وفي الآية 45 من سورة العنكبوت نقرأ عن الصلاة: (إنّ الصّلاةَ تَنهى عنِ الفَحشَاءِ والمُنكَرِ).

ولهذا السبب ورد في ذيل هذه الآية حديثاً شريفاً يقول: «مَنْ قـالَ فِي مُؤمِن مـا رَأَتْهُ عَينـاهُ وَسَمِعَتْهُ اُذُنـاهُ فَهُوَ مِنْ الَّذِينَ قَالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفـاحِشَةُ فِي الِّذينَ آمَنُوا لَهُم عَذابٌ أَلَيمٌ»

والجدير بالذكر أنّ القرآن الكريم يذكر في الآية أعلاه أنّ جزاء مثل هؤلاء الأشخاص هو العذاب الأليم في الدنيا والآخرة، وهذا يوكّد أنّ الغيبة وإشاعة الفحشاء لها آثار مخربّة في حياة الإنسان على المستوى الفردي والاجتماعي.

وآخر ما يقال في تفسير الآية محلّ البحث أنّ القرآن الكريم ولغرض التأكيد على هذه

[ 79 ]

المسألة المهمّة لم يقل إنّ الذين يشيعون الفحشاء لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة بل قال: «(إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ)

—–

وفي «الآية الرابعة» والأخيرة من الآيات محلّ البحث نقرأ إستثناءاً لحرمة الغيبة، وهو ما إذا كانت الغيبة صادرة من مظلوم يريد أن يأخذ بحقّه من الظالم ومن ذلك يتّضح جيداً أنّ الغيبة لا تجوز بدون مبّرر ومسوّغ فتقول الآية: (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً).

والمراد بالجهر من القول هو أي نحو من الإظهار اللفظي سواءاً كان بصورة شكوى أو حكاية أو غيبة أو لعن وذم وأمثال ذلك، وعليه فإنّ من وقع مظلوماً يحقّ له ولغرض الدفاع عن نفسه أن يفضح هؤلاء الظالمين ويذكر أعمالهم العدوانية للآخرين.

ومن أجل، أن لا يسيء الناس الاستفادة من هذا الاستثناء ويتحرّكون من موقع الغيبة والوقيعة بالآخرين بحجّة أنّهم مظلومون فإنّ الآية الكريمة تعقّب في آخرها بقوله تعالى: (وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً)، فهو مطلّع على نيّات الأشخاص وأفكارهم ودوافعهم في أعمالهم هذه.

—–

وممّا تقدّم من الآيات الكريمة نستوحي قبح وشناعة الغيبة وبالتالي فإنّ عواقبها الدنيوية والاُخروية ستكون أليمة للغاية.

 

الغيبة في الروايات الإسلامية:

وقد ورد في المصادر الروائية وكتب الأخلاق روايات كثيرة في ذم الغيبة، حيث تقرّر هذه الروايات في مضامينها حقيقة مذهلة حول الآثار الوخيمة للغيبة وعقوبتها الأليمة إلى درجة أنّه قلّما نجد بين الذنوب والمحرّمات ما ورد في حقّه مثل هذه الكلمات والتعبيرات، ونحن نختار منها عشر روايات:

[ 80 ]

1 ـ نقرأ في حديث شريف أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) خطب يوماً في المسلمين ونادى بصوت رفيع بحيث سمعته النساء في بيوتهنّ وقال: «يـا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسـانِهِ وَلَم يُؤمِنْ بِقَلبِهِ لا تَغتـابُوا المُسلِمِينَ وِلا تَتَبِّعُوا عَوراتَهُم فَإِنَّ مَنْ تَتَبَّعَ عَورةَ أَخِيهِ يَتَتَبَّعُ اللهُ عَورَتَهُ حَِتّى يَفْضَحَهُ فِي جَوفِ بَيتِهِ»(1).

2 ـ وفي حديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه خطب يوماً بالمسلمين وتحدّث عن ذم الربا حتى أنّه ذكر أنّ الدرهم من الربا أشدّ من ستة وثلاثين زنية ثم قال: «إنّ أَربا الرِّبا عِرضُ الرَّجُلِ المُسلِمِ»(2).

هذا التعبير الذي يقرّر أهميّة ووخامة الغيبة بالنسبة إلى الزنا حيث ورد في روايات متعددة وفي بعضها ذكر السبب في ذلك وهو: «أمّا صاحب الزنا فيتوب فيتوب الله عليه، وأمّا صاحب الغيبة فلا يتوب الله عليه حتى يكون صاحبه الذي يحلّه»(3).

3 ـ في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «الغَيبَةُ حَرامٌ عَلى كُلِّ مُسلِم وَأَنَّها لَتأكُلُ الحَسناتِ كَما تأكلُ النّارَ الحَطَبَ»(4).

وهذه الخصوصية تترتب على الغيبة وكما سيأتي في البحوث اللآحقة بسبب أنّ الغيبة تتعرّض لحقّ الناس وبالتالي فإنّ حسنات المغتاب سوف تنتقل إلى صحيفة أعمال الشخص الآخر الذي وقع مورد الغيبة لجبران الخسارة والضرر الذي تحمّله من هذه الغيبة.

4 ـ وجاء في حديث قدسي أنّ الله تعالى خاطب نبيّه موسى(عليه السلام) وقال: «مَن مـاتَ تـائِباً مِنَ الغَيبَةِ فَهُوَ آخِرُ مَنْ يَدخُلِ الجَنَّةَ ومَن مـاتَ مُصِرّاً عَلَيه، فَهُوَ أَوّلُ مَنْ يَدخُلُ النَّارَ»(5).

وفي حديث آخر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) نجد تعبيراً مذهلاً عن مخاطرة الغيبة حيث قال: «مَن مَشى فِي غَيبَةِ أَخِيهِ وَكَشفِ عَورَتِهِ كـانَ أَوَّلَ خُطوَة خَطاهـا وَضَعَها فِي جَهَنّمَ»(6).


1. جامع السعادات، ج2، ص303.
2. المصدر السابق.
3. وسائل الشيعة، ج8، ص601، ح18.
4. جامع السعادات، ج3، ص305.
5. جامع السعادات، ص302.
6. المصدر السابق، ص303.

[ 81 ]

6 ـ وفي حديث آخر عنه(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: «مـا عُمّرَ مَجلِسٌ بِالغَيبَةِ إلاّ خُرِّبَ بِالدِّينِ فَنَزِّهُوا أَسمَاعَكُم مِنْ اسْتِمـاعِ الغَيبَةِ فَإِنَّ القـائِلَ وَالمُستَمِعَ لَهـا شَريكَانِ فِي الإثْمِ»(1).

7 ـ وفي حديث آخر أيضاً عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) يتحدّث فيه عن الأضرار المعنوية الكبيرة للغيبة ويقول: «مَن إِغتـابَ مُسلِماً أَو مُسلِمَةً لَنْ يَقْبَلَ اللهُ صَلاتَهُ وَلا صِيـامَهُ أَربَعِينَ لَيلَةً إلاّ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ صـاحِبُهُ»(2).

8 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام): «مَن رَوى عَلى مُؤمُن رَوايَةً يُريدُ بِها شَينَهُ وَهَدْمَ مُرُوَّتِهِ لِيَسْقُطَ مِنْ أَعيُنِ النّاسِ، وَأَخْرَجَهُ اللهُ مِنْ وِلايَتِهِ إِلى وِلايَةِ الشَّيطـانِ فَلا يَقْبَلُهُ الشَّيطَـانُ»(3).

ومن الواضح أنّ المصداق البارز للرواية أعلاه هوالشخص المغتاب الذي يهدف من الغيبة إظهار عيوب المؤمنين المستورة ويعمل على هدم شخصيتهم الاجتماعية واسقاطهم بين الناس، فعذاب مثل هؤلاء الأشخاص عظيم إلى درجة أنّ الشيطان نفسه يستوحش من قبول ولاية هؤلاء ويتبرأ من رفقته وصحبته.

9 ـ وفي الحديث الوارد في مناهي النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «نَهى عَنِ الغَيبَة وَقـالَ مَنْ إِغتـابَ امرءً مُسلِماً بَطَلَ صَومُهُ وَنَقَضَ وَضُوءُهُ، وَجـاءَ يَومَ القيـامَةِ يَفُوهُ مِنْ فِيهِ رائِحَةٌ أَنتنَ مِنَ الجِيفَةِ يَتَأَذَّى بِهِ أَهلَ المَوقِفِ»(4).

10 ـ ونختم هذا البحث بحديث عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) رغم وجود روايات كثيرة اُخرى في هذا المجال ولكننا نكتفي بهذا المقدار الممكن من بيان عواقب الغيبة وآثارها الوخيمة الدنيوية والاُخروية حيث يقول: «إِيّاكَ والغَيبَةِ فَإنّها تُمقِتُكَ إلى اللهِ والنّاسِ وَتَحبِطُ أَجرَكَ»(5).


1. بحار الانوار، ج75، ص259.
2. المصدر السابق، ج72، ص258، ح53.
3. اصول الكافي، ج2، ص358، ح1.
4. وسائل الشيعة، ج8، ص599، ح13.
5. غرر الحكم.

[ 82 ]

ومن المعلوم أنّ حديثاً واحداً من هذه الأحاديث يكفي للأحاطة بأهميّة هذه المعصية وخطرها على واقع الإنسان وحياته المعنوية فكيف لو ضممنا وجمعنا هذه الأحاديث بعضها إلى البعض الآخر؟

ولا شكّ أنّه مضافاً إلى القرآن الكريم وتواتر الروايات الإسلامية وإجماع المسلمين على حرمة الغيبة، فإنّ العقل أيضاً يقرّر قبح هذه الخطيئة ويذمّها باعتبارها أنّها من المصاديق البارزة للظلم والعدوان الذي هو من المستقلات العقلية، وعليه فإنّ حرمة الغيبة تقوم عليه جميع الأدلة الأربعة الفقهية.

وبقيت هنا مسائل مهمّة لابدّ من استعراضها وبحثها:

 

تعريف الغيبة:

ورد تعريف الغيبة لأرباب اللغة والفقهاء وعلماء الأخلاق تعاريف وتفاسير مختلفة تعود في حقيقتها إلى معنى واحد رغم اختلافها على مستوى التعميم والتخصيص وغير ذلك.

يقول في صحاح اللغة أنّ الغيبة هي أن يذكر الإنسان عيب الآخر وعمله في حال عدم حضوره بحيث لو سمعه ذلك الشخص لتألم وتأثر.

ويقول في المصباح المنير: أنّ الغيبة هي كشف العيوب المستورة للآخرين بحيث يتألمون منها وذلك غيبتهم.

وينقل الشيخ الأنصاري(قدس سره) عن بعض كبار العلماء أنّ الإجماع والأحاديث الشريفة تدلّ على أنّ الغيبة في حقيقتها هي (ذكر أخاك بما يكره) في غيبته(1).

وهذا المضمون ورد أيضاً في حديث نبوي شريف، وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) في تعريف الغيبة يقول: «الغَيبَةُ أَنْ تَقُولَ فِي أَخِيكَ مـا قَد سَتَرَهُ اللهُ عَلَيهِ...»(2).

ويستفاد ممّا ذكر آنفاً أنّ للغيبة عدّة أركان، أوّلها أن يكون الكلام في حال غيبة الشخص


1. المكاسب، كتاب المكاسب المحرمة، الشيخ الأنصاري، ص41.
2. وسائل الشيعة، ج8، أبواب أحكام العشرة، ص602.

[ 83 ]

المذكور، فلو قيل هذا الكلام في حضوره فإنّه يكتسب عنواناً آخر (كعنوان الايذاء أو التهتك وأمثال ذلك) والآخر أن يكون الكلام من قبيل ذكر عيوب الشخص المستورة والخفيّة فلو كانت من العيوب البارزة والظاهرة لم تكن من الغيبة رغم أنّها قد تكون محرّمة بعناوين اُخرى، والثالث أن يكون الكلام بحيث إذا سمعه الشخص المذكور بالغيبة فسوف يتألم ويتأثر، ولكن الظاهر أنّ هذا القيد قيد توضيحي فحسب، لأنّ إظهار العيوب المستورة للآخرين وخاصة في غيبتهم تورث التألم والأذى، وقد يكون هناك بعض الأراذل الذين لا يمتعضون بذكر معايبهم ونشر فضائحهم بين الناس ولكن مثل هؤلاء الأشخاص قلّة نادرة.

وممّا تقدمّ آنفاً تتضح لنا هذه الحقيقة جيداً، وهي أنّه عندما يقال لبعض العوام من الناس: لماذا ترتكب غيبة الشخص الفلاني وتذمّه وراء ظهره؟ يقول: إنني أتحدث بهذا الكلام أمامه أيضاً وفي حضوره، فهذا من قبيل العذر أقبح من الذنب، لأنّ التحدّث بذلك أمامه وفي حضوره لا يجوّز غيبته أبداً، فذلك أيضاً ذنب كبير بدوره لأنّه يدخل تحت عنوان أذى المؤمن وكذلك هتك حرمته بين الناس وهدم شخصيته في المجتمع.

ونقرأ في حديث شريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه ذكر بين يديه رجل فقال بعض الحاضرين: أنّه رجل عاجز وضعيف فقال: رسول الله(صلى الله عليه وآله): لقد اغتبتموه، فقالوا: يا رسول الله لقد ذكرنا صفته فقال: «إِنْ قُلتُم مـا لَيسَ فِيهِ فَقَد بَهَتّموه»(1).

والعذر الآخر الذي يذكره بعض الجهّال كمسوّغ للغيبة ويتذرّعون به أمام من ينهاهم عن الغيبة يقولون: إنّما نقوله هو حق وليس بكذب، فالشخص الفلاني لديه هذا العيب، وهذه الذريعة لا تقل قبحاً عن سابقتها لأنّه لو لم يكن هذا العيب في الطرف الآخر لدخل تحت عنوان التهمة لا الغيبة، فالغيبة كما ذكرنا هي ذكر العيوب الخفيّة للآخرين في غيبتهم.

ولابدّ من الإشارة أيضاً إلى أنّه يستفاد من بعض كلمات الأعاظم وعلماء الأخلاق أنّ الغيبة لا تقع بالنسبة إلى جميع المؤمنين، بل تقع في مورد الأشخاص الذين تابوا من ذنوبهم وندموا على خطيئتهم وعادوا إلى جادة الصواب، وأمّا الفاسق والمذنب والمتجاهر بالإثم،


1. المحجة البيضاء، ج5، ص256.

[ 84 ]

فإنّ غيبته مباحة حتى لو كان ذنبه مستوراً ويتمسّكون في هذا بالرواية الواردة عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث أنّه قال: «مَنْ عـامَلَ النّاسَ فَلَم يَظلِمهُم، وَحَدَّثَهُم فَلَم يَكذِبْهُم، وَوَعَدَهُم فَلَم يُخْلِفْهُم كَانَ مِمَّنْ حُرِّمَ غَيبَتُهُ وَكَمُلَتْ مُرُوَّتُهُ وَظَهَرَتْ عَدَالَتُهُ وَوَجَبَتْ إخُوتُهُ»(1).

وبهذا فإنّ الغيبة تكون محرّمة إذا كانت بالنسبة إلى الشخص العادل بينما الشخص الفاسق فيجوز غيبته حتى لو كان يمارس الذنب في الخفاء.

العلاّمة المجلسي(قدس سره) يميل إلى هذا الرأي أيضاً في الجزء 72 من بحار الانوار باب كتاب العشرة رغم أنّه عدل عن هذا الرأي في ذيل كلامه أيضاً(2).

ولكن من المسلّم أنّ هذه الرؤية تسبب في أن يكون أكثر الناس تجوز غيبتهم وهذا على خلاف اطلاق الآية القرآنية والروايات العديدة في مجال حرمة الغيبة.

ومضافاً إلى الروايات الكثيرة التي تقرّر أنّ عدّة طوائف من الناس تجوز غيبتهم أو لا غيبة عليهم ومنهم الفاسق المتجاهر بالفسق ومن جملة ذلك ما ورد في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أَربَعَةٌ لَيسَتْ غَيبَتُهُم غَيبَةٌ، الفـاسِقُ المُعلِنِ بِفِسقِه،....»(3).

ونفس هذا المضمون ورد في رواية اُخرى عن الإمام الباقر(عليه السلام) أيضاً.

ويقول الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا الصدد: «إذا جـاهَرَ الفاسِقُ بِفِسقِهِ فَلا حُرمَةَ لَهُ عَلى غَيبَة»(4).

ونقرأ في حديث آخر عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «مَن أَلقى جِلبَابَ الحَياءِ فَلا غَيبَةَ لَهُ»(5)، وهناك أحاديث متعددة اُخرى صريحة في هذا المعنى، وبمقتضى مفهوم الوصف لهذه الأحاديث، بل مفهوم الشرط حيث يكون الكلام في مقام الاحتراز ونفي الغير يتّضح جيداً أنّه إذا إرتكب الشخص الذنب في الخفاء فلا يجوز غيبته، وكما سوف يرد


1. اصول الكافي، ج2، ص239، ح28.
2. بحار الانوار، 72، ص235 إلى 237.
3. المصدر السابق، ص261.
4. بحار الأنوار، ج 72، ص253.
5. المصدر السابق، ص260.

[ 85 ]

في بحث إستثناءات الغيبة أنّ الشخص المتجاهر بالفسق تجوز غيبته في خصوص الذنب الذي تجاهر به لا بالنسبة إلى جميع أفعاله الاُخرى.

ومضافاً إلى أنّ حرمة الغيبة ثابتة بدليل العقل أيضاً لأنّها نوع من الظلم والعدوان على الآخرين وإفشاء أسرارهم وإسقاط شخصيتهم بين الناس، ولا شكّ أنّه لا فرق بين الفاسق والعادل في هذا المجال إلاّ أن تكون الغيبة في موارد النهي عن المنكر أو دفع الخطر أو الضرر عن المجتمع الإسلامي وحينئذ لا فرق أيضاً بين الفاسق والعادل.

وسيأتي في بحث إستثناءات الغيبة تفصيل أكثر حول هذا الموضوع.

—–

أقسام الغيبة:

أحياناً يتصوّر أنّ الغيبة تقع باللسان فحسب، في حين أنّ حقيقة الغيبة كما إتّضح آنفاً هي اظهار العيوب المستورة للشخص الآخر بحيث إذا سمع بذلك تألّم وتأثر منها، وهذا العمل يمكن أن يحصل بواسطة اللسان أو بواسطة القلم أو حتى بالإشارة باليد والعين والحاجب، وأحياناً تتخذ الغيبة صبغة المزاح واُخرى صبغة الجد، وكم من الذنوب والآثام التي يرتكبها البعض في لباس المزاح والسخرية حيث تكون أخطر من الذنوب التي تلبس لباس الجد، لأنّ الإنسان يتحرّك بحرية أكثر في حالة المزاح بخلاف حالة الجد، حيث لا يكون قادراً على بيان المطلب المراد بصورة وافية فيذكره بصبغة المزاح والإثاره للتفكّه والضحك.

مضافاً إلى أنّ الغيبة تارةً تقع بتعبيرات صريحة (وبالاصطلاح المنطقي بالدلالة المطابقية والتضمنية) واُخرى بالدلالة الالتزامية والتعبيرات الكنائية التي قد تكون أبلغ من التصريح، مثلاً عندما يتحدّث الشخص عن أحد المؤمنين يقول: سامحه الله لنسكت عن هذا فإنّ الشرع المقدس قد أغلق أفواهنا، وبهذه الكلمات يريد أن يفهم الآخرين على أنّ ذلك الشخص قد إرتكب أفعالاً قبيحة وعظيمة، وقد يكون التصريح بها لا يثير المستمع كما هو الحال في الكناية، ولكن بما أنّ مثل هذا الكلام يثير تصوّرات مجملة عن الموضوع فإنّ

[ 86 ]

ذهن المستمع قد يتصوّر ذنوباً متنوعة وكثيرة يكون الشخص المذكور بريئاً منها.

أو يقول: إنّ الشخص الفلاني له صفات جميلة وأفعال حسنة ولكن... ويسكت عن إكمال الحديث.

وأحياناً اُخرى يتحرّك المتكلّم من موقع النصيحة والتحرق القلبي ويقول: سامح الله فلان وجعل عاقبته إلى خير، أو يقول: أنا خائف من عاقبة أمره، فهو في الحقيقة يعرض الذنب بلباس الطاعة والشر بثياب الخير، وكما يقول بعض العلماء أنّه بذلك يكون قد ارتكب إثماً مضاعفاً، فيكون قد اغتاب من جهة وارتكب الرياء من جهة اُخرى، فمن جهة قد إغتاب الشخص الآخر بتلميحه لمعايب كثيرة ونسبتها إلى الطرف الآخر، وتحرّك من موقع الرياء حيث تظاهر بأنّه ليس من أهل الغيبة، بل من أهل التقوى والطاعة لأوامر الله تعالى.

—–

دوافع الغيبة:

إنّ للغيبة عوامل كثيرة ودوافع متعددة يكاد كل واحد منها يكون سبباً كافياً لإرتكاب الغيبة، ومن ذلك:

1 ـ الحسد.

2 ـ الأنانية والعجب ورؤية الذات.

3 ـ الغرور والكبّر.

4 ـ الحرص.

5 ـ الحقد.

6 ـ حبّ الجاه.

7 ـ حبّ الدنيا والثروة والمقام.

8 ـ الرياء.

9 ـ تزكية النفس واظهار الطهارة والتقوى.

10 ـ طلب الترفيه عن النفس بأمور غير مشروعة.

[ 87 ]

11 ـ سوء الظن.

12 ـ حبّ الانتقام.

13 ـ التشفي وإطفاء سورة الغضب.

14 ـ السخرية والاستهزاء، وغير ذلك من أمثال هذه الدوافع النفسية.

والقدر المشترك بين هذه الاُمور هو أنّ الإنسان يسعى لتسقيط الشخص الآخر وكسر شخصيته وموقعيته الاجتماعية ليضحى في أنظار الناس ذليلاً ولا قيمة له، ومن هذا الطريق يجبر نقصه ويهدأ غضبه ويشيع حالة الانتقام من الطرف الآخر، أو يتحرك لحرمانه من المقام والثروة أو لاظهار الزهد والقداسة الزائفة أو يتحرك من موقع إثارة الضحك والسخرية أو يرى لنفسه امتيازاً ومقاماً على الآخرين.

ومن هنا يتّضح أولاً: أنّ الغيبة مفهوم واسع الأطراف ولها عوامل متنوعة وكثيرة، ففي الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «أَصلُ الغَيبَةِ تَتَنوَّعُ بِعَشرَةِ أَنواعِ، شِفاءِ غَيظ وَمُسـاعَدَةِ قَوم وَتُهمَة، وَتَصدِيقِ خَبَر بِلا كَشفِهِ، وَسُوءِ ظَنٍّ وَحَسَد وَسُخرِيَّة وَتَعَجُّب وَتَبَرُّم وَتَزَيُّن، فَان أَرَدتَ السَّلامَةَ فَاذكُرِ الخـالِقَ لا المَخلُوقَ فَيَصِيرُ ذلِكَ مَكانَ الغَيبَةِ عِبرَةً وَمَكانَ الإِثمِ ثَواباً»(1).

ومن الواضح أنّ الإمام هنا في صدد بيان قسماً من العوامل المهمّة للغيبة لأنّه كما تقدّم أنّ دوافع الغيبة متعددة وكثيرة غير ما ذكر في الحديث الشريف.

 

العواقب السلبية للغيبة:

للغيبة آثار سلبية ونتائج مخربّة كثيرة على الفرد والمجتمع البشري فلو تساهل الناس معها لأزداد الحال خطورة، ومضافاً إلى ذلك العواقب الوخيمة المعنوية والعقوبات الإلهية المتربتة على هذه المعصية كما سبقت الإشارة إليها في الروايات الشريفة.

وبالنسبة إلى المورد الأول يمكن الإشارة إلى مايلي:


1. بحار الانوار، ج72، ص257.

[ 88 ]

1 ـ إنّ الغيبة تقوم بأتلاف أهم رأسمال للمجتمع البشري، والذي يتمثل بتبادل الثقة والاعتماد بين الأفراد، لأنّ أغلب الأشخاص لديهم نقاط ضعف يسعون لكتمانها وسترها ليحفظوا ثقة الناس واعتمادهم، وقبح هذه النواقص ونقاط الضعف من شأنه أن يقطع أواصر الاعتماد والثقة بين الناس.

ومن المعلوم أنّ الأساس في ظاهرة التعاون الاجتماعي والتفاعل الإيجابي والعاطفي بين الناس يتمثل في الاعتماد المتقابل بين أفراد المجتمع وبدون ذلك يتبدل المجتمع إلى جحيم لا يطاق من كثرة المشاكل الاجتماعية.

2 ـ إنّ الغيبة تتسبب في سوء الظن بين الأفراد، لأنّ العيوب المستورة للأشخاص عندما تنكشف للناس فتتسبب في زوال حسن الظن لدى الإنسان بالنسبة لجميع الأسوياء والصالحين أيضاً حيث يقول: إنّ هؤلاء قد يمارسون مثل هذه الأعمال الشنيعة في الخفاء ويتظاهرون بالصلاح والخير فلا نعلم من حقيقة حالهم.

3 ـ إنّ الغيبة هي أحد أسباب إشاعة الفحشاء والمنكر، لأنّ الذنوب المستورة إذا ظهرت بسبب الغيبة فإنّ ذلك سيؤدي إلى تشجيع الآخرين على إرتكابها، وأساساً فإنّ
إظهار الذنوب والكشف عنها من شأنه أن يزيل حالة الخشية منها فيستصغرها الناس ويكون ذلك عذراً للفسّاق في تبرير ذنوبهم وممارساتهم الخاطئة وأنّه إذا قمنا بارتكاب هذا الذنب فإنّ غيرنا ومن هو أفضل منّا وأعلم قد إرتكبه قبلنا.

ونقرأ في حديث شريف عن الإمام الصادق أنّه قال: «مَنْ قـالَ فِي مُؤمِن مـا رَأَتْهُ عَينـاهُ وَسَمِعَتْهُ اُذُنـاهُ فَهوَ مِنَ الَّذِينَ قـالَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ: إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الفـاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُم عَذابٌ أَلِيمٌ»(1).

4 ـ إنّ الغيبة من شأنها أن تبعث الجرأة في نفوس المذنبين على ارتكاب الذنوب وكسر حاجز الحياء، لأنّ أعمال الإنسان مادامت مستورة فإنّ الحياء يمنعه من إرتكاب الأشنع منها والتجاهر بها خوفاً من الفضيحة والخزي أمام الآخرين، فلو أنّه إفتضح أمره، فحينئذ


1. اصول الكافي، ج2، ص357.

[ 89 ]

يزول مانع الحياء من نفسه ويتجرّأ أكثر على ارتكاب الذنب.

5 ـ إنّ الغيبة تورث الحقد والعداوة والبغضاء بين الناس لأنّ أهم رأسمال للإنسان في المجتمع هو حيثيته وشخصيّته الاجتماعية، والغيبة بإمكانها أن تذيب وتحرق رأس المال هذا فلا يبقى للإنسان شيئاً يعتدّ به في حركة الحياة الاجتماعية، ولذا تسبب الغيبة العداوة الشديدة والحقد العميق في قلب الشخص المستغاب (فيما لو سمع بذلك).

6 ـ إنّ الغيبة من شأنها أن تسقط المستغيب في أنظار الآخرين، لأنّهم سوف يتصوّرون أن هذا الشخص الذي يتحدّث لهم عن عيوب الآخرين سوف يتحدّث عن عيوبهم أيضاً للآخرين ويغتابهم، ولذلك ورد في الرواية عن أمير المؤمنين أنّه قال: «مَنْ نَقَلَ إِلَيكَ نَقَلَ عَنكَ»(1).

وفي حديث آخر نقرأ: «لا مُرُوَّةَ لِمُغتـاب»(2).

7 ـ إنّ الغيبة من شأنها أن تكون عذراً لتبرير خطايا وذنوب الشخص المستغيب، فمن أجل أن يكون في أمان من اعتراض الناس وهجومهم، فإنّه يتحرّك لممارسة هذا الذنب ويستغيب الآخرين لدفع التهمة عن نفسه.

(وأمّا الآثار المعنوية السلبية) للغيبة فأكثر من أن تحصى في هذا البيان، ولكن نشير إلى بعض ما ورد في الروايات الإسلامية عن ذلك:

1 ـ تقدّم في الروايات السالفة أنّ الغيبة تمحق الحسنات وتبطل الأعمال الخيّرة كما تحرق النار الحطب، ويقول العالم الكبير الشيخ البهائي(قدس سره) في أحد كتبه: إنّ الغيبة كالصاعقة التي تحوّل الحسنات إلى رماد في لمح البصر ثم يقول: إن الشخص الذي يرتكب الغيبة هو كمن نصب منجنيقاً واستهدف به حسناته لتحطيمها وتدميرها(3).

2 ـ إنّ الغيبة تعمل على تدمير إيمان الإنسان ودينه وتشويه قلبه كما يصنع مرض الجدري بجلد الإنسان.


1. غرر الحكم.
2. المصدر السابق.
3. كشكول الشيخ البهائي، ج2، ص295.

[ 90 ]

3 ـ إنّ المرتكب للغيبة في حالة العفو عنه سيكون آخر شخص يدخل الجنّة، وفي حالة عدم العفو عنه سيكون أول من يدخل النار.

4 ـ إنّ الغيبة تتسبب في فضيحة الإنسان، فقد ورد في الحديث النبوي الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «يـا مَعْشَرَ مَن آمَنَ بِلِسـانِهِ وَلَم يُؤمِنْ بِقَلبِهِ لا تَغتَابُوا المُسلِمِينَ وَلا تَتَبَّعُوا عَوراتِهم فَإنَّهُ مَنْ تَتَبَّعَ عَورَةَ أَخِيهِ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ وَمَنْ تَتَبَّعَ اللهُ عَورَتَهُ يَفضَحُهُ فِي جَوفِ بَيتِهِ»(1).

5 ـ إنّ الغيبة تؤدّي إلى انتقال حسنات الشخص المغتاب إلى كتاب أعمال الطرف الآخر، وكذلك تؤدّي إلى انتقال سيئات الطرف الآخر المستغاب إلى كتاب أعمال المستغيب فنقرأ في رواية عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «يُؤتى بِأَحَد يَومَ القِيـامَةِ يُوقَفُ بَينَ يَدَي اللهُ يُدفَعُ إِلَيهِ كِتـابُهُ فَلا يَرى حَسَنـاتَهُ فَيَقُولُ إِلهي لَيسَ هذا كِتـابِي فَإِنِّي لا أرى فِيها طـاعَتِي فَقـالَ إِنَّ رَبَّكَ لا يُضِلُّ ولا يَنسى، ذَهَبَ عَمَلُكَ بِاغتِيابِ النّاسِ ثُمَّ يُؤتى بِآخَرَ وَيُدفَعُ إِلَيهِ كِتـابُهُ فَيَرى فِيهـا طـاعـات كَثِيرَة، فَيَقُولُ إِلَهي ما هذا كِتـابِي فَإنِّي مـا عَمِلتُ هذِهِ الطَّـاعـاتِ، فَيَقُولُ: إِنَّ فُلاناً إِغتَابَكَ فَدُفِعَتْ حَسَناتُهُ إِلَيك»(2).

ومن هذا المنطلق نقل عن بعض الشخصيات المعروفة السالفة أنّه أرسل إلى شخص إستغابه طبقاً من التمركهدية له وقال: إنّك قد أرسلت إليّ حسناتك وأهديتها لي فأردت جبران صنيعك هذا بهذه الهدية.

ونقل عن شخص آخر أنه كان يقول: أَنّني إذا أردت أن أستغيب أحد الأشخاص فإنّ اُمّي هي الأولى بذلك لأنّها أولى بحسناتي من الآخرين.

6 ـ إنّ الغيبة تتسبب في أن لا تقبل صلاة المغتاب وصومه لمدّة أربعين يوماً كما ورد هذا المعنى في الحديث النبوي الشريف قال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «مَنْ إِغتـابَ مُسلِماً أو مُسلِمَةً لَم يَقبَل اللهُ تَعالى صَلاتَهُ ولا صِيامَهُ أَربَعِينَ يَوماً وَلَيلَةً إلاّ أَنْ يَغْفِرَ لَهُ صـاحِبُهُ»(3).


1. المحجة البيضاء، ج5، ص252.
2. مستدرك الوسائل، ج9، ص121، ح30.
3. المصدر السابق، ص122، ح34.

[ 91 ]

علاج الغيبة:

إنّ علاج هذا المرض الأخلاقي الخطير يشبه من جهات علاج سائر الأمراض الأخلاقية الاُخرى، ويختلف عنها من بعض الجهات، وفي المجموع لابدّ من رعاية الاُمور التالية للوقاية من الوقوع في هذا المرض أو علاجه:

1 ـ إنّ العلاج الحقيقي لكل مرض بدني أو نفسي أو أخلاقي يتمثّل بالعثور على الجذور والأسباب الكامنة وراء الابتلاء بهذا المرض والسعي لإزالتها والقضاء عليها، وبما أنّ عوامل حصول هذه الصفة القبيحة في النفس كثيرة ومتعددة فلابدّ من التوجه إلى تلك العوامل والاسباب، وقد رأينا أنّ من العوامل المهمّة هو: الحسد، الحقد، الأنانية، حبّ الانتقام، التكبّر والغرور وأمثال ذلك، وما دامت هذه الحالات النفسية السلبية موجودة في أعماق النفس ومادام الإنسان لا يتحرّك على مستوى إزالتها من واقعه وذاته فإنّ هذه الحالة الرذيلة أي ـ الغيبة ـ لا تنقلع ولا تزول.

وعندما لا يجد الإنسان في نفسه حسداً على أحد ولا يعيش حالة الحقد والكراهية والمقت تجاه الآخرين ولا يرى في نفسه إمتيازاً ولا تفوّقاً على الغير فلا مسوّغ له للتلّوث بخطيئة الغيبة ولا يجد في ذاته رغبة وميلاً إلى ارتكاب هذا الفعل الذميم.

2 ـ ومن الطرق الاُخرى لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية هو الالتفات والتفكّر في عواقبها السلبية على المستوى المادي والمعنوي، والفردي والاجتماعي، فإنّ الإنسان متى ما إلتفت إلى أنّ الغيبة ستؤدّي به إلى المهانة والسقوط في أنظار الناس فيعرفونه بأنّه شخص خائن، ضعيف النفس، ويشعر بالدونية والحقارة، فإنّهم سوف يتحرّكون في الإرتباط معه من موقع عدم الثقة وسوف تهتز شخصيته ومكانته الاجتماعية لدى الآخرين، وأنّ الغيبة سوف تتلف حسناته وتهدر طاقاته وتنقل سيئات الآخرين إلى صحيفة أعماله، ولا تقبل عباداته لمدّة أربعين يوماً وهو أول من يدخل النار، وفيما لو تاب وقبلت توبته يكون آخر من يدخل الجنّة.

وأيضاً عليه أن يلتفت إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الغيبة هي حق الناس لأنّها تتسبب في

[ 92 ]

هدم سمعتهم والذهاب بماء وجوههم، ونعلم أنّ قيمة ماء الوجه مثل قيمة النفس والمال لدى الإنسان أو أكثر وما لم يرض عنه صاحب الحق، فإنّ الله تعالى لا يرضى عنه، وربّما لا يتسنى له التوصل إلى كسب رضى الطرف الآخر أبداً وحينئذ سيتحمل وزر هذا الفعل مدى الحياة.

أجل، فلو أنّ الإنسان تدبّر في هذه الاُمور جيداً فسوف يندم بالتأكيد على عمله ويتحرّك بعيداً عن هذا السلوك المنحرف، والأشخاص الذين يعيشون ممارسة الغيبة في مجالسهم وبهدف الترفيه والتفريح واللهو إذا ما فكّروا في عواقب الغيبة فسوف يتحوّلون عنها بالتأكيد ولا يقتربون من ممارسة هذا السلوك السلبي والعدواني.

3 ـ يجب أن ينتبه المستغيب إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ طاقات الإنسان محدودة، فلو أنّه بدلاً من إتلاف هذه الطاقات وصرفها في تسقيط شخصية الآخرين وهدم مكانتهم الاجتماعية كان يستخدم هذه الطاقات والقابليات والمواهب الإلهية في خط الكمال المعنوي والمنافسة السلمية والصحيحة بينه وبين الآخرين فقد لا تمضي فترة قصيرة إلاّ ويحرز التوفيق في الكمالات الإنسانية والمعنوية على الخير ويصل إلى مراتب سامية في حركة الحياة والتكامل المعنوي والمادي من دون أن يجد حاجة إلى تسقيط الآخرين والعدوان عليهم وبالتالي سوف ينقذ نفسه من نتائج الغيبة وعواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة.

وبعبارة اُخرى أنّ الأفضل للإنسان أن يقوم باعمار بيته وبناء داره بدلاً من تخريب بيوت الآخرين ليعيش في منطقة عامرة وفي دار مشيّدة، ولكن الشخص الذي يتحرّك دائماً من موقع تخريب بيوت الآخرين فإنّ نتيجته سوف تكون تخريب بيوت المنطقة وتخريب بيته أيضاً فيعيش في الأطلال والخرائب.

يجب أن يلتفت المستغيب إلى هذه الحقيقة وهي أنّ الغيبة هي احدى العلامات البارزة لضعف الشخصية وفقدان الهمّة والمروءة وأنّه يعيش عقدة الحقارة والدونيّة، ولذلك فهو يمارس الغيبة لجبران هذا الضعف النفسي وفي الحقيقة يقوم باظهار هذه العيوب الذاتية

[ 93 ]

والصفات الباطنية ويجهر بها أمام الناس، فهو يقوم بتدمير شخصيته وتحطيم كيانه قبل أن يحطّم شخصية الآخرين الذين يغتابهم.

وهناك ملاحظة جديرة بالاهتمام وهي أنّه لابدّ لترك الغيبة وخاصة فيما لو أصبحت عادة لدى الشخص، أن يقوم قبل كل شيء بفرض الرقابة الشديدة على لسانه وكلماته ويتحرّك من موقع الضغط الأخلاقي في دائرة الكلام، وكذلك ينبغي له أن يتجنّب معاشرة الأصدقاء الذين لا يجدون حرجاً في ممارسة الغيبة ويدفعونه بهذا الاتجاه ويترك المجالس المهيئة للغيبة، بل وجميع الاُمور التي توسوس له في ممارسة الغيبة.

وفي حديث شريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «مـا عُمِّرَ مَجلِسٌ بالغَيبَةِ إلاّ خَرِبَ مِنْ الدِّينِ»(1).

الملاحظة الاُخرى هي أنّ أحد دوافع الغيبة هو السعي لتبرئة الذات والدفاع عنها، مثلاً أن يقول: إذا كنت قد إرتكبت هذا الذنب، فإنّ من هو أفضل منّي وأعلم قد ارتكبه أيضاً، والحال أنّ تبرئة الذات لها طرق اُخرى كثيرة لا تنتهي بهذا الذنب الكبير أي ـ الغيبة ـ وأساساً فإنّ الاعتراف بالخطأ في هذه الموارد يكون أسلم عذر وأفضل سبيل لتدارك الخطأ، مضافاً إلى أنّ أحد الأخطاء الكبيرة لدى الإنسان أن يقارن بينه وبين الفاسقين والأراذل من الناس ويترك المقارنة بينه وبين الأخيار والصلحاء من أفراد المجتمع.

أحياناً يتحرّك الشخص لتبرئة نفسه وتبرير سلوكه إلى التشبث بهذا العذر وهو أنني عندما رأيت العالم الفلاني قد إنحرف على مستوى السلوك وارتكب الذنوب زالت عقيدتي وضعف إيماني وأصبحت في أمر العقيدة بالمبدأ والمعاد غير مكترث، هذه المعاذير والتبريرات هي المصداق الأتم لمقولة العذر أقبح من الذنب، ويترتب على ذلك عواقب خطرة جدّاً، فما أحرى بالإنسان أن يعترف بخطئه ويسعى في تعامله مع الآخرين في حمل سلوكياتهم وأفعالهم على الصحة، وعلى فرض أنّ أحد القادة أو العلماء أو الجهّال تصرّف من موقع الإنحراف وارتكب بعض الذنوب، فلا يكون ذلك مسوّغاً للآخرين على سلوك هذا


1. روضة الواعظين، ص542.

[ 94 ]

المسلك وتبريره بتلك الذريعة الشيطانية، بل يجب على الإنسان أن يجعل الصلحاء والأولياء اُسوة له في دائرة السلوك والتكامل المعنوي والأخلاقي.

—–

بقي من موضوع الغيبة عدّة اُمور مهمّة لابدّ من التعرّض لها:

 

1 ـ استماع الغيبة

كما أنّ التحدّث بالغيبة من الذنوب الكبيرة فكذلك المشاركة في مجلس الغيبة والاستماع للمغتاب في تعرضّه للمؤمنين والوقيعة بالآخرين أيضاً من الذنوب الكبيرة، لأنّ جميع المفاسد المترتبة على الغيبة تتعلق بطرفين، المغتاب والمستمع للغيبة، فلو أنّ الشخص لم يجد في نفسه استعداداً لسماع الغيبة فمضافاً إلى أنّه قد تقدّم خطوة في طريق
النهي عن المنكر، فكذلك لا يمكن للغيبة أن تتحقّق في الواقع، فلا يجد المغتاب من يستمع له ليكشف عن عيوب الناس ولا يتمكن من تسقيط شخصية الآخرين ولا هتك حرماتهم ولا يترتب على ذلك المفاسد الاجتماعية الاُخرى.

ولهذا السبب نجدالروايات الإسلامية قد شاركت المستمع للغيبة وجعلته أحد المغتابين كما ورد في أحد الروايات عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «المُستَمِعُ أحدُ المُغتَابِينَ»(1).

وورد عن الإمام علي(عليه السلام) قوله: «السّامِعُ للغَيبَةِ أَحَدُ المُغتَابِينَ»(2).

وفي حديث آخر عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّه عندما رأى أحد الأشخاص يرتكب الغيبة في حضور ولده الإمام الحسن(عليه السلام) فقال له: «يـابُنَي نَزِّهِ سَمعَكَ عَنْ مَثلِ هذا فَإنَّهُ نَظَرَ إلى أَخبَثِ مـا فِي وِعـائِهِ فَأَفرَغَهُ فِي وِعـائِكَ»(3).