ويستفاد من أحاديث اُخرى أنّ مفهوم خلافة رسول الله(صلى الله عليه وآله)(2) أيضاً مصداق مهم من مصاديق الأمانة.

وكذلك الصلاة والزكاة والحج هي أمانات وودائع إلهيّة.(3)

وكذلك الزوجة أيضاً أمانة إلهيّة(4).

ونقرأ في نهج البلاغة في كتاب أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى الأشعث بن قيس، يقول له: «وإنَّ عَمَلَكَ لَيسَ لَكَ بِطُعمَة وَلَكِنَّهُ فِي عُنُقِكَ أَمـانَةً»(5).

وكذلك نقرأ في الحديث النبوي الشريف الذي ذكرنا فيما سبق أنّ «المَجالِس بِالأمـانَةِ»(6)، لأنّ في المجالس الخصوصية تذكر أسرار تخص المجلس.

وحتى ورد في بعض الروايات أنّ غسل الجنابة (بعنوان أنّه تكليف إلهي) هو أمانة إلهية لدى المسلم(7).

وعلى أي حال فإنّ الأمانة والخيانة لا تختصان بعمل معيّن ومصداق خاص ومحدود، لأنّ النتائج المترتبة على هاتين الصفتين لا تتحدد بالامانة والخيانة المالية.

 

معطيات الخيانة والأمانة:

إنّ أهمّ معطيات الأمانة على المستوى الاجتماعي هي مسألة الاعتماد وكسب ثقة الناس، ونعلم أنّ الحياة الاجتماعية مبتنيّة على أساس التعاون والتكاتف بين أفراد المجتمع لحل المشاكل والتخفيف من تحدّيات الواقع والظروف القاهرة والاستفادة الأفضل من


1. بحار الانوار، ج26، ص320.
2. المصدر السابق، ج99، 175.
3. المصدر السابق، ص274.
4. المصدر السابق، ج21، ص381.
5. نهج البلاغة، الرسالة 5.
6. المحجة البيضاء، ج3، ص327.0
7. بحار الانوار، ج10، ص181.

[ 159 ]

مواهب الحياة والطبيعة، ولهذا فإنّ مسألة الثقة والاعتماد لها دور أساس في تأصيل هذا المفهوم الاجتماعي لأنّه لولا وجود الاعتماد المقابل فإنّ المجتمع سيتحوّل إلى جهنّم لا يطاق، ويتعامل الأفراد بينهم من موقع التوحّش والأنانية، ويسود قانون الغاب في مثل هذا المجتمع، وبدلاً من أن تتكاتف القوى والطاقات على مستوى بناء المجتمع والتصدي لتحدّيات الظروف القاهرة فإنّ هذه القوى سوف تتحرّك بالجهة المقابلة لتعميق التوحّش والتنفّر في المجتمع.

وبعبارة اُخرى: إنّ المجتمع البشري سيفقد كل شيء بدون وجود حالة الاعتماد المتقابل بالرغم من توفّر كافة الأمانات والمواهب الطبيعية الاُخرى، وبعكس ذلك إنّ المجتمع الذي تتوفّر فيه حالة الاعتماد المتقابل سيحصل على كل شيء بالرغم من فقدانه للإمكانات والموارد الطبيعية.

وهذا الاعتماد الاجتماعي يرتكز على ركنين:

1 ـ الأمانة.

2 ـ الصدق.

وما ورد في الروايات المذكورة آنفاً أنّ الأمانة تورث الغنى وعدم الحاجة والخيانة تورث الفقر فإنّ ذلك إنّما يشير إلى هذا الدليل.

وأمّا ما ورد في الروايات الشريفة أنّ جميع الأنبياء الإلهيين جعلوا من الأمانة وصدق الحديث محوراً لتعليماتهم فهو أيضاً ناظر إلى هذا المعنى.

ويذكر الكليني في (الكافي) قصّة جميلة في هذا الصدد ويقول: عن الحسين بن محمد، عن محمد بن أحمد النهدي، عن كثير بن يونس، عن عبدالرحمن بن سيّابة قال: لما هلك أبي سيّابة، جاء رجل من إخوانه إليَّ فضرب الباب عليَّ، فخرجت إليه فعزّاني، وقال لي: هل ترك أبوك شيئاً فقلت له: لا، فدفع إليَّ كيساً فيه ألف درهم وقال لي: أحسن حفظها وكُلْ فضلها، فدخلت إلى اُمّي وأنا فرح، فأخبرتها، فلمّا كان بالعشيّ، أتيت صديقاً كان لأبي فاشترى لي بضائع سابري، وجلت في حانوت فرزق الله جلّ وعزّ فيها خيراً كثيراً، وحضر

[ 160 ]

الحج، فوقع في قلبي، فجئت إلى اُمّي وقلت لها: إنّه قد وقع في قلبي أن أخرج إلى مكّة؟

فقالت لي: فردّ دارهم فلان عليه فهاتها، وجئت بها إليه فدفعتها إليه فكأني وهبتها له، فقال: لعلّك استقللتها فأزيدك؟

قلت: لا، ولكن قد وقع في قلبي الحج فأحببت أن يكون شيئك عندك، ثم خرجت فقضيت نسكي، ثمّ رجعت إلى المدينة فدخلت مع الناس على أبي عبدالله(عليه السلام) ـ وكان يأذن إذناً عاماً ـ فجلست في مواخير الناس وكنت حدثاً، فأخذ الناس يسألونه ويجيبهم، فلما خفّ الناس عنه، أشار إليَّ فدنوت إليه، فقال لي: ألك حاجة؟ فقلت: جُعلتُ فداك أنا عبدالرحمن بن سيّابة، فقال لي: ما فعل أبوك؟ قلت: هلك، قال: فتوجّع وترحّم، ثم قال: قال لي: أفترك شيئاً قلت: لا، قال: فمن أين حججت؟ قال: فابتدأت وحدثته بقصّة الرجل، قال فما تركني أفرغ منها حتّى قال لي: فما فعلت في الألف؟ قال: قلت: رددتها على صاحبها، قال: فقال لي: قد أحسنت، قال لي: ألا اُوصيك؟ قلت: بلى جُعلت فداك.

قال(عليه السلام): «عَلَيكَ بِصدقِ الحَديثِ، وَأَداءِ الأمانَةِ تُشرك النّاسَ فِي أَموالِهِم هكذا ـ وجمع بين أصابعه ـ»، فحفظت ذلك عنه، فزكيّت ثلاثمائة ألف درهم(1).

ونحن أيضاً رأينا في حياتنا أشخاصاً مثل هؤلاء الأشخاص فقد كان هناك تاجر متدّين في النجف الأشرف يعرفه الكثير من المعاصرين أيضاً وبسبب إشتهاره بالأمانة فإنّ الناس كانوا يودعون عنده أموالهم وودائعهم مطمئنون إلى حد أنّ الكثير من العلماء والفضلاء وطلاّب العلوم الدينية كانوا يسجّلون سندات بيوتهم بإسمه لأنّه كان يمتلك الجنسية العراقية ولعلّه كان عند وفاته قد بلغ عدد البيوت المسجّلة باسمه ما يربو على الخمسماة بيت لهؤلاء العلماء والطلاّب ولم يواجه أي واحد منهم مشكلة في هذا المورد.

ومن جهة اُخرى عندما تسود الأمانة في المجتمع وفي العائلة فإنّها ستكون سبباً لمزيد من الهدوء والسكينة الفكرية والروحية، لأنّ مجرّد احتمال الخيانة فإنّ ذلك يسبب القلق والخوف للأفراد بحيث يعيشون حالة من الإرتباك في علاقاتهم مع الآخرين ومن الخطر


1. فروع الكافي، ج5، ص134 (مع التلخيص).

[ 161 ]

المحتمل الذي ينتظر أموالهم أو أنفسهم أو أغراضهم أو مكانتهم الاجتماعية، ومن المعلوم أنّ الاستمرار في مثل هذه الحياة المربكة والموحشة عسير جدّاً وقد يورثهم الكثير من الأمراض الجمسية والروحية أيضاً.

ومن جهة ثالثة فإنّ الأمانة تقلل كثيراً من نفقات المعيشة ومصاريف الحياة وتسبب في الاقتصاد في الوقت والعمر والمال، لأنّ الخيانة إذا فتحت طريقها إلى المجتمع فانّ المسؤولين وأصحاب المواقع الاجتماعية يضطرون إلى تخصيص نفقات باهظة لإيجاد سجّلات خاصة ومحاسبين ومفتشين لدرء احتمال الخيانة في حساباتهم، وأحياناً يضطرون إلى إيجاد مفتشين على المفتشين الأوائل لضبط أعمالهم ويشرفوا على حساباتهم، ومع ذلك فانّ مثل هذه الاُمور لا تستطيع أن تحلّ المشاكل الناشئة من الخيانة تماماً، ولكن على أي حال يقتضي الواقع المفروض تخصيص هذه النفقات للتصدّي إلى هذه المشكلة، ونشاهد في مجتمعنا الحالي أيضاً مثل هذه الاُمور الأليمة بالنسبة إلى الاُمور المالية وعدم الأمن الاقتصادي وكثرة من يلقى في السجن بسبب زوال الثقة وعدم الاعتماد المتقابل بين الناس، ولو أنّ أفراد المجتمع تحلّوا بقليل من الصدق والأمانة بدلاً من هذه النفقات والمصروفات والجهود المهدورة، فاننا سوف لا نبتلى بمثل هذا الاسراف الفضيع وإتلاف الثروات الاجتماعية الكبيرة.

ومن جهة رابعة فإنّ الأمانة قد تسبب في كسب المحبّة وتعميق أواصر الصداقة بين الأفراد، في حين أنّ الخيانة تعتبر عاملاً للكثير من الجرائم والحوادث السلبية وأشكال الخلل الاجتماعي، وإذا طالعنا وثائق المحاكم والسجون لرأينا أنّ الكثير من هذه الجرائم معلولة لحالة الخيانة، وعندما ندرس ظاهرة كثرة الطلاق وحالة إنحلال الأُسر وتلاشي العوائل نرى أنّ الكثير من هذه الحالات يعود إلى خيانة أحد الزوجين بالنسبة للآخر.

وفي بعض الروايات إشارة لطيفة إلى هذا المعنى حيث يقول النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله): «لا تَزَالُ اُمََتِي بِخَير مـا تَحـابُوا وَتَهـادُّوا وَأَدُّوا الأَمـانَةَ وَاجتَنبُوا الحَرامَ وَوَقَّرُوا الضَّيفَ وَأَقـامُوا

[ 162 ]

الصَّلاةَ وَآتوا الزَّكـاةَ فَاذا لَم يَفَعَلُوا ذَلِكَ إبتَلَوا بِالقَحطِ وَالسِّنِينَ»(1).

ومن جهة خامسة فإنّ مفهوم الأمانة يمتد ويتسع ليشمل الموارد والمسائل العلمية، فإنّ تطور العلوم والمعارف البشرية كان بسبب وجود العلماء الذين كانوا يتحرّكون من موقع الأمانة والصدق في تحقيقاتهم ومطالعاتهم وتجاربهم العلمية فكانوا يقدّمون للآخرين ما اكتسبوه من تجارب ثمينة وعلوم جديدة بأمانة وصدق، وهذا هو الذي أدّى إلى التطور الحضاري والعلمي في عالمنا المعاصر في حين أنّه لو لم يكن أصل الأمانة في المطالعات العلمية فإنّ ذلك قد يفضي إلى التيه العلمي ويتسبب في اضلال الناس ووقوعهم في التخبط الثقافي والعلمي.

ونقرأ في هذا الصدد حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام) يقول: «كُلُّ ذِي صَناعَه مُضطَرٌّ إِلى ثَلاثِ خِلال يَجتَلِبُ بِهـا المَكسَبَ وَهُوَ أَنْ يَكُونَ حـاذِقاً بِعَمَلِهِ مُؤَدِّياً لِلأَمـانَةِ فَيهِ، مُستَمِيلاً لَمَنْ إِستَعمَلَهُ»(2).

والجدير بالذكر أنّ الأمانة تدعو الإنسان إلى صدق الحديث أيضاً كما أنّ صدق الحديث يدعو الإنسان إلى الأمانة في الجهة المقابلة، لأنّ صدق الحديث نوع من الأمانة في القول، والأمانة نوع من الصدق في العمل، وعلى هذا الأساس فإنّ هاتين الصفتين يرتبطان بجذر مشترك ويعبّران عن وجهين لعملة واحدة، ولذلك ورد في الأحاديث الإسلامية عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال: «الأمـانَةُ تُؤدِّي إِلى الصُّدقِ»(3).

وفي حديث آخر عن هذا الإمام(عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «إذا قَويَتْ الأَمـانَةُ كَثُرَ الصّدقُ»(4).

—–

دوافع الأمانة والخيانة:

إنّ أغلب الأشخاص الذين يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الخيانة ويفضّلونها على


1. بحار الانوار، ج72، ص115.
2. المصدر السابق، ج75، ص236.
3. غرر الحكم.
4. المصدر السابق.

[ 163 ]

الأمانة فأنّهم يعيشون ضيق الاُفق في منافعهم ومصالحهم ويفكّرون في المنافع العاجلة فحسب، لأنّ الخيانة تؤفّر لهم في الكثير من الموارد هذه المنافع العاجلة وتحقق لهم بعض المصالح الفردية على حساب اهتزاز كرامتهم المعنوية ومن دون أن يتفكّروا في العواقب الوخيمة لهذا السلوك في المستقبل على المستوى الدنيوي والاُخروي ومكانتهم الاجتماعية.

هؤلاء الأفراد يعيشون في سجن الحرص والطمع فلذلك قليلاً ما يفكّرون في عواقب الخيانة، لأنّ المنافع العاجلة حجبت أعينهم وعقولهم عن مشاهدة ما يترتب على ذلك من سلبيات كثيرة في المستقبل.

هؤلاء وبسبب ضعف الإيمان وعدم الالتفات إلى القدرة الإلهيّة المطلقة التي تكفّلت برزق الناس جميعاً ووعدت من يعيش الأمانة والصدق منهم بالثواب العاجل والآجل فإنّهم قد حجبوا بصيرتهم عن ذلك جميعاً وتحرّكوا من موقع التغافل عن الوجدان وعن تحذيرات الشرع وتورّطوا في شراك الخيانة وفخاخ الشيطان.

وعلى هذا الأساس يمكننا في هذا الصدد ذكر دوافع الخيانة فيما يلي:

1 ـ ضعف الإيمان وإهتزاز العقيدة وعدم التوجّه إلى حالة التوحيد الأفعالي لله تعالى وحاكميته المطلقة على جميع الأشياء.

2 ـ غلبة الأهواء والشهوات وحبّ الدنيا.

3 ـ تسلّط حالة الحرص والطمع على الإنسان.

4 ـ عدم التفكّر في نتائج الخيانة في حركة الحياة المادية والمعنوية.

5 ـ ترك السعي المستمر والعمل الدؤوب لتحصيل المقاصد الدنيوية بطرق مشروعة وذلك بسبب التكاسل وحبّ الراحة وضعف الإرادة.

وعند الإلتفات إلى هذه الاُمور تتّضح النقطة المقابلة لها، وهي دوافع الأمانة وذلك:

إنّ الأمانة تنبع من الإيمان واليقين بقدرة الله تعالى وعلمه المطلق والاعتماد عليه في جميع الاُمور.

[ 164 ]

الأمانة تعدّ من معطيات العقل والتدبّر السليم والإلتفات إلى عواقب الاُمور ونتائج الأفعال.

الأمانة هي دليل على أنّ الإنسان يعيش الواقع الحاضر ويرى حقائق الاُمور ويترك الخوض في الأوهام والخرافات والتصورات الزائفة.

الأمانة تنبع من شخصية الإنسان السامية وتمثّل نتيجة لحالة التفاني والتعالي في الروح الإنسانية، لأنّ مثل هذا الإنسان لا يكون مستعداً لئن يبيع شخصيته ووجدانه لتحصيل المال والمقام وزخارف الدنيا عن طريق الخيانة.

وبكلمة واحدة فإنّ الأمانة وليدة الفهم والشعور والعقل والإيمان والاخلاص وأصالة الشخصية، وأحياناً يكون الفقر والظلم عاملان من عوامل الخيانة، فمن لا يحصل على حقوقه المشروعة في المجتمع من الطرق الصحيحة ويقع تحت طائلة الفقر والعوز فإنّه قد يؤدّي به إلى التلّوث بالخيانة، ولهذا نرى أن التعاليم الدينية أكّدت على أن يموّل القاضي من بيت المال بشكل تام كيما يحفظ أمانته في القضاء بين الناس، ونقرأ في عهد الإمام علي أمير المؤمنين(عليه السلام)لمالك الأشتر أنّه يقول: «وَافسَحْ لَهُ فِي البَذلِ مـا يُزِيلُ عِلَّتَهُ، وَتَقِلُّ مَعَهُ حـاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ، وَأَعطِهِ مِنَ المَنزِلَةِ لَديكَ مـا لا يَطمَعُ فِيهِ غَيرُهُ مِنْ خـاصَّتِكَ لَيأَمَنَ بِذَلِكَ إِغتِيالَ الرِّجـالَ لَهُ عِندَكَ فَانظُر فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً»(1).

ونختم هذا البحث بحديث مهم عن الإمام الصادق(عليه السلام) في هذا الصدد يشير فيه إلى مصادر الخيانة المتنوعة ويوصي بالتوجّه إليها لحفظ الأمانة في واقع الإنسان والمجتمع فيقول: «مَنْ اُؤتُمِنَ عَلى أَمـانَة فَأَدّاهـا فَقَد حَلَّ أَلفَ عُقدَة مِنْ عُقَدِ النّارِ، فَبـادِرُوا بِأَداءِ الأَمـانَةِ، فَإنَّ مَنْ اُؤتِمِنَ عَلى أَمـانَة وَكَّلَ بِهِ إبلِيسَ مِائةَ شَيطان مِنْ مَردَةِ أَعوانِهِ لِيُضِلُّوهُ وَيُوسوِسُوا إِلَيهِ حتّى يُهلِكُوه إلاّ مَنْ عَصَمَُ اللهُ عَزَّوَجَلَّ»(2).

 


1. نهج البلاغة، الرسالة 53.
2. بحار الانوار، ج72، ص114.

[ 165 ]

طرق الوقاية والعلاج:

إنّ تعميق روح الأمانة في أفراد المجتمع والوقاية من الخيانة لا يتسنى إلاّ في ظل التقوى والإيمان والالتزام الديني والأخلاقي، لأنّه كما تقدّم في الأبحاث السابقة أنّ أحد جذور الخيانة هو الشرك وعدم الاعتقاد الكامل بقدرة الله تعالى ورازقيته، ولهذا فالأشخاص الذين يعيشون ضعف الإيمان ويتصوّرون أنّهم سوف يعيشون الفقر في حالة تحلّيهم بالأمانة والصدق وأنّهم سوف لا يحصلون على ما يحتاجونه إلاّ بواسطة الخيانة يكبلون أنفسهم بطوق الخيانة، ولكن عندما يتحرّكون من موقع تقوية دعائم الإيمان في قلوبهم وتعميق حالة التوكّل والاعتماد على الله تعالى والثقة بوعده، فانّ ذلك يتسبب في تصحيح مسارهم في عملية الوصول وتحصيل مواهب الحياة.

ومن جهة اُخرى فبما أنّ أحد العوامل المهمّة للخيانة هي الحاجة فاذن لابدّ للإنسان من تدبير حاجاته وحاجات من يلوذ به المعقولة والمشروعة بصورة حسنة لئلاّ يضطرّ إلى كسر قيود الأمانة والتلّوث بالخيانة بدافع من حاجاته المادية والنفسانية.

ومن جهة ثالثة فانّ من الأسباب والعوامل المهمّة في الوقاية من التورط بالخيانة هو التفكّر في عواقبها الوخيمة في الدنيا والآخرة وما يترتب عليها من فضيحة وحرمان وزوال الثقة وماء الوجه أمام الخلق والخالق وبالتالي الابتلاء بالفقر المزمن الذي سعى إلى الفرار منه بارتكاب الخيانة، ومن المعلوم أنّ التأمل في هذه النتائج والافرازات السلبية لسلوك طريق الخيانة سوف يضعف الدافع في الإنسان لارتكابها.

عندما يتأمل الشخص نصيحة لقمان لابنه على مستوى بيان معطيات الأمانة حيث يقول: «يـا بُنَيَّ أَدِّ الأَمـانَةَ تَسلُمُ لَكَ الدُّنيـا وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُن غَنِيّاً»(1).

فعندها يعيش الشوق في وجوده نحو تحصيل هذه الفضيلة الأخلاقية أي الأمانة ويجتنب التحرّك في خط الخيانة، ولو تأملنا كذلك كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)حيث يقول:


1. ميزان الحكمة، ج1، ص215.

[ 166 ]

«رَأسُ الكُفِر الخِيانَةُ»(1).

ويقول في مكان آخر: «رَأسُ النِّفاقِ الخِيانَةُ»(2).

ويقول أيضاً في حديث آخر: «جـانِبِ الخِيانَةَ فَإنَّهـا مُجـانِبَةِ الإِسلامِ»(3)

فعندها يسيطر عليه الخوف من الخيانة ويدرك عظمة هذا الذنب الكبير الذي يساوق في إثمه وابتعاده عن الله تعالى والإسلام الكفر والنفاق، وحينئذ سيتحرّك بعيداً عن ممارسة الخيانة أوالتفكير بها.

وإذا أردنا أن نتعمّق في خطر الخيانة وشؤمها فلنستمع إلى الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)في حديثه المثير عن بعض عناصر الشر وعوامل الانحراف حيث يقول: «أَربَعٌ لا تَدخُلِ بَيتاً وِاحُدَة مِنهُنَّ إلاّ خَرَبَ وَلَم يَعمُرْ بِالبَرَكَةِ الخِيانَةِ والسَّرقَةُ وَشُربُ الخَمرِ والزِّنـا»(4).

ومن المعلوم أنّ المجتمع الذي يعيش أحد هذه العناصر الأربعة أو كلّها فانّه يكون مصداقاً لهذا الحكم النبوي وسوف يخلو من البركة وبالتالي يصيبه الدمار والاندثار.

ومن الملفت للنظر أنّه كما أنّ الشخص الأمين يجب أن لا يخون الأمانة، فكذلك المودع للأمانة وصاحب المال يجب أن يكون ذكيّاً ولا يودع أمانته عند أي شخص كان، فإذا وضع أمانته تحت تصرّف شخص سيء السمعة ثمّ خانه هذا الشخص فعليه أن يلوم نفسه كما ورد في الحديث الشريف عن النبي الأكرم أنّه قال: «من أئتمن غير أمين فليس له على الله ضمان لأنّه قد نهاه أن يأتمنه».

ويقول الإمام الباقر(عليه السلام): «من إتمن غير مؤتمن فلا حجه له على الله».

وعلي هذا الأساس يجب على جميع الإداريين وأصحاب المسؤوليّات في المجتمع الإسلامي أن يكونوا على درجة من الذكاء والحنكة ولا يضعوا اُمور الناس والمناصب الحسّاسة في الحكومة والتي هي أهم أمانة إلهيّة بيدهم عند الأشخاص الذين يشم منهم


1. غرر الحكم.
2. المصدر السابق.
3. المصدر السابق.
4. بحار الانوار، ج76، ص125.

[ 167 ]

رائحة الخيانة، فإنّه عند ذلك سوف يفسد دينهم ودنياهم ويكونون مسؤولين أمام الله تعالى.

 

الأمانة والخيانة في بيت المال:

إنّ الأمانة خلق محمود ومطلوب في أي مكان ومورد، ولكن بالنسبة إلى بيت المال ورؤوس الأموال المادية والمعنوية المتعلّقة بالمجتمع لا بشخص معيّن فقد ورد التأكيد على الأمانة فيها بشكل خاص في النصوص الدينية، والحكمة في ذلك واضحة لأنّه أولاً: أنّ البعض يتصوّر أنّ مثل هذه الأموال بما أنّها لا تقع في دائرة الممتلكات لشخص معيّن بل هي ملك عموم الناس فإنّهم أحرار في تصرفاتهم وتعاملهم بها.

وثانياً: إذا تفشّت الخيانة بالنسبة إلى الأموال العامة وبيت المال فإنّ نظم المجتمع سوف يتلاشى وينهار، فلا يرى مثل هذا المجتمع البشري وجه السعادة أبداً.

ومن أجل درك أهميّة هذا الموضوع يكفي مطالعة قصّة (الحديدة المحماة) حيث ورد أنّ عقيل(رضي الله عنه) جاء إلى أخيه علي بن أبي طالب(عليه السلام) وطلب منه أن يزيده قليلاً من حصّته وسهمه من بيت المال دون مراعاة ضوابط العدالة والمساواة بين المسلمين على أساس العلاقة الاُخويّة بينه وبين الإمام علي(عليه السلام)، فما كان من الإمام علي(عليه السلام) إلاّ أن أحمى له حديدة وقرّبها منه، صرخ عقيل من حرارتها فقال له الإمام(عليه السلام): «يـا عَقِيلُ أَتَئِنُّ مِنْ حَدِيدَة أَحمـاها إِنسـانَهـا لِلَعبِهِ وَتَجِرُّنِي إِلى نـار سَجَرَهـا جَبـارُهـا لِغَضَبِهِ، أَتَئِنُّ مِنْ الأَذى وَلا أَئِنُّ مِنْ لَظى»(1).

وقال أمير المؤمنين(عليه السلام) في مكان آخر كلاماً مثيراً بالنسبة إلى عطايا عثمان من بيت المال إلى أقربائه وذويه حيث عزم الإمام علي(عليه السلام) على ردّها جميعاً إلى بيت المال وقال: «وَاللهِ لَو وَجَدته قَدْ تُزُوِّجَ بِهِ النِّسـاءُ ومُلِكَ بِهِ الإِمـاءُ لَرَدَدتُهُ، فَإنَّ فِي العَدلِ سَعَةً، وَمَنْ ضَـاقَ عَلَيهِ العَدلُ فَالجَورُ عليه أَضيَقُ»(2).


1. نهج البلاغة، الخطبة 224.
2. المصدر السابق، الخطبة 15.

[ 168 ]

وعندما اقترح عليه استخدام الأشخاص المعروفين في تدبير أمر الحكومة وزيادة رواتبهم وعطاياهم من بيت المال لغرض الإستعانة بهم في اُمور الدولة والحكومة (ولا أقل في بداية خلافته) فقال: «أَتَأمُرُنِي أَنْ أَطلُبَ النَّصرَ بِالجَورِ فِيمَن وُلِّيتُ عَلَيهِم وَاللهِ لا أَطُورُ بِهِ مـا سَمَرَ سَمِيرٌ وَمـا أَمَ نَجمٌ فِي السَّمـاءِ نَجمَاً، وَلَو كـانَ المَالُ لِي لَسَويَّتُ بَينَهُم فَكَيفَ وَإِنَّمـا المَالُ مالُ اللهِ»(1).

بل إنّ الإمام علي(عليه السلام) تحرّك لحفظ الأمانة في بيت المال من موقع التهديد الشديد لأقرب المقرّبِينَ إليه حتّى يتّعظ بذلك الأبعد من الناس ويعلم أنّ المسألة هنا جدّية فلا مهادنة في بيت المال، ولذلك نقرأ في الكتاب الذي أرسله أمير المؤمنين(عليه السلام) إلى بعض اُمرائه في البلد الإسلامي الذي أساء الاستفادة من بيت المال وأنفقه في موارد اُخرى، فكتب له الإمام يقول: «فَاتَّقِ اللهَ واردُد إلى هَؤلاءِ القَومِ أَموالَهُم فَإِنَّكَ إنْ لَم تَفعَل ثُمَّ أَمكَننِي اللهُ مِنكَ لأَعذِرنَّ إِلى اللهِ فِيكَ وَلأَضرِبَنَّكَ بِسَيفِي الَّذِي مـا ضَربَتُ بِهِ أَحَداً إِلاّ دَخَلَ النَّارَ، وَوَاللهِ لَو أَنَّ الحَسَنَ والحُسَينَ فَعَلا مِثلَ الَّذِي فَعَلتَ مـا كَانَتْ لَهُمـا عِندِي هَوادَةٌ، ولا ظَفِرَا مِنِّي بِأرَادَة حَتّى آخُذَ الحَقُّ مِنهُما»(2).

ونعلم أنّ النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) عندما فتح مكّة قد عفى عن قريش وجميع المجرمين والجناة من قريش وغير قريش الذين حاربوه قرابة عشرين سنة وسفكوا دماء الكثير من المسلمين ورغم ذلك فقد أصدر النبي أمره بالعفو عنهم وإسدال الستار على ما مضى من جرائمهم وعداوتهم، ولكن مع ذلك فقد استثنى النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) عدّة أشخاص من هذا العفو وأهدر دمهم وأمر بقتلهم في أي مكان كانوا، وأحد هؤلاء هو (ابن خطل) وكان ذنبه أنّه اعتنق الإسلام في الظاهر وهاجر إلى المدينة، فجعله النبي(صلى الله عليه وآله) على الزكاة وجمعها وأرسل معه شخصاً من قبيلة خزاعة، فعندما ذهب لجمع الزكاة واجتمع لديه مقدار مهم من الزكاة قتل صاحبه وهرب بالأموال إلى مكّة، وعندما سأله المشركون في مكة عن سبب رجوعه قال:


1. نهج البلاغة، الخطبة 126.
2. المصدرالسابق، الرساله 41.

[ 169 ]

«لم أجد ديناً أفضل من دينكم»، وأخذ يهجو النبي بقصائد من الشعر وكانت لديه بعض الجواري المغنيّات والراقصات، فكان يجلس مجالس الطرب واللّهو ويشترك معه مجموعة من المشركين فيشربون الخمر ويهجون النبي بهذه الأشعار، وبما أنّه بلغ من الوقاحة والخيانة في بيت المال إلى هذه الدرجة العظمية حتّى أنّ هذه الخيانة تسببت في إرتداده عن الإسلام وهتكه لحرمة النبي الأكرم، فلذلك أصدر النبي أمره هذا، فلّما سمع بذلك التجأ إلى الكعبة، وبما أنّ من يلوذ بالكعبة سوف يصان دمه، فلذلك سحبوه إلى خارج الحرم وقتلوه(1).

فهذه التصريحات الشديدة والأحاديث المثيرة تشير إلى أنّ الخيانة في بيت مال المسلمين ورغم أنّ البعض يتصوّر أنّها سهلة ويسيرة فإنّها من أعظم الذنوب والخطايا، وعقوبتها من أشدّ أنواع العقوبات الدنيوية والاُخروية.

ونختم هذا البحث بالإشارة إلى حادثة وقعت في زمان رسول الله حيث تبيّن الأهميّة الكبيرة لبيت المال، والحادثة هي أنّ رسول الله(صلى الله عليه وآله) عندما عاد من خيبر ووصل إلى وادي القرى كان معه غلام أهداه له رفاعة بن زيد الجذامي قال: فوالله إنّه ليضع رحل رسول الله(صلى الله عليه وآله) إذا أتاه سهم غرب فأصابه فقتله، فقلنا: هنيئاً له الجنّة، فقال رسول الله(صلى الله عليه وآله): «كَلاّ والذي نفس محمد بيده إنّ شَملتّهُ الآن لتحترق عليه في النار كان غلها من فيء المسلمين يوم خيبر».

قال: فسمعها رجل من أصحاب رسول الله(صلى الله عليه وآله) فأتاه فقال: يا رسول الله أصبت شراكين لنعلين لي، قال:

فقال(عليه السلام): «يُقد لك مثلهما من النار»(2).

—–

 


1. شرح نهج البلاغة، ابن أبي الحديد، ج18، ص14 و 15.
2. سيرة ابن هشام، ج2، ص353.

[ 170 ]

 

[ 171 ]

7/الصدق

7
الصدق

 

تنويه:

إنّ هذه الصفة هي أحد العلائم المهمّة في عناصر الشخصية لكل إنسان، وعندما يجتمع الصدق مع الأمانة تشكل من ذلك أساس الشخصية الإنسانية السويّة والكاملة بحيث لا يمكن اطلاق اسم الإنسان الحقيقي عند من يخلو من هاتين الصفتين الأخلاقيتين.

وهاتان الصفتان لهما جذر وأصل مشترك، لأنّ الصدق ليس شيئاً سوى الأمانة في القول، والأمانة ليست شيئاً سوى الصدق في العمل، ولهذا السبب فقد وردت في الروايات الإسلامية وكلمات المعصومين(عليهم السلام) هاتان الصفتان أي (صدق الحديث وأداء الأمانة) سوية.

وإلى جانب هذه الصفة نرى وجود صفات ممتازة اُخرى في منظومة القيم الأخلاقية لدى الإنسان والتي هي في الواقع من قبيل اللازم والملزوم، لأنّ الصادقين هم عادة يتحلّون بالشجاعة، صراحة اللهجة، قلّة الطمع، الأخلاص، الابتعاد عن الافراط في الحب والبغض والتعصب، في حين أنّ من يعيش الكذب في سلوكه وأقواله فهو يتحلّى عادة بصفة الخوف، الرياء، التعصّب واللجاجة، الطمع، والافراط في الحب والبغض.

الإنسان يعيش الانضباط في حياته باُصول أخلاقية ويتحرّك من موقع المسؤولية مع

[ 172 ]

الآخرين في حين أنّ الشخص الكاذب منافق عادة ويعيش الحالة الانتهازية في تعامله مع الناس.

وبكلمة واحدة يمكن القول: إنّ الصدق والأمانة مفتاحان للكشف عن باطن الأشخاص في أبعاد مختلفة، ولذلك كما سوف يأتي في البحث الروائي في كلمات المعصومين أنّ هاتين الصفتين يمثلان الأداة البليغة لأختبار الأشخاص، فلو أردت معرفة حسن الشخص أو سوئه فعليك بأمتحانه واختباره بالصدق وأداء الأمانة.

وبهذه الإشارة نعود إلى الآيات القرآنية والروايات الإسلامية الشريفة التي تتحدّث في أجواء الصدق والدوافع والنتائج المترتبة على هذه الصفة الأخلاقية وبعض النقاط المتعلّقة بهما ثمّ نستعرض بعض ما يتعلق بصفة الكذب وآثاره السلبية في حركة الإنسان والمجتمع.

وقد وردت آيات كثيرة في القرآن الكريم تتحدّث عن أهميّة الصدق منها:

1 ـ (قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ)(1).

2 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ)(2).

3 ـ (لِيَجْزِىَ اللهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللهَ كَانَ غَفُوراً رَحِيماً)(3).

4 ـ (إِنَّ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُسْلِمَاتِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالْقَانِتِينَ وَالْقَانِتَاتِ وَالصَّادِقِينَ وَالصَّادِقَاتِ... أَعَدَّ اللهُ لَهُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً)(4).

5 ـ (طَاعَةٌ وَقَوْلٌ مَعْرُوفٌ فَإِذَا عَزَمَ الاَْمْرُ فَلَوْ صَدَقُوا اللهَ لَكَانَ خَيْراً لَهُمْ)(5).

6 ـ (وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ)(6).


1. سورة المائدة، الآية 119.
2. سورة التوبة، الآية 119.
3. سورة الاحزاب، الآية 24.
4. سورة الاحزاب، الآية 35.
5. سورة محمد، الآية 21.
6. سورة العنكبوت، الآية 3.

[ 173 ]

تفسير واستنتاج:

إنّ العبارات الواردة في الآيات الكريمة التي تتحدّث عن أهميّة الصدق لا نجد مثيلاً لها في دائرة المفاهيم القرآنية الكريمة، ومن جملة التعابير الشديدة الواردة في هذه الصفة الأخلاقية هو ما ورد في «الآية الاُولى» من الآيات محل البحث والتي جاءت بعد بيان مفصّل عن ظاهرة انحراف النصارى عن دائرة التوحيد وسؤال الله تعالى المسيح يوم القيامة عن سبب هذا الانحراف وتبرئة المسيح لنفسه عن هذه التهمة وحينئذ تقول الآية: (قَالَ اللهُ هَذَا يَوْمُ يَنفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ)

وهذه إشارة إلى أنّ اتصافهم بالصدق في الحياة الدنيا سوف ينفعهم في حياتهم الاُخروية يوم القيامة ويكون سبباً لنجاتهم من النار (لا أنّ صدقهم يوم القيامة سيكون سبباً لنجاتهم في ذلك اليوم لأنّه لا تكليف يوم القيامة).

ثمّ تستمر الآية الشريفة في استعراض ما يترتب من النتائج الايجابية والثواب العظيم على هؤلاء الصادقين وتقول: (لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الاَْنهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَداً رَضِىَ اللهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ).

فمن جهة سوف ينالون الجنّة ويتمتعون بعظيم نعيمها ومواهبها الخالدة، ومن جانب آخر ينالون رضا الله تعالى عنهم، والتعبير بالفوز العظيم في الآية يدلّ بوضوح على عظمة مقام الصادقين، ولعلّه لهذا السبب فإنّه بالإمكان جمع كافة أعمال الخير والصلاح وإدخالها في دائرة الصدق، أو بتعبير آخر أنّ الصدق هو مفتاح لكافّة أعمال الخير والصلاح.

ومن البديهي أنّ الله تعالى إذا رضي عن عبد فإنّه سوف يعطيه ما يريد، وطبيعي أنّ الإنسان إذا أعطي كل ما يريد فإنّه سيعيش حالة السعادة المطلقة وعليه فإنّ رضى الله تعالى سيتسبب في رضا العبد، وهذا الرضا المتقابل يعدّ نعمة عظيمة لا تصل إليها أي نعمة اُخرى، وهي موهبة إلهية للصادقين من الناس.

وعبارة (رضي الله عنهم ورضوا عنه) وردت في القرآن الكريم في أربع موارد والتوفيق فيها يبيّن عظمة هذا المفهوم السامي، ففي أحد الموارد يتحدّث القرآن الكريم عن

[ 174 ]

المهاجرين والأنصار والتابعين، وفي مكان آخر يتحدّث عن حزب الله تعالى، وفي مورد ثالث يتحدّث عن (خير البرية)، وفي هذه الآية محل البحث يتحدّث عن الصادقين، وهذا يدلّ على أنّ الصادقين هم حزب الله تعالى وخير البرية، ومن المهاجرين والانصار والتابعين.

—–

«الآية الثانية» تخاطب جميع المؤمنين من موقع الأمر بتقوى الله تعالى الذي يقترن مع الصدق وتقول: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِينَ).

ونظراً إلى أنّ مثل هذه الخطابات القرآنية وكما ورد في الاصطلاح أنّها خطابات المشافهة فإنّها تستوعب في دائرتها ومصاديقها جميع المؤمنين في كل زمان ومكان، ومن الواضح أنّ الكون مع الصادقين وظيفة وواجب على الجميع في أي مكان وزمان، وهذا يدلّ على أنّ الإنسان إذا أراد التحرّك في خط التقوى والإيمان والاستقامة فعليه أن يعيش مع الصادقين ويلتزم بهم.

أمّا المقصود من الصادقين في هذه الآية ما هو؟ فهناك تفاسير متعددة لذلك، فالبعض ذكر أنّ المقصود هو النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله) وأصحابه، وذهب البعض الآخر إلى أنّ مراد الآية من الصادقين هم الأشخاص الذين يتمتعون بصدق النيّة والصلاح في العقائد والأعمال، وأورد آخرون تفاسير اُخرى لهذه العبارة.

ولكن عند الرجوع لسائر الآيات القرآنية نجد أنّ القرآن نفسه يفسّر المراد من هذه الآية حيث يقول في سورة الحجرات: (إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُوْلَئِكَ هُمْ الصَّادِقُونَ)(1)

وهكذا نرى أنّ هذه الآية قد ذكرت للصادقين صفات سامية كالإيمان الذي لا يشوبه أي شك وريب والجهاد في سبيل الله بالمال والنفس وأمثال ذلك.