4 ـ في حديث آخر عنه(عليه السلام) أيضاً، أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) كان في يوم من الأيّام راكباً ناقته وفجأة نزل وسجد خمس سجدات، وعندما قام وركب مركبه، قلت له: يا رسول الله رأيت منك اليوم أمراً لم أره من قبل، فقال: «نِعَمٌ إستَقبَلَني جِبرئِيلُ فَبَشَّرنِي بِبشـارات مِنْ اللهِ عَزَّوَجَلَّ فَسَجَدتُ للهِ شكُراً لِكُلِّ بُشرى»(3).

ونستوحي من هذا الحديث أنّ القادة الإلهيين يؤدّون شكر كل نعمة على حدة مهما استطاعوا.

5 ـ وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه أمر بشكر جامع وكامل فقال: «إِذا أَصبَحتَ وَأَمسَيتَ فَقُلْ عَشرَ مَرّات: اللَّهُمَّ مـا أَصبَحتْ بِي مِنْ نِعمَة أو عـافِية مِنْ دِين أو دُنيـا فَمِنكَ وَحدَكَ لا شَرِيكَ لَكَ، لَكَ الحَمدُ وَلَكَ الشُّكرُ بِهـا عَلَيَّ يـاربَّ حَتّى تَرضى وَبَعدَ الرّضا»(4).


1. اصول الكافي، ج 2، ص 94، ح 7.
2. غرر الحكم.
3. اصول الكافي، ج2، ص98، ح24.
4. المصدر السابق، ح28.

[ 63 ]

وبعدها قال الإمام الصادق(عليه السلام): إنّك إن فعلت ذلك فتكون قد أدّيت شكر النعم التي وافتك في ذلك اليوم.

6 ـ عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) في أحاديثه القصار والمليئة بالمعاني الجميلة، فيقول:

«شُكرُ النِّعمَةِ أَمـانٌ مِنْ تَحلِيلِها وَكَفِيلٌ بِتأييدِها»(1).

7 ـ وقال(عليه السلام) في حديث آخر: «شَرُّ النّاسِ مَنْ لا يَشكُرُ النِّعمَةَ وَلا يرعى الحُرُمَةَ»(2).

والأحاديث في هذا المجال كثيرة جدّاً ولا يسعها هذا المختصر وما ذكر سابقاً هو نزر يسير منها.

 

الشكر في سيرة المعصومين(عليهم السلام):

نحن نعلم أنّ احدى أشكال الحديث، هو فعل وتقرير المعصوم، وكما أنّ قوله يوضّح ويبيّن لنا معالم الدين ومعارفه، فكذلك بعمله وسكوته في المواقع والمواضع التربوية المختلفة، سيرسم لنا معالم الطريق الصحيح للأحكام والمعارف والأخلاق خصوصاً في مجال الشكر، والأمثلة عليه كثيرة:

1 ـ قال الإمام الباقر(عليه السلام): «كَانَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) عِندَ عـائِشة لَيلَتها فَقـالَتْ: يـا رَسُولَ اللهِ لِمَ تَتعَب نَفسَكَ وَقَدْ غَفَرَ اللهُ لَكَ مـا تَقَدمَ مِنْ ذَنبِكَ وَمـا تأَخرَ؟ فَقَالَ: يـا عـائِشة أَلا أَكُونَ عَبدَاً شَكُوراً؟»(3).

ومنه يتبيّن أن الدافع لعبادة الأولياء هو الشكر، ونقلت هذه الجملة كثيراً عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) في أحاديثه المختلفة، وهي «أَفلا أَكُنْ عَبدَاً شَكُوراً» .

2 ـ في حديث عن هشام بن الأحمر أنّه قال: «كُنتُ أَسِيرُ مَعَ أَبي الحَسن(عليه السلام)(الكاظم) فِي بَعضِ أَطرافِ المَدِينةِ إذ ثَنّى رِجلَهُ عَن دابَّتِهِ فَخَرَّ ساجِداً، فَأَطـالَ وَطـالَ، ثُمَّ رَفَعَ رَأسَهُ وَرَكَبَ دابَّتَهُ فَقُلتُ: جُعلتُ فداك قَد أَطلتَ السُّجُودَ؟ فَقالَ:


1. غررر الحكم.
2. المصدر السابق.
3. اصول الكافي، ج2، ص95، باب الشكر، ح6..

[ 64 ]

«إنّني ذَكَرتُ نِعمَةً أَنعَمَ اللهُ بِها عَلَيّ فأَحبَبتُ أَنْ أَشكُرَ رَبِّي»(1)

ويعلم من هذه الرواية أنّ الأئمّة(عليهم السلام)، كانوا ملتزمين بأداء الشكر لكل نعمة، وكانوا يوصون مريديهم ومحبّيهم بذلك أيضاً، حيث جاء في الحديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إِذا ذَكَرَ أَحَدُكُم نِعمَةَ اللهِ عَزَّوجَلَّ فَليَضَع خَدَّهُ عَلى التُّرابِ شُكراً للهِ، فَإِنْ كانَ راكِباً فَليَنزِل فَليَضَعَ خَدَّهُ عَلَى التُّرابِ، وإِنْ لَم يَكُن يَقدَرُ عَلَى النُّزُولِ للشُّهرَةِ فَليَضَع خَدَّهُ عَلى قَربُوسِه، وإن لَم يَقدر فَليَضَع خَدَّهُ عَلى كَفِّهِ ثُمَّ لِيحمِدَ اللهَ عَلى مـا أَنعَم عَليهِ»(2).

3 ـ في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال لأحد أصحابه واسمه أبو بصير: «إِنَّ الرَّجُلَ مِنكُم لَيشرَبَ الشِّربَةَ مِنَ الماءِ فَيُوجِبُ اللهُ لَهُ بِها الجَنَّةَ، ثُمَّ قَالَ: إِنَّهُ لَيأَخُذ الإِنـاءَ فَيَضَعهُ عَلى فِيهِ فَيُسمِّي ثُمَّ يَشرَبُ فَيُنَحِّيهِ وهُوَ يَشتَهيهِ، فَيَحمدُ اللهَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشرَب، ثُمَّ َيُنَحِّيهِ فَيحمُدُ اللهَ، ثُمَّ يَعُودُ فَيَشرَب، ثُمَّ َيُنَحِّيهِ فَيَحمُدُ الله، فَيُوجِبُ اللهُ عَزَّوَجَلَّ لَهُ بِها الجَنَّةَ»(3).

 

كيف يتمّ الشكر:

قلنا في تعريف الشكر أنّه التقدير وعرفان الحرمة سواء كان باللسان أم بالقلب، والكفر هو التحقير للنعمة، وتضييعها، وعدم الاعتناء بالمنعم لها.

وأهمّ قسم من مراحل الشكر، هو الشكر العملي، وكم يوجد أفراد يشكرون باللسان ولكنهم يخالفون عملاً، ويكفرون بأنعم الله تعالى.

فالمسرفين والمبذّرين والبخلاء والمتفاخرين والطاغين كل اولئك من مصاديق الجاحدين للنعم الإلهية، ويمشون في طريق كفران النعم، بعكس اولئك الذين ينفقون أموالهم سرّاً وعلانية، ويتواضعون لله وللناس رغم سعة أموالهم وتراثهم، ولا يريدون تضييع ما آثرهم الله تعالى به من فضله ويضعون الشيء موضعه، أو كما قال الله تعالى: (فِي أموالِهِم حَقٌّ مَعُلومٌ لِلسَّائِلِ وَالَمحرُومِ) اُولئك المؤدّون شكر النعم حقّها في مقابل المعطي الحقيقي


1. اصول الكافي، ج 2، ص 98، ح 26.
2. المصدر السابق، ح25.
3. اُصول الكافي، ج 2، ص96، ح16.

[ 65 ]

لها، بل ويستحقون الزيادة، (وَلَئِن شَكَرتُم لأَزِيدَنَّكُم) وورد في الروايات الإسلامية اشارات لطيفة لمراحل الشكر الثلاثة.

نقرأ في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «مَنْ أَنعَمَ اللهـُ عَلَيهِ بِنِعمَة فَعَرَفَها بِقَلبِهِ فَقَد أَدّى شُكرَها»(1).

ومن البديهي أنّ معرفة النعمة وأهميتها وقيمتها، يؤدّي إلى معرفة الواهب لها ويحثّ على تأدية شكرها بالعمل واللسان.

وورد في حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال لأحد أصحابه: «مـا أَنعَمَ اللهُ عَلَى عَبد بِنِعمَة صَغُرَتْ أَو كَبُرَتْ فَقَالَ الحَمدُ للهِ إلاّ أَدّى شُكْرَها»(2).

ومن المؤكد أنّ القصد من القول الحمد لله، ليس هو لقلقة اللسان بل الحمد الحقيقي النابع من القلب والروح.

ولذلك فإننا نقرأ في حديث ثالث عنه(عليه السلام)، أنّ أحد أصحابه سأله: «هَلْ لِلشُّكرِ حَدٌّ إِذا فَعَلَهُ العَبدُ كَانَ شـاكِراً؟ قَالَ: نَعم، قُلتُ: مـا هُوَ؟

قَالَ: يَحَمدُ اللهَ عَلَى كُلِّ نِعمَة عَلَيهِ فِي أَهل وَمـال وإِن كانَ فِيمـا أَنعَمَ عَلَيهِ فِي مـالِهِ حَقٌّ أَداهُ، وَمِنهُ قَولُهُ عَزَّوَجَلَّ: (سُبحـانَ الَّذِي سَخَّرَ لَنـا هَذا وَمـا كُنّا لَهُ مُقرِنِينَ)...»(3).

وكذلك في حديث آخر عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «شُكرُ العالِمِ عَلى عِلمِهِ، عَمَلُهُ بِهِ وَبَذْلُهُ لِمُستَحِقِّهِ»(4).

فهذه اشارات للشكر العملي في مقابل النعم الإلهية، وبالطبع إنّ العالم الذي لا يعمل بعلمه، أو يحجب علمه عن الآخرين، فهو عبد لا يؤدّي شكر النعم، ولسان حاله يقول: أنني لا أستحق هذه النعم العظيمة.

ويجب الإشارة إلى أنّ الشكر العملي يختلف باختلاف الأفراد ويتغيّر شكله من مكان


1. اصول الكافي، ج2، ص96، ح15.
2. المصدر السابق، ح14.
3. اُصول الكافي، ج 2، ص96، ح12.
4. غرر الحكم.

[ 66 ]

إلى مكان، وكما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام) في حديثه القصير القيم، حيث أشار إلى أربع نماذج، فقال:

«شُكرُ إِلهِكَ بِطُولِ الثَّناءِ، شُكرُ مَنْ فَوقَكَ بِصِدقِ الولاءِ، شُكرُ نَظِيرَكَ بِحُسنِ الإِخـاءِ، شُكرُ مَنْ دُونَكَ بِسَببِ العَطـاءِ»(1).

واحدى فروع الشكر العملي، وهو عندما ينتصر الإنسان على عدوّه، أو بعبارة اُخرى العفو عند المقدرة على العدو ما لم يكن خطراً فعلياً، وليجعل العفو عنه هو علامة لشكر الله تعالى وانتصاره عليه، فقال أمير المؤمنين(عليه السلام): «إِذا قَدَرتَ عَلَى عَدوِّكَ فاجعَلِ العَفوَ عَنهُ شُكراً للقُدرَةِ عَلَيهِ»(2).

كما وتجدر الإشارة إلى أنّ أفضل طرق الشكر العملي للنعم، هو الانفاق منها في سبيل الله تعالى، وقال علي(عليه السلام)في هذا المجال: «أحسَنُ شُكرِ النِّعَمِ الإنعامُ بِها»(3).

والطريقة الاُخرى لشكر النعم العملي هي العبادة والدعاء، بل هو وحسب ما جاء في الروايات الإسلامية أفضل دافع للعبادة، والحال أنّ العبادة لأجل الحصول على الجنّة هي من عبادة التّجار والعبادة خوفاً من النار تعتبر من عبادة العبيد، فإذا كان الدافع للعبادة هو الشكر، فتلك هي عبادة الأحرار، وقال علي(عليه السلام): «إِنّ قَوماً عَبَدُوهُ شُكراً فَتِلكَ عِبـادَةُ الأَحرارِ»(4).

 

دوافع الشكر:

يمكننا تقوية روح الشكر ودوافعه، بطرق مختلفة متعددة، وأولها معرفة النعم،

نحن نعلم أنّ الله تعالى قد أغرق الإنسان بنعمه ظاهرة وباطنة وفردية واجتماعية، ولحسن الحظ فإنّ تقدم العلوم من عجائب ونعم الله المحيطة بنا، من عجائب صنع الكون


1. غرر الحكم.
2. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 11.
3. غرر الحكم.
4. بحار الانوار، ج75، ص69، ح18.

[ 67 ]

والعالم إلى عجائب خلقة الإنسان وكل واحدة منها تعتبر نعمة عظيمة كبيرة تستحق الإجلال والوقوف عندها، فمثلاً الكل يعرف في وقتنا الحاضر جسم الإنسان وتركيبه وأنّه مكوّن من مليارات الخلايا الصغيرة، وهي بدورها لها هيكل وشكل معقد محير للعقول، وكل خليّة منها تعتبر نعمة تستحق الشكر، هذا بالنسبة للخلايا، وأمّا الدم فهو أيضاً يتكون من مكوّنات عديدة أحدها كريّات الدم البيض والتي اُلقي على عاتقها مهمّة الدفاع عن الجسم في مقابل الميكروبات والأمراض المختلفة التي تهجم عليه نتيجة لتعامل الإنسان مع البيئة التي يعيش فيها، وإذا ما قيل قديماً أنّ كل نفَس يستنشقه الإنسان يتألف من نعمتين وكل نعمة تستحق الشكر، اليوم وفي وقتنا الحاضر اُستحدثت آلاف بل ملايين النعم وكل واحدة منها تستحق الشكر فعلاً وحقاً.

وإذا قال القدماء بأنّ العوامل الأربعة من الشمس والأرض والمطر والرياح تلتقي مع بعضها لتولّد لك رغيف الخبز، فنحن اليوم وبسبب تقدّم العلوم نعلم جيداً أنّ العوامل التي تهب لنا رغيف الخبز لا تقتصر على هذه العوامل الأربعة بل هناك ألالاف من العوامل البيئية والبشرية تلتقي لتولّد لنا هذه النعمة والموهبة الإلهية.

وعليه فانّ دوافع المعرفة التي تتصل من خلال المعرفة تتسع يوماً بعد آخر وتأخذ أبعاداً جديدة ومتنوعة، وعلى هذا الأساس فإنّ استمرار حالة الشكر للنعم الإلهية يحصل ويتعمّق في وجود الإنسان من خلال التدبّر ودوام التفكّر في هذه النعم الإلهية في حركة الحياة والواقع.

الدافع الآخر للشكر هو أنّ الإنسان لابدّ أن ينظر في الموارد الدنيوية إلى ما دونه من الناس ليدرك عظيم نعمة الله عليه وما حباه من كثير المنّة وما أعطاه من القابليات والقوى والإمكانات التي يفتقدها الآخرون لأسباب مختلفة، وفي ذلك نقرأ في الحديث الشريف الوارد عن الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام) في كتابه لأحد أصحابه المعروفين (حارث الهمداني) يقول:

[ 68 ]

«وَأَكثِر أَنْ تَنظُرَ إِلى مَنْ فُضِّلتَ عَلَيهِ فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ أَبوابِ الشُّكرِ»(1)

في حين أنّ الإنسان لو نظر إلى من فوقه من الأشخاص المثرين فإنّ ذلك سوف يتسبب له بتفعيل روح الطمع وعدم الشكر وبالتالي تتحرّك الوساوس الشيطانية في نفسه لتثير فيه حالة الابتعاد عن الله تعالى ونسيان النعمة، ومن الدوافع المهمّة الاُخرى مطالعة بركات وآثار شكر النعمة والمنعم وما يترتب عليه من زيادة النعمة ودوامها كما تقدم ذلك بالتفصيل في الأبحاث المتقدمة.

ومن أفضل الطرق لتفعيل حالة الشكر بين الناس تجاه أحدهم الآخر أن يتحرك الناس باتجاه مكافأة المحسن وتقدير الأشخاص الذين يساهمون في حركة الخدمة والإحسان في المجتمع سواءً كان التشجيع والثناء كلامياً أو فعلياً ولذلك قال الإمام علي(عليه السلام) في عهده المعروف لمالك الأشتر: «ولا يَكُونَنَّ المُحسِنُ والمُسِىءُ عِندَك بِمَنزِلَة سواءِ فإنَّ فِي ذَلِكَ تَزهِيداً لأَهلِ الإِحسـانِ فِي الإِحسـانِ وَتَدرِيباً لأَهلِ الإِساءَةِ عَلَى الإِساءةِ»(2).

 

شكر الخالق وشكر المخلوق:

لا شكّ أنّ الشكر للنعمة كما هو خُلق جميل بالنسبة لله لشكر الله تعالى فكذلك هو خُلق جميل ومطلوب من الإنسان تجاه المخلوق أيضاً، فالشخص الذي يؤدّي خدمة إلى الآخر ويتحرك في سبيل ايصال نعمة أو يتنازل عن خير من نفسه إلى الآخر فإنّ وظيفة الآخر الذي حصل على هذا الخير أن يشكر هذا الإنسان الذي تسبب في إيصال النعمة له رغم أنّه لا يريد ولا يتوقّع الشكر من الآخر، فقد ورد في الرواية المعروفة عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) قوله: «مَن لَم يَشْكُرِ المُنعِمَ مِنَ المَخلُوقِينَ لَم يَشكُرِ اللهَ عَزَّوَجَلَّ»(3).

إنّ العبارة المعروفة: «مَنْ لَم يَشكُرِ المَخلُوقَ لَم يَشكُرِ الخالِقَ» رغم أنّها لم ترد في


1. نهج البلاغة، الرسالة 69.
2. المصدر السابق، الرسالة 53.
3. عيون أخبار الرضا، ج2، ص24.

[ 69 ]

الروايات الإسلامية بهذا النص إلاّ أنّ هذا المضمون والمفهوم قدورد في الروايات الشريفة عن المعصومين، ويمكن أن يكون لها معنيان وتفسيران:

الأول: أنّ ترك شكر المخلوق هو شاهد ودليل على روح العناد وكفران النعمة لدى هذا الشخص وبسبب ذلك فإنّه لا يعيش التقدير والاحترام للآخرين بل أحياناً تستولي عليه حالة انتظار الاحسان من الناس ويرى أنّهم مقصّرون في حقّه، ومثل هذا الإنسان سوف لا يعيش الشكر للخالق جلّ وعلا، ولا سيّما أنّ النعم والخيرات التي تصل إلى الإنسان عن طريق الآخرين تكون محدودة ولذلك يشعر بها الإنسان ويلمسها من قريب لأنّها تقع بين الفينة والاُخرى، أمّا المواهب الإلهية فكثيرة ولا متناهية وتحيط بوجود الإنسان تماماً ولذلك فإنّها لشدّة ظهورها تكاد تخفى على الإنسان الغارق في النعمة فلا يكاد يشعر بها.

والآخر: أنّ شكر المخلوق هو في الواقع شكر الله تعالى، لأنّ شكر المخلوق ما هو إلاّ واسطة للفيض وانتقال النعمة من الله تعالى إلى الآخرين، وعليه فإنّ من لم يشكر المخلوق فهو في الواقع لم يشكر الله تعالى.

وعلى كل حال فقد ورد التأكيد على هذا المعنى في الروايات الإسلامية وأنّ المسلم لابدّ أن يعيش الشكر للمخلوق الذي أوصل إليه النعمة، وللخالق الذي هو أصل النعمة بل وينبغي اعطاء الشاكر مزيداً من النعمة تشجيعاً لواقع الشكر كما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام)قوله، أنّه ورد في التوراة: «اُشكُرْ مَنْ أَنعَمَ عَلَيكَ وَأَنعِمْ عَلَى مَنْ شَكَرَكَ»(1).

ونقرأ في المفاهيم القرآنية أنّ الله تعالى يأمر بتقديم الشكر للمخلوقين إلى جانب شكره تعالى: (وَوَصَّيْنَا الاِْنسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْناً عَلَى وَهْن وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَىَّ الْمَصِيرُ)(2).

ولا شكّ أنّ الوالدين لا يختصّون بإيصال الخير للإنسان أو أنّهما أصحاب الحق فقط عليه (رغم أنّ حقهما عظيم) فإنّ كل من كان له حق معنوي أو مادّي على الإنسان فلابدّ من تقديم الشكر له.


1. اصول الكافي، ج2، ص94.
2. سورة لقمان، الآية 14.

[ 70 ]

ونشاهد هذا المعنى في حالات وسيرة القادة الإلهيين حيث يشكرون الآخرين على أيّة خدمة مهما كانت ضئيلة ويجزلون العطاء على أقل نعمة تصل إليهم من الغير ومن ذلك ما ورد في قصة احدى جواري الإمام الحسين(عليه السلام)التي أهدت له وردة جميلة فما كان من الإمام(عليه السلام) إلاّ أن أعتقها جزاء صنيعها هذا، وعندما سئل عن سبب ذلك وأنّ هذا الجزاء الكبير لا يتلاءم مع تلك الخدمة الصغيرة من الجارية قال: «كذا أدّبنا الله»(1).

وكذلك القصّة المعروفة الاُخرى عن الثلاثة الكرام وهم الإمام الحسن(عليه السلام)والإمام الحسين(عليه السلام) وعبدالله بن جعفر الذين كانوا في قافلة فتأخروا يوماً عنها فلجأوا في الصحراء إلى خيمة عجوز منفردة فسقتهم الماء وأطعمتهم من لحم الشاة الوحيدة لديها فلّما انتهوا من الطعام وأرادوا الرحيل عنها قالوا لها: إذا وردت المدينة فأتي إلى دورنا لنجازيك على هذه الخدمة الكبيرة، ثم مضت أعوام من القحط الشديد في تلك الصحراء إلى درجة أنّ الأعراب وأهل الخيام في تلك الصحراء جاءوا إلى المدينة طلباً للطعام والغذاء، وفي أحد الأيّام وقعت عين الإمام الحسن(عليه السلام) على تلك العجوز في أزقّة المدينة تطلب لها طعاماً، فناداها الإمام وذكّرها بنفسه وأنّه قدم عليها مع أخيه وابن عمّه إلى خيمتها فاطعمتهم من ذلك الطعام ولكن العجوز لم تتذكر شيئاً ورغم ذلك فإنّ الإمام قال لها: إذا لم تذكري ذلك فأنا أذكره ثم إنّه وهب لها مالاً كثيراً وأغناماً كثيرة وبعثها إلى أخيه الإمام الحسين(عليه السلام)، فقام الإمام الحسين(عليه السلام) بمثل ما قام به أخيه الإمام الحسن(عليه السلام) من العطاء والكرم إلى هذه المرأة الكريمة، ثم أرسلها إلى عبدالله بن جعفر الذي صنع مثل ما صنع الحسن والحسين(عليهما السلام) حتى أنّ هذه المرأة (صارت من أغنى الناس) كما ورد في ذيل الحديث(2).

ونقرأ أيضاً قصّة (شيماء) بنت حليمة السعدية واُُخت النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) من الرضاعة حيث حباها النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)وتقدّم لها بفائق الاحترام والشكر جزاء للخدمة التي تقدّمت بها اُمّها حليمة السعدية للنبي(صلى الله عليه وآله) في طفولته، فقد ذكر المؤرخون بأنّ طائفة كبيرة من قبيلة


1. بحار الانوار، ج44، ص195 ونقل مثلها عن الإمام الحسن(عليه السلام).
2. نور الابصار، محمد الشبلنجي المصري (مع التلخيص); بحار الانوار، ج43، ص348.

[ 71 ]

بني سعد قبيلة حليمة السعدية وقعوا أسرى بيد المسلمين في حرب حنين، وعندما رأى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) شيماء بين الأسرى تذكّر خدماتها هي واُمّها في أيّام طفولته، فنهض من مكانه إحتراماً لها وفرش عباءته على الأرض وأجلس شيماء عليها وأخذ يسألها بكل لطف ومحبّة عن أحوالها وقال: أنت صاحبة الفضل عليّ وكذلك اُمّك، في حين أنّه قد مرّ على ذلك ستون سنة تقريباً، وهناك طلبت شيماء من النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)أن يطلق سراح أسرى قبيلتها فقال: أنا اُوافق على هذا الطلب من سهمي، فعندما سمع المسلمون ذلك وهبوا حصّتهم كذلك من الأسرى لشيماء، وبالتالي تم تحرير جميع أسرى هذه القبيلة بسبب تلك المحبّة والخدمة التي عاشها النبي(صلى الله عليه وآله) في مرحلة الطفولة(1).

ومثال آخر على ذلك هو ما ورد في سيرة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) من أنّه كانت هناك امرأة تدعى (ثويبة) التي نالت شرف ارضاع رسول الله(صلى الله عليه وآله) قبل «حليمة السعدية» من لبن ولدها «مسروح»، فعندما هاجر النبي(صلى الله عليه وآله) ورزقه الله المال كان يرسل لها بعض الثياب والهدايا إلى آخر حياتها حيث توفيت بعد واقعة «خيبر».

والعجيب أنّه جاء في بعض التواريخ أنّ هذه الامرأة «ثويبة» كانت أَمة «أبي لهب» وعندما بشرت أبا لهب بولادة رسول الله أعتقها أبو لهب (ومعلوم أنّ أبا لهب في ذلك الزمان قام بهذا العمل بسبب رابطة القرابة بينه وبين رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حيث فرح أبو لهب لمّا رزق أخوه عبدالله).

وعندما مات أبو لهب بعد سنوات من العداء والأذى لرسول الله(صلى الله عليه وآله) رآه أخوه العباس في عالم الرؤيا، فسأله عن حاله، فقال: أنا معذّب في النار، ولكن يخفّف عني العذاب في ليالي الأثنين بحيث أشرب الماء من بين أصابعي، لأنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) ولد يوم الأثنين، وعندما بشرتني أمتي ثويبة بولادته وعلمت أنّها أرضعته لعدّة أيّام أعتقتها»(2).

—–


1. اعلام الورى، ص126 و 127، سفينة البحار مادة «حلم».
2. سفينة البحار، ج1، ص522 (مفردة ثويبة).

[ 72 ]

 

[ 73 ]

4/الغيبة، التنابز بالألقاب وحفظ الغيب

4
الغيبة، التنابز بالألقاب وحفظ الغيب

 

تنويه:

تقدّم في الجزء الأول من هذا الكتاب والذي يبحث عن الاُصول العامة للقيم الأخلاقية بحث حول علاج آفات اللسان على أساس أنّها أول خطوات إصلاح الأخلاق وتهذيب النفس والسير والسلوك إلى الله تعالى، وقد وعدنا هناك أن نفصّل الحديث عن هذه الحالة ونذكر جزئيات اُخرى في البحوث اللاحقة، وأحد افرازات آفة اللسان هذه هي مسألة (الغيبة) التي هي من أخطر المفاسد الأخلاقية وأكثرها إتّساعاً وشيوعاً حيث تتسبب في هتك حُرمة الآخرين، وكشف أسرارهم، وإشاعة الفحشاء، وتمادي المذنبين والمجرمين في سلوكهم، وبالتالي تفضي إلى تزلزل إعتماد الناس وثقتهم بالبعض الآخر، ولا ريب أنّ لكثير من الناس عيوب ونقاط ضعف مستورة غالباً، فإذا اتّضحت هذه العيوب ونقاط الضعف فسوف تتزلزل الثقة العامة بين الناس وتنتشر المفاسد الأخلاقية العديدة التي ذكرناها آنفاً في الوسط الاجتماعي، ولذا نهى الإسلام عن ذلك بشدّة، وجاء في كتب علماء الأخلاق أنّ الغيبة من أسوأ آفات اللسان (رغم أنّ الغيبة لا تنحصر بذكر الطرف الآخر باللسان، بل قد تتحقق بالقلم أو الإشارة أو التعرض بشكل من الأشكال للآخر).

وبما أنّ السلوك إلى الله تعالى لا يمكن أن يتحقق للإنسان ولا يرى المجتمع الإنساني

[ 74 ]

السعادة والصلاح بدون إزالة هذه الرذيلة الأخلاقية بين أفراد المجتمع فلذلك نجد أنّ النصوص الدينية قد اهتمت بهذا الأمر إهتماماً بالغاً.

إنّ تسمية الأشخاص الآخرين بأسماء وقحة وألقاب قبيحة في غيابهم يعتبر فرع من فروع الغيبة المحرّمة، رغم أنّه قد يذكر بعنوان مستقل، ولذلك ذكرناهما تحت عنوان واحد.

النقطة المقابلة للغيبة حفظ الغيب، أي أنّ الإنسان يذكر الآخرين من موقع المدح والثناء ويدافع عنهم في حال تعرضهم للغيبة لحفظ كرامتهم وسمعتهم بما ستأتي الإشارة إليه، وهذه احدى الفضائل الأخلاقية المهمّة وتتضمّن بركات كثيرة على مستوى الفرد والمجتمع.

على أية حال ونظراً لأهمية الموضوع، فقد تطرق القرآن الكريم في مواضع عديدة إلى هذه المسألة وأصدر أحكاماً مشددة عليها:

1 ـ (وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ)(1).

2 ـ (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة)(2).

3 ـ (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ)(3).

4 - (لاَ يُحِبُّ اللهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنْ الْقَوْلِ إِلاَّ مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللهُ سَمِيعاً عَلِيماً)(4).

 

تفسير واستنتاج:

تنطلق «الآية الاُولى» لتتحدث بصراحة عن ثلاث أشياء نهى القرآن الكريم عنها، الأول: سوء الظن، ثم التجسس، ثم الغيبة، ومعلوم أنّ سوء الظن يقود الإنسان إلى التجسس على أحوال الآخرين وكشف أسرارهم، وبما أنّ كل إنسان لا يخلو من نواقص ونقاط


1. سورة الحجرات، الآية 12.
2. سورة الهُمزة، الآية 1.
3. سورة النور، الآية 19.
4. سورة النساء، الآية 148.

[ 75 ]

ضعف، فسوف تنكشف من خلال التجسس، وبالتالي تكون موضوعاً للغيبة.

هذا وأنّ القرآن الكريم اهتمّ بمسألة الغيبة في هذه الآية أكثر من اهتمامه بمسألة سوء الظن والتجسس حيث تحرك في استجلاء مضمونها من موقع الاستدلال وقال:

(وَلاَ يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ).

هذا التشبيه يشكل في الواقع دليلاً منطقياً يبيّن جميع أبعاد المسألة، فالشخص الغائب قد شبّه هنا بالميت، والرابطة معه هي رابطة الاخوة، وسمعته وشخصيته بمثابة جسده، وغيبته بمثابة أكل لحمه، وهو العمل الذي ينفر منه وجدان كل فرد مهما كان ضعيفاً، ولا يجد كل إنسان الاستعداد لارتكابه حتى في أشدّ الظروف وأقسى الحالات.

وهذا التشبيه يمكن أن يكون إشارة إلى نكات اُخرى كثيرة: فمن جهة أنّ الشخص الغائب مثل الميت في عدم قدرته على الدفاع عن نفسه، والتهجم على من لا يقدر على الدفاع عن نفسه يعدّ من أسوأ الحالات الأخلاقية في الدناءة والحقارة.

ولا شك أيضاً أن تناول الميتة لا يتسبب في سلامة البدن والروح، بل يفضي إلى الابتلاء بأنواع الأمراض، وعليه فإنّ المستغيب إذا ما استطاع اطفاء نار حسده وحقده بواسطة الغيبة وبصورة مؤقتة، فسوف لا يمضي وقت طويل حتى تورق بذور المفاسد الأخلاقية التي زرعها في قلبه وتعمل على زيادة قلقه وتوتره النفسي.

وكما أنّ الحيوان أو الإنسان الآكل للميتة يتسبب في انتشار الأمراض والميكروبات في الوسط الذي يعيش فيه، فكذلك الشخص المستغيب يعمل على إشاعة الفحشاء والمنكر بين المسلمين بذكره عيوب وذنوب الآخرين المستورة.

عندما يذكر القرآن الكريم هذا المثال بتفاصيله الدقيقة فإنّه يروم إلى تثوير وجدان الإنسان وفطرته تجاه هذا الذنب الكبير، ولعل هذا هو السبب في حكاية الآية المثال المذكور بصيغة سؤال لكي يجد الإنسان الجواب بنفسه في أعماق وجدانه وبالتالي يكون تأثيره أكبر في واقع الإنسان وأحاسيسه حيث تقول الآية: (أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً؟).

[ 76 ]

وضمناً فانّ الآية يمكن أن تكون إشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أن موارد الاستثناء من حكم الغيبة وجوازها (من قبيل التظلم والمشورة وإصلاح ذات البين) هي في الواقع من قبيل المضطر لتناول الميتة حيث ينبغي به أن يقنع بالحدّ الأقل منها.

ولكن قد يثار هذا السؤال، وهو أننا لا نرى في جميع انحاء العالم من يتناول لحم إنسان ميت (فكيف إذا كان أخاه)، فانّ شناعة هذا الفعل وقبحه ممّا لا يكاد يخفى على أحد، في حين أنّ ممارسة الغيبة تعدّ من الاُمور المتعارفة والمنتشرة في المجالس إلى درجة أنّها تعدّ أحد وسائل الترفيه والفكاهة، فكيف نفسّر هذا الاختلاف بين هذين الحالين؟

الظاهر أنّ هذا الأمر لا دليل له سوى تفشي الغيبة وكثرة تداولها بين الناس بحيث أدّى إلى التقليل من قبحها إلى هذه الدرجة.

—–

وتتحرك «الآية الثانية» من موقع التهديد الشديد لمن يمارس الغيبة (السخرية والاستهزاء) في حق الآخرين وتقول بأنّ العذاب العظيم ينتظر هؤلاء الأشخاص الذين يسخرون من المؤمنين ويلمزونهم بألسنتهم أو حركات أيديهم أو يغمزونهم بأعينهم من موقع التهمة والخصومة: (وَيْلٌ لِكُلِّ هُمَزَة لُمَزَة).

كلمة «لمزة» من مادة لمز على وزن رمز وكلمة «همزة» بنفس الوزن كليهما من صيغ المبالغة، واختلفوا هل أنّهما بمعنى واحد، أو يختلفان في المعنى؟ هناك كلام بين المفسّرين، بعض يرى أنّهما بمعنى واحد، وبعض آخر يرى أنّ الهمزة بمعنى الغيبة واللمزة بمعنى التعيير، وذهب ثالث إلى عكس هذا المعنى، ورابع إلى أنّ الهمزة تقال لمن يعيب على الآخرين بالإشارة بينهما اللمزة تقال لمن يقوم بهذا العمل باللسان، وخامس يرى بأنّ الاُولى هي تعيير الشخص بالعلن والثانية وبالخفاء وبعض يرى أنّ «الهُمزة» تقال لمن يعيب الشخص في حضوره بينما «اللمزة» تقال لمن يعيب شخصاً في غيابه.

ويذكر بعض المفسّرين أنّ مقولة «الهمز واللمز» عبارة عن صفتين رذيلتين مركبتين من حالات الجهل والغضب والتكبّر، لأنّهما تتسببان في إيذاء الآخرين وجرح عواطفهم

[ 77 ]

وشخصيتهم وكذلك تتضمّنان نوع من حالة التفوّق وطلب العلو، وبما أنّ مثل هذا الإنسان لا يرى في نفسه فضيلة وصفة حسنة فإنّه يتحرّك لجبران هذا النقص من موقع ذكر عيوب الآخرين ونقائصهم ليحرز بذلك تفوّقه(1).

وقد ذكرت بعض التفاسير وطبقاً لحديث شريف أنّ هاتين الصفتين هما من صفات المنافقين(2)، والتعبير بكلمة (ويل) في بداية هذه الآية والتي وردت في سبع وعشرين مورداً في القرآن الكريم هي إشارة إلى اللعن والهلاك وأنواع العذاب لمن يرتكب مثل هذه الأفعال، وما يقال من أنّ هذه الكلمة إشارة إلى بئر أو وادي عميق في جهنّم ملتهب بالنيران هو في الواقع من قبيل تفسير الكلي بمصداقه.

وهذه الكلمة وكذلك كلمة (ويس) و(ويح) كلّها تأتي لبيان حالة التأسف التي تصيب الإنسان، غاية الأمر أنّ (الويل) تأتي في الموارد الشديدة القُبح و(ويس) تأتي في مقابل حالة التحقير، و(ويح) تأتي في مقام الترحّم(3).

ومع الالتفات إلى موارد استعمال كلمات (ويل) في القرآن الكريم يتّضح جيداً أنّ هذه المفردة تستخدم في الموارد التي يكون فيها العمل قبيحاً جدّاً، ومنه يتّضح كذلك أنّ الغيبة والتنابز بالألقاب يعتبر في دائرة المفاهيم القرآنية من أقبح الأعمال.

—–

«الآية الثالثة» تتحدث عن الذين يشيعون الفحشاء بين الناس من موقع الذم لهم والتهديد الشديد بالعذاب الأليم لمرتكب هذه الرذيلة وتتضمّن كذلك ذم الغيبة لأنّ إشاعة الفحشاء تتمّ غالباً من خلال الغيبة أو التهمة فتقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالاْخِرَةِ)

وبالطبع فإنّ شأن نزول هذه الآية إنّما هو في مورد التهمّة التي نسبهما المنافقون لبعض
زوجات النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ولكن مسألة إشاعة الفحشاء بين الناس لها مفهوم عام يستوعب


1. روح البيان، ج10، ص58.
2. المصدر السابق.
3. تفسير الفخر الرازي، ج32، ص91.

[ 78 ]

موارد كثيرة لا سيما الغيبة.

وفي الحقيقة إنّ الآية الاُولى من الآيات المذكورة آنفاً تتحدث عن البعد الفردي لحق الناس بالنسبة إلى الغيبة ومن هذه الآية نستوحي الآفاق السلبية الاجتماعية لظاهرة الغيبة، لأنّه في كل مورد يقوم الناس بارتكاب الخطايا والذنوب في الخفاء ثم يفتضح أمرهم فإنّ الكثير من الأشخاص الذين يعيشون ضعف الإيمان واهتزاز القيم الأخلاقية في واقعهم سوف يجدون في أنفسهم ميلاً ورغبة لإرتكاب مثل هذه الذنوب.

«الفاحشة» من مادة فحش، وهي في الأصل تعني كل فعل خرج عن حدّ الاعتدال وأضحى فاحشاً، وعليه فإنّ هذه الكلمة تشمل جميع المنكرات والسلوكيات القبيحة في دائرة الأخلاق رغم ورود هذه الكلمة في القرآن الكريم في عدّة موارد وكذلك في المصطلح المتداول بين الناس بمعنى الانحراف الجنسي والتلّوث بأنواع المحرّمات للشهوة الجنسية، ولكن هذا لا يمنع من عمومية الفاحشة لموارد اُخرى، وفي الحقيقة إنّ استعمالها في خصوص الانحرافات الجنسية هو من قبيل استعمال الكلي في مصداقه البارز، وعليه فإنّ اشاعة الفحشاء الوارد في هذه الآية لا ينحصر بالانحراف الجنسي، بل يرد في موارد اُخرى تأتي غالباً عن طريق الغيبة.