بهذا الاستثناء يتبيّن أنّ الأفراد الذين يعيشون حالة اليأس من رحمة الله والغافلين والكفورين، أفراد لم يصلوا في واقعهم النفسي لمرحلة الإيمان بعد.
وعلى العموم يمكن أن نستنتج من الآيات الآنفة الذكر، أنّ الكفران وعدم الشكر تؤدي بالإنسان إلى التلّوث بصفات سيئة اُخرى تحرمه المغفرة والأجر الكبير.
تعبير «لئن أذقنا» تعبير لطيف في الموردين فيقول: إنّ ضعاف النفوس والإيمان إذا سلبت منهم نعمة من النعم، فسرعان ما يجري على ألسنتهم الكفر ويدب اليأس في قلوبهم، وإن جاءتهم نعمة إذا بهم يغترّون ويتحركون في أجواء الغفلة والطغيان، والدنيا هي كلها شيء صغير وحقير، وما يصل إلى الإنسان منها أصغر وأحقر، ومع ذلك فإنّهم يتأثرون بسرعة لضعف نفوسهم وضيق آفاق إيمانهم.
ولكن الإيمان بالله تعالى ومعرفة ذاته المقدسة اللاّمتناهية في القدرة والعلم، تمنح الإنسان عناصر القوة والحركة وتعينه على مواجهة أكبر الحوادث السيئة والحسنة دون أن تؤثر في نفسه شيئاً.
—–
وتنطلق «الآية الخامسة» لتشير إلى الأفراد الذين يتوجهون إلى الله تعالى عند وقوع المصيبة ويدعونه ويتوسلون بلطفه بكل وجودهم، وبمجرّد انقشاع سحائب الأزمة ينسون كل شيء ويكفرون مرّة اُخرى:
(وَإِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الاِْنْسَانُ كَفُوراً)
وطالما جرّبنا هذا الأمر في حياتنا الشخصية وشاهدنا ضعيفي الإيمان عندما يمحصون بالبلاء،كالمرض والفقر والمصائب الاُخرى، يتوجهون باخلاص للباري تعالى وبمجرّد انكشاف تلك المصائب وعودة المياه إلى مجاريها تراهم يتغيّرون ويسلكون طريق الكفر والحال أنّ الإنسان في هذه الأحوال أيضاً يجب عليه التوجه والإلتجاء إلى الذات المقدسة أكثر من ذي قبل.
وفي تكملة الآية الكريمة يعبّر القرآن الكريم بتعبير جميل جدّاً حيث يقول: (أَمْ أَمِنتُمْ أَنْ يُعِيدَكُمْ فِيهِ تَارَةً أُخْرَى فَيُرْسِلَ عَلَيْكُمْ قَاصِفاً مِنْ الرِّيحِ فَيُغْرِقَكُمْ بِمَا كَفَرْتُمْ ثُمَّ لاَ تَجِدُوا لَكُمْ عَلَيْنَا بِهِ تَبِيعاً).
فهنا إشارة إلى أنّه كيف يمكن أن تكفروا وتتغيّروا فأينما تذهبوا فأنتم تحت سلطته، وبإمكانه أن يعذبكم في أي مكان كنتم فيه سواء في البرّ أو في البحر؟
ويجب التوجه إلى أنّ كلمتي «الخسف» و«الغرق» في هذه الآية لهما مفهوم مترادف فالأولى يراد بها الاختفاء في الأرض، والثانية الاختفاء في البحر.
—–
«الآية السادسة» من الآيات تتوجه بالخطاب إلى الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) وتشرح عاقبة كفران النعم:
(أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ) وبعدها يضيف: (جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ).
هذه التعبيرات تبيّن أنّ كفران النعم الإلهية، يمكن أن يؤدي بقوم أو بمجتمع بأكمله إلى قعر جهنّم ولا يستبعد نزول العذاب الدنيوي فيها حيث تبدل دنياهم إلى جحيم لا يطاق.
وقد اختلف المفسّرون في المقصود من النعمة في هذه الآية، فبعض قال: إنّها بركة وجود الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)فالعرب المشركون قد كفروا بالنعمة بانكارهم لدعوته ورفضهم الاذعان لرسالته فاحلّوا قومهم دار البوار، وفسّرها البعض الآخر بأهل البيت(عليهم السلام) حيث كفر بهم البعض أمثال بني اُمية، ولكن على الظاهر أنّ مفهوم الآية أوسع من هذه الدوائر والاُطر
في مصاديق الآية ويشمل جميع النعم الإلهية، وما ذكر آنفاً يعدّ من مصاديقها الواضحة، على الرغم من تصريح الآيات التي وردت بعدها بالأشخاص الذين تركوا الإسلام والتوحيد واختاروا الشرك وعبادة الأصنام، ولكن هذه النماذج تعتبر أيضاً من مصاديقها البارزة.
وقال البعض الآخر: مثل الفخر الرازي والمرحوم الطبرسي في مجمع البيان، إنّ سبب النزول لهذه الآية ناظر لأهل مكّة الذين أعطاهم الله تعالى أنواع النِعم وأهمها بعثة الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) من بين ظهرانيهم، ولكنهم لم يقدّروا تلك النعمة وكفروا بها، فأصبحت عاقبتهم أليمة، فكفرهم بنعمة الرسول(صلى الله عليه وآله) هو نفس كفرهم بالله والرسالة!
ولكننا نعلم أنّ شأن النزول لا يخصص مفهوم الآية بمورد خاص.
—–
وتأتي «الآية السابعة» لتتحدث عن جماعة أنعم الله تعالى عليهم بنعمة ظاهرة وباطنة، نعمة الأمان والرزق الكثير والنعم المعنوية والروحية التي نزلت عليهم بواسطة نبيّهم ولكنّهم كفروا تلك النعم فعاقبهم الله تعالى بعقاب الجوع والخوف:
(وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)
اختلف المفسّرون بأن هذه الآية هل تشير إلى مكان بالخصوص أم إنّها مثال عام كلي، فبعض يعتقد أنّها أرض مكّة، وتعبير (يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان...)، يقوي ذلك الاحتمال، لأنّه ينطبق بالكامل على أحوال وشرائط مكّة، إذ هي أرض جافة وصحراء قاحلة غير ذات زرع وماء ولكن الله سبحانه قد باركها وأنزل عليها النعم من كل مكان.
وتعبير (كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً) هو قرينة اُخرى على أنّها مكّة، فأرض الحجاز غالباً ما كانت أرضاً غير آمنة إلاّ مكّة وذلك ببركة وجود الكعبة الشريفة.
وعندما وصلت النعم المادية على أهل مكّة إلى الذروة أتمها الله تعالى ببعثة النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ولكنّهم كفروا النعم الماديّة والمعنوية، فابتلاهم الله تعالى بالقحط والخوف، وهذا هو مصير من كفر بأنعم الله تعالى.
ومع ذلك فإنّ مفهوم الآية يمكن أن يكون أعم فيستوعب في مضمونه جميع من يكفر بالنعمة وأرض مكّة هي أحد مصاديق هذه الآية، حيث ورد في الروايات أن القحط والجوع أخذ منهم مأخذاً كبيراً بحيث كانوا يتغذّون على أجساد الموتى لسدّ جوعهم، وكذلك في الغزوات الإسلامية، حيث أضرّت بهم كثيراً.
—–
«الآية الثامنة» من الآيات، تتطرق إلى قوم من أكفر الناس، وهم (قوم سبأ) حيث حباهم الله تعالى: بأفضل النعم وأحسنها، ولكن غرورهم وغفلتهم واتباعهم لأهوائهم، أعماهم وأضلّهم، فكفروا، فأخذهم الله بذنوبهم ومحق تلك النعم من أيديهم، فقال:
(لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ).
وقد ذكر المفسّرون أنّه على الرغم من أنّ أرض اليمن خصبة ولكن لفقدان الأنهار فيها، كانت أغلب أراضيها بائرة لا يستفاد منها، ففكر القوم ببناء سدّ يمنع السيول القادمة من الجبال، فبنوا عدّة سدود وأهمها (سد مأرب) حيث كان يقف أمام السيول بين جبلي بلق العظيمين، فتجتمع خلفه مياه كثيرة استطاعوا بواسطتها أن يزرعوا ويسقوا به جنائن وبساتين كثيرة قامت على طرفي السدّ، ونشأت حولها القرى وأصبحت مركزاً عظيماً للنشاط التجاري وتجمع الناس، فالقرى كانت متصلة ببعضها بحيث أن ظلال الأشجار كانت متصلة على طول الطريق ووفور تلك النعم كان مقترناً مع الأمان الاجتماعي والرفاه الاقتصادي، فكانت حياتهم هانئة جدّاً، اجتمعت فيها كل متطلبات الحياة آنذاك ومثل هذه الأجواء كان من شأنها أن تفضي لإطاعة الله تعالى والتكامل الروحي.
ويستمر القرآن الكريم، فيقول إنّ النعم أصبحت كثيرة جدّاً ممّا حدى بهم لأنّ تتحرك فيهم عناصر الطغيان فنسوا ذكر الله تعالى وأخذوا يتفاخرون ويقسّمون الناس إلى
طبقات، ولكنهم بالتالي ذاقوا وبال أعمالهم فأرسل الباري تعالى عليهم سيل العرم: (فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُل خَمْط وَأَثْل
وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ).
ومن عجائب هذه القصّة أنّ المفسّرين ذكروا هجوم الجرذان الصحرواية على السدّ فأخذت تنخر فيه من الداخل دون أن يراها الناس المغرورون المشتغلون بالملذّات وكفران النعم، وفجأة أمطرت السماء مطراً شديداً، وتحرّك سيل عظيم وتجمعت المياه خلف السدّ، ولكن جدران السد لم تتحمل كل هذا الضغط، فانهارت وأخذ السيل طريقه للقرى والأراضي الزراعية، فلم يُبق لها شيء، لا مزارع ولا أنعام، وتبدل كل شيء إلى صحراء قاحلة لا ينمو فيها سوى النباتات البرية، ففرت الطيور الجميلة وحلّت محلّها الغربان والبوم، وتفرق الناس إلى الأطراف وأصبحوا من أفقر الناس يأسفون على ماضيهم الجميل، ولكن هيهات، حيث لا تفيد ساعة ندم.
نعم فهذه هي حال الأقوام التي تغفل عن ذكر الله وتكفر بأنعمه.
والطريف في الأمر أنّ الأثرياء منهم اعترضوا على قرب المسافات بينهم، حيث يستطيع أن يسافر كل أحد لقرب المسافة ووفرة الخير في الطريق، فقالوا: أصبح بإمكان الفقير أن يسافر معنا أيضاً، فطلبوا من الله تعالى أن يباعد بين أسفارهم حتى لا يستطيع الفقراء السفر معهم أيضاً، نعم فقد وصلوا إلى أعلى مراتب الطغيان، فعاقبهم الله تعالى بأشدّ العقاب، فتفرق جمعهم وأصبحوا مضرباً للأمثال وخصوصاً في الفرقة، فقالوا فيهم: (تفرقوا أيادي سبأ).
—–
من مجموع الآيات محل البحث تتبين خطورة وبشاعة كفران النعم، حيث تناولت الآيات هذه المسألة وآثارها السيئة على الفرد والمجتمع وخاصة ما أحلّ الكفران بالأقوام السابقة من نتائج مدمرة وعواقب مشؤومة في حركة الإنسان والحياة.
تناولت الروايات الإسلامية هذه المسألة بصورة واسعة ومفصلّة وتكلّمت عن آثار حالة الكفران المشؤومة وأضرارها، وكذلك تناولت بركات الشكر للنعم والمواهب الإلهية، ومنها:
1 ـ جاء في حديث عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أَسرَعُ الذُّنُوبِ عُقُوبَةً كُفرانُ النِّعْمَةِ»(1).
2 ـ ونقرأ في حديث عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أنّه قال: «سَبَبُ زَوالِ النِّعَمِ الكُفرانُ»(2).
3 ـ وعنه أيضاً(عليه السلام): «كُفرُ النِّعْمَةِ مُزيلُهـا وَشُكرُهـا مُستَدِيمُهـا»(3).
4 ـ في حديث آخر عنه(عليه السلام): «كُفرانُ النِّعَمِ يُزِلُّ القَدَمَ وَيَسلُبُ النِّعَمَ»(4)
5 ـ وأيضاً عنه(عليه السلام): «آفَةُ النِّعَمِ الكُفرانِ»(5).
6 ـ وعنه(عليه السلام) أيضاً: «كـافِرُ النِّعْمَةِ كـافِرُ فَضلِ اللهِ»(6).
7 ـ والاستدراج هو أحد عقوبات الباري تعالى ويعني أنّ الله تعالى يغدق على عبده الكافر نعمه ثم يسلبها منه حتى يحس بالألم والعناء الشديدين، وقد جاء في حديث عن الإمام الحسين(عليه السلام): «الإِستِدراجُ مِنَ اللهِ سُبحـانَهُ لِعَبدِهِ أَنْ يُسْبِغَ عَلَيهِ النِّعَمَ وَيَسلُبَهُ الشُّكرَ»(7).
8 ـ عن الإمام السجاد علي بن الحسين(عليه السلام) أنّه قال: «الذُّنُوبُ الَّتِي تُغَيُّرُ النِّعَمَ البَغيُ عَلَى النّاسِ والزَّوالُ عَنِ العادَةِ فِي الخَيرِ واصطِناعُ المَعرُوفِ، وَكُفرانُ النِّعَمِ وَتَركِ الشُّكْرِ»(8).
9 ـ وفي حديث عن أمير المؤمنين علي(عليه السلام) أنّه قال: «كُفرُ النِّعْمَةِ لُؤمٌ وَصُْبَةُ الأحمَقِ شُؤمٌ»(9).
10 ـ وختاماً نختم بحثنا بهذا الحديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) في معرض حديثه عن جنود العقل وجنود الجهل، حيث أمر أصحابه بأن يتعرفوا على جنود العقل وجنود الجهل، وعندما سأله بعض أصحابه عنه قال: «إنّ اللهَ جَعَلَ للِعَقلِ خَمساً وَسَبعينَ جُندِياً وَضِدَهُ
الجَهلُ إلى أن قال ـ والشُّكرُ وضِده الكُفرانُ»(1).
—–
ما ذكر في الروايات العشر السابقة، يبيّن مدى خطورة هذه الرذيلة وآثارها السيئة على مستوى الحياة الفردية والاجتماعية وكيف أنّ الإنسان ينحدر من أوج الكرامة وذروة النعمة إلى قعر الذلّة والمسكنة، وتسلب منه التوفيقات الإلهية ويبتعد عن الله تعالى ويقترب من الشيطان.
وهنا يجدر الإشارة إلى عدّة نقاط:
الكفر يعني في الأصل الإخفاء، وبما أنّ الكافر يسعى في إخفاء وتغطية النعمة، وقيمتها فسمّي عمله بالكفران.
ومن البديهي أنّ الكفران مرّة يكون بالقلب واُخرى باللسان واُخرى بالعمل.
ففي قلبه لا يستشعر الإنسان أهمية تلك النعمة، ويصرّح بلسانه بقلّة النعمة وعدم أهميتها، وفي العمل لا يتحرك من موقع الاهتمام بمواهب الله عليه، وبدلاً من أن يستعملها بالخير، يستعملها بالشر ولذلك قال كبار علماء الأخلاق:
«الشُّكْرُ صَرفُ العَبدُ جَمِيعَ مـا أَنْعَمَهُ اللهُ تَعـالى فِي مـا خُلِقَ لأجلِهِ» .
لذلك فالكفران هو استعمال النعم في غير محلها، فالعين التي وهبها الله تعالى للإنسان ليرى بها طريق الحق والآيات الإلهية ويشخص بها الطريق السوي من البئر لئلا يقع فيه، فإذا به يستعملها في موارد الحرام، وكذلك اليد والاُذن وغيرها من الجوارح أو المال والثروة.
وكأنّ هذا الكلام مقتبس من كلام الإمام الصادق(عليه السلام)، حيث يقول: «شُكرُ النِّعمَةِ إجتِنابُ المَحـارمِ»(2).
وبهذا يتبيّن لنا معنى الشكر وعدم الشكر.
الكفران بالنعمة يفضي إلى نتائج سيئة كثيرة في دائرة الماديات والمعنويات في حياة الإنسان فمن ذلك أنّه يتسبب في زوال النعم، لأنّ الباري تعالى حكيم، لا يعطي شخصاً شيئاً بدون حساب ولا يسلب أحداً شيئاً بلا مبرر، فالذين يكفرون بالمنعم فلسان حالهم يقول: بأننا لا نليق ولا نستحق هذه النعم، فتوجب الحكمة الإلهية سلب تلك النعم منهم، والذين يشكرون النعم فلسان حالهم يقول: إننا نستحق تلك النعم الإلهية وزد علينا يا ربّ، مثلاً عندما يرى الفلاح أنّ في بستانه أشجاراً مورقة أكثر من غيرها فسوف يعتني بها أكثر من غيرها حتى تنمو وتكبر بسرعة وتثمر، وإذا شاهد أشجاراً لا تثمر ولا تورق ولا ظلّ لها مهما أهتم بها وبذل لها العناية في مجال السقي والتهذيب، فكفران الأشجار للنعمة يدعو الفلاح لعدم الاعتناء بها وتركها لحالها.
وقد ورد في حديث عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال:
«مَنْ شَكَرَ النِّعَمَ بِجِنـانِهِ استَحَقَّ المَزيدَ قَبْلَ أَن يَظهَرَ عَلَى لِسـانِهِ»(1).
وجاء في روايات اُخرى نقلت عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه وبمجرّد الحمد والثناء يصدر الباري تعالى أمره بزيادة النعم على ذلك العبد، فقال: «مـا أَنْعَمَ اللهُ عَلَى عَبد مِنْ نِعمَة فَعَرَفَها بِقَلبِهِ وَحَمِدَ اللهَ ظـاهِراً بِلِسـانِهِ فَتَمَّ كَلامُهُ حَتّى يُؤمَرَ لَهُ بِالمَزيدِ»(2).
وبديهي أنّ الكفران يفضي إلى نتائج معاكسة كذلك، ويمكن أن يلطف به الله تعالى ويؤخر عنه سلب النعمة ولكن وعلى أية حال إذا لم يتنبه الإنسان وبقي على ما هو عليه في دائرة الغفلة والجحود للنعمة، فستسلب منه بالتأكيد، لأنّ ذلك من لوازم الحكمة الإلهية.
ومن جهة اُخرى فإنّ الكفران يسبب البعد من الله تعالى وهو الخسران الأكبر، فعظماء علماء الكلام في أول أبحاثهم ذهبوا إلى أن شكر المنعم هو من أول الدوافع لمعرفة الباري تعالى وأنّ شكر المنعم أمر وجداني، فعندما يرى الإنسان نفسه غارقاً بالنعم الظاهرة
والباطنة، وأنّها ليست منه فسيسعى لشكر المنعم من خلال البحث عن مصدر النعمة، وهذا هو الذي يُمهد الطريق لمعرفة الله تعالى، ولكنّ الناكرين لأنعم الله والذين لا يقدّرون المنعم فسيحرمون من معرفة الله تعالى، بالإضافة إلى ذلك فإنّ عدم شكر الخالق يفضي بدوره إلى عدم شكر المخلوق، فلا يقيم وزناً لجميل الآخرين ومعروفهم، وكأنّه هو الذي له الحق عليهم، ممّا يسبّب نفور الناس منه وكراهيتهم له، وبالتالي سيؤدي إلى العزلة والإنزواء في حركة الواقع الاجتماعي وقلّة الصديق والناصر في مقابل المشكلات وتحديات الواقع الصعبة.
التقصير في الشكر ينشأ من عدم معرفة الإنسان بالمنعم بصورة كاملة، وأساساً فانّه لا
يتحرك في طريق التدبّر في النعم الإلهية، فمثلاً عندما ننظر إلى بدننا وما فيه من عجائب ودقائق وتفاصيل على مستوى الخلقة فسنتوجه إلى أهمية تلك النعم ويتحرك فينا حسّ الشكر لله تعالى.
وعلى سبيل المثال إذا استطاع البشر أن يصنع مثل الأجهزة الموجودة في الإنسان (مثل القلب والكبد والكلية والرئتين) فستكون قطعاً أقل كيفية من صنع خالقها، وستكلفه الكثير جدّاً، وعلى هذا فإذا أردنا حساب قيمة ما يوجد لدينا من أعضاء وجوارح بدنية فسيتبين أنّ لدينا وبحوزتنا ثروة كبيرة جدّاً.
أمّا النعم الخارجية، فيمكن أن تكون جرعة ماء تساوي الدنيا بما فيها، وقد نقل عن بعض العلماء أنّه دخل على أحد الملوك وكان بيد الملك قدح ماء فأراد أن يشرب فتوجه للعالم الكبير وقال له عِظني، فقال له العالم: إذا كنت في يوم من الأيّام عطشاناً لدرجة الموت وجاؤوك بالماء بشرط أن تتنازل عن الملك، فهل ستتنازل؟ فقال نعم، فلا حيلة في ذلك.
فقال له: كيف تتعلق بُملك وحكومة تساوي شربة ماء؟
ويرى الإنسان حيناً آخر مريضاً يصرخ من شدّة الألم بحيث يتمنى الموت على هذا الألم، فلو اُعطيت للإنسان الدنيا بأسرها وهو على ذلك المرض، فلن يقبل بذلك، بل يرضى أن يأخذوا منه كلّ شيء إلاّ العافية.
هناك نعمٌ ظاهرها غير مهم لكنّها إن فقدت فستتعرض حياة الإنسان للخطر، مثل غدد اللّعاب التي ترطب الشفاه والفم وتلين الأكل وتسهل عملية البلع، فإذا توقفت هذه الغدد في يوم ما فسيجف الفم ويعسر عليه الأكل ويتوقف عن الكلام وتصبح الحياة مستحيلة، فذلك الجزء الصغير من بدن الإنسان أهم بكثير من ثروات الدنيا أجمع.
وكذلك في نعمة الشمس والهواء والنباتات والمواهب الاُخرى العظيمة وعلى حدّ تعبير القرآن الكريم: (وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللهِ لاَ تُحْصُوهَا)(1).
ويجب التنبه أنّ كثيراً من النعم الإلهية لا يتسنى للإنسان معرفتها، لأنّها لن تُسلب منه، فبعض النعم والمواهب تعيش مع الإنسان فاذا سلبت منه عرفها وأقرّ بعظمتها، وبعضها سيبقى في الكتمان وهي كثيرة جدّاً.
مثلاً مسألة الجاذبية فلم يكن أحد يعرف قبل السفر إلى الفضاء وفقدان الجاذبية هناك، كم هي مهمّة هنا على الأرض، إذ لولاها لما استطاع الإنسان أن يفعل شيئاً لا زراعة ولا صناعة ولا حركة، فأقل حركة من الإنسان سيرتطم بالسقف والجدار وستتناثر الأطمعة والأشربة من المائدة ولن يستطيع الإنسان أن يأكل أو يشرب شيئاً، فحركة الأرض تؤدي إلى قدف كل شيء في الفضاء لولا الجاذبية وستتحول الأرض إلى صحراء قاحلة محرقة، فتفكروا إننا لو قضينا العمر في شكر هذه النعمة فهل سنؤدّي شكرها؟
وإذا أضفنا إليها النعم المعنوية وهداية الأنبياء وكلام المعصومين(عليهم السلام) ونزول الكتب الإلهية، والتي هي أعلى وأهم من النعم الماديّة، فسنعرف مدى عظمة وقيمة مواهب الرحمن وسنعرف قدرتنا على الشكر كم هي ضعيفة وضئيلة.
فالتوجه لهذه الاُمور تقلع جذور الكفران وتحيي فيه روح الشكر.
ومنها نعرف طريقة العلاج، ولذلك قالوا: إنّ أول طريق للشكر هو المعرفة والتفكير بالمواهب والصنائع الإلهية وأنواع نعمه الظاهرة والباطنة(1).
الطريقة الاُخرى: هي النظر في دائرة النعم والمواهب المادية إلى المستويات الدنيا للناس، فكلما فكّر الإنسان فيها فستبعث فيه روح الشكر، ولكن إذا نظر إلى من هو أعلى منه من حيث الثروة والنعمة فسوف تستولي عليه الوساوس الشيطانية وتؤذيه.
ومن جهة ثالثة إذا ابتلي بمصائب الدنيا، فليعلم أنّه يوجد مصائب أكبر من التي اصابته وليشكر الله أنّه لم يتورط بالأكبر والأشد منها.
وقد نقل عن شخص أنّه اشتكى عند أحد العظماء أنّ السارق قد أتى وسرق كل شيء، فقال له: اذهب واشكر الله تعالى إذ لم يأت الشيطان الى بيتك بدلاً من السارق، فلو أخذ منك إيمانك فما كنت تفعل؟(2)
وقد ذكر الإمام الصادق(عليه السلام) في كتاب «التوحيد» المعروف بتوحيد المفضل حقائق توحيدية هامة من موقع تحليل ماهية النعم الإلهية في تفاصيلها الدقيقة ومن خلالها ينفتح الإنسان على المنعم الحقيقي.
ومن جملتها نعمة الكلام والكتابة وقد اعتبرها الإمام الصادق(عليه السلام) عمود الحضارة الإنسانية: وبعد شرح طويل لها قال:
«فَإنّه لَو لَم يَكُن لَهُ لِسان مُهيأ للكَلامِ وَذِهن يَهتَدِي بِهِ للاُمورِ لَم يَكُن لِيتَكَلَّمَ أَبَداً، وَلَو لَم يَكُن لَهُ مُهيأةً وَأَصـابِعَ للِكِتابَةِ لِيَكتُبَ أَبداً، واعتَبر ذَلِكَ مِنَ البَهائِمِ الّتي لا كَلامَ لَها ولا كِتابَةَ، فَأصلِ ذَلِكَ فَطرَةِ البـاري عَزَّوجَلَّ ومـا تَفضل بِهِ عَلَى خَلقِهِ، فَمن شَكَرَ اُثِيبَ، وَمَنْ كَفَرَ فإنَّ اللهَ غَنِيٌ عَنِ العـالَمِينَ»(3).
—–
النقطة المقابلة للكفران، هي شكر الإله، ومفهومها تقدير النعم بالقلب واللسان والعمل، أمّا التي بالقلب فهي معرفة الخالق والتسليم إليه والرضا بعطائه وذكر الاُمور التي تبيّن تقدير وشكر الخالق من قبل المخلوق في مقابل نعمه تبارك وتعالى، أمّا من الناحية العملية فهو وضع النعم والمواهب الإلهية في المكان اللائق والذي خلقها الله تعالى لأجله.
يقول الراغب في المفردات: الشكر هو بمعنى التصور للنعمة واظهارها، وقال البعض أن الكلمة في الأصل كانت «كشر» بمعنى الإظهار والابراز (والدابة الشكورة) تطلق على الحيوان الذي يواظب ويهتم بالزرع والماء وتسمن يوماً بعد يوم، و«العين الشكراء» بمعنى العين المليئة بالماء ولذلك فإنّ الشكر بمعنى امتلاء وجود الإنسان من ذكر المنعم للنعم.
والشكر على نوعين: شكر تكويني وشكر تشريعي، الشكر التكويني هو شكر المخلوق للمواهب والنعم التي بحوزته وتحت تسلطه، لتنمو كالشجر والورد والثمرة تكون تحت إشراف الفلاّح الخبير الذي يعرف كيف تثمر الثمار الجيدة، والكفران هو عدم ظهور أثر للمحافظة والمراقبة فيها من قبل الفلاّح.
لذلك فإنّ الذي يستعمل النعم الإلهية في طريق العصيان فقد كفرها تكوينيّاً.
الشكر التشريعي هو أن يقوم الإنسان بشكر الخالق بالقلب واللسان.
وذكرنا سابقاً أنّ الإنسان لا يستطيع أن يؤدّي شكر الخالق ونعمه، لأنّ نفس هذا التوفيق للشكر هو نعمة منه تعالى وهو نفسه يحتاج لشكر آخر، ولذلك جاء في رواياتنا الإسلامية أنّ أفضل شكر الإنسان هو أظهار العجز عن شكر الله في مقابل نعمه والمعذرة عن ذلك التقصير، لأنّه لا يستطيع أحد أن يؤدّي ما يستحقه الباري تعالى.
وذكرنا سابقاً الكثير من مطالب الشكر وما يقابلها من الكفران، ولتكميل هذا البحث نذكر بعض من الآيات والروايات عن المعصومين(عليهم السلام)، ونكتفي بهذا القدر منها:
(وَمِنْ آيَاتِهِ الْجَوَارِي فِي الْبَحْرِ كَالاَْعْلاَمِ * إِنْ يَشَأْ يُسْكِنِ الرِّيحَ فَيَظْلَلْنَ رَوَاكِدَ عَلَى ظَهْرِهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لاَيَات لِكُلِّ صَبَّار شَكُور)(1).
وشبيه لهذا التعبير جاء في آيات اُخرى.
ومرّة يشير إلى العين والسمع والعقل فإنّها أهمّ وسيلة للمعرفة الإنسانية فيقول:
وأمّا القرآن الكريم فقد جعل الصبر والشكر أحدهما قرين للآخر وهما وسيلتان لتفتح العلم والإيمان في قلب الإنسان فقال:
(وَجَعَلَ لَكُمْ السَّمْعَ وَالاَْبْصَارَ وَالاَْفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).
فالقرآن الكريم أشار في موارد عديدة لوجود هذه الفضيلة (فضيلة الشكر عند الأنبياء العظام)، وأمرهم بالشكر(2) ومرّة يخاطب آل داوود:
(اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْراً وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِي الشَّكُورُ)(3).
ويقول في مكان آخر أنّ شرط رضا الباري تعالى هو الشكر: (إِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ عَنْكُمْ وَلاَ يَرْضَى لِعِبَادِهِ الْكُفْرَ وَإِنْ تَشْكُرُوا يَرْضَهُ لَكُمْ)(4).
الآيات حول الشكر في القرآن الكريم كثيرة وتصل إلى حوالي الـ 70 آية، والجدير بالذكر أنّ صفة الشكور نسبت لله تعالى في سورة النساء الآية 147:
(مَا يَفْعَلُ اللهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللهُ شَاكِراً عَلِيماً).
مفهوم الآية يبيّن أنّ الشكر إذا صدر بصورة ومعنى حقيقي فإنّ العذاب الإلهي سيرتفع بالكامل، علاوة على أنّ صفة الشكور نسبت لله تعالى، فإنّ الشكر هو من الصفات المشتركة مع الباري تعالى، والفرق أن الإنسان بوضع النعمة في موضعها السليم يكون قد أدّى شكرها، وفي المقابل يكون شكر الباري تعالى بزيادة المواهب لعباده.
وجاء في بعض الآيات القرآنية أن التوجه والانتباه للنعم الإلهية هو السبب في حثّ الإنسان على الشكر ويكون هو الرادع عن الذنوب، ونقرأ في سورة الأعراف في خطابه للاقوام السابقة، الآية 74: (فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ وَلاَ تَعْثَوْا فِي الاَْرْضِ مُفْسِدِينَ).
وفي الآية 69 من نفس السورة يقول: (فَاذْكُرُوا آلاَءَ اللهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).
وهذا التعبير صريح بأن الشكر يكون سبباً للفلاح.
خلاصة القول، أنّ أساس كل سعادة وبركة إلهية هو الشكر، لأنّه يقرّب الإنسان يوماً بعد يوم من الله تعالى، ويحكم أواصر المحبّة بين العباد وخالقهم، وهو طريق التقوى والفلاح.
الإنسان المنعم قد يتوقع الشكر من الطرف الآخر، أو ربّما يحتاجه في بعض الأحيان، سواء كان احتياجاً مادياً أو معنوياً، أو لأجل موقعه ومركزه الإجتماعي.
ولكن الباري تعالى، هو الغني عن العالمين، حتى ولو كفر الناس جميعاً، فهو لا يحتاج لشكرهم، ومع ذلك فقد أكد على الشكر، فمثله كمثل باقي العبادات، ونتيجته تعود على نفس الإنسان، وإذا ما دققنا النظر قليلاً فستتوضح فلسفته.
إذا قدّر الشخص النعم الإلهية سواء كان بالقلب أو اللسان أو بالعمل، فهو يستحق تلك النعمة، والله سبحانه وتعالى هو الحكيم لا يسلب النعمة من أحد من دون دليل ولا يعطي لأحد من دون دليل، فعندما يشكر الإنسان النعم فلسان حاله يقول إنني مستحق للنعم، وحكمة الباري لا توجب له النعمة فقط بل تزيده أيضاً.
ولكن لسان حال الكافر يقول: إننّي غير مستحق للنعمة وحكمة الباري تعالى توجب سلب تلك النعمة منه، وإذا شكر يوماً وكفر يوماً، فسيتعامل معه كالتالي:
(ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّراً نِعْمَةً أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ وَأَنَّ اللهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ)(1).
وعندما نقول أنّ الشكر سبب في دوام النعمة فدليله هذا بعينه، وفي حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «بِالشُّكرِ تَدُومُ النِّعَمِ»(2).
وفي حديث آخر قال: «ثَمَرَةُ الشُّكرِ زِيادَةُ النِّعَمِ»(1).
وعلاوة على ذلك عندما يتم غرس روح الشكر عند الإنسان، فتصل إلى شكر المخلوق، فشكر المخلوق في مقابل ما يؤدّيه من أعمال جيدة، يكون سبباً مؤثراً في حركة المجتمع وتفتح الاستعدادات الخلاّقة وفي أعماق الإنسان وبالتالي فسيتحرك المجتمع لشكر الخالق ومنه يفتح باب معرفته، فتتعمق العلاقة بين الإنسان وربّه، وكما أشرنا سابقاً فإنّ أول مسألة تبحث في علم الكلام هي معرفة الله عزّ اسمه، وأهمّ دليل فيها هو مسألة شكر المنعم والتي هي بدورها نابعة من الوجدان أو كما يقال بأنّ: قياساتها معها.
عملية الشكر بالإضافة إلى أنّها تعرف الواهب، فإنّها تعرف النعم نفسها أيضاً، فالنعمة كلّما إزداد حجمها وكيفيتها، تستدعي شكراً أكبر وأكثر، ولأداء شكر المنعم تكون معرفة النعمة أمراً ضرورياً، وبالتالي تؤدي إلى توثيق الأواصر بين الخالق وعباده وتشغل نيران الحب له في القلوب، وكم استتبعت المواهب المادية، مواهب معنوية أعلى وأسمى!
الروايات في هذا المجال لا تعد ولا تحصى، ونختار طائفة منها للقارىء الكريم:
1 ـ في حديث عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله):
«الطَّاعِمُ الشَّاكِرُ لَهُ مِنَ الأجَرِ كَأَجرِ الصَّائِمِ المُحتَسِبُ والمُعـافِى الشّـاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجرِ كأَجرِ المُبتلى الصّـابِرِ والمُعطى الشّـاكِرُ لَهُ مِنَ الأَجرِ كأجر المَحرُومِ القـانِعِ»(2).
2 ـ في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:
«مَكْتُوبٌ فِي التُوراةِ الشُّكرُ مِنَ النِّعَمِ عَلَيكَ، وَأَنعِم عَلى مَنْ شَكَرَكَ فَإنَّهُ لا زَوالَ لِلنَّعمـاءِ إِذا شُكِرَتْ وَلا بَقـاءَ لَهـا إِذا كُفِرَتْ»(3).
3 - فيبيّن هذا الحديث أنّ الله تعالى وحده لا يزيد النعم فقط عند الشكر، بل وعلى
الإنسان أن يزيدها عند الشكر أيضاً.
3 ـ وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال:
«ثَلاثٌ لا يَضُرُّ مَعَهُنَّ شَيءٌ، الدُّعـاءُ عِندَ الكَربِ، والاستِغفـارُ عِندَ الذَّنْبِ، والشُّكْرُ عِندَ النِّعمَةِ»(1).
وأهمية الدعاء والاستغفار في الثقافة الإسلامية معلومة، ومع ما تقدم من الروايات أعلاه تتبيّن أهمية الشكر للإنسان وأنّ أمامه ثلاث حالات لا رابع لها، فإمّا أن يكون قد اصيب بمصيبة، أو وصلته نعمة، فهو خائف بسبب الحفاظ عليها، أو يزلّ ويصدر منه ما يغضب الربّ، ودواء كل واحد منها ذكر في الروايات، فالمشاكل تزول بالدعاء والذنوب بالاستغفار، وتثبيت النعم بالشكر، وجاء في هذا المجال حديث عن الإمام(عليه السلام): «نِعمَةٌ لا تُشكَرُ كَسَيِّئة لا تُغفَرُ»(2).