ومن جهة اُخرى فإنّها تشير إلى ثواب الصابرين عند الله وأنّه لا يقبل العد والحساب.

   عبارة «بغير حساب» تشير إلى أنّ الله تعالى سوف يجازي هؤلاء الصابرين بالثواب العظيم إلى درجة أنّ أحداً لا يقدر على عدّه واحصائه إلاّ الله تعالى، ولهذا نقرأ في الحديث
الشريف عن رسول الله أنّه قال : «إذا نشرت الدواوين ونُصبت الموازين لم ينصب لأهل البلاء ميزان ولم ينشر لهم ديوان، ثمّ تلا هذه الآية : إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَاب)(2).

   وهذه العبارة «بغير حساب» وردت في آيات متعددة اغلبها يتعلق بالرزق الدنيوي الكثير الّذي يهبه الله تعالى لبعض الناس، ولكن فقط في هذه «الآية 40 من سورة المؤمن» فتتحدّث عن الثواب الإلهي للمؤمن والصابر يوم القيامة، ومن المعلوم انه إذا كان الرزق الدنيوي بدون حساب فإنّ ذلك لا يعني انه يتناسب مع كمية العمل أو كيفيته، بل يتناسب مع لطف الله تعالى وعنايته لعبده، وبالتالي تكون ثمرته سامية جداً في مقام القرب الإلهي والكمال المعنوي.

—–

   ونقرأ في «الآية الحادية عشر» تعبيراً جميلاً جداً عن أهمية الصبر والاستقامة، وذلك أنّ الملائكة عندما تستقبل أهل الجنّة من كلّ باب يردون إليها يقولون لهم : (سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا


1. سورة الزمر، الآية 10.
2. أورد هذا الحديث كلّ من الطبرسي في مجمع البيان، والقرطبي في تفسيره، والبرسوئي في روح البيان، مع تفاوت يسير ذيل هذه الآية.

[ 419 ]

صَبَرْتُمْ فَنِعْمَ عُقْبَى الدَّارُ)(1).

   واللطيف أنّ الملائكة هنا أشاروا من بين جميع الأعمال والطاعات والعبادات الّتي أتى بها أهل الجنّة إلى الصبر والاستقامة لأن ذلك كان سبب دخولهم الجنّة، ولو دققنا النظر لرأينا أنّ الصبر بحد ذاته له دورٌ مهم في سعادة الإنسان ونجاته في الآخرة ودخوله الجنّة لانه بدون الصبر فلا يستطيع الإنسان أن يتوقى من الذنوب ولا يؤدي العبادات والطاعات ولاجهاد النفس أو جهاد الأعداء، ولهذا السبب فإنّ الملائكة في أوّل سلام وتبريك لهؤلاء ذكروا مسألة الصبر.

   والشاهد على هذا الكلام أنّ جميع الطاعات يأتي بها الإنسان في ظلّ عنصر الصبر ونقرأ في الآية 22 من هذه السورة قوله تعالى: (وَالَّذِينَ صَبَرُوا ابتِغَاءَ وَجْهِ رَبِّهِمْ وَاَقَامُوا الصَّلَوةَ وَاَنْفَقُوا مِمَّا رَزَقْنَاهُمْ سِرّاً وَعَلانِيَةً وَيَدْرَئُونَ بِالْحَسَنَةِ السيِّئَة...).

   وجاء في تفسير هذه الآية حديثاً جميلاً عن الإمام علي بن الحسين(عليه السلام) أنّه قال : «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد : ليقم أهل الصبر، فيقوم جمعي من الناس فيقال لهم : انطلقوا إلى الجنة، فتتلقاهم الملائكة فيقولون إلى أين ؟ فيقولون : إلى الجنة. قالوا : قبل الحساب ؟ قالوا : نعم، فيقولون : من أنتم ؟ فيقولون : نحن أهل الصبر، قالوا : وما كان صبركم ؟ قالوا : صبرنا أنفسنا على طاعة الله، وصبرناها عن معاصي الله، وصبرناها على البلاء والمحن في الدنيا، قال علي بن الحسين (عليه السلام) : فتقول لهم الملائكة : «سلام عليكم بما صبرتم فنعم أجر العاملين»(2).

   وذكر بعض رواة هذا الحديث أنّ الملائكة تقول لهم : «سَلاَمٌ عَلَيْكُمْ بِمَا صَبَرْتُمْ»(3).

—–

   «الآية الثانية عشر» تكرر هذا المطلب بصورة جذابة، وهذه الآية هي استمرار للآيات


1. سورة الرعد، الآية 24.
2. القرطبي، ج 5، ص 4532.
3. تفسير القرطبي، ج 5، ص 4532.

[ 420 ]

الّتي تحدّثت عن صفات «عباد الرحمان» واستعرضت في سياقها اثنى عشر صفة ايجابية تبين شخصيتهم السامية في جميع الأبعاد (اُولَئِكَ يُجْزَوْنَ الْغُرْفَةَ بِمَا صَبَروا وَيُلَقَّوْنَ فِيهَا تَحِيَّةً وَسَلاماً)(1).

   «غُرفة» من مادّة «غَرْفَ» على وزن «ظرف» بمعنى حمل الشيء وأخذه باليد ولذلك يقال لمن يتناول الماء من العين بيده انه : اغترف من الماء، وكذلك تطلق هذه الكلمة على الأقسام العلوية من البناء فيقال لها «غرفة» وفي هذه الآية اطلقت هذه الكلمة على أعلى المنازل في الجنّة وأنّها من نصيب الصابرين.

   ويستفاد من تعبير الآية أعلاه أنّ الصبر هو العنصر المشترك الممتد في جميع الصفات الاثنى عشر لهؤلاء العباد المخلصين «عباد الرحمان».

—–

   وتأتي «الآية الثالثة عشر» وهي من الآيات المعروفة في مسألة الصبر لتثير في أجواء الصابرين البشارة بالثواب الإلهي الجزيل وتقول : (وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْء مِّنَ ا لْخَوْفِ وَا لْجُوعِ وَنَقْص مِّنَ الاَْمْوَا لِ وَالاَْنفُسِ وَالَّثمَرَا تِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ اِذَا اَصَابَتْهُمْ مُصيبَةٌ قَالُوا اِنَّا للهِ وَاِنَّا اِلَيهِ رَاجِعُونَ * اُولئِكَ عَلَيْهِم صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِم وَرَحْمَةٌ وَاُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ)(2).

   وبالرغم من أنّ هذه الآيات تشير إلى غصن واحد من اغصان شجرة الصبر، وهو الصبر على المصائب والمشكلات، ولكن تتضح أهمية ذلك من خلال ما يترتب على هذا اللون من الصبر من صلوات الله ورحمته على هؤلاء الصابرين وأنّهم يسيرون في خطّ الهداية والاستقامة والتوجه إلى الله تعالى من خلال حالة الاستقامة والصبر أمام البلايا والمصائب.

   فنظراً إلى أنّ الامتحان الإلهي للإنسان في هذا العالم الدنيوي يُعد من السنن الحتمية في عالم التكوين، وأنّ العبور من هذا النفق والوادي العسير لا يتسنّى ألا بالاستعانة بالصبر،


1. سورة الفرقان، الآية 75.
2. سورة البقرة، الآية 155 ـ 157.

[ 421 ]

وحينئذ يتضح دور الصبر والاستقامة في حركة الحياة الدنيوية والنتائج المترتبة على ذلك، فما أعظم أن يجد الإنسان نفسه مشمولاً بثلاث عنايات إلهية في مقابل الصبر وهي :

   الاُولى : الصلوات والتحيات الإلهية من النوع الّذي يصلي فيه الله تعالى على نبيّه الكريم، ثمّ شمول رحمته الواسعة لهذا الإنسان ودخوله في دائرة اللطف الإلهي، والأهم
من ذلك أنّ الهداية الإلهية ستكون من نصيب هؤلاء والّتي هي مصدر جميع النعم والمواهب وأشكال السعادة الدنيوية والاُخروية.

   وأما لماذا وردت كلمة «صلوات» بصورة جمع ؟ هنا ذكر تفسيران كلّ منهما محتمل في معنى الآية، الأوّل أنّ ذلك إشارة إلى أنواع الاكرام الإلهي والاحترام الرباني لهؤلاء، والآخر انه إشارة إلى تكرار هذه العملية وأنّ الله يصلّي عليهم عدّة مرّات، اما التعبير بالرحمة بصورة نكرة فهو إشارة إلى الأهمية والعظمة لهذه النعمة.

   واما الفرق بين الصلوات والرحمة فقد ذكر البعض أنّ الصلوات إشارة إلى مدح الله ولطفه ومغفرته، في حين أنّ الرحمة إشارة إلى النعم المادية والمعنوية في الدنيا والآخرة.

—–

   «الآية الرابعة عشر» والأخيرة من الآيات مورد البحث والّتي وردت في سورة العصر فإنّها ضمن بيان هذه الحقيقة، وهي أنّ جميع الناس سيكون مصيرهم إلى الخسران حتماً ما عدا الأشخاص الّذين يتمتعون بأربع صفات، وأحدها : الصبر والاستقامة وتقول (وَالْعَصْرِ * اِنَّ الاِْنْسَانَ لَفِي خُسْر * اِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلوا الصَّالِحَاتِ وَتَواصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ)(1).

   جملة «تواصوا» من مادّة «تواصي» وتشير إلى انه ينبغي على المؤمنين بعد الإيمان والمعرفة والعمل الصالح أن يتحركوا من موقع التكاتف والتعاون لاحقاق الحقوق والانصاف والعدالة في التعامل مع الغير والتوصية بذلك فيما بينهم، لأنّ إحقاق الحقّ واجراء العدالة في المجتمع الإنساني لا يتسنّى إلاّ بالاستقامة والصبر أمام تحديات الواقع الصعبة


1. سورة العصر، الآية 1 ـ 3.

[ 422 ]

والموانع العسيرة، ولذلك أوصت الآية الشريفة بالصبر على مستوى العامل الرابع من العوامل المؤدية إلى النجاة، وفي الحقيقة أنّ هذا العامل هو دعامة وأساس للعوامل الثلاثة الاُخرى، وعليه فإنّ الصبر يعد أحد الأركان الأصلية لسعادة الناس وتحركهم في خطّ الإيمان وتعميق شجرة الأخلاق والصلاح في قلوبهم، وبدونه سوف لا تثمر القيم
الأخلاقية والأعمال الصالحة في واقع الإنسان والمجتمع شيئاً، ولا يمكن احقاق الحقوق واجراء العدالة في المجتمع البشري، ولا شكّ أنّ احقاق الحقوق واجراء العدالة يعد من أهم الاُمور والوظائف، لأنّه أحياناً يكون الحقّ في الطرف المقابل للإنسان أو لأحد أحبته وأقربائه، وهنا تكون اجراء العدالة والعمل بالحقّ بحاجة إلى الاستمداد والاسترفاد من عنصر الصبر.

   ومن مجموع ما تقدّم من الآيات الشريفة تتضح هذه الحقيقة، وهي أنّ أهمية الصبر والاستقامة والمثابرة في خطّ العدالة والحقّ إلى درجة من الأهمية أكثر ممّا نتصور، وكما يقول بعض المفسّرين أنّ الصبر في القرآن الكريم ورد أكثر من سبعين مرّة أو تكرر بما يقرب من مئة مرة، في حين اننا لا نجد فضيلة من الفضائل الأخلاقية والإنسانية قد وردت بمثل هذا التأكيد في الكتاب العزيز، وهذا إنما يدلّ على أنّ القرآن الكريم يولي هذه الفضيلة الأخلاقية أهمية كبيرة ويعدها عصارة جميع الفضائل والأساس لجميع أشكال السعادة الدنيوية والاُخروية والاداة الحاسمة للوصول إلى أي نوع من أنواع الفلاح والنجاح والموفقية.

—–

 

 

الصبر في الأحاديث الإسلامية :

   وكما يقول بعض علماء الأخلاق أنّ الروايات الواردة عن المعصومين(عليهم السلام)في فضيلة الصبر والاستقامة أكثر من أن تحصى، وقد ورد في بعض الكتب الأخلاقية ما يقرب من

[ 423 ]

تسعمائة حديثاً عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)والأئمّة المعصومين(عليهم السلام)في هذا الموضوع، ولذلك نختار بعض النماذج من هذه الأحايث الشريفة لنستوحي منها دورساً في هذه الفضيلة :

   1 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) «الصَّبْرُ خَيْرُ مَرْكَب مَا رَزَقَ اللهُ عَبْداً خَيراً لَهُ وَلاَ اَوسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»(1).

   وعبارة «خيرُ مركب» الواردة في هذا الحديث الشريف تشير إلى أنّ الصبر هو أفضل وسيلة للوصول إلى السعادة والنجاة وأنّ الإنسان بدونه لا يصل إلى شيء من المقامات الاجتماعية والمعنوية في الدنيا والآخرة.

   2 ـ وعن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «عَلَيْكُم بِالصَّبْرِ فَاِنَّ الصَّبْرَ مِنَ الاِْيمَانِ كَالرَّأسِ مِنَ الجَسَدِ»(2).

   وهذا الحديث يدلّ على أنّ الصبر يعد مفتاحاً لجميع الأبعاد الحيوية في حركة الإنسان المادية والمعنوية، ولهذا ورد في ذيل الحديث المذكور «لا اِيمانَ لِمَنْ لا صَبْرَ لَهُ».

   3 ـ وفي حديث آخر عن هذا الإمام (عليه السلام) أيضاً أنّه قال: «لا يَعْدِمُ الصَّبُورُ الظَّفَرَ و َاِنْ طَالَ بِهِ الزَّمانُ»(3).

   ومع الالتفات إلى أنّ الصبر ذكر هنا بشكل مطلق وكذلك الظفر والنصب، فهذا يدلّ على أنّ هذه الحكم يستوعب جميع الأبعاد المادية والمعنوية في حياة الإنسان.

   4 ـ وقال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في باب الصبر «الصَّبْرُ نِصْفُ الإيمانِ»(4).

   وجاء في بعض الروايات الاُخرى أنّ نصف الإيمان هو الشكر والنصف الآخر هو الصبر.

   أي الصبر والاستقامة للوصول إلى النعم والمواهب الإلهية ثمّ الشكر على هذه النعمة، أي الاستفادة الصحيحة من المواهب والنعم الإلهية.


1. ميزان الحكمة، ج 2، ح 10025.
2. نهج البلاغة، الكلمات القصار، 82.
3. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الحكمة 153.
4. المحجّة البيضاء، ج 7، ص 106.

[ 424 ]

   ومن الواضح أنّ هذا الحديث لا يتنافى مع الأحاديث السابقة، لأنّه كما تقدّم أنّ المؤمن إذا لم يتمسك بالصبر فإنّ إيمانه سوف يتعرض للاهتزاز والارتباك بسبب الموانع الكثيرة الّتي يجدها في طريقه، وكذلك لو لم يكن شكوراً على نعم الله تعالى، فإنّ هذه النعم ستزول وتهرب من يده كما ورد في الآية: (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ اِنَّ عَذَابِي لَشَديد).

   5 ـ وفي حديث آخر عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال: «الصَّبْرُ كَنْزٌ مِنْ كُنُوزِ الْجَنَّةِ»(1).

   6 ـ ودليل هذا المعنى ما ورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) يوضح هذا المعنى ويقول «الصَّبْرُ عَوْنٌ عَلى كُلِّ اَمْر»(2).

   لأنّه كما تعلمون أنّ نظام الحياة في الدين والدنيا يضع أمام كلّ عمل مهم بعض الموانع الّتي لايتجاوزها ولا يعبرها إلاّ بالاستعانة بالصبر والاستقامة.

   7 ـ اما بالنسبة للصبر عند المعصية فورد في الحديث الشريف «وَمَنْ صَبَرَ عَنْ مَعْصِيَةِ اللهِ فَهُوَ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبيلِ اللهِ»(3).

   أجل فكليهما مجاهد في سبيل الله، مع فارق أنّ أحدهما يجاهد العدو الخارجي «الجهاد الأصغر» والآخر يجاهد العدو الداخلي «الجهاد الأكبر».

   8 ـ وورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين قوله : «اِنْ صَبَرْتَ اَدْرَكْتَ بِصَبْرِكَ مَنازِلَ الاَبْرارِ وَاِن جَزَعْتَ اَوْرَدَكَ جَزَعَكَ عَذابَ النّارِ»(4).

   9 ـ وعن الإمام الصادق (عليه السلام) قال في الصبر في مقابل البلايا والمصائب «مَن اِبْتُلي مِنَ المُؤمِنينَ بِبَلاء فَصَبَرَ عَلَيهِ كَان لَهُ مَثلُ اَجرِ اَلْفِ شَهِيد»(5).

   ويقول العلاّمة المجلسي بعد ذكر هذا الحديث في الجزء 68 من بحار الأنوار انه كيف يعقل أنّ للصبر مثل هذا الثواب في حين أنّ للشهيد بنفسه أحد الصابرين لانه صبر أمام


1. المحجّة البيضاء، ج 7، ص 107.
2. غرر الحكم، ح 765.
3. جامع الأحاديث الشيعة، ج 14، ص 253.
4. شرح غرر الحكم، ح 3713.
5. اُصول الكافي، ج 2، ص 92.

[ 425 ]

العدو حتّى استشهد ؟

   ويمكن في مقام الجواب عن هذا السؤال أن نقول : إنّ الشهيد يصبر أمام هجوم
الأعداء، وهؤلاء الصابرون إنما يصبرون في مقابل الصعوبات المرة الّتي تعترضهم في الحياة من قبيل أنواع المرض، الفشل، وفقد الأحبّة وأمثال ذلك.

   والدليل الآخر على أفضلية الصابر بالنسبة إلى الشهيد هو أنّ الشهادة تحدث مرة واحدة للإنسان، ولكنَّ صعوبات الحياة تتكرر آلاف المرات.

   10 ـ ويقول النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالنسبة إلى الثواب المعنوي للصابرين «مَنْ ابْتُلِيَ فَصَبَرَ وَاُعْطِيَ فَشَكَرَ وَظُلِمَ فَغَفَرَ اُولَئِكَ لَهُم اَلاَْمْنُ وَهُم مُهتَدونَ»(1).

   11 ـ ويقول الإمام الصادق (عليه السلام) أيضاً : «الصَّبْرُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِ العِبادِ مِنَ النُّورِ وَالصَّفاءِ والْجَزَعُ يُظْهِرُ مَا فِي بَوَاطِنِهِم مِنَ الظُّلْمَةِ وَالْوَحْشَةِ»(2).

   12 ـ ونختم هذا البحث عن أحاديث الصبر بحديث آخر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام)يقول «الصَّبْرُ مَطَيِّةٌ لا تَكبُوا وَالقَناعَةُ سَيفٌ لا يَنْبُوا»(3).

—–

 

 

معطيات الصبر ونتائجه :

   كما تقدّم في المباحث السابقة فإنّ طبيعة الحياة الدنيا تقترن بالموانع والمشكلات والبلايا، فلو أنّ الإنسان لم يلتزم بالمقررات والقوانين الّتي تنسجم مع هذه الحياة ويحل بذلك ما يواجهه من مشكلات فإنّه سوف لايصل إلى مقصده ولا يحقق غايته، وكذلك فإنّ الآفات والمصائب موجودة في ضمن النعم والمواهب وتتسبب في فقدها أو الاضرار بها من


1. بحار الأنوار، ج 2، ص 526، ح 830.
2. بحار الأنوار، ج 68، ص 90، ح 44.
3. بحار الأنوار، ج 68، ص 96.

[ 426 ]

قبيل المصائب الّتي تواجه الإنسان في أولاده وأقربائه وأمثال ذلك.

   فالإنسان بدون الاستعانة بالصبر والاستقامة سوف لا يتمكن من سلوك طريق الكمال والسعادة في بعده الإيجابي، وكذلك لا يتمكن من الصمود أمام عناصر الشَّر في حركة الحياة، ولهذا السبب فإنّ المفتاح الأصلي للموفقية والنجاح في الحياة هو الاستعانة بالصبر والاستقامة، وبما أنّ الدين هو عبارة عن مجموعة الواجبات والمحرمات، أو الطاعات وترك المعاصي، فإنّ الإيمان والإلتزام بالدين لا يكون ولا يتحقق بدون الصبر والاستقامة، لانه وطبقاً لما تقدّم من البيان فإنّ الصبر بالنسبة للإيمان كالرأس بالنسبة إلى الجسد، ولذلك ورد في بعض الأحاديث الإسلامية «ومنها الأحاديث الواردة عن أميرالمؤمنين (عليه السلام)» أنّ الصبر قرين الظفر «الصَّبْرُ الظَّفَرُ»(1).

   ونقرأ أيضاً في الآيات القرآنية أنّ الشرط المهم لإنتصار المجاهدين في سبيل الله هو الصبر والاستقامة في هذا الطريق ومن ذلك قوله تعالى (... إِنْ يَكُن مِّنكُمْ عِشْرُونَ صَـبِرُونَ يَغْلِبُواْ مِاْ ئَتَيْنِ وَإِنْ يَكُن مِّنكُم مِّاْ ئَةٌ يَغْلِبُواْ أَلْفًا مِّنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ)(2).

   ما هذه القوّة الّتي تمنح رجلاً واحداً القدرة على مقابلة عشرة أشخاص، وتمنح مئة شخص القدرة على مقابلة ألف شخص ؟

   إن هذه القوّة هي قوّة الصبر والاستقامة الّتي ورد التصريح بها في الآية الشريفة.

   فالأشخاص الّذين يعيشون ضعف الإرادة وقلّة العزيمة سوف يواجهون الحوادث والمشاكل من موقع الاذعان والخنوع أو يديرون ظهورهم لها ويجمحون عن مقاومتها، ولكنه لا الدنيا تتحقق للإنسان بدون الصبر والاستقامة ولا الآخرة، ولهذا السبب فان الشعوب الّتي حقّقت تقدماً علمياً وتطوراً حضارياً فإنما تحقق لها ذلك بواسطة الاستقامة والمثابرة والصبر، ويذكر في حالات العلماء الكبار،سواءاً الشخصيات الدينية الّتي فتحت أبواب العلوم والمعارف الدينية أمام الناس،أو علماء العلوم الطبيعية الّذين حققوا للبشرية


1. غرر الحكم، ح 213.
2. سورة الأنفال، الآية 65.

[ 427 ]

اكتشافات واختراعات مهمّة، أنّهم كانوا يعيشون قبل كلّ شيء حالة الصبر والاستقامة والمثابرة في أعمالهم ودراساتهم، فأحياناً يضطر أحد العلماء للكشف عن قانون علمي إلى اختيار العزلة والانزواء في المكتبة أو المختبر لعدّة سنوات حتّى يوفق أخيراً إلى هدفه واكتشافه.

   وقد ورد عن الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) قوله «مَنْ رَكِبَ مَراكِبَ الصَّبْرِ اهْتُدِىَ اِلَى مَيْدَانِ النَّصْرِ»(1).

   وكذلك ورد عن هذا الإمام قوله «مِفْتَاحُ الظَّفَرِ لُزُومِ الصَّبْرِ»(2).

   ومن جهة اُخرى نجد أنّ الأشخاص الّذين يشكون ضعف العزم وقلّة الصبر والاستقامة فإنّهم يتلوثون بسرعة بأنواع الذنوب، لأنّ الذنوب لها جاذبية قوية للنفس الأمارة في الإنسان، فلو لم تكن في الإنسان قدرة على مقاومتها لأسرع الإنسان الخطى في منزلقات الانحطاط والرذيلة.

   وورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) قوله «كَمْ مِنْ صَبْرِ سَاعَة قَدْ اَوْرَثَتْ فَرَحَاً طَويلاً وَكَمْ مِنْ لَذَّةِ سَاعَة قَدْ اَوْرَثَتْ حُزْناً طَويلاً»(3).

   ومن الممكن أن يبتلي الإنسان في مسيرة حياته بأنواع الضرر والخسارة المادية والمعنوية والاجتماعية، مثلاً بالنسبة إلى موت الأحبّة يجب القول : إن هؤلاء الأحبّة من الأصدقاء والاقرباء لم يتولدوا في وقت واحد وسوف لا يرحلون من هذه الدنيا في وقت واحد أيضاً، فهناك من يرحل قبل الآخر وهناك من يتأخر، والأشخاص الّذين يرحلون من هذه الدنيا أسرع سوف يخلفون في قلوب أحبتهم حالات الغم والحزن على فراقهم، فلو أنّ الإنسان لم يتحل بالصبر فسوف يفقد سلامته النفسية وصحّته الجسمية ويعيش اليأس في الحياة ويتأخر عن القافلة.


1. كنز الفوائد، ص 58.
2. غرر الحكم، ح 9809.
3. بحار الأنوار، ج 68، ص 19، ح 45.

[ 428 ]

   أجل فإنّ الصبر مع وجود جميع هذه الحوادث والمصاعب يمنح روح الإنسان وقلبه القدرة على الاستمرار في حركة الحياة وإدامة السلوك في خطّ التكامل الإنساني.

   وقد رأينا في الأحاديث السابقة أنّ الإمام الصادق (عليه السلام) يقول إنّ ثواب الصبر لدى الشيعة مقابل المصائب والبلايا يعادل ثواب ألف شهيد، وهذا المعنى يدلل على ما تقدّم آنفاً من أهمية الصبر.

   والخلاصة هي إننا كلّما تحدّثنا عن أهمية الصبر ودوره في الصعود بالإنسان في مدارج الكمال المادي والمعنوي، الدنيوي والأخروي، فلا نصل إلى غاية الكلام ولا نحيط بتمام الموضوع، ولهذا فلا ينبغي أن نتصور أنّ ما ورد في الروايات الشريفة عن ثواب الصابرين هو مبالغة في الكلام، وبعبارة اُخرى : يمكن التمسك بالحديث الشريف الوارد عن الإمام الباقر (عليه السلام) حيث قال «اِنَّهُ مَنْ صَبَرَ نَالَ بِصَبْرِهِ دَرَجَةَ الصّائِمِ الْقائِمِ، وَدَرَجَةِ الشَّهيدِ الّذي ضَرَبَ بِسَيفِهِ قُدّامَ مُحمَّد (صلى الله عليه وآله)»(1).

 

أقسام الصبر :

   وقد ورد في الكثير من كتب الأخلاق وكلمات علماء الأخلاق أنّ الصبر ينقسم إلى ثلاثة أقسام :

   1 ـ الصبر على الطاعة.

   2 ـ الصبر على المعصية.

   3 ـ الصبر على المصيبة.

   والمراد من «الصبر على الطاعة» هو مقاومة المشكلات الّتي تعترض طريق الطاعة لله تعالى وامتثال أوامره من قبيل أداء الصلاه والصوم والحجّ والجهاد ودفع الحقوق المالية مثل الخمس والزكاة، وكذلك الصبر والاستقامة مقابل المشكلات الّتي تقع في طريق طاعة الأوامر الاستحبابية والّتي تستوعب دائرة عريضة، والمقصود من «الصبر على المعصية» هو


1. وسائل الشيعة، ج 11، كتاب الجهاد، ص 209، ح 5.

[ 429 ]

الوقوف أمام الأهواء والدوافع النفسية والنوازع الدنيوية الّتي تستعر في قلب الإنسان وباطنه، وقد تستعر نيرانها إلى درجة أن تتحول إلى اعصار يدمر جميع عناصر الخير في الإنسان، ويتلف ما لديه من الإيمان والتقوى والطهارة والصدق والصفاء وأمثال ذلك.

   والمقصود من الصبر على المصيبة هو أن يتحلّى الإنسان بالصبر في حياته مقابل الحوادث المؤلمة من قبيل فقد الأحبّة، الخسارة المالية الكبيرة، وقوع شخصيته وسمعته الاجتماعية في الخطر، وقوع الإنسان في مخالب المرض العسير والمؤلم، والابتلاء برفاق السوء أو الشريك الخائن أو الحكومة الظالمة وأحياناً الزوج والزوجة الفاسدة وأمثال ذلك.

   وقد أورد علماء الأخلاق هذا التقسيم للصبر اقتباساً من الروايات الشريفة كما ورد في الحديث الشريف النبوي أنّ رسول الله (صلى الله عليه وآله) قال : «الصَّبْرُ ثَلاثَةٌ، صَبْرٌ عَلَى الْمُصيبَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الطَّاعَةِ وَصَبْرٌ عَلَى الْمَعْصِيَةِ، فَمَنْ صَبَرَ عَلَى المُصيبَةِ حَتَّى يَرُدَّهَا بِحُسْنِ عَزائِهَا، كَتَبَ اللهُ لَهُ ثَلاثَ مِائة دَرَجَة مَا بَينَ الدَّرَجَةِ اِلَى الدَّرَجَةِ كَما بَينَ السَّمَاءِ اِلَى الاَرضِ، وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الطَّاعَةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ سِتَّ مائةِ دَرَجَة، مَا بَينَ الدَّرَجَةِ اِلَى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومُ الاَْرضِ اِلَى الْعَرْشِ وَمَنْ صَبَرَ عَلَى الْمَعْصيةِ كَتَبَ اللهُ لَهُ تِسْعَ مِائةِ دَرَجَة مَا بَينَ الدَّرَجَةِ اِلى الدَّرَجَةِ كَمَا بَينَ تُخُومِ الاَرْضِ اِلَى مُنْتَهَى الْعَرْشِ»(1).

   ويستفاد من عبارات هذا الحديث الشريف الصبر على المعصية أهمّ من الجميع، ثمّ الصبر على الطاعة، ثمّ الصبر على المصيبة الّذي يأتي في المرتبة الثالثة من حيث الأهمية والثواب.

   ويقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) في حديث آخر بعد أن يقسم الإيمان إلى أربع «الصَّبْرُ مِنْهَا عَلَى اَرْبَعِ شُعَب، عَلَى الشَّوْقِ وَالشَّفَقِ وَالزُّهْدِ وَالتَّرَقُبِ»(2).

   ومع قليل من التأمل يتضح أنّ هدف الإمام (عليه السلام) من هذا البيان هو شرح دوافع الصبر والاستقامة لا فروعه وأغصانه، وهو مثل ما تقدّم من الحديث النبوي الشريف.

 


1. بحار الأنوار، ج 68، ص 77، في اُصول الكافي، ج 2، ص 91 بهذا المعنى.
2. نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح 31.

[ 430 ]

دوافع الصبر والاستقامة :

   إن العوامل والعناصر الّتي تمنح الإنسان القدرة على الصبر مقابل مشكلات الطاعة وترك المعصية أو مقابل المصائب هي كثيرة، ولكلٍّ واحد منها تأثير خاصّ في تقوية وتعميق هذه الفضيلة الأخلاقية في واقع النفس، وأهمها :

   1 ـ تقوية دعائم الإيمان واليقين في القلب، وخاصّةً مع ملاحظة هذه النكتة، وهي أنّ الله تعالى هو أرحم الراحمين وهو المتكفل لرعاية مصالح عباده والعناية بهم، ومن هذا المنطلق قد يبتلي الإنسان ببعض الحوادث الّتي تكون أسرارها ومنافعها خفية على الإنسان ليقوي به روح الصبر، وهنا ينبغي الالتفات والتفكر بالثواب العظيم الّذي أعده الله تعالى للمطيعين والورعين عن ارتكاب المعاصي فإنّ ذلك من شأنه أن يرسخ في عزم الإنسان عنصر الصبر والاستقامة.

   ومن ذلك ما ورد عن أميرالمؤمنين(عليه السلام) قوله: «أَصْلُ الصَّبْرِ حُسْنُ الْيَقِينِ بِاللهِ»(1).

   وبديهي انه كلّما اشتد إيمان الإنسان وكثرت معرفته بحكمة الله ورحمته فإنّ صبره سيزداد تبعاً لذلك، وبتعبير آخر : أنّ تحمل الصبر سيكون أسهل وأيسر، ولهذا ورد في الحديث الشريف عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال لبعض أصحابه «اِنَّا صُبَّرٌ وَشِيعَتُنا اَصْبَرُ مِنّا» فقال له الراوي : جعلت فداك كيف يكون شيعتكم أصبرُ منكم ؟ فأجابه الإمام (عليه السلام)«لاَِنّا نَصْبِرُ عَلَى مَا نَعْلَمُ وَشيعَتُنا يَصْبِرُونَ عَلَى مَا لايَعْلَمُونَ»(2).

   2 ـ إن تحصيل ملكة الصبر واكتساب هذه الفضيلة حاله حال الفضائل الأخلاقية الاُخرى لابدّ فيه من الممارسة والتمرن ومقابلة الحوادث الصعبة ومواجهة التحديات المفروضة على الإنسان، ولهذا ورد عن أميرالمؤمنين قوله «مَنْ تَوالَتْ عَلَيهِ نَكَباتُ الزَّمانِ اِكْسَبَتْهُ فَضيلَةُ الصَّبْرِ»(3).

   وبعبارة اُخرى : إن الإنسان في بداية مواجهته للمصيبة قد يصرخ ويحزن بشدّة، وكذلك


1. غرر الحكم، ح 3084.
2. اُصول الكافي، ج 2، ص 93، ح 25.
3. غرر الحكم، ح 9144.

[ 431 ]

عندما يتحرّك في خط الطاعة والاتيان بالعبادة فإنه قد يواجه مشكلة من ثقل هذه  العبادة ويشعر بالتعب، ولكن تكرار هذه الحوادث وممارسة هذه العبادات سوف  تكسبه بالتدريج فضيلة الصبر وتمنحه القوّة في ذاته على الاستمرار في خطّ  الاستقامة.

   3 ـ ومن العوامل المهمة في تقوية ملكة الصبر في الإنسان أن يلتفت الشخص إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الدنيا دار الحوادث والمشكلات، ولا يتسنّى له الحصول على أية موهبة من المواهب المادية والمعنوية من دون عبور هذه الموانع المختلفة والتغلب على تلكم المشكلات، وأيضاً يلتفت إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الأفراد الّذين يعيشون النزق وقلة الصبر وسرعة الانفلات لا يصلون إلى مرتبة من مراتب الكمال النفسي والاجتماعي،كلّ ذلك من شأنه أن يقوي في الإنسان العزم والإرادة والصمود أمام المشكلات والحوادث.

   وكما تقدّمت الإشارة إليه انه لابدّ لقطف الوردة من تحمل ألم الوخزة، ولتناول جرعة من العسل لابدّ من تحمل لسع النحل، وأنّ الكنوز موجودة عادّةً في الخرائب، والجنّة كامنة في أعماق المشاكل والحوادث المؤلمة.

   ومن المعلوم أنّ كلّ إنسان يتفكر جيّداً في هذه الاُمور فإنه سيجد في نفسه القدرة على الصبر أكثر وتتعمق فيه هذه الفضيلة الأخلاقية، ومن ذلك ورد في حديث آخر عن
أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «لِكُلِّ نِعْمَة مِفْتاحٌ وَمِغْلاقٌ وَمِفتاحُهَا الصَّبْرُ وَمِغلاقُها الْكَسَلْ»(1).

   4 ـ وأحد العوامل والدوافع الاُخرى للصبر وسُبل تقويته في وجود الإنسان هو أن يتشبه الإنسان بالصابرين، وهذا الأمر يصدق على جميع الفضائل الأخلاقية، فكلّما تحلّى الإنسان في الظاهر بصفة معيّنة فسوف تنفذ وتمتد إلى باطنه بالتدريج ويكتسب بذلك هذه الملكة.

   وورد في حديث شريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) «مَنْ يَتَصَبَّرْ يُصَبِّرُهُ اللهُ وَمَنْ يَسْتَعْفِف يَعُفَّهُ اللهُ، وَمَن يَسْتَغْنِ يُغْنِهُ اللهُ وَمَا اُعْطِي عَبْدٌ عَطاءً هُوَ خَيرٌ وَاَوسَعُ مِنَ الصَّبْرِ»(2).


1. شرح نهج البلاغة لابن أبي الحديد، ج 20، ص 322.
2. ميزان الحكمة، ج 2، ح 10128.

[ 432 ]

   5 ـ الصبر له علاقة وثيقة بسعة وجود الإنسان وشخصيته، فكلّما اتسعت ظرفية الإنسان وقويت شخصيته فإنه يعيش الصبر والاستقامة أكثر وأشد، ولهذا السبب فإنّ الأطفال وكذلك الكبار الّذين يعيشون حالة الطفولة يجزعون لأقل حادثة، في حين أنّ الأشخاص الّذين يتمتعون بشخصية قوية وسعة صدر فإنه يهضمون المشكلات ويتغلبون عليها.

   إن المسبح الصغير قد يتماوج بأدنى نسيم وأقل ريح بينما البحر الكبير لا يتماوج بهذه السهولة، وإنما سمّي أكبر المحيطات في الدنيا بالمحيط الهادي لأن هيجان أمواجه هي أقل من هيجان الأمواج في المحيطات الاُخرى.

   إن مطالعة سيرة الشخصيات المهمة في التاريخ البشري وخاصّة الأنبياء والأولياء الإلهيين الّذين وصلوا إلى مقامات عالية ومراتب سامية في دائرة الكمال المعنوي بسبب الصبر والاستقامة، يمكنها أن تكون من العوامل المؤثرة في تقوية هذه الملكة الحميدة في الإنسان ويكون دافعاً له على التحلي بهذه الفضيلة أسوةً بهؤلاء العظام.

   إن مسألة الصبر والاستقامة مقابل الحوادث المؤلمة والمشكلات الكبيرة الّتي تواجه الإنسان في حركة الحياة لا تقتصر على البعد الأخلاقي والمعنوي فحسب بل هي مؤثرة بالنسبة إلى سلامة البدن وقواه الحيوية، فالأشخاص الّذين لا يملكون حالة الصبر أمام الحوادث فإنّ حياتهم عادةً تكون مقترنة بأنواع الأمراض وأهمها الأمراض القلبية والعصبية، في حين أنّ الصابرين يتمتعون بعمر طويل مع سلامة بدنية نسبية، ولذلك فإنّ علماء النفس يرون أنّ الدين بصورة عامة «والّذي يقوي في الإنسان حالة الصبر أمام المشكلات» يعد أحد شروط سلامة الجسم والصحّة النفسية.