—–

«الآية الخامسة»: من الآيات محل البحث وضمن وصفها وتعريفها لمفهوم المجادلة بالباطل تشير إلى أحد الدوافع والجذور الأصلية لهذه الرذيلة الأخلاقية في واقع الإنسان وتقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ)هؤلاء لا يوجد في قلوبهم سوى التكبر والغرور حيث يريدون تحقيق نظراتهم من وحي الأهواء والتعصّب ولكنّهم لا يصلون إلى مرادهم ومقصودهم: (إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ).

كلمة (سلطان) تستعمل في مثل هذه الموارد بمعنى الدليل والحجّة والبرهان والتي

[ 239 ]

وردت في الآية السابقة وتشمل العلم الشخصي، وهداية الأولياء، وإرشاد الكتب السماويّة، ومن الملفت للنظر أنّ الآية تقول: أنّ المصدر الأصلي للمجادلة والعناد هو حالة التكبر التي يعيشها هؤلاء الأشخاص حيث يريدون التوصّل إلى غاياتهم وطموحاتهم الدنيوّية من خلال المجادلة بالباطل ولكنّهم بدلا أن يحققوّا ذلك لأنفسهم في حياتهم فأنّهم سوف يعيشون الذّلة والمهانة.

وبما أنّ هذه الرذيلة الأخلاقيّة هي أحد المصائد الخطرة للشيطان الرجيم فانّ الآية الكريمة تقول في ختامها: (فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)

—–

وتنطلق «الآية السادسة»: لتتحدّث عن المشركين الذّين يتحرّكون في شركهم وكفرهم من موقع الأصرار والعناد ويجادلون النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في عمليّة تبرير أعمالهم وسلوكيّاتهم الخاطئة وعندما يقول لهم القرآن الكريم: إنّكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنّم فأنّهم يجادلون في ذلك ويقولون: (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ).

ثمّ إنّ القرآن الكريم يضيف إلى ذلك أنّ هؤلاء يدركون الحقيقة جيّداً ولكنّهم يتكلّمون معك من موقع الجدل والخصام والعناد: (مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ).

ثمّ يبيّن القرآن الكريم الفرق بين المسيح والأصنام فيقول بالنسبة إلى المسيح: (إِنْ هُوَ إِلاَّ عَبْدٌ أَنْعَمْنَا عَلَيْهِ)(1).

وهو إشارة إلى أنّ المسيح هو عبدٌ من عبيد الله لا يقبل أن يعبده النصارى أبداً، ولو أنّ بعض الناس إنحرف عن جادّة الصواب وتصوّر أنّ المسيح أحد الأقانيم الثلاثة في مقام الاُلوهيّة فلا ذنب على المسيح نفسه ولا ينبغي أن يكون من أهل النار، وعليه فانّ هذا المثل لا يقبل المقارنة مع الأصنام أو الأشخاص من أمثال فرعون وجملة: (بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ) تشير إلى أنّ أحد مصادر ودوافع الجدال بالباطل هو حالة الخصومة والعداوة التي يعيشها الإنسان الجاهل وغير المنطقي، والغالب أنّه يعلم أنّه يسير في خط الباطل


1. سورة الزخرف، الآية 59.

[ 240 ]

ولكنّ الحقد والعداوة لا يسمحان له بالتسليم في مقابل الحق والإذعان للحقيقة.

—–

«الآية السابعة»: وبعد الإشارة إلى حرمة الميتة والأنعام التي ذبحت للاصنام أو ما ذبح بدون أن يذكر إسم الله عليه فتقول (وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ)(1).

ثمّ تشير إلى أنّ الشياطين يوحون إلى أتباعهم بمفاهيم خاطئة لتبرير أفعالهم وتقول: (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ).

المجادلة بالباطل هنا كما يذكر جماعة من المفسّرين الكبار أمثال الطبرسي وأبو الفتوح الرازي وسيد قطب هو أنّهم كانوا يقولون أننا إذا أكلنا من لحوم الميتة، فإنّ ذلك بسبب أنّ الله تعالى قد قتلها وبالتالي فهي أفضل من لحوم الحيوانات التي نقتلها بأيدينا، وفي الحقيقة فانّهم أهملوا تحريم الميتة الوارد في الشريعة الإلهية من هذا الموقع الزائف.

وهذا التبرير السخيف والباطل لأكل الميتة هو ما أوحى به شياطين الإنس والجن لأوليائهم وأتباعهم ليعينوهم على مجادلة كلام الحق بمثل هذه التبريرات الزائفة ويقارنوا بين اللّحوم الملّوثة والميتة مع اللّحوم الطاهرة التي ذبحت على اسم الله تعالى ويفضّلون الاُولى على الثانية.

ويستفاد من هذه العبارة أنّ مثل هذه المجادلة بالباطل تنطلق من دوافع شيطانية.

ويستفاد من بعض الروايات أنّ هذه التبريرات الواهية قد كتبها بعض المجوس في كتاب وأرسلها إلى المشركين من قريش.

—–

«الآية الثامنة»: تتحدّث عن الجدال في حالة الاحرام للحج وتقول: (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ).

ونعلم أنّ حالة الاحرام هي حالة معنويّة وروحانية سامية تصعد بالإنسان إلى حيث القرب الإلهي وأن يعيش أجواء الملكوت، ولهذا السبب فإنّ الكثير من الأعمال المباحة


1. سورة الأنعام، الآية 121.

[ 241 ]

تصبح ممنوعة في حالة الاحرام هذه، بل إنّ بعض الاُمور المحرّمة تتضاعف حرمتها في هذه الحالة المقدّسة.

والمعروف حرمة 25 عمل أثناء الإحرام وأحدها هو الجدال، ورغم أنّ المشهور بين الفقهاء هو أنّ المراد من الجدال هنا هو قول (بلى والله) أو قول (لا والله) فالأول لإثبات المطلب والثاني لنفي المطلب، والمراد من الفسوق الكذب والتهمة والسب والشتم وإظهار التفوق على الآخرين في حال الإحرام، ولكن لا يبعد أن تكون كلمة (جدال) شاملة لكل أنواع المجادلة والمخاصمة الكلامية، وعلى أية حال فإنّ المنع من الجدال في حال الإحرام يشير إلى أنّ هذا العمل يتقاطع بشدّة مع هذه العبادة الروحانية المهمّة وتبعد الإنسان عن الله تعالى.

وتتابع الآية بالقول في جملة خبريّة بأنّه (لا جدال في الحج) ممّا يبيّن تأكيداً أكثر على هذا الموضوع وكأنّها تقول: (إنّ هذا العمل يتنافى مع روح الحج).

—–

«الآية التاسعة»: تتحدّث عن (المراء) وهو كلام يشبه الجدال وتقول: (أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد).

وبديهي إنّ الهداية تتفرع في واقعها على أن يكون الإنسان طالباً للحق بحيث يقبله من أي مكان ويتقبّله برحابة صدر دون أن يجد في نفسه تعصّباً وتكبراً عليه، وكلّما عاش الإنسان حالة الكبر والغرور والتعصّب فإنّ ذلك من شأنه أن يكون مانعاً جدياً من التسليم أمام الحق وأن ينزلق الإنسان في وادي الضلالة والانحراف الشديد.

أمّا الفرق بين الجدال والمراء وكذلك النقاط المشتركة بينهما فسيأتي لاحقاً.

—–

«الآية العاشرة»: والأخيرة من الآيات مورد البحث تتحدّث عن عناد قوم لوط وأنّ نبيّهم الكريم حذّرهم من عذاب الله وأنّ هذا العذاب ينتظرهم بالتأكيد إذا استمروا على غيّهم وعصيانهم، فلم يقبلوا كلامه وقاموا بوجهه من موقع المجادلة والمراء، تقول الآية: (وَلَقَدْ

[ 242 ]

أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتََمارَوْا بِالنُّذُرِ).

وكان هذا هو السبب في أن يبقى قوم النبي لوط(عليه السلام) في حجاب الغفلة والجهل إلى أن صدر أمر الله تعالى بعذابهم فأصاب الزلزال الشديد مدنهم وأمطرت عليهم السماء حجارة فلم يبق من بيوتهم وأجسامهم إلاّ الدمار والخراب، أجل فإنّ هذه هي نتيجة الجدال والمراء في مقابل الحق.

—–

هذه الآيات الشريفة توضح جيداً أخطار هاتين الرذيلتين الأخلاقيتين وتبيّن كيف أنّ الإنسان وبسبب الجدال والمراء يتأخر عن قافلة الهداية والرشاد ويكون من أتباع الشيطان ويلبس ثياب ولايته ويتحرّك في الضلال البعيد ويقع بالتالي في دوامة العذاب الإلهي الخالد.

 

الفرق ين الجدال والمراء والخصومة:

إنّ كلمة (جدل) و(جدال) كما يقول الراغب في مفرداته (جدلت الحبل) أي شددته والجدل شدّة الفتل، وكأنّ المجادل يريد من خلال كلامه الجاد مع الخصم أن يبعده بالقوة من أفكاره وعقائده.

وذكر البعض أنّ (الجدال) في الأصل بمعنى المصارعة والسعي للتغلب على الآخر وطرحه على الأرض، وبما أنّ الشجار اللفظي والكلامي يشبه هذا المعنى إلى حد كبير استخدمت هذه الكلمة في هذا المعنى.

وبالطبع فإنّ الجدال على قسمين: الجدال بالحق والجدال بالباطل، والأول ممدوح والثاني مذموم، ومن ذلك نجد أنّ القرآن الكريم يقول في مورد: (وَجـادِلهُم بِالّتِي هِي أَحسَن)(1).

وهنا نجد أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) مأمور بجدالهم بالحق وورد ذلك إلى جانب الحكمة والموعظة الحسنة.


1. سورة النحل، الآية 125.

[ 243 ]

أمّا الجدال بالباطل فهو ما ورد في الآيات المذكورة آنفاً من أنّ بعض الأشخاص يتحرّكون في كلامهم ونقاشهم من موقع التعصب والعناد، وبذلك ينكرون أوضح دلائل الحق من خلال هذا الجدال، وأمّا (المراء) على وزن حجاب، فهو بمعنى المحادثة والمكالمة في شيء يكون فيه مرية أي شك وترديد، ويقول الراغب في مفرداته: إنّها في الأصل من (مريت الناقة) أي حلبتها، ثم قيلت لكل كلام يكون في موضوعه الشك والترديد (ولعل ذلك يتناسب مع كون الإنسان متردداً في وجود اللّبن في ضرع الناقة أو لا) وذهب بعض إلى تعبير أدق من ذلك حيث يرى أنّ الجذر الأصلي لهذه الكلمة في قولهم (مريت الناقة) هو فيما لو حلبت الناقة قبل ذلك ثم جاء أحدهم بأمل أن يكون من اللبن بقية في الضرع فيحلبها مع هذا الشك والترديد، وهكذا أطلقت على المناقشة الكلامية في البحوث المقترنة مع الشك.

ولكن هذه المفردة استخدمت بعد ذلك في كل نوع من البحث الكلامي وعن أي موضوع كان محل شك وترديد سواءاً كان بحثاً إيجابّياً وطلباً للحق، أو كان بدافع من العناد والخصومة واللجاجة.

ومن الموارد التي استخدم فيها المراء بالمعنى الإيجابي ما ورد في الآية الشريفة 22 من سورة الكهف حيث تخاطب النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) حول مجادلته عن أصحاب الكهف مع مخالفية وتقول: (فَلا تُمارِ فيهِمْ اِلاّ مِراءًظـاهِراً)(1).

أمّا الموارد المستعملة في المعنى السلبي فكثيرة ومنها ما تقدم من الآيات أعلاه.

والجدير بالذكر أنّ مفردة (مرية) على وزن جزية وقرية، بمعنى الترديد في العزم والتصميم، وبعض ذهب إلى أنّها بمعنى الشك المقترن بقرائن التهمة مثل (الريبة).

 

الجدال والمراء في الروايات الإسلامية:

نظراً إلى أنّ الجدال بالباطل يتسبب في إخفاء الحق وزيادة عناصر التعصب والخشونة


1. سورة الكهف، الآية 22.

[ 244 ]

وما يترتب على ذلك من المفاسد والاضرار الكثيرة، نرى أنّ الروايات الإسلامية قد نهت عن الجدال والمراء بشدّة خاصّة إذا كان بالنسبة إلى الاُمور الدينيّة ومن ذلك:

1 ـ ما ورد عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مـا ضَلَّ قَومٌ بَعدَ أَنْ هَداهُمُ اللهُ إلاّ اُوتُوا الجَدَلَ»(1).

2 ـ وهذا المضمون ورد أيضاً في حديث آخر مع تفاوت يسير عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)أيضاً حيث قال: «مـا ضَلَّ قَومٌ إلاّ أَوثَقُوا بالجَدَلَ»(2).

3 ـ وقد ورد في حديث عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «لَعَنَ اللهُ الَّذِينَ يُجـادِلُونَ فِي دِينِهِ اُولئِكَ مَلعُونُونَ عَلى لِسانِ نَبِيِّهِ»(3).

4 ـ وفي حديث آخر عن هذا الإمام(عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «الجَدَلُ فِي الدِّينِ يُفسِدُ اليَقِينَ»(4).

5 ـ في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه قال: «إِيّاكُم وَالخُصُومَةَ فِي الدِّينِ فَإنَّهـا تُشغِلُ القَلبَ عَنْ ذِكرِ اللهِ عَزَّوَجَلَّ وَتُورثُ النِّفـاقِ، وَتَكسِبُ الضَّغـائِنَ، وَتَستَجِيرُ بالكِذبَ»(5).

والتعبير بالخصومة في الدين رغم أنّها لا تنطوي تحت عنوان الجدال ولكنّها من الموارد الشبيهة بهذا المعنى.

6 ـ ونظير هذا المعنى ما ورد عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) أنّه قال: «إِيَّاكَ وَالخُصُومَةَ فَإنَّهـا تُورثُ الشَّكَّ وَتَحبِطُ العَمَلَ وَتُردِي بِصـاحِبِهـا»(6).

7 ـ ومن نصائح لقمان الحكيم لابنه في ترك الجدال: «يـا بُنَيَّ لا تُجـادلِ العُلَمـاءَ فَيَمقُتُوكَ»(7).

8 ـ ونقرأ في حديث آخر عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «مَنْ طَلَبَ الدِّينَ بِالجَدَلِ تَزَندَقَ»(8).


1. احياء العلوم، ج3، ص1553.
2. بحار الانوار، ج2، ص138، ح52.
3. المصدر السابق، ص129، ح13.
4. غرر الحكم.
5. بحار الانوار، ج2، ص128، ح6.
6. المصدر السابق، ص134، ح30.
7. مجموعة الورام، ج1، ص117، (باب ما جاء في المراء والمزاح).
8. المحجة البيضاء، ج1، ص107.

[ 245 ]

9 ـ قال الإمام على بن موسى الرضا(عليه السلام) لأحد أصحابه: «أَبلِغْ عَنِّي أَولِيـائِي السَّلامَ وَقَلْ لَهُم أَنْ لا يَجعَلُوا لِلشِّيطـانِ عَلى أَنفُسِهِم سَبِيلاً وَمُرهُم بِالصِّدقِ فِي الحَدِيثِ وَأَداءِ الأَمـانَةِ وَمُرهُم بِالسُّكُوتِ وَتَركِ الجِدالِ فِيمـا لا يَعنِيهم»(1).

10 ـ نختم هذا البحث بحديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) عن نسبة الإيمان والمراء والجدال، حيث يقول: «لا يَستَكمِلُ عَبدٌ حَقِيقَةَ الإِيمـانِ حتَّى يَدَعَ المِراءَ وَالجَدَلَ وإِن كـانَ مُحِقّاً»(2).

—–

أمّا المراء الذي سبق وأن قلنا بالفرق بينه وبين الجدال فحاصل الكلام هو أنّ الجدال يعني كل شكل من أشكال الشجار اللفظي والنزاع الكلامي، في حين أنّ المراء يأتي بمعنى المباحثة في شيء يكون فيه شك وترديد، فتارة تكون هذه المباحثة بدافع من طلب الحق وتوضيح المطلب، واُخرى تكون بدافع من التعصّبواللّجاجة وإظهار التفوّق والفضل على الطرف الآخر، وهذه الحالة مذمومة جداً، وفي الروايات الإسلامية ينصب الذم على هذا النوع من المباحثة اللفظية، رغم عدم وجود تفاوت كبير بينه وبين الجدال.

1 ـ ورد في الحديث الشريف معنى المراء بما تقدم أعلاه، فعن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)قال: «لا يَستَكمِلُ عَبدٌ حَقِيقَةَ الإِيمـانِ حتَّى يَدَعَ المِراءَ وَالجَدَلَ وإِن كـانَ مُحِقّاً»(3).

وهذا إشارة إلى أنّ المناقشة والمنازعة اللفظية من موقع اللجاجة وبدافع من إظهار التفوّق والفخر على الآخر حتّى في المسائل الحقّة تكون سبباً في سقوط الإنسان على المستوى الأخلاقي والعقائدي.

2 ـ وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أيضاً بواسطة عدّة أشخاص من الصحابة الذين قالوا: دخل رسول الله يوماً علينا ونحن نتمارى في شيء من أمر الدين فغضب غضباً شديداً لم يغضب مثله ثم قال: «إِنّمـا هَلَكَ مَنْ كـانَ قَبلَكُم بِهذا، ذَرُوا المِراءَ فَإِنَّ المُؤمِنَ لا


1. ميران الحكمة، ج1، ص273.
2. المحجة البيضاء، ج5، ص208.
3. بحار الانوار، ج2، ص139، ح53.

[ 246 ]

يُـمارِي، ذَرُوا المِراءَ فَإنَّ المِمـاري قَدْ تَمَّتْ خَسـارَتُهُ، ذَرُوا المِراءَ فَانا المِمـاري لا أَشفَعُ لَهُ يَومَ القِيـامَةِ، ذَرُوا المِراءَ فَانا زَعِيمٌ بِثَلاثَةِ أَبيـات فِي الجَنَّةِ فِي رِيـاضِها وَأَوسَطِها وَأَعلاهـا لِمَنْ تَرَكَ المِراءِ وَهُوَ صـادِقٌ، ذَرُوا المِراءَ فَإنَّ أَوَّلَ مـا نَهـانِي عَنهُ رَبِّي بَعدَ عِبَـادَةِ الأَوثـانِ المِراءُ»(1).

3 ـ وفي حديث آخر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «ذَرُوا المِراءَ فَإنّه لا تَفهَمُ حِكمَتُهُ وَلا تُؤمَنُ فِتنَتَهُ»(2).

وهو إشارة إلى أنّ الشخص المماري يرى أنّه لم يعرف نفسه ولا الآخرين، ومثل هذا الشخص يعيش أجواء الحرمان من إدراك الحقائق الدينية قطعاً.

5 ـ وجاء في حديث آخر أنّ رجلاً قال للإمام الحسين(عليه السلام) اُجلس اناظرك في الدين، فأجابه الإمام: «يـا هذا أَنَا بَصِيرٌ بِدِينِي مَكشُوفٌ عَلَيَّ هُداي فَإن كُنتَ جـاهِلاًبِدِينِكَ فَاذهَبْ وَاطلُبهُ، مـالِي وَللمُماراتِ وإِنَّ الشَّيطـانَ لِيُوسوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُنـاجِيهِ وَيَقُولُ نـاظِرِ النَّاسَ فِي الدِّينِ كَي لا يَظُنُّوا بِكَ العَجزَ وَالجَهلَ»(3).

6 ـ وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «أَربَعٌ يُمِتْنَ القُلُوبَ الذِّنبُ عَلى الذَّنبِ وَكَثرَةُ مُنـاقشَةِ النِّسـاءِ يَعنِي مُحـادَتَهُنَّ وَمُمـاراتُ الأَحمَقِ تَقُولُ وَيَقُولُ وَلا يَرجَعُ إِلى خَير وَمُجـالَسَةُ المَوتى، فَقِيلَ: يـا رَسُولُ اللهِ وَمـا المَوتى، قَالَ: كُلُّ غَنِي مُترَفٌ»(4).

7 ـ جاء عن أميرالمؤمنين قوله: «إِيّاكُم وَالمِراءِ وَالخُصُومَةَ فَإِنَّهُمـا يَمرُضـانِ القُلُوبَ عَلَى الإِخوانِ وَينبِتُ عَلَيهِمـا النِّفـاقِ»(5).

8 ـ ولهذا فقد ورد في حديث آخر عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال في خطاب له أمام حشد من المسلمين: «أَورَعُ النّاسِ مَنْ تَرَكَ المِراءَ وَإِنْ كـانَ مُحِقـاً»(6).


1. بحارالانوار، ج 2، ص 139، ح50.
2. المصدر السابق، ص134، ح31.
3. المصدر السابق، ح32.
4. المصدر السابق، ص128، ح10.
5. المصدر السايق، ص139، ح56.
6. المصدر السابق، ص127، ح3.

[ 247 ]

9 ـ وفي رواية عن الإمام أميرالمؤمنين(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «جِمـاعُ الشَّرِّ اللِّجـاجُ وَكَثرَةُ المِمـارَاةِ»(1).

10 ـ ونختم هذا البحث بحديث آخر عن سلمان الفارسي عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «لا يُؤمِنُ رَجُلُ حَتّى يُحِبُّ أَهلِ بَيتِي وَحَتّى يَدَعَ المِراءَ وَهُوَ مُحِقٌّ فَقَالَ عُمَرُ بنُ الخَطـابِ: مـا عَلامَةُ حُبِّ أَهلِ بَيتِكَ؟ قـالَ: هذا، فَضَرَبَ بِيَدِهِ عَلى عَليِّ بنِ أَبِي طـالِب(عليه السلام)»(2).

ولا شك أنّ هذين الموضوعين يرتبطان ببعضهما برابطة وثيقة حيث ذكرهما النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) في كلامه مقترنين، ولعل هذه الرابطة من جهة أنّ دلائل فضل الإمام علي وأهل بيته(عليهم السلام) إلى درجة من الوضوح والبداهة بحيث يقبلها كل إنسان يتحرّك من موقع الإنصاف ويبتعد عن الجدال والمراء والخصومة ويهدف إلى طلب الحقيقة.

* * *

إنّ الروايات الشريفة في ذمّ المراء كثيرة جدّاً، وما ذكر من الروايات العشر أعلاه إنّما هي نماذج وعيّنات من هذا الباب والنظر الدقيق في هذه الأحاديث والروايات يكفي لكي يحيط الإنسان بأخطار هذا الخلق الذميم وعواقبه الوخيمة وآثاره المخرّبة على المستوى الفردي والاجتماعي.

 

الآثار السلبية للجدال والمراء:

إنّ التأكيدات الكثيرة الواردة في الآيات القرآنية والروايات المتواترة الإسلامية في ذم الجدال والمراء والخصومة في المباحثات الكلامية إنّما هي من أجل أنّ أول نتائج هذا العمل المضرّة وهذا الخلق السيء هو التستّر والتغطية على الحقائق بحيث يجعل بين الإنسان وبين الحقيقة حجاباً سميكاً وسحابة سوداء على بصيرة الإنسان بحيث لا يدرك معها أوضح البديهيّات ويتحرّك في مناقشاته من موقع إنكار الاُمور الضرورية أو يدافع عن


1. غرر الحكم.
2. سفينة البحار، مادة «مَرَء» بحار الانوار، ج27، ص107، ح79.

[ 248 ]

بعض المواضيع التي تدعو للسخريّة، وليس هذا إلاّ بسبب أنّ الإنسان عندما تتصاعد عنده روح الجدال وتشتد حرارة الكلام فيه فأنّه يقوم بإنكار كل ما لا يراه مصيباً في نفسه ولا يتوافق مع كلامه.

وبما مرّ علينا من الروايات الشريفة تقرّر أنّ الخصومة والجدال والمراء تمرض القلب فإنّه من الممكن أن تكون إشارة إلى هذا المعنى، لأنّ القلب يأتي بمعنى العقل، ومرض القلب بمعنى عدم درك الحقائق والواقعيات، ولذا رأينا في الحديث الشريف عن أمير المؤمنين(عليه السلام) أنّ الأشخاص الذين يعيشون الجدال والمراء تكون عاقبتهم ومصيرهم إلى الكفر، أو أنّ الجدال يسبب الشك في دين الله وفساد اليقين، كل هذا إشارات لطيفة إلى ما تقدّم آنفاً من أضرار الجدال والمراء.

والآخر من الآثار السلبية لهذه الصفة الأخلاقية الذميمة هوإيجاد العداوة والبغضاء بين الأصدقاء ونسيان ذكر الله تعالى وجرّ الإنسان إلى الكثير من أنواع الكذب في الكلام حيث مرّت الإشارة إلى ذلك في الأحاديث الشريفة السابقة، والسبب في ذلك واضح، لأنّ الشخص الذي يريد إثبات تفوّقه على أقرانه من خلال الجدال والمراء فإنّه يعمل على تحريك الطرف الآخر ضدّه ليحمى وطيس النقاش وغالباً ما نجد في كلامه عناصر التحقير والسخرية بالطرف الآخر، وهذه من أسوأ أسباب النفاق وإيجاد العداوة بين الأشخاص وحتّى أنّه أحياناً ومن أجل تبرير كلامه يتوسّل بأنواع الكذب، وهذا بحد ذاته بلاء كبير آخر، ومجموع هذه الاُمور تؤدّي بالإنسان إلى الابتعاد عن الله تعالى ويسقط في فخاخ الشيطان وشراكه وبالتالي يكون مصيره إلى الهلاك المعنوي والسقوط الإنساني.

ولهذا قرأنا في الأحاديث السابقة أنّ الإنسان لا يصل إلى حقيقة الإيمان إلاّ إذا ترك المراء والجدال حتى لو كان محقّاً، لأنّ النزاع اللفظي حتى في مسائل الحق والدين يتسبب في إيجاد أنواع الخصومات والعدوان وأحياناً يجر الإنسان إلى ارتكابه الكثير من الذنوب من قبيل: تحقير المؤمن وإهانته بالكلام أو بالإشارة باليد والعين والكذب والتكبّر وحبّ التفوّق وأمثال ذلك.

[ 249 ]

مضافاً إلى هذا أنّ الجدال والمراء يذهب وقار الإنسان ويكسر من شخصيته ومروءته بحيث ينفتح عليه لسان الجهلاء إذا اشترك في مجادلة معهم ويتسبب في هتك حرمته والإهانة له، وإذا جادل العلماء فإنّه يذوق مرارة الهزيمة ويفتضح أمره ويكشف عن جهله وحقارته.

ومن مجموع ما مرّ وكما قرأنا في الروايات السابقة أنّ الجدال والمراء يعدّ أحد الاُمور الأربعة التي تؤدّي إلى مرض قلب الإنسان وروحه.

فما أحسن بالإنسان أن يتباحث مع الآخرين من موقع المحبّة والصداقة والتواضع وبدافع من طلب الحق والحقيقة حيث يؤدّي ذلك إلى زيادة علمه ومعرفته والاستفادة من علوم الآخرين لإيضاح الحقيقة أكثر وحل المشاكل العلميّة العويصة والقيود المعرفيّة التي بأمكانها أن توصل الإنسان إلى أجواء المعرفة والإطّلاع على المجهول، وهذا هو الجدال بالحق.

 

دوافع الجدال والمراء:

ونظراً إلى وجود علاقة وثيقة بين الصفات الرذيلة في واقع الإنسان حيث ترتبط غالباً فيما بينها بعلاقة العلّة والمعلول، يتّضح من ذلك أنّ هذه الصفة الذميمة، أي الجدال والمراء والخصومة من موقع الجهالة، تنشأ من صفات قبيحة اُخرى:

1 ـ إنّ من العوامل المهمّة للجدال والمراء هو حالة الكبر والغرور في النفس والتي لا تسمح للإنسان أن يذعن أمام الحق، بل تدفعه لغرض حفظ التفوّق على الطرف الآخر إلى سلوك طريق الجدال والمراء وإنكار ما يتّضح له أنّه الحق، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) عن آبائه الكرام(عليهم السلام): «إِنّ مِنَ التَّواضُعِ أَنْ يَرضى الرَّجُلُ بِالمَجلِسِ دُونَ المَجلِسِ وَأَنْ يُسَلِّمَ عِلى مَنْ يَلقى وَأَنْ يَترُكَ المِراءَ وَإِنْ كـانَ مُحِقَّاً وَلا يُحِبَّ أَنْ يُحمَدَ عَلَى التَّقوى»(1).


1. بحار الانوار، ج2، ص131، ح20.

[ 250 ]

2 ـ وأحد الدوافع الاُخرى للجدال والمراء والنزاعات اللّفظية هو الظهور بمظهر العالم المتفوّق وإظهار الفضل على الآخرين، وهذه الحالة متداولة كثيراً في أجواءنا الاجتماعية وخاصّة في المجلس الذي يحضره جماعة من العوام ويريد هذا الشخص أن يظهر نفسه وفضيلته أمامهم أو يريد أن يفتح له مكاناً بين أرباب العلم والمعرفة، وجاء في الحديث الشريف الذي ذكرناه سابقاً عن الإمام الحسين(عليه السلام) قوله: «وإِنَّ الشَّيطـانَ لِيُوسوِسُ لِلرَّجُلِ وَيُنـاجِيهِ وَيَقُولُ نـاظِرِ النَّاسَ فِي الدِّينِ كَي لا يَظُنُّوا بِكَ العَجزَ وَالجَهلَ»(1).

وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) حيث يقسّم طلاّب العلم إِلى ثلاثة أقسام، وطائفة منهم طلبوا العلم للجدال والمراء، وطائفة اُخرى للفخر على الناس، وثالثة لغرض فهم الحقيقة والتعلّم والعمل بذلك، ثمّ يصف الإمام حال الطائفة الاُولى ويقول: «فَصـاحِبُ الجَهلِ والمِراءِ مُوذ مُمـار مُتَعَرِّض لِلمَقـالِ فِي أَندِيةِ الرِّجـالِ».

وفي ذيل هذا الحديث الشريف يلعن الإمام مثل هذا الشخص ويقول: «فَدَقَّ اللهُ مِنْ هذا خَيشُومَهُ»(2).

3 ـ ومن الدوافع الاُخرى للجدال والمراء والتعصّب الكلامي هو الجهل بمقام الذات ومقام الآخرين، لأنّه يرى نفسه أكبر وأعلم من واقعه ويرى الآخرين يعيشون الجهل وعدم العلم، ولذلك ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام) والذي ذكرناه فيما سبق بعد أن يعدّ الإمام المراء بأنّه أحد الأمراض الخطرة لقلب الإنسان وأنّه من الأخلاق الشيطانية يقول: «فَلا يُمـارِي فِي أَيِّ حـال إلاّ مَنْ كـانَ جـاهِلاً بِنَفسِهِ وَبِغَيرِهِ»(3).

4 و 5 ـ حبّ الانتقام والحسد يعتبران من العوامل المهمّة الاُخرى التي تدفع بالإنسان إلى الجدال والمراء، فلغرض تسقيط شخصية الطرف المقابل والانتقام منه وإشباع حالة الحسد في نفسه أو تضعيف مكانة الطرف الآخر أمام الانظار فإنّه يستخدم أداة الجدل والبحث العلمي المقترن مع الأهانة والتحقير ليستطيع بهذه الوسيلة أن يروي ظمأه إلى


1. بحارالانوار، ج 2، ص135، ح32.
2. مقدمة كتاب معالم الاُصول، ص11.
3. بحار الانوار، ج2، ص134، ح31.

[ 251 ]

الانتقام من الطرف الآخر ويصب الماء على نار الحقد والحسد المستعرة في قلبه.

6 ـ ومن العوامل المهمّة الاُخرى التعصّب واللّجاجة، لأنّ الشخص المتعصّب واللّجوج غير مستعد أن يقبل التنازل عن عقائده الفاسدة بسهولة، ولذلك يجد في نفسه تعصّباً للتوقف عليها وحفظها والدفاع عنها بالمجادلة والبحث الكلامي ويتشبّث بكل وسيلة لإثبات صحّة كلامه وبطلان كلام الطرف الآخر، وهذا هو ما نجده في سلوك الكثير من الكفّار والمشركين أمام رسول الله(صلى الله عليه وآله) وسائر الأنبياء الكرام(عليهم السلام) حيث تقدّم مثال واضح لذلك من مباحثة عبدة الأوثان ونمرود مع النبي ابراهيم(عليه السلام)، وذلك عندما وجدوا أنفسهم أمام الكلام المنطقي والرصين لأبراهيم(عليه السلام) فوقعوا في حيرة من الأمر وانتبهوا مؤقتاً من نوم الغفلة ولكن حالة التعصّب واللّجاجة أسدلت على عقولهم وقلوبهم سحابة ظلمانية منعتهم من قبول الحقيقة والإذعان وانطلقوا مرّة اُخرى في تأكيد معتقداتهم السخيفة من موقع الدفاع عنها بالأدلة الواهية والجدال الأجوف.

7 ـ ومن العوامل المهمّة للجدال والمراء أيضاً (حبّ الدنيا) الذي يعدّ عاملاً أساسياً لجميع الذنوب أو أكثرها، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الصفة الرذيلة يريدون كسب المقام والوجاهة الاجتماعية من خلال سلوك هذا الطريق لإثبات أعلميّتهم وذكائهم وبذلك يتمكّنوا من نيل أهدافهم الدنيوية وتحصيل بعض المقامات الوهميّة والعناوين الزائفة.

وخلاصة الكلام هي أنّ العوامل السلبية الكثيرة تتفق مع بعضها لدفع الإنسان إلى الخوض في الجدال والمراء بعيداً عن الأدب والخلق الإنساني والإنصاف وتجرّه إلى الدخول في دائرة اللّجاجة والعناد أمام الحق والدفاع عن الباطل.

 

أقسام المراء والجدال:

يمكن تقسيم الجدال والمراء إلى قسمين:

الجدال والمراء على المستوى الإيجابي، أي أن يتباحث مع الآخرين على مستوى البحوث المنطقية لغرض تبييّن الحقائق وتوضيح ما أشكل من المسائل الغامضة والاطّلاع

[ 252 ]

على نظرات الآخرين والوصول إلى الواقعيات من هذا الطريق.

أمّا المراء والجدال على المستوى السلبي فيعني المباحثات والنزاعات الكلامية التي تنطلق بوحي من عقدة الخصومة والتي لا تهدف إلى غرض معيّن وصحيح ولا تسير في خط تبيين الحقائق، بل الهدف منها هو تكريس الخصومة والتعصّب واللّجاجة وإثبات التفوّق وإظهار الفضل على الآخرين.

وهذا التقسيم نجده منعكساً في آيات القرآن الكريم حيث يقول في الآية 48 من سورة العنكبوت: (وَلاَ تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلاَّ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

ويقول في مكان آخر في الآية 125 من سورة النحل: (وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ).

ويقول في مكان آخر في مقام الذم لجماعة من الكافرين: (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ).

وأمّا في مورد المراء الإيجابي فنقرأ في (قصة أصحاب الكهف) وعددهم قوله تعالى: (فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَاءً ظَاهِراً)(1).

أي بالنسبة إلى عدد أصحاب الكهف فلا ينبغي أن تتباحث حولهم إلاّ بالكلام المنطقي المقترن بالدليل.

وأمّا في مورد المراء السلبي فيقول تعالى: (أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد)(2).

وهناك تقسيمات اُخرى أيضاً على حسب الأشخاص في طرفي المباحثة وكذلك بالنسبة إلى المواضيع والمسائل التي تدور في أجواء البحث والجدال.

ومن ذلك أن يكون طرف المناظرة إنساناً عاقلاً وفاهماً لكي تكون المباحثة معه مثمرة من خلال الاستدلال المنطقي والعلمي كما ورد في وصيّة أميرالمؤمنين(عليه السلام) قوله: «دَعْ المُمـارَاةَ وَمُجـارَاتَ مَنْ لا عَقلَ لَهُ وَلا عِلمَ»(3).


1. سورة الشورى، الآية 22.
2. سورة الكهف، الآية 18.
3. بحار الانوار، ج2، ص129، ح14.

[ 253 ]

ويجب أن يكون المناظر إنساناً مطّلعاً على الاُمور، لأنّ الأشخاص الذين يعيشون الجهل بالاُمور إذا أرادوا الدفاع عن الحق والورود في ميدان المجادلة، فإنّهم وبسبب ضعف معلوماتهم وقلّة إطّلاعهم سوف يذوقون الهزيمة ويغلبوا في هذه المبارزة، وبالتالي ينعكس ذلك سلبياً على الحق والحقيقة.

ولذلك نقرأ في الحديث الشريف أنّ محمد بن عبدالله المعروف بالطيّار جاء إلى الإمام الصادق(عليه السلام) وقال له: «بَلَغَنِي أَنَّكَ كَرِهتَ مُنـاظَرَةَ النّاسِ»،

قال الإمام(عليه السلام): «أَمّا كَلامُ مِثلِكَ فَلا يَكرَهُ، مَنْ إِذا طـارَ يَحسُنُ أَنْ يَقَعَ وإِنْ وَقَعَ يَحسُنُ أَنْ يَطِيرَ، فَمَنْ كـانَ هكَذا لا نَكرَهُهُ»(1).