آية الله العظمى
الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام ظلّه العالي)
بالتعاون مع مجموعة من الفضلاء
بمساعدة مجموعة من الفضلاء
1 - محمد جعفر الامامي
2 - محمد رضا الاشتياني
3 - محمد إحساني فر
4 - محمد جواد أرسطا
5 - إبراهيم البهادري
6 - سعيد داودي
7 - أحمد القدسي
المقدمة
في هذا الوقت الذي أكتب فيه هذه المقدمة، يدور الحديث في الأوساط العالمية عن العمليات الإرهابية التي وقعت في أمريكا وأضرارها على ذلك البلد وعلى جميع العالم، ثم الحديث عن الحملات الانتقامية التي تزمع أمريكا القيام بها ضد أفغانستان ومناطق اُخرى.
الجميع يتحدث عن الآثار السياسية والاقتصادية المترتبة على هذه العمليات الإرهابية المدمّرة على المدى القصير والبعيد، ولكن قلّما نجد من يتحدث عن المعطيات الأخلاقية لهذه الحادثة الفريدة.
واحدى هذه المعطيات هو أنّ أكبر قدرة عالمية يمكنها أن تكون الأضعف بين دول العالم بحيث ينهار رمز عظمتها وشموخها فجأة بواسطة هجوم عدّة أشخاص.
والمعطى الآخر يشير إلى عدم إمكان الاعتماد على شيء في هذا العالم، حيث يمكن أن تتبدل جميع الحسابات والمعادلات بواسطة حادثة ارهابية قام بها أشخاص معدودون بحيث أذلّت رقاب المقتدرين وفضحت إدعاءات المستكبرين ودوّخت أذهان المدبّرين واستغفلت عقول الحاكمين بحيث لم ينتبهوا إلاّ بعد أن انتهى كل شيء.
والآخر، أنّ الإنسان المعاصر وبسبب ضعف دعائم الأخلاق الفردية والاجتماعية يدفع ثمناً باهضاً في حركة الحياة ويرى كل شيء في خطر المحق والانهيار.
عندما ينهار قصر «العدالة» البهيج وتحل محلّه اطلال الظلم والجور، وافرازات الأنانية وحبّ الجاه والسلطة لقوى الانحراف ويصل النصل إلى العظم لدى المحرومين والمعدمين ويعيشون الاختناق في هذه الظروف العصيبة.
وعندما لا تسمح حالات الغرور والتكبر بإدراك الحقائق الموجودة على أرض الواقع من موقع الوضوح في الرؤية بحيث يعجز الإنسان عن إدراك ما يجري حوله من تفاصيل
الحياة، فانّ مثل هذه الحوادث لا تكون خارج اطار التوقع، الحوادث التي أحدثت اهتزازاً في صرح قوى الاستكبار والظلم وجعلتهم يعيشون التخبّط والتشنّج لأيّام وشهور عديدة.
ألم يحن الوقت الذي ينكشف لنا أنّ العالم المادي قد وصل إلى طريق مسدود، ولابدّ له من العودة إلى أجواء المعنويات والأخلاق الإنسانية ليتسنى لها تجميد عناصر الارهاب من جهة، واشاعة أجواء الحب والودّ والصفاء من جهة اُخرى.
إنّ التغافل عن الواقعيات لا يؤدّي إلى زوالها، فما دامت أشكال الظلم والجور والعدوان والأنانية موجودة في العالم، فلابدّ أن نتوقع حدوث مثل هذه الوقائع بل أشدّ منها.
إنّ الحديث في هذا المجال واسع وكثير التفاصيل والتحاليل لا يسعنا استعراضها في هذه المقدمة القصيرة، والغرض هو الإشارة فقط إلى هذه المسألة لنعيش اليقظة، ولنعلم جميعاً أنّ إصلاح الوضع الخطير في العالم المعاصر لا يجدي فيه القيام بعمليات انتقامية حيث تؤدّي إلى إلقاء الزيت على النار وتفضي إلى زيادة الهجمات الإرهابية، ولإلقاء اللائمة على هذا وذاك.
لابدّ أن يتحمل الجميع مسؤوليتهم ويتحركوا من موقع الإذعان لمباديء الأخلاق الإنسانية ولزوم تجسيدها في حياة الفرد والمجتمع لنيل الحياة السعيدة والمفعمة بالأمن والتقدم.
—–
ومن هنا نمدّ أيدينا إلى الباري تعالى ونبتهل إليه ونشكره لتوفيقه لإتمام الجزء الثالث والأخير لكتاب «الأخلاق في القرآن» حيث يمكننا أن نخاطب البشرية من هذا الموقع ونقول:
* هذه هي أخلاقنا الإسلامية!
* هذه هي طريقة حياتنا ومعالم مسيرتنا!
* هذا هو دستور النجاة من الأزمات والمشاكل!
قم / الحوزة العلمية
ناصر مكارم الشيرازي
1380 هـ ش
1/حبّ الجاه
تختلف الميول الإنسانية من شخص إلى آخر فالبعض يحب المال والبعض الآخر يحب الجمال وآخر يحب الكمال، وآخر يطلب المقام والجاه، أي يطلب الوجاهة، فيجب أن يحترمه الناس وينحنون له، ويريد أن يشيرون إليه بالبنان ويطلبون منه حوائجهم، وبعبارة أدق يحس بأنّه أرفع شأناً من الباقين، له الكلام الأول والأخير وإن كان أقل فهماً ودرايةً، ويسمى مثل هذا الشخص بالراغب للوصول لأعلى المراتب أو محب الجاه.
هذه الصفة تتوفر في الكبار أكثر منها لدى الشباب والصغار، وفي بعض الأحيان ترافق الإنسان حتى الممات، فتتلاشى كل قواه إلاّ حبّ الجاه فهو راسخ في القلب بل يزداد رسوخاً وقوّة كلما امتد العمر في الإنسان.
هذه الرذيلة هي مصدر لكثير من المفاسد والفردية، فهي تبعد الإنسان عن الخَلق والخالق، ولأجل الوصول لأهدافه المشؤومة تقحمه في المهالك، والأنكى من ذلك أنّها تظهر في الغالب بصورة حسنة مثل الاحساس بالمسؤولية والعزم على أداء الواجبات الاجتماعية ولزوم الإرادة الصحيحة وما شابه ذلك، فقد جاء في الحديث: «آخرُ مـا يَخرُجُ مِنْ قُلوبِ الصِّدِّيقِينَ حُبُّ الجـاهِ».
ويبين هذا الحديث خطورة هذهِ الرذيلة الأخلاقية.
والجدير بالذكر أنّ هذه الصفة لها صلة وثيقة مع الرياء والتكبر والعُجب وغالباً ما يُشتبه بينها وبين مثيلاتها.
وبهذه الإشارة نعود لنستوحي ما ورد عن عللها وعواقبها في القرآن الكريم:
1 ـ في حادثة السامري التي جاءت في سورة طه في الآيات 85 و 88 و 95 و 96 تبين أنّ حبّ الجاه هو السبب في ضلال السامري وجمع غفير معه من بني اسرائيل حيث قال:
(قـالَ فَاِنّـا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّـامِرِىُّ... فَاَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقـالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى فَنَسِىَ...
قالَ فَمـا خَطْبُكَ يـا سـامِرِيُّ ـ قـالَ بَصُرْتُ بِمـا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهـا وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي)(1).
2 ـ (وَاِذْ قُلْتُمْ يـا مُوسَى لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَاَخَذَتْكُمُ الصّـاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ)(2).
(وَقـالَ الَّذِْينَ لا يَرْجُونَ لِقـائَنـا لَوْلا اُنْزِلَ عَلَيْنـا الْمَلائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنـا لَقَد اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوّاً كَبِيراً)(3).
3 ـ (وَنـادَى فِرْعَوْنُ فِى قَوْمِهِ قـالَ يـا قُومِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهـذِهِ الأََنْهـارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَا خَيْرٌ مِنْ هـذَا الَّذِى هُوَ مَهِْينٌ وَلا يَكـادُ يُبِيْنُ)(4).
4 ـ (قـالَ إِنَّمـا اُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدِي... فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قـالَ الَّذينَ يُرِْيدُونَ الْحَيوةَ الدُّنْيـا يـا لَيْتَ لَنـا مِثْلَ مـا اُوتِيَ قـارُونَ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيم)(5).
5 ـ (قـالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيْري لاََجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)(6).
6 ـ (أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقَى فِى السَّمـاءِ وَلَنْ نُؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلُ عَلَيْنـا كِتـاباً نَقْرَؤُهُ)(1).
(تِلْكَ الدّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهـا لِلَّذيْنَ لا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِي الاَْرْضِ وَلا فَسـاداً وَالْعـاقِبَةُ لِلْمُتَّقِيْنَ)(2).
الأخلاق في القرآن / الجزء الثالث
كما أشرنا سابقاً أنّ حبّ الجاه يعني التعلق الشديد بالمكانة والمنزلة الاجتماعية والسعي لنيلها بأي صورة كانت، وهو من الرذائل الخطيرة التي لا تؤثر على الجوانب الروحية للانسان فحسب بل تجعل الشخص منبوذاً اجتماعياً، ويعيش العزلة القاتلة.
ولقد رأينا على مدى تاريخ الأنبياء(عليهم السلام) والأقوام السالفة، كم كانت هذه الرذيلة منتشرة ومتفشية فيهم، بحيث تحدث عنها القرآن الكريم في أكثر من آية وسورة.
وتجدر الإشارة هنا إلى أنّ كثيراً من الرذائل لها مفاهيم مشتركة، وكما يقول المثل وجهان لسكة واحدة، بحيث يمكن أن يصدر فعل قبيح من الإنسان يكون مصداقاً لعدّة صفات رذيلة، وقد نزلت في مثل ذلك آيات من القرآن الكريم تعكس هذا المعنى لبعض الرذائل كالتكبر والغرور والأنانية والعجب والرياء وحب الجاه.
وعلى أية حال، نرى في الآيات الاُولى قصة السامري المعروفة لدى الجميع، فللسامري سمعة قبيحة عند بني اسرائيل، وكان محبّاً للجاه بشكل غريب، حيث استغل غياب النبي موسى(عليه السلام) وذهابه للقاء ربّه في طور سيناء، فصنع من حلّي بني اسرائيل عجلا جسداً له خوار، فعندما كانوا يضعونه في اتجاه الهواء تصدر منه أصواتاً غريبة، أو يقال أنّه جمع مقداراً من التراب الذي كان تحت أقدام جبرائيل(عليه السلام) أو مركبه الذي ظهر به عندما
اغرق فرعون وجنوده في اليم، فوضع ذلك التراب داخل العجل الذهبي، والصوت الذي كان يصدر منه من بركة ذلك التراب. وبعدها دعى السامري الناس لعبادة ذلك العجل ولم يمرّ وقت طويل حتى استجاب له بعضهم وعبدوا العجل وسجدوا له.
وقال الله تعالى في القرآن الكريم: (قـالَ فَاِنّـا قَدْ فَتَنّا قَوْمَكَ مِنْ بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ السّـامِرِيُّ).
فرجع موسى غضبان أسفاً إلى قومه وعاتب أخاه هارون عتاباً شديداً، وتبرأ القوم من فعلهم واتهموا السامري فقال سبحانه وتعالى: (فَاَخْرَجَ لَهُمْ عِجْلا جَسَداً لَهُ خُوَارٌ فَقـالُوا هذا إِلهُكُمْ وَإِلهُ مُوسَى فَنَسِىَ...).
وتوجه بعدها موسى(عليه السلام) إلى السامري: (قالَ فَمـا خَطْبُكَ يـا سـامِرِيُّ ـ قـالَ بَصُرْتُ بِمـا لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ فَقَبَضْتُ قَبْضَةً مِنْ أَثَرِ الرَّسُولِ فَنَبَذْتُهـا وَكَذلِكَ سَوَّلَتْ لِي نَفْسِي).
كان هدف السامري من تلك الفتنة المضلّة هو الوصول إلى الجاه والمنصب والمقام، فعاقبه الباري تعالى بالطرد من المجتمع والإنزواء (قـالَ فَاذْهَبْ فَاِنَّ لَكَ فِي الْحَيوةِ أَنْ تَقُوْلَ لا مِساسَ).
فكان في الشريعة الموسوية وقوانينها الجنائية، أنّ الإنسان، إذا ما أذنب ذنباً كبيراً، ينظر إليه وكأنّه رجس خبيث نجس فلا يحق أن يمسّه أحد ولا يمس هو أحداً.
ويقال: إن السامري ابتلي بمرض نفسي ووسواس شديد بحيث كان يخاف من جميع الناس وإذا ما تقرب إليه أحد يصيح ويقول «لا مساس»، نعم فهذا هو جزاء من يحب الجاه ويتلاعب بالدين لأجل أغراضه الدنيوية.
—–
وتتطرق الآيات القرآنية في «الآية الثانية» إلى نوع آخر من حبّ الجاه والمقام لبني اسرائيل، فقد طلبوا أمراً عجيباً من موسى(عليه السلام)، فقالوا: «ارنا الله جهرةً» وإلاّ لن نؤمن لك أبداً، فأخذتهم الصاعقة، ولولا لطف الباري تعالى لماتوا إلى الأبد، وفيها قال تعالى في قرآنه الكريم:
(وَاِذْ قُلْتُمْ يـا مُوسَى لَنْ نُؤمِنَ لَكَ حَتّى نَرَى اللهَ جَهْرَةً فَاَخَذَتْكُمُ الصّـاعِقَةُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ ثُمَّ بَعَثْنـاكُمْ مِنْ بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ).
ولكن ما هي الصاعقة؟
إنّها رعد وبرق ينتج نتيجة اصطدام الغيوم ببعضها، فهي تحمل الكهربائية الموجبة وعند وصولها للأرض تبحث عن الكهربائية السالبة فتتحد معها بدرجة حرارة تصل إلى 15000 مئوية فتحدث صوتاً مهيباً وإذا ما اصابت مكاناً ما فستدمره تدميراً كاملا.
في قصة بني اسرائيل عندما وقعت الصاعقة على بني اسرائيل وتجلّى الباري للجبل وجعله دكّاً مات جميع من اختارهم موسى(عليه السلام) من بني اسرائيل وعددهم (70) نفراً من شدة الخوف والهلع الذي أصابهم، وبقي موسى على قيد الحياة ولكنه غاب عن الوعي وعندما أفاق، طلب من الباري تعالى العفو والمغفرة ودعا لهم بالحياة فاستجاب الباري دعاءه وأحياهم وعلم هؤلاء القوم المعاندين إلى أنّهم ليسوا بشيء أمام قدرة الباري تعالى.
أشار القرآن الكريم إلى هذهِ الحادثة في مكان آخر وآية اُخرى فقال:
(يَسْئَلُكَ أَهْلُ الْكِتـابِ أَنْ تُنَزَّلَ عَلَيْهِمْ كِتاباً مِنَ السَّمـاءِ).
فيمكن أن يكون ذلك الطلب من التذرع أو من حبّ الجاه أو من الاثنين معاً، ويستمر القرآن الكريم ويقول قد سألوا أكبر من ذلك(1) (فَقَدْ سَئَلُوا مُوسَى أَكْبَرَ مِنْ ذلِكَ فَقـالُوا أَرِنَا اللهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْهمُ الصّـاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ).
فهذه التعبيرات وما شابهها تبيّن مدى تغلغل حبّ الجاه والكبر والغرور والعناد في قلوب بني اسرائيل، ولذلك كانوا دائماً يتذرعون ويتحججون في كل وقت، وهي نفس الصفات الرذيلة التي نراها عند اليهود في وقتنا الحاضر، ولحد الآن يعتبرون أنفسهم شعب الله المختار، ويفكرون في السيطرة على اقتصاد العالم، مع عدم قدرتهم وكفائتهم على ذلك.
—–
ولم يكن حبّ الجاه متغلغلا في قلوب بني اسرائيل فحسب، فالفراعنة ونمرود كانوا
أيضاً من مصاديق ذلك، فنقرأ في القسم الثالث من الآيات، أنّ الباري تعالى قال عن فرعون: (وَنـادَى فِرْعَوْنُ فِي قَومِهِ قالَ يـا قُوْمِ أَلَيْسَ لِي مُلْكُ مِصْرَ وَهـذِهِ الأَنْهـارُ تَجْرِي مِنْ تَحْتِي أَفَلا تُبْصِرُونَ * أَمْ أَنَآ خَيْرٌ مِنْ هذَآ الَّذي هُوَ مَهِينٌ وَلا يَكـادُ يُبينُ فَلَولا اُلْقِيَ عَلَيْهِ اَسْورَةٌ مِنْ ذَهَب أَوْ جـاءَ مَعَهُ الْمَلائِكَةُ مُقتَرِنينَ).
وقد جمع فرعون في هذه الآية عدّة رذائل، الغرور، التكبر، حبّ الجاه واغفال البُسطاء من الناس، والغريب في الأمر أنّ فرعون شاهد معجزات النبي موسى(عليه السلام) بعينه ولكنه أصرّ واستكبر وتمسك بمسألة الطبقة الاجتماعية والأسورة من الذهب، ولثغة موسى(عليه السلام)في الكلام (بالرغم من أن اللثغة قد زالت منه بعد البعثة بعد ما طلب موسى ذلك من الله تعالى).
وعلى أيّة حال فإن فرعون لم يزد قومه إلاّ ضلالا.
—–
وفي «الآية الرابعة» من هذه الآيات نواجه قصة «قارون» فهو من النماذج البارزة للأشخاص الذين يعيشون حبّ الجاه عند بني اسرائيل، وهي الصفة القبيحة التي أودت بحياته وأرسلته إلى الحضيض.
فيا للعجب من الغرور وحبّ الجاه كيف يضع الحجب على بصيرة وفهم الإنسان ويمنعه من درك أكثر الاُمور بداهةً، فعندما وعضه بعض بني اسرائيل وقالوا له: بما أنّ الله قد أنعم عليك فابتغ فيما آتاك الله من النعم الدار الآخرة، ولا تنس نصيبك من الدنيا، فكل شيء آيلٌ إلى الزوال وإيّاك أن تستعمل هذه الأموال للإفساد في الأرض ومحاربة الرسول(عليه السلام).
فقال ذلك الرجل المغرور في جوابه: (قَالَ اُوتيتُهِ عَلى عِلم عِندي...) قال ذلك واستمر في عناده وجموحه، ولأجل أن يرضي غريزة حبّ الجاه عنده، خرج على قومه بزينة من الخيل والخدّام وكثرة الغلمان الذين كانوا يجلسون على سرج من ذهب ويلبسون أنواع الحُلي الذهبية.
وقد أخذ مثل ذلك المنظر البرّاق والمخادع بقلوب وعقول بني اسرائيل فقالوا: (قـالَ الَّذِينَ يِرِيدُونَ الْحَيـاةَ الدُّنْيـا يـا لَيْتَ لَنـا مِثْلَ مـا اُؤتِيَ قـارُونَ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظيم).
ولكن وكما صرّح القرآن الكريم في هذه الآيات فإنّ الله تعالى خسف بقارون الأرض ودفنت كل أمواله وقصوره والزينة التي كانت عليه وكأن شيئاً لم يكن، لا قارون ولا امواله ولا زينته المبهرة للعقول!!
وعندها انتبه الذين تمنوا مقام قارون، انتبهوا من غفلتهم ورجعوا عن قولهم واستعاذوا بالله تعالى من أقوالهم. نعم فإنّ حبّ الجاه والغفلة والغرور، تغوي الإنسان وتورثه الغفلة عن أبسط الاُمور البديهية للحياة، وبما أنّ الإنسان خلق ضعيفاً، فانّ أوهى عنوان أو أمتياز يعرض عليه يغير حياته ويقلبها رأساً على عقب ويفضي به إلى الهلكة لأنّه سرعان ما يدعي القدرة والاستقلال، بل يتعداها إلى مقام الاُلوهية.
—–
وفي «الآية الخامسة» من الآيات تتحدث عن فرعون، وتصوّر لنا حبّ الجاه وأعماله الجنونية حيث خاطب موسى(عليه السلام) قائلا: (قـالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلهاً غَيْري لاََجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)بلا شك، أنّ فرعون بادعائه للربوبية لم يكن من السذاجة بدرجة لا يدرك فيها دعوة موسى(عليه السلام) المنطلقة من التعريف بالله ربّ العالمين، فهو الحاكم على أرض مصر الوسيعة.
وبديهي أن الأنانية والتكبر وحبّه للجاه، لم تكن لتسمح له بقبول الحق والمنطق السليم الصادر من الله تعالى على لسان نبيه موسى(عليه السلام).
وهذا هو طريق الطغاة وأفعالهم فدائماً ما يقابلون الحق بالقوّة، والدليل والبرهان بالسجن!
ولكن عقوبة السجن في مثل هذه المواد لم تكن أداة رادعة في دائرة التصدي لخط الرسالة والنبوة بقيادة موسى(عليه السلام) الذي ضعضع أركان حكومة فرعون، ولهذا ذكر بعض المفسرين أنّ سجن فرعون لم يكن بالسجن الذي يخرج منه الإنسان حيّاً، فالمسجون فيه يلاقي شتى أنواع العذاب حتى يموت فيه.
—–
و يدور الحديث في «الآية السادسة» من هذهِ الآيات، عن مشركي العرب فبدلا من أن يطلبوا الدليل والبرهان والمعجزة من الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله) كانوا يتذرعون بأنواع الذرائع من موقع الانكار والجحود، فتارة يطلبون منه تفجير الينابيع والعيون من الصحاري المقفرة اليابسة والحارة من أرض الحجاز، وتارة يطلبون جنات من أعناب ونخيل تجري من تحتها الأنهار، وتارة يطلبون انزال الحجارة من السماء واُخرى حضور الباري تعالى والملائكة والبيوت من الذهب؟ وبعدها يقولون:
(أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُف أَوْ تَرْقَى فِى السَّمـاءِ وَلَنْ نُؤمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتّى تُنَزِّلُ عَلَيْنـا كِتـاباً نَقْرَؤُهُ).
فاولئك بطلباتهم تلك، قد كشفوا عن واقعهم الزائف حيث يعيشون منتهى الكبر وحبّ الجاه الذي ملأ قلوبهم، واثبتوا أنّ الإنسان عندما يقع في سلوكه الأخلاقي والفكري تحت تأثير تلك الصفات الذميمة، فسوف يتحرك بعيداً عن العقل والمنطق.
اختلف المفسرون بأن ما المراد من كلمة (بيت من زخرف)؟
فاحتملوا فيها أمرين: الأول أنّ المراد من الكلمة هو بيت مليء بالذهب أو أشياء مصنوعة من الذهب، والثاني: أنّ المراد هو بيت منقوش بالزخارف الذهبية، ولكن التفسير الأول أوفق لسياق الآية وذلك بالنظر إلى عبارة (من زخرف).
—–
في «الآية السابعة» والأخيرة من هذهِ الآيات التي وردت عقيب الحديث عن قارون، صدر أمر إلهي عام فقال:
(تِلْكَ الدّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهـا لِلَّذِينَ لا يُريُدونَ عُلُوّاً فِى الاَْرْضِ وَلا فَسـاداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ).
نعم فإن عاقبة محبّي الجاه والمستكبرين، نفس عاقبة قارون الذي باع كل شيء من أجل حبّه للجاه والمقام وعاش مغضوباً عليه، وختم حياته باللعن الإلهي إلى الأبد.
ويمكن الاستفادة من عطف الفساد على العلو في الأرض في الآية أنّ المتكبرين
ومحبّي الجاه والمقام سيفسدون في الأرض في نهاية المطاف كي يشبعوا عطشهم وغرائزهم، ولن يتوقفوا عند أي جناية يرتكبونها.
ومن الجدير بالذكر أنّ الإمام علي(عليه السلام) عندما آلت اليه الخلافة كان يخرج بنفسه إلى السوق، فيرشد الضّال ويساعد الضعيف وعند مروره بجانب الباعة والكسبة كان يقرأ عليهم هذهِ الآية: (تِلْكَ الدّارُ الاْخِرَةُ نَجْعَلُهـا لِلَّذِينَ لا يُريُدونَ عُلُوّاً فِى الاَْرْضِ وَلا فَسـاداً وَالْعاقِبَةُ لِلْمُتَّقينَ).
وفي حديث آخر عن الإمام الصادق(عليه السلام) أنّه عندما تلا هذه الآية بكى وقال: «ذَهَبَتِ واللهِ الأَمانيُّ عِندَ هذهِ الآيةِ»(1).
ويمكن أن يكون مراد الإمام(عليه السلام) أنّه بما أنّ الباري تعالى جعل الآخرة للّذين لا يريدون علوّاً في الأرض ولا يريدون الرئاسة، وهو أمر صعب جدّاً، فسوف لا تبقى اُمنية للشخص المؤمن في حركة الحياة الدنيوية.
ويستفاد من مجموع الآيات التي ذكرت سابقاً وما شابهها من الآيات أن طلب الجاه والرئاسة، وخصوصاً إذا ما اقترن بالكبر والغرور والعناد فانّه سيفضي بالحياة الإنسانية إلى السقوط، وسوف لا تؤثر على الفرد فقط بل تطال المجتمع ايضاً.
—–
ورد الحديث عن هذه الرذيلة مرّةً تحت عنوان (حبّ الجاه) ومرّة تحت عنوان (حبّ الرئاسة) واُخرى بعنوان «الشرف»، ونختار قسماً من تلك الروايات الكثيرة:
1 ـ الروايات التي تتحدث عن مدى تأثير وتخريب هذهِ الرذيلة في دائرة الدين
والمعتقد، بحيث جاء في الحديث النبوي الشريف: «مـا ذِئبانِ ضـاريـانِ اُرسِلا فِي زَرِيبَةِ
غَنَم أكثرَ فَساداً فِيها مِنْ حُبِّ المـالِ وَالجـاهِ فِي دِينِ الرِّجُلِ المُسلِمِ»(1).