذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والجار ذي القربى، والجار الجنب، والصاحب بالجنب وابن السبيل وما ملكت ايمانكم» (النساء: 36).
{
459 }والمراد - بالجار ذي القربى - الجار القريب داراً أو نسباً - والجار الجنب - هو البعيد جواراً أو نسباً.
وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: كل اربعين داراً جيران من بين يديه ومن خلفه، وعن يمينه وعن شماله»(1).
و - الصاحب بالجنب - الرفيق في السفر، أو الزميل في التعليم، او في الحرفة.
و - ابن السبيل - المسافر أو الضيف.
- وما ملكت ايمانكم - الأهل والخدم.
وناهيك في حرمة الجار وضرورة رعايته قول النبي صلى اللّه عليه وآله فيه: «ما زال جبرئيل يوصيني بالجار حتى ظننت أنه سيورثه»(2).
وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
«حسن الجوار يعمر الديار، وينسئ في الاعمار» (3).
وقال الصادق عليه السلام، «ليس منا من لم يحسن مجاورة من جاوره»(4).
وعن ابي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله
« ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع، وما من اهل قرية يبيت فيهم جائع ينظر اللّه اليهم يوم القيامة» (5).
_____________________
(1) الوافي. ج 3 ص 97 عن الكافي.
(2) الوافي. ج 3 ص 96 عن الفقيه.
(3)، (4)، (5) الوافي ج 3 ص 96 عن الكافي.
{
460 }وقال الصادق عليه السلام: «ان يعقوب لما ذهب منه بنيامين نادى يا رب أما ترحمني، أذهبت عيني، وأذهبت ابني. فأوحى اللّه تعالى اليه: لو امتهما لاحييتهما لك حتى اجمع بينك وبينهما، ولكن تذكر الشاة التي ذبحتها، وشويتها واكلت، وفلان الى جانبك صائم لم تنله منها شيئاً»(1).
وفي رواية أخرى قال: «وكان بعد ذلك يعقوب ينادي مناديه كل غداة من منزله على فرسخ، ألا من أراد الغداء فليأت الى يعقوب. وإذا امسى نادى: ألا من أراد العشاء فليأت الي يعقوب»(2).
حقوق الجار:
وخلاصتها ان يساس الجار باللطف وحسن المداراة، كابتدائه بالسلام وعيادته في المرض، وتهنئته في الافراح، وتعزيته في المصائب، وعدم التطلع الى حرمه، والاغضاء عن هفواته، وكف الاذى عنه، واعانته مادياً اذا كان معوزاً، واعادة ما يستعيره من الادوات المنزلية، ونصحه اذا ما زاغ وانحرف عن الخط المستقيم.
ومن طريف ما يحكى في حسن الجوار:
«إن رجلاً كان جاراً لأبي دلف ببغداد، فأدركته حاجة، وركبه دين فادح حتى احتاج الى بيع داره، فساوموه فيها، فسمى لهم الف
_____________________
(1) - (2) الوافي ج 3 ص 96 عن الكافي.
{
461 }دينار، فقالوا له: إن دارك تساوي خمسمائة دينار. فقال: ابيع داري بخمسمائة، وجوار ابي دلف بخمسمائة، فبلغ أبا دلف الخبر، فأمر بقضاء دينه ووصله، وقال: لاتنتقل من جوارنا. فانظر كيف صار الجوار يباع كما تباع العقار».
* * *
فضل المجتمع الاسلامي:
كان المجتمع الاسلامي إبّان رقيه وازدهاره، نموذجاً فذاً ونمطاً مثالياً بين المجتمعات العالمية المتحضرة، بخصائصه الرفيعة، ومزاياه الغر التي بوأته فمم المفاخر والأمجاد، وانشأت من أفراده اسرة اسلامية مرصوصة الصف، خفّاقة اللواء، مرهوبة الجانب، موصوفة بالفضائل والمكرمات.
لقد كان فذاً في عقيدته التي حوت اسرار التوحيد واوضحت خصائص الألوهية وصفاتها الحقة، وجلّت واقع النبوة والانبياء، وفصلت حقائق المعاد، وما يجيش به من صور النعيم والعذاب.
حوت كل ذلك، وصورته تصويراً رائعاً يستهوي العقول والقلوب ويقنع الضمائر حتى باركها اللّه واصطفاها بين العقائد والاديان.
«ومن يبتغ غير الاسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين»
(آل عمران: 85)
وكان فذاً في شريعته الغراء، تلك التي تكاملت بها شرائع السماء وبلغت قمة الوحي الالهي ما جعلها الشريعة الخالدة عبر الحياة، والدستور الامثل للبشرية جمعاء.
وكان فذاً في اخلاقه، فقد ازدهرت في ربوعه القيم الاخلاقية وتكاملت
{
463 }حتى اصبحت طابعاً مميزاً للمسلم الحق كما وصفه الرسول الاعظم صلى اللّه عليه وآله بقوله:
«المؤمن من امنه الناس على اموالهم ودمائهم، والمسلم من سلم المسلمون من يده ولسانه، والمهاجر من هجر السيئات»(1).
وكان مثلاً رفيعاً في آدابه الاجتماعية:
قال امير المؤمنين عليه السلام: «يا بني اجعل نفسك ميزاناً بينك وبين غيرك، فأحبب لغيرك ما تحب لنفسك، واكره له ما تكره لها، ولا تظلم كما لا تحب ان تُظلم، واحسن كما تحب ان يُحسن اليك، واستقبح من نفسك ما تستقبح من غيرك، وارض من الناس بما ترضاه لهم من نفسك، ولا تقل ما لا تعلم، وإن قلّ ما تعلم، ولا تقل ما لا تحب ان يقال لك»(2).
وكان فريداً في تآخيه: فقد اعلن مبدأ المؤاخاة وحققه بين افراده بأسلوب لم تستطع تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ «انما المؤمنون اخوة» (الحجرات:10) واصبح المجتمع اسرة واحدة تستشعر روح الإخاء، وتتجاوب في عواطفها ومشاعرها، وكان ذلك من اعظم منجزات الاسلام وفتوحاته الاصلاحية.
وكان مثالياً في اريحته وتكافله: فالمسلم معني بشؤون المجتمع والاهتمام بمصالحه والعطف على بؤسائه ومعوزيه.
_____________________
(1) الوافي ج 14 ص 48 عن الفقيه.
(2) نهج البلاغة، من وصيته لابنه الحسن عليه السلام.
{
464 }فعن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم»(1).
وعنه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: الخلق عيال اللّه، واحب الخلق الى اللّه من نفع عيال اللّه، وأدخل على بيت سروراً» (2).
حقوق المجتمع الاسلامي:
للفرد قيمته ومنزلته في المجتمع، بصفته لبنة في كيانه، وغصناً من اغصان دوحته، وبمقدار ما يسعد الفرد، وينال حقوقه الاجتماعية يسعد المجتمع، وتشيع فيه دواعي الطمأنينة والرخاء، وبشقائه وحرمانه يشقى المجتمع وتسوده عوامل البلبلة والتخلف.
لذلك كان حتماً مقضيا ً على المجتمع رعاية مصالح الفرد، وصيانة كرامته ومنحه الحقوق الاجتماعية المشروعة، ليستشعر العزة والسكينة والرخاء في اطار اسرته الاجتماعية، واليك أهم تلك الحقوق:
1 - حق الحياة:
وهو حق طبيعي مقدس يجب رعايته وصيانته، ويعتبر الاسلام هدره
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 99 عن الكافي.
(2) الوافي ج 3 ص 99 عن الكافي.
{
465 }والاعتداء عليه جناية نكراء وجرماً عظيماً يتوعد عليه بالنار: «ومن يقتل مؤمناً متعمداً فجزاؤه جهنم خالداً فيها، وغضب اللّه عليه ولعنه واعدّ له عذاباً عظيماً» (النساء: 93).
ولم يكتف الاسلام بانذار السفاكين، ووعيدهم بالعقاب الاخروي، فقد شرع القصاص من القاتل عمداً، والدية عليه خطاءً، حماية لدماء المسلمين، وحسماً لاحداث القتل وجرائمه «ولكم في القصاص حياة يا اولي الألباب لعلكم تتقون» (البقرة: 129).
وليس للانسان ان يفرط في حياته ويزهقها بالانتحار، وانما يجب عليه حفظها وصيانتها من الأضرار والمهالك «ولا تلقوا بأيديكم الى التهلكة» (البقرة: 195).
وقد بالغ الاسلام في قدسية الارواح وحمايتها، حتى حرّم قتل الجنين واجهاضه تخلصاً منه، وفرض الدية على قاتله.
2 - حق الكرامة:
لقد شرف اللّه المؤمن وحباه بصنوف التوقير والاعزاز، والوان الدعم والتأييد. فحفظ كرامته، وصان عرضه، وحرّم ماله ودمه، وضمن حقوقه، ووالى عليه الطافه، حتى اعلن في كتابه الكريم عنايته بالمؤمن ورعايته له في الحياة العاجلة والآجلة: «إن الذين قالوا ربنا اللّه ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ان لا تخافوا ولا تحزنوا وابشروا بالجنة التي كنتم
{
466 }توعدون، نحن اولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ولكم فيها ما تشتهي انفسكم ولكم فيها ما توعدون» (حم السجدة: 30 - 31).
«الذين آمنوا وكانوا يتقلون، لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة» (يونس: 63 - 64).
«إنا لننصر رسلنا والذين آمنوا في الحياة الدنيا ويوم يقوم الاشهاد» (غافر:51).
وحرّم الاسلام بعد هذا كل ما يبعث على استهانة المؤمن وخدش كرامته وتلويث سمعته باغتيابه والتجسس عليه، والسخرية منه ليطهر المجتمع الاسلامي من عوامل التباغض والفرقه. وليشع في ربوعه مفاهيم العزة والكرامة
«يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيراً من الظن، إنّ بعض الظن إثم، ولا تجسسوا ولا يغتب بعضكم بعضاً، أيحب احدكم ان يأكل لحم أخيه ميتاً فكرهتموه» (الحجرات: 12).
«يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى ان يكونوا خيراً منهم، ولا نساء من نساء عسى ان يكنّ خيراً منهنّ، ولا تلمزوا انفسكم ولا تنابزوا بالألقاب بئس الاسم الفسوق بعد الايمان ومن لم يتب فأولئك هم الظالمون» (الحجرات: 11).
وهكذا حرص الاسلام على اعزاز المؤمن وحماية شرفه وكرامته حتى بعد وفاته، فجعل حرمته ميتاً كحرمته حياً، وفرض على المسلمين تجهيزه بعد الممات وتغسيله وتكفينه والصلاة عليه ودفنه، وحرم كلما يثلب كرامته كالمثلة به ونبش قبره، واستغابته والطعن فيه.
{
467 }وقد جهد الاسلام في حماية المسلمين وضمان كرامتهم فرداً ومجتمعاً،مادياً وأدبياً:
فشرع الحدود والديات صيانة لارواحهم وأموالهم وحرماتهم، وردعاً للمجرمين العابثين بأمن المجتمع ومقدراته.
«ولكم في القصاص حياة يا أولي الالباب، لعلكم تتقون»
(البقرة: 129)
«إنما جزاء الذين يحاربون اللّه ورسوله ويسعون في الارض فساداً، أن يقتّلوا أو يصلبوا او تقطع ايديهم وارجلهم من خلاف أو ينفوا من الارض» (المائدة: 33).
وبالغ الاسلام في عقوبة الزاني لاستهتاره بقدسية أعراض الناس، وانتهاكه صميم كرامتهم وشرفهم.
«الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مئة جلدة، ولاتأخذكم بهما رأفة في دين اللّه» (النور: 2).
وقرر الحد الصارم على السارق حسماً لإجرامه وحرصاً على أمن المسلمين واطمئنانهم.
«والسارق والسارقة فاقطعوا ايديهما جزاء بما كسبا نكالاً من اللّه».
(المائدة: 38)
وهكذا اعلن اهل البيت عليهم السلام شرف المؤمن وعزته، واحاطوه بهالة من التوقير والاجلال والوان الحصانة والصيانة:
فعن ابي جعفر عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه
{
468 }وآله: سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر، وأكل لحمه معصية، وحرمة ماله كحرمة دمه»(1).
وعن أبي عبد اللّه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: قال اللّه عز وجل: من اهان لي ولياً، فقد ارصد لمحاربتي. وما تقرب الي عبد بشيء أحب إلى مما افترضت عليه، وإنه ليتقرب إلي بالنافلة حتى احبه، فاذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به، وبصره الذي يبصر به، ولسانه الذي ينطق به، ويده التي يبطش بها، إن دعاني أجبته، وإن سألني اعطيته، وما ترددت عن شيء انا فاعله كترددي عن موت عبدي المؤمن، يكره الموت وانا اكره مساءته»(2).
وعنه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: يامعشر من أسلم بلسانه، ولم يخلص الايمان الى قلبه، لا تذموا المسلمين، ولا تتبعوا عوراتهم، فانه من يتبع عوراتهم يتبع اللّه عورته، ومن يتبع اللّه عورته يفضحه ولو في بيته»(3).
وعنه عليه السلام قال:
«قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: من اذاع فاحشة كان كمبتدئها
_____________________
(1) سفينة البحار ج 1 ص 41 عن الكافي.
(2) سفينة البحار ج 1 ص 41 عن الكافي.
(3) البحار كتاب العشرة ص 177 عن الكافي.
{
469 }ومن عيّر مؤمناً بشيء لم يمت حتى يركبه»(1).
3 - حق الحرية:
والحرية هي: انعتاق الانسان وتحرره من اسر الرق والطغيان، وتمتعه بحقوقه المشروعة. وهي من أقدس الحقوق وأجلها خطراً، وأبلغها أثراً في حياة الناس.
لذلك اقر الاسلام هذا الحق وحرص على حمايته وسيادته في المجتمع الاسلامي.
وليست الحرية كما يفهمها الاغرار هي التحلل من جميع النظم والضوابط الكفيلة بتنظيم المجتمع، واصلاحه وصيانة حقوقه وحرماته، فتلك هي حرية الغاب والوحوش الباعثة على فساده وتسيبه. وانما الحرية الحقة هي:
التمتع بالحقوق المشروعة التي لا تناقض حقوق الآخرين ولا تجحف بهم. واليك طرفاً من الحريات:
أ - الحرية الدينية:
فمن حق المسلم ان يكون حراً طليقاً في عقيدته وممارسة عباداته، واحكام شريعته. فلا يجور قسره على نبذها أو مخالفة دستورها، ويعتبر ذلك عدواناً صارخاً على أقدس الحريات، وأجلها خطراً في دنيا الاسلام.
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 163 عن الكافي.
{
470 }والمسلمين. وعلى المسلم ان يكون صلباً في عقيدته، صامداً أزاء حملات التضليل التي يشنها اعداء الاسلام، لاغواء المسلمين واضعاف طاقاتهم ومعنوياتهم.
ب - الحرية المدنية:
ومن حق المسلم الرشيد ان يكون حراً في تصرفاته، وممارسة شؤونه المدنية، فيستوطن ما احب من البلدان، ويختار ما شاء من الحرف والمكاسب ويتخصص فيما يهوى من العلوم، وينشئ ما أراد من العقود، كالبيع والشراء والاجارة والرهن ونحوها. وهو حر في مزاولة ذلك على ضوء الشريعة الاسلامية.
ج - حرية الدعوة الاسلامية:
وهذه الحرية تحض الاكفاء من المسلمين القادرين على نشر التوعية الاسلامية، وارشاد المسلمين وتوجيههم وجهة الخير والصلاح. وذلك ما يبعث على تصعيد المجتمع الاسلامي ورقيه دينياً وثقافياً واجتماعياً، ويعمل على وقايته وتطهيره من شرور الرذائل والمنكرات.
«ولتكن منكم أمة يدعون الى الخير، ويأمرون بالمعروف، وينهون عن المنكر واولئك هم المفلحون» (آل عمران: 104).
وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله:
«لا يزال الناس بخير ما أمروا بالمعروف، ونهوا عن المنكر، وتعاونوا
{
470 }على البر، فاذا لم يفعلوا ذلك نزعت منهم البركات، وسلط بعضهم على بعض، ولم يكن لهم ناصر في الأرض ولا في السماء» (1).
4 - حق المساواة:
كانت الامم العالمية تعيش حياة مزرية، تسودها الاثرة والانانية، وتفرقها نوازع الامتيازات الطبقية. فكان التفاوت الطبقي من ابرز مظاهر العرب الجاهليين، اذ كانوا يضطهدون الضعفاء ويستعبدونهم كالارقاء، ولا يؤاخذون الاشراف على جناية او جرم تمييزاً لهم عن سوقة الناس.
وحسبك ما كان عليه ملوك العرب يومذاك من الانانية واستذلال الناس.
«فكان عمر بن هند ملكاً عربياً: وقد عود الناس ان يكلمهم من وراء حجاب، وقد استكثر على سادة القبائل ان تأنف امهاتهم من خدمته في داره.
وكان النعمان بن المنذر قد بلغ به العسف ان يتخذ لنفسه يوماً للرضى، يغدق فيه النعم على كل قادم اليه خبط عشواء، ويوماً للغضب يقتل فيه كل طالع عليه من الصباح الى المساء.
ومن القصص المشهورة: قصة (عمليق) ملك طسم وجديس.
_____________________
(1) الوافي ج 9 ص 29 عن التهذيب.
{
472 }كان يستبيح كل عروس قبل ان تزف الى عروسها» (1).
وهكذا كانت الامم الغربية في تمايزها الطبقي حتى قيام الثورة الفرنسية التي طفقت تنادي بالمساواة وتحفّز عليها مما أيقظ الغربيين وأثار فيهم شعور المساواة.
ولكنّ رواسب الطبقة لا تزال عالقة في نفوس الغربيين تستشف من خلال أقوالهم وتصرفاتهم:
فالألمانية النازية: تقدس الجنس الآري، وتفضله على سائر الاجناس البشرية.
والامم الامريكية: لا يزال الصراع فيها قائماً بين البيض والسود من جراء أنانية البيض وترفعهم عن مخالطة السود، ومشاركتهم في المدارس والمطاعم وسائر مرافق الحياة.
وهكذا درجت بريطانيا على اشاعة التفاوت الطبقي بين البيض والملونين في جنوب افريقيا، حيث جعلت البيض سادة مدللين، والسود ارقّاء مستعبدين لهم.
وكذلك نجد التمايز والتفاوت واضحين في ظلال الحكم الشيوعي بين العامل ورئيسه، والجندي وقائده، والفنانين والكادحين. ولم يستطيع رغم تشدقه بالمساواة: محو الطبقية بين اتباعه.
_____________________
(1) حقائق الاسلام. للعقاد ص 150.
لقد شرع الاسلام مبدأ المساواة، ونشر ظلاله في ربوع المجتمع الاسلامي بأسلوب مثالي فريد، لم تستطع تحقيقه سائر الشرائع والمبادئ. فأفراد المجتمع ذكوراً وإناثاً، بيضاً وسوداً، عرباً وعجماً، أشرافاً وسوقة، أغنياء وفقراء. كلهم في شرعة الاسلام سواسية كأسنان المشط، لا يتفاضلون الا بالتقوى والعمل الصالح.
« يا أيها الناس انا خلقناكم من ذكر وانثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن اكرمكم عند اللّه اتقاكم» (الحجرات: 13).
والقوانين الاسلامية والفرائض الشرعية نافذة عليهم جميعاً دون تمايز وتفريق بين الأجناس والطبقات. وما انفك النبي صلى اللّه عليه وآله عن تركيز مبدأ المساواة وتصعيده حتى استطاع تطويره والتسامي به الى المؤاخاة الروحية بين المؤمنين.
«انما المؤمنون اخوة» (الحجرات: 10).
حسبك في ذلك أن الملوك كانوا يحسبون أنهم فوق مستوى البشر، ويترفعون عنهم في ابراج عاجية يطلون منها زهواً وكبراً على الناس.
يأمر القرآن الكريم سيد المرسلين أن يعلن واقعه للناس:
«قل انما انا بشر مثلكم يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد».
(الكهف:110)
{
474 }لذلك كان هو صلى اللّه عليه وآله، وذريته الاطهار: المثل الاعلى في تطبيق مبدأ المساواة والدعوة اليه قولاً وعملاً.
قال صلى اللّه عليه وآله: «إن اللّه تبارك وتعالى قد اذهب بالاسلام نخوة الجاهلية وتفاخرها بآبائها، ألا إن الناس من آدم، وآدم من تراب، واكرمهم عند اللّه اتقاهم»(1).
ويحدثنا الرواة: انه صلى اللّه عليه وآله كان في سفر فأمر باصلاح شاة، فقال رجل: يا رسول اللّه عليّ ذبحها، وقال آخر عليّ سلخها، وقال آخر عليّ طبخها، فقال صلى اللّه عليه وآله: وعليّ جمع الحطب. فقالوا يا رسول اللّه نحن نكفيك، فقال: قد علمت انكم تكفوني، ولكن اكره ان اتميز عليكم، فإن اللّه يكره من عبده ان يراه متميزاً بين أصحابه وقام فجمع الحطب(2).
ويحدث الرواة: أن سوادة بن قيس قال للنبي صلى اللّه عليه وآله في ايام مرضه: يا رسول اللّه انك لما اقبلت من الطائف استقبلتك، وانت على ناقتك العضباء، وبيدك القضيب الممشوق، فرفعت القضيب وأنت تريد الراحلة فأصاب بطني، فأمره النبي صلى اللّه عليه وآله ان يقتص منه فقال: اكشف لي عن بطنك يا رسول اللّه، فكشف عن بطنه. فقال سوادة: أتأذن لي أن أضع فمي على بطنك، فاذن له فقال: اعوذ بموضع القصاص من رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله النار يوم النار، فقال
_____________________
(1) الوافي ج 14 في وصية النبي صلى اللّه عليه وآله لعلي عليه السلام.
(2) سفينة البحار ج 1 ص 415.
{
475 }صلى اللّه عليه وآله: يا سوادة بن قيس أتعفو أم تقتص؟ فقال: بل أعفو يا رسول اللّه، فقال: اللهم اعف عن سوادة بن قيس كما عفى عن نبيك محمد» (1).
وهكذا كان أمير المؤمنين عليه السلام:
قال الصادق عليه السلام: «لما وِليَ علي عليه السلام صعد المنبر فحمد اللّه وأثنى عليه، ثم قال:
اني لا أرزؤكم من فيئكم درهماً ما قام لي عذق بيثرب، فلتصدقكم انفسكم، افتروني مانعاً نفسي ومعطيكم؟.
قال: فقام اليه عقيل كرّم اللّه وجهه فقال له: اللّه! لتجعلني واسود بالمدينة سواء. فقال عليه السلام: اجلس اما كان هنا أحد يتكلم غيرك؟ وما فضلك عليه الا بسابقة أو تقوى» (2).
«ومشى اليه ثلة من أصحابه عند تفرق الناس عنه، وفرار كثير منهم الى معاوية طلباً لما قي يديه من الدنيا، فقالوا: يا أمير المؤمنين أعط هذه الاموال وفضل هؤلاء الاشراف من العرب وقريش على الموالي والعجم ومن تخاف عليه من الناس فراره الى معاوية.
فقال لهم امير المؤمنين عليه السلام: أتأمروني أن أطلب النصر بالجور لا واللّه ما أفعل، ما طلعت شمس ولاح في السماء نجم، واللّه لو كان مالهم
_____________________
(1) سفينة البحار ج 1 ص 671.
(2) البحار م 9 ص 359 عن الكافي.
{
476 }لي لواسيت بينهم، وكيف وانما هي أموالهم»(1).
«وقال عمر بن الخطاب للناس يوماً: ما قولكم لو أن أمير المؤمنين شاهد امرأة على معصية - يعني أتكفي شهادته في إقامة الحد عليها - ؟.
فقال له علي بن أبي طالب: يأتي بأربعة شهود أو يجلد حد القذف شأنه في ذلك شأن سائر المسلمين(2).
وفقد انبهر الكاتب الغربي - جب - بمبدأ المساواة في الاسلام، وراح يعرب عن اعجابه وإكباره لذلك، فقال في كتابه - مع الاسلام - :
ليس هناك أية هيئة سوى الاسلام يمكن ان تنجح مثله نجاحاً باهراً في تأليف هذه الأجناس البشرية المتنافرة في جبهة واحدة أساسها المساواة.
واذا وضعت منازعات دول الشرق والغرب العظمى موضع الدرس فلا بد من الالتجاء الى الاسلام لحزم النزاع.
وبتقرير مبدأ المساواة استشعر المسلمون مفاهيم العزة والكرامة، ومعاني الوئام والصفاء، وغدوا قادة الامم وروادها الى العدل والحرية والمساواة.
وفي الوقت الذي قرر الاسلام فيه المساواة، فانه قررها بأسلوب منطقي حكيم يلائم العقول النيرة والفطر السليمة ويساير مبادئه الخالدة في اشاعة العدل، وإتاحة فرص التكافؤ بين عامة المسلمين، وإناطة التفاضل
_____________________
(1) البحار م 9 ص 533 (بتصرف وتلخيص).
(2) عن كتاب حقوق الانسان بين تعاليم الاسلام واعلان الامم المتحدة ص 27 لمحمد الغزالي.
{
477 }والتمايز بينهم فيما هو مقدور لهم وداخل في امكاناتهم من أعمال الخير والصلاح دون ما كان خارجاً عن طاقتهم وإرادتهم من وفرة المال أو سعة الجاه.
«إن اكرمكم عند اللّه اتقاكم» (الحجرات: 13).
فهو يشرع المساواة تحقيقاً لمبادئه العادلة البنّاءة ويقرر التمايز كذلك نظراً لبعض القيم والكفاءات التي لا يجوز اغفالها وهدرها.
«قل هل يستوي الذي يعلمون والذين لا يعلمون» (الزمر: 9).
لذلك فضل اللّه الانبياء بعضهم على بعض، لاختلاف كفاءتهم وجهادهم في سبيل اللّه تعالى، واصلاح البشر واسعادهم.
«تلك الرسل فضّلنا بعضهم على بعض، منهم من كلّم اللّه، ورفع بعضهم درجات» (البقرة: 253).
وفضل العلماء على الجهال، والمؤمنين بعضهم على بعض، لتفاوتهم في مدارج العلم والتقى والصلاح.
«يرفع اللّه الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات».
(المجادلة: 11).
وهكذا فاضل بين الناس في الرزق، لاختلاف كفاءاتهم وطاقاتهم في اجادة الاعمال، ووفرة الانتاج، فليس من العدل مساواة الغبي بالذكي والكسول بالمجد والعالم المخترع بالعامل البسيط، اذ المساواة والحالة هذه مدعاة لخفق العبقريات والمواهب وهدر الطاقات والجهود.
«نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق
{
478 }بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضاً سخرياً ورحمة ربك خير مما يجمعون»
(الزخرف: 32)
5 - حق العلم:
للفرد قيمته واثره في المجتمع بصفته عضواً من اعضائه، ولبنة في كيانه، وعلى حسب كفاءته ومؤهلاته الفكرية والجسمية تقاس حياة المجتمع وحالته رقيّاً او تخلفاً، ازدهاراً او خمولاً، للتفاعل القوي بين الفرد والمجتمع.
من اجل ذلك دأبت الأمم المتحضرة على تربية ابنائها وتثقيفهم بالعلم، حتى فرضوا التعليم الاجباري ويسروه مجاناً في مراحله الأولى، دعماً لحضارتهم وتصعيداً لكفاءاتهم.
وقد كان المسلمون إبّان حضارتهم مثلاً رفيعاً وقدوة مثالية في اشاعة العلم لطلابه وتمجيد العلماء وتكريمهم، حتى استطاعت المعاهد الاسلامية أن تخرج أمّة من اقطاب العلم واعلامه.
كانوا قادة الفكر وبناة الحضارة الاسلامية، وروّاد الأمم الى العلم والعرفان، وعليهم تتلمذ الغرب ومنهم اقتبس علمه وحضارته.
قال «سديو» في كتابه تاريخ العرب:
- كان المسلمون في القرون الوسطى منفردين في العلم والفلسفة والفنون وقد نشروها اينما حلت اقدامهم، وتسربت عنهم الى اوربا، فكانوا هم سبباً لنهضتها وارتقائها.
{
479 }وقال جوستاف لويون في كتابه حضارة العرب:
- ثبت الآن أن تأثير العرب في الغرب عظيم كتأثيرهم في الشرق، وأن أوربا مدينة للعرب بحضارتها.
وكان من اقوى بواعث ازدهار العلوم الاسلامية واتساع آفاقها، أن حق التعليم - في المجتمع الاسلامي - كان مضموناً ومتاحاً لكل طالب مهما كان عنصره ومستواه شريفاً او وضيعاً، غنياً او فقيراً، عربياً او اعجمياً.
وان الشريعة الاسلامية كما فرضت على كل مسلم طلب العلم والتحلي به والانتفاع بثماره اليانعة، حتّمت على العالم ان ينشر علمه ويذيعه بين المسلمين ولا يكتمه عنهم.
قال الباقر عليه السلام: «عالم ينتفع بعلمه، افضل من سبعين الف عابد»(1).
فلم يعرف المسلمون تلك الإثرة العلمية التي اتصف بها رجال الدين الغربيون حتى قيام النهضة الحديثة، وبذلك اصبح المسلمون مشعلاً وهاجاً بالعلم والعرفان.
6 - حق الملكية:
لم يشهد التاريخ فتنة اثارت الجدل الحادّ والنزاع الضاري كفتنة المال والملكية في هذا العصر، فقد انقسم العالم فيها الى فريقين متناحرين: احدهما
_____________________
(1) الوافي ج 1 ص 40 عن الكافي.
{
480 }يبيح الملكية الفردية بغير حد او شرط، وهو الفريق الرأسمالي.
وثانيهما يستنكرها ويمنعها وهو الفريق الاشتراكي. وغدا العالم من جراء هذين المبدأين المتناقضين يعاني ضروب الازمات والمشاكل.
وقد حسم الاسلام هذه الفتنة، وعالجها علاجاً ناجحاً حكيماً، لا تجد البشرية افضل منه او بديلاً عنه لتحقيق سعادتها وسلامتها.
فهو: لا يمنع الملكية الفردية، ولا يبيحها من غير شرط.
لا يمنعها: لان الانسان مفطور على غريزة التملك، وحبّ النفع الذاتي، وهما نزعتان راسختان في النفس، لا يستطيع الانفكاك منهما والتخلي عنهما، وإن تجاهلتهما النظريات الخيالية التي لا تؤمن بغرائز الانسان وميوله الفطرية.
هي حق طبيعي يحقق كرامة الفرد، ويشعره بوجوده، ويحرره من عبودية السلطة التي تحتكر أرزاق الناس وتستعبدهم بها.
هي حق يفجر في الانسان طاقات المواهب والعبقريات، وينفخ فيه روح الامل والرجاء، ويحفزه على مضاعفة الجهود ووفرة الانتاج وتحسينه.
وفي الوقت الذي منح الاسلام حق الملكية فانه لم يمنحه على طرائق الجاهلية الرأسمالية التي تجيز اكتساب المال واستثماره بأيّ وجه كان، حلالاً أم حراماً. مما يوجب اجتماع المال واكتنازه في أيدٍ قليلة وحرمان أغلب الناس منه، ووقوعهم في أسر الأثرياء يتحكمون فيهم ويستغلون جهودهمكما يشاؤون.
إنّه أباح الملكية بأسلوب يضمن صالح الفرد، ويضمن صالح الجماعة
{
481 }ولا يضر بهذا ولا بأولئك، وذلك بما وضع لها من شروط:
1 - فهو لا يجيز اكتساب المال وتملكه الا بطرق مشروعة محللة، وحرم ما سوى ذلك كالربا والرشا والاحتكار، واكتناز المال الذي فرض اللّه فيه نصيباً للفقراء، او ابتزازه غصباً.
2 - شرع قانون الارث الموجب لتفتيت الثراء وتوزيعه على عدد من الورّاث في كل جيل.
3 - شرع الفرائض المالية لاعانة الفقراء وانعاشهم، كالزكاة والخمس والكفارات ورد المظالم.
وقد استطاع الاسلام بمبادئه الاقتصادية الحكيمة ان يشيع بين المسلمين روح التعاطف والتراحم، ويحقق العدل الاجتماعي فيهم، فلا تجد بينهم جائعاً ازاء متخم، ولا عارياً ازاء مكتس بالحرير.
7 - حق الرعاية الاسلامية:
كان من ابرز خصائص المجتمع الاسلامي ومزاياه، ذلك التجاوب العاطفي، والاحاسيس الأخوية المتبادلة بين افراده، ما جعلهم كالبنيان المرصوص يشدّ بعضه بعضاً، او كالجسد الواحد اذا اشتكى عضو تألمت له سائر الاعضاء.
فما كان للمسلم الحق ان يتغاضى عن الاهتمام بشؤون مجتمعه، ورعاية مصالحه العامة، والحرص على رقيه وازدهاره. كما قال النبي صلى اللّه عليه وآله:
{
482 }«من اصبح لا يهتم بأمور المسلمين فليس بمسلم» (1).
وقال صلى اللّه عليه وآله: «ما آمن بي من بات شبعان وجاره جائع، وما من اهل قرية فيهم جائع ينظر اللّه اليهم يوم القيامة» (2).
وما كان للمجتمع الاسلامي ان يتغاضى عن رعاية افراده البؤساء، وهم يعانون مرارة الفاقة ومضض الحرمان، دون ان يتحسس بمشاعرهم ويتطوع لاغاثتهم والتخفيف من ضُرهم.
وحسبك في شرف المؤمن وضرورة دعمه واسناده، دعوة اهل البيت عليهم السلام وحثهم على توقيره واكرامه ورعايته مادّياً ومعنوياً مالو طبقه المسلمون اليوم لكانوا اسعد الأمم، وارغدهم عيشاً واسماهم منعة وجاهاً.
واليك نماذج من وصاياهم في ذلك:
أ - اطعامه وسقيه: قال علي بن الحسين عليه السلام: «من اطعم مؤمناً من جوع أطعمه اللّه من ثمار الجنة، ومن سقى مؤمناً سقاه اللّه من الرحيق المختوم»(3).
وقال الصادق عليه السلام: «من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يدر احد من خلق اللّه ماله من الاجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل الا اللّه رب العالمين.
ثم قال: من موجبات المغفرة اطعام المسلم السغبان، ثم تلا قول اللّه
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 99 عن الكافي.
(2) الوافي ج 3 ص 96 عن الكافي.
(3) الوافي ج 3 ص 120 عن الكافي.
{
483 }تعالى: «أو اطعام في يوم ذي مسغبة، يتيماً ذا مقربة، او مسكيناً ذا متربة»(1).
وعن ابي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: من سقى مؤمناً شربة من ماء من حيث يقدر على الماء، اعطاه اللّه بكل شربة سبعين الف حسنة، وإن سقاه من حيث لا يقدر على الماء، فكأنما أعتق عشر رقاب من ولد اسماعيل»(2).
ب - اكساء المؤمن:
وقال الصادق عليه السلام: «من كسا اخاه كسوة شتاء او صيف كان حقاً على اللّه ان يكسوه من ثياب الجنة، وان يهون عليه من سكرات الموت وان يوسع عليه في قبره وان يلقى الملائكة اذا خرج من قبره بالبشرى، وهو قوله تعالى في كتابه «وتتلقاهم الملائكة هذا يومكم الذي كنتم توعدون» (3) (الانبياء: 103).
وقال عليه السلام: «من كسا أحداً من فقراء المسلمين ثوباً من عري، أو أعانة بشيء مما يقوته من معيشته وكّل اللّه تعالى به سبعة الآف ملك من الملائكة يستغفرون لكل ذنب عمله الى ان ينفخ في الصور..
وعن أبي جعفر عليه السلام قال: قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: من كسا أحداً.. الحديث مثله - الا ان فيه سبعين الف ملك (4).
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 120 عن الكافي.
(2)، (3)، (4) الوافي ج 3 ص 121 عن الكافي.
{
484 }ج - قضاء حاجة المؤمن:
عن المفضل عن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: قال لي: «يا مفضل اسمع ما اقول لك، واعلم انه الحق، وافعله واخبر به علية اخوانك، قلت: جعلت فداك وما علية اخواني؟
قال: الراغبون في قضاء حوائج اخوانهم، قال: ثم قال:
ومن قضى لاخيه المؤمن حاجة قضى اللّه تعالى له يوم القيامة مائة الف حاجة، من ذلك أولها الجنة، ومن ذلك ان يدخل قرابته ومعارفه واخوانه الجنة، بعد ان لا يكونوا نصاباً»(1).
وقال الصادق عليه السلام:
«ما قضى مسلم لمسلم حاجة الا ناداه اللّه تعالى: عليّ ثوابك، ولا ارضى لك بدون الجنة» (2).
وقال عليه السلام: «إن المؤمن منكم يوم القيامة ليمر به الرجل له المعرفة به في الدنيا وقد امر به الى النار، والملك ينطلق به، قال: فيقول له: يا فلان اغثني فقد كنت اصنع اليك المعروف في الدنيا، واسعفك في الحاجة تطلبها مني، فهل عندك اليوم مكافأة؟ فيقول المؤمن للملك الموكل به خل سبيله، قال: فيسمع اللّه قول المؤمن، فيأمر الملك ان يجبر قول المؤمن فيخلي سبيله» (3).
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 117 عن الكافي.
(2) الوافي ج 3 ص 118 عن الكافي.
(3) البحار. كتاب العشرة. ص 86 عن ثواب الاعمال للصدوق.
{
485 }د - مسرة المؤمن:
عن أبي عبد اللّه عليه السلام عن أبيه عن علي بن الحسين عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: إن احب الأعمال الى اللّه تعالى إدخال السرور على المؤمنين»(1).
وعن أبي عبد اللّه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: الخلق عيال اللّه، فأحب الخلق الى اللّه من نفع عيال اللّه، وأدخل على أهل بيت سروراً»(2).
وقال الصادق عليه السلام: «من أدخل على مؤمن سروراً خلق اللّه من ذلك السرور خلقاً فيلقاه عند موته فيقول له: ابشر يا ولي اللّه بكرامة من اللّه ورضوان، ثم لا يزال معه حتى يدخله قبره، فيقول له مثل ذلك فاذا بعث يلقاه فيقول له مثل ذلك، ثم لا يزال معه عند كل هول يبشره ويقول له مثل ذلك، فيقول له: من انت رحمك الله؟ فيقول له: انا السرور الذي ادخلته على فلان» (3).
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 117 عن الكافي.
(2) الوافي ج 3 ص 99 عن الكافي.
(3) الوافي ج 3 ص 117 عن الكافي.
{
486 }ه - زيارة المؤمن:
عن ابي عزة قال: سمعت ابا عبد اللّه عليه السلام يقول: «من زار أخاه في اللّه، في مرض أو صحة، لا يأتيه خداعاً ولا استبدالاً وكّل اللّه به سبعين الف ملك ينادونه في قفاه ان طبت وطابت لك الجنة، فأنتم زوار اللّه، وأنتم وفد الرحمن حتى يأتي منزله»(1).
وقال عليه السلام: «إن ضيفان اللّه عز وجل: رجل حج واعتمر فهو ضيف اللّه حتى يرجع الى منزله، ورجل كان في صلاته فهو كنف اللّه حتى ينصرف، ورجل زار أخاه المؤمن في اللّه عز وجل فهو زائر اللّه في ثوابه وخزائن رحمته».
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 107 عن الكافي.
الانسان مدني بالطبع، لا يستغني عن افراد نوعه، والانس بهم والتعاون معهم على انجاز مهام الحياة، وكسب وسائل العيش.
وحيث كان افراد البشر متفاوتين في طاقاتهم وكفاءاتهم الجسمية والفكرية فيهم القوي والضعيف والذكي والغبي، والصالح والفاسد، وذلك ما يثير فيهم نوازع الاثرة والانانية والتنافس البغيض على المنافع والمصالح، مما يسبب بلبلة المجتمع ، وهدر حقوقه وكرامته.
لذلك كان لابد للامم من سلطة راعية ضابطة، ترعى شؤونهم وتحمي حقوقهم، وتشيع الامن والعدل والرخاء فيهم.
ومن هنا نشأت الحكومات وتطورت عبر العصور من صورها البدائية الاولى حتى بلغت طورها الحضاري الراهن. وكان للحكام أثر بليغ في حياة الأمم والشعوب وحالاتها رقياً أو تخلفاً، سعادة أو شقاءً، تبعاً لكفاءة الحكام وخصائصهم الكريمة أو الذميمة.
فالحاكم المثالي المخلص لامته هو: الذي يسوسها بالرفق والعدل والمساواة، ويحرص على اسعادها ورفع قيمتها المادية والمعنوية.
والحاكم المستبد الجائر هو: الذي يستعبد الأمة ويسترقها لاهوائه ومآربه ويعمد على اذلالها وتخلفها. وقد اوضحت آثار أهل البيت عليهم السلام أهمية الحكام وآثارهم الحسنة أو السيئة في حياة الأمة، فأثنت على العادلين المخلصين منهم، ونددت بالجائرين وانذرتهم بسوء المغبة والمصير.
{
488 }فعن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: صنفان من امتي اذا صلحا صلحت امتي، وإذا فسدا فسدت. قيل يا رسول اللّه ومن هما؟ قال: الفقهاء والامراء»(1).
وعن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن النبي صلى اللّه عليه وآله «قال: تكلم النار يوم القيامة ثلاثة: أميراً وقارياً وذا ثروة من المال. فتقول للامير: يا من وهب اللّه له سلطاناً فلم يعدل، فتزدرده كما يزدرد الطير حب السمسم.
وتقول للقارئ: يامن تزين للناس وبارز اللّه بالمعاصي فتزدرده.
وتقول للغني: يامن وهب اللّه له دنيا كثيرة واسعة فيضاً، وسأله الحقير اليسير فرضاً فأبى الا بخلاً فتزدرده»(2).
ولم يكتف أهل البيت عليهم السلام بالاعراب عن سخطهم على الظلم والظالمين ووعيدهم حتي اعتبروا انصارهم والضالعين في ركابهم شركاء معهم في الاثم والعقاب.
فعن الصادق عن أبيه عليهما السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: اذا كان يوم القيامة نادى مناد. اين الظلمة واعوانهم، ومن لاق لهم دواة، أو ربط لهم كيساً، أو مد لهم مدة قلم؟ فاحشروهم معهم»(3).
والطغاة مهما تجبروا وعتوا على الناس، فانهم لا محالة مؤاخذون بما
_____________________
(1)، (2) البحار. كتاب العشرة. ص 209 عن الخصال.
(3) البحار. كتاب العشرة ص 218 عن ثواب الاعمال للصدوق.
{
489 }يستحقونه من عقاب عاجل أو آجل، فالمكر السيئ لا يحيق الا بأهله ولعنة التاريخ تلاحق الطواغيت وتمطرهم بوابل الذم واللعن وتنذرهم بسوء المغبّة والمصير، وفي التاريخ شواهد جمّة على ذلك.
منها ما حكاه الرواة عن ابن الزيات: إنه كان قد اتخذ في ايام وزارته تنوراً من حديد، واطراف مساميره محدودة الى داخل وهي قائمة مثل رؤوس المسال، وكان يعذّب فيه المصادرين وارباب الدواوين المطلوبين بالاموال، فكيف ما انقلب واحد منهم او تحرك من حرارة العقوبة تدخل المسامير في جسمه، فيجدون لذلك اشدّ الالم ولم يسبقه احد الى هذه المعاقبة.
فلما تولى المتوكل الخلافة اعتقل ابن الزيات، وامر بادخاله التنور وقيده بخمسة عشر رطلاً من الحديد، فأقام في التنوراربعين يوماً ثم مات(1).
ومنها: الحجاج بن يوسف الثقفي.
فانه تأمّر عشرين سنة، و أحصي من قتله صبراً سوى من قُتل في عساكره وحروبه فوجد - مائة الف وعشرين الفاً - وفي حبسه خمسون الف رجل، وثلاثون الف إمرأة، منهنّ ستة عشر الفاً مجردة، وكان يحبس النساء والرجال في موضع واحد، ولم يكن للحبس ستر يستر الناس من الشمس في الصيف، ولا من المطر والبرد في الشتاء.
ثم لاقى جزاء طغيانه واجرامه خزياً ولعناً وعذاباً، وكانت عاقبة امره انه ابتلي بالآكلة في جوفه، وسلط اللّه عز وجل عليه الزمهرير،
_____________________
(1) سفينة البحار ج 1 ص 574.
{
490 }فكانت الكوانين المتوقدة بالنار تجعل حوله، وتُدنى منه حتى تحرق جلده وهو لا يحسّ بها حتى هلك عليه لعائن اللّه.
حقوق الرعية على الحاكم:
والحاكم بصفته قائد الامة وحارسها الامين مسؤول عن رعايتها وصيانة حقوقها، وضمان امنها ورخائها، ودرء الاخطار والشرور عنها. واليك اهم تلك الحقوق:
أ - العدل: وهو أقدس واجبات الحكام، واجلّ فضائلهم، وأخلد مآثرهم، فهو اساس المُلك، وقوام حياة الرعية، ومصدر سعادتها وسلامها. وكثيراً ما يوجب تمرد الناس على اللّه تعالى، وتنكبهم عن طاعته ومنهاجه تسلط الطغاة عليهم واضطهادهم بألوان الظلامات كما شهدت بذلك احاديث اهل البيت عليهم السلام:
فعن الصادق عليه السلام عن آبائه عن علي بن ابي طالب عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: قال اللّه جل جلاله: أنا اللّه لا اله الا انا خلقت الملوك وقلوبهم بيدي، فأيما قوم اطاعوني جعلت قلوب الملوك عليهم رحمة، وأيما قوم عصوني جعلت قلوب الملوك عليهم سخطة، ألا لا تشغلوا انفسكم بسب الملوك، توبوا اليّ اعطف قلوبهم عليكم»(1).
_____________________
(1) البحار. كتاب العشرة ص 210 عن امالي الشيخ الصدوق.
{
491 }وقد بحثت في القسم الأول من هذا الكتاب موضوع العدل وفضائله وانواعه فراجعه هناك
ب - الصلاح: ينزع غالب الناس الى تقليد الحكام والعظماء تشبهاً بهم ومحاكاة لهم، ورغبة في جاههم ومكانتهم.
ولهذا وجب اتصاف الحاكم بالصلاح وحسن الخلق وجمال السيرة والسلوك ليكون قدوة صالحة ونموذجاً رفيعاً تستلهمه الرعية وتسير على هديه ومنهاجه.
وانحراف الحاكم وسوء اخلاقه وافعاله يدفع غالب الرعية الى الانحراف وزجها في متاهات الغواية والضلال، فيعجز الحاكم آنذاك عن ضبطها وتقويمها
ونفسك فاحفظها من الغي والردى*** فمتى تغواها تغوي الذي بك يقتدي
وفي التأريخ شواهد جمّة على تأثر الشعوب بحكامها، وانطباعها باخلاقهم وسجاياهم حميدة كانت أو ذميمة كما قيل: - الناس على دين ملوكهم.
ج - الرفق:
ويجدر بالحاكم ان يسوس الرعية بالرفق وحسن الرعاية، ويتفادى سياسة العنف والارهاب، فليس شيء اضرّ بسمعة الحاكم وزعزعة كيانه من الاستبداد والطغيان.
ولبس شيء اضرّ بالرعية، وادعى الى اذلالها وتخلفها من أن تساس بالقسوة والاضطهاد.
فعن ابي جعفر عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله إنّ الرفق لم يوضع على شيء الا زانه، ولا نزع من شيء الا شانه»(1).
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 86 عن الكافي.
{
492 }وقال الصادق عليه السلام: «من كان رفيقاً في امره نال ما يريد من الناس»(1).
وقال أمير المؤمنين عليه السلام في عهده الى مالك الاشتر: «وأشعر قلبك الرحمة للرعية، والمحبة لهم واللطف بهم، ولاتكوننّ سبعاً ضارياً تغتنم اكلهم، فإنهم صنفان: إما أخ لك في الدين، واما نظيرك في الخلق، يفرط منهم الزلل، وتعرض لهم العلل، ويؤتي على ايديهم في العمد والخطأ، فاعطهم من عفوك وصفحك مثل الذي تحب وترضى ان يعطيك اللّه من عفوه وصفحه، فإنك فوقهم، ووالي الأمر عليك فوقك، واللّه فوق من ولاك، وقد استكفاك امرهم وابتلاك بهم».
وبديهي أن الرفق لا يجمل وقعه ولا يحمد صنيعه الا مع النبلاء الأخيار، أما الاشرار العابثون بأمن المجتمع وحرماته فانهم لا يستحقون الرفق ولا يليق بهم، اذ لا تجديهم الا القسوة الزاجرة والصرامة الرادعة عن غيّهم واجرامهم.
اذا انت أكرمت الكريم ملكته*** وإن انت أكرمت اللئيم تمردا
ووضع الندى في موضع السيف بالعلا*** مضر كوضع السيف في موضع الندى
مظاهر الرفق:
وللرفق صور رائعة ومظاهر خلاّبة، تتجلى في أقوال الحاكم وأفعاله.
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 87 عن الكافي.
{
493 }أ - فعليه ان يكون عف اللسان، مهذب القول، مجانباً للبذاء.
ب - وان يكون عطوفاً على الرعية يتحسس بآلامها ومآسيها. فاذا داهمها خطر، وحاق بها بلاء سارع لنجدتها ومواساتها والتخفيف من بؤسها وعنائها.
ج - وان يتفادى ارهاق الرعية بالأتاوات الباهضة، والضرائب الفادحة الباعثة على شقائها وعنتها.
آثار الرفق:
للرفق خصائص وآثار طيبة تفيء على الحاكم والمحكوم بالخير والوئام. فهو مدعاة حب الرعية للراعي واخلاصها له وتفانيها في سبيله.
كما هو عاصم للرعية عن الملق والنفاق الناجمين من رهبة الحاكم المتجبر والخوف من بطشة وفتكه. وقد مدح اللّه رسوله الاعظم بالرفق والعطف فقال تعالى:
«فبما رحمة من اللّه لنت لهم، ولو كنت فظاً غليظ القلب لانفضوا من حولك» (آل عمران: 159).
د - اختبار الاعوان:
لا يستطيع الحاكم مهما أوتي من قدرة وكفاءة ان يستقل بسياسة الرعية، ويضطلع بمهام الحكم وادارة جهازه، فهو لا يستغني عن أعوان يؤازرونه على تحقيق أهدافه وانجاز أعماله.
{
494 }ولهؤلاء الأعوان اثر كبير وخطير في توجيه الحاكم وتكييف اخلاقه وآرائه حسبما تتصف به من خلال وميول رفيعة أو وضيعة.
لذلك كان على الحاكم ان يختار بطانته واعوانه من ذوي الكفاءة والنزاهة والصلاح، لتمحضه النصيحة، وتؤازره على اسعاد الرعية وتحقيق آمالها وامانيها، دونما نزوع الى إثرة او محاباة تضر بصالح الرعية وتجحف بحقوقها.
ه - محاسبة العمال والموظفين: كثيراً ما يزهو الموظف بمنصبه ونفوذه، ويستحوذ عليه الغرور فيتحدى الناس، ويتعالى عليهم، ويمتهن كرامتهم ويهمل اعمالهم ولا ينجزها الا بدافع من الطمع او المحاباة، الخوف او الرجاء مما يعرقل مهماتهم ويستثير سخطهم وحنقهم على جهاز الحكم. لهذا يجب على الحاكم مراقبة الموظفين ومحاسبتهم على اعمالهم ومكافأة المحسن منهم على احسانه، ومعاقبة المسيء على اساءته، ليؤدي كل فرد منهم واجبة نحو المجتمع، وليستشعر الناس مفاهيم العزة والكرامة والرخاء.
وبذلك تتسق شؤون الرعية، ويسودها العدل، وتنجو من مآسي الملق والتزلف الى الموظفين بالرشا والوان الشفاعات.
و - إسعاد الرعية:
والحاكم بوصفه قائد الأمة وراعيها الامين، فهو مسؤول عن رعايتها والعناية بها، والحرص على اسعادها ورقيّها مادياً وادبياً. وذلك: بتفقد شؤون الرعية، ورعاية مصالحها وضمان حقوقها واشاعة الامن والعدل والرخاء فيها، وتصعيد مستوياتها العلمية والصحية والاجتماعية والاخلاقية
{
495 }والعمرانية: بنشر العلم وتحسين طرق الوقاية والعلاج وتهذيب الاخلاق والاهتمام بالتنمية الصناعية والزراعية والتجارية، بالاساليب العلمية الحديثة واستغلال الموارد الطبيعية، وتشجيع المواهب والطاقات على الابداع في تلك المجالات على افضل وجه ممكن.
وبذلك تتوطد دعائم الملك، وتعلو امجاد الأمم، وتتوثق اواصر الودّ والاخلاص بين الحاكم والمحكوم، ويتبوأ الحاكم عرش القلوب. ويحظى بخلود الذكر وطيب الثناء.
وقد عرضت في حقوق المجتمع الاسلامي طرفاً من حقوق افراده تندرج في حقوق الرعية على الحاكم، باعتباره المسؤول الأول عن رعايتها وصيانة حقوقها، وضمان امنها ورخائها.
الحاكم العادل هو: قطب رحى الامة، ورائد نهضتها، وباني أمجادها، وحارسها الامين. وهو عنصر فعّال من عناصر المجتمع، وجزء أصيل لا يتجزأ عنه، لهذا وجب ان يكون التجاوب في العواطف والمشاعر قوياً بين الحاكم والمحكوم، والراعي والرعية، ليستطيع الاول اداء رسالته الاصلاحية لامته، وتحقيق أهدافها وأمانيها، ولتنال الامة في ظلال حكمه مفاهيم الطمأنينة والحرية والرخاء.
لذلك كان للحاكم حقوق على الرعية أزاء حقوقها عليه، وكان على
{
496 }كل منهما رعاية حقوق الآخر، والقيام بواجبه نحوه.
وهذا ما اوضحه أمير المؤمنين عليه السلام حيث قال:
«فليست تصلح الرعية الا بصلاح الولاة، ولا تصلح الولاة الا باستقامة الرعية، فاذا أدت الرعية الى الوالي حقه، وادى الوالي اليها حقها، عزّ الحق بينهم، وقامت مناهج الدين واعتدلت معالم العدل، وجرت على اذلالها السنن، فصلح بذلك الزمان، وطمع في بقاء الدولة، ويئست مطامع الأعداء.
واذا غلبت الرعية واليها، واجحف الوالي برعيته، اختلفت هناك الكلمة، وظهرت معالم الجور، وكثر الادغال في الدين، وتركت محاج السنن، فعمل بالهوى وعطلت الأحكام، وكثرت علل النفوس، فلا يستوحش لعظيم حق عطل، ولا لعظيم باطل فعل، فهناك تذل الأبرار، وتعز الاشرار، وتعظم تبعات اللّه عند العباد»(1).
واليك مجملاً من حقوق الحاكم:
1 - الطاعة: للحاكم حق الطاعة على رعيته فيما يرضي اللّه عز وجل، حيث للاطاعة لمخلوق في معصية الخالق.
والطاعة هي: المشجع الأول للحاكم على اخلاصة للرعية، وتحسسه بمشاعرها وآلامها، ودأبه على اسعادها وتحقيق آمالها وامانيها.
اما التمرد والعصيان والخذلان فهي خلال مقيتة تستفز الحاكم وتستثير نقمته على الرعية، وبطشه بها، وتقاعسه على اصلاحها ورقيها، ومن
_____________________
(1) نهج البلاغة. من كلام له عليه السلام في حق الحاكم على المحكوم.
{
497 }ثم احباط جهوده الهادفة البناءة في سبيلها.
انظر كيف يوصي الامام موسى بن جعفر عليه السلام شيعته بطاعة الحاكم: «يا معشر الشيعة لا تذلوا رقابكم بترك طاعة سلطانكم، فان كان عادلاً فاسألوا اللّه إبقاءه، وان كان جائراً فاسألوا اللّه اصلاحه، فان صلاحكم في صلاح سلطانكم، وإن السلطان العادل بمنزلة الوالد الرحيم، فأحبّوا له ما تحبون لانفسكم، واكرهوا له ما تكرهون لانفسكم»(1).
2 - المؤازرة: والحاكم مهما سمت كفاءته ومواهبه، فانه قاصر عن الاضطلاع بأعباء الملك، والقيام بواجبات الرعية وتحقيق منافعها العامة، ومصالحها المشتركة الا بمؤازرة اكفائها، ودعمهم له، ومعاضدتهم إيّاه بصنوف الجهود والمواهب المادية والمعنوية، الجسمية والفكرية. وبمقدار تجاوبهما وتضامنهما يستتب الأمن، ويعم الرخاء ويسعد الراعي والرعية.
3 - النصيحة: كثيراً ما يستبد الغرور بالحاكم، وتستحوذ عليه نشوة الحكم وسكرة السلطان، فينزع الى التجبر والطغيان، واستعباد الرعية، وخنق حريتها، وامتهان كرامتها، واستباحة حرماتها، وسومها سوء المذلة والهوان.
وهذا ما يحتم على الغيارى من قادة الرأي، واعلام الأمة ان يبادروا الى نصحه وتقويمه، والحدّ من طغيانه، فإن أجدى ذلك، والا فقد اعذر المصلحون وقاموا بواجب الاصلاح.
وقد جاء في الحديث عن الصادق عن آبائه عليهم السلام عن النبي
_____________________
(1) البحار. كتاب العشرة ص 218 عن امالي الشيخ الصدوق.
{
498 }صلى اللّه عليه وآله قال:
«السلطان ظل اللّه في الأرض، يأوي اليه كل مظلوم، فمن عدل كان له الاجر، وعلى الرعية الشكر، ومن جار كان عليه الوزر وعلى الرعية الصبر حتى يأتيهم الأمر»(1).
اما في العصر الحاضر وقد تطورت فيه اساليب الحياة، ووسائل الاصلاح، فلم يعد الحكام يستسيغون العظة والنصح ولا تجديهم نفعاً.
من اجل ذلك فقد استجازت الحكومات المتحضرة نقد حكامها المنحرفين عن طريق البرلمانات والصحف والمذكرات التي تندد بإثرتهم وانانيتهم، وتنذرهم عليها بلعنة الشعب، وثورته الماحقة على الطغاة والمستبدين.
_____________________
(1) البحار. كتاب العشرة. ص 214 عن امالي الشيخ ابن علي ابن الشيخ الطوسي.
{
499 }حاجات الجسم والنفس:
يتألف الانسان من عنصرين: عنصر الجسد، وعنصر الروح، وهما مترابطان ترابطاً وثيقاً، ومتفاعلان تفاعلاً قوياً، لا ينفك أحدهما عن الثاني الا بتصرم العمر، ونهاية الحياة. وسعادة الانسان وهناؤه الجسمي والفكري منوط بصحة هذين العنصرين وسلامتهما معاً. لهذا كان على ناشد السعادة ومبتغيها ان يعني بهما عناية فائقة تضمن صحتهما وازدهارهما، وصيانتهما من المضار.
ولكل من الجسم والروح اشواقه وحاجاته:
فحاجات الجسم هي: المآرب المادية الموجبة لنموه وصحته وحيويته، كالغذاء والشراب والكساء ونحوها من ضرورات الحياة.
وحاجات الروح هي: الاشواق الروحية والنفسية التي تتعشقها الروح، وتهفو اليها، كالمعرفة، والحرية، والعدل، وراحة الضمير ورخاء البال وما الى ذلك من المثل العليا والاماني الروحية. ولا مناص من تلبية هذه المآرب والرغائب الجسمية والروحية لتحقيق صحة الجسم والروح، وضمان هنائهما المرجو.
فحرمان الجسم من اشواقه يفضي به الى الضعف والسقم والانحلال
{
500 }وحرمان الروح والنفس من امانيها، يقودها الى الحيرة والقلق والشقاء.
والسعادة الحقة منوطة بصحة الجسم والنفس وازدهارهما معاً ورعاية حقوقهما المادية والروحية.
حقوق الجسد:
وتتلخص هذه الحقوق في رعاية القوانين الصحية، واتباع الآداب الاسلامية الكفيلة بصحة الجسم وحيويته ونشاطه. كالاعتدال في الطعام والشراب وتجنب الكحول والعادات الضارة، كالخمر والحشيش والافيون والتوقي من الشهوات الجنسية الآثمة، واعتياد النظافة، وممارسة الرياضة البدنية، ومعالجة الامراض الصحية ونحو ذلك من مقومات الصحة وشرائطها مما هو معروف لغالب الناس لتوفر التوعية الصحية، والنصائح الطبية في حقول الإعلام الصحفي والاذاعي. فلا أجد حاجة الى تفصيله والاطناب فيه.
حقوق النفس:
بيد ان صحة النفس ووسائل وقايتها وعلاجها، وعوامل رقيّها وتكاملها، ورعاية حقوقها وواجباتها، يجهلها أو يتجاهلها الكثيرون لقلة احتفائهم بالقيم الروحية والمفاهيم النفسية، وجهلهم بعلل النفس وانحرافاتها. وما تعكسه من آثار سيئة على حياة الناس.
{
501 }فالامراض الجسمية تبرز سماتها واعراضها على الجسم في صور من الشحوب والهزال والانهيار.
أما العلل النفسية والروحية فإن مضاعفاتها لا يتبينها الا العارفون من الناس، حيث تبدو في صور مقيتة من جموح النفس، وتمردها على الحق، ونزوعها الى الآثام والمنكرات، وهيامها بحب المادة وتقديسها وعبادتها، ونبذها للقيم الروحية ومثلها العليا. مما يوجب مسخها وهبوطها الى درك الحيوان.
من اجل ذلك كانت العلل الروحية والنفسية اصعب علاجاً، وأشدّ عناءً من العلل الجسمية، لعسر علاج الأولى، ويسر الثانية في الغالب.
وكانت عناية الحكماء والأولياء بتهذيب النفس، وتربية الوجدان اضعاف عنايتهم بالجسد.
وهذا ما يحتم على كل واع مستنير أن يعني بتركيز نفسه، وتصعيد كفاءتها، وتهذيب ملكاتها، ووقايتها من الشذوذ والانحراف، وذلك برعاية حقوقها، وحسن سياستها وتوجيهها.
واليك طرفاً من طلائع حقوق النفس:
1 - تثقيف النفس:
وذلك: بتنويرها بالمعرفة الالهية والعقيدة الحقة، وتزويدها بالمعارف النافعة التي تنير للانسان سبل الهداية وتوجهه وجهة الخير والسداد. وهذه هي
{
502 }اسمى غايات النفس واشواقها.
فهي تصبو الى العقيدة، وتهفو الى الايمان باللّه عز وجل، وتتعشق العلم، وتهفو الى استجلاء الحقائق، واستكشاف اسرار الكون والغاز الحياة. تتطلع الى ذلك تطلّع الظمآن الى الماء، وتلتمس الذي لنفسها كما يلتمسه هو سواء بسواء. فإن ظفرت بذلك احست بالطمأنينة والارتياح، وإن فقدته شعرت بالقلق والسأم.
2 - اصلاح السريرة:
للانسان صورتان: صورة ظاهرية تتمثل في اطار جسده المادي، وصورة باطنية تتمثل فيها خصائصه النفسية، وسجاياه الخلقية.
وكما تكون الصورة الظاهرية هدفاً للمدح أو الذم، ومدعاة للحب او الكره نظراً لصفاتها الجميلة او القبيحة. كذلك الصورة الباطنية يعروها المدح والذم، وتبعث على الاعجاب او الاستنكار، تبعاً لما تتسم به من طيبة او خبث، من تلألؤ او ظلام.
وكما يهتم العقلاء بتجميل صورهم المادية، واظهارها بالمظهر اللائق الجذّاب. كذلك يجدوا الاهتمام بتجميل صورهم الباطنية، وتزيينها بالطيبة وصفاء السريرة وجمال الخلق. لتغدو وضاءة مشعة بألوان الخير والجمال. وذلك بتطهيرها من اوضار الرياء والنفاق، والحسد والمكر ونحوها من السجايا الهابطة المقتية.
{
503 }من أجل ذلك حرّض أهل البيت عليهم السلام على تهذيب النفس واصلاح السريرة، وحسن الطوية لتكون ينبوعاً ثراً فياضاً بشرف الفضائل وحسن الأخلاق.
فعن الصادق عن آبائه عليهم السلام قال: «قال امير المؤمنين عليه السلام: كانت الفقهاء والحكماء اذا كاتب بعضهم بعضاً، كتبوا بثلاث ليس معهن رابعة:
من كانت الآخرة همّه كفاه اللّه همه من الدنيا، ومن أصلح سريرته اصلح اللّه علانيته، ومن اصلح فيما بينه وبين اللّه عز وجل اصلح اللّه له فيما بينه وين الناس«(1).
وقال الصادق عليه السلام: «ما من عبد يسر خيراً الا لم تذهب الايام حتى يظهر اللّه له خيراً، وما من عبد يسرّ شراً، الا لم تذهب الأيام حتى يظهر اللّه له شراً»(2).
وعنه عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله سيأتي على الناس زمان، تخبث فيه سرائرهم، وتحسن فيه علانيتهم، طمعاً في الدنيا، لا يريدون به ما عند ربهم، يكون دينهم رياءً، لا يخالطهم خوف، يعمهم اللّه بعقاب، فيدعونه دعاء الغريق، فلا يستجيب لهم»(3).
_____________________
(1) البحار م 14 ج 2 ص 204 عن الخصال والامالي وثواب الاعمال للصدوق (ره).
(2) الوافي ج 3 ص 147 عن الكافي.
(3) الوافي ج 3 ص 148 عن الكافي.
{
504 }ضبط النفس:
تنزع النفس بغزائرها وشهواتها الى الشذوذ والانحراف، وتخدع اربابها بسحرها الفاتن واهوائها المضلة، حتى تجمح بهم في متاهات الغواية والضلال «إن النفس لأمارة بالسوء الا ما رحم ربي» (يوسف: 53).
وهذا ما يحفز كل واعٍ مستنير، ان يُعني بضبط نفسه، والسيطرة عليها وتحصينها ضد المعاصي والآثام، وترويضها على طاعة اللّه تعالى، واتباع شرعته ومنهاجه.
وقد حثّ القرآن الكريم علي ضبط النفس، والحدّ من جماحها وتوجيهها شطر الخير والصلاح.
قال تعالى: «ونفس وما سوّاها، فألهمها فجورها وتقواها، قد أفلح من زكّاها، وقد خاب من دسّاها» (الشمس: 7 - 10).
وقال تعالى: «وأما من خاف مقام ربه، ونهى النفس عن الهوى، فان الجنة هي المأوى» (النازعات: 41). «فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا، فان الجحيم هي المأوى» (النازعات: 37).
وهكذا حرض اهل البيت عليهم السلام على ضبط النفس، وقمع نزواتها، معتبرين ذلك أفضل صور الجهاد.
فعن موسى بن جعفر عن آبائه عليهم السلام قال: «قال امير المؤمنين عليه السلام: إن رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله بعث سرية، فلما رجعوا
{
505 }قال: مرحباً بقوم قضوا الجهاد الاصغر وبقي عليهم الجهاد الاكبر. قيل: يا رسول اللّه وما الجهاد الاكبر؟
قال صلى اللّه عليه وآله: جهاد النفس. ثم قال: افضل الجهاد من جاهد نفسه التي بين جنبيه»(1).
وعن عبد اللّه بن الحسن، عن امه فاطمة بنت الحسين بن علي عليه السلام عن أبيها عليه السلام قال: «قال رسول اللّه صلى اللّه عليه وآله: ثلاث خصال، من كُن فيه، استكمل خصال الايمان: الذي اذا رضي لم يدخله رضاه في إثم ولا باطل، واذا غضب لم يخرجه الغضب من الحق، واذا قدر لم يتعاط ما ليس له«(2).
4 - محاسبة النفس:
والمراد منها هو: محاسبة النفس في كل يوم عما عملته من الطاعات والمعاصي، والموازنة بينهما، فإن رجحت كفة الطاعات، شكر المحاسب اللّه على توفيقه لها، وفوزه بشرف طاعته ورضاه.
وإن رجحت كفة المعاصي أدّب المحاسب نفسه بالتقريع والتأنيب على اغفال الطاعة، والنزوع للآثام.
قال الامام موسى بن جعفر عليه السلام: «ليس منا من لم يحاسب
_____________________
(1) سفينة البحار ج 1 ص 197 عن معاني الاخبار للصدوق.
(2) سفينة البحار ج 2 ص 550 عن الخصال للصدوق.
{
506 }نفسه في كل يوم، فإن عمل حسنة استزاد اللّه تعالى، وإن عمل سيئة استغفر اللّه تعالى منها وتاب اليه»(1).
وقد بحثت هذا الموضوع في القسم الاول من هذا الكتاب فراجعه هناك.
هذه لمحات خاطفة من حقوق النفس، تفاديت الاطناب فيها خشية السأم والملل.
وقد وقع الفراغ من هذه الابحاث على يد مؤلفها مهدي ابن المغفور له العلامة الحجة السيد علي الصدر ابن آية اللّه العظمى السيد حسن الصدر- اعلى اللّه مقامهما - في ليلة الاربعاء 17 شوال سنة 1390 هجريه والحمد للّه اولاً وآخراً.
_____________________
(1) الوافي ج 3 ص 62 عن الكافي.