وهنا نرى أيضاً أنّ هذه الصفة الأخلاقية الذميمة وهي صفة التكبّر والاستكبار كانت سبباً بأن يتصوّروا أنفسهم أقوى الموجودات في عالم الخلقة وحتّى أنّهم نسوا قدرة الله
تعالى وبالتالي تعاملوا مع الآيات الإلهية من موقع الإنكار وأوجدوا جداراً سميكاً بينهم وبين الحقّ.
والملفت للنظر أنّ الآية الّتي تليها (الآية 16 من سورة فصلت) تشير إلى أنّ الله تعالى ولأجل تحقير هؤلاء المتكبرين المعاندين قد سلط عليهم اعصاراً شديداً ومهولاً في أيّام نحسات بحيث جعلت من أجسادهم كالرماد المبثوث وكالريشة في مهب الريح.
أجل فإنّ التكبّر يعدّ حجاباً على بصيرة الإنسان يمنعه من رؤية أيّة قدرة فوق قدرته حتّى أنّه لا يرى قدرة الله تعالى على نفسه وأفعاله.
وتعبير «بغير الحقّ» هو في الواقع قيد توضيحي، لأنّ التكبّر والاستكبار بالنسبة للإنسان هو بغير حقّ دائماً وبأيّة حالة، فلا يليق بالإنسان أن يتصرّف من موقع التكبّر ويلبس هذا الرداء الّذي لا يليق إلاّ بالقدرة الإلهية المطلقة.
—–
«الآية الخامسة» تتحدّث عن زمان شعيب وقومه، وهنا نرى أيضاً أنّ السبب الأساسي لشقاء قوم شعيب وضلالهم هو الاستكبار حيث تقول الآية : (قَالَ ا لْمَلاَُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)(1).
لماذا يجب على شعيب والّذين آمنوا معه وسلكوا طريق التقوى والانفتاح على الله أن يخرجوا من ديارهم ومدنهم ؟ هل هناك دليل آخر غير تحرّك الأثرياء والمتكبّرين من قوم شعيب في التصدي للدعوة الإلهية والرسالة السماوية ونظرتهم إلى الّذين آمنوا من موقع الاستصغار والاستحقار وبالتالي الانطلاق في سبيل إلغائهم ونفيهم وإبعادهم عن ديارهم ؟
أما قولهم (أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا) فلا يعني أنّ الّذين آمنوا مع شعيب كانوا على ملّة هؤلاء المستكبرين ودينهم، بل بسبب أنّهم كانوا منسوبين إليهم وإلى هذه المدينة، ونعلم أنّ التكبّر وحبّ الذات يوجب على الإنسان المتصف بهذه الصفة أن يرى كلّ شيء متعلّقاً به ومن ممتلكاته.
—–
«الآية السادسة» ناظرة إلى عصر موسى وفرعون وقارون، حيث تتحدّث هذه الآية عن قصة هؤلاء وترى أنّ العامل الأساس لانحراف وضلال وشقاء قوم فرعون هو حالة التكبّر فتقول : (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الاَْرْضِ
وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ)(1)، ولهذا السبب فإنّهم لم يذعنوا للحقّ وبالتالي فقد أصابهم عذاب الله وأهلكهم ولن يستطيعوا الفرار منه.
(قارون) ذلك الرجل الثري الّذي كان يرى أنّ ثروته العظيمة دليلاً على مقامه ومنزلته السامية عند الله تعالى وكان يرى أنّ هذه الثروة العظيمة إنّما حصل عليها بسبب لياقته وذكائه، ولذلك تملّكه الغرور والفرح والفخر، فكان يخرج على قومه من فقراء بني إسرائيل بعظيم الزينة ومظاهر الثروة إصراراً منه على تحقيرهم وإذلالهم، وكلّما نصحوه بأن يستخدم هذه الثروة لنيل الدرجات العليا في الآخرة والسعادة المعنوية في حركة الحياة والمجتمع، فإنّ هذه النصائح لن تؤثر فيه وذهبت أدراج الرياح، لأنّ الغرور والتكبّر منعه من إدراك حقائق الاُمور وصدّه عن دفع هذه الأمانة الإلهية الّتي بيده لأيّام معدودة لأصحابها الواقعيين.
أمّا «فرعون» الّذي جلس على عرش السلطنة والقدرة فإنّه قد أصابه الغرور والتكبّر بأشد من صاحبه حتّى أنّه لم يقنع من الناس بعبوديتهم له بل كان يرى نفسه أنّه (ربّهم الأعلى).
أمّا «هامان» الوزير المقرّب لفرعون والّذي كان شريكاً له في جميع جرائمه ومظالمه بل إنّ جميع إدارة اُمور المملكة كانت بيده فإنّ القرآن الكريم صرّح أيضاً بأنّه ابتلي بالكبر والغرور الشديد.
هؤلاء الثلاثة اتّحدوا في مقابل موسى(عليه السلام) ودعوته الإلهية وانطلقوا في الأرض فساداً وأمعنوا فيها اضلالاً للناس وإذلالاً لهم إلى أن شملهم العذاب الإلهي الشديد، فأغرق فرعون وهامان في أمواج النيل الهادرة حيث كانوا يعدون النيل مصدراً لقدرتهم وأساساً لملكهم، أمّا قارون فقد ابتلعته الأرض بكنوزه وثرواته الطائلة.
—–
«الآية السابعة» تتحدّث عن قوم عيسى بن مريم(عليه السلام) والفرق بينهم وبين اليهود حيث
تقول : (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَا وَةً لِّـلَّذِينَ ءَامَنُواْ ا لْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَ نَّـهُمْ لاَيَسْتَكْبِرُونَ)(1).
ثمّ تذكر الدليل والعلّة لهذا التفاوت والفرق بين هاتين الطائفتين وتقول: (ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَ نَّـهُمْ لاَيَسْتَكْبِرُونَ).
ومن هذه العبارة يتضح جيداً أنّ أحد العوامل الأصلية لعداء اليهود للّذين آمنوا هو حالة التكبّر والاستكبار تجاه الحقّ في حين أنّ أحد أدلّة تعامل النصارى مع المؤمنين من موقع المحبّة واللطف هو عدم وجود هذه الصفة الذميمة في أنفسهم.
إنّ الأشخاص الّذين يعيشون التكبّر والاستكبار يريدون أن يقف الآخرون أمامهم موقف الذلّة والحقارة والعجز، ولهذا السبب فإنّهم إذا رأوا يوماً نعمة قد أنعم الله بها على الآخرين فإنّهم يجدون في أنفسهم عداءً وكراهية شديدة تجاه هؤلاء الّذين أنعم الله عليهم، أجل فإنّ الاستكبار هو سبب الحسد والحقد والعداء تجاه الحقّ والناس.
صحيح أنّ هذه الآية لا تتحدّث عن جميع النصارى بل ناظرة إلى النجاشي وقومه في الحبشة الّذين استقبلوا المسلمين المهاجرين إليهم أحسن استقبال ولم يلتفتوا إلى وساوس أزلام قريش الّذين أرسلتهم قريش ليحركوا النجاشي على طرد المسلمين من الحبشة وتسليمهم إلى المشركين، وهذا الأمر هو الّذي تسبّب في أن يجد المسلمون في أرض الحبشة ملجأً وملاذاً لهم من شر المشركين الّذين كانوا ينصبون لهم أشد العداوة والكراهية، ولكن الآية على أيّة حال تقرر أنّ الاستكبار هو العامل الأساس للعداوة والبغضاء للحقّ وأهل الحقّ في حين أنّ التواضع يُعد أساساً للمحبّة وتعميق أواصر العلاقة والعاطفة مع أهل الإيمان والخضوع مقابل الحقّ.
—–
«الآية الثامنة» تتحرّك من موقع التأكيد على هذا المعنى وتقرير هذه الحقيقة المهمّة،
وهي أنّ الاستكبار هو سبب (الكفر والعناد وعدم المرونة مقابل الحقّ)، وهنا تستعرض الآية حالة (الوليد بن المغيرة المخزومي) الّذي كان يعيش في عصر نزول القرآن وتصف حالته في مقابل الحقّ والآيات القرآنية وتقول : (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَـذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)(1).
كلمة «سحر» توضح جيداً أنّ الوليد قد أقرّ واذعن بهذه الحقيقة وهي أنّ القرآن الكريم له تأثير عجيب على الأفكار والقلوب ويتمتع بجاذبية كبيرة لعواطف الناس، فلو أنّ الوليد نظر إلى هذه الآيات نظر المنصف والطالب للحقّ فإنّه سوف يعد هذا التأثير الغريب للقرآن دليلاً على إعجازه، وبالتالي سوف يؤمن به، ولكن بما أنّه كان ينظر إليه من خلال حجاب الغرور والتكبّر فإنّه كان يرى فيه سحراً كبيراً كسحر الأقوام السالفة، أجل فكلّما تراكم حجاب التكبّر على بصيرة الإنسان وقلبه فإنّه سينظر إلى آيات الحقّ بنظر الباطل وينقلب الباطل في نظره إلى حقّ.
والمشهور أنّ الوليد كان يعيش الغرور إلى درجة أنّه كان يقول: «اَنَا الْوَحِيدُ بْنُ الْوَحِيد، لَيْسَ لِي فِي الْعَرَبِ نَظِيرٌ، وَلاَ لأَبي نَظِيرٌ !» في حين أنّ الوليد كان يُعتبر بالنسبة إلى الناس في ذلك الزمان رجلاً عالماً وقد أدرك عظمة القرآن جيداً وقال فيه عبارة عجيبة مخاطباً بني مخزوم: «إنَّ لَهُ لَحَلاَوَةً، وَإنَّ عَلَيْهِ لَطَلاَوةً، وَاِنَّ أَعْلاَهُ لَمُثْمَرٌ وَاِنَّ اَسْفَلَهُ لَمُغْدَقٌ، وَاِنَّهُ لَيَعْلُو وَلاَ يُعْلى عَلَيْهِ».
هذا التعبير يقرب بوضوح إلى أنّ الوليد أدرك عظمة القرآن أكثر من أيّ شخص آخر من قومه ولكن التكبّر والغرور منعه من رؤية شمس الحقيقة والإذعان لنور الحقّ.
—–
وتأتي «الآية التاسعة» لتستعرض في سياقها خطاب مؤمن آل فرعون لقومه ويحتمل أن تكون هذه الآية جزءاً من خطابه أو جملة مستقلة معترضة من الآيات القرآنية الكريمة حيث نقرأ فيها قوله تعالى: (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَـاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا
عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار)(1).
«يطبع» من مادّة «طبع» وتأتي في هذه الموارد بمعنى الختم، وتشير إلى عمل تم في الماضي والحال ويراد به الشيء الّذي يُراد بقائه دون استخدام وتصرف فيغلق عليه ويُسد بابه ويوضع عليها مادّة لاصقة إما من الطين أو الشمع أو ما شابه ذلك ويختم عليها بختم معين بحيث إذا أراد شخص فتحه سيضطر إلى كسر هذا الختم وبالتالي سيتّضح ويتبين أنّه تصرّف فيه فيحال إلى المحكمة.
وعلى هذا الأساس فإنّ عملية الطبع والختم على قلوب المتكبرين يشير إلى أن عناد هؤلاء وعدائهم للحقّ قد أسدل على قلوبهم وأفكارهم حجاباً ظلمانياً بحيث لا يقدرون معه على إدراك حقائق عالم الوجود، ولا يرون سوى أنفسهم ومصالحهم وأهوائهم النفسية ونوازعهم الدنيوية، فكانت أذهانهم وعقولهم بمثابة ظروف مغلقة لا يمكن معها من إفراغ محتواها الفاسد ولا ملئها بالمحتوى السليم والفكر الصحيح، وهذا في الواقع هو نتيجة التكبّر وحالة الجبارية الّتي يعيشها هؤلاء الاشخاص، وفي الواقع فإنّ الصفة الثانية متولدة من الصفة الاُولى لأنّ (جبار) تأتي في هذه الموارد بمعنى الشخص الّذي يعاقب وينتقم من مخالفيه من موقع الغضب الشديد والنقمة لا من موقع العقل والحكمة، وبعبارة اُخرى : أنّ الجبّار هو الشخص الّذي لا يرى إلاّ نفسه وأهوائه ولا يرى للآخرين محلاً من الإعراب سوى أنّهم اتباع له.
وبالطبع فإنّ هذه المفردة «الجبّار» تطلق أحياناً على الله تعالى أيضاً ويراد بها مفهومٌ خاص وهو الشخص الّذي يُجبر نقائص الآخرين ويصلحها.
—–
وتنطلق «الآية العاشرة» لتشير إلى أصل كلي لا يختصّ بطائفة معيّنة، وهو أنّ الكافرين عندما يقتربون من حافة جهنم يُقال لهم إنّ هذا العذاب هو بسبب أنّكم تتصفون بصفة التكبّر
فتقول الآية: (قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَا بَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ا لْمُتَكَبِّرِينَ)(1).
وشبيه هذا المعنى قد ورد في آيات متعددة اُخرى من القرآن الكريم منها ما ورد في الآية 60 من سورة الزمر: (اَلَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْمُتَكَبِّرِينَ).
ومن الملفت للنظر أنّ من بين جميع الصفات الأخلاقية الذميمة لأصحاب النار قد أكدت الآية على مسألة التكبّر ممّا يقرر هذه الحقيقة، وهي أنّ هذه الصفة الذميمة هي الأساس في سقوط هؤلاء في هذا المصير المؤلم بحيث تكون جهنم هي مقرّهم النهائي ومصيرهم الخالد.
وممّا يلاحظ في هذه الآية أنّ كلمة «مثوى» من مادّة «ثوى» تعني المحل الدائم والمقر الّذي يستقر فيه الإنسان في نهاية المطاف، وهو إشارة إلى أنّ هؤلاء لا نجاة لهم من العذاب الأليم في الآخرة.
«الآية الحادية عشر» تتحدّث أيضاً عن المتكبّرين بشكل عام وتقول: (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الاَْرْضِ بِغَيْرِ ا لْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْاْ كُلَّ آيَة لاَّيُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَيَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ ا لْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنـَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)(2).
هذه العبارات المثيرة الواردة في هذه الآية الكريمة تخبر عن عمق المصيبة الّتي يبتلي بها هؤلاء المتكبرون، فإنّ الله تعالى سيجازي هؤلاء الأشخاص ويعاقبهم من موقع أنّهم لا يجدون في أنفسهم قبولاً للحقّ بحيث إنّهم لو رأوا جميع آيات الله ومعجزاته المتنوعة فإنّهم لا ينفتحون على الإيمان ولا يسلكون خط الصلاح والهدى، ولو أنّهم وجدوا الصراط المستقيم مفتوحاً أمامهم فإنّهم لا يسلكونه بل إذا وجدوا طريق الغي والضلال فإنّهم يسلكونه من فورهم ويتحركون في خط الضلالة والباطل والإنحراف.
وعبارة «بغير الحقّ» هي في الواقع قيد توضيحي لأنّ العظمة والكبرياء مختصان بالله
تعالى وقدرته المطلقة، وأمّا بالنسبة للإنسان الّذي ليس سوى ذرّة صغيرة من ذرات عالم الوجود الواسع، فإنّ رداء العظمة والكبرياء بالنسبة له ليس حقّاً وليس من حقّه أن يرتدي هذا الرداء.
بعض المفسّرين ذهبوا إلى أنّ هذا القيد هو قيدٌ احترازي وقالوا : إنّ التكبّر على قسمين : تكبّر في مقابل أولياء الله فهو (بغير الحقّ) وفي مقابل ذلك التكبّر في مقابل أعداء الله وهو (بالحقّ) ولكن مع الالتفات إلى جملة «يَتَكَبَّرُونَ فِي الاْرْضِ» يتّضح جيداً أنّ هذا التفسير غير منسجم مع سياق الآية لأنّ التكبّر في الأرض وفي مقابل البشر جميعاً هو خلقٌ مذموم وقبيح بصورة مطلقة.
وعلى أيّة حال فإنّ الآية الشريفة تشير في سياقها إلى أهم آثار وعواقب التكبّر الوخيمة، وهي أنّ مثل هذا الإنسان لا يذعن أمام آيات الحقّ ولا يؤمن بها بل على العكس من ذلك، فإنّه وبسبب هذه الصفة الذميمة سيدخل أبواب الضلالة، ويسلك سبيل الغي لدى مشاهدته فوراً.
أجل فإنّ صفة الكبر والغرور تمثل حجاباً على قلب الإنسان وروحه ممّا يتسبّب أن يرى الحقّ باطلاً والباطل حقّاً، وبذلك يحجب عن الإنسان أبواب السعادة والنجاة ويفتح له أبواب الضلالة وعلى أساس أنّها أبواب السعادة، فما أعظم شقاء الإنسان الّذي لا يرى علائم الحقّ ويتغافل عنها ويسلك طريق الضلالة والزيغ والإنحراف ويتصور أنّ هذا المسير هو الّذي يؤدي به إلى السعادة والنجاة ! !
—–
«الآية الثانية عشر» تقول: (لاَجَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَايُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَيُحِبُّ ا لْمُسْتَكْبِرِينَ)(1).
وقد ورد ما يشبه هذا المعنى في القرآن الكريم مرّات عديدة من قبيل قوله :
(وَاللهُ لاَيُحِبُّ الظَّالِمينَ)(1).
(وَاللهُ لاَيُحِبُّ الْمُفْسِدينَ)(2)
(إنَّ اللهَ لاَ يُحبُّ الْمُعْتَدِينَ)(3)
(إنَّهُ لاَ يُحِبُّ الْمُسْرِفِين)(4)
(إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْخَائِنِينَ)(5)
(إنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ الْفَرِحِينَ)(6)
ويقول في الآية محل البحث: (اِنَّهُ لاَيُحِبُّ الْمُسْتَكْبِرِينَ).
إنّ التدقيق في مثل هذه العبارات يوضح وجود رابطه خاصة بين هذه الاُمور المذكورة في هذه الآيات، بحيث يمكن القول أنّ القدر المشترك بين الصفات الرذيلة في هذه الآيات السبعة المذكورة آنفاً هو حبّ الذات والغرور والعجب أو التكبّر الّذي يعد منبعاً للظلم والفساد والإسراف والفخر على الآخرين.
وهنا تقول الآية : إنّ الله تعالى لا يحب أيّاً من هذه الطوائف السبعة، ومفهومها أنّ من يتصف بهذه الصفات ويكون مصداقاً لأحد هذه الطوائف فإنّه مطرود من ساحة الربوبية والرحمة الإلهية الواسعة، لأنّه متصف بأخطر الرذائل الأخلاقية، وهي التكبّر المانع من القرب إلى الله تعالى.
—–
«الآية الثالثة عشر» من الآيات محل البحث وكما ورد في الروايات في شأن نزولها أنّها تتحدّث عن طائفة من نصارى نجران وتقول : (لَنْ يَسْتَنكِفَ ا لْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ
ا لْمَلَـئِكَةُ ا لْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)(1).
وتقول الآية الّتي تليها مؤكدة على أصل مهم ومصيري في حياة الإنسان والمجتمع البشري : (فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّـلِحَـتِ فَيُوَفِّيهِمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدُهُم مِّن فَضْلِهِ وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنكَفُواْ وَاسْتَكْبَرُواْ فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلاَيَجِدُونَ لَهُم مِّن دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلاَنَصِيرًا)(2).
هذه الآيات ناظرة إلى دعوى واهية لطائفة من النصارى الّذين ذهبوا إلى إلوهية المسيح وتصوّروا أنّهم لو أنزلوا المسيح من هذا المقام وأنّه عبدالله فإنّ ذلك سيكون هتكاً لحرمته وإهانة لساحته ومقامه السامي.
وأمّا القرآن فيقول لهم أنّه ليس المسيح ولا أي واحد من الملائكة أو من المقرّبين له هذا المقام، ولا يتصوّر أحد منهم ذلك بل يرون أنفسهم عباد الله ويذعنون أمام هذه الحقيقة الناصعة، ويأتون بطقوس العبودية له، ثمّ يذكر القرآن أصلاً كليّاً ويقول : إذا تحرّك أي واحد من المخلوقين حتّى الأنبياء الإلهيين أو الملائكة المقرّبين مبتعداً عن خط العبودية ومتلبساً بلباس الاستكبار أمام الحقّ تعالى واستنكف عن عبادته وتكبر فإنّه سوف لا يستطيع انقاذ نفسه من العذاب الإلهي ولا يستطيع أحد انقاذه من خالق العقاب الأليم المقرّر له.
والملفت للنظر أنّ الآية الأخيرة تقرّر أنّ الإيمان والعمل الصالح يقعان في النقطة المقابلة، للاستكبار والأنانية ورؤية الذات أعلى من الواقع، وبالتالي يمكننا أن نستوحي منها هذه النتيجة، وهي أنّ من يسلك طريق الاستكبار وينطلق في فكره وسلوكه من موقع التكبّر فليس له إيمان حقيقي ولا عمل صالح.
«الاستنكاف» في الأصل من مادّة «نكف» على وزن «نصر» وهي في الأصل بمعنى مسح قطرات الدموع على الوجه بالأصابع، وعليه فيكون الاستنكاف من عبودية الله تعالى يعني الابتعاد عنه وذلك بسبب أحد العوامل المختلفة من قبيل الجهل أو الكسل وحب
الراحة وغير ذلك، ولكن عندما وردت جملة «اِسْتَكْبَرُوا» بعد هذه العبارة فإنّ ذلك يشير إلى الاستنكاف الّذي يقع من موقع الكبر والغرور ويكون معلولاً لهما، وبذلك يكون ذكر هذه الجملة بعد تلك العبارة في الواقع إشارة إلى هذه النكتة الدقيقة.
وعلى أيّة حال فإنّ التعبيرات المثيرة في هذه الآيات تدلّ على أهمية هذه المسألة وأنّ هذه الصفة الذميمة وهي الاستكبار تنتج هذه العواقب الوخيمة لدى كلّ إنسان يتصف بها.
—–
وفي «الآية الرابعة عشر» والأخيرة من الآيات محل البحث نقرأ نتيجة اُخرى من
النتائج الخطيرة والإليمة المترتبة على حالة الاستكبار حيث تقول الآية : (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَا بُ السَّمَآءِ وَلاَيَدْخُلُونَ ا لْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ ا لْجَمَلُ فِى سَمِّ ا لْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الُمجْرِمِينَ)(1).
ففي هذه الآية الشريفة ورد أوّلاً (التكذيب بآيات الله) إلى جانب (الاستكبار) وكما ذكرنا سابقاً أنّ أحد العلل المهمّة لإنكار آيات الله والتصدي لدعوة الأنبياء هي حالة الاستكبار الّتي يعيشها الأقوام البشرية، فأحياناً كانوا يقولون : ما هو امتياز هذا النبي عنا ؟ ولماذا نزلت عليه آيات الله دوننا ؟ ويقولون أحياناً اُخرى : إن الاراذل والفقراء من الناس إلتفّوا حوله ونحن أعلى شاناً من أن نكون كأحدهم، ولو أنّ هذا النبي قد طرد هؤلاء المؤمنين به من حوله فسوف يفسح لنا المجال للدخول في مجلسه والمشاركة في الاستماع لكلماته ومواعظه، وهكذا من خلال هذه التبريرات والذرائع الواهية كانوا يعرضون عن الإيمان بالله والتحرّك في خط المسؤولية.
عبارة: «وَلاَيَدْخُلُونَ ا لْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ ا لْجَمَلُ فِى سَمِّ ا لْخِيَاطِ» والّتي وردت في القرآن الكريم في هذه الآية فقط هي تأكيد واضح على عظمة هذه الخطيئة وهذا الاتصاف السلبي والخطير في حركة الإنسان في الحياة، أي كما أنّ عبور الجمل (أو طبقاً لتفسير آخر : الحبل الضخم) غير ممكن ومستحيل من ثقب أبرة فإنّ دخول المتكبّرين إلى الجنّة والنعيم الإلهي
محال أيضاً، ولعلّ ذلك يشير إلى أنّ طريق الجنّة إلى درجة من الدقّة بحيث يشبه ثقب الأبرة ولا يمر من خلاله إلاّ من تحلّى بصفة التواضع ورأى نفسه من واقع حاله.
وجملة: «لاَتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَا بُ السَّمَآءِ» هي إشارة إلى ما ورد في الأحاديث الإسلامية أيضاً، وهو أنّ المؤمنين عندما ينتقلون من هذه الحياة الدنيا إلى الحياة الاُخرى أنّ روحهم وأعمالهم تصعد إلى السماء وتفتح لهم أبواب السماء ويستقبلهم الملائكة، ولكن عندما يصعد بروح الكفّار والمتكبّرين وأعمالهم إلى السماء فسوف توصد أبواب السماء أمامهم ويناد المنادي أنّه أذهبوا بها إلى جهنم وبئس المصير.
—–
ونستنتج من مفهوم الآيات المذكورة آنفاً أنّ القرآن الكريم يعتبر (التكبّر والاستكبار) من أقبح الصفات والأعمال على مستوى السلوك البشري، وأنّ هذه الصفة الذميمة يمكنها أن تكون مصدراً للكثير من الذنوب العظيمة وحتّى أنّها قد تورث الإنسان حالة الكفر بالله تعالى، والأشخاص الّذين يعيشون هذه الحالة لا يتسنّى لهم إدراك معنى السعادة الحقيقية والطريق إلى مرتبة القرب الإلهي موصد أمامهم، وعليه فإنّ على السالكين طريق الحقّ لابدّ لهم قبل كلّ شيء من تطهير أنفسهم وقلوبهم من تلوثات هذه الصفة الأخلاقية القبيحة بأن لا يروا لأنفسهم تفوّقاً في وجودهم على الآخرين ولا ينطلقوا في تعاملهم مع الناس من موقع التكبّر والأنانية، فإنّ هذه الحالة من أكبر موانع الوصول إلى الله تعالى والقرب المعنوي من الكمال المطلق.
—–
وقد ورد في المصادر الروائية أحاديث كثيرة على مستوى ذمّ التكبّر وبيان حقيقته ونتائجه الوخيمة على الفرد في حركة الحياة والواقع وطرق علاجها ولا يسعنا ذكر هذه الروايات بأجمعها في هذا المختصر، ولكننا نكتفي منها بما يلي :
1 ـ ورد في الحديث الشريف عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أنّه قال : «اِيَّاكُمْ وَالْكِبْرَ فَاِنَّ اِبْلِيسَ حَمَلَهُ الْكِبْرُ عَلَى أَنْ لاَ يَسْجُدَ لاِدَمَ»(1).
2 ـ وهذا المعنى نفسه ورد بتعبير آخر في خطب نهج البلاغة حيث نقرأ في الخطبة القاصعة كلاماً كثيراً عن (تكبّر إبليس) والنتائج المترتبة على ذلك حيث يقول : «فَاعْتَبِرُوا بِمَا كَانَ مِنْ فِعْلِ اللهِ بِاِبْلِيسَ اِذْ اَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ... عَنْ كِبْرِ سَاعَة وَاحِدَة فَمَنْ ذَا بَعْدَ إِبْلِيسَ يَسْلَمُ عَلَى اللهِ بِمِثْلِ مَعْصِيَتِهِ»(2).
إنّ العبارات المثيرة أعلاه تبين جيداً أنّ التكبّر والأنانية وحالة الفوقية الّتي يعيشها إبليس والإنسان بإمكانها أن تفضي، ولو في لحظات قليلة، إلى أخطر العواقب الوخيمة وكيف أنّها كالنار المحرقة الّتي تأتي على الأخضر واليابس من الأعمال الصالحة فتحرقها وتجعلها رماداً منثوراً وتتسبب في الشقاء الأبدي والعذاب الخالد لصاحبها.
3 ـ وفي حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين(عليه السلام) أنّه قال : «إِحْذَرِ الْكِبْرَ فَاِنّهُ رَأْسُ الطُّغْيَانِ وَمَعْصِيَةِ الرَّحْمَنِ»(3).
وهذا الحديث الشريف يبين هذه الحقيقة، وهي أن مصدر الكثير من الذنوب والخطايا هي حالة الكبر والفوقية الّتي يعيشها الإنسان بالنسبة إلى الآخرين.
4 ـ وفي حديث آخر عن الإمام الباقر(عليه السلام) أنّه قال : «مَا دَخَلَ قَلْبَ امْرِء شَىْءٌ مِنَ الْكِبْرِ إلاّ نَقَصَ مِنْ عَقْلِهِ مِثْلُ مَا دَخَلَهُ مِنْ ذَلِكَ ! قَلَّ ذَلِكَ أَوْ كَثُرَ»(4).
5 ـ وفي اُصول الكافي ورد عن الإمام الصادق (عليه السلام) أنّه قال : «اُصُولُ الْكُفْرِ ثَلاَثَةٌ،
الْحِرْصُ وَالاِْسْتِكْبَارُ وَالْحَسَدُ، فَاَمَّا الْحِرْصُ فَاِنَّ آدَمَ حِينَ نُهِىَ عَنِ الشَّجَرَةِ حَمَلَهُ الْحِرْصُ عَلَى أنْ اَكَلَ مِنْهَا، وَاَمَّا الاِْسْتِكْبَارُ فَاِبْلِيسُ حَيْثُ اُمِرَ بِالسُّجُودِ لاِدَمَ فَاَبى، وَاَمَّا الْحَسَدُ فَاِبْنَا آدَمَ، حَيْثُ قَتَلَ اَحَدُهُمَا صَاحِبَهُ»(1).
وعليه فإنّ أوّل الذنوب الّتي نشأت على الأرض كان مصدرها هذه الثلاثة من الصفات الأخلاقية الذميمة.
6 ـ وفي حديث آخر عن الإمام الباقر والإمام الصادق (عليهما السلام) قالا : «لاَيَدْخُلُ الْجَنَّةَ مَنْ فِي قَلْبِهِ مِثْقَالَ حَبَّة مِنْ خَرْدَل مِنْ كِبْر»(2).
7 ـ وفي حديث آخر عن الإمام علي (عليه السلام) أنّه قال : «اَقْبَحُ الْخُلْقِ التَّكَبُّرُ»(3).
—–
إنّ الأحاديث الإسلامية الواردة في المصادر الروائية كثيرة في هذا الباب ولكن هذا المقدار المعدود من هذه الأحاديث يكفي لبيان شدّة قبح هذه الرذيلة.
فقد قرأنا في الأحاديث المذكورة آنفاً أنّ الكبر هو مصدر الذنوب الاُخرى، وعلامة على نقصان العقل، وسبباً لإهدار طاقات الإنسان وقواه المعنوية، ويعتبر من أقبح الرذائل الأخلاقية بحيث إنّه يتسبب في حرمان الإنسان من دخول الجنة في نهاية المطاف، وكلّ واحد من هذه الاُمور بحدّ ذاته يمكن أن يكون عاملاً مؤثراً في ردع الإنسان عن التحرّك في هذا الاتجاه وسلوك طريق التكبّر، فكيف بأن يتصف بمثل هذه الصفة الذميمة الّتي تؤدي إلى سقوطه من مقام الإنسانية ومرتبة الإيمان في حركة التكامل المعنوي ؟
ومضافاً إلى الآيات والروايات الشريفة فإنّ (التكبّر والاستكبار) يُعتبر مذموماً في منطق العقل بشدّة، لأنّ العقل يرى أنّ جميع أفراد البشر هُم عباد الله تعالى وكلّ إنسان يجد في نفسه نقاط إيجابية وقابليات وملكات في طريق الكمال، وكلّهم من أب واحد واُمّ واحدة، فهم سواسية في ميزان الخلق، فلا دليل على أن يرى أي إنسان نفسه أعلى من
الآخرين ويفتخر على غيره ويسعى لتحقيره، وحتّى لو رأى في نفسه موهبة من الله تعالى لم تكن لدى الآخرين، فمثل هذه الموهبة يجب أن تكون سبباً ليتحرك في خط الشكر لله تعالى والتواضع لا في خط الكبر والغرور.
إنّ قباحة هذه الصفة الذميمة يعد من البديهيات الّتي يشعر بها كلّ إنسان في وجدانه ويعترف بها، ولهذا فإنّ الأشخاص الّذين لا يعتنقون أي دين ومذهب يذمون حالة التكبّر والأنانية أيضاً ويرون أنّها من أقبح الصفات والسلوكيات في دائرة السلوك الإنساني.
وفي الواقع فإنّ قسماً مهماً من مسألة (حقوق الإنسان) الّتي تم تدوينها من قِبل مجموعة من المفكّرين غير المؤمنين ناظرة إلى مسألة التصدي لحالة الاستكابر الدولي، ومع أننا قد نرى من الناحية العملية نتائج معكوسة على هذا القرار الدولي بحيث أصبح أداة طيّعة بيد المستكبرين للتحرك من موقع إدانة الآخرين لا العمل على تطبيق هذه المقررات الأخلاقية بإنصاف على جميع الدول والمجتمعات البشرية المعاصرة.
وأساساً كيف يرتدي الإنسان رداء التكبّر في حين إنه وكما يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام)كان في البدايه نطفة حقيرة، ثمّ جيفة نتنة، ثمّ هو فيما بينهما يحمل العذرة ؟
الإنسان ضعيف وعاجز إلى درجة أنّ البعوضة تؤذيه وحتّى أقل من البعوضة، أي المكروب والفيروس الّذي لا يُرى بالعين المجرّدة قد يوقعه في حبال المرض الشديد ويؤدي به إلى أن يرقد على سرير المرضى لمدّة طويلة، والإنسان الّذي يتالم من حرارة الهواء أو برودته ولو انقطع المطر مدّة عنه لشعر بالهلاك والتلف ولو أنّ المطر زاد قليلاً عن المألوف لوقع في مصيبة أدهى، ولو أنّه قد ارتفع ضغطه قليلاً لوقع في خطر الموت وكذلك لو انخفض ضغطه أيضاً، وهو لا يعلم مصيره ومستقبله حتّى لمدى ساعة من المستقبل
القريب ولا يعلم متى يحين أجله وقد يكون أقرب الناس إليه هو الّذي يقتله ويذهب بحياته، وقد يكون الماء الّذي يروي حياته موجباً لموته أيضاً، وكذلك الهواء الّذي يتنسّمه ويستنشقه قد يتحول إلى إعصار مدمر في حركة سريعة فيتحول بيته ومأواه إلى خرائب وبذلك يفقد كلّ شيء لأتفه الأسباب.