[ 32 ]

في مقام الحاجة، وكما يقول الاصوليون: «أن تأخير البيان عن وقت الحاجة قبيحٌ». وفي الحقيقة إنّ هذهِ الأسئلة والتدقيق في المسألة يدلّ على عدم إيمانهم بحكمة الله تعالى، والحكيم لابدّ وأن يبيّن كل ما هو لازم وضروري من الشرائط والقيود، ولا يحتاج للسؤال، ويمكن أن يكون قصدهم من ذلك هو عدم وجود تلك البقرة حتى يستمروا بمغامراتهم التي يتحرّكون من خلالها في دائرة العناد دوماً في مقابل الإمتثال للحق، فقال القرآن الكريم: (وَإِذْ قـالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أَنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قـالُوا أَتَتَّخُذُنـا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجـاهِلِينَ).

فتبيّن هذهِ الآيات مدى النزاع الذي حصل بين بني اسرائيل لمعرفة القاتل، وعلى ذلك كان يتوجب عليهم تنفيذ أوامر موسى(عليه السلام) بسرعة ليجدوا القاتل، ولكن اللّجاج الذي دخل فيه بنو اسرائيل لم يعطهم الفرصة لانهاء الأمر فسألوا وسألوا حتى صعّب عليهم الباري تعالى الأمر فأصبح البحث عن تلك البقرة أمراً مستعصياً جداً، فهي بقرة، صفراء بالكامل تسرُّ الناظرين، لا فارض ولا بكر عوان بين ذلك، ولا ذلول وتثير الأرض ولا تسقي الحرث مسلّمةً لاشيَةَ فيها، فمن البديهي عدم توفّر مثل هذه الأوصاف في بقرة واحدة إلاّ بصعوبة، ولكن كان عليهم أن يدفعوا ثمن لجاجهم وعنادهم، فاضطروا لشرائها بثمن باهظ جدّاً، فذبحوها وضربوا بعضها ببدن الميت فعادت الحياة إليه باذن الله ودلّهم على قاتله.

—–

«الآية السابعة» أيضاً تتحدث عن بني اسرائيل وعنادهم العجيب حيث أخذوا باطراف موسى(عليه السلام) وطلبوا من نبيّهم المحال وقالوا: (وَإِذْ قُلْتُمْ يـا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً).

الظاهر أنّهم كانوا يعلمون أنّ الله تعالى ليس بجسم ولا جهة له ولا مكان، ولكن كلامهم كان بسبب طغيانهم وعتوّهم، ومن أجل أن يبيّن الله تعالى جيداً مسألة استحالة رؤيته، ولتأديب اُولئك القوم المعاندين أمر بسبعين من رؤوسائهم أن يخرجوا مع موسى(عليه السلام)للميعاد في جبل الطور، ليتلقوا الجواب على سؤالهم العجيب هناك وينقلوا ما سيشاهدوه

[ 33 ]

لقومهم، وعند وصولهم لجبل الطور، سأل موسى(عليه السلام) بالنّيابة عنهم أن يتجلّى الله تعالى لهم جهرةً، فقال: (رَبِّ أَرِنِي أَنظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنْ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنْ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي)، فأخرج هذه الفكرة من رأسك الى الأبد.

فصعقت صعقة شديدة ملأت الكون، وزلزل الجبل وتلاشى، ومات الـ 70 نفر إلاّ موسى(عليه السلام) فقد فَقَدَ الوعي كما ذكر القرآن في ذيل الآية: (فَأَخَذَتْكُمُ الصّـاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ).

وعندما استيقظ موسى(عليه السلام)، طلب من الباري تعالى إعادة الحياة إليهم، لئلا تعود المشاكل بينه وبين بني اسرائيل: (قَالَ رَبِّ لَوْ شِئْتَ أَهْلَكْتَهُمْ مِنْ قَبْلُ وَإِيَّاىَ أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ السُّفَهَاءُ مِنَّا) واستجاب الله دعاءه وأعادهم للحياة كما صرّح بها القرآن الكريم فيما بعدها من الآيات (ثُمَّ بَعَثنـاكُم مِنْ بَعدِ مَوتِكُم لَعَلَّكُم تَشكُرُونَ).

ويتبيّن ممّا ذكر آنفاً أنّ موسى(عليه السلام) لم يطلب هذا الأمر من تلقاء نفسه، ولكن نزولا عند رغبة بني اسرائيل، حتى يُلَقّنوا درساً عملياً ويفهموا ان الذي لا يستطيع أن يشاهد الصاعقة كيف يمكن له أن يرى الباري تعالى شأنه؟

وهو أيضاً عقاباً وتأديباً لهم حتى لا يطلبوا اُموراً مستحيلةً.

—–

«الآية الثامنة» من الآيات التي وردت في مقام الحديث عن عناد بني اسرائيل بعدما نصرهم الله على عدوّهم وخلّصهم من شر فرعون وجنوده حيث توجهوا نحو الديار المقدسة يعني بيت المقدس، التي كانوا يتمنون الوصول إليها، وعندما وصلوا على مقربة من الأرض المقدّسة جاءهم الأمر أن اُدخلوا هذهِ الأرض ولا تخافوا ممّا سيحدث فيها، ولكنّهم قالوا لموسى(عليه السلام): إنّ فيها اُناس يسمّون (بالعمالقة) أشداء أقوياء ولن ندخلها حتى يخرجوا منها. فقال لهم بعض المؤمنين من موقع النصيحة والمسؤولية بأنّكم إذا دخلتم الباب عليهم فسينصركم الله على العمالقة بفضله وعنايته.

ولكن بني اسرائيل ظلّوا على غيّهم وكما جاء في الآية الكريمة (قـالُوا يـا مُوسى إِنّـا

[ 34 ]

لَنْ نَدْخُلَهـا أَبَداً مـا دامُوا فِيهـا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقـاتِلا إِنّا ههُنـا قـاعِدُونَ).

وهنا أيضاً ذاق بنو اسرائيل طعم عنادهم ولجاجتهم، فأخذ الله تعالى النصر عنهم ودخول بيت المقدس أربعين سنةً، وتاهوا في الصحاري القريبة منها، فسمّوا تلك الصحاري بأرض «التيه» التي كانت قسماً من صحاري (سيناء).

والمسألة المهمّة والتي يجب الإشارة اليها هو أن الّلجاج وعدم الانصياع يفضي إلى التعامل مع الباري تعالى من موقع الاهانة والاستهزاء، حيث قالوا: (فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقـاتِلا إِنّا ههُنـا قـاعِدُونَ)، فالإهانة والاستهزاء في هذا الكلام يتجليان بكل وضوح، ولكن الجاهل والأناني واللجوج لا يعرف منطق أفضل من هذا.

والواقع أنّ التيه أربعين سنة في تلك الصحاري، كان حكمة ورحمة إلهية، وبهدف تغيير النسل الذي نشأ في مصر، والذي لم يستطع عمل موسى(عليه السلام) الثّقافي والفكري الدؤوب أن يغيّر فيه الكثير، فجاء نسل جديد نشأ في الصحراء وفي وسط المشكلات فحصلت فيه التغييرات الداخلية اللازمة لتحرير الديار المقدسة من الاعداء وإقامة الحكومة الإلهية، وفي الحقيقة أن هذهِ العقوبة كانت في الواقع رحمة ربانية ولطف إلهي، وأكثر العقوبات الإلهية هي من هذا القبيل.

—–

في «الآية التاسعة» من الآيات نقرأ حديثاً عن قوم فرعون الذين آتاهم الله تعالى «بتسع آيات»(1) إلهية على مستوى الاعجاز، ولم يكونوا بأقل عناد واصرار على الانحراف من بني اسرائيل حتى أنّهم قالوا لموسى (وَقـالوا يـا أَيُّهـَا السّـاحِرُ ادْعُ لَنـا رَبَّكَ بِمـا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمّـا كَشَفْنـا عَنْهُمُ الْعذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ).

تعبيرات الآية واضحة جدّاً، فكلها تبيّن وتعكس العناد الذي كانوا عليه، فأولها نعتوا موسى(عليه السلام) بالساحر ومع ذلك يلجأون إليه لكي يخلصهم من البلاء، وتعبير «ربّك» علامة اُخرى على العناد. وتأكيدهم على الإيمان بموسى(عليه السلام)على فرض انقاذهم من البلاء واضح


1. سورة الاسراء، الآية 101.

[ 35 ]

من كلمة (إننا لمهتدون) وتعبير (ينكثون) التي وردت بصورة الفعل المضارع تبيّن أنّهم أبرموا العهود ونقضوها مرّات عديدة، وهو دليل على عنادهم أيضاً.

وبالتالي فانّهم ذاقوا عقاب عنادهم ولجاجتهم، حيث اغرقهم الباري تعالى بجميع عدّتهم وعددهم ورؤسائهم في اليمِّ(1).

—–

«الآية العاشرة» والأخيرة من هذه الآيات، ناظرة لعناد المشركين العرب حيث كانوا يصرّون على عنادهم ويتهربون من قبول دعوة الرسول(صلى الله عليه وآله) والتي كانت مدعمة بالآيات والمعجزات، ولو كان عندهم ذرّة من روح الحب للحقيقة، لقبِلوا احدى تلك المعجزات الكبيرة التي اتى بها الرسول الاعظم(صلى الله عليه وآله) ومن جملتها القرآن الكريم المعجزة الخالدة للرسول الكريم(صلى الله عليه وآله)، ولكنهم كانوا في كل يوم يطلبون معجزةً جديدة، ومع ذلك لا يؤمنون بها أيضاً، إلى أن وصلوا إلى أقصى درجات اللجاجة والعناد، (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقى فِى السَّمـاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنـا كِتـاباً نَقْرَؤُهُ).

هذا الكلام هو دليل واضح على التعامل مع الموقف من موقع العناد، وفيه أيضاً نقطة مهمّة، ألا وهي أنّهم كانوا يتصوّرون أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) يقول: إني افعل ما اشاء ومتسلط على جميع الكون، لكنّ الحقيقة أنّ المعجزات دائماً تتحقق بأمر إلهي وكيفما يشاء الباري تعالى، لذا نقرأ في آخر الآيات: ( قُلْ سُبْحـانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولا).

ويذكر في شأن النزول أنّ قوماً من مشركي مكّة وعلى رأسهم (الوليد بن المغيرة وابو جهل) اجتمعوا عند الكعبة الشريفة وأخذوا يتحدثون عن النبي وكيفية مواجهته، وبالتالي قرّروا أن يذهب أحدهم إلى رسول الله(صلى الله عليه وآله)، ويقترح عليه أن يتوجّه إليهم يكلمهم ويكلمونه حول الدين الجديد، فأسرع إليهم الرسول على أمل قبولهم للحق، لكنّه سمع الكلام الآنف الذكر، بالإضافة إلى مجابهتهم له باُمور واهية ومهينةً اُخرى.

ومن المؤكد أنّهم لو كانوا يطلبون الحق ويريدونه، لتوجب على الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)


1. نظير هذه التعبيرات وبشرح اكبر جاء في سورة الاعراف في الآيات 131 ـ 135.

[ 36 ]

النزول عند رغبتهم، أو على الأقل تنفيذ إحدى المعجزات، ولكنهم طالما شاهدوا المعجزات من الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) لم يذعنوا للحق، اضافة إلى أنّهم بطلبهم هذا اعترفوا إنّهم لن يؤمنوا لرقيّ الرسول الأعظم(صلى الله عليه وآله) في السماء أمام أعينهم حتى ينزل عليهم كتاباً من السماء ليقرؤوه، ولو نزل الرسول(صلى الله عليه وآله) عند رغبتهم وآتاهم بالمعجزة هذه لما آمنوا، لأنّ سابقة عنادهم ومواقفهم السلبية من الدعوة هي أفضل دليل، فعندما كانوا يشاهدون المعاجز الباهرة، يقولون هذا من السحر وإنّ الرجل لساحر، وهكذا يجهضون أي أثر للمعجزات في وعيهم بتعاملهم معها بلغة الاتهام الذي ينطلق من موقع العناد.

—–

فتبيّن من مجموع الآيات الآنفة الذكر أنّ مسألة اللّجاج والعناد على مرّ العصور وتاريخ البشر كانت ولا تزال من أهم الموانع في طريق الحق، حيث كان وجود هذه الحالة النفسية السلبية يمثل مشكلة عويصة تمتد في أعماق نفوس المشركين في الأقوام السابقة، وعليه فلو تحرك الإنسان في عملية الوصول إلى الحق والحقيقة فعليه أن يزيل هذه الصفة الذميمة من محتواه الداخلي ويتخلص منها.

 

اللجاج والمماراة في الروايات الإسلامية:

أشرنا فيما تقدم إلى الأبحاث المتعلقة بالتعصب واللجاج، وأوضحنا ما يترتب على هذه الحالة الأخلاقية من خلال الآيات الكريمة، من العواقب الوخيمة الناشئة من التعصب والتقليد الأعمى، أمّا في هذا البحث فسنتكلم عن المماراة واللجاج في دائرة الجدل، أو بتعبير آخر التمسك بمسألة خاطئة لا للتعصب القومي الاعمى، ولكن بسبب تجذّر العناد الطفولي في النفس والذي قد نشاهده في بعض الأفراد، فلا يسلّمون للحق بل يريدون التهرب منه.

وكما رأينا في الآيات السابقة فان هذهِ الرذيلة الأخلاقية أحرقت فرص السعادة والحياة الكريمة لكثير من الأقوام. فوقعوا في مستنقع البؤس والرذيلة، ونرى في الأحاديث

[ 37 ]

الإسلامية ابحاث موسّعة حول هذا الموضوع:

1 ـ في حديث عن الرسول الكريم(صلى الله عليه وآله): «الخَيرُ عـادَةٌ وَالشَّرُّ لَجاجةٌ»(1).

2 ـ في حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قال: «إِيَّاكَ وَمَذمُومَ اللَّجـاجِ فإنّهُ يُثِيرُ الحُرُوبَ»(2).

فتعبير اللجاج المذموم يعني أنّ الإنسان ربّما يصرّ على اُمور الخير وبصورة منطقية فهو بلا شك أمر محمود ورمز للموفقيّة. ولكن الاصرار على اللجاج المذموم، هو سبب لاستفزاز الآخرين، والمداومة عليه يؤدي إلى التعامل مع الآخرين من موقع العقدة والخصومة وإثارة الحروب وسفك الدماء.

3 ـ في حديث آخر عن الإمام علي(عليه السلام): «جِمـاعُ الشَّرِّ اللَّجـاجُ وَكَثرَةُ المُمـارَاةِ»(3).

وفي الواقع أنّ كثيراً من المشكلات والمصائب الاجتماعية لا مصدر لها إلاّ هذه الاُمور، فيقوم البعض بمناقشة الاُمور بدافع البحث والجدال والمماراة، ويقوم البعض الآخر ونتيجةً للجهل بالردّ عليهم من هذا المنطلق نفسه، فينشأ النزاع والصداع دون أن يكون لهم هدف معين على مستوى الكشف عن الحقيقة وتحصيل الواقع، ولو أنّهم سلكوا طريق العقل والتدبر، لاستطاعوا القضاء على كثير من المفاسد الاجتماعية من خلال الحوار المشترك الذي ينطلق من دوافع إنسانية في واقع الإنسان والحياة.

4 ـ وفي حديث آخر عن نفس الإمام الهمام(عليه السلام): «خَيرُ الأخلاقِ أَبعَدُهـا عَنِ اللَّجـاجِ»(4).

يستفاد من هذا التعبير أنّ روح اللجاج والمماراة لها علاقة وثيقة بجميع الصفات الرذيلة، فإمّا أن يتأثر بها أو يؤثر بواسطتها.

5 ـ ونقل عنه(عليه السلام) أيضاً: «لا مَرْكَبَ أجمَحَ مِنَ اللَّجـاجِ»(5).

ويستفاد من هذا الحديث، أنّ اللجاج يؤدي بصاحبه إلى منزلقات سحيقة في حركة


1. سنن ابن ماجه، ح 221; ميزان الحكمة، ح 18114.
2. غرر الحكم.
3. المصدر السابق.
4. المصدر السابق.
5. المصدر السابق.

[ 38 ]

الواقع الأخلاقي للإنسان، فمرة يجرّه الى الكذب، واُخرى إلى التكبر، وثالثة إلى الخداع والحيلة، ورابعة إلى الحرب والجدال كما جاء في الروايات السابقة.

6 ـ جاء في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّ موسى بن عمران(عليه السلام) عندما أراد أن يترك استاذه الخضر(عليه السلام)، طلب منه النصيحة والموعظة، فقال له: «إِيَّاكَ وَاللَّجـاجَةَ أوْ تَمشِي فِي غَيرِ حـاجَة أَو تَضْحكَ مِنْ غَيرِ عَجب وَاذكُرْ خَطِيئَتَكَ وَإِيَّاكَ وَخَطـايـا النـاسِ»(1).

في هذا الحديث وضع اللجاج موضع من يمشي بلا هدف والتدخل بما لا يعني الإنسان، وهو دليل على أنّ اللجوج لا يتبع العقل والمنطق بتاتاً.

7 ـ ونختم هذا البحث بحديث آخر عن أمير المؤمنين(عليه السلام) حيث قال: «مَن لَجَّ وَتَمـادى فَهُوَ رَاكِسٌ الَّذِي رانَ اللهُ عَلَى قَلبِهِ وَصـارَتْ دَائِرَةُ السُّوءَ عَلَى رَأسِهِ»(2).

وعلى أيّة حال فان الأحاديث في ذم هذه الرذيلة كثيرة جدّاً.

والأحاديث التي أوردناها هي غيض من فيض، وهي تبيّن أنّ هذهِ الرذيلة لا تسلك بصاحبها سوى سبيل البؤس والدمار وتبعده من الحق وتقربه من الباطل، وتكون عاقبته أليمة وموحشة.

 

دوافع وعواقب اللجاج والمماراة:

من المعلوم أنّ هذه الصفة الأخلاقية هي من أخلاق الصبيّان، ولكنها قبل كل شيء تنشأ من الجهل وقصر النظر، فذوا العقول يتحرّكون في حركة الواقع من خلال التدبّر والتفكر الذي ينطلق من موقع المنطق والدليل، فإذا ما ثبت لهم بالبرهان المنطقي، أنّ أمراً ما لا يتوافق مع الحقيقة فسرعان ما يتركونه ويقلعون عنه رغم اعتقادهم به لسنوات متمادية.

ولكن الأفراد الجهّال والقصيري النظر لا يقلعون عن شيء يعتقدون به ويمثل لديهم مفردة على مستوى المعتقد والدين، ولا يفيد معهم الدليل ولا المنطق.


1. سفينة البحار، مادة لجّ.
2. نهج البلاغة، الرسالة 58.

[ 39 ]

ومن الأسباب الاُخرى لتكريس حالة اللجاج والعناد هو مواجهة الشخص الذي ارتكب مخالفة معينة باللّوم المفرط والتقريع الزائد عن الحدّ وأمام الملأ العام، فانّ ذلك من شأنه أن يدفعه نحو الاصرار والعناد لإثبات أنّه ليس على خطأ ويتحرّك في مواجهة الآخرين من خلال التمسك برأيه، وبالتدريج يعتقد أنّه على صواب ويبقى على ما هو عليه، والعكس صحيح فإذا ما عومل بلطف ولين ومحبّة فسيرتدع ويعود إلى رشده.

ولذلك نقرأ في حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «الإِفراطُ فِي المَلامَةِ يَشُّبُ نِيرانُ اللَّجـاجَةِ»(1).

العامل الثالث لظهور هذه الصفة: هو احساس الإنسان بالحقارة والدونية، فعقدة الحقارة تمنع الأفراد من الاستماع والإنصياع للآخرين توكيداً لشخصيتهم، فلا يقبلون الكلام المنطقي ويصرّون على سلوكهم وعملهم الباطل.

أما الأفراد الذين لا يعيشون هذه العقدة ويمتازون بشخصية قوية، فلا حاجة لهم إلى هذا السلوك الباطل وسرعان ما يسلّمون للبرهان والمنطق السليم ولا يجدون في أنفسهم حاجة للاصرار على أفعالهم الخاطئة.

ضعف الإرادة واهتزاز الشخصية يمكن اعتباره عامل رابع للّجاج، ومن البديهي أنّ إقلاع الشخص من عادة تعودها لمدّة طويلة ليس بالأمر السهل، والإعتراف بالخطأ ليس بالأمر الهيّن أيضاً، ويحتاج إلى قوة الإرادة والشجاعة، والأشخاص الذين يعيشون الحرمان من تلك الفضيلتين سيجدون في أنفسهم دوافع لا شعورية لسلوك طريق العناد واللجاج.

«حبّ الراحة» يمكن أن يكون العامل الخامس، لأن ترك المسير الذي سار عليه الإنسان ولمدّة طويلة ليس بالأمر السهل، وخصوصاً لدى الشخص المنعّم والمحبّ للراحة. ومن اليقين أنّ التحرك على خلاف حالة الاسترخاء الفكري والكسل النفسي لا يلائم مذاقهم.

فهذه من العوامل التي يمكن الإشارة إليها في دائرة اللجاج والمماراة.


1. بحار الانوار، ج 74، ص 212.

[ 40 ]

وأمّا آثارها السلبيّة فليست خافيةً على أحد، فهي تورط الإنسان في مشاكل بعيدة
عنه كل البعد، كما تورط بنو اسرائيل بالبقرة من خلال البحث عن التفاصيل الدقيقة في دائرة الطاعة وامتثال الأمر، وما ترتب من صعوبة البحث عنها وثمنها الباهض، فقد جاء في الحديث أنّهم جمعوا أموالهم كلها لشرائها، وبعدها جاؤوا لموسى (عليه السلام) يبكون ويشتكون بأننا قد أفلسنا وافتقرت قبيلتنا وأصبحنا نستعطي من الناس بسبب العناد، فَرَقَّ لهم النبي موسى(عليه السلام)وعلّمهم دعاءً يعينهم على مشاكلهم(1).

ومن افرازات هذه الرذيلة ومردوداتها السلبية على النفس هو الحرمان من فهم الحقائق التي تتولى تهيئة الأرضية لتكامل الإنسان، لأنّ اللجاج لا يعطي الفرصة للإنسان لإصلاح الخطأ والإذعان للحقائق، وعلى أثرها لا يستطيع التقدم والرقي في درجات الكمال.

والأثر الثالث لهذا الخلق الرديء، هو العزلة الاجتماعية وابتعاد الناس عن الشخص الذي يعيش حالة العناد، فالناس عموماً لا يحبّون اللجوج وينفرون منه، وليس لديهم استعداد للتعاون معه والدخول معه في أجواء حقيقية من التكافل الاجتماعي، لأنّ التعاون الاجتماعي يحتاج للمرونة والسماحة وغض النظر، وهي أمور لا تتوفر في اللجوج.

وفوق هذا وذاك فمثل هؤلاء الأشخاص المغرورين ينعتون بالجهل وخفّة العقل في المجتمع، ونفس سوء السمعة هذهِ يكون سبباً في عزلتهم وانزوائهم، كما هو معروف في حديث دعائم الكفر عن الإمام علي(عليه السلام) حيث قال: «وَمَنْ نـازَعَ فِي الرَّأي وَخـاصَمَ شَهُرَ بِالمَثلِ (بالفشل) مِنْ طُولَ اللِّجـاجِ»(2).

وخلاصة القول أنّ اللجاج والمماراة يبعد الإنسان عن الله والناس، بل حتى عن نفسه، ولن تصبح للإنسان مكانةً بين الناس إلاّ بترك هذا الخلق السيّء.

 

الفرق بين الإستقامة واللجاج :

إذا ما اختار الإنسان طريق الخير ومسير الحق وثبت عليه، فيكون قد عَمِل بأفضل


1. بحار الانوار، ج 13، ص 272.
2. بحار الانوار، ج 69، ص 119.

[ 41 ]

الاُمور وهي بعينها فضيلة الصبر والاستقامة والتي تحدثنا عنها سابقاً، وإذا ما اختار الإنسان طريق الباطل وسبيل الانحراف مع عدم المرونة للتغيير بحيث إنّه يعتبر الجميع على خطأ وهو وحده الصحيح، ولا يتحرّك في سبيل تصحيح الخطأ وجبران الزيغ، فيكون قد اختار طريق الّلجاج، وهو من أسوأ الأخلاق.

 

طريقة العلاج:

بصورة عامّة وكما هو معلوم فإنّ طريق العلاج للإمراض الأخلاقية يتمثل في أمرين:

«الأول»: الطريق العلمي وذلك من خلال تحليل عواقب تلك الرذيلة الأخلاقية، ومن هذا الطرق يمكن للشخص أن يعرف آثارها السلبية، ويعلم أنّها ستبعده من الله تعالى والناس وتقف عقبة في طريق تكامله وتمنعه من إدراك الحقائق وتعزله عن الناس، وتضع الحجب على القلب، وحينئذ يتحرّك هذا الإنسان من موقع الابتعاد عن هذه الرذيلة ويقلع جذورها من نفسه.

اللجاج والمماراة لا ينسجم مع الإيمان كما قال الإمام الصادق(عليه السلام): «سِتَّةٌ لا تَكُونُ فِي المُؤمُنِ قِيلَ وَمـا هِي؟ قَالَ العُسرُ وَالنَّكدُ وَاللّجـاجَةُ وَالكِذبُ وَالحَسَدُ وَالبَغي»(1).

و«الطريق الآخر» لمحاربة تلك الرذيلة هو الحلّ العملي والتصدي لها في ميدان الممارسة والعمل، فعندما يرى نفسه قد توفّرت على عناصر ومقدمات ظهور الرذيلة في دائرة الحوار والنقاش، فعليه أن يُسلّم فوراً للحق ويشكر المتحدث، وإذا ما عاند وشاكس فليعتذر، ولا يعيد الكلام من لجاجة أبداً، وإذا ما تكلم سهواً فليسكت ويستعذ بالله من الشيطان الرجيم، وبتكرار هذا البرنامج العملي ستنكسر حدة اللجاج في نفسه وتندثر.

ثم عليه أن يبتعد عن الأفراد اللّجوجين، ولا يترك الجدال والبحث أو المِراء، وليقرأ عن العظماء كيف كانوا يقبلون الحق ولو من الصغير أو العبيد أو تلامذتهم، ويجلّوهم ويحترمونهم لأنّهم قالوا الحق.


1. بحار الانوار، ج64، ص301، ح29.

[ 42 ]

وبما أنّ من آثارها المباشرة هو الرياء والجهل فكلّما استطاع الإنسان أن يكسِر شوكة هاتين الصفتين في نفسه فستقل لجاجته، وليتذكر حالات الأقوام السابقة وكفرهم ومقابلتهم للأنبياء واختيارهم الكفر على الإيمان واستحقاقهم العذاب الإلهي لا لشيء إلاّ لأنّهم لجّوا في باطلهم وأصروا على زيفهم، ولئلا يصاب بما أصاب اُولئك القوم من قبل، وكيف أن بني اسرائيل باعوا كل ما لديهم ليشتروا تلك البقرة بحيث أفضى بهم إلى الاستجداء وذهبوا لموسى(عليه السلام)ليساعدهم في التخلص من هذه الورطة، فعلمهم دعاء يعينهم على دنياهم(1)، وكل ذلك كان بسبب لجّتهم وعنادهم.

—–

 


1. بحار الانوار، ج 13، ص 272.

[ 43 ]

3/الشكر وكفران النعمة

3
الشكر وكفران النعمة

 

تنويه:

«شكر النعمة» يمكن أن يكون باللسان أو بالعمل، وعليه فإنّ «الكفران» هو عدم الاعتناء بالنعم وتحقيرها وتضييعها، وهو أيضاً من الرذائل الأخلاقية ذات العواقب الوخيمة، سواء كانت على الصعيد الفردي أو الاجتماعي، والواقع أنّ الشكر يقرّب القلوب ويحكّم المحبّة في المجتمع، والكفران يقطع أواصر المحبّة والوئام ويجعل من المجتمع جهنّماً لا يطاق يعيش فيه الانسان حالات من العداوة والبغض والحقد!

كفران النعمة مانع كبير أمام تكامل الروح الإنسانية وتهذيبها والسير إلى الله تعالى، حيث يتسبب في ذبول عناصر الخير في الضمير ويطفيء النور الباطني الممتد في أعماق الوجدان ويلّوث الروح.

و«شكر النعمة» هو قضية فطرية، اُودعت في الإنسان لتفتح له آفاق التوحيد ومعرفة الله تعالى، ولهذا نجد أنّ كثيراً من علماء العقائد يفتتحون بحوثهم بمسألة «ضرورة معرفة المنعم»، وسيأتي شرحها في المستقبل إن شاء الله تعالى.

بهذه الإشارة نعود للقرآن الكريم لنستعرض فيه الآيات التي تذم حالة الكفران، وتمدح حالة الشكر للنعمة:

[ 44 ]

1 ـ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)(1).

2 ـ (وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ)(2).

3 ـ (وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ)(3).

4 ـ (وَلَئِنْ أَذَقْنَا الاِْنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ)(4).

5 ـ (وَإِذَا مَسَّكُمْ الضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَنْ تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الاِْنْسَانُ كَفُوراً)(5).

6 ـ (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللهِ كُفْراً وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ * جَهَنَّمَ يَصْلَوْنَهَا وَبِئْسَ الْقَرَارُ)(6).

7 ـ (وَضَرَبَ اللهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِنْ كُلِّ مَكَان فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللهِ فَأَذَاقَهَا اللهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ)(7).

8 ـ (لَقَدْ كَانَ لِسَبَإ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِين وَشِمَال كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَى أُكُل خَمْط وَأَثْل وَشَيْء مِنْ سِدْر قَلِيل * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلاَّ الْكَفُورَ)(8).

 

تفسير واستنتاج:

«الآية الاُولى» تستعرض كلام النبي موسى(عليه السلام) مع بني اسرائيل، حيث يذكرهم بأمر


1. سورة ابراهيم، الآية 7.
2. سورة النمل، الآية 40.
3. سورة لقمان، الآية 12.
4. سورة هود، الآية 9 و 10.
5. سورة الاسراء، الآية 67.
6. سورة ابراهيم، الآية 28 و 29.
7. سورة النحل، الآية 112.
8. سورة السبأ، الآية 15 - 17.

[ 45 ]

إلهي مهم: (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لاََزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)، فذكّرهم النبي(عليه السلام) بقضية الشكر ومعطياته والكفران وآثاره السلبية وذلك بعدما انتصروا على فرعون ونالوا الاستقلال وذاقوا طعم الحرية والعظمة وظهرت منهم بوادر كفران النعمة.

جملة «لأزيدنّكم» فيها أنواع من التأكيدات، فهي وعد إلهي قطعي للشاكرين، بأنّه سيزيدهم من فضله، واللطيف في الأمر أنّ الله تعالى لم يخاطب كفّار النعمة بالقول: «لاُعذّبنكم» بل قال: «إنّ عذابي لشديد» وهو نهاية اللطف والرحمة في دائرة التعامل المولوي تجاه المخلوقين، وفي نفس الوقت تهديد شديد ووعيد مخيف لكفّار النعم بأنّ عليهم أخذ العبرة من قصة بني اسرائيل عندما كفروا أنعُم الله «فتاهوا» في الصحراء أربعين سنة.

—–

في «الآية الثانية» يدور الحديث عن النبي سليمان(عليه السلام) وقومه، عندما اقترح عليهم أن يأتوه بعرش ملكة «سبأ»، فقال له أحد حواريه وكان عنده علم من الكتاب: (أنا آتِيكَ بِهِ قَبلَ أن يَرتدَّ إلَيكَ طَرفُكَ)، فشعر سليمان(عليه السلام) بالفرح يغمر نفسه لوجود مثل هذه الشخصيات في بلاطه ولديهم الروحيات والمعنويات القوية، فقرر أن يشكر الخالق تعالى، فقال:

(وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ).

والجدير بالذكر أنّ ثواب الشاكر ذكر في هذه الآية بوضوح، ولكن عقاب من يكفر بالنعمة ذكر بصورة غير مباشرة (وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِىٌّ كَرِيمٌ) حيث ركزت الآية على كرم الله تعالى، وهو نهاية رحمة الله ولطفه في دائرة التخاطب مع الإنسان.

ويمكن استفادة نقطة مهمّة اُخرى من الجملة الانفة الذكر، وهي أنّ الله تبارك وتعالى يحذّر عباده من الكفر ويدعوهم للشكر لا لحاجة منه إليهم، وحتى على فرض كفران النعمة فإنّه يفيض من كرمه ولطفه على الناس لعلّهم يرجعون عن غيّهم ولا يحرمون أنفسهم من أنعُم الله تعالى.

[ 46 ]

وأساساً فإنّ الكتب الإلهية تعود بالنفع على العباد أنفسهم، فهي بمثابة دروس لهم، لتربية أنفسهم، فالباري تعالى غنيٌّ بذاته ولا يحتاج إلى أحد، لا لطاعة العباد ولا عصيانهم ولا يضرونه بالعصيان شيئاً.

—–

«الآية الثالثة» تحمل مضمون الآية السابقة حيث تستعرض لنا قصة «لقمان الحكيم»:

(وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللهَ غَنِىٌّ حَمِيدٌ).

الحكمة التي أتاها الله تعالى للقمان تشمل معرفة أسرار الكون والعلم بطرق الهداية والصلاح، والطريقة المثلى للحياة الفردية والاجتماعية، التي جاءت بصورة نصائح لقمان لابنه في سورة لقمان، وهي موهبة إلهية ونعمة روحية أكّد الله تعالى على أهميّتها، كما ذكر في الآية التي قبلها على أحدى النعم المعنوية، حتى لا يغرق الناس في منزلقات النعم المادية ويتصورون أنّ النعم والمواهب الإلهية تنحصر في الماديّات فقط.

ويجدر هنا الإشارة إلى نقطتين:

«الأولى» إنّ الشكر أتى بصورة الفعل المضارع، والكفران بصيغة الماضي، وهي إشارة إلى أنّ مسير التكامل والرقيّ والقرب إلى الله تعالى يحتاج إلى المداومة على الشكر في حين أنّ لحظة من كفران بإمكانها أن تفضي إلى نتائج وخيمة وعواقب مؤلمة.

و«الثاني» إنّ الآية ركّزت على صفتي (الغني الحميد)، بينما كان التركيز في آية النبي سليمان(عليه السلام) على صفتي (الغني والكريم) وهذا الفرق يمكن أن يكون إشارة إلى أنّ الله تعالى غنيٌّ عن شكر المخلوقين، فالملائكة تسبح بحمده وتقدسه على الدوام، وإن كان غنيّاً عنهم أيضاً، ولكن العباد بشكرهم يستوجبون المزيد من النعم عليهم.

—–

«الآية الرابعة» انطلقت للحديث عن الأشخاص الذين يعيشون ضيق الاُفق وعدم الإيمان والتقوى، فهم يعيشون الكفران للنعمة بكل وجودهم:

(وَلَئِنْ أَذَقْنَا الاِْنسَانَ مِنَّا رَحْمَةً ثُمَّ نَزَعْنَاهَا مِنْهُ إِنَّهُ لَيَئُوسٌ كَفُورٌ * وَلَئِنْ أَذَقْنَاهُ نَعْمَاءَ

[ 47 ]

بَعْدَ ضَرَّاءَ مَسَّتْهُ لَيَقُولَنَّ ذَهَبَ السَّيِّئَاتُ عَنِّي إِنَّهُ لَفَرِحٌ فَخُورٌ).

نحن نعلم أنّ القرآن الكريم عندما يتحدث عن الإنسان في واقعه السيء ويصفه بصفات ذميمة بصورة مطلقة، إنّما يقصد الإنسان المنفصل عن الله في حركة الحياة ومن يعيش عدم الإيمان أو ضعف الإيمان، ولهذا ورد في الآية التي جاءت بعد الآيات مورد بحثنا: (إلاَّ الّذِينَ صَبَروا وَعَمِلُوا الصَّالِحـاتِ اُولئِكَ لَهُم مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَرَيمٌ).