غاضَ الوفاءُ وفاضَ الغدرُ واتّسعتْ *** مسـافَةُ الخُلفِ بَينَ القَولِ وَالعَملِ
ونجد في عصرنا الحاضر أنّ الوفاء بالعهد قليل جدّاً، بل نادر حيث يسود نقض العهود في ما يتعلق بالروابط بين الأفراد والمجتمعات البشرية وأنّ الفاصلة بين القول والعمل كبيرة جدّاً.
6 ـ ونقرأ في حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله: «ثَلاثٌ لَم يَجعَلِ اللهُ عَزَّوَجَلَّ لاَِحَِد فِيهِنَّ رَخصَةً أَداءِ الأَمـانِةِ إِلَى البَرِّ وَالفـاجِرِ، وَالوَفـاءِ بِالعَهدِ لِلبَرِّ وَالفـاجِرِ، وَبِرُّ الوالِدينِ برِّينَ كـانا أَو فـاجِرينِ»(4).
وجاء نفس هذا المضمون في رواية اُخرى عن الإمام الصادق(عليه السلام) أيضاً(5).
وهذا الحديث يدلّ بوضوح على أنّ قانون الوفاء بالعهد وأداء الأمانة والإحسان إلى الوالدين لا يقبل الاستثناء أبداً.
7 ـ وجاء في حديث آخر عن الإمام(عليه السلام) يُشبّه العهد بالطوق المحيط برقبة الإنسان ويقول: «إنَّ العُهُودَ قَلائِدُ فِي الأعنَـاقِ إِلى يَومِ القِيـامَةِ فَمَنْ وَصَلَها وَصَلَهُ اللهُ، وَمَنْ نَقضَهـا خَذَلَهُ اللهُ»(1).
8 ـ وجاء في حديث آخر أنّ شخصاً سأل الإمام علي بن الحسين زين العابدين(عليه السلام)قال: «أَخبِرنِي بِجَمِيعِ شَرايعِ الدِّينِ»
قال الإمام في جوابه: «قَولُ الحِقِّ وَالحُكمِ بِالعَدلِ وَالوَفـاءِ بِالعَهدِ»(2).
9 ـ وورد في حديث مختصر وعميق المحتوى عن أمير المؤمنين أنّه قال: «أَشَرَفُ الخَلائِقِ الَوفـاءِ»(3).
10 ـ ونختم هذا البحث بحديث مهم آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) (رغم وجود أحاديث كثيرة في هذا الباب) حيث قال: «إِذا نقَضَوا العَهدَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِم عَدُوِّهِم»(4).
—–
وهنا نرى حقائق مهمّة فيما ورد من الروايات الشريفة أعلاه عن أهميّة الوفاء بالعهد ومعطياته الكثيرة وآثاره العميقة في حياة الإنسان الفرديّة والاجتماعية بحيث أنّ الوفاء بالعهد يعدّ (أساس الدين) و(علامة اليقين) و(سبب القرب من رسول الله(صلى الله عليه وآله) يوم القيامة) و(الدرع الحصينة مقابل الحوادث الاجتماعية)، مضافاً إ لى الروايات الإسلامية التي تصّرح بأنّ الوفاء بالعهد هو قانون إلهي شامل للمسلم والكافر، وأنّ الوفاء بالعهد (علّة الفلاح والنصر والعزّة) وأنّ نقض العهد سبب في (الحرمان من الألطاف الإلهية).
رأينا فيما تقدّم أنّ جميع أشكال التطور العلمي والثقافي والاقتصادي الذي ناله الإنسان إنّما هو وليد الحياة الاجتماعية للبشر، حيث تلتقي تجارب الأفراد وتنظم أفكارهم بعضها إلى بعض وتتلاقح عقولهم وبذلك تتولّد المنتوجات الصناعية المتنوعة وأشكال التمدن والحضارة البشرية في حركة الاُمم الحضارية.
فلو أنّ أفراد البشر عاشوا متفرّقين كل على إنفراد فعلى فرض أن يكسبوا تجارب في حركة حياتهم الفردية، إلاّ أنّهم سوف يذهبون بها معهم إلى القبر، فلا حركة ولا علامة على وجود تحوّل حضاري وتطور علمي في البشرية، ولهذا السبب بالذات فإنّ الإسلام أعطى أهميّة فائقة لتحكيم وتقوية دعائم الحياة الاجتماعية بين الأفراد وتعميق أواصر العلاقات بينهم، ومن المعلوم أنّ كل شيء يؤدّي إلى تقوية هذه العلاقات الاجتماعية، فإنّه مطلوب وممدوح في نظر الإسلام، وكلّ شيء يتسبب في أضعاف هذه العلاقات فإنّه منفور ومذموم.
وبديهي أنّ أول عنصر يتسبب في تقوية هذه الروابط والعلاقات بين أفراد البشر وبالتالي يترتّب عليه زيادة التعاون والتكاتف في المجتمع هو مسألة الوفاء بالعهود والمواثيق، فلو أنّ هذه المسألة قد تركت ليوم واحد بين الأفراد وبين الشعوب العالميّة فإنّ مفاصل الحضارة البشرية سوف تتعرّض للأهتزاز والارتباك وتتوقف بذلك مسيرة الحضارة الإنسانية والتكامل البشري، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام)أنّه قال: «لا تَعتَمِد عَلى مَودَّة مَنْ لا يَفِي بِعَهدِهِ»(1).
وأساساً يمكن القول بأنّ ميزان موفقيّة الأشخاص في حياتهم الدنيوية يرتبط بمدى التزامهم بعهودهم، فما كان منهم أكثر وفاءً بعهده فهو أعزّ وأشرف في نظر الناس، وفي ذلك يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام) في حديث آخر: «الوَفـاءُ حِصْنُ السُّؤدَدِ»(2).
وفي النقطة المقابلة نجد أنّ نقض العهد إذا ساد في أجواء المجتمع البشري، فإنّه يفضي
إلى سلب الثقة بين أفراد المجتمع ويتلاشى عنصر الإتّحاد والتكاتف فيما بينهم وبالتالي فإنّهم لا يستطيعون التصدي للعدو، ولهذا نقرأ في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)أنّه قال: «إِذا نَقَضُوا العَهدَ سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِم عَدُوَّهُم»(1).
إنّ الوفاء بالعهد يتسبب في أن يعتمد الناس على هذا الشخص وبذلك يضعوا عنده رؤوس أموالهم من موقع الثقة به للإتّجار بها فينتفع هو وكذلك الآخرون من نشاطه الاقتصادي، فينال بذلك الرفاه والسعة في معيشته، ولهذا نجد أنّ جميع الدول في العالم تسعى إلى تحقيق هذا المعنى أي الالتزام بالعهود والمواثيق من أجل ترشيد وضعهم الاقتصادي والاجتماعي وإلاّ يكون نصيبهم الانزواء والعزلة والتلف عن الحركة الصناعية والتجارية في العالم، وحتى بالنسبة إلى الدول التي عاشت حالة الثورة على النظام السابق، فإنّ قادة الثورة عندما يستلمون زمام الاُمور يعلنون التزامهم بجميع العهود والمواثيق التي كانت من النظام السابق حتّى لو كانت تلك العهود على خلاف ذوقهم ومسيرتهم، لأنّه ليس لهم طريق سوى كسب الثقة العالمية من خلال هذا الالتزام الإنساني والأخلاقي، وهذه المسألة تصدق أيضاً على الأفراد والأشخاص، ومضافاً إلى ذلك فانّ أصل العدالة الذي هو من بديهيات الأصول الأخلاقية والاجتماعية لا يتحقق بدون الوفاء بالعهد في دائرة المجتمعات البشرية، وبذلك فانّ ناقضي العهد يعدون من زمرة الظالمين وكل إنسان يتعامل معهم من موقع الذم والتحقير واللوم وذلك بدافع من الفطرة الإلهية في وجوده، وهذا يدل على أنّ لزوم الوفاء بالعهد هو أمر فطري.
بما أنّ معرفة دوافع الصفات الأخلاقية الإيجابية والسلبية له دورمهم في تحصيل الفضائل الأخلاقية، وعلاج الرذائل، فمن الجدير بنا في هذا البحث أنّ نتتبع الدوافع للوفاء بالعهد والدوافع على نقضه.
لا شك أنّ الإيمان الحقيقي والإعتقاد بالتوحيد الأفعالي في واقع الإنسان وقلبه يعد أحد الأسباب المهمة للوفاء بالعهد والألتزام به، لأنّ من ينقض العهد فأنه يرتكب هذه الخطيئة من موقع الجهل بقدرة الله ورازقيته وبدافع من منفعته العاجلة فينسى ما وعد به الله تعالى على الوفاء بالعهد.
ولهذا نقرأ في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) قوله: «مِنْ دَلائِلِ الإِيمـانِ الْوَفـاءُ بِالْعَهْدِ»(1).
وفي حديث آخر عنه أيضاً يقول: «مـا اَيْقَنَ بِاللهِ مَنْ لَمْ يَرْعَ عُهُودَهُ وَذِمَّتَهُ»(2).
مضافاً إلى ذلك فانّ شخصية الإنسان الذاتية تستدعي الوفاء والالتزام بالعهد أيضاً، ولذلك فانّ الأشخاص الذين يتمتعون بقوة الشخصية لا يبيحون لأنفسهم نقض العهد مع أي شخص كان اطلاقاً ويرون أنّ نقض العهد علامة الضعف والحقارة وفقدان الشخصية، ولهذا نقرأ في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام)ما يشير إلى أنّ الوفاء بالعهد هو أحد علائم الصالحين والطاهرين من الناس حيث يقول: «بِحُسْنِ الْوَفـاءِ يُعْرَفُ الاْبْرارُ»(3).
ومن الدوافع النفسية على إرتكاب نقض العهد هي الجهل والغفلة وعدم الاطلاع على العواقب المشؤومة لنقض العهد في حياة الناس الفردية والاجتماعية، كما هو حال الشخص الذي يتناول طعاماً لذيذاً في الظاهر ولكنه مسموم في الحقيقة، فيتناوله بشوق ورغبة بدون أن يعلم عاقبته المؤلمة.
والأشخاص الذين يتمتعون بعقل أكبر وعلم أوفر ويرون المعطيات الحسنة للوفاء بالعهد والأضرار المترتبة على نقض العهد فأنّهم لا يتركون هذه الفضيلة الأخلاقية اطلاقاً ولا يذلون أنفسهم بأرتكاب تلك الصفة الرذيلة وهي نقض العهد أبداً كما ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) قوله: «اَلْوَفـاءُ حِلْيَةُ الْعَقْلِ وَعُنْوانُ النُّبْلِ»(4).
رأينا فيما تقدم (من بحث الدوافع) أنّه بالإمكان معرفة الطرق لتحصيل فضيلة الوفاء بالعهد وكذلك يمكن معرفة طرق الوقاية من ضدها وعلاج مرض نقض العهد.
إنّ الإنسان الناقض للعهد إذا أراد واقعاً إصلاح هذا الخلل في نفسه وشخصيته فيجب عليه قبل أي شيء العمل على تقوية دعائم الإيمان في قلبه، لأننا نعلم أنّ نقض العهد هو من إفرازات ضعف الإيمان أو فقدانه كما تقدم، فلو أنّ معرفة الإنسان بالله تعالى وإيمانه وصل إلى درجة بحيث يرى أنّ جميع الاُمور بيد الله تعالى فانّه لا يتحرك اطلاقاً بصدد تحصيل المال والمقام والجاه من خلال التوسل بهذه الرذيلة الأخلاقية.
وكذلك إذا فكرَّ في النتائج المشؤومة على هذا الفعل القبيح فرغم أنّه يترتب عليه بعض الربح والمنفعة على المدى القصير، ولكنه وعلى المدى الطويل يتسبب في سقوط شخصيته ومكانته بين الأصدقاء والأقرباء وأخيراً يتسبب في فضيحته في المجتمع ويخسر بذلك أهم رأس ماله أي إعتماد الناس وثقتهم به، وكذلك يفتضح أمام الله تعالى وأمام خلق الله، وقد رأينا نماذج عينية في حياتنا المعاصرة وفي طول تاريخ الحياة البشرية لأمثال هذه الموارد، أجل كلما تفكر الإنسان وتدبر في هذه الاُمور فأنّه سيزداد قوة وعزماً على ترك هذه الرذيلة حتماً، وهذا هو ما ورد في الحديث الشريف عن الإمام على أنّه قال: «وَالْخُلْفُ يُوجِبُ الْمَقْتَ عِنْدَ اللهِ وَعِنْدَ النّـاسِ»(1).
ولهذا السبب نجد أنّ الكثير من المجتمعات البشرية التي تعيش الجهل بالدين والإبتعاد عن الله تعالى فإنّها تسعى للتعامل فيما بينها من موقع الإلتزام بالعهود والمقررات والمواثيق، وكذلك ما نراه في الشركات الأقتصادية العالمية والمنظمات الدولية فإنّها ومن أجل جذب الزبائن وكسب حسن السمعة وبالتالي زيادة الأرباح والمكاسب يهتمون بمسألة الوفاء بالعهد، ويترتب على ذلك أيضاً النتائج الإيجابية المثمرة.
هناك أنواع وأقسام للعهد حيث يمكن تقسيمها إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ العهد مع الله.
2 ـ العهد مع الناس.
3 ـ العهد مع النفس.
أما العهد مع الله تعالى فالكثير من الفقهاء ذكروا في كتبهم الفقهية بحث العهد إلى جانب بحث النذر، وذكروا أنّه لو أراد الشخص أن يعاهد الله على أمر من الاُمور فعليه إجراء صيغة العهد وهي أن يقول مثلا: «عـاهَدْتُ اللهَ أَنَّهُ مَتـى شَفـانِي اللهُ أَصومُ ثَلاثَةَ أَيّـام أَوْ أَتَصَدَّقُ بِكَذا وَكَذا».
وحينئذ يجب عليه الوفاء بعهده هذا ولو إرتكب ما ينقض هذا العهد عليه دفع كفارة، وكفارته على المشهور هي كفارة إفطار يوم من شهر رمضان المبارك.
وعلى هذا فانّ العهد مع الله تعالى ليس لازماً من الناحية الأخلاقية فقط بل من الناحية الفقهية أيضاً ونقضه يستوجب الكفارة، وحتى إذا لم يقرأ المكلف صيغة العهد هذه بل نوى في قلبه ذلك فمن الأفضل له أن يوفي بعهده مع الله تعالى.
القرآن الكريم يقول في ذم طائفة من المؤمنين الضعيفي الإيمان أو من المنافقين الذين لم يشتركوا في حرب الأحزاب: (وَلَقَدْ كـانُوا عـاهَدُوا اللهَ مِنْ قَبْلُ لا يُوَلُّونَ الأَدْبـارَ وَكـانَ عَهْدُ اللهِ مَسْؤولاً)(1).
يقول في مكان آخر: «وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللهِ إِذا عـاهَدْتُمْ».
وبعض المفسرين ذكروا في تفسير هذه الآية أنّ العهد هنا يعنى البيعة مع النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، وذهب بعض آخر إلى أنّه يعني الجهاد في سبيل الله، وذهب آخرون إلى أنّ معناه هو القسم بالله تعالى، وبعض آخر ذهب إلى أنّه يعنى كل عمل واجب بحكم العقل أو النقل(2).
وأمّا العهد مع الناس فيشمل كل أشكال العقود والمواثيق بين أفراد البشر، وفيما لو تأطرت بقوالب شرعية وعقلائية فالوفاء بها واجب، ولكن بعض أشكال العهد الذي يقع من جانب واحد كأن يتعاهد الإنسان أن يبذل المعونة لشخص آخر فمثل هذه العهود تسمى (عهود إبتدائية) وكذلك أشكال الوعد الذي يقوم من جانب واحد، فالوفاء بهذا العهد أو الوعد غير واجب من الناحية الفقهية بل مستحب مؤكد، ولكن في المنظور الأخلاقي فالالتزام بها واجب ولازم وإلاّ فيحرم الإنسان من نيل الفضائل الإخلاقية والمقامات العالية الإنسانية.
وقد ورد في بعض الروايات أنّ الإنسان المؤمن إذا وعد غيره بشىء فإنّه بمنزلة النذر رغم عدم وجوب الكفارة عند عدم الوفاء به، كما يقول الإمام الصادق(عليه السلام): «عِدَةُ الْمُؤْمِنِ أَخـاهُ نَذْرٌ لا كَفّـارَةَ لَهُ فَمَنْ أَخْلَفَ فَبِخُلْفِ اللهِ بَدَءَ وَلَمِقْتِهِ تَعَرَّضَ وَقَوْلُهُ يـا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مـا لا تَفْعَلُونَ كَبُرَ مَقْتاً عِنْدَ اللهِ أَِنْ تَقولُوا مـا لا تَفْعَلُونَ»(1).
وفي حديث آخر عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «مَنْ كـانَ يُؤْمِنُ بِاللهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ فَلْيَفِ إِذا وَعَدَ»(2).
أما عهد الإنسان مع نفسه فهو أن يتعاهد الإنسان بأن يلتزم خط تهذيب النفس وإصلاحها في طريق التكامل الأخلاقي والمعنوي والتحلي بالصفات الحسنة والأعمال الصالحة، وهذا العهد له دور مؤثر وبناء في سلوك خط التهذيب النفسي، وقد ذكره العرفاء الإسلاميون بأنّه أول مراتب السير والسلوك وذكروه تحت عنوان المشارطة، وهو أنّ الإنسان يتعاهد مع نفسه كل صباح بأن يسير في خط الطاعة والإيمان وإجتناب الذنوب والإبتعاد عن الموبقات والآثام، ثم يتحرك في سلوكه اليومي من موقع المراقبة الدقيقة لأعماله وسلوكياته ليطمئن على وفائه بذلك الشرط والعهد الذي أخذه على نفسه صباح اليوم، ثم تصل النوبة إلى المحاسبة في آخر اليوم وقبل النوم وهل أنّه قد إرتكب ما يخالف
ذلك الشرط الذي إشترطه على نفسه أم لا؟
ولا شك أنّ الإنسان القوى الشخصية ومن يتمتع بوجدان يقظ يهتم كثيراً بمثل هذه العهود والشروط مع نفسه وغير مستعد لنقضها بسهولة.
وعليه يمكن القول أنّ الالتزام بالعهود التي يقطعها الإنسان مع نفسه يعدّ أحد طرق تهذيب النفس ونيل الفضائل الأخلاقية في حركة التكامل المعنوي للإنسان.
—–
إنّ التقدم المذهل للمسلمين في العصور الأولية من تاريخ الإسلام كانت ولا زالت مثار تعجب المؤرخين في الشرق والغرب، ولكنهم إذا تفكروا في أسباب وعوامل هذا التقدم السريع لأدركوا بسرعة سرّه.
ومن البديهى أنّ أحد علل التقدم السريع هو التزام جيش الإسلام بالمواثيق والعهود وهذا هو ما أكد عليه القرآن الكريم ونبي الإسلام(صلى الله عليه وآله) مراراً، وهذه المسألة على درجة من الأهمية بحيث كان الجيش الإسلامي يضحي من أجلها بالكثير من الإنتصارات السريعة على الكفار.
أنّ القانون المهم (الأمان) الذي يعد أحد التعاليم الإسلامية يؤكد هذا المعنى أيضاً وأنّ كل جندي من جنود الإسلام وفي أى رتبة كان يمكنه أن يعطى الأمان لبعض رجال العدو بشكل مؤقت ويجب على جميع المسلمين في الجيش الإسلامي إحترام هذا الأمان وكأنّه عهد مقطوع ولازم الوفاء.
وهناك نماذج كثيرة ذكرها المؤرخون في تاريخ الإسلام تحكي هذا المعنى ومنها:
1 ـ ما ذكره ياقوت الحموي في (معجم البلدان) عن فتح مدينة (سهرياج)(1) من القصة
العجيبة حيث بعث الخليفة في ذلك الزمان الجيش إلى هذه المدينة لفتحها.
يقول فضل بن زيد الرقاشي: حاصرنا سهرياج في أيام عبدالله بن عامر وقد سار إلى فارس افتتحها، وكنّا ضمنا أن نفتحها في يومنا وقاتلنا أهلها ذات يوم فرجعنا إلى معسكرنا وتخلف عبد مملوك منّا فراطنوه، فكتب لهم أماناً ورمى به في سهم فرحنا إلى القتال وقد خرجوا من حصنهم وقالوا: هذا أمانكم فكتبنا بذلك إلى عمر، فكتب إلينا: إنّ العبد المسلم من المسلمين ذمته كذمتكم، فلينفذ أمانه، فأنفذناه(1).
ومصدر هذه القصة هو ما ورد من الحديث النبوي المعروف في حجة الوداع حيث قال رسول الله(صلى الله عليه وآله) للمسلمين كافة: «المُؤمِنُونَ إِخْوَةٌ تَتَكـافَأُ دِمـائُهُمْ وَهُمْ يَدٌ عَلَـى مَنْ يَسْعـى بِذِمَّتِهِمْ أَدْنـاهُمْ»(2).
2 ـ وورد في التواريخ الإسلامية أنّ المسلمين في عصر الخليفة الثاني هزموا الساسانيين وقبضوا على (هرمزان) قائد الجيوش الفارسية وجاءوا به إلى عمر بن الخطاب، فقال له الخليفة: لقد نقضت العهود معنا دائماً فلماذا إرتكبت هذا العمل؟ فقال الهرمزان: أخاف أن تقتلني قبل أنّ أقول لك سبب ذلك، فقال له الخليفة: لا تخف.
وفي هذه الأثناء طلب الهرمزان الماء فجيىء له بإناء فيه ماء فقال الهرمزان: لو أعلم بأنني أموت من العطش فأنني لا أشرب من هذا الأناء أبداً.
فقال لهم عمر: إذهبوا وأتوه بماء في إناء يقبل أن يشرب منه، فجاؤوا له بقدح فيه ماء وناولوه بيده، فنظر إلى ما حوله ولم يشرب وقال: أنني أخاف أن أقتل وأنا أشرب الماء.
فقال له عمر: لا تخف فأنا أعطيك الإمان من القتل إلى أن تنتهى من شرب الماء.
فما كان من الهرمزان إلاّ أن ألقى بالقدح من يده فانسكب الماء على الأرض، فقال عمر وهو يتصور أنّ القدح سقط من يده بدون اختيار: ناولوه قدحاً آخر ليشرب.
فقال الهرمزان: أنا لا أريد الماء بل كان مقصودي أن أحصل منك على الإمان، فقال له
الخليفة: ولكني سأقتلك لا محالة.
فقال الهرمزان في جوابه: إنك قد أعطيني الإمان من القتل.
فقال الخليفة: أنت تكذب فأنا لم أعطك الإمان.
وكان (أنس) حاضراً فقال: صدق الهرمزان لقد أعطيته الإمان إلى أن ينتهى من شرب الماء.
فتفكر الخليفة في ذلك وقال للهرمزان: لقد خدعتني ولكني سوف أقبل خدعتك هذه لكي تعتنق الإسلام، فلما رأى الهرمزان هذه الحالة (وهي إلتزام المسلمين بعهودهم ومواثيقهم) شع نور الإيمان في قلبه وأسلم(1).
والملفت للنظر أنّه يستفاد من الروايات الإسلامية أنّه حتى شبهة العهود والأمان يجب الوفاء بها، ففي الحديث الشريف عن الإمام الصادق(عليه السلام): «لَوْ أَنَّ قَوْماً حـاصَرُوا مَدينةً فَسَألُوهُمُ الأَمـانَ فَقـالُوا: لا فَظَنُّوا أَنَّهُمْ قـالُوا: نَعَمْ فَنَزِلُوا إِلَيْهِمْ كـانُوا آمِنِينَ»(2).
وبهذا ترى أنّه ليس فقط العهد والأمان يجب الوفاء به بل إحتمال وجود العهد الوفاء به أحياناً.
—–
10/البحث المنطقي والجدال والمراء
إنّ أفضل طريق لتبيين الحقائق والوصول إلى الأفكار الصحيحة والنتائج السليمة هو البحث المنطقي الخالي من كل أشكال التعصب والعناد، لأنّ الأفكار عندما تتلاقح وتضم بعضها إلى البعض الآخر وتتصل القابليات والعقول فسيسطع نور المعرفة ليضيء كل شيء.
ولكن إذا كانت أجواء البحث يسودها التعصّب واللجاجة والأنانيّة والخشونة، وبكلمة واحدة المراء، فإنّ ذلك من شأنه أن يغطي على الحقائق الواضحة ويسدل ستار الظلمة على الواقعيات، فمهما استمر البحث والجدال فإنّ الحجب تزداد على وجه الواقع.
ولهذا السبب فإنّ الإسلام وقف من الجدال والمراء، أو بتعبير آخر: التعصّب بالبحث وإثبات تفوّق الأنا على الطرف المقابل وليس ذلك لغرض تبين الحق وكشف الحقيقة، موقفاً سلبياً وعدّ ذلك من الذنوب الكبيرة، لأنّ المراء بإمكانه أن يجعل سدّاً كبيراً في طريق فهم الحقيقة والوصول إلى الواقعيات.
وبالطبع سوف نشير لاحقاً إلى الفرق بين الجدال والمراء باذن الله تعالى، ولكنّ الهدف هنا الإشارة السريعة إلى موقف الإسلام السلبي من هذا الخلق الذميم أي الجدل والمراء، وموقفه الإيجابي وثنائه على الأشخاص الذين يتحرّكون في بحثهم العلمي ومناقشاتهم
الفكرية من موقع البحث المنطقي لغرض الكشف عن الحقيقة وتوخّي العدالة.
وبهذه الإشارة السريعة نعود إلى القرآن الكريم لنرى موقفه من هاتين الخصلتين:
1 ـ (يُجَادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مَا تَبَيَّنَ كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ)(1).
2 ـ (وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَذَا الْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكَانَ الاِْنسَانُ أَكْثَرَ شَيْء جَدَلا)(2).
3 ـ (وَمِن النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطَان مَرِيد)(3).
4 ـ (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَاب مُنِير)(4).
5 ـ (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَاهُمْ إِنْ فِي صُدُورِهِمْ إِلاَّ كِبْرٌ مَا هُمْ بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ)(5).
6 ـ (وَقَالُوا أَآلِهَتُنَا خَيْرٌ أَمْ هُوَ مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلاَّ جَدَلا بَلْ هُمْ قَوْمٌ خَصِمُونَ)(6).
7 ـ (وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَائِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ)(7).
8 ـ (الْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُومَاتٌ فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ الْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي الْحَجِّ)(8).
9 ـ (أَلاَ إِنَّ الَّذِينَ يُمَارُونَ فِي السَّاعَةِ لَفِي ضَلاَل بَعِيد)(9).
10 ـ (وَلَقَدْ أَنذَرَهُمْ بَطْشَتَنَا فَتََمارَوْا بِالنُّذُرِ)(10).
«الآية الإولى»: من الآيات محل البحث تتعرض لطائفة من المؤمنين الضعيفي الإيمان من موقع الذم والتوبيخ بسبب ترددهم وجبنهم في ميدان القتال وتثاقلهم عن
الجهاد في سبيل الله فتقول: (يُجـادِلُونَكَ فِي الْحَقِّ بَعْدَ مـا تَبَيَّنَ كَأَنَّمـا يُسـاقُونَ إِلَى الْمُوتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ).
القرائن تشير إلى أنّ جماعة من المسلمين الجدد الذين لم تكن لهم تجربة كافية في الحرب قد تملكهم الخوف وسيطر عليهم الجبن عندما سمعوا الأمر بالجهاد في سبيل الله، ومع أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) قال لهم بصراحة: أنا مأمور بأمر من الله تعالى في هذا الطريق، ورغم ذلك فإنّهم يجادلون النبي(صلى الله عليه وآله) ليثنوه عن عزمه ويعيدوه إلى المدينة وكأنّما يرون الموت على بعد خطوات منهم، وفي الواقع فإنّ ضعف الإيمان والخوف من الموت والشهادة في سبيل الله دفعهم إلى التذرع بالحجج الواهية والتبريرات المختلفة لإضعاف عزم النبي(صلى الله عليه وآله)، القرآن الكريم يذم هذه الحالة ويصرح في الآيات اللاحقة أنّ مشيئة الله قد قررت تقوية الحق وقطع جذور الكافرين (رغم سيطرة الأوهام والتخيلات على هذه الفئة من ضعفاء الإيمان).
ويستفاد جيداً من هذه الآية أنّ أحد أسباب الجدل والمراء والمناقشات غير المنطقية هو ضعف النفس والخوف من تحديات الواقع والحالة الإنهزامية لدى الشخص في مواجهة الظروف الصعبة.
وقد ورد في التواريخ الإسلامية المعروفة أنّه عندما سمع المسلمون بخبر تحرك جيش قريش من مكة لأنقاذ القافلة التجارية المتحركة في الطريق إلى مكة حيث تعرضت لتهديد المسلمين فانّ جماعة من ضعفاء المسلمين أصروا على النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أن يعود إلى مكة لأنّ المسلمين في نظرهم ليست لديهم القدرة الكافية على مواجهة جيش المشركين، وأساساً أنّهم لم يخرجوا طلباً للحرب والقتال.
ويذكر أنّ أبا بكر قام فقال: يا رسول الله، إنّها قريش وخيلاؤها، ما آمنت منذ كفرت، وما
ذلّت منذ عزّت، ولم تخرج على هيئة حرب..
فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): اُجلس، فجلس، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): اشيروا عليَّ.
فقام عمر فقال: مثل مقالة أبي بكر.
فأمره النبي(صلى الله عليه وآله) بالجلوس فجلس.
ثم قام المقداد فقال: يا رسول الله، إنّها قريش وخيلاؤها، وقد آمنّا بك وصدقناك، وشهدنا أنّ ما جئت به حقّ من عند الله، والله لو أمرتنا أن نخوض جمر الغضا (نوع من الشجر الصلب) وشوك الهراس لخضناه معك، ولا نقول لك ما قالت بنو اسرائيل لموسى: إذهب أنت وربّك فقاتلا إنا ها هنا قاعدون، ولكنا نقول: إذهب أنت وربّك فقاتلا، وإنّا معكم مقاتلون...الخ.
فأشرق وجه النبي(صلى الله عليه وآله) ودعا له وسرّ لذلك(1)
والعجيب أنّ إبن هشام في سيرته والطبري أوردا قصة الشورى التي شكلها النبي(صلى الله عليه وآله)قبيل غزوة بدر ولكن عندما وصلا إلى كلام الخليفة الأول والثاني قالا بكثير من التلخيص: «قـالَ أَبُوبَكُر وَاَحْسَنَ، ثُمَّ قـامَ عُمَرُ بْنَ الْخَطّـابِ وَقـالَ وَأَحْسَنَ».
واكتفيا بذلك دون أن يذكرا كلام الأول والثاني في حين أنّه لو كان الأول والثاني قد أحسنا في كلامهما لكان المفروض من هذين المؤرخين أن يذكرا مقولتهما، والحال أنّهما ذكرا كلام المقداد بتمامه، ومن هنا يتبين أنّ نقل هذين المؤرخين لا يخلو من تعصب مذهبي بإمكانه تزييف الحقائق التاريخية.
—–
«الآية الثانية»: تتحدث عن جميع الأشخاص الذين يتحركون في حياتهم من موقع العناد والتعصب وعدم النضج الفكري والنفسي وتقول:
(وَلَقَدْ صَرَّفْنـا فِي هـذا الْقُرآنِ لِلنّـاسِ مِنْ كُلِّ مَثَل وَكـانَ الاِْنْسـانُ اَكْثَرَ شَىء جَدَلاً).
فلأجل هداية الناس فقد صرفنا وذكرنا في القرآن الكريم قصص الأوائل وحوادث
التاريخ البشري وحياة الأقوام التي عاشت الظلم والجور، ولكن الإنسان يعيش حالة الجدل أمام الحق وبذلك يقطع على نفسه طريق الوصول إلى الحقيقة ويوصد أبواب نور المعرفة أمامه ويستفاد جيداً من هذا التعبير أنّ الأشخاص الذين يعيشون الطفولة الفكرية وعدم النضج في شخصيتهم هم أكثر الموجودات جدلاً ومراءاً، وعلى أية حال فانّ هذا التعبير يشير إلى أنّ الإنسان إذا إنحرف عن فطرته السليمة فأنّه يتّجه صوب الجدل ويتحرك في خط المراء والباطل ويقف أمام الحق بدافع من التعصبات والأهواء الذاتية ويوصد طريق الهداية أمامه، وهذا يمثل أكبر بلاء على الإنسان في طول التاريخ البشري.
—–
وتستعرض «الآية الثالثة»: تعريفاً واضحاً للمجادلة بالباطل وتبيّن مصير أهل الجدل والمراء وتقول: (وَمِنَ النّـاسِ مَنْ يُجـادِلُ فِي اللهِ بِغَيرِ عِلْم وَيَتَّبِعُ كُلَّ شَيْطـان مَرِيد).
ورغم أنّ شأن نزول هذه الآية كما ذكره جماعة من المفسرين أنها نزلت في (النظر بن الحارث) الذي كان من المشركين المعاندين والمتعصبين جداً وكان يتحدث عن القرآن بكلمات واهية ويتصور أنّ الملائكة هم بنات الله، ولكن من الواضح أنّ مفهوم هذه الآية عام وشامل لجميع الأشخاص الذين يناقشون ويجادلون بدافع من التعصب والعنادومن دون علم ومعرفة.
واللطيف أنّ الآية تذكر في آخرها أنّ هؤلاء المجادلين يتحركون في خط الشيطان المتمرد ويتبعونه، وهذا التعبير يشير إلى أنّ الجدال بالباطل هو طريق الشيطان، بل إنّ الشيطان الرجيم ينفذ في كل شخص يسعى لإثبات وجهة نظره من موقع التعصب والعناد فيسيره إلى حيث يريد.
أما وصف الشيطان بأنّه (مريد) أي المتمرد، فهو يبين هذه الحقيقة، وهي أنّ الذين يتحركون من موقع الجدل والمراء هم في صف واحد مع المتمردين على الله والحق ويمثلون جبهة واحدة مقابل جبهة الحق.
والمراد من جملة (يجادل في الله) هو الجدال في صفة من صفات الله أو في أصل وجود
الله أو في قدرته وعلمه أو في أفعاله، وعلى أيّة حال فإنّ الآية الشريفة تنطلق من موقع الذم الشديد للجدال بالباطل.
قد ورد وهذا المعنى نفسه مع بعض الإضافات كذلك في (الآية الثامنة) من سورة الحج حيث تقول الآية: (وَمِنْ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللهِ بِغَيْرِ عِلْم وَلاَ هُدىً وَلاَ كِتَاب مُنِير)
وهذه إشارة إلى أنّ البحث والنقاش إذا كان مقترناً مع العلم والمعرفة، أو مع هداية أولياء الدين والإنبياء الإلهيين، أو يكون مستنداً إلى كتاب من الكتب السماوية فليس لا ضرر فيه فحسب بل يمكنه أن يكون مفتاحاً لحل الكثير من المشاكل والأزمات الفكرية والعقائدية.
ولكن عندما لا تكون هذه العناصر الثلاثة الإيجابية على طاولة البحث والنقاش (أي العلم الشخصي، وهداية الأولياء، والإستناد إلى الكتب السماوية) فانّ الجدال سوف ينزلق في طريق الأهواء والتعصبات ويتحرك الإنسان معه في خط الباطل والإنحراف وبالتالي لا تكون نتيجته سوى الضلال والشقاء.
ويستفاد من الآية التاسعة من هذه السورة التي وردت بعد هذه الآية محل البحث أنّ أحد دوافع الجدال بالباطل هو التكبر والغرور والعجب والذي يتسبب في إضلال الآخرين أيضاً، فمثل هؤلاء الأشخاص يكون مصيرهم إلى الفضيحة في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة كما تقول الآية: (ثَانِىَ عِطْفِهِ لِيُضِلَّ عَنْ سَبِيلِ اللهِ لَهُ فِي الدُّنْيَا خِزْىٌ وَنُذِيقُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَذَابَ الْحَرِيقِ).