وكذلك ورد في الروايات الشريفة أنّ المستمع للغيبة يجب أن يتحرك من موقع الدفاع عن أخيه المسلم وذلك من خلال حمل سلوكه على الصحّة.


1. جامع السعادات، ج2، ص297; بحار الانوار، ج72، ص226.
2. المصدر السابق.
3. ميزان الحكمة، ج3، ص2339.

[ 95 ]

وفي حديث آخر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) يقول: «مَنْ أُغتِيبَ عِندَهُ أَخُوهُ المُسلِمُ فاستَطاعَ نَصرَهُ وَلَم يَنصُرهُ خَذَلَهُ اللهُ فِي الدُّنيـا والآخِرةِ»(1).

وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: «إذا وَقَعَ فِي رَجُل وَأَنْتَ فِي مَلاء فَكُنْ لِلرَّجُلِ نـاصِراً وَلِلقَومِ زاجِراً وَقُم عَنهُم»(2).

وأيضاً ورد في الحديث النبوي الشريف قوله: «السـاكِتُ شَرِيكُ المُغتَابِ»(3).

ونختم هذا البحث بالحديث الشريف الوارد عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أيضاً حيث قال: «ألا وَمَنْ تَطَوَّلَ عَلى أَخِيهِ فِي غَيبَة سَمِعَها فِيهِ فِي مَجلِس فَرَدَّها عَنهُ رَدَّ اللهُ عَنهُ أَلَفَ بـاب مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنيـا وَالآخِرَةِ فإنْ هُوَ لَم يَرُدَّها وَهُو قـادِرٌ عَلى رَدِّها كـانَ عَلَيهِ كَوِزرِ مَنْ إِغتـابَهُ سِبعِينَ مَرَّةً»(4).

ويمكن أن تكون هذه الرواية ناظرة إلى الموارد التي يكون فيها الشخص المستمع من أصحاب النفوذ والمكانة الاجتماعية في حين أنّ المغتاب ليس كذلك، ومن الواضح أنّ سكوت مثل هذا الشخص يترتب عليه نتائج وخيمة على مستوى هتك حرمة ذلك الشخص المسلم حيث يكون استماعه لذلك أكثر ضرراً من كلام المغتاب نفسه.

—–

2 ـ الغيبة حق الناس أو حق الله؟

وطبقاً لما ورد في تعريف الغيبة سابقاً يتّضح أنّ الغيبة من حقوق الناس لأنّها تتسبب في هتك حرمتهم وتسقيط شخصيتهم وإزهاق سمعتهم: ونعلم أنّ ماء وجه المسلم له من القيمة كما هو الحال في روح المسلم وماله وعرضه.

ومن التشبيه الوارد في الآية من سورة الحجرات حول الغيبة وأنّها كمن يأكل لحم أخيه ميتاً يتّضح جيداً أنّ الغيبة من حق الناس; ومن الأحاديث الكثيرة يمكننا أن نستوحي هذا


1. المصدر السابق، ص2339.
2. كنز العمال، ح8028.
3. آثار الصادقين، ج16، ص98.
4. من لا يحضره الفقه، ج4، ص8 و 9.

[ 96 ]

المفهوم أيضاً وهو أنّ الغيبة نوع من الظلم والعدوان على الآخرين والذي يجب التحرك على مستوى جبران هذا العدوان وتعويض الطرف الآخر لجبران الظلم الذي وقع عليه، ومن ذلك:

1 ـ أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال في حجة الوداع: «أَيُّهـا النّاسُ إِنَّ دِمـائَكُم وَأَموالَكُم وَأَعراضَكُم عَلَيكُم حَرامٌ كَحُرمَةِ يَومِكُم هذا فِي شَهرِكُم هذا فِي بَلَدِكُم هذا إِنَّ اللهَ حَرَّمَ الغَيبَةَ كَمـا حَرَّمَ المَالَ وَالدَّمَ»(1).

ولا شك أنّ كل دم برىء يسفك لابدّ من جبرانه، وكل مال مشروع يتُم اتلافه من قِبل شخص آخر يجب عليه أن يقوم بتعويضه، والغيبة أيضاً ومن خلال هذا المنطلق يجب العمل على تلافيها وجبرانها بأي نحو ممكن.

وأساساً فإنّ جعل عرض المؤمن إلى جانب ماله ودمه لهو دليل واضح على أنّ تسقيط شخصية الإنسان وهتك حرمته إنّما هي من حق الناس.

2 ـ وفي حديث آخر عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) بعد أن قارن الغيبة بالزنا وأنّها أشدّ إثماً منه قال: «إنّ صـاحِبَ الغَيبَةِ لا يُغفَرُ لَهُ حتّى يَغفِرَ لَه صـاحِبُهُ»(2).

3 ـ وجاء في كتاب مجموعة ورام أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قال: «كُلُ المُسلِمِ عَلَى المُسلِمِ حَرامٌ وَدَمُهُ وَمـالُهُ وَعِرضُهُ، والغَيبَةُ تَناوُلِ العِرضِ»(3).

العبارة الأخيرة من هذا الحديث الشريف وهي أنّ (الغيبة تناول العرض) مصداق التعرّض لناموس الشخص سواء كانت من كلمات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أو كلمات الرواة، فإنّها على أي حال يمكن أن تكون شاهداً على المقصود.

والشاهد الآخر على هذا المعنى هوالروايات الشريفة التي تتحدث عن أنّ الغيبة تسبب في نقل حسنات المغتاب من صحيفة أعماله إلى صحيفة أعمال المغتاب، ونقل سيئات المستغاب إلى الشخص المرتكب للغيبة (كما تقدّمت الإشارة إلى ذلك) وهذا يعني أنّ الغيبة


1. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج9، ص62.
2. المحجة البيضاء، ج5، ص251.
3. مجموعة ورام، ج1، ص123.

[ 97 ]

هي من حق الناس، لأنّ نقل الحسنات والسيئات لجبران الضرر الذي لحق بالمستغاب يعني أنّ الغيبة من حقوق الناس.

وبعد أن اتّضح هذا المفهوم وأنّ حق الناس يجب أن يجبر ويعوّض يثار في الذهن هذا السؤال، وهو أنّ المغتاب كيف يتمكن من جبران خطئه وذنبه؟

ويستفاد من بعض الروايات أنّ المستغاب لو علم بذلك وسمع بأنّ المستغيب يذكره بسوء، فيجب على المستغيب أن يذهب إليه ويطلب منه أن يرضى عنه ويجعله في حِلّ وإلاّ لو لم يتصل به فيجب عليه أن يستغفر الله تعالى، ويدعو للمستغاب بالرحمة والمغفرة (ليتم له التعويض عن ذلك الظلم في حق أخيه المؤمن) وهذا المضمون ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث قال: «فَإنَّ اُغتِيبَ فَبَلَغَ المُغتـابَ فَلَم يَبقَ إلاّ أَن تَستَحِلَّ مِنهُ وإنْ لَم يَبلُغْهُ وَلَمْ يَلحَقهُ عِلمَ ذَلِكَ فاستَغْفِرِ الله لَهُ»(1).

ويتّضح من هذا الحديث الشريف أنّه لو لم تصل الغيبة إلى مسامع المستغاب فإنّ نقل هذا الخبر إليه قد يتسبب في أذاه أكثر ويترتب على ذلك مسؤولية أكبر، ولهذا السبب نجد أنّ الوارد في الحديث الشريف هو الاستغفار فحسب، وعليه ففي الموارد التي لا يتأثر فيها المستغاب من خبر الغيبة فلا يبعد وجوب طلب التحلل منه وكسب رضاه.

ومن هنا يتّضح جيداً ما ورد في الروايات الشريفة أنّه: «كَفَّارَةُ الإغتِيابِ أَنْ تَستَغفِرَ لِمَنْ إِغتَبتَهُ»(2).

والشاهد الآخر ما ذكر آنفاً هو الحديث الشريف عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) حيث قال: «مَنْ كـانَتْ لأخِيهِ عِندَهُ مَظلَمَةٌ فِي عِرض أَو مـال فَليَتَحَلَّلها مِنهُ مِنْ قبلِ أَنْ يَأتِي يَومٌ لَيسَ هُنـاكَ دِينـارٌ وَلاْ دِرهَمٌ إِنَّما يُؤخَذُ مِنْ حَسَنـاتِهِ فَإن لَم تَكُن لَهُ حَسَنـاتٌ اُخِذَ مِنْ سَيئَاتِ صـاحِبِهِ فَزِيدَتْ عَلَى سَيئَاتِهِ»(3).

وجاء في أدعية أيّام الاسبوع للإمام زين العابدين(عليه السلام) الواردة في ملحقات الصحيفة


1. بحار الانوار، ج72، ص242.
2. ميزان الحكمة، ج3، ص2339، ح15543 إلى 15548.
3. جامع السعادات، ج2، ص306.

[ 98 ]

السجادية عبارات واضحة لهذا المفهوم في دعاء يوم الإثنين حيث يقول فيه الإمام (من خلال كونه اُسوة للآخرين): «وَأَسأَلُكَ فِي مَظَالِمِ عِبـادِكَ عِندِي، فَأَيُّمـا عَبد مِنْ عَبِيدِكَ، أَو أَمَة مِنْ إِمـائِكَ كـانَتْ لَهُ قِبَلِي مَظلَمَةٌ ظَلَمتُها إِيَّاهُ فِي نَفْسِهِ أَو عِرضِهِ أَو فِي مـالِهِ أَو فِي أَهلِهِ وَوَلَدِهِ، أو غَيبَة اغتَبتُهُ بِها، أو تَحـامُلٌ عَلَيهِ بِمَيل أو هَوىً، أو أنَفَة أو حَمِيَّة أو رِياء أَو عَصَبِية غـائِباً كـانَ أَو شـاِهداً، حَيَّاً كـانَ أَو مَيتاً، فَقَصُرتْ يَدِي وَضـاقَ وسِعِي عَنْ رَدِّهـا إِلَيهِ، وَالتَّحلُّلِ مِنهُ.

فَأَسأَلُكَ يـا مَنْ يَملِكُ الحـاجـاتِ وَهِيَ مُستَجِيبَةٌ لِمَشِيَّتِهِ وَمُسرِعَةٌ إِلى إِرادَتِهِ أَن تُصَلِّي عَلى مُحَمَّد وَآلِ مُحَمَّد وأَن تُرضِيَهُ عَنِّي بِمـا شِئتَ...»(1).

وعلى أيّة حال فإنّ احتمال كون الغيبة من حق الناس قوي جدّاً، ولذلك فإنّه لو لم يكن أمامه مشكل في طلب الرضا والتحلل منه وجب عليه ذلك.

وهناك ملاحظة مهمّة وهي أنّ أحد طرق جبران الغيبة هو أن يقوم المستغيب بالحضور في مجلس يحوي الأشخاص الذين كانوا قد حضروا مجلسه السابق، فيقوم بإعادة الشريط وتبرير سلوك أخيه المؤمن بما يوافق الأخلاق الحسنة والشرع المقدّس ويحمله على الصحة بحيث تزول من الأذهان آثار الغيبة وتعود المياه إلى مجاريها.

 

3 ـ مستثنيات الغيبة

يتفق علماء الأخلاق وكذلك الفقهاء على أنّ هناك موارد تجوز فيها الغيبة وقد تصبح واجبة أحياناً، وذلك بسبب طروء عوارض معينة على الغيبة ممّا يغيّر حكمها الأصلي.

وبعبارة اُخرى أنّ الغيبة بعنوانهاالأولي حرام بلا شك ومن الذنوب الكبيرة وفي ذلك يتفق علماء الإسلام، ولكن هناك عناوين ثانوية تطرأ على هذا الفعل بإمكانها أن تكون حاكمة على العنوان الذاتي والأولي ممّا يفضي إلى أن تكون الغيبة جائزة بل واجبة، وذلك في الموارد التي تكون فيها المصلحة أهم ويكون حفظ هذه المصلحة غالب على المفاسد


1. ملحقات الصحيفة السجادية، دعاء يوم الاثنين.

[ 99 ]

الكبيرة المترتبة على الغيبة.

الأخلاق في القرآن / الجزء الثالث

ومن جملة هذه الموارد التي تدخل في مستثنيات الغيبة ما يلي:

1 ـ أن يكون الإنسان في حالة التظلّم وطلب حقّه من الآخر ويسعى لرفع هذه الظلامة بحيث لو أنّه لم يتعرّض لذكر الطرف الآخر بالسوء ولم يصرّح للآخرين بسلوك ذلك الظالم فإنّه لا يصل إلى حقّة.

وهذا هو ما ورد في القرآن الكريم من قوله تعالى: (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً)(1).

2 ـ في موارد النهي عن المنكر، أيّ في حالة ما إذا لم يتحرّك الإنسان لفضح الطرف الآخر ويكشف عن أعماله السيئة، فإنّ ذلك المذنب سوف يستمر في غيّه ويقوم على ذنبه، فهنا ترجح مصلحة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على مفسدة الغيبة، بل قد تكون واجبة في بعض الحالات.

3 ـ في مورد أهل البدع وكذلك الذين يحيكون المؤامرات ضدّ المسلمين بحيث لو أنّ أعمالهم الخفيّة تجلّت وكشفت للمسلمين، فإنّ الناس سوف يتصدّون لهم ويتحركون من موقع دفعهم وابطال مؤامراتهم، فهنا تكون غيبة مثل هؤلاء الأشخاص جائزة، بل واجبة.

4 ـ في مورد ما إذا كان المسلم يعيش الخطر على نفسه أو ماله أو عرضه من شخص آخر وهذا المسلم لم يكن على علم بالخطر المحيط به، وهنا يكون إخباره بهذا الخطر جائز، بل واجباً أحياناً.

5 ـ في مورد المشورة، بمعنى أنّ أحد الأشخاص أراد مثلاً الزواج من مسلمة وأراد طلب يدها من والديها أو أراد شخص تشكيل شركة أو السفر إلى أحد البلدان، وطلب من شخص آخر أن يشير عليه بما يراه صلاحاً له، فهنا لا يمكن القول بأنّ الكشف عن عيوب الطرف الآخر حرام، بل إنّ أمانة المشورة تقتضي أن يقول المستشار ما يعلمه وما هو مطلّع عليه من نقاط القوّة والضعف، ولا ينبغي أن يحجم عن النصح والمشورة لأخيه المؤمن خوفاً


1. سورة النساء، الآية 148.

[ 100 ]

من الوقوع في الغيبة، لأنّ ستر مثل هذه المعايب يعتبر خيانة للمستشير والخيانة في المشورة حرام.

6 ـ في مورد الشهادة، وذلك عندما يطلب من الإنسان أن يدلي بشهادته في موقع التحكيم أو المحكمة، فهنا تجوز الغيبة، لأنّ مصلحة الشهادة أقوى، وكذلك في موارد إجراء الحدود الإلهية، فلو أنّ عدّة أشخاص رأوا بأنّ الشخص الفلاني يشرب الخمر أو يزني فلهم أن يأتوا إلى حاكم الشرع ويشهدوا عليه بذلك ليجري عليه الحدّ، وكذلك فيما لو شهد أشخاص على أمر معيّن وكان هؤلاء الشهود في الواقع فسّاق ولم يكن الحاكم يعلم بخبرهم وحالهم، وهنا يجوز فضح هؤلاء الشهود، وبعبارة اُخرى يجوز جرح الشهود (وطبعاً فإنّ جميع هذه الموارد هي فيما لو كان عدد الشهود كافياً لإثبات الموضوع).

 

4 ـ حكم المتجاهر بالفسق

يتفق علماء الأخلاق والفقهاء العظام عادةً على جواز غيبة المتجاهر بالفسق ويرون أنّها من مستثنيات الغيبة ويصرّحون بأنّ غيبة مثل هؤلاء الأشخاص الذين مزّقوا ستار الحياء وأجهروا بالمعاصي أمام الناس، فإنّهم لا غيبة لهم وقد تمسكوا في ذلك بروايات في هذا الباب.

ففي حديث عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) يقول: «أَربَعَةٌ ليستْ غَيبَتُهُم غَيبَة الفاسِقُ المُعلِنُ بُِفسقِهِ...»(1).

وفي حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال: «ثَلاثَةٌ لَيسَ لَهُم حُرمَةٌ صـحِبُ هَوىً مُبدِع والإمامُ الجـائِرُ والفـاسِقُ المُعلنُ الفِسقَ»(2).

وفي حديث عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «مَن أَلقى جِلبَابَ الحَياءِ فَلا غَيبَةَ لَهُ»(3).


1. بحار الانوار، ج72، ص261.
2. المصدر السابق، ص253.
3. المصدر السابق، ص260.

[ 101 ]

وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أَتنزَعُونَ عَنْ ذِكرِ الفـاجِرِ أَنْ تَذكُرُوه، فَاذكُرُوهُ يَعرِفُهُ النّاسُ»(1).

والأحاديث في هذا الباب كثيرة.

ولكن الظاهر أنّ مثل هؤلاء الأفراد خارجون بالتخصص من موضوع الغيبة لا أنّ حكم الغيبة يشملهم أولاً ثم يدخلون في مستثنيات الغيبة، لأنّ للغيبة شرطين:

الأول: أن يكون العيب مستوراً وهذا الشرط لا يتوفر في هؤلاء الأشخاص.

الثاني: كراهية الطرف الآخر لأن يذكر بسوء، وهذا الشرط أيضاً غير متوّفر فيما نحن فيه لأنّ المتجاهر بالفسق لو كان يتأثر ويتألم من ذكره بسوء لم يكن يرتكب ذلك العمل علانية وجهراً، وبتعبير علماء الاُصول أنّ خروج مثل هؤلاء الأشخاص يكون بالتخصص لا بالتخصيص.

وهنا تثار عدّة أسئلة في هذا الصدد، الأول هو أنّه هل أنّ جواز غيبة المتجاهر بالفسق يختص بالذنوب التي تجاهر بها أو يستوعب جميع الذنوب فتكون غيبته جائزة مطلقاً؟

والآخر هو أنّه إذا كان يتجاهر بالفسق عند جماعة معينة أو في مكان خاص ولكنه لا يرتكب ذلك المنكر أمام جماعة اُخرى أو في مكان آخر فهل يجوز غيبة هذا الشخص أيضاً؟

والثالث هو هل أنّ جواز غيبة المتجاهر بالفسق مشروط بوجود شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، أي أن تكون الغيبة مؤثرة في عملية الردع وإلاّ فلا تجوز؟

ونظراً لما تقدّم من بيان حالة هؤلاء الأفراد من الناحية الشرعية يتّضح الجواب عن هذه الأسئلة جميعاً، وهو أنّ غيبة هؤلاء الأشخاص إنّما تجوز في موارد التجاهر بالفسق، ولكن بالنسبة إلى الأعمال الاُخرى أو الوسط الآخر والأجواء الاُخرى، فلا تجوز، لأنّ أدلة حرمة الغيبة لا تشمل المتجاهر بالفسق ومن المعلوم أنّ حالة التجاهر لا يستوجب توّفر شرائط الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فلا ضرورة لها لأنّ عناصر تشكيل الغيبة غير متوّفرة.


1. كنز العمال، ج3، ص 595، ح8069.

[ 102 ]

ويحتمل كذلك أنّ المقصود بالمتجاهر بالفسق هو الشخص الذي قام بتمزيق ستار الحياء وتحرّك في ارتكابه للمعاصي والذنوب من موقع الجرأة على الدين والمجتمع الإسلامي، فمثل هؤلاء الأفراد لا احترام لهم، بل يجب التعريض بهم وفضحهم ليكون الناس على حذر منهم وفي أمان من أعمالهم كما ورد في الحديث الشريف المتقدّم: «مَن أَلقى جِلبَابَ الحَياءِ» فحينئذ يقول الحديث «فاذكروه يعرفه الناس» فهو ناظر إلى هذا المعنى.

و على هذا الأساس يمكن القول بأنّ المتجاهر بالفسق على نحوين:

الأول: أن يكون متجاهراً بعمل معيّن فحينئذ تجوز غيبته في ذلك العمل بالخصوص، والآخر: الأشخاص الذين قاموا بتمزيق لباس العفة والحياء وانطلقوا وراء ارتكاب الذنوب بكل صلافة وجرأة من دون رعاية القيم الاجتماعية والدينية، فمثل هؤلاء الأشخاص لا احترام لهم أبداً من فضحهم وكشف واقعهم أمام الناس كيما يحذر الآخرون من أخطارهم ومفاسدهم.

ونتخم هذا الكلام بذكر ملاحظتين:

الاُولى: هي أنّنا نعلم أنّ أحد العلوم الإسلامية المعروفة هو علم الرجال حيث يبحث فيه صدق وكذب الرواة وحالتهم على مستوى كونهم ثقة أو غير ثقة، وهناك بعض من لا خبرة له بالاُمور يتجنّب الخوض في علم الرجال ويرفض تعلّم هذا العلم لأنّه بحسب تصوّره أنّه يفضي إلى الخوض في الغيبة في حين أنّ من الواضح أنّ حفظ حريم الشرع والأحكام الإسلامية من المواضيع الكاذبة والأخبار المختلفة أهمّ كثيراً من التعرّض لبعض الرواة وجرحهم، وهذا الهدف السامي هو الذي يبيح لنا أن نتحرّك على مستوى التحقيق في سوابق الرواة وحالاتهم والبحث عن نقاط ضعفهم وإثباتها في كتب الرجال لكي نأمن على الشريعة المقدّسة من الأخبار المزيفة ولكي تكون الأحكام الإلهية في مأمن من تدخل الأهواء والنوازع الذاتية لبعض الرواة.

والاُخرى: هي أنّ المسائل الاجتماعية والسياسية والمناصب الحساسة في المجتمع الإسلامي تقتضي أحياناً إفشاء بعض نقاط الضعف للمسؤولين، فهذا المعنى وإن كان في حدّ

[ 103 ]

ذاته مشمولاً لعنوان الغيبة ومصداقاً من مصاديقها إلاّ أنّ أهمية حفظ النظام الإسلامي وكشف وإبطال المؤامرات الموجهة إلى المجتمع الإسلامي أهم بكثير ولذلك لا إشكال في ذلك، بل قد يكون واجباً أحياناً، والأشخاص الذين يتسترون على عيوب هؤلاء لكي لا يقع في ورطة الغيبة هم في الواقع يضحّون بمصالح المجتمع الإسلامي من أجل الأفراد، وقد تقدّم في الحديث الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه ذمّ هؤلاء وقال: «أَتنزَعُونَ عَنْ ذِكرِ الفـاجِرِ أَنْ تَذكُرُوه، فَاذكُرُوهُ يَعرِفُهُ النّاسُ»، وأمر بفضحهم ليعرفهم الناس.

ولكن هذا لا يعني أن يقوم بعض الناس بهتك حرمة الأفراد وفضحهم بدون مبرّر أو يتحرّكون في هذا السبيل أكثر من اللازم ويتعرّضون لحيثية الأفراد ويتجاوزون حدودهم الشرعية.

وما تقدّم آنفاً يوضّح وظيفة الأجهزة الخبرية والمخابراتية في الدوله الإسلامية، فإن كان نشاط هذه الأجهزة والمجاميع التجسسية تصب في غرض الكشف عن الخطر الذي يهدّد سلامة المجتمع الإسلامي وسلامة المناصب الحساسة في الدولة الإسلامية، فلا ينبغي أن يتجاوزوا الحدود المشروعة، وحينئذ فانّ عمل هؤلاء لا يحسب في دائرة التجسس ولا يكون مشمولاً لعنوان الغيبة المحرمة، بل هو أداء للوظيفة الشرعية والواجب الإنساني.

 

5 ـ شمول دائرة الغيبة

لا شك في حرمة غيبة الشخص المؤمن البالغ العاقل، ولا شك في جواز غيبة الكافر الحربي الذي ينوي هدم الإسلام ويتحرّك من موقع التعرّض للمجتمع الإسلامي، لأنّه لا حرمة لمثل هذا الشخص.

ولكن هل أنّ غيبة سائر فرق المسلمين وأهل الذمة (وهم الذين لديهم كتاب سماوي من غير المسلمين ويعيشون في داخل إطار المجتمع الإسلامي) جائزة أو أنّ غيبتهم حرام كما هم محترمون في أنفسهم وأموالهم؟

بعض الفقهاء مثل المحقق الأردبيلي والعلاّمة السبزواري يرون حرمة الغيبة بشكل عام

[ 104 ]

ويتمسكون بالروايات الواردة بعنوان (المسلم) أو الناس وذهبوا إلى أنّ حرمة غيبة هؤلاء ليست عجيبة، لأنّ أموالهم وأنفسهم محترمة فلماذا لا يكون عرضهم كذلك؟

ولكن المرحوم صاحب الجواهر(قدس سره) خالف ذلك بشدّة وقال: «بأنّ ظاهر الروايات يدلّ بضم بعضها إلى بعض على أنّ حرمة الغيبة مختصة بالمؤمنين وأتباع أهل البيت(عليهم السلام)وحتى أنّه استدل بالسيره المستمرة بين العلماء والعوام أيضاً.

إذا كان مقصود هذا الفقيه الكبير من المخالفين لأهل البيت(عليهم السلام) هم النواصب وأعداء المؤمنين والمسلمين فلا شك في عدم حرمتهم وحرمة غيبتهم، ولكن إذا كان الكلام عن الفرق الإسلامية التي من المقرر حفظ واحترام أنفسهم وأموالهم وكذلك أهل الكتاب من أهل الذمة فإنّ رأي المحقق الأردبيلي(قدس سره) هو الأقرب إلى الصواب، لأنّه في كل مورد تكون نفس الإنسان وماله محترماً، فكذلك عرضه وماء وجهه فلا يجوز التعرّض له بالغيبة، وتوجيه الخطاب للمؤمنين في الآية 12 من سورة الحجرات (آية الغيبة) أو التعبير بالمؤمن في بعض الروايات لا يدلّ على عدم شمول حكم الغيبة بالنسبة إلى الآخرين، وبعبارة اُخرى إنّ إثبات الشيء لا ينفي ما عداه.

وعلى هذا الأساس يجب اجتناب غيبة جميع الأشخاص الذين تكون نفوسهم وأموالهم وأعراضهم محترمة وجميع هؤلاء يشملهم حق الناس، وطبعاً هذا في صورة ما إذا لم يكن متجاهراً بالفسق ولم يكن يتحرّك من موقع المؤامرة والدسيسة على الإسلام والمسلمين، بل كانت لهم عيوب وذنوب مستورة وخاصة بهم، فيكون فضحهم والكشف عن هذه العيوب وإراقة ماء وجههم ليس مسوّغ شرعي قطعاً.

وأمّا بالنسبة إلى الطفل المميّز الذي يتألم من الغيبة فأيضاً يجب القول بأنّ غيبته حرام كما أشار إلى ذلك الشيخ الأنصاري(قدس سره) في المكاسب المحرّمة وقال: إنّ عنوان الأخ المؤمن صادق عليه أيضاً كما قال تعالى عن الأيتام: (وإنْ تُخـالِطُوهُم فَاخوانُكُم)(1).

ولكنّ الصواب هو أنّه لا ينبغي تقييد المورد بالمميّز، لأنّ كشف العيوب المستورة للطفل


1. سورة البقرة، الآية 220.

[ 105 ]

غير المميز يعدّ هتكاً لشخصيته المستقبلية أو هتكاً لحيثية اُسرته، وهو عمل مخالف للقيم الأخلاقية، ولهذا السبب فإنّ الشهيد الثاني(قدس سره) في كتابه (كشف الريبة) لم يفرّق بين الصغير والكبير، بعبارة اُخرى أنّ أطفال المؤمنين كالمؤمنين أنفسهم من حيث حرمة النفس والمال والعرض.

ومن هنا يتّضح حكم المجانين والسفهاء أيضاً.

 

6 ـ الغيبة العامة والخاصة

أحياناً تكون الغيبة عن شخص خاص أو أشخاص معيّنين حيث تبيّن حكمها في الأبحاث السابقة من جهات مختلفة، ولكن هناك موارد اُخرى تكون الغيبة ذات جهة عامة وكلية، مثلاً يقول: إنّ أهل المدينة الفلانية بخلاء، أو جهلاء، أو سفهاء، أو يقول إنّ أهالي القرية الفلانية لصوص أو مدمنين أو متحلّلين أخلاقياً وأمثال ذلك.

فهل أنّ جميع أحكام الغيبة ترد في مثل هذه الموارد أم لا؟

يمكن القول أنّ الغيبة لها عدّة صور ووجوه:

1 ـ فيما إذا كانت الغيبة متوجّه لشخص أو أشخاص معدودين لا يعرفهم المخاطب، كأن يقول: إنّ في المدينة أو القرية الفلانية عدّة أشخاص يشربون الخمر أو يرتكبون الأعمال المنافية للعفة، فلا شك في عدم جريان أحكام الغيبة هنا، لأنّ المتكلم لم يذكر في كلامه عيباً مستوراً عن شخص معيّن.

2 ـ أن يكون المورد من قبيل الشبهة المحصورة (وكما يصطلح عليه شبهة القليل بالقليل أو الكثير بالكثير) مثلاً يقول: أنني رأيت أحد هؤلاء الأربعة أشخاص يشرب الخمر (أو يذكر أسماء هؤلاء الأربعة أو يقول أنّ أولاد زيد وأمثال ذلك) أو يقول: أنّ جماعة كثيرة من أهالي القرية الفلانية يرتكبون هذا العمل بحيث أنّ التهمة تتوجه إلى الجميع من موقع الشك فيهم.

والظاهر أنّ أدلة حرمة الغيبة تشمل هذا المورد، وعلى فرض عدم اطلاق اسم الغيبة

[ 106 ]

عليها من حيث أنّها تعدّ كشفاً ناقصاً عن العيب المستور، فهي حرام من جهة هتك احترام المؤمن وجعله في قفص الإتّهام.

3 ـ أن ينسب إلى جميع أهل البلدة أو القرية أمراً قبيحاً ومخالفاً للشرع والأخلاق، فلا شك في جريان أحكام الغيبة على هذا المورد أو على الأقل صدق عنوان هتك احترام المؤمنين سواء كان مقصوده جميع أهالي البلدة بدون استثناء أو الأكثرية منهم.

وعلى هذا الأساس لا يجوز نسبة بعض الصفات أو الممارسات القبيحة لأهالي بلدة معيّنة إلاّ أن يكون هناك قرينة على أنّ مقصوده بعض الأشخاص القلّة منهم، وكما يصطلح عليه شبهة القليل في الكثير أوالشبهة غير المحصورة، أو يكون كلامه عنهم معروفاً لدى الجميع وفي نفس الوقت لم يكن قاصداً لهتكهم وذمّهم.

 

7 ـ الدفاع في مقابل الغيبة

هل يجب على الشخص المستمع للغيبة أن يدافع عن أخيه المؤمن الذي تعرّض للغيبه ويرد على المستغيب أم لا؟ مثلاً يقول في دفاعه: أنّ الإنسان غير معصوم وكل شخص يتعرّض لارتكاب الخطأ أو يقول: أنّ من الممكن أن يكون قد صدر هذا الفعل منه سهواً أو نسياناً أو كان في نظره حلالاً وهكذا يحمل فعل أخيه المسلم على الصحة، وعليه فلو كان الفعل قابلاً للتبرير فإنّه يتحرّك في تبريره وتوجيهه، وإن لم يكن كذلك قال: من الأفضل أن نستغفر له بدل أن نقع في غيبته لأننا جميعاً معرّضين لمثل هذه الأخطاء.

بعض الفقهاء الكبار يرون وجوب الدفاع ومنهم شيخنا الأعظم العلاّمة الأنصاري(قدس سره)في بحث الغيبة في المكاسب المحرّمة.

وهناك روايات كثيرة أيضاً تتحدّث عن لزوم ردّ الغيبة وقد ذكرها المرحوم صاحب كتاب وسائل الشيعة في الباب 156 من أبواب أحكام العشرة في الحج ومنها:

في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «يـا عَلي مَنْ اُغتِيبَ عِندَه أخوهُ المُسلِمُ

[ 107 ]

فاستَطاعَ نَصرَهُ وَلَم يَنصُرهُ خَذَلَهُ اللهُ فِي الدُّنيا والأَخِرَةِ»(1).

ونفس هذا المضمون أو ما يشبهه ورد في روايات متعددة عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)والإمام الصادق(عليه السلام).

وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) قال في خطبة له أمام الناس: «مَنْ ردّ عَنْ أَخِيهِ فِي غَيبَة سَمِعَها فِيهِ فِي مَجلِس رَدَّ اللهُ عَنهُ أَلَفَ بـاب مِنَ الشَّرِّ فِي الدُّنيـا وَالآخِرَةِ فإنْ لَم يَرُدَّ عَنهُ وأَعجَبَهُ كـانَ عَلَيهِ كَوِزرِ مَنْ إِغتـابَهُ»(2).

وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: «مَنْ رَدَّ عَنْ عِرضِ أَخِيهِ كـانَ لَهُ حِجـاباً مِن النّارِ»(3).

ولكنّ الصحيح أنّه لا يستفاد وجوب الدفاع من هذه الروايات، بل غاية ما يستفاد منها هو الاستحباب المؤكّد، لأنّ التعبير لكلمة (خذله الله) الوارد في عدّة روايات من هذا الباب لا يقرّر أكثر من أنّ الله تعالى لا يعين هذا الشخص ويتركه لحاله (لأنّ معنى الخذلان هو ترك النصرة والمساعدة) وكذلك ما ورد في الثواب والجنّة أو النجاة من النار في بعض الروايات فانّه في قوله: «كـانَ عَلَيهِ كَوِزرِ مَنْ إِغتـابَهُ» قد تدل على وجوب الدفاع ولكنّ الوارد في هذه الرواية هو أنّ الإثم لا يقتصر على الاستماع وعدم الدفاع فقط بل ينشرح ويفرح من سماعه لهذه الغيبة،وعلى أية حال فسواء كان الدفاع عن المسلم في مقابل الغيبة واجباً أو مستحباً مؤكّداً فانّه يعدّ وظيفة مهمّة في دائرة المفاهيم الإسلامية، وإذا كان الدفاع نهياً عن المنكر فهو واجب قطعاً.

 

8 ـ غيبة الأموات

أحياناً يتصوّر البعض أنّ مفهوم الغيبة الوارد في الروايات الشريفة ناظر إلى الأحياء من المسلمين ولا يشمل الأموات، وعليه يجوز غيبة الأموات، ولكنّه خطأ فاحش، لأنّ الوارد


1. وسائل الشيعة، ج8، ص66.
2. المصدر السابق، ص607.
3. المصدر السابق، ج19، ص47، باب 24.

[ 108 ]

في الروايات الإسلامية أنّ «حرمة الميت كحرمته وهو حي» بل يمكن القول بأنّ غيبة الميت أقبح وأشنع من بعض الجهات من غيبته وهو حي لأنّ الأحياء يمكن أن يصل إليهم خبر الغيبة ويتحرّكون من موقع الدفاع عن أنفسهم ويردّون على من إغتابهم، ولكنّ الميت غير قادر على الدفاع أبداً، مضافاً إلى أنّ الشخص المرتكب للغيبة قد يرى الطرف الآخر فيما بعد ويطلب منه الصفح وأن يكون في حلّ ولكن هذا المعنى لا يصدق على الأموات.

ومضافاً إلى ذلك الأوامر والإرشادات الدينية الواردة في ضرورة احترام جسد الميت المسلم من قبيل الأمر بغسله وتكفينه والصلاة عليه والمفاهيم الواردة في الصلاة عليه ودفنه وزيارة أهل القبور وحرمة هتك قبر المؤمن وأمثال ذلك كلّها يدلّ على وجوب حفظ حرمة الميت المسلم.

—–

[ 109 ]

5/حسن الخلق وسوء الخلق

5
حسن الخلق وسوء الخلق

 

تنويه:

حسن الخلق بمعناه الخاص هو أن يعيش الإنسان في تفاعله الاجتماعي وعلاقاته مع الآخرين بصورة حسنة وكلام طيب ووجه بشوش وسلوكيات قابلة للمرونة والتلاءم مع الآخرين ويتحدّث معهم من موقع المحبّة واللطف وترتسم على شفتيه الابتسامة والانفتاح، وكل هذه تعتبر من الفضائل الأخلاقية المؤثرة إيجابياً في تعميق الروابط الاجتماعية.

(وعلى العكس من ذلك سوء الخلق ومواجهة الآخرين بوجه خشن والتقطيب في وجوههم والجفاف في معاملتهم والخشونة في التحدّث معهم، فهو من الرذائل الأخلاقية التي تمتد في جذورها إلى أعماق النفس الإنسانية وتبعث على تنفّر الآخرين وإبتعادهم عن هذا الشخص وتؤدّي بالتالي إلى إرباك العلاقات الاجتماعية وضعف الروابط الأخوية بين الأفراد.

وهناك مطالب كثيرة في هذا المجال في القرآن الكريم والروايات الشريفة وسيرة المعصومين(عليهم السلام) تحكي عن الأهمية البالغة لهذه الفضيلة وتلك الرذيلة على مستوى الفرد والمجتمع.

ومن المعلوم أنّ جانباً مهمّاً من نجاح الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) في مهمّته ورسالته، وكذلك

[ 110 ]

سائر المعصومين وكبار العلماء والقادة المصلحين مدين لهذه الخلّة الحسنة في تعاملهم مع أفراد المجتمع وهي (حسن الخلق)، ومن الأسباب المهمّة في عدم موفقيّة بعض القادة والعظماء في التاريخ البشري رهين لسوء خلقهم أيضاً، إنّ تاريخ الأنبياء والأولياء والمعصومين وسائر القادة المصلحين في العالم مليء بشواهد حيّة على هذا الموضوع.

وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الشريفة ما يرشدنا في هذا الطريق ويسلّط الضوء على زواياه المعتّمة:

1 ـ (فَبَِما رَحْمَة مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الاَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ)(1).

2 ـ (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم)(2).

3 ـ (وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلاَ تَمْشِ فِي الاَْرْضِ مَرَحاً إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَال فَخُور * وَاقْصِدْ فِي مَشْيِكَ وَاغْضُضْ مِنْ صَوْتِكَ إِنَّ أَنكَرَ الاَْصْوَاتِ لَصَوْتُ الْحَمِيرِ)(3).

4 ـ (وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاَةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ)(4).

5 ـ (اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى * فَقُولاَ لَهُ قَوْلا لَيِّناً لَعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى)(5)

6 ـ (ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِىٌّ حَمِيمٌ * وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَمَا يُلَقَّاهَا إِلاَّ ذُو حَظّ عَظِيم)(6).

 

تفسير واستنتاج:

«الآية الاُولى» وردت مسألة (حسن الخلق) بعنوان أنّها أحد الخصوصيات للنبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأحد العوامل المهمّة لتقدّم وتكامل الدعوة الإسلامية في المجتمع العربي آنذاك


1. سورة آل عمران، الآية 159.
2. سورة قلم، الآية 4.
3. سورة لقمان، الآية 18 و 19.
4. سورة البقرة، الآية 84.
5. سورة طه، الآية 43 و 44.
6. سورة فصلت، الآية 34 و 35.

[ 111 ]

فتقول الآية: (فَبَِما رَحْمَة مِنْ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ...).

وعلى هذا الأساس فانّ حسن خلق النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) هو في الحقيقة رحمة إلهية له ولاُمّته، وبديهي أنّ هذا الخلق الحسن وقابلية الانعطاف ومداراة الآخرين تعد من البركات والمواهب الإلهية على كل إنسان يتحلّى بهذه الخصال والسلوكيات الحميدة.

ومن التعبير أعلاه في الآية الشريفة نجد النقطة المقابلة لهذا السلوك، وهو أن يكون الإنسان غليظ القلب وسيء الخلق وخشناً في التعامل مع الآخرين حيث تشير الآية إلى نتائج مثل هذا السلوك السلبي، وهي تفرّق الناس وانفضاضهم عن هذا الإنسان الخشن وإبتعادهم عنه، وبعبارة اُخرى أنّ (حسن الخلق) يمثّل اللبنة الاساسية في شد أوصال المجتمع وتقوية وشائج المحبّة بينهم، وسوء الخلق عامل لتفرّق الأفراد وإيجاد الخلل في العلاقات الاجتماعية ويؤدّي إلى نفور الناس.