وقد ورد هذا المفهوم في القرآن الكريم في أحد عشر مورداً بالمفهوم العام، ولكن يستفاد المفهوم الخاص في موردين، وأما في الروايات الإسلامية وكلمات علماء الأخلاق فقد وردت هذه الكلمة في الأغلب بمفهومها العام، وفي مقابل مفردة «العفة» الّتي تعني اِلجام النفس وغض الطرف عن اللذائذ والذنوب.


1. شرح غرر الحكم، ح 7001، ص 566.
2. غرر الحكم، ح 8022.
3. غرر الحكم، ح 8591.
4. غرر الحكم، ح 10915.

[ 273 ]

   وقد ورد هذا المفهوم في النصوص الدينية في الأغلب بمعناه السلبي، ولكن أحياناً ورد بمعناه الإيجابي من قبيل قوله تعالى مخاطباً لأهل الجنّة (...وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِى أَنفُسُكُمْ...)(1) أو يقول في مكان آخر (... وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ ا لاَْنفُسُ وَتَلَذُّ ا لاَْعْيُنُ...)(2).

   وعلى أي حال فإنّ هذه المفردة وردت في الأغلب بمعناه السلبي والّذي يدلّ على الافراط في اتباع الأهواء والنوازع النفسانية وغلبة الميول المخربة والمفضية إلى الوقوع في الخطيئة والمعصية.

   وهكذا نجد أنّ هذه المفردة ومشتقاتها قد وردت في ثلاثة عشر مورداً في القرآن الكريم، ستة موارد منها تحمل المفهوم الإيجابي عن هذه المفردة، وسبعة اُخرى تحمل في مضمونها المعنى السلبي.

   وعلى أي حال فإنّ «الشهوة» بأي معنىً كانت إذا قصد منها المفهوم الخاصّ فإنّها تستبطن الأفراط في اشباع الشهوة وبالتالي يترتب عليها الآثار المخربة والنتائج الوخيمة المترتبة على هذا السلوك المفرط في طلب اللّذة، وقد مرّت الإشارة إلى هذه العواقب الوخيمة في الروايات والأحاديث المذكورة آنفاً، ولابدّ من الاذعان إلى أنّ مسيرة التاريخ مملوءة من هذه النتائج والعواقب الوخيمة للأفراط في اشباع الشهوات ويمكننا الإشارة إلى هذه العواقب بشكل مختصر في ما يلي :

   1 ـ التلوث بالذنب

   إن طلب اللّذة وعبادة الشهوة يسوق الإنسان باتجاه منزلقات الإثم وارتكاب أنواع الذنوب، وفي الحقيقة انه يعد المصدر الأساس للذنب ومعصية الله تعالى لأن الشهوات إذا تغلبت على الإنسان فبإمكانها أن تعمي وتصم الإنسان عن رؤية المخاطر ويكون مصداقاً للحديث النبوي الشريف حبُّك للشَّيء يُعمي ويُصم»(3) وبذلك تنقلب المفاهيم والحقائق


1. سورة فصلت، الآية 31.
2. سورة الزخرف، الآية 71.
3. بحار الأنوار، ج 74، ص 165.

[ 274 ]

لدى العقل فيصبح المعروف منكراً والمنكر معروفاً.

   ولهذا السبب بالذات رأينا في الروايات السابقة الواردة عن أميرالمؤمنين (عليه السلام)(الرواية الثامنة) أنّ الإمام (عليه السلام) يصرح متسائلاً «كَيْفَ يَسْتَطيعُ الهُدى مَنْ يَغلِبُه الهَوى»(1).

   ويشير الإمام (عليه السلام) في الحديث العاشر أيضاً إلى هذه الحقيقة وهي أنّ اتباع الشهوة يفسد شخصية الإنسان ويضعف مروئته، وكذلك قرأنا قوله في الحديث التاسع أنّ اتباع الشهوات بمثابة عبادة الوثن وبإمكانه أن يحطم إيمان الفرد ويتلف دينه، هذا وقد اورد المفسّرون وأرباب الحديث في ذيل الآيات 16 و 17 من سورة الحشر قصة العابد من بني إسرائيل والذي يدعى «برصيصا» الّذي يُعَدُ شاهداً حيّاً على هذا المدعى ولا بأس من استعراض هذه القصة النافعة رغم انها قد وردت في الكثير من الكتب المعروفة حيث نقل بعض المفسّرين أنّ رجلاً من بني إسرائيل يدعى «برصيصا» قد عبد الله زماناً من الدهر حتّى كان يؤتى بالمجانين يداويهم ويعوذهم فيبرؤون على يديه، وانه أُتي بامرأة قد جُنّت وكان لها أخوة فأتوه بها فكانت عنده، فلم يزل به الشيطان يزيّن له حتّى وقع عليها فحملت، فلما استبان حملها قتلها ودفنها، فلما فعل ذهب الشيطان حتّى لقى أحد اُخوتها فأخبره بالّذي فعل الراهب وانه دفنها في مكان كذا، ثمّ أتى بقية أخوتها، وهكذا انتشر الخبر فساروا إليه فاستنزلوه فأقرّ لهم بالّذي فعل، فأمر به فصلب، فلمّا رفع على خشبة تمثل له الشيطان فقال : أنا الّذي ألقيت في قلوب أهلها، وأنا الّذي أوقعتك في هذا، فأطعني فيما أقول أخلصك ممّا أنت فيه،

   قال : نعم.

   قال : اسجد لي سجدة واحدة.

   فقال : كيف أسجد لك وأنا على هذه الحالة،

   فقال : اكتفي منك بالإيماء، فأومى له بالسجود فكفر بالله وقتل. فهو قوله تعالى : (كمثل الشيطان إذ قال للإنسان اكفر...).


1. شرح غرر الحكم، ح 7001، ص 566.

[ 275 ]

   نعم هكذا هو مصير من ابتلي بوسوسة الشيطان وسار في خطّه.

   2 ـ فساد العقل

   إن اتباع الشهوات والأهواء النفسانية يُلقي على عقل الإنسان وفكره حجاباً قائماً يمنعه من التمييز بين الحقّ والباطل، وأكثر من ذلك حيث يقلب الحقّ في نظره إلى باطل ويجعل الباطل حقّاً، وقد قرأنا في الروايات السابقة قوله (عليه السلام) «طَاعَةُ الهَوى تُفْسِدُ الْعَقلَ»(1) ولهذا السبب فإنّ الكثير من طلاب الشهوة واتباع الهوى بعدما يرتكبون الممارسات القبيحة وتهدأ في باطنهم سورة الشهوة وتخمد نار الهوى فإنّهم يعيشون حالة الندم الشديد على ما صدر منهم وأحياناً يتعجبون من أنفسهم على الحماقة الّتي ارتكبوها.

   وفي هذا الصدد نقرأ قول أميرالمؤمنين (عليه السلام) «اِذا اَبْصَرَتِ الْعَينُ الشَّهْوَةَ عَمِىَ الْقَلْبُ عَنْ العَاقِبَةِ»(2).

—–

   3 ـ تحقير شخصية الإنسان الاجتماعية

   إن طلب الإنسان على اللّذة من شأنه أن يهدم شخصية الإنسان ويحطم كيانه ومكانته الاجتماعية ويسوقه إلى هاوية الذلّة والمسكنة، لأن مثل هذا الإنسان يسعى في تحقيق رغبته وارضاء شهوته إلى تحطيم الاُطر الاجتماعية والثقافية السائدة في المجتمع ويرتكب الحماقات الّتي تفضي إلى أن يكون مهاناً وحقيراً في أنظار الناس، ومن البديهي أنّ الإنسان الّذي يعيش احترام الذات والمروءة فإنه يشعر بنفسه على مفترق طرق عند اشتداد النوازع والشهوات، فأما أن يرضخ لمتطلبات الشهوة ويذعن لتحديات الهوى، أو يحتفظ باحترامه لذاته وكيانه الاجتماعي بين الناس، ومن العسير غالباً الجمع بين هذين الاتجاهين.

   وفي حديث ورد عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «زيَادَةُ الشَّهْوَةِ تُزري بِالْمُرُوَّةِ»(3).

—–


1. شرح غرر الحكم، ح 5983.
2. شرح غرر الحكم، ح 4063.
3. شرح غرر الحكم، ح 5507.

[ 276 ]

   4 ـ اسر النفس

   وأحد النتائج الوخيمة لاتباع الشهوات والأهواء هو أنّ الإنسان يقع اسيراً لنوازع النفس ومقيداً بقيود الشهوة، فالإنسان الشهواني نجده يرزح تحت اغلال الشهوات إلى درجة أنّ الابتعاد عنها وكسر هذه القيود يضحى بالنسبة له أمراً قد يصل إلى درجة المحال أحياناً، والمثال الواضح على هذه الحقيقة هو ما نراه من الحياة التعيسة والذليلة للمدمنين على المواد المخدرة، فإنّهم في ظاهر الحال أحرار، ولكنهم في الواقع أسرى العادة والادمان الناشيء من أتباعهم لدواعي الشهوه فيعيشون حالة الأسر ويرزحون تحت قيود المواد المخدرة بحيث تمنعهم من أي حركة إيجابية ونافعة لأنفسهم ومجتمعهم وتطوقهم بأطواق حديدية تمنعهم عن أي انفلات ونجاة من هذا السجن المظلم، وخاصة إذا كان الهوى لدى الإنسان بمثابة أنواع من العشق الجنسي والشهوة الرخيصة للجنس الآخر، فحينئذ يصل الإنسان في عبودية الشهوة إلى الحدّ الأقصى.

   يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) في هذا الصدد: «عَبْدُ الشَّهْوَةِ اَسيرٌ لا يَنَفَّكُ اَسْرُهُ»(1).

   وفي حديث آخر يقول هذا الإمام (عليه السلام): «وَكَمْ مِنْ عَقْل اَسيرٌ تَحتَ هَوى أمير»(2).

   وأيضاً ورد في حديث آخر أنّه قال: «الشَّهَوَاتُ تَستَرِقُ الْجَهُولُ»(3).

   5 ـ الفضيحة والعار

   الفضيحة الاجتماعية هي أحد نتائج وافرازات الشهوة والرضوخ تحت مطاليبها الرخيصة، وتاريخ البشرية مفعم بنماذج من حياة الشخصيات الممتازة والّتي لها رصيد اجتماعي وافر ولكنهم وقعوا تحت تحديات الشهوة ومطاليب الهوى فافضى بهم الحال إلى الفضيحة والعار.

   وقد ورد في هذا الصدد الكثير من النصوص الدينية والأدبية في تراثنا الإسلامي


1. غرر الحكم، ح 6300.
2. نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح 211.
3. غرر الحكم، ح 922.

[ 277 ]

والشعبي والّتي توضح هذه العلاقة بين اتباع الشهوة وبين الفضيحة والمذلة والمهانة الّتي تصيب هذا الإنسان المنحرف كما نقرأ ذلك في قصة يوسف وزوجة عزيز مصر وكيف أنّ زوجة العزيز قد أدّى بها الأمر إلى الفضيحة والخزي رغم مقامها الشامخ لدى المجتمع المصري وكما يقول الشاعر :

انَ الْهَوى هُوَ الهَوانِ قُلِبَ اسمُهُ *** فَاِذا هَوَيْتَ فَقَدْ لَقَيْتَ هَوانا(1)

—–

 

عوامل وأسباب عبادة الشهوة :

   سبق وقلنا في البحوث السابقة، أنّ علاج المفاسد الأخلاقية يجب أن يبدأ من أسباب العلل والجذور، وتقدّم أنّ علماء الأخلاق يهتمون اهتماماً كبيراً في مباحث هذا العلم بالبحث عن العلل والدوافع للسلوك الأخلاقي لدى الفرد، ولهذا السبب لابدّ من التطرق إلى العوامل والأسباب المؤدية إلى أن يسلك الإنسان طريق عبادة الشهوة.

   إن الرغبات والميول النفسانية والّتي يعبر عنها بالشهوات وخاصّة الشهوة الجنسية أمر طبيعي وموهبة الهية ومن عوامل حركة الإنسان نحو الكمال والتقدّم في حركة الحياة والمجتمع، ولهذا لا يمكن إزالتها نهائياً من واقع الإنسان ولا يصحّ كبتها والسعي إلى تهميشها والغائها، والتحرّك في سبيل ارضاء هذه الشهوات بالمستوى المطلوب وفي حد الإعتدال ليس فقط لا يوجد أيَّ مشكلة في حركة الإنسان بل يُعد أحد العوامل الّتي توجب للإنسان التكامل والرقي على المستوى التربوي والاجتماعي.

   وامّا المفاسد الأخلاقية المترتبة على اشباع هذه الشهوات فتكمن في طغيان الشهوة وخروجها عن موازين العقل والاعتدال في ارضائها.

   والآن لابدّ من النظر في العوامل الّتي تسبب خروج هذه الرغبات والميول الباطنية من سيطرة العقل بحيث تشكل للإنسان قوّة مخربة وتكون من أدوات الانحراف، وهذه العوامل


1. أدب الدنيا والدين.

[ 278 ]

المؤثرة في ازدياد ظاهرة الانحراف في سلوك الإنسان الأخلاقي هي كما يلي :

   1 ـ ضعف الإيمان

   إن ضعف الإيمان هو العلّة الأصلية لتغافل الإنسان عن الأوامر والتشريعات الإلهية، فلو أنّ الإنسان كان يعيش بوجود الله دائماً في واقعه وقلبه ويراه حاضراً وناظراً إلى سلوكياته وأفعاله، ويرى محكمة العدل الإلهية يوم القيامة بعين البصيرة فإنه لا يمكن أن يتجرأ على كسر طوق الحدود الإلهية ويتجاوز على التشريعات الدينية ويتلوث بالشهوات والمفاسد الأخلاقية.

   وهذا المعنى هو البرهان الإلهي الّذي رافق يوسف في أحلك الظروف وانقذه من التورط في الإثم والمعصية الّتي توفرت جميع متقضيات ارتكابها وارتفعت جميع الموانع لممارستها مع امرأة العزيز.

   فمع ضعف الإيمان وضعف التوجه إلى المبدأ والمعاد تتوفر حينئذ الأرضية الكافية لطغيان الشهوات بحيث يضحى الإنسان كالوحش الّذي خرج لتوّه من القفص، فلا يرى أمامه أي رادع ومانع حيث يهجم على كلّ شخص ويفترس كلّ ما يجده في طريقه من الأحياء.

   وهنا نلقي نظرة فاحصة على ما ورد في الحديث الشريف الّذي قرأناه فيما سبق «مَنِ اِشتَاقَ اِلَى الجَنَّةِ سَلا عَنِ الشَّهواتِ»(1).

   أحياناً يتحرك الإنسان لاشباع الشهوة والتحرر من قيود الدين والأخلاق إلى كسر سد الإيمان، وفي هذا يقول القرآن الكريم (بَلْ يُريدُ الإنسانُ لِيَفْجُرَ اَمَامَهُ ـ يَسْئَلُ اَيَّانَ يَوْمُ القيامَةِ)(2); الإنسان هنا يريد أن يتحرر من القيود المعنوية ليمارس الخطايا بدون خوف من يوم القيامة، ولهذا يسأل سؤال انكار وترديد.

 


1. شرح غرر الحكم، ح 8591 (بالفارسية)، نهج البلاغة، الكلمات القصار، ح 31.
2. سورة القيامة، الآية 5 و 6.

[ 279 ]

   2 ـ عدم الاهتمام بالكرامة الاجتماعية والشخصية الإنسانية

   إن عدم اهتمام البعض بالكرامة الاجتماعية وعدم اهتمامهم بشخصيتهم الإنسانية هو أحد العوامل الّتي تسبب للإنسان التلوث بأنواع الخطايا والتورط في وحل الشهوات، في حين أنّ احترام الإنسان لنفسه ولشخصيته الإنسانية وحيثيته الاجتماعية بإمكانه أن يقف حاجزاً ورادعاً عن ممارسة الخطيئة وطغيان الشهوة حتّى عُدَّ من عدم الإيمان بالله والآخرة.

   ولهذا السبب نجد أنّ الأشخاص الّذين يتمتعون بمكانة اجتماعية في المجتمعات غير الدينية لا يستسلمون لطغيان الشهوة بسهولة ولا يقعون ضحية الأهواء والنوازع الرخيصة وخاصةً التحلّل الجنسي أو غريزة الغذاء واشباع البطن، لأن مكانتهم الاجتماعية وسمعتهم وماء وجههم يقف سداً قوياً أمام طغيان هذه الشهوات، وعليه فإنّ من يستسلم لنداء الشهوات ويرضخ لتحدياتها هم فقط الأشخاص الّذين يعيشون الحقارة وضعف الشخصية والدناءة.

   3 ـ الغفلة والجهل

   وأحد العوامل الاُخرى للتلوث بهذه الرذيلة الأخلاقية هو الغفلة والجهل عن معطيات اتباع الشهوة وتأثيراتها السلبية في حركة الإنسان والحياة، لأن أكثر الرذائل الأخلاقية تترتب عليها آثار سلبية في دائرة السلامة البدنية والصحية، الشخص الّذي يُفرط في الطعام ويعيش حالة النهم إلى الغذاء واشباع البطن فإنه يبتلى بأنواع الأمراض البدنية، وكذلك الشخص الّذي يفرط في الغريزة الجنسية فإنه يبتلى بضعف القوى البدنية ويورثه هذا السلوك تدميراً لشبكة الأعصاب ويورثه قصر العمر، وبالتالي يعرض سلامته الروحية والجسمية إلى الارباك والخلل.

   ولهذا نجد كثيراً من الأشخاص في المجتمعات غير الدينية يلتزمون في حياتهم بالموازين الصحية ويقيدون انفسهم برعاية الاعتدال بالأكل والجنس، لأن الأطباء يوصون كثيراً في رعاية هذه الاُمور وينبهون الناس إلى نتائج الأفراط في إشباع هذه الشهوات

[ 280 ]

وعواقبها الوخيمة، وكذلك فإنّ المشكلات الاجتماعية الناشئة من اتباع الشهوات غير قابلة للانكار، فمن المعلوم أنّ افراط البعض في طلب التنوع في الأطعمة والاكثار من الغذاء هو السبب في أن يعيش البعض الآخر من الناس حالة الجوع وقلّة الغذاء، وهكذا الحال في التحلل الأخلاقي في المسائل الجنسية حيث يسبب القلق والاضطراب لدى أفراد الاُسرة، وما أكثر ما يتسبب في سريان التلوث بالخطيئة إلى داخل الاُسرة الواحدة.

   وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ إنسان يلتفت جيداً إلى هذه الاُمور فسوف يحصل لديه العلم اليقيني بضرورة تقييد هذه الشهوات وضبطها من الانفلات والتحلل.

   4 ـ المعاشرة مع رفاق السوء

   ومن العوامل الاُخرى للانحراف في اشباع الشهوات هو العشرة مع رفاق السوء والمحيط الملوث وادوات الأعلام الفاسد وأمثال ذلك، فإنّ الغالب على رفاق السوء أنّهم يدفعون من يعاشرهم إلى ارتكاب المحرمات والتلوث بالذنوب من خلال تعليمهم على الطرق المتنوعة لاشباع الشهوات بطرق ممنوعة بحيث يمكن القول أنّ أهم أسباب التلوث بالخطيئة والإنحراف في اشباع الشهوة هو الاختلاط مع الملوثين والمنحرفين.

   وهكذا بالنسبة إلى أدوات الأعلام الفاسد والمحيط الاجتماعي الملوث تعتبر من العوامل المهمة للتلوث والإنحراف، وفي هذا المجال تحدّثنا في الجزء الأوّل عن
«الأرضية المساعدة للفساد الأخلاقي) بشكل وافر وذكرنا بشكل مفصل أنّ العشرة والاختلاط مع الملوثين لا تفسد أخلاق الإنسان فحسب، بل قد تصل به إلى حدّ الكفر في دائرة العقيدة أيضاً، ويتحدّث القرآن الكريم عن بعض أهل النار شارحاً لحالهم(وَيَوْمَ يَعَضُّ الظَّالِمُ عَلَى يَدَيْهِ يَقُولُ يَالَيْتَنِي اتَّخَذْتُ مَعَ الرَّسُولِ سَبِيلاً * يَاوَيْلَتَى لَيْتَنِي لَمْ أَتَّخِذْ فُلاَنًا خَلِيلاً * لَّقَدْ أَضَلَّنِي عَنِ الذِّكْرِ بَعْدَ إِذْ جَآءَنِي وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِلاِْنسَانِ خَذُولا)(1).

   وهكذا نرى أنّ البيئة الفاسدة وعنصر التربية وما يقوم به الوالدان من أساليب خاطئة في مجال تربية الطفل بسبب ممارستهم للذنوب وإنحرافهم عن الحقّ تعتبر من العوامل المؤثرة


1. سورة الفرقان، الآية 27 ـ 29.

[ 281 ]

في تلوث الإنسان بظاهرة الإنحراف وعبادة الشهوة، ولهذا نرى أنّ أغلب الأشخاص الّذين كانوا يعيشون الأمان والطهر في حياتهم عندما يلج في مثل هذه البيئة الفاسدة والمحيط المنحرف سوف يتلوثون بالخطيئة ويفقدون إيمانهم السابق ويغرقون في بحر الذنوب والمفاسد الأخلاقية.

   وبما إننا بحثنا هذا المطلب في الجزء الأوّل في موضوع «كليات المسائل الأخلاقية» بشكل مفصل، فلذلك نكتفي بهذا المقدار من الإشارة إلى هذا المطلب المهم.

 

طرق علاج اتباع الشهوات :

   إن الطرق الكفيلة بعلاج المفاسد الأخلاقية تكاد تكون متشابهه في الاُصول في جميع الموارد، وتتلخص هذه الطرق بنحوين : علمي وعملي.

   ألف) الطريق العلمي

   والمراد من الطريق العلمي هو أن الإنسان يفكر ويتدبر بالنتائج والآثار السلبية لطلب اللّذة واشباع الشهوة ويرى كيف إن الإنسان المستسلم لشهواته يعيش الذلّة والأسر
وإنهزام الشخصية والشعور بالدونية والحقارة والابتعاد عن الله تعالى، وهذا المعنى نجده واضحاً على سلوك اتباع الشهوة وطلاب اللّذة الرخيصة وأنّهم كيف يعيشون الضعف والوهن في شخصيتهم الإنسانية وكرامتهم الاجتماعية.

   وعلى هذا الأساس فإنّ التأمل في هذه الظاهرة النفسية والاجتماعية وكذلك التفكر في حال وسيرة «اولياء الله» واتباعهم المخلصين وكيف أنّهم وصلوا مقامات سامية من التكامل الإنساني والأخلاقي بسبب محاربتهم للشهوات وامتناعهم عن سلوك طريق الخطيئة وصمودهم أمام تحديات الشهوة، مضافاً إلى ذلك فإنّ تقوية أركان العقل ودعائم الإيمان في قلب الإنسان يجعله قادراً على كبح جماع شهواته وغرائزه، وفي هذا المجال قال أميرالمؤمنين (عليه السلام) «مَنْ كَمُلَ عَقْلُهُ اِستِهَانَ بِالشَّهَوَاتِ»(1).


1. شرح غرر الحكم، ح 8226.

[ 282 ]

   وفي حديث له (عليه السلام) «مَنْ غَلَبَ شَهْوَتَهُ ظَهَرَ عَقْلُهُ»(1).

   وكذلك قال (عليه السلام) «كُلَّمَا قَوِيَتِ الْحِكْمَةُ ضَعُفَتِ الشَّهْوَةُ»(2).

   وفي حديث آخر يقول (عليه السلام) «اُذْكُرْ مَعَ كُلِّ لَذَّة زَوَالَهَا وَمَعَ كُلِّ نِعْمَة اِنْتِقَالَهَا وَمَعَ كُلِّ بليَّة كَشْفَها، فَاِنَّ ذَلِكَ اَبْقى لِلنِّعمَةِ، وَاَنْفى لِلشَّهْوةِ، وَاَذْهَبُ لِلبَطَرِ، وَاَقرَبُ اِلَى الْفَرَجِ وَاَجْدَرُ بِكَشفِ الغُمَّةِ وَدَرْكِ الْمَأمُولِ»(3).

   وعليه فإنّ التفكر في العاقبة السيئة والآثار المخربة لاتباع الشهوات بإمكانه أنّ يصد الإنسان عن سلوك هذا الطريق، ولذلك نجد أنّ الأنبياء والقادة الإلهيين بذلوا جهوداً كبيرة في هذا السبيل ليخلصوا الناس من التورط في الخطايا والذنوب وينقذوهم من أسر الشهوات والأهواء.

   وفي حديث شريف عن رسول الله يقول «خَمْسٌ اِنْ اَدْرَكْتَمُوهُنَّ فَتَعَوَّذُّوا بِاللهِ مِنْهُنَّ : لَمْ تَظْهَرِ الفَاحِشَةُ فِي قَوم قَطُّ حَتَّى يُعْلِنُوهَا، اِلاّ ظَهَرَ فِيهِمُ الطَّاعُونُ وَالاوَجَاعُ الَّتي لَمْ تَكُنْ فِي اَسْلافِهِم الَّذِينَ مَضَوُا، وَلَمْ يَنْقُصُوا الْمِكيَالَ وَالْميزانَ اِلاّ أُخِذُوا بِالسِّنينَ وَشِدَّةِ الْمَؤُنَةِ وَجَوْرِ السُّلطانِ، وَلَمْ يَمْنَعُوا الزَّكاةَ اِلاَّ مُنِعُوا الْمَطَرَ مِنَ السَّماءِ، وَلَوْلا البَهَائِمُ لمْ يُمْطَرُوا وَلَمْ يَنْقُضُوا عَهْدَ اللهِ وَعَهْدَ رَسُولِهِ اِلاّ سَلَّطَ اللهُ عَلَيهِمْ عَدُوَّهُم وَاَخَذُوا بِعضَ مَا فِي اَيْديهِمْ، وَلَمْ يَحْكُمُوا بِغَيرِ مَا اَنْزَلَ اللهُ اِلاّ جَعَلَ اللهُ عَزَّوَجَلَّ بِأسَهُمْ بَيْنَهُمْ»(4).

   ولا شكّ أنّ التأمل والتدبر في هذه المعطيات والنتائج الخطيرة لها تأثير مستمر أو مؤقت في منع الإنسان عن ممارسة الخطيئة لارتكاب الذنب.

 


1. المصدر السابق، ح 7953.
2. المصدر السابق، ح 7205.
3. ميزان الحكمة، ج 4، ص 3484، ح 21507.
4. اُصول الكافي، ج 2، ص 373.

[ 283 ]

   ب) الطريق العملي

   ومن جهة اُخرى فإنّ الطريق العملي لعلاج حالة «عبادة الشهوة» له وجوه وانحاء مختلفة منها :

   1 ـ إن أفضل الطرق العملية للنجاة من مستنقع الشهوة هو الاشباع الصحيح للغرائز البدنية والرغبات الجنسية بالخصوص، لأنّه إذا تم اشباع هذه الرغبات الباطنية والميول البدنية من طرق سليمة وبأدوات صحيحة فإنّ بإمكانها أن تنقذ الإنسان من النتائج السلبية والمخربة المترتبة على اتباع الشهوات، وبعبارة اُخرى انه لا ينبغي للإنسان كبت هذه الغرائز والرغبات والتغافل عن ارضائها بل يجب أن يسير بها المسار الصحيح والبنّاء لتكون مفيدة ونافعة في حركة الحياة، وفي غير هذه الصورة يمكنها أن تتبدل إلى سيل مدمر ومخرب يهلك الحرث والنسل ولا يبقى للإنسان أي أثر من آثار الخير والصلاح.

   ولهذا السبب نرى أنّ الإسلام لم يهتم بالتسلية والترفية السليم والمعتدل فحسب بل عمل على حث الناس وترغيبهم في هذا الطريق لارضاء الغرائز، ومن ذلك ماورد في خطبة معروفة للإمام الجواد الّتي قرأها عند عقد زواجه حيث قال «اَمّا بَعْدُ فَقَدْ كَانَ مِنْ فَضْلِ اللهِ عَلَى الاَْنَامِ اَنْ اَغْناهُم بِالْحَلالِ عَنِ الْحَرامِ»(1).

   وفي هذا الحديث المعروف هناك إشارة إلى هذا المعنى أيضاً حيث تقول «لِلْمُؤمِنِ ثَلاثُ سَاعَات، فَسَاعَةٌ يُنَاجِي فيهَا رَبَّهُ، وَسَاعَةٌ يَرُمَّ مَعَاشَهُ، وَساعَةٌ يُخَلّي بَيْنَ نَفْسِهِ وَبينَ لَذَّتِهَا فيمَا يَحِلُّ وَيَجْمُلُ»(2).

   2 ـ ومن الطرق الاُخرى للنجاة من قيود الشهوات هو أن يضع الإنسان لنفسه برنامجاً دقيقاً لحياته، لأنّه كلما سعى لبرمجة أوقاته في اليوم والليلة «حتّى لو كان البرنامج يتضمّن جانب الترفية والرياضة البدنية» فإنه لا يكاد يجد برنامج للإنسياق وراء طلب اللّذة وفراغاً كافياً لسلوك طريق الشهوة.

   3 ـ ومن العناصر الاُخرى لعلاج هذه الظاهرة أو الوقاية منها هو إزالة عوامل التلوث


1. بحار الأنوار، ج 50، ص 76.
2. نهج البلاغة، الكلمات القصار، الجملة 390.

[ 284 ]

بالخطيئة، لأن إمكانية التلوث بالشهوات في البيئة الملوثة يكون أكثر، أي لو كانت أسباب المعصية متوفرة وطرق الإنحراف مفتوحة ووجود الحرية النسبية في ارتكاب الذنوب واتباع الشهوات فإنّ النجاة من التلوث بالخطيئة ولا سيّما للشباب الّذين لا يمتلكون من المعرفة الدينية إلاّ القليل سيكون أمراً عسيراً للغاية.

   4 ـ احياء الشخصية المعنوية والإنسانية لأفراد المجتمع يعد من الطرق المهمة للعلاج أو الوقاية من التلوث بالشهوات، لأنّه عندما يدرك الإنسان قيمة وجوده واعتباره وشخصيته ويعلم بانه يمثل عصارة الخلقة والغاية العليا بعالم الكائنات وخليفة الله في الأرض فلا يبيع نفسه بسهولة ولا يسلمها إلى عناصر الشهوة وقوى الإنحراف.

   يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) في هذا المجال «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ هَانَتْ عَلَيْهِ شَهْوَتُهُ»(1) وفي حديث آخر يقول (عليه السلام) «مَنْ عَرَفَ شَرَفَ مَعْنَاهُ صَانَهُ عَن دَنَائَةِ شَهْوَتِهِ...»(2).

   وآخر ما يقال في هذا المجال هو انه لابدّ من الاهتمام بالطريق العملي ليس للتصدّي إلى الشهوات فحسب بل في جميع موارد مكافحة المفاسد الأخلاقية لدى الفرد والمجتمع، بمعنى انه كلّما سلك الإنسان طريق مكافحة أهوائه الفاسدة وأخلاقه المنحرفة وسار في الطريق القويم فإنّ هذه القوى والعناصر السلبية ستخف وستندثر في وجوده ونفسه وسوف ينتقل الإنسان في هذا السلوك إلى أن يعيش الحالة النفسية السليمة، ومن هذه الحالة ينتقل إلى العادة، ومن العادة ينتقل إلى الملكة حيث تتحول هذه الحالة والعادة إلى ملكة راسخة في نفسه وتكون بمثابة الطبع الكامل له، وعلى سبيل المثال إذا تحرّك الإنسان البخيل في علاج هذا المرض الأخلاقي نحو البذل والعطاء في دائرة الفعل والعمل، فإنّ نار البخل ستضعف وتخبو تدريجياً في باطنه إلى أن تنطفىء تماماً.

   فإذا تحرّك اتباع الشهوة أيضاً في هذا الطريق وسلكوا مسلك التصدي والمقاومة أمام طغيان الشهوات، فإنّ هذه الشهوات والقوى المنحرفة الموجودة في باطنهم ستضعف وتخبو


1. بحار الأنوار : ج 78، ص 71.
2. غرر الحكم، ح 9069.

[ 285 ]

تدريجياً ويحل بدلها عنصر العقيدة ويعيش الإنسان حينئذ روح الطهارة والنقاء والانفتاح على الله والمعنويات السامية.

   وهذا المعنى نجده واضحاً بكلام أميرالمؤمنين (عليه السلام) «قَاوِمِ الشَّهْوَةَ بِالْقَمْعِ لَهَا تَظْفُرْ»(1).

—–

 

شهوة الأكل والجنس :

   لقد أورد الأعاظم من علماء الأخلاق كالفيض الكاشاني في «المحجّة البيضاء» والمحقّق النراقي في «معراج السعادة» والعلاّمة السيّد شبّر في كتاب «الأخلاق» كلاً من
شهوة البطن وشهوة الجنس بصورة مستقلة وبحثوهما كلاً على انفراد، وفي الحقيقة اتبعوا في ذلك ما ورد في الآيات القرآنية والأحاديث الشريفة في هذا المجال حيث ورد الاهتمام الكبير بهاتين الغريزتين.

   الفيض الكاشاني يذكر في كتابه «المحجّة البيضاء» هاتان الشهوتان ويقول : «أما بعد، فأعظم المهلكات لابن آدم شهوة البطن، فبها أخرج آدم (عليه السلام) وحواء من دار القرار إلى دار الذلّ والافتقار، إذ نهيا عن أكل الشجرة فغلبتهما شهواتهما حتّى أكلا منها فبدت لهما سوآتهما، والبطن على التحقيق مصدر الشهوات ومنبت الأدواء والآفات. إذ يتبعها شهوة الفرج وشدّة الشبق إلى المنكوحات، ثمّ تتبع شهوة المطعم والمنكح شدّة الرغبة في المال والجاه اللذين هما الوسيلة إلى التوسع في المطعومات والمنكوحات، ثمّ يتبع استكثار المال والجاه أنواع الرعونات وضروب المنافسات والمحاسبات، ثمّ يتولد من ذلك آفة الرياء وغائلة التفاخر والتكاثر والكبرياء، ثمّ يتداعى إلى ذلك الحسد والحقد والعداوة والبغضاء، ثمّ يفضي ذلك بصاحبه إلى اقتحام البغي والمنكر والفحشاء.

   وكلّ ذلك ثمرة إهمال المعدة وما يتولد منها من بطر الشبع والامتلاء، ولو ذلّل العبد نفسه بالجوع وضيّق به مجاري الشيطان لأذعنت لطاعة الله ولم تسلك سبيل البطر والطغيان ولم


1. شرح غرر الحكم، ج 4، ص 514، ح 6803 (بالفارسية).

[ 286 ]

ينجر به ذلك إلى الانهماك في الدنيا وايثار العاجلة على العقبي، ولم يتكالب كلّ هذا التكالب على الدنيا.

   وإذا عظمت آفة شهوة البطن إلى هذا الحدّ وجب شرح غوائلها وآفاتها تحذيراً منها، ووجب ايضاح طريق المجاهدة لها والتنبيه على فضلها ترغيباً فيها»(1).

   والأخطر من ذلك أنّ الأشخاص من اتباع شهوة البطن والفرج يفقدون دينهم ويتركون إيمانهم في هذا السبيل حيث نقرأ في ذيل الآية القرآنية (وَءَامِنُواْ بِمَآ أَنزَلْتُ مُصَدِّقًا لِّمَا مَعَكُمْ وَلاَ تَكُونُواْ أَوَّلَ كَافِر بِهِ وَلاَ تَشْتَرُواْ بِآيَاتِى ثَمَنًا قَلِيلاً وَإِيَّاىَ فَاتَّقُونِ)(2).

   إنّ الله تعالى يذم اليهود الّذين كانوا يشترون بآيات الله ويبيعونها بثمن بخس، فقد كانت هناك مجموعة من علماء اليهود وأحبارهم يقومون بتحريف آيات الله من أجل اشباع نهم شهواتهم لغرض دعوتهم لمجالس البذخ وموائد الترف الّتي كان يقوم بها اليهود اتجاه علمائهم، وبهذا فهم باعوا عملياً آيات الله بثمن بخس «ولهذا انكروا وجود ذكر النبي الّذي يظهر آخر الزمان والّذي كان ينتظره اليهود والمذكور عندهم بالتوراة».

   وفي الروايات الإسلامية نجد بحوثاً واسعة عن اخبار هاتين الشهوتين حيث تشير إلى بعض هذه الموارد :

   1 ـ قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) «ثَلاثٌ اَخَافُهُنَّ بَعدي عَلَى اُمَّتي الضَّلالَةُ بَعْدَ المَعْرِفَةِ وَمُضِلاّتُ أَلْفِتَنِ وَشَهْوَةُ الْبَطْنِ وَالْفَرْجِ»(3).

   المقصود من الضلالة بعد المعرفة هو أن يترك الإنسان الحقّ والطريق المستقيم بسبب وساوس المنحرفين وشبهات المخالفين ويسلك سبيل الانحراف والزيغ والضلالة، وهذا المعنى موجود دائماً وفي كلّ زمان وخاصة في زماننا هذا.

   والمقصود من «مضلات الفتن» هو اشكال الامتحان الإلهي والاختبار الرباني لعباده


1. المحجّة البيضاء، ج 5، ص 145.
2. سورة البقرة، الآية 41.
3. اُصول الكافي، ج 2، ص 79.

[ 287 ]

حيث يقع الإنسان أحياناً بسبب اتباعه للشهوات والأهواء في الخطيئة ويسقط في الامتحان، والمراد من «شهوة البطن والفرج» هو الأفراط في الأكل وطلب اللّذة والأفراط في طلب اللّذة الجنسية.

   إن سياق الحديث الشريف يوحي لنا بهذه الحقيقة، وهي أنّ الخطر المتوجه للناس والّذي يهدد وجودهم بسبب هذه الاُمور الثلاثة هو خطر عميق وجدي.

   2 ـ يقول الرسول الأكرم (صلى الله عليه وآله) في حديث آخر «اَكْثَرُ مَا تَلِجُ بِهِ اُمَّتي النَّارَ الاَْجْوَفَانِ الْبَطْنُ وَالْفَرْجُ»(1).

   3 ـ ويقول الإمام الباقر (عليه السلام) «اِذا شَبَعَ البَطْنُ طَغى»(2).

   4 ـ وأيضاً يقول هذا الإمام في حديث آخر «مَا مِنْ شَيء اَبْغَضُ اِلَى اللهِ عَزَّوَجَلَّ مِنْ بَطْن مَمْلُوء»(3).

   5 ـ وورد عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «لا يُفْسِدُ التَّقوى اِلاّ بِغَلَبَةِ الشَّهْوَةِ»(4).

   6 ـ وورد في حديث آخر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال: «لا تَجْتَمِعُ الحِكْمَةُ وَالشَّهْوَةُ»(5).

   7 ـ وقال هذا الإمام (عليه السلام) أيضاً في حديث آخر «مَا رَفَعَ اِمَرءاً كَهِمَّتِهِ وَلاَ وَضَعَهُ كَشَهْوَتِهِ»(6).

—–


1. المصدر السابق.
2. اُصول الكافي، ج 6، ص 270، ح 10.
3. سفينة البحار، ج 1، ص 25، واژه اكل.
4. شرح غرر الحكم، ح 10606.
5. غرر الحكم، ح 10573.
6. غرر الحكم، ج 6، ص 114، ح 9707.

[ 288 ]