إنّ كلمة (فظ) و(غليظ القلب) يأتيان بمعنى واحد ويراد بذلك التأكيد، ويمكن أن يكون لهما معنى مختلف عن الآخر، ويقول (الطبرسي) في مجمع البيان في كلمة جامعة: «وقيل إنّما جمع بين الفظاظة والغلظة وإن كانا متقاربين لأنّ الفظاظة في الكلام فنفي الجفاء عن لسانه والقسوة عن قلبه» وعليه فكلا الكلمتين تردان بمعنى الخشونة والجفاء، وأحدهما في الكلام، والاُخرى في السلوك والفعل.
وعلى أي حال فانّ الله تعالى قد وهب نبيّه الكريم حالة اللّيونة والانعطاف والبشاشة وحسن التعامل مع الآخرين بحيث أنّه كان يسلك هذا السلوك مع أعتى الناس وأخشنهم وأقساهم قلباً، وبهذه الطريقة جذب هؤلاء القساة إلى الإسلام فاعتنقوا الإسلام من موقع الرغبة والشوق والإنجذاب لهذا الخلق الرفيع.
وبتبع ذلك توجّه الآية سلسلة إرشادات وأوامر عملية تخرج حالة (حسن الخلق) والبشاشة من صورتها الظاهرة وتلبسها ثياباً عملية على مستوى الممارسة والتطبيق وتقول: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
وعلى هذا الأساس استقطب رسول الله(صلى الله عليه وآله) أبعد الناس عن الله تعالى والدين والأخلاق وجذبهم إليه وأصبح قدوتهم وأسوتهم في حسن الأخلاق.
إنّ سياق هذه الآيات يشير إلى أنّ هذه الآية متعلقة بالآيات النازلة في معركة أحد حيث كان النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)والمسلمين يعيشون أشدّ الظروف وأقسى الحالات النفسية طيلة هذه الحرب، وبديهي إنّ عملية العفو والاستغفار والانفتاح على الآخرين من موقع المحبّة واللطف جعلت النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في أسمى مراتب حسن الخلق وحسن التعامل الكريم مع الغير، وقلّما نجد إنساناً يتمكّن في مثل تلك الظروف الصعبة والتحديّات الشرسة أن يحافظ على حسن أخلاقه ولا ينفعل أمام تحديّات الواقع الصعب.
—–
وتأتي «الآية الثانية» لتشير إلى حسن الخلق العجيب للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) حيث تعبّر عنه بالخلق العظيم وتقول: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم).
(خُلُق) على وزن اُفق، مفرد وهو مع كلمة خُلْق (على وزن كُفر) بمعنى واحد، ويستفاد من مفردات الراغب أنّ خَلْق (على وزن حلق) تشترك في جذر واحد معها غاية الأمر أنّ (خَلْق) تطلق على الصفات الظاهرية، و(خُلْق) تطلق على الصفات الباطنية.
ويرى بعض أرباب اللغة أنّ كلمة (خُلْق) و(خُلُق) تردان بمعنى الدين والطبع والسجية حيث يقصد بها الصورة الباطنية للإنسان(1).
وعلى أيّة حال فانّ وصف النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) بأنّه ذو خلق عظيم يدلّ على أنّ هذه الصفة الأخلاقية من أعظم صفات الأنبياء، ويرى بعض المفسّرين أن الخلق العظيم للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) يتمثّل في صبره وتحمّله في طريق الحق وسعة بذله وكرمه، وتدبير اُمور الرسالة والدعوة، والرفق والمداراة للناس وتحمّل الصعوبات الكبيرة في مواجهة تحدّيات الواقع الصعب في طريق الدعوة إلى الله والجهاد في سبيله وترك الحرص والحسد والتعامل مع
الأعداء والأصدقاء من موقع العفو واللطف والمحبّة(1) وكل هذه الاُمور تشير إلى أنّ الخلق العظيم لا ينحصر بالبشاشة والانعطاف في مواجهة الآخر، بل هو مجموعة من الصفات الإنسانية السامية والقيم الأخلاقية الرفيعة، وبعبارة اُخرى: يمكن القول بأنّ جميع الأخلاق الحسنة الرفيعة جُمعت في عبارة (خلق عظيم).
وممّا يؤيد هذا المعنى ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إنّ اللهَ عَزَّوَجَلَّ أَدّبَ نَبِيَّهُ فَأَحسَنَ أَدَبَهُ فَلَمّا أَكمَلَ لَهُ الأَدَبَ قَـالَ إِنَّكَ لَعلى خُلُق عَظِيم»(2).
وعندما نقرأ في بعض الروايات أنّ الخلق العظيم يراد به الإسلام أو الآداب القرآنية إنّما هو لأنّ الإسلام والقرآن يحويان جميع الفضائل الأخلاقية، في حين أنّ بعض الروايات الواردة في تفسير هذه الآية فسّرت (حسن الخلق) بالبشاشة والمداراة ومن ذلك الحديث الذي أورده (نور الثقلين) في ذيل هذه الآية عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث سئل عن حسن الخلق في هذه الآية فقال: «تَلِينُ جـانِبَكَ وَتُطَيِّبُ كَلامَكَ وَتلِقى أَخـاكَ ببُشرِ حسن»(3).
ولكن الظاهر عدم التنافي بين هذين المعنيين.
وآخر ما يقال في هذا المورد والجدير بالتأمل في هذه الآية هو أنّ بعض المفسّرين إستفادوا من كلمة (على) في قوله (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم) والتي تفيد مفهوم التسلّط والقدرة أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) له تسلط كامل على الفضائل الأخلاقية وكأنّ الأخلاق والقيم الإنسانية جزء من كيانه الشريف حيث يتحرّك من هذا الموقع بدون تكلّف وتصنّع.
—–
وتستعرض «الآية الثالثة» وصايا ونصائح (لقمان الحكيم) لولده حيث يذكر له أربعة اُمور مؤكّداً عليها:
الأول: قول: (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ).
ثم أضاف (وَلاَ تَمْشِ فِي الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور)
وفي الثالث والرابع من هذه النصائح القيمة يوصي لقمان ابنه بالاعتدال في المشي وعدم رفع الصوت ويقول: (وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَْصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ).
وهذه الاُمور الأخلاقية تمثّل جزءاً مهمّاً من (حسن الخلق) في التعامل مع الآخرين وطريقة السلوك الاجتماعي بين الناس والمقترنة بالبشاشة والتواضع والإتّزان في الكلام والسلوك، ونستوحي من ذلك أنّ الله تعالى قد إهّتم بكلمات لقمان الحكيم هذه بحيث ضمّنها في كتابه الكريم.
(تصعر) من مادة (صَعَرَ) على وزن خطر، وهي في الأصل نوع من الأمراض التي تصيب الابل فتلوي أعناقها، ثم اُطلقت على أي نوع من ميل العنق، وهذا التعبير يمكن أن يكون إشارة إلى هذا المعنى وهو أنّ سوء الخلق نوع من المرض الذي يشبه في سلوكه سلوك الحيوان، والملفت للنظر أنّ هذا النهي عن هذا العمل لا يقتصر على المؤمنين بل يستوعب جميع أفراد البشر ويقول: (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ). وعلى أيّة حال فإنّ جعل هذه الصفة الرذيلة إلى جانب التكبّر والافراط في المشي والصوت يبيّن أنّ جميع الصفات الرذيلة تؤدّي بشكل من الأشكال إلى نفور الناس وامتعاضهم.
وفي الرواية الواردة عن الإمام الصادق(عليه السلام) في تفسير عبارة (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ)قال: «أَي لا تَذُل للنَّاسِ طَمعاً فِيمـا عِندَهُم وَلا تَمشِي فِي الأَرضِ مِرَحاً أي فَرحاً»(1).
—–
«الآية الرابعة» من هذه الآيات محل البحث نقرأ خطاباً إلهياً لبني اسرائيل على أساس من العهد الإلهي للمخاطبين بعد التأكيد على التوحيد الخالص والاحسان للوالدين والأقربين واليتامى والمساكين، يقول تعالى:(وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ).
فهذا الخطاب يبيّن التوحيد من جهة وإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة من جهة اُخرى يبيّن
أهميّة حسن المعاملة ومداراة الناس والتعامل بالأخلاق الحسنة، وبهذا يكون حسن الخلق في عملية التفاعل الاجتماعي وعلى مستوى الروابط الأخلاقية الحسنة للآخرين في عداد أهم التشريعات الإسلامية والمقرّرات الدينية.
وفي الواقع بما أنّ مال الإنسان محدود ولا يمكن أن يصل باحسانه المادي إلى المحتاجين كافة من الأقرباء والأصدقاء وسائر الفقراء فقد ورد جبران ذلك بالبشاشة وحسن الخلق مع الناس حيث يمثّل كنزاً لا يفنى كما ورد في الحديث المعروف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إِنّكُم لا تَسَعُونَ النّاسَ بِأَموالِكُم وَلَكن يَسَعُهُم مِنكُم بَسطَ الَوجهِ وَحُسنِ الخُلقِ»(1).
وفي حديث آخر عن الإمام الباقر في تفسير هذه الآية أنّه قال: «قُولُوا للنّاسِ أَحسَنَِ مـا تُحِبُّونَ أَن يُقـالُ لَكُم»(2).
وصحيح أنّ المخاطبين بهذه الآية هم بنو اسرائيل، ولكنّ خصوصية المورد لا تخصّص الآية بهؤلاء المخاطبين حيث إنّ هدف القرآن الكريم هو بيان أصل كلّي لجميع أفراد
البشر.
—–
«الآية الخامسة» تتحرّك من خلال بيان مسألة البشاشة والتعامل مع الآخرين حتّى لو كانوا أعداءاً ولا سيّما في مقام دعوتهم إلى الحق والطريق القويم، ومن ذلك نجد أنّ الأمر الإلهي لموسى(عليه السلام) بايصال الرسالة الإلهية إلى فرعون الطاغية الذي إستعبد بني اسرائيل وأنّ الآية تتحدّث عن خطاب الله تعالى لموسى وهارون(عليهما السلام): (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى).
هذا التعبير يبيّن أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والدعوة إلى الحق لابدّ أن تكون مقرونة باللّيونة واللطف والتعامل من موقع المحبّة والرحمة لا سيما مع الاشخاص
المنحرفين بأمل أن يؤثر هذا السلوك الأخلاقي والإنساني في قلوبهم.
وهنا يثار هذا السؤال، وهو ما الفرق بين قوله: (يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)؟
ويمكن القول بأنّ المقصود من ذلك أنّكما إذا حدثتماه بكلام ليّن وفي نفس الوقت ذكرتم له بصراحة ووضوح مضمون الدعوة الإلهيّة وبدلائل منطقيّة فلعله يقبل ويؤمن بها من أعماق قلبه، ولو لم يؤمن فلا أقل فانه سيخاف من العقوبة الإلهية بسبب العناد والاصرار على الكفر والابتعاد عن طريق الحق:
ويقول (الفخر الرازي): «نحن لا نعلم لماذا أرسل الله تعالى موسى إلى فرعون مع أنّه يعلم أنّه لا يؤمن أبداً؟ ثم يقول: في مثل هذه الموارد ليس لنا سوى التسليم في مقابل الآيات القرآنية ولا سبيل إلى الاعتراض»(1).
ولكن جواب هذا السؤال واضح ولا ينبغي أن يخفى على من مثل الفخر الرازي، لأنّ الله تعالى يهدف إلى إتمام الحجة، أي حتّى بالنسبة إلى الأشخاص الذين لا يؤمنون قطعاً فإنّ الله تعالى يتمّ الحجّة عليهم كي لا يقفوا في الآخرة موقف الاعتراض على العقاب الاُخروي وأنّهم لم يصل إليهم النداء الإلهي ولم يجدوا رسولاً أو نبيّاً يخبرهم بالخبر كما ورد هذا المضمون في الآية 165 من سورة النساء حيث يقول تعالى: (رُسُلاً مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ لِئلاّ يَكُونَ للنّاسِ عَلى اللهِ حُجَّةٌ بَعدَ الرُّسُلِ).
وأمّا قوله لعله (يتذّكر أو يخشى) فهو بمعنى أنّ طبيعة التبليغ لابدّ وأن تكون مقرونة باللين والمداراة ليصل الإنسان إلى النتيجة المتوخّاة، رغم أنّه قد يواجه النبي الإلهي موانع صعبة تنبع من ذات الأفراد، وبعبارة اُخرى أنّ التبليغ المقرون باللّين والمحبّة هو مقتضي للقبول لا علّة تامّة.
وبديهي أنّه بالرغم من أنّ المخاطب في هذه الآية هو موسى وهارون فحسب ولكن مفهوم الآية شامل لجميع المبلّغين لرسالات الله والآمرين بالمعروف والناهين عن المنكر، وهكذا يتّضح أنّ الإنسان قد يتحرّك من موقع هداية الناس باللّين والعطف والمداراة ويحقّق
نجاحاً أكبر بكثير ممّا لو استخدم طرق اُخرى مقرونة بالخشونة والجفاء الروحي لتحقيق هذا الهدف، وهذا المعنى مجرّب على مستوى الممارسة بكثرة.
—–
«الآية السادسة» والأخيرة من الآيات محل البحث تقرّر أنّ المداراة واللّين محبّذة حتى مع الأعداء الشرسين وتؤثر في أعماق نفوسهم تأثيراً بالغاً وتقول الآية: (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ).
وبالطبع فإنّ دفع السيئات بالحسنات له طرق ومصاديق مختلفة، أحدها أن يتعامل الشخص من موقع المداراة والأدب والبشاشة مع عدوّه المعاند والحقود إلى درجة بحيث يمكن أن ينقلب هذا الإنسان الحقود إلى صديق محبّ ويتحوّل بصورة تامّة من حالة العداوة والبغضاء إلى حالة الصداقة والمحبّة.
والملفت للنظر أنّ الآية التي تليها تؤكد على أنّ هذه المرتبة هي من شأن الصابرين والذين يتمتّعون بحظ وافر من الإيمان والتقوى والتوفيق وتقول: (وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم).
وطبعاً فالوصول إلى هذه المرتبة من حسن الخلق بحيث يواجه الإنسان السيئات بعكسها من الحسنات ليست من شأن كلّ إنسان لأنها تحتاج إلى تسلط كامل على قوى النفس ولا يستطيع ذلك إلاّ من اُوتي حظاً عظيماً من سعة الصدر وتخلّص من عقدة الانتقام.
ومن مجموع الآيات محل البحث نستوحي هذا المفهوم القرآني في دائرة الأخلاق الإسلامية وهو أنّ القرآن الكريم دعى الناس إلى حسن الخلق والتعامل فيما بينهم من موقع المحبّة والمداراة، وفي ذلك كان رسول الله(صلى الله عليه وآله)اُسوة ونموذجاً كاملاً في هذا السلوك الإنساني بحيث يمكن القول بأنّ أحد معجزات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) هي سلوكه الأخلاقي العظيم.
هناك روايات كثيرة مذكورة في المصادر الإسلامية حول حسن الخلق مع الناس وكيفية التعامل معهم في حركة التفاعل الاجتماعي، والتعبيرات الواردة في هذه الروايات عن هذه الفضيلة الأخلاقية إلى درجة من الكثرة والتأكيد أننا قلّما نجد نظيراً لها في النصوص الإسلامية، وهذا يبيّن مدى إهتمام الإسلام في هذه الخصلة الحميدة، ونختار من بين الروايات الكثيرة ما يلي:
1 ـ ورد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «الإِسلامُ حُسنُ الخُلُقِ»(1).
2 ـ ونقرأ عن الإمام علي(عليه السلام) في حديث لطيف يقول: «عِنوانُ صَحِيفَةُ المُؤمنُ حُسنُ خُلُقِهُ»(2).
ونعلم أنّ ما يذكر في عنوان الصحيفة وكتاب عنوان أعمال الإنسان هو أفضل ما يمكن ذكره في هذه الصحيفة، وبعبارة اُخرى يكتب في العنوان القدر الجامع والمشترك لجميع مفردات الأعمال والسلوك الأخلاقي في واقع الإنسان ونفسه.
3 ـ وفي حديث عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أَكثَرُ مـا تَلِجُ اُمَّتِي الجَنَّةَ التّقوى وَحُسنُ الخُلُق»(3).
4 ـ وفي حديث آخر عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) قال: «أَكْمَلُكُم إِيمـاناً أَحسَنَكُم خُلقاً»(4).
وما ذكر آنفاً من الأحاديث الشريفة هو بعض الروايات في أهميّة حسن الخلق.
والآن نستعرض قسماً آخر من الروايات التي تتحدّث عن النتائج والآثار الماديّة والمعنوية على هذا السلوك الأخلاقي:
1 ـ نقرأ في حديث عن الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «الخُلْقُ الحَسَنُ يُذِيبُ السَّيِّئَةَ»(5).
2 ـ وفي حديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله) قال: «إِنَّ صـاحِبَ الخُلقِ الحَسَنِ لَهُ مِثلُ أَجرِ الصَّائِمِ»(1).
3 ـ ورد في حديث ثالث عن الإمام الصادق(عليه السلام): «إِنَّ اللهَ تَبـارَكَ وَتَعالى لَيُعطي العَبدَ مِنَ الثَّوابِ عَلى حُسنِ الخُلقِ كَمـا يُعطي المُجـاهِدُ فِي سَبيلِ اللهِ»(2).
وبهذا يتبيّن أنّ صاحب الخلق الحسن يتميّز على من يقوم الليل في العبادة والمجاهد في سبيل الله ويضاهيهما في الثواب حيث يطهّر حسن الخلق النفس الإنسانية من أدران الذنوب وتلوّثات الأهواء والنوازع الدنيوية، هذا بالنسبة إلى النتائج المعنوية لحسن الخلق، أمّا بالنسبة إلى الآثار والنتائج المادية والدنيوية فقد وردت تعبيرات مهمّة في النصوص الدينية منها:
4 ـ نقرأ في حديث عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «حسُنُ الخُلقِ يُثبِتُ المَوَدّةَ»(3).
5 ـ وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «لا عَيشَ أَهنَأَ مِنْ حُسنِ الخُلقِ»(4).
6 ـ ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «البِرُّ وَحُسنُ الخُلقِ يَعمُران الدِّيـارَ وَيَزِيدانِ فِي الأَعمـارِ»(5).
7 ـ وفي حديث آخر عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «حُسنُ الخُلقِ يُدِرُّ الأرزاقَ»(6).
8 ـ وفي حديث آخر عنه(عليه السلام) قال: «فِي سَعَةِ الأخلاقِ كُنُوزُ الأرزَاقِ»(7).
ومن مجموع هذه الروايات الإسلامية المذكورة أعلاه ندرك جيداً الأهميّة البالغة لحسن الخلق في حركة الحياة المادية والمعنوية للإنسان، ويتّضح من خلال ذلك تأكيد الإسلام على هذا الأمر المهم، وفي الواقع أنّ جميع النتائج الإيجابية والبركات المادية والمعنوية مترتبة على حسن الخلق مع الناس بحيث يمكن القول بأنّ حسن الخلق أحد الاُسس في
دائرة المفاهيم الإسلامية والتعليمات الدينية.
وهنا ينبغي الإشارة إلى بعض النقاط:
لعل من الاُمور الواضحة هو مفهوم حسن الخلق فلا حاجة إلى تعريفه لوضوح معناه ومداه لدى الناس، ولكن لغرض إستجلاء هذا المفهوم أكثر نقول: إنّ حسن الخلق عبارة عن مجموعة من الصفات والسلوكيات التي تتمثّل بمداراة الناس، البشاشة، الكلام الطيب وإظهار المحبّة، ورعاية الأدب، التبسّم، والتحمّل والحلم مقابل أذى الآخرين وأمثال ذلك، فلو إمتزجت هذه الصفات مع العمل وترجمها الإنسان في حركة الواقع الخارجي سمّي ذلك حسن الخلق.
وفي حديث جامع جميل عن الإمام الصادق(عليه السلام) في تعريف حسن الخلق ورد أنّ أحد أصحاب الإمام سأله: مـا حَدُّ حُسنِ الخُلقِ؟
قال الإمام(عليه السلام): «تَلِينُ جـانِبَكَ وَتُطَيِّبُ كَلامَكَ وَتلقى أَخـاكَ ببُشر حسن»(1).
وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) في تفسير حسن الخلق قال: «إِنَّمـا تَفسِيرُ حَسنُ الخُلقِ مـا أَصـابَ الدُّنيـا يَرضى وَإِن لَم يُصِبهُ لَم يَسخَطْ»(2).
قرأنا في الروايات المذكورة آنفاً نقاط مهمّة تتحدّث عن النتائج والآثار المادية والمعنوية لحسن الخلق في حركة الإنسان والواقع الاجتماعي وتحتاج إلى شيء من التفصيل والتحليل.
ومن الآثار الاجتماعية والدنيوية لهذه السمة الأخلاقية هو أنّ حسن الخلق يتسبب في
كسب محبّة الآخرين وتعاطفهم مع صاحب هذا الخلق، وهذه المسألة ثابتة بالتجربة للجميع تقريباً وأنّه يمكن اصطياد قلوب الناس من خلال التعامل معهم من موقع المحبّة وحسن الخلق ورعاية الأدب وليس فقط أنّ الأشخاص العاديين ينجذبون إلى حسن الخلق بل أهل النظر والمعرفة والعلم كذلك.
ومن النتائج الاُخرى أنّ حسن الخلق والبشاشة تعمّر الديار وتطيل العمر، لأنّ خراب الديار معلول للتضارب والنزاع وحالات الصراع بين الأفراد، فإذا أخلى النزاع والصراع الاجتماعي مكانه لحسن الخلق والتعامل باللطف والمحبّة بين الأفراد، فإنّ ذلك كفيل بتعميق أواصر الاُخوة وتعميق عنصر التعاون بين الأفراد والذي يعتبر محور الخير وعامل مهم من عوامل البناء، مضافاً إلى ذلك فإنّ حسن الخلق يورث الإنسان الهدوء النفسي والاطمئنان الروحي الذي يعتبر من النتائج المباشرة للتعامل الأخلاقي الحسن مع الناس وعاملاً مهمّاً من عوامل طول العمر، لأنّ من الثابت علميّاً هو أنّ من العوامل المهمّة لسرعة الموت وكثرته هو عنصر القلق والاضطراب الروحي الذي يعيشه الإنسان في مقابل تحدّيات الواقع الصعبة وبالتالي تكون منشأ لكثير من الأمراض المختلفة، ومن المسلّم أنّ حسن الخلق والتعامل باللّطف والمحبّة مع الناس يقللّ من شدّة الضغط العصبي والقلق النفسي وبالتالي يسبب طول العمر، والشيء الآخر أنّ حسن الخلق يسبّب زيادة الرزق وكثرة العوائد المادية والموفقيّة في الكسب والتجارة، لأنّ التاجر والكاسب أو الطبيب لا يكون موفّقاً في عمله إلاّ بكسب المراجعين والمشترين، وأحد عوامل كسب الثقةوالاطمئنان بالشخص هو حسن خلقه وأدبه مع الطرف الآخر، فالكثير من الأشخاص يفضّلون شراء البضاعة وما يحتاجونه من السوق من اُمور المعاش من الكاسب الحسن الاخلاق والمعاملة مع المشتري ويرجّحونه على الشخص العبوس والحاد المزاج، ولهذا السبب فإنّ المؤسسات والشركات الاقتصادية الكبيرة تسعى إلى تعليم موظفيها على كيفية التعامل مع الزبائن بالصورة المطلوبة، ومن خلال ذلك يتحرّكون في كسب ثقة الزبائن بمؤسساته التجارية وشركاته الصناعية.
وقد رأينا كثيراً في الرحلات الجوية أنّ بعض الشركات تقدّم لزبائنها ومسافريها بعض لعب الأطفال وقطع الحلوى مجّاناً لأطفالهم المسافرين معهم، ولعلّ قيمة هذه اللّعب ليست بكثيرة ولكنّها ذات أثر عميق في نفسيّة الأفراد وهذه الطريقة من التعامل مع الزبائن تورث في أنفسهم حسن الظن والثقة للطرف الآخر.
وطبعاً فالإسلام يؤيّد حسن الخلق من موقع الصفاء الذاتي والتعامل الإنساني لا كما هو السائد من الرياء والتظاهر في العالم المادي المعاصر، ولكن في نفس الوقت فانّه يعتبر أنّ حسن الخلق له آثار مادية ودنيوية كثيرة تمثّل في زيادة النعمة والبركة في حركة الحياة والواقع المادي.
وبالنسبة إلى البعد المعنوي فإنّ الثواب المترتّب على حسن الخلق يعادل ثواب المجاهدين في سبيل الله، ودليل ذلك واضح لأنّ المجاهد يسعى لنشر راية الإسلام ويتحرّك في هذا السبيل لأعلاء كلمة الله، وصاحب الخلق الحسن أيضاً يتسبب في تعميق الثقة والانفتاح على الإسلاك في قلوب الناس، وقد ورد في الروايات الشريفة أيضاً أنّ أجر صاحب الخلق الحسن مثل أجر الصائم القائم، لأنّ الصائم القائم يتحرّك في هذا السلوك العبادي من موقع تهذيب النفس وتصفيتها، فكذلك الأشخاص الذين يتعاملون في مواجهة تحدّيات الواقع الصعب من موقع غلبة الأهواء وحفظ النفس في اطار الضوابط الأخلاقية والشرعية في سبيل الله تعالى.
والخلاصة أنّ صاحب الخلق الحسن يكون محبوباً عند الله تعالى وعند الخلق كذلك، ويكون موفقاً في حياته الشخصية والفرديّة وكذلك موفّقاً في حياته الاجتماعية.
ومن المعلوم أنّ حسن الخلق يعدّ أحد أركان عناصر الإدارة ولو أنّ عشرات من الشروط المتوفّرة في المدير المدبّر من دون عنصر حسن الخلق لما تسنى لهذا المدير أن يكون موفّقاً في عمله وتدبيره في حين أنّه لو كان حسن الخلق فانّ هذه الصفة بإمكانها العمل على ستر الكثير من نقاط الضعف أو جبرانها.
إنّ بعض الناس يتمعتون بحسن الخلق بشكل طبيعي، وهذا يعدّ من المواهب الإلهية للإنسان التي لا تكاد تكون من نصيب كل شخص، وعلى هذا الإنسان أن يشكر الله تعالى بجميع وجوده على هذه الموهبة العظيمة.
ولكن الكثير من الناس ليسوا كذلك، فعليهم أن يقوموا بتعميق وتوكيد حسن الخلق في نفوسهم من خلال التمرين والممارسة على أرض الواقع العملي بحيث يكتسبوا طبيعة ثانية لهم ويكون حسن الخلق نافذاً وراسخاً في وجودهم وواقعهم النفسي، وأفضل طريق إلى نيل هذه الصفة الأخلاقية والمرتبة الكمالية هو أن يتفكّر الإنسان في الآثار المعنوية والمادية لهذه الصفة الأخلاقية ويطالع الروايات الشريفة المذكورة سابقاً في هذا الباب ويتأمل فيها ويقوم بتكرارها بين الحين والآخر لتترسخ مضامينها في أعماق نفسه.
ومن جهة اُخرى يجب أن يتحرّك الإنسان على المستوى العملي لتطبيق وترجمة هذه الصفة في سلوكه الخارجي، لأنّ الفضائل الأخلاقية كالقابليات البدنية تقوى وتشتد بالتمرين والتكرار كما نرى في الرياضين أنّهم بعد مدّة من التمرين يتمتعون بأبدان قوية وجميلة فكذلك الرياضة الأخلاقية بإمكانها أن تقوّي روح الإنسان.
ويقول علماء الأخلاق في صدد تربية الأفراد البخلاء على صفة الكرم أنّ الإنسان البخيل يجب أن يضغط على ميوله النفسي وحرصه على الأموال، ويتحرّك على مستوى بذل المال للآخرين في البداية، ورغم أنّ هذا العمل يكون عسيراً في البداية إلاّ أنّه تدريجياً يصبح ميسوراً وبالتالي يعتاد الإنسان على حاله البذل والكرم بحيث أنّه لو لم يبذل من أمواله يوماً لوجد في نفسه امتعاضاً.
وكذلك يوصي علماء الأخلاق الشخص الجبان بأن يحضر إلى ميادين القتال والمواجهة مع العدو حتى تزول عنه حالة الخوف والجبن بالتدريج ويحل محلّها صفة الشجاعة والجرأة والإقدام.
وهكذا بالنسبة لأصحاب الخلق السيء، فإنّهم من خلال التمرين والممارسة المستمرة
لموارد ومصاديق حسن الخلق فإنّهم سيتمكّنون في المستقبل من توفير رأس مال كبير من هذه الصفة الإنسانية وينتفعون من بركاتها ونتائجها الإيجابية في حياتهم النفسية والاجتماعية.
ومضافاً إلى كل ذلك ونظراً إلى أنّ أحد عوامل سوء الخلق هو التكبّر والغرور وكذلك الحدّة والغضب وروح الانتقام وأحياناً يكون بسبب الحرص والبخل والحسد، فلو أنّ الإنسان أراد أن يكون حسن الخلق في جميع موارد الحياة الفردية والاجتماعية لوجب عليه أن يدفع ويزيل هذه الصفات والحالات السلبية عن واقعه النفسي.
عليه أن يراعي حدّ الاعتدال في القوّة الغضبيّة والشهوية وأن تكون له سعة الاُفق وشرح الصدر ليتمكّن بذلك من تطهير قلبه وروحه من الأنانية والحسد والبخل وبالتالي يورثه ذلك حسن الأخلاق ويكون في أمان من سوء الخلق مع الناس.
وعليه فإنّ تحصيل هذه الفضيلة الأخلاقية الكبيرة تتطلب وجود وتوّفر مجموعة من الصفات الحسنة في واقع الإنسان النفسي حيث إنّه بدونها لا يكون حسن الخلق في سلوكه الأخلاقي.
ويقول (الغزالي) في هذا الصدد: كما أنّ صاحب الوجه الحسن لا يكون كذلك بجمال العين فقط بل لابدّ أن يضم إليه جمال الأنف والفم وجميع أعضاء الوجه، ليكون جميلاً وكاملاً في مجال الجمال البدني والمادي، فكذلك حال الجمال الباطني والمعنوي فما لم يصل الإنسان إلى حد الاعتدال في قواه الأربعة... العلم والغضب والشهوة والعدالة، فإنّه لا يصل إلى مقام الجمال الباطني.
ولا شك أنّ عامل (الوراثة) يوثّر في سلوك الإنسان الأخلاقي حيث يقول الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام): «حُسنُ الخُلقِ بُر هـانُ كَرمِ الأعراقِ»(1).
ويقول(عليه السلام) في مكان آخر: «أطهَرُ النّاسِ أَعراقَاً أَحسَنُهُم أَخلاقاً»(2).
وهناك ملاحظة ينبغي الالتفات إليها في البحوث الأخلاقية وهي، أنّ الفضائل الأخلاقية لا يمكن إكتسابها وتحصيلها من دون التوفيق الإلهي والامداد الربّاني، فيجب الاستمداد من الله تعالى في سبيل تحصيل هذه الملكات الأخلاقية الفاضلة وغرسها وتنميتها في واقع الإنسان وروحه.
ونقرأ في حديث شريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «الأخلاقُ مَنـائِحُ مِن اللهِ عَزَّوَجَلَّ فَإذا أَحَبَّ عَبداً مَنَحَهُ خُلُقاً حَسَناً وَإِذا أَبغَضَ عَبدَاً مَنَحَهُ خُلقاً سَيِّئاً»(1).
ومن أفضل الطرق لكسب فضيلة حسن الخلق وملاحظة نتائجها الإيجابية على واقع الإنسان هو التحقيق في سيرة الأولياء العظام.
1 ـ نقرأ في حديث عن الإمام الحسين(عليه السلام) أنّه قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) دَائِمُ البُشر، سَهلُ الخُلق، لَينُ الجَانبِ، لَيسَ بِفَظٍّ ولا غلِيظ ولا سَخّاب، ولا فَحّاش، ولا عيّاب، ولا مَدّاح، ولا يَتَغافَلُ عَمّا لا يَشتَهِي، ولا يُؤيس مِنهُ، قَد تَركَ نَفسَهُ مِنْ ثَلاث: كَانَ لا يَذُّمُ أَحداً، ولا يُعيّرُه، ولا يَطلُبُ عَورَتَهُ، ولايَتَكَلَّمُ إِلاّ فَيما يَرجُو ثَوابَهُ، إِذا تَكَلَّمَ أَرقَ جُلساؤُهُ كَأَنّما عَلى رُؤوسِهِم الطَّيرُ، وإذا تَكَلَّمَ سَكَتُوا وإذا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لا يُسارِعُون عِندَهُ بِالحَديثِ، مَن تَكَلَّمَ نَصتُوا لَهُ حَتّى يَفرَغَ حَدِيثُهُم عِندَهُ حَديث إِلَيهم، يَضحَكُ ممّا يَضحَكُونَ مِنهُ، وَيَتَعَجَّبُ ممّا يَتَعَجَّبُونَ مِنهُ، يُصبِّرُ الغريبَ عَلى الجَفوةِ فِي المنطِقِ، وَيَقُولُ: (إِذا رَأَيتُم صـاحِبَ الحَاجَة يَطلُبُها فَأَرفِدُهُ)، ولا يَقبَلُ الثَّناءَ إلاّ مِنْ مُكافيء، ولا يَقطَعُ عَلَى أَحد حَدِيثَهُ حَتّى يَجُوزَهُ فَيَقطَعُهُ بِانتهاء أَو قِيام»(2).
2 ـ ونقرأ في حالات الإمام علي(عليه السلام) في الرواية المعروفة أنّ الإمام كان قاصداً الكوفة فصاحب رجلاً ذميّاً فقال له الذمّي: أين تريد يا عبدالله، قال: اُريد الكوفة، فلما عدل الطريق
بالذمّي عدل معه علي(عليه السلام)، فقال له الذمي: أليس زعمت تريد الكوفة؟ قال: بلى.
فقال له الذمي: فقد تركت الطريق، فقال(عليه السلام): قد علمت، فقال له: فلم عدلت معي وقد علمت ذلك؟
فقال له علي(عليه السلام): «هذا مِن تمام الصُّحبةِ أَن يُشيِّعَ الرّجلُ صـاحِبهُ هُنيئةً إذا فارَقَهُ وَكَذلِكَ أَمرنـا نَبيِّنُا».
فقال له الذمي: هكذا أمركم نبيّكم؟ فقال: نعم، فقال له الذمّي: لا جرم إنّما تبعه من تبعه لأفعاله الكريمة، وأنا أشهد على دينك، فرجع الذمّي مع الإمام علي(عليه السلام)، فلما عرفه أسلم»(1).
3 ـ وفي حديث آخر في تفسير الإمام الحسن العسكري أنّه قال: حضرت امرأة عند الصديقة فاطمة الزهراء(عليها السلام) فقالت: إنّ لي والدة ضعيفة وقد لبس عليها في أمر صلاتها شيء وقد بعثتني إليكِ فأجابتها فاطمة(عليها السلام) عن ذلك فثنت فأجابت ثم ثلثت إلى عشرة فأجابت ثم خجلت في الكثرة فقالت: لا أشق عليك يا ابنة رسول الله(صلى الله عليه وآله) قالت فاطمة: هاتي وسلي عمّا بدا لك، أرأيت من اكترى يوماً يصعد إلى سطح بحمل ثقيل وكراه مائة ألف دينار يثقل عليه؟ فقالت: لا، فقالت: اكتريت أنا لكل مسألة بأكثر من ملأ ما بين الثرى إلى العرش لؤلؤاً فأحرى أن لا يثقل عليَّ، سمعت أبي(صلى الله عليه وآله) يقول: «علماء شيعتنا يحشرون فيخلع عليهم خلع الكرامات على قدر كثرة علومهم وجدهم في إرشاد عباد الله..»(2).