وتأسيساً على ذلك، فإنّ حبّ الجاه والثروة وعبادة المقام تمثل عناصر خطيرة على مستوى عملية هدم الدين وتخريب الإيمان في أعماق النفس، كما هو الحال في علاقة الذئب والغنم.
2 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) أيضاً أنّه قال: «حُبُّ الجـاهِ وَالمـالِ يُنبِتانِ النِّفاقَ فِي القَلبِ كَمـا يُنبِتُ الماءُ البَقلَ»(2).
3 ـ وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) قال: «مَنْ طَلَبَ الرِّئاسَةَ هَلَكَ»(3).
4 ـ قد أولت الروايات الإسلامية أهمية كبرى لهذهِ المسألة من موقع التحسس لظهور أبسط العلامات لحبّ الجاه وحذّرت منها، ففي حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً: «إِيّاكُم وَهَؤلاءِ الرُّؤساءِ الَّذِينَ يَتَرَأسُونَ فَواللهِ مـا خَفَقْتِ النِّعالُ خَلفَ رَجُل إلاّ هَلَكَ وأَهلَكَ»(4).
ويجب التنوية إلى أن المستضعفين والمحرومين غالباً ما كانوا حفاة الأقدام في ذلك الزمان والنعال مختص بالغني، ومن البديهي أنّ هؤلاء لا يتبعون شخصاً في سبيل الله ومن أجل الخير!
5 ـ في حديث عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) وفي معرض حديثه عن الجذور الأصلية للذنوب: «أَوّلُ مـا عُصِي اللهُ تَباركَ وَتَعالى بِستِّ خِصـال حُبِّ الدُّنيـا وَحُبِّ الرِّئاسَةِ وَحُبِّ الطَّعـامِ وَحُبِّ النِّسـاءِ وَحُبِّ النَّومِ وَالرَّاحَةِ»(5).
6 ـ وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إِنّ حُبَّ الشّرفِ وَالذِّكرِ لا يَكُونانِ فِي قَلبِ الخـائِفِ الرَّاهِبِ»(6).
7 ـ وعن الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً: «مَنْ طَلَبَ الرِّئاسَةَ بِغيرِ حَقٍّ حُرِمَ الطَّاعَةَ لَهُ بِحَق»(1).
ومن ذلك البيان يتبين أنّ حبّ الجاه والمقام يتقاطع دائماً مع الحق، ومنه يتبيّن أيضاً أنّ حبّ الرئاسة على نوعين:
—–
نقرأ في بعض الآيات أنّ «عباد الرحمان» يطلبون من الباري تعالى أن يجعلهم للمتقين إماماً (واجعَلنـا لِلمُتَّقِينَ إِمـاماً)(2).
ومنه يتبيّن أنّ حبّ الرئاسة لا يقع في الدائرة الذميمة دائماً، كما ذكر هذا المعنى العلاّمة المجلسي(قدس سره) في كتابه بحار الأنوار، حيث قسّم الرئاسة إلى نوعين: «رئاسة بالحق» و«رئاسة بالباطل»، بعدها ضرب مثالا لرئاسة الحق وهو التصدي لمقام الفتوى والتدريس والوعظ، ويعقب قائلا: إنّ الذي له الأهلية لذلك وهو عالم بالكتاب والسنة وهدفه هداية الخلق وتعليم الناس، فيجب عليه إمّا عيناً أو كفايةً التصدي لذلك المقام، ولكن الذي لا علم له ولا اطلاع بالمسائل وليس له هدف إلاّ الشهرة وتحصيل المال والمقام، فتلك الرئاسة الباطلة، وهذا هو فعل المبتلين بالصفة الرذيلة وهي حبّ الجاه.
وبعدها نقل عن بعض المحققين أن معنى كلمة «الجاه» هو تملك القلب والتأثير عليه، فحكمها حكم تملك الأموال، كل هذهِ الاُمور هي من أهداف الحياة، وتنتهي بالموت، والدنيا مزرعة الآخرة، فالذي يجعل من تلك زاداً له في الآخرة فهو السعيد والمنعم، والذي يجعل منها وسيلة لإتباع الأهواء فهو الشقيّ الفقير(3).
وفي الواقع أنّ الذين يطلبون الرئاسة لأغراض اجتماعية وإنسانية، أو بعبارة اُخرى يطلبون الجاه للوصول للاهداف الإلهيّة وليس لحب المقام والرئاسة بالذات، اُولئك في
الحقيقة السائرون على خط الإمام علي(عليه السلام) الذي يقول: «أمـا وَالَّذي فَلَقَ الحَبّةَ وَبرَأ النَّسمَةَ لَولا حُضُورِ الحـاضِرِ وَقِيـامِ الحُجَّةِ بِوجُودِ النَّاصِرِ وَمـا أَخَذَ اللهُ عَلَى العُلَمـاءِ أَلاّ يُقارُّوا عِلى كِظّةِ ظـالِم وَلا سَغبِ مَظلُوم لأَلقَيتُ حَبلَها عَلى غَارِبِها وَلَسَقَيتُ آخِرهـا بِكأسِ أَولِهـا»(1).
—–
يمكن معرفة الأفراد الذين يحبون الجاه والمقام عن طريق حركاتهم وكلماتهم وسلوكهم، فكل ما يفعلوه من خير يرغبون في اظهاره والإعلان عنه، حتى تكون لهم المنزلة والمقام عند الناس.
وعلى هذا فالذين يحبّون الجاه يتحرّكون في سلوكهم الأخلاقي نحو الرياء غالباً، لأنّ حبّهم للجاه لا يمكن اشباعه إلاّ بالرياء، ولذلك فإنّ بعض كبار علماء الأخلاق، ادرجوا عنوان الرياء وحب الجاه سويةً في كتبهم(2).
وكثير من الذين يحبّون الجاه يحبّون أن يحمدوا بما لم يفعلوا وبهذا جاءت الآية الشريفة: (يُحِبُّونَ أَن يُحمَدُوا بِمـا لَم يَفعَلُوا)(3) فهدفهم الشهرة والوجاهة والإشارة إليه بالبنان، عن أي طريق كان، وليس هدفهم من الوجاهة هو التحرك باتّجاه تفعيل الخير في المجتمع من موقع الإصلاحات الاجتماعية، ولكن الهدف هو مدح الناس وخضوعهم لهم والإشارة إليهم بالبنان كما قلنا، فهم يسعون للأعمال التي فيها الشهرة وإن كان مردودها قليلا، ولا يسعون أبداً للأعمال التي لا تحقق لهم الوجاهة والسمعة وإن كانت تلك الأعمال تعود بالنفع الكثير للمجتمع.
محبو الجاه يتوقعون أن يُمدحوا دائماً، ولا يرغبون بالنقد والتأنيب وينتظرون الاحترام
من الجميع في المجالس وغيرها ولا يحبون أن يجلس أحد في مكان أعلى منهم، أو يقاطعهم في أثناء كلامهم ويجب أن يكون كلامهم هو الكلام الأول والأخير، ومن قدّم إليهم صنوف المدح وآيات الاحترام والتبجيل فهو إنسان شريف ويعترف بالجميل، ومن لم يكن كذلك فهو لئيم وناكر للجميل، ولذلك فإن مثل هؤلاء الأشخاص غالباً ما يكونون منبوذين ومكروهين، ورجوع بعض المحتاجين إليهم هو من باب الإجبار وعدم الحيلة.
مثل هؤلاء الأفراد يعرفون بسرعة، وجاء في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام): «إنَّ شِرارَكُم مَن أَحبَّ أن يُوطّأ عَقِبَهُ»(1).
ونقرأ في حديث آخر عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): «مَنْ أَحبَّ أن يُمثّل لَهُ الرِّجـالُ فَليَتَبَوءَ مَقعَدَهُ مِنَ النَّارِ»(2).
ومن العلامات الاُخرى لهم، أنّهم يعيشون في حالة الوهم والشخصية الخيالية الضاربة في أحلام اليقظة، فما لا يحصلونه في عالم الواقع من المنزلة والجاه والاحترام يجدونه حاضراً في عالم الوهم والخيال.
—–
في بحث «حبّ الجاه» علّق المرحوم «الفيض الكاشاني» تعليقاً لطيفاً، فقال: «إنّ تعلق الناس بحب الجاه والمقام، أو بعبارة اُخرى أنّ حبّ التسلط على القلوب أقوى من حبّ المال والثروة، لأنّ الوصول للمال والثروة يكون عن طريق الجاه، أسهل منه عن طريق المال للجاه، حيث يوجد الكثير من المتمولين لكن لا سيطرة لهم على قلوب الناس، ولكن الذين يستطيعون التأثير على القلوب، يكون تحصيل المال والثروة أسهل لهم.
ثانياً: الأموال تكون معرضة للتلف والحفاظ عليها يعدّ أمراً صعباً لكن الذي يملك
القلوب يكون المحافظة عليها أسهل (وإن كانت في هذا الطريق أسهل).
ثالثاً: التسلط على القلوب يزداد يوماً بعد يوم بدون تجشم عناء كبير، ونفس مدح وثناء الناس كفيل بنشرها، ولكن جمع وزيادة الأموال يحتاج إلى تجشم العناء الكبير»(1).
ولقد ذكر المرحوم الفيض الكاشاني هذا الكلام لبيان ميل الإنسان لحالة «الجاه والمقام»، ولكن إذا دققنا النظر فسنرى أنّه يمكن أن نعتبرها من الدوافع «لحب الجاه»، لانّه عندما يكون الجاه والمقام سبباً لزيادة الأموال والوصول إلى جميع الأماني والأهواء، علاوةً على خضوع الناس وتواضعهم، فمن الطبيعي أن تتوجه الأنظار إليه، بحيث يمكن القول أنّه لا يكاد أن ينجو منه أحد، وإن كان بمرتبة أضعف عند بعض الناس، وقد ورد في كلمات أهل المعرفة والحكمة أنّه: «آخِرُ مـا يَخرُجُ مِنْ قُلُوبِ الصُّدِيقِينَ حُبُّ الجـاهِ»(2).
ومن الأسباب الاُخرى لحبّ الجاه هو «حبّ الذات» المفرط عند الإنسان، حيث يتحرّك الإنسان لارضاء هذا الدافع المترسخ في أعماق النفس بكل وسيلة تمكنه من تحصيل ذلك الغرض، ومنها المقام والمنزلة في واقع المجتمع.
وهناك دوافع اُخرى لهذه الحالة النفسية مثل الشعور بالحقارة والدونية، فالأشخاص الذين ذاقوا مرارة الحقارة وعاشوا الإهانة من الآخرين لأي سبب كان فإنّهم يسعون وعن طريق حبّ الجاه والأماني الكاذبة لتعويض ذلك النقص.
وكذلك الحسد والحقد والانتقام يمكنها أن تكون من الأسباب وعلل حبّ الجاه، فإنّ من يعيش الحسد تجاه الآخر يتحرّك من موقع طلب الرياسة والمنزلة الاجتماعية ليكون الآخر في موقع أسفل منه في دائرة العلاقات الاجتماعية ويستغل الفرصة لتنفيذ ما في قلبه من الحسد والحقد والانتقام.
والخلاصة أنّ حبّ الجاه من الرذائل المعقدة التي لها جذور ومشتركات مع كثير من الرذائل الاُخرى.
—–
بالنظر للأبحاث التي مرّت بنا في الوقاية أو معالجة الرذائل الأخلاقية اتضح لدينا أصل كلّي وهو أن المبتلين بتلك الرذائل الأخلاقية إذا ما تنبهوا للعواقب السيئة لهذهِ الصفات، فإنّهم في الأغلب الأعم سيفكرون في طرق العلاج لها وتركها.
وهذا الأصل يصدق أيضاً في مورد حب الجاه، فإذا ما انتبه المبتلي بحبّ الجاه الى أنّ هذهِ الرذيلة لا تبعده عن الخالق فحسب بل عن المخلوق ايضاً، فيهرب منه الصديق ويبتعد عنه الناس، وأنّ هذه الصفة ستجرّه للرياء الذي هو من أخطر الذنوب أو ربّما يصبح «كالسامري» و«قارون» اللذان كفرا وعادا نبي الله(عليه السلام)، وإذا ما علموا أنّ تأثير حبّ الجاه على الإيمان القلبي للإنسان كمثل الذئب الضاري في قطيع الغنم، فلا يسلم دين وإيمان للإنسان في حركة الحياة الروحية ويستبدله بالنفاق الذي ينبت في قلب المحب للجاه كما ينبت الزرع في الأرض السهلة، فإذا علم الإنسان بكل هذه المخاطر والآثار المخرّبة لهذه الرذيلة فسوف يجدد النظر في سلوكياته وأعماله قطعاً.
وإذا فكر هذا الشخص بعدم ثبات هذهِ الدنيا والتفت إلى قصر العمر وأنّ النعم مواهب مؤقتة وعارية مستردة أو على حد تعبير بعض علماء الأخلاق، أنّ كل الناس شرقاً وغرباً لو سجدوا للإنسان لمدّة طويلة فلا يلبث أن يموت الساجد والمسجود له، فمن الأكيد أنّه سينتبه من غفلته ويرعوي من سلوكه.
ومن الدروس الاُخرى النافعة في التخلص من حبّ الجاه والسلطة هو مطالعة أحوال وحياة فرعون ونمرود وقارون والسامري، ونهاية حياتهم المؤسفة، هذا من جهة، ومن جهة اُخرى فإنّ حب الجاه ناشيء من ضعف الإيمان خصوصاً الإعتقاد بالتوحيد الأفعالي، فبتقوية دعائم الإيمان في أعماق القلب سيزول حب الجاه، فمن يدرك عظمة الله تعالى، يوقن أنّ العالم بأسره لا يساوي شيئاً في مقابل ذاته المُقدّسة، وأن العزّة والذلة والعظمة والحقارة بيد الله تعالى، والأهم من ذلك كلّه أن القلوب بيد خالقها، فلا يمكن الاعتماد على اقبال الناس وإدبارهم، فإن إقبالهم وإدبارهم لا ثبات فيه مطلقاً ولا يعتمد عليه، فالبعض
يمثّلهُ بالقِدر فيه ماء وصل الى درجة الغَليان فهو في حالة تَغيّر مستمر، ومن يتحرّك في تدبير اُموره على ذلك الأساس فَمثله مثل الذي يريد البناء على أمواج البحر، والمراهنة على معطيات رضا الناس وحالة الاعتماد عليهم لا ينتج الضرر الاُخروي فقط، بل لا ينسجم حتى مع خط العقل في سلوكياتنا الدنيوية أيضاً.
كل ما ورد هي طرق العلاج من الناحية العلمية، وأمّا من الناحية العملية، فطريقة علاج حب الجاه هو أن يضع الشخص نَفْسَه في حالة يميتُ فيها «حب الجاه»، فمثلا يجلس في المجالس العامة مع الأفراد العاديين وليس مع الشخصيات المرموقة، وعلى مستوى اللباس، يجب أن يتّخذه من النوع المتوسط وكذلك بيته ومركبه وطعامه وأمثال ذلك.
ويعتقد بعض اعاظم علماء الأخلاق، أنّ أفضل طريقة لقطع حب الجاه هو العزلة عن الناس، بشرط ان لا تكون العزلة بدورها وسيلة لكسب الجاه عند الناس بطريقة غير مباشرة.
وقد كان كثير من المتصوفة ودعاة العرفان، ولأجل كسر حب الجاه في نفوسهم يتصرفون في واقع الممارسة بسلوكيات لا يقبلها الشرع، والعجيب أنّهم كانوا يسمّون مثل هذهِ الذنوب الجلية بالذنوب «الصورية» القابلة للصفح والتسامح، وينقل المرحوم «الفيض الكاشاني» أنّ أحد الملوك القدماء قرر الذهاب الى زاهد زمانه، وعندما أحسّ ذلك الزاهد قرب وصول الملك أمر بأن يأتوه بالخبز والخضروات، وأخذ يأكل بنهم وحرص ويكبر اللّقمة في يده، وعندما رأى الملك ذلك المنظر، سقط الزاهد من عينه وعاد إدراجه بدون أن يكلمه بشيء، فقال الزاهد: «الحَمدُ للهِ الّذِي صَرَفَكَ عَنّي».
وينقل عن بعضهم أنّهم كانوا يأخذون بعض الأشربة ويضعونها في آنية ملوّنة كي يتصور الناس أنّهم يشربون الخمر وبذلك يسقطون من أعينهم.
وينقل أيضاً عن آخر عرف بالزهد بين الناس وأصبح محطّاً للأنظار، فدخل الحمّام يوماً ولبس ثياب شخص آخر تعمداً ووقف في وسط الطريق فعرفه الناس فأخذوه وضربوه واخذوا الثياب منه وأعادوها لصاحبها، وقالوا هذا رجل كذّاب ومخادع، وابتعدوا عنه!!
بلا شك أن هذهِ الأعمال وما شابهها قد تكون من الموارد المحرمةً قطعاً وفي اُخرى من المكروهات، ولم يبيح الشارع المقدس أبداً أن يضع الإنسان المسلم نفسه في هذهِ المواضع حتى يلوّث سمعته ويسقط من أعين الناس، وكما أنّ سوء الظن بالناس محرم في الاسلام، فكذلك توفير عوامل سوء الظن هو بدوره من المحرمات.
وعليه يجب أن تكون الطرق في تهذيب الأخلاق مشروعة ومطابقة للموازين الإسلامية والعقلية، ومع وجود الطرق الشرعية لا داعي لسلوك السبل غير المشروعة.
والعجيب في الأمر أن المرحوم «الفيض الكاشاني» عندما ذكر تلك الاُمور عقّب قائلا: إنّ وضع الشراب المحلل في آنية توهم الناظر بالشرب للمحرم هو محل تأمل من الناحية الفقهية ولكن أهل الحب والهوى يمكن أن يعالجوا أنفسهم باُمور لا يفتي بها الفقيه أبداً، ويعتبرونها من طرق إصلاح القلب، فبعد ارتكابهم لتلك الذنوب «الصورية» كانوا يجبرونها بالأعمال الخيريّة، وبعدها يذكر قصة سارق الحمّام(1).
لو كان هذا الكلام من بعض المتصوفة لما كان محلا للتعجب، ولكن يصدر من فقيه معتبر كالفيض الكاشاني، فهو غير متوقع منه، فالتسلط على أموال الآخرين ولبس ثياب شخص آخر في الحمام هو من الذنوب القطعية، وهو ليس بالذنب الصوري، وارتكاب الذنب لا يناسب أهل الحب والهوى ولا يُصلح القلب، علاوة على ذلك فمع وجود الطرق المشروعة فما الداعي للتوسل بتلك الطرق الملتوية؟
والأقرب للحق أنّ هذا العالم الكبير تأثر بكلمات الغزالي في كتابه «احياء العلوم» فالغزالي لديه كثير من هذهِ الشطحات في دائرة السلوك والممارسة الصوفية، ولعل قصد المرحوم الفيض الكاشاني هو نقل الكلام عن الغزالي وليس تأييداً لمثل تلك السلوكيات.
وهناك فرقة «الملامتية»(2) وهي من الفرق الصوفية المعروفة، حيث انتخبوا تلك
الطريقة لتخريب سمعتهم وتشويه شخصيتهم أمام الغير، ومن المؤكد أنّ الإسلام لا يقرّ مثل هذهِ الأعمال البعيدة عن المنطق والعقل والشرع، ويريد من الإنسان الوصول للحق عن طريقه المشروع لا غير.
إنّ المرحوم الفيض الكاشاني لم يقرّ أعمال وطرق الملامتية، الذين كانوا يرتكبون الكبائر لكي يسقطوا في أعين الناس، بل حرّمها في أماكن اُخرى من كتابه.
—–
2/التبرير والعناد
إنّ حالة التبرير للأخطاء تعتبر من أهم الموانع لدرك الحقيقة، لأنّها السبب في عدم وصول الإنسان للحق بل وتركسه في أو حال الباطل.
والقصد من اسلوب التبرير والعناد، ليس هو الاصرار على مستوى كشف الحقائق وطرح السؤال تلو السؤال، بل إنّ السؤال هو المفتاح لكشف الحقائق، ولكن المقصود هو أنّ الإنسان وبعد انكشاف الحقائق والبراهين، يبقى مصراً على الباطل ويتهرب من الحق بتشبثه بالحجج الواهية وايراد المغالطات الغير المنطقية.
يمكن أن تظهر هذهِ الرذيلة في فرد ما بصورة خاصة، أو تصبح سيرة وعادة لقوم من الأقوام.
وقد أثبت التاريخ من بين الأقوام السابقة، أنّ قوماً من بني اسرائيل كانوا أكثر عناداً من من غيرهم، ولذلك تطرقت كثير من آيات القرآن الكريم لعنادهم واصرارهم في خط الزيغ والخطأ وسنتطرق لبحثها في تفسيرنا للآيات إن شاء الله تعالى.
ويمكن القول أننا نجد هذهِ الرذيلة متمكنة ومتجذرة في جميع الأقوام الذين يعيشون الجهل والانانية حيث لا يتركون أعمالهم القبيحة ولا يقلعون عنها بسهولة.
وعلى أية حال فانّ هذا الخُلق القبيح من أسوأ الأخلاق الشيطانية، ويمكن القول إنّ أول درس تلقاه المعاندون على مستوى الاصرار على الخطأ كان بواسطة الشيطان، أمّا
نتائج وافرازات هذا الخلق الذميم فكبيرة جداً لدرجة أنّ الكثير من الحروب الدامية التي ذهبت بالأنفس والأموال ودمرت فيها المدن العامرة كانت بفعل هذه الخطيئة.
بهذهِ الإشارة نعود للقرآن الكريم والروايات الإسلامية ونستعرض العوامل المسببة لهذا الخُلق القبيح وآثاره الضارّة وطرق علاجه:
1 ـ (وَلَوْ رَحِمْنـاهُمْ وَكَشَفْنـا مـا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجّوا فِى طُغْيـانِهِمْ يَعْمَهُونَ)(1).
2 ـ (اَمَّنْ هذَا الّذِي يَرْزُقُكُم إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُور)(2).
3 ـ (قـالَ أَنْظِرنِى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قـالَ إِنّكَ مِنْ المُنْظَرينَ قـالَ فَبِمـا أَغْوَيْتَنِي لاََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)(3).
4 ـ (قـالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهـاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعـائي إِلاّ فراراً * وَإِنِّي كُلَّمـا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصـابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيـابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا إِسْتِكْبـاراً)(4).
5 ـ (فَرَجَعُوا إِلى أَنْفُسِهِمْ فَقـالُوا إِنَّكُمْ أَنْتُمُ الظّـالِمُونَ * ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مـا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ * قـالَ أَفَتَعْبُدونَ مِنْ دوُنِ اللهِ مـا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ... قـالُوا حَرِّقُوهُ وَانْصُرُوا آلِهَتَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ فـاعِلينَ)(5).
6 ـ (وَإِذْ قـالَ مُوسى لِقَوْمِهِ أَنَّ اللهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً، قـالُوا أَتَتَّخُذُنـا هُزُواً قَالَ أَعُوذُ بِاللهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الجـاهِلِينَ... فَذَبَحُوهـا وَما كـادُوا يَفْعَلُونَ)(6).
7 ـ (وَإِذْ قُلْتُمْ يـا مُوسى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصّـاعِقَةُ وَأَنْتُمْ
تَنْظُرُونَ * ثُمَّ بَعَثْنـكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(1).
8 ـ (قـالُوا يـا مُوسى إِنّـا لَنْ نَدْخُلَهـا أَبَداً مـا دامُوا فِيهـا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقـاتِلا إِنّا ههُنـا قـاعِدُونَ)(2).
9 ـ (وَقـالوا يـا أَيُّهـَا السّـاحِرُ ادْعُ لَنـا رَبَّكَ بِمـا عَهِدَ عِنْدَكَ إِنَّنا لَمُهْتَدُونَ * فَلَمّـا كَشَفْنـا عَنْهُمُ الْعذابَ إِذا هُمْ يَنْكُثُونَ)(3).
10 ـ (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقى فِى السَّمـاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلَ عَلَيْنـا كِتـاباً نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحـانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلاّ بَشَراً رَسُولا)(4).
«الآية الأولى» تتكلم عن الكفّار المعاندين، فإذا ما أنعم الله عليهم ورحمهم وكشف عنهم البلاء لغرض تنبههم لأخطائهم نراهم على العكس يزدادون غروراً، ويصرون على غيّهم وطغيانهم (وَلَوْ رَحِمْنـاهُمْ وَكَشَفْنـا مـا بِهِمْ مِنْ ضُرٍّ لَلَجّوا فِى طُغْيـانِهِمْ يَعْمَهُونَ).
نعم فإن هذه الفئة التي تتعامل مع الحق والواقع من موقع العناد والاصرار على الباطل، مرّة يتهمون الرسول(صلى الله عليه وآله)بالجنون وتارة يطلبون منه التسليم لكلامهم، وعندما يرون المعجزات كانوا يصرون ويستكبرون وينكرون كل شيء. فالله تعالى شأنه ولأجل تنبيههم، جعلهم عرضة للبلاء والتمحيص مرّة، ومرّة اُخرى يغدق عليهم من نعمهِ ورحمته، فلم ينفع كل ذلك لا البلاء والتمحيص ولا اغداق النعم، وكل ذلك كان بسبب جهلهم وعنادهم وتعصبهم.
وقال بعض المفسرين: إنّ الطغيان له أشكال مختلفة، طغيان العلم هو التفاخر، وطغيان
المال البخل، وطغيان العبادة الرياء، وطغيان النفس اتباع الشهوات(1)، فيصاب الإنسان بكل هذه الاُمور على أثر اللجاج والعناد.
—–
وتتحرك «الآية الثانية» لتتناول بالبحث المشركين اللجوجين ايضاً الذين لم يكونوا ليسلموا بأية قيمة كانت للمنطق السليم والواضح للرسول(صلى الله عليه وآله)، ولا استعداد عندهم لترك آلهتهم المصنوعة بأيديهم.
فيقول القرآن الكريم في هذه الآية: (اَمَّنْ هذَا الّذِي يَرْزُقُكُم إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُور).
كرّر القرآن الكريم هذا القول مراراً للمشركين من أنّ أصنامكم لا فائدة منها، فلا يدفعون عنكم عدوّاً، ولا يرزقونكم، ولا يكلمونكم، ولا ينفعونكم ولا يضرونكم ولا عقل لهم ولا شعور.
ومع ذلك كلّه أي دليل لديهم لعبادة تلك الأصنام؟ وعلى الرغم من فقدان الدليل الحاسم على سلوكهم المخالف للعقل والفطرة، استمروا بلجاجة على عبادة الأصنام.
—–
وتتعرض «الآية الثالثة» من هذهِ الآيات إلى أول لجوج ومتعصب في مقابل الحق، ألا وهو الشيطان، عندما تكبّر وطرد من قبل الباري تعالى وفقد مقامه الرفيع والمنزلة التي كانت لديه بين الملائكة، وقد كان عليه أن يلتفت لخطأه الكبير، ويعود إلى الله تعالى من موقع الندم، ويغسل ذنبه بماء التوبة، ويطفىء النار التي أججها بدموع الخجل، ولكنه أبى واستكبر وأصرّ على البقاء في دائرة المعصية أكثر وأكثر ولم يكن ذلك إلاّ بسبب التكبّر والحسد واللجاجة، وقرّر أن ينتقم من آدم(عليه السلام) وذرّيته، ويضلّهم بوساوسه، وليس ليوم أو ساعة أو شهر ولكنه سيستمر إلى نهاية الدنيا، في تكريس الإثم والخطيئة وعناصر الانحراف والزيغ في كل المجتمعات فلا يسلم من منزلقات البؤس والفساد لا الكبير ولا
الصغير ولا الرجل ولا المرأة.
فطلب من الله تعالى: (قـالَ أَنْظِرنِى إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ * قـالَ إِنّكَ مِنْ المُنْظَرينَ قـالَ فَبِمـا أَغْوَيْتَنِي لاََقْعُدَنَّ لَهُمْ صِراطَكَ الْمُسْتَقِيمَ).
ومن المؤكّد أن العمر الطويل له فائدة كبرى لكل شخص يزيد من حسناته، ويصحح أخطاءه، وإذا كان له ماض أسود يبدّله إلى مستقبل سعيد ونوراني، ولكن العمر الطويل للطغاة والصعاليك والمعاندين على العكس من ذلك فله نتائج عكسية.
ولعل إجابة دعائه بالعمر الطويل من رحمة الله تعالى التي تستوعب الخاطئين، أو ربّما كان تقديراً من الله وجزاءً لعبادته لله آلاف السنين، ولعله يعود عن غيّه، لكن هذهِ النعمة عندما تقع في أيدي الطغاة والصعاليك والمعاندين فستتحول إلى نقمة عليهم.
—–
وتأتي «الآية الرابعة» لتتحدث عن قوم نوح(عليه السلام) وعنادهم في مقابل دعوة نبيّهم الرحيم بهم، فدعاهم ليلا ونهاراً في الخلاء والملأ لينجيهم من العذاب، وكلما ألحّ عليهم في قبول دعوة الحق، ازدادوا غيّاً وعناداً.
فاشتكى نوح(عليه السلام) إلى الله وقال: (قـالَ رَبِّ إِنِّي دَعَوْتُ قَوْمِي لَيْلا وَنَهـاراً * فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعـائي إِلاّ فراراً * وَإِنِّي كُلَّمـا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُوا أَصـابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ وَاسْتَغْشَوا ثِيـابَهُمْ وَأَصَرُّوا وَاسْتَكْبَرُوا إِسْتِكْبـاراً).
فأي تعصب وعناد هذا الذي يضع الإنسان اصابعه في آذانه حتى لا يسمع الحق ويلفّ وجهه ويغطيه بثوبه حتى لا يرى من يدعوه إلى الحق والسعادة والخير، بل يتحرّك بعيداً عنه ويتهرب من مواجهته؟!
فالهروب من الحق له حدود، ولكنهم تعدّوها إلى أبعد شيء ولم يتخذوا غير طريق المعاندة والتعصب والإستبداد.
فكيف يجوز للإنسان المريض أن يفرّ من الطبيب، وللغارق في الظلمات أن يتهرب من النور، وللغريق أن يتملّص من المنقذ له؟ إنّه أمر محيرٌ حقّاً، ولكن العناد واللجاج
والإستكبار يقف وراء الكثير من هذا القبيل من السلوكيات الغارقة في الوهم والزيف.
ولا نجد أحداً من الأنبياء(عليهم السلام) دعا قومه كما دعا نوح(عليه السلام) إذ عمّر فيهم 950 سنةً وأكّد عليهم دعوته الإلهية مراراً وتكراراً، وعبارة «الليل والنهار» يمكن أن تكون إشارة إلى مجالسهم العمومية التي كانوا يجلسون فيها بالليل والنهار، فكان يدعوهم إلى الله تعالى في كل وقت، ولم يؤمن له إلاّ قليل، وعلى حد تعبير البعض أنّ معدل من كان يؤمن به من قومه فرد واحد لكل اثني عشرة سنةً.
تعبير: (جَعَلُوا أَصـابِعَهُمْ فِي آذانِهِمْ)، هو وضع رؤوس الأصابع في الآذان لمنع السماع، أو هو إشارة لشدّة موقفهم في الهروب من الحق، وكأنّهم كانوا يريدون أن يدخلوا أصابعهم كلها في الآذان حتى لا يسمعوا الحق.
تعبير: (فَلَمْ يَزِدْهُمْ دُعـائي إِلاّ فراراً)، يبين أنّ دعوة نوح النبي(عليه السلام) كانت لها نتيجةً عكسية عندهم، نعم فإن المشاكسين والمستكبرين يصرون على أفعالهم عند سماعهم للحق، ومثلهم كمثل المزابل عند هطول المطر عليها حيث تزداد عفونة وتشتد رائحتها النتنة.
—–
«الآية الخامسة» تشير إلى عناد قوم ابراهيم(عليه السلام) من عبدة الأوثان في بابل بعدما أثبت لهم ابراهيم(عليه السلام) بدليل قاطع زيف آلهتهم، فحطّم الأصنام كلها إلاّ كبيرهم وطلب منهم أن يسألوا الكبير عمّن فعل بآلهتهم تلك الفعلة الشنيعة؟؟
لقد تنبهوا للأمر في واقعهم ولاموا أنفسهم واستيقظوا للحظة، ولو قدّر أن تستمر هذهِ اللحظة لتغير موقفهم من الشرك إلى الإيمان، ولكن عنادهم ولجاجتهم وتعصبهم لم يمنحهم الفرصة للتفكير السليم وتقول الآية: (ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مـا هؤُلاءِ يَنْطِقُونَ).
فقال إبراهيم(عليه السلام): (أَفَتَعْبُدونَ مِنْ دوُنِ اللهِ مـا لا يَنْفَعُكُمْ شَيْئاً وَلا يَضُرُّكُمْ اُفٍّ لَكُم وَلِمـا تَعبُدُونَ أَفَلا تَعقِلُونَ).
إذا تجرّد الإنسان من تعصبه وعناده، ورأى باُمِّ عينيه أنّ الذي كان يعوّل عليه دائماً في المحن والصعاب، أصبح لا قيمة له اليوم وتبيّن زيفه بحيث لا يستطيع معرفة من عمل على تخريبه وتحطيمه، أليس من الجدير بذلك الشخص أن يستيقظ من نومته تلك ويتحرّك بعيداً عن تلك السلوكيات الغارقة في الزيف ويتجنب هذهِ الخرافات والاعتقادات السخيفة ويطهر فكره منها؟!
نعم فإن التعصب واللجاج يضع حجاباً قوياً على عين وقلب الإنسان فينكر اوضح المسائل.
واللطيف في الأمر أنّ الآية الاُولى ذكرت: (فَرجِعُوا إِلى أَنْفُسِهُم) وهو تعبير حاكي عن الاستيقاظ والانتباه، ولكن الآية الثانية تقول:(ثُمَّ نُكِسُوا عَلى رُؤُوسِهُم) وهو تعبير عن تراجع من موقع الوضوح في الرؤية وبدوافع جاهلية وغير منطقية مترسبة في دوافع النفس.
—–
«الآية السادسة»، تستعرض عناد بني اسرائيل الذي يضرب به المثل ففي، هذه الآية وما قبلها اشارة إلى قصة القتل المُبهم الذي وقع في قوم بني اسرائيل، وكاد أن يفضي إلى إقتتال الطوائف فيما بينها.
فقال موسى(عليه السلام): بأمر من الله سوف نعرّف القاتل، فاذبحوا بقرة ولامسوا بقسم من بدنها ببدن المقتول، فسيقول لكم من هو القاتل.
حيّر هذا الاقتراح العجيب بني اسرائيل، ولكنه في نفس الوقت بعث الأمل في نفوسهم، وحان الوقت لتنفيذ أوامر النبي موسى(عليه السلام) وانهاء المسألة، ولكن بني اسرائيل وبصورة غريبة أخذوا يستشكلون ويتساءلون من موقع العناد وعدم الرغبة في الامتثال، فمرّة يسألون عن عمرها ومرّة عن لونها واُخرى عن نوعها وعملها، فبأسألتهم تلك ضيّقوا فرصة العثور على مثل هذهِ البقرة لحظة بعد لحظة وبالتالي وبعد عناد كبير وسعر خيالي وجدوا البقرة بتلك الأوصاف المطلوبة، ولو أنّهم لم يسألوا ولم يستشكلوا وذبحوا أول بقرة وقعت في أيديهم، لأنحلت المشكلة، لأنّه لو كان (المأمور به) مشروطاً بشرائط معينة لوجب البيان