ومن أهم الاُمور التي توفّر الأرضية للضلالة والزيغ والانحراف هو الكذب والاسراف وكفران النعمة التي وردت في هاتين الآيتين حيث يفهم بوضوح من سياق هاتين الآيتين أنّ من يقول بالجبر وأنّ الله تعالى هو الذي يهدي ويضل عباده دون أن يكون لهم الخيرة في ذلك فإنّ كلامهم هذا واعتقادهم مجانب للحق والصواب كثيراً وأنّ استدلالهم بهاتين الآيتين هو في الواقع خلاف الظاهر من جو هاتين الآيتين وسياقهما.

أجل، فإنّ الكذب يعتبر من أهم العوامل في اضلال الإنسان وشقائه.

ويمكن أن يكون مورد هاتين الآيتين هو نسبة الكذب إلى الله تعالى والانحراف عن أصل التوحيد، ولكنّ المورد لا يخصص الوارد كما في الاصطلاح، أي أنّ خصوصية المورد لا تمنع من عمومية الحكم الوارد في هاتين الآيتين.

أمّا العلاقة بين الكذب وكفران النعمة الوارد في الآية الاُولى فهو يشير إلى هذه الحقيقة وهي أنّ بني اسرائيل كفروا بنعمة وجود موسى(عليه السلام) فيما بينهم لهدايتهم وكذّبوه، والعلاقة بين


1. سورة القصص، الآية 56.

[ 191 ]

الاسراف والكذب في الآية الثانية هو من جهة أنّ الفراعنة تحرّكوا من موقع عصيان الأمر الإلهي وظلمهم لبني اسرائيل وقتل أولادهم، فهؤلاء سلكوا طريق الاسراف وكذّبوا بنبوّة موسى(عليه السلام).

—–

«الآية الرابعة» تستعرض اسلوب المنافقين في التظاهر بالإيمان والعمل الصالح وتتحدّث عن (ثعلبة بن حاطب الأنصاري) الذي كان قد عاهد الله تعالى أنّه إذا رزقه مالاً كثيراً فإنّه سيتصدّق على الفقراء والمساكين ولكنّ سلوكه العملي كان مخالفاً لقوله ووعده حيث نقض عهده مع الله تعالى بعد أن رزقه المال والثروة وأصبح من الموسرين، ويقول الله تعالى في هذه الآية: (فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقاً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ).

ثم تضيف الآية أنّ ذلك كان بسبب نقضهم للعهد وكذبهم على الله تعالى: (بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

والجدير بالذكر أنّ نقض العهد مع الله تعالى يعتبر نوع من الكذب العملي.

وعلى أية حال فالآية أعلاه تصرح بأنّ نقض العهد كذب يورث الإنسان روح النفاق في قلبه إلى آخر حياته، وما أشدّ هذه العقوبة في دائرة أركان الشخصية ودعائمها.

أمّا العلاقة بين هذين الذنبين (نقض العهد والكذب) وبين النفاق فواضحة، لأنّ النفاق ليس شيئاً سوى اختلاف الظاهر والباطن وأن يكون الإنسان ذا لسانين كما في اصطلاح الروايات، ونقض العهد والكذب أيضاً هو عبارة عن التظاهر بالتمسك والانضباط بالوعد وبالميثاق من موقع المسؤولية والتعهد القلبي في حين أنّ الواقع الباطني لا يتطابق مع هذا الظاهر الخادع.

أجل، فإنّ الكثيرين من أمثال ثعلبة بن حاطب الأنصاري عندما يعيشون حالة الضيق والعسر في حركة الحياة يلجأون إلى الله تعالى بجميع وجودهم وكيانهم ليحل لهم مشكلاتهم ويبذلون له العهود والمواثيق والنذور في هذا السبيل، ولكن عندما يستجيب الله تعالى لهم وتنفرج الأزمة ويحصلون على ما يريدون يتعاملون مع عهودهم ومواثيقهم من

[ 192 ]

موقع النسيان والتغافل، وهذا هو المصداق لنقض العهد والكذب والنفاق في عملية التعامل مع الحياة والواقع (نسأل الله تعالى أن يحفظنا من شرّ هذه الآثام والسلوكيات الدنيئة).

—–

«الآية الخامسة» تتحدّث عن صفات وأعمال المنافقين القبيحة وتسلّط الضوء خاصة على مسألة الكذب وتقول:(فِي قُلُوبِهِم مَرَضٌ فَزَادَهُم اللهُ مَرضاً وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ).

فهذه الآية لم تتحدّث بشكل دقيق عن نوع الكذب الذي كانوا يرتكبونه ولعله إشارة إلى الكذب الذي أشارت إليه الآية السابقة، ومن ذلك إدّعائهم الإيمان بالله في حين أنّهم غير مؤمنين في قلوبهم، والآخر الخداع والغش الذي كانوا يمارسونه مع المؤمنين ويستغفلونهم في عملية التعامل معهم، والأهم من ذلك أنّهم كانوا يستفيدون من كل فرصة في سبيل تكذيب الرسالة الإلهية والرسول الكريم، ولكن على أيّة حال، فإنّ هذه الآية تقول: إنّ العذاب الأليم الذي ينتظر هؤلاء هو بسبب كذبهم، وهذا يدل على أنّ أشدّ وأشنع أعمال المنافقين هو أنّهم كانوا يرتكبون الكذب ويخترعون الإفك، بالرغم من أنّهم كانوا يرتكبون ذنوباً كثيرة إلى جانب الكذب.

ومن الواضح أنّ المقصود بالمرض في هذه الآية هو مرض النفاق الذي يعدّ مرضاً أخلاقياً ناشئاً من انفصام شخصية المنافق واهتزاز وجدانه بحيث يعيش بين الناس بلسانين ووجهين وظاهره يختلف عن باطنه.

—–

«الآية السادسة» تتحرّك على مستوى بيان قسم خاص من أقسام الكذب، وهو الكذب على الله تعالى، حيث تخاطب الآية الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) وتقول: (قُلْ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُونَ).

أساساً فانّ الكذب لا يجتمع مع الفلاح والموفقّية في حركة الحياة وخاصّة إذا كان الكذب على الله والأنبياء الإلهيين، والمراد من الكذب على الله في هذه الآية (وبقرينة

[ 193 ]

الآيات السابقة لها) هو أنّ المشركين كانوا يعتقدون بأنّ الملائكة هم بنات الله، وقيل أنّ المراد هو دعوى المسيحيين بأنّ المسيح ابن الله، وكذلك دعوى اليهود بأنّ عزير إبن الله، وعلى أية حال فانّ نسبة هذه الاُمور إلى الله تعالى من الكذب الفاضح والجلي، لأنّ الله تعالى ليس بجسم ولا يتصف بالعوارض الجسمانيّة وليست له زوجة وأبناء.

وأساساً فانّ فلسفة وجود الابن تكون معقولة في دائرة نظام الخلقة على مستوى الإنسان وحاجاته الفطرّية والطبيعية، فانّ الإنسان يحتاج إلى الأبناء لبقاء النسل والقيام بمعونته وإسناده في حركة المعيشة الشاقّة أمام تحدّيات الواقع والحياة، أمّا مفهوم الأبن بالنسبة إلى الله تعالى وهو الغني على الاطلاق والقادر على كل شيء فلا معنى له في دائرة العقل والمنطق.

ومن الجدير بالتأمّل أنّ الآية المذكورة اعتبرت عمل المشركين مصداقاً للكذب والإفتراء، وهذا يعني أنّ الكذب له مفهوم واسع يستوعب في مضمونه الإفتراء أيضاً (وكما في الأصطلاح أنّ النسبة بينهما نسبة العموم والخصوص المطلق) فالكذب هو أن يتحدّث الإنسان بكلام مخالف للواقع سواءً كان يتحدّث عن شخص معيّن أو شيء آخر، ولكنّ التهمة والإفتراء هو نسبة عمل قبيح وغير واقعي إلى شخص معيّن، فهنا يتحقق مصداق الكذب ومصداق التهمة أيضاً.

ونفس مضمون هذه الآية ورد في الآية 116 من سورة النحل حيث تقول الآية: (إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ لاَ يُفْلِحُون)

—–

«الآية السابعة» والأخيرة من الآيات مورد البحث تستعرض واقعة المباهلة المعروفة والتي تستبطن في طيّاتها الكلام عن قسم خاص من أقسام الكذب، أي نسبة الكذب إلى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، ويترتّب على ذلك لعنة الله على الكاذبين حيث تقول الآية: (فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنْ الْعِلْمِ فَقُلْ تَعَالَوْا نَدْعُ أَبْنَاءَنَا وَأَبْنَاءَكُمْ وَنِسَاءَنَا
وَنِسَاءَكُمْ وَأَنْفُسَنَا وَأَنْفُسَكُمْ ثُمَّ نَبْتَهِلْ فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ
).

[ 194 ]

(المباهلة) في الأصل من مادّة بهل (على وزن سهل) بمعنى الترك للشىء، وقد ورد في التفاسير أنّ المباهلة تعني في المصطلح الديني أن تجتمع فئتان كل واحد منهما على مذهب معيّن فيتحاجون وأخيراً يتلاعنون ويدعون الله تعالى بأن ينزل لعنته على الطرف الآخر الكاذب، وأي فئة تحقّق في موردها اللّعن ونزل عليها العذاب فهذا دليل على حقّانيّة الطرف الآخر، وقد حدث ذلك في صدر الإسلام بين نبي الإسلام(صلى الله عليه وآله)ونصارى نجران، فعند ما تقررّت المباهلة بينهما جاء النبي(صلى الله عليه وآله) ومعه الإمام علي وفاطمة والحسن والحسين(عليهم السلام) إلى ساحة المباهلة وكانت تبدوا على سيماهم المباركة آثار إستجابة الدعاء، فتراجع النصارى عن إدّعائهم وصالحوا النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) على أمور مذكورة بالتفصيل في التفاسير الشريفة ذيل هذه الآية ولذلك لا حاجة إلى الإطالة والتفصيل.

والمراد من قوله: (فَنَجْعَلْ لَعْنَةَ اللهِ عَلَى الْكَاذِبِينَ)، لبيان عظمة الكذب وأنّه يستحق نزول اللّعنة على صاحبه.

—–

والآية أعلاه والتي إستعرضت تأكيدات قرآنية مهمّة بالنسبة إلى قبح الكذب وآثاره المشؤمة وعواقبه الوخيمة توضّح جيداً أنّ هذا الذنب إلى أي درجة من القبح والشر في دائرة المفاهيم القرآنية، فينبغي على المؤمنين في المجتمع الإسلامي أن يعيشوا حالة التنفّر والكراهية لهذا النوع من السلوك الخاطيء والخلق الذميم ويتحرّكوا على مستوى تطهير مجتمعهم من شر هذه الخطيئة.

 

الكذب في الروايات الإسلامية:

ونقرأ في الروايات الإسلامية تعابير مثيرة ومدهشة تتحدث عن قبح الكذب وشناعته وفيما يلى نماذج منها:

1 ـ يستفاد من بعض الروايات أنّ الكذب مفتاح الذنوب، كما ورد عن الإمام الباقر(عليه السلام)قوله: «إِنَّ اللهَ عَزَّ وَجَلَّ جَعَلَ لِلشّرَّ اَقْفالا وَجَعَلَ مَفـاتِيحَ تِلْكَ الأَقْفـالِ الشَّرابَ، وَالْكِذْبُ شَرٌّ مِنَ الشَّرابِ»(1).


1. اصول الكافي، ج3، ص339.

[ 195 ]

2 ـ وورد في حديث آخر عن الإمام الحسن العسكري(عليه السلام) قوله: «جُعِلَتِ الْخَبـائِثُ كُلُّهـا فِي بَيْت وَجُعِلَ مِفْتـاحُهُ الْكِذْبَ»(1).

والعلّة في ذلك جليّة، وهي أنّ الإنسان الكاذب عندما يجد نفسه في معرض الفضيحة فأنّه يتحرك في عمليّة التغطية على نقائصه ومعايبه من موقع الكذب والخداع، وبعبارة اُخرى: إنّ الكذب يبيح له إرتكاب أنواع الذنوب من دون أن يخاف الفضيحة، في حين أنّ الإنسان الصادق سيجد نفسه مضطراً إلى ترك سائر الذنوب لأنّ الصدق لا يسوغ له إرتكاب الذنب، والخوف من الفضيحة بسبب الصدق يدعوه إلى ترك الذنوب.

وكما سبق وأن ذكرنا الحديث المعروف عن الرجل الذي جاء إلى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)وهو ملّوث بأنواع الذنوب وطلب منه النبي(صلى الله عليه وآله) أن يترك الكذب فقط فقبل منه ذلك، وكان هذا سبباً في أن يترك جميع الذنوب(2).

3 ـ ويستفاد من الأحاديث الاُخرى أنّ الكذب لا ينسجم اطلاقاً مع الإيمان كما نقرأ في الحديث الشريف: «سُئِلَ رَسُولُ اللهِ(صلى الله عليه وآله) يَكُونُ الْمُؤمِنُ جُبـانَاً؟ قـالَ: نَعَمُ ; قَيـلَ وَيَكُونُ بَخِيلا؟ قـالَ نَعم، قِيلَ يَكُونُ كَذاباً قـالَ: لاَ»(3).

ونفس هذا المضمون ورد بصورة اُخرى عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) حيث يقول: «لا يَجِدُ الْعَبْدُ طَعْمَ الإِيِمـانِ حَتّـى يَتْرُكَ الْكِذْبَ هَزْلَهُ وَجِدَّهُ»(4).

ولكن لماذا لا ينسجم الكذب مع الإيمان؟ لأنّ الكذب إمّا أن يكون لغرض تحصيل الإنسان لمنفعة معيّنة أو للخلاص من مشكلة وأزمة، فلو كان إيمان الإنسان قوياً ومستحكماً في القلب فأنّه يرى أنّ الخير والشر كلاهما بيد الله تعالى وهو الذي بأمكانه حلّ مشكلاته وإنقاذه من الازمات التي يمر بها في مواجهة تحدّيات الواقع والحياة وهو الذي يدفع عن الإنسان أنواع البلايا والمخاطر، فلو أنّ الإنسان تمسك بغصن من أغصان التوحيد


1. بحار الانوار، ج 69، ص 263.
2. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج6، ص357.
3. جامع السعادات، ج 2، ص 322.
4. اصول الكافي، ج 2، ص 34، ح 11.

[ 196 ]

الأفعالي واعتقد بذلك بصدق فلا يجد نفسه بحاجة إلى التمسّك بذيل الكذب حينئذ.

4 ـ ونقرأ في حديث آخر عن أمير المؤمنين(عليه السلام) قوله: «وَشَرُّ الْقُولِ الْكِذُبُ»(1)، لأنّ آثاره السلبية والمدّمرة أشد من كل ذنب آخر.

5 ـ ونقرأ أيضاً في حديث آخر عن الإمام علي(عليه السلام) حيث يقرّر أنّ الكذب من أعظم الخطايا ويقول: «أَعْظَمُ الْخِطـايـا عِنْدَ اللهِ الْلِسَّـانُ الْكَذُوبِ وِشَرُّ النَّدامَةِ نَدامَةُ يَوْمِ الْقِيـامَةِ»(2).

6 ـ وورد في حديث آخر أنّ الكذب مصدر الفجور ومنبع الفحشاء وسبب الدخول في النار كما في الحديث الشريف عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) حيث يقول: «إِيَّاكُم وَالكِذبَ فإنَّ الكِذبَ يَهدِي إِلَى الفُجُورِ وَإنَّ الفُجُورَ يَهدِي إِلَى النّارِ»(3).

7 ـ إنّ الكذب لا يتناغم ولا ينسجم مع العقل كما ورد هذا المضمون في الحديث الشريف عن الإمام الكاظم(عليه السلام)أنّه قال: «إِنَّ العـاقِلَ لا يَكذِبُ وَإِن كـانَ فَيهِ هَواهُ»(4).

8 ـ إنّ الكذب يبعد ملائكة الرحمة عن هذا الإنسان الكاذب ففي حديث عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «إِذا كَذِبَ العَبدُ تَبـاعَدَ المَلَكُ مِنهُ مَسيرَةَ مِيل مِنْ نَتِنِ مـا جـاءَ بِهِ»(5).

لأنّ الإنسان إذا تحرّك في تعامله مع الآخرين من موقع الكذب، فإنّه يتظاهر في نفس الحال بمظهر الصدق في حين أنّ باطنه يختلف عن ذلك، وهذا الاختلاف بين الظاهر والباطن نوع من أنواع النفاق، ولذلك كان الكذب من جملة الأعمال الشائعة لدى المنافقين.

10 ـ إن الكاذب يخسر اعتماد الناس وثقتهم به كما نقرأ ذلك في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام): «مَنْ عُرِفَ بِالكِذبِ قَلَّتْ الثِّقَةُ بِهِ»(6).


1. نهج البلاغة، الخطبة 84.
2. المحجة البيظاء، ج 5، ص 243، وورد شبيه هذه الحديث مع تفاوت يسير في كنز العمال عن النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)(كنز العمال، ج 3، ص 619، ح 8203).
3. كنز العمال، ح8219.
4. بحار الانوار، ج75، ص305.
5. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج6، ص357.
6. غرر الحكم.

[ 197 ]

والنقطة المقابلة لذلك وردت أيضاً في كلمات أميرالمؤمنين(عليه السلام) حيث قال: «مَنْ تَجَنَّبَ الكِذبَ صَدَّقَتْ أَقوالُهُ»(1).

11 ـ ونختم هذا البحث الطويل بحديث آخر من الأحاديث الحكيمة لأمير المؤمنين(عليه السلام)حيث يحذّر الناس من الصداقة والتعامل مع الكاذبين ويقول: «وَإِيَّاكَ وَمُصـادَقَةَ الكَذَّابِ فَإِنَّهُ كَالسَّرابِ يُقَرِّبُ عَلَيكَ البَعِيدَ وَيُبَعِّدُ عَلَيكَ القَرِيبَ»(2).

ويستفاد من الروايات أعلاه أنّ الكذب منبع الذنوب والمعاصي المختلفة وعنصر اهتزاز الإيمان بالله والثقة بين الناس ويعتبر أشنع أقسام الكلام وفرع من فروع النفاق ويفسد العلاقة بين أفراد المجتمع ويعمل على هدم إتّحادهم ومروءتهم وقلّما نجد مثل هذه الآثار الذميمة لذنب آخر من الذنوب الفردية والاجتماعية.

—–

بقيت هنا نقاط مهمّة نذكرها بشكل مختصر:

 

الآثار السلبية للكذب:

بالرغم من أنّ الآيات والروايات المذكوره آنفاً قد درست هذه المسألة بشكل مفصّل وكشفت الستار عن نقاط مهمّة فيها، ولكن أهميّة هذا الموضوع يحتاج إلى دراسة أكثر وأعمق.

وأول: أثر من الآثار المضرّة والسلبية للكذب هي الفضيحة وذهاب ماء الوجه وانهيار المكانة الاجتماعية للشخص الكاذب وسلب الثقة منه لدى الناس.

وكما يقول المثل المعروف: (الكاذب قرين النسيان) فإنّ التجارب تثبت أنّ الكلام الكاذب لا يمكن أن يستمر لمدّة طويلة في حجبه الحقيقة عن الناس، وقد تطوى المسألة في زاوية النسيان إذا لم تكن ذات أهميّة، ولكن إذا كانت المسألة مهمّة فإنّ الحقيقة سوف


1. غررالحكم.
2. نهج البلاغة، القصار الكلمات، الكلمة 38.

[ 198 ]

تتجلّى في دائرة ويفتضح الكاذب حينئذ لا من أجل أنّ الكاذب ينسى ما قاله سابقاً، بل من أجل أنّ الكذب بنفسه لا يتأطر بأطار الحافظة، لأنّ الحادثة الواقعة في الخارج ترتبط بسلسلة من الحوادث الاُخرى ومن موقع العلّة والمعلول وترتبط بما حولها من الحوادث بروابط عديدة وحتميّة، فالشخص الذي يصوغ حادثة مختلقة يجد نفسه مضطراً إلى أن يربطها بما قبلها وبعدها من ظروف الزمان والمكان والأشخاص والحوادث المحيطة بها وكل ذلك يجب أن يختلقة بما ينسجم مع هذه الحالة الكاذبة، وبما أنّ هذه الروابط ليس لها حد وحصر، وعلى فرض أنّه استطاع أن يختلق عدّة حوادث وروابط منسجمة مع بعضها إلاّ أنّه قد يترك ثغرات في كلامه حيث يتّضح من ذلك كذبه مثل ما رأينا من قصّة يوسف(عليه السلام)حيث جاء الأُخوة بقميصه الدامي إلى أبيهم واختلقوا قصّة أكل الذئب له، ولكنّهم نسوا أن يمزقوا القميص من عدّة أماكن، وهكذا إتّضح كذبهم من بقاء القميص سالماً، أو مثل زوجة عزيز مصر عندما إدّعت كذباً بأنّ يوسف كان يقصد بها سوء ولكنّها نسيت أنّ قميص يوسف(عليه السلام) قد قُدَّ من خلفه، وهذا دليل واضح على كذبها وأنّها هي التي كانت تلحق يوسف(عليه السلام) لا العكس.

وفي هذا العصر فإنّ المحققين في عالم الجريمة يستطيعون بكل سهولة ومن خلال الأسئلة المتعددة عن الحادثة ولوازمها وخصوصياتها أن يكشفوا صدق أو كذب المدّعي بحيث نادراً ما يفلت منهم كاذب دون أن يفتضح، أجل فإنّ الكاذب ليست له حافظة قويّة، وسوف يفتضح سريعاً على أيّة حال.

الثاني: من النتائج السلبية للكذب هو أنّه يجر الإنسان إلى أن يكذب مرّات عديدة أو يرتكب ذنوباً اُخرى للتغطية على كذبته الاُولى أو يرتكب حماقات خطيرة لهذا الغرض.

الثالث: من مضرّات الكذب هو أنّه يبيح للشخص الكاذب أن يغطي على خطيئته وإثمه ولو بشكل مؤقت ويتستر على سلوكياته المنحرفة في حين أنّه لو كان يتحرّك من موقع الصدق فإنّه يجد نفسه مضطراً إلى ترك هذه الأعمال القبيحة.

الرابع: من مضرّات الكذب هو أنّه يدفع بصاحبه إلى أن يسلك في خط النفاق ويصبح من

[ 199 ]

زمرة المنافقين، لأنّ الكذب فرع من فروع النفاق، والكاذب هو الذي يظهر غيرما يبطن ويتكلم بخلاف الواقع وبخلاف ما يعلمه في نفسه، فهذا الاختلاف بين الظاهر والباطن سوف يسري بالتدريج إلى سائر أعماله وسلوكياته حتى يمسي منافقاً كاملاً.

وقد ورد في الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «الكذب يؤدي إلى النفاق».

الخامس: من مضرات الكذب هو أنّه لو كان الشخص يتمتع بلياقات كثيرة وطاقات ايجابية يمكنه إستخدامها في حركة التفاعل الإجتماعى فأنّه لو كان كاذباً في هذا المجال فسوف لا يستطيع الناس الإستفادة من لياقاته وطاقاته الإيجابيّة لأنهم سوف يتعاملون معه من موقع الشك والترديد في سلوكياته وكلماته.

ولهذا السبب نجد أنّ الروايات الإسلامية إعتبرت الكاذب مثل الميّت حيث ورد: «الكَذَّابُ والمَيِّتُ سَواءٌ فإنَّ فَضِيلَةَ الحَيِّ عَلَى المَيِّتِ الثِّقَةُ بِهِ، فَإذا لَمْ يُوثَقُ بَكلامِهِ فَقَد بَطَلَتْ حَياتُهُ»(1).

السادس: من النتائج السلبية المترتبة على الكذب هو أنّ الإنسان وبالإستفادة من أداة الكذب يمكنه أن يرتكب أعمالا قبيحة اُخرى، فالحسود والحاقد والبخيل كل منهم يجد في الكذب وسيلة للتغطية على أعمالهم وسلوكيّاتهم وهكذا الحال في سائر الذنوب الاُخرى، مثلا عند ما يأتي إليه شخص ويطلب منه قرضاً فأنّه يكذب عليه ويقول: لقد إقترضت الآن مبلغاً من المال وليس لدي ما أعطيك منه، أو عندما يطلب منه أن يصف شخصاً من الأشخاص فأنّه وبسبب الحسد لا يذكر منه سوى صفاته السلبيّة والحال أنّ ذلك الشخص هو إنسان شريف وثقة.

السابع: هو ما نراه من الآثار المخربة في دائرة العلوم والمعارف البشرية، فلو أنّ المحققين والمخترعين والعلماء تحرّكوا من موقع الكذب في تحقيقاتهم واكتشافاتهم فانّ جميع الكتب والدراسات العلميّة سوف يلحقها فيروس الشك والترديد وبالتالي لا يضحى


1. غرر الحكم.

[ 200 ]

هناك إعتماد على تحقيقات ودراسات الآخرين فتتوقف حركة التطور الحضاري والعلمي في المجتمع البشري.

وهناك نتائج سلبية ومضرات كثيرة اُخرى تترتب على الكذب في حركة الحياة الفردية.

ومضافاً إلى هذه النتائج والآثار في حركة الحياة للإنسان فانّ هناك مضرات معنوية تترتب على الكذب وردت الإشارة إليها في الروايات الشريفة ومن ذلك:

أنّ الملائكة تبتعد عن الإنسان كما قرأنا ذلك سابقاً في الحديث عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام) حيث قال: «إِذا كَذِبَ العَبدُ تَبـاعَدَ المَلَكُ مِنهُ مَسيرَةَ مِيل مِنْ نَتِنِ مـا جـاءَ بِهِ»(1).

والآخر إنّ الكاذب يحرم من صلاة الليل كما ورد عن الإمام الصادق(عليه السلام)قوله: «اِنَّ الَّرجُلَ لَيَكْذِبُ الْكِذْبَةَ فَيُحرَمُ بِهـا صَلاةَ الْلَيْلِ، فَاِذا حُرِمَ صَلاةُ اللَيْلِ حُرِمَ بِهـا الرِّزْقُ»(2).

والثالث أنّ الكذب يؤدّي إلى عدم قبول بعض العبادات، كما ورد في الصوم في الحديث عن الإمام الصادق(عليه السلام)أنّه قال: «فَإذا صُمتُم فَاحفَظُوا أَلسِنَتَكُم عَنِ الكِذبِ وَغُضُّوا أَبصـارَكُم»(3).

وهذا الحديث يدلّ على أنّ مثل هذه الأعمال المنافية للأخلاق تقلّل من قيمة الصوم.

والآخر أنّ الكذب يتسبب في قطع البركات الإلهية على الإنسان كما نقرأ ذلك في الحديث الشريف عن الإمام علي بن موسى الرضا(عليه السلام): «إِذا كَذِبَ الولاةُ حُبِسَ المَطرُ»(4).

وقد وردت بعض الآثار السلبية للكذب في الروايات والتي لها بعد معنوي مضافاً إلى البعد الاجتماعي والظاهري، ومن ذلك ما يستفاد من الروايات المتعددة من أنّ الكذب يتسبب في حرمان الإنسان من الرزق ويؤدّي به إلى الوقوع في هوّة الفقر والمسكنة.


1. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج6، ص357.
2. بحار الانوار، ج69، ص360.
3. وسائل الشيعة، ج7، 119، ح13.
4. مسند الإمام الرضا(عليه السلام)، ج1، ص280.

[ 201 ]

ففي الحديث الشريف عن أميرالمؤمنين قال: «إعتِيادُ الكِذبِ يُورثُ الفَقرَ»(1).

وفي حديث آخر عن رسول الله أنّه قال: «الكِذْبُ يُنقِّصُ الرِّزقَ»(2).

وهذا النقصان في الرزق يمكن أن يكون له نتائج وخيمة في دائرة الرزق المعنوي أو في العلاقات الاجتماعية، لأنّ الكذب يسلب اعتماد الناس وثقتهم من هذا الشخص الكاذب، وبذلك سوف تتحدّد فعّاليته الاقتصادية ويتراجع نشاطه الاقتصادي وبالتالي يؤدّي إلى نقصان رزقه المادي أيضاً.

 

دوافع الكذب:

إنّ الكذب كما هو في سائر الصفات الرذيلة له أسباب ودوافع مختلفة وأهمّها:

1 ـ ضعف الإيمان والعقيدة، لأنّه لو كان الكاذب عالماً بأنّ الله تعالى قادر رحيم وعالم بأمره فإنّه لا يجد في نفسه حاجة إلى الكذب في سبيل تحصيل المال أو نيل الجاه والمقام، ولا يرى أنّ توفيقه في حركة الحياة مرتبط بالكذب ولا يخاف من الفقر ولا من تفرق الناس من حوله وزوال موقعيته الاجتماعية وقدرته على الكسب والرزق بل يرى ذلك مرتبط بالله تعالى فلا يحتاج إلى الكذب في نيل تحصيلها ولذلك ورد في الرواية الشريفة عن الإمام الباقر(عليه السلام) قوله: «جـانِبُوا الكِذْبَ فإنَّ الكِذْبَ مُجانِبُ الإيمـانَ»(3).

2 ـ والآخر من دوافع الكذب هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة، فالأشخاص الذين يعيشون هذه الحالة من ضعف الشخصية والحقارة يضطرون إلى التستر على ضعفهم ودناءتهم من خلال استخدام الكذب، وقد ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «لا يَكذِبُ الكَاذِبُ إِلاّ مِنْ مَهـانَةِ نَفسِهِ عَلَيهِ»(4).

3 ـ ومن دوافع الكذب أيضاً حالات الحسد والبخل والتكبّر والغرور والعداوة بالنسبة


1. بحار الانوار، 69، ص261.
2. ميزان الحكمة، 17463.
3. بحار الانوار، ج66، ص386.
4. كنز العمال، ح8231، (ج3، ص625).

[ 202 ]

إلى الآخرين حيث يدفعه ذلك إلى إتهامهم بما ليس فيهم أو التحدّث عنهم من موقع الكذب، وما دامت هذه الحالات السلبية تعتلج في ذات الإنسان وباطنه فإنّه سوف لا يجد خلاصاً من الكذب.

ولهذا نرى أنّ المنافقين يتوسلون بحبل الكذب للتغطية على واقعهم السيء كما تقدّمت الإشارة إليه سابقاً.

4 ـ وممّا يورث الكذب لدى البعض هو الأمراض الأخلاقية والاجتماعية والتلّوث بأنواع الذنوب والانحراف عن خط الحق والفطرة بحيث يصل به الحال إلى أن يقول: إنني إذا لم أكذب فسوف لا أستطيع التعامل مع الآخرين ونيل الموفقية في حركة الحياة الاجتماعية من الكسب والتجارة وأمثال ذلك.

5 ـ الدوافع الاُخرى لشيوع الكذب هو العلاقة الشديدة بالدنيا وحفظ المقامات الاجتماعية وحتّى أنّه قد يتوسل إلى ذلك بالكذب على الله ورسوله.

ونقرأ في الخطبة 147 من نهج البلاغة قول أميرالمؤمنين(عليه السلام): «وإِنّه سَيأتِي عَلَيكُم بَعدِي زَمـانٌ لَيسَ فِيهِ شَيءٌ أَخفَى وَلا أَظهَرَ مِنَ البـاطِلِ وَلا أَكثَرَ مِنَ الكِذبِ عَلَى اللهِ وَرَسُولِهِ».

 

طرق علاج الكذب:

لابدّ لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية وقطع جذورها من واقع النفس من سلوك الطريق المستخدم لعلاج سائر الرذائل الأخلاقية الاُخرى، أي التعرّف في البداية على جذورها ودوافعها، فما لم يستطع الإنسان من إقتلاع جذور هذه الرذيلة من نفسه فإنّ هذه الشجرة الخبيثة سوف تبقى وتشتد في المستقبل، فلو كان الدافع للكذب هو ضعف الإيمان والاعتقاد بالنسبة إلى التوحيد الأفعالي، فيجب عليه تقوية دعائم الإيمان في نفسه وباطنه وليعلم أنّ الله تعالى قادر على كلّ شيء وأنّ مفاتيح الرزق والموفقية والعزّة والكرامة بيده فقط، ولذلك يتسنى له جبران عناصر الضعف في دائرة الإيمان وبالتالي يصدّه ذلك عن الكذب، وإذا كان الدافع لذلك هو الحسد والبخل والتكبّر والغرور وأمثال ذلك من الحالات

[ 203 ]

السلبية في دائرة الأخلاق، فيجب عليه السعي لعلاجها، وليعلم أنّه ما لم يقطع عن نفسه جذور هذه الحالات السلبية ويداوي هذه الأمراض الأخلاقية فإنّه لا يتسنى له أن يعيش الصدق والكرامة والشرف في حياته الفردية والاجتماعية.

ومن جانب آخر يجب عليه التفكّر في الآثار السيئة والأضرار الوخيمة للكذب والتي تسبب له الفضيحة في الدنيا والآخرة، ومن المعلوم أنّ كل شخص يتفكّر ويتدبّر جيداً فيما ذكرناه سابقاً من هذه الأضرار للكذب وخاصة ما ورد في الروايات الشريفة في هذا الباب فإنّ ذلك سيكون رادعاً قوياً له عن سلوك هذا الطريق المنحرف.

إنّ لقادة المجتمع وكبار الأشخاص في الاُسرة دوراً مهمّاً في دفع الناس والأفراد نحو سلوك طريق الصدق، لأنّه لو رأى الناس أو أفراد الاُسرة أنّ كبيرهم وقائدهم لا يتحرّك في تعامله مع الآخرين إلاّ من موقع الصدق، فإنّهم سوف يتحرّكون كذلك في تعاملهم وسلوكهم الاجتماعي، بخلاف ما لو رأوا أنّ الكبار يتعاملون مع الآخرين بالكذب والدجل والخداع، فإنّ أفراد المجتمع والاُسرة سرعان ما يتلوثوا بهذه الصفة الرذيلة.

كما نقرأ في الحديث الشريف عن رسول الله(صلى الله عليه وآله) ضمن بيانه عدم تلقين الناس الكذب حيث يقول: «لا تُلَقِّنُوا النّاسَ فَيَكذِبُونَ فَإنَّ بَنِي يَعقُوبَ لَمْ يَعلَمُوا إِنَّ الذِّئبَ يَأَكُلُ الإِنسـانَ فَلَمّا لَقَّنَهُم إِنِّي أَخـافُ أَنْ يَأَكُلُهُ الذِّئبُ، قَالُوا أَكَلَهُ الذِّئبُ»(1).

أجل، فإنّ ترك الأولى هذا قد صار ذريعة بيد أبناء يعقوب ليتحرّكوا من موقع الكذب في مواجتهم للمشكلة.

وأحد الطرق المؤثرة في علاج الكذب هوإيجاد قوّة الشخصية لدى الأفراد لأنّه كما سبقت الإشارة إليه أنّ أحد العوامل المهمّة للكذب هو الشعور بالحقارة وضعف الشخصية، فالكاذب يريد جبران هذا النقص من خلال الكذب، فلو أنّه كان يجد الثقة في نفسه ويعيش حالة قوة الشخصية ويرى أنّه قادر على كسب المقامات العالية في المجتمع بما لديه من قابليات وملكات إيجابية فلا يجد في نفسه حاجة إلى اختلاق شخصية كاذبة عن نفسه


1. كنز العمال، ج3، ص624، ح8228.

[ 204 ]

والظهور إلى الآخرين بغير واقعه.

وخاصة إذا التفت المربّون والمصلحون إلى هذه الحقيقة في دائرة تربية الأفراد على الصدق، وهي أنّ الصادق في كلامه سيكون في مرتبة المقرّبين والصديقين عند الله تعالى، يحشر مع الإنبياء والشهداء يوم القيامة، فبديهي أنّ ذلك سيكون مشجعاً وحافزاً على إقبال الناس نحو الصدق، ويقول القرآن الكريم: (وَمَنْ يُطِعِ اللهَ وَالرَّسُولَ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللهُ عَلَيْهِمْ مِنِ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً)(1).

والجدير بالذكر أن توغّل حالة الكذب الذميمة في باطن الإنسان كما هو الحال في الصفات الذميمة الاُخرى يبتدأ من صغائر الاُمور وبالتدريج تجرّه إلى ما هو أخطر وأعظم كما قال الإمام زين العابدين(عليه السلام): «إِتَّقُوا الكِذبَ فِي صَغِيرِ وَكَبيرِ فِي كُلِّ جِدٍّ وَهَزَل فَإِنَّ الرَّجُلَ إِذا كَذِبَ فِي صَغِيرِ إِجتَرأَ عَلَى الكَبِيرِ»(2).

 

إستثناءات الكذب:

وبالرغم من أنّ الكذب من أهمّ الذنوب وأخطرها بحال الإنسان على المستوى المادي والمعنوي، والفردي والاجتماعي، ولكن مع ذلك هناك موارد عديدة وردت في الروايات الإسلامية وكلمات الفقهاء وعلماء الأخلاق على شكل إستثناء من قبح الكذب.

وهذه الموارد عبارة عن:

1 ـ الكذب لإصلاح ذات البين.

2 ـ الكذب لخداع العدو وفي ميادين القتال.

3 ـ الكذب في مقام التقية.

4 ـ لدفع الظالمين.

5 ـ الكذب في جميع الموارد التي يجد الإنسان نفسه وناموسه في خطر محدق ولا نجاة له إلاّ بالتوسل بالكذب.


1. سورة النساء، الآية 69.
2. بجار الانوار، ج69، ص235.

[ 205 ]

ففي جميع هذه الموارد يمكننا استخلاص قاعدة كلية، وهي أنّه إذا كانت الأهداف الأهم في خطر ولا يجد الإنسان لدفع هذا الخطر إلاّ بواسطة الكذب فيجوز له ذلك، وبعبارة اُخرى: إنّ جميع هذه الموارد مشمولة لقاعدة الأهم والمهم، وعلى سبيل المثال فلو ابتلى الإنسان بجماعة متعصبة وجاهلة ومتوحشة وسألوه عن مذهبه، فلو أنّه قال الحقيقة لهم فأنّهم سوف يسفكون دمه فوراً، فالعقل والشرع هنا لا يبيحان له أن يصدقهم في جوابه بل يجوز له الكذب حينئذ لإنقاذ نفسه من شرّهم، أو في الموارد التي يكون هناك اختلاف شديد بين شخصين ويجد الإنسان لحلّ هذا الاختلاف والمشكلة العالقة بينهما طريقاً إلى ذلك بالاستعانة بالكذب (كأن يقول لأحدهما أنّ الشخص الفلاني يحبّك ويذكرك بالخير دائماً في المجالس) ممّا يثير في نفس الطرف الآخر أجواء المحبّة والصفاء والصلح بينهما، وهكذا في أمثال هذه الأهداف المهمّة والغايات الخيّرة، لا أنّ الإنسان وبدافع من منافعه الشخصية والمصالح الجزئية يستخدم الكذب، فهذا الاستثناء لقبح الكذب تدخل في دائرة الضرورة ولا يصح أن تكون مسوّغاً وذريعة بيد الأفراد لاستخدام أداة الكذب في كل مورد من الموارد الجزئية.

وفي الحقيقة فإنّ اباحة الكذب في هذه الموارد الضرورية هي من قبيل حلّية (أكل الميتة) في المواقع الضرورية حيث يجب التناول منها بمقدار الضرورة ولا يسلك الإنسان هذا الطريق إلاّ في مواقع الضرورة.

والدليل على هذه الاستثناءات مضافاً إلى القاعدة العقلية المذكورة أعلاه (قاعدة الأهم والمهم) هو الروايات المتعددة المذكورة في المصادر الإسلامية عن المعصومين(عليهم السلام):

1 ـ ففي حديث معروف عن الإمام الصادق(عليه السلام) قوله: «لَيسَ شَيءٌ مِمّـا حَرَّمَ اللهُ إلاّ وَقَد أَحَلَّهُ لِمَنِ اضطُرَّ إلَيهِ»(1).