ولكن كما تقول الآية (22) من هذه السورة أنّ المؤمنين الحقيقيين الذين كانوا يعيشون الطمأنينة والثقة بوعد الله إزدادوا إيماناً : (وَلَمَّا رَأَى ا لْمُؤْمِنُونَ ا لاَْحْزَابَ قَالُواْ هَـذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَآ زَادَهُمْ إِلاَّ  إِيمَانًا وَتَسْلِيًما)(2).

   واللطيف انه يُستفاد من بعض الروايات أنّ النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) أجاز للمنافقين وضعفاء الإيمان والجبناء بأن يعودوا إلى المدينة، لأن بقائهم في تلك الظروف العصيبة مع جيش الإسلام لا ينفع شيئاً سوى بث الرعب والضعف والتخاذل في قلوب الآخرين.

   ولهذا السبب نقرأ في الآية (47) من سورة التوبة في حديثها عن جماعة من هذه الطائفة : (لَوْ خَرَجُواْ فِيكُم مَّا زَادُوكُمْ إِلاَّ خَبَالا).

   ومعلوم أنّ كلمة (خَبَل) و (خبال) تعني الإضطراب والترديد الناشيء من ضعف العقل


1. سورة الأحزاب، الآية 13.
2. سورة الأحزاب، الآية 22.

[ 215 ]

وعدم القدرة على اتخاذ الموقف والعزم على شيء، وكلّ ذلك ناشيء من الخوف والجُبن الّذي يقود الإنسان إلى ارتباك الفكر وعدم التوازن في اتخاذ الموقف.

—–

   وفي «الآية الخامسة» نواجه منظراً جديداً من شجاعة أصحاب النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله)، الشجاعة الّتي تنطلق من موقع الإيمان بالله تعالى، حيث أنّ هؤلاء المؤمنين يرون أنفسهم في ميدان الحرب على مفترق طريقين وكليهما يؤدّيان بهما إلى الجنّة ورضا الله تعالى : طريق يؤدي إلى الشهادة وبالتالي السعادة العظمى في الحياة الآخرة، والآخر يقودهم إلى النصر على العدو، وهو أيضاً مبعث الفخر والاعتزاز لهم في الدنيا والآخرة، في حين أنّ العدو محكوم بالهزيمة والخسران بأيّة حال، فإما الموت الذليل والمهين في هذه الدنيا، أو عذاب الله في الآخرة.

   وبديهي أنّ الشخص الّذي يعيش هذه الرؤية فإنه سوف لا يدع أيّ خوف وضعف يتسرّب إلى قلبه، وبذلك يتخلّص الإنسان من هذه الرذيلة الأخلاقية الكبيرة، وفي ذلك تقول الآية : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ  إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ وَنَحْنُ نَتَرَبَّصُ بِكُمْ أَن يُصِيبَكُمُ اللَّهُ بِعَذَاب مِّنْ عِندِهِ أَو بِأَيْدِينَا فَتَرَبَّصُواْ إِنَّا مَعَكُم مُّتَرَبِّصُونَ)(1).

   وقد ذهب بعض العلماء إلى أنّ العامل الأساس لانتصار المسلمين في حروبهم الحاسمة في ذلك العصر هو الشجاعة المنطلقة من الإيمان بالله والمنطق الرصين : (قُلْ هَلْ تَرَبَّصُونَ بِنَآ إِلاَّ  إِحْدَى الْحُسْنَيَيْنِ).

—–

   وتأتي «الآية السادسة» لتستعرض وجهاً آخر من شجاعة هؤلاء المؤمنين في معركة اُحد، ونعلم أنّ المسلمين في معركة اُحد قد أصابتهم الهزيمة النكراء بسبب غفلة طائفة من المسلمين الطامعين بحطام الدنيا الّذين تركوا مواقعهم الحسّاسة واشتغلوا بجمع الغنائم، وهكذا اُصيب المسلمون في هذه المعركة بخسائر كبيرة، وطبقاً لما ورد في التواريخ أنّ


1. سورة التوبة، الآية 52.

[ 216 ]

الأعداء المنتصرين في أثناء عودتهم من ميدان القتال إلى مكّة ندموا على رجوعهم هذا واتفقوا مرّة اُخرى أن يعودوا إلى المدينة ليستفيدوا من هذه الفرصة الثمينة ويُجهزوا على الإسلام والمسلمين ويتخلّصوا منهم إلى الأبد.

   فعندما سمع نبي الإسلام بذلك اتخذ موقفاً مهماً جداً، حيث أمر جيش الإسلام بالخروج لمواجهة جيوش الأعداء ولم يستثن أحداً من المسلمين حتّى من به جراحة بسبب المعركة الدامية الّتي جرت قبل قليل.

   هذا الأمر النبوي اثّر أثره بشكل كبير وأحلّ الرعب والخوف والاضطراب في صفوف الأعداء بحيث إنهم رجّحوا الاكتفاء بالانتصار النسبي والعودة إلى مكّة على الهجوم الثاني على المسلمين، وهكذا تخلّص المسلمون من شرّهم.

   والآية محل البحث تشير إلى هذا المعنى وتثني على شجاعة المسلمين وتقول : (الَّذِينَ اسْتَجَابُواْ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِن بَعْدِ مَآ أَصَابَهُمُ ا لْقَرْحُ لِلَّذِينَ أَحْسَنُواْ مِنْهُمْ وَاتَّقَوْاْ أَجْرٌ عَظِيمٌ)(1).

   ثمّ تتحدث عن إيمانهم وشجاعتهم واصفة حالتهم المتماسكة في مقابل الارهاب الاعلامي للأعداء الّذي يتحرك من موقع التهويل والتخويف وتقول : (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ
النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُواْ لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُواْ حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ ا لْوَكِيلُ
)(2).

   وهذه هي الحادثة الاُولى من نوعها في تاريخ الحروب البشرية حيث لم يشاهد في تاريخ البشرية أنّ المجروحين يعودون فوراً إلى ميادين القتال ليساهموا في دفع خطر الأعداء، أجل إن هذه الشجاعة والشهامة الفريدة هي التي اجهضت مؤامرة العدو، وهذا الحضور القوي والسريع إلى الميدان هو الّذي زرع اليأس في قلبه.

   وعلى أية حال فإنّ واقعة «حمراء الأسد» كانت ظاهرة عجيبة بدّلت حلاوة النصر لدى


1. سورة آل عمران، الآية 172.
2. سورة آل عمران، الآية 173.

[ 217 ]

قريش إلى مرارة، وبيّنت لهم أنّ المسلمين بالرغم من هزيمتهم بسبب زيغ جماعة منهم، إلاّ أنّهم مازالوا ثابتين في الميدان وأنّ على العدو أن يتوقع ضربات المسلمين في المستقبل.

   وبهذا أثرت هذه الواقعة ليس فقط في التصدي إلى هجوم الأعداء ودفع الخطر، بل في وضع الأساس لانتصارات لاحقة، وتطهير ما علق في النفوس من آثار سلبية للانتكاسة في اُحد، ومنح المسلمين الأمل في حياتهم الجديدة بالتوكل على الله تعالى.

   ويستفاد من الآية الشريفة أعلاه أنّ عملية الارهاب الاعلامي الّذي قام به بعض الشياطين لبث الرعب والخوف في قلوب المسلمين من جيوش قريش، ليس فقط لم يؤثر في زعزعة إيمانهم وثقتهم بالله تعالى وبالإسلام، بل إزداد إيمانهم واشتدت ثقتهم بالله وتوكلهم عليه، كلّ ذلك كان بسبب أنّهم كانوا يعيشون الثقة بوعد الله وصدق النبي الأكرم وأنّهم لو عملوا بارشادات النبي في واقعة اُحد فإنّ النصر سيكون حليفهم لا محالة.

   ومن عجائب هذه الواقعة هو أنّ النبي (صلى الله عليه وآله) أمر المسلمين الّذين اشتركوا في اُحد فقط بالحضور إلى حمراء الأسد دون غيرهم، لكي يفهم العدو أنّ جيش المسلمين في اُحد مازال قوياً رغم وجود الكثير من الجرحى في صفوفه، وما زال مستعداً للقتال دون
ضعف وفتور رغم استشهاد العديد من ابطاله وأفراده، وهذا هو الّذي أخاف الأعداء وزرع الخوف والقلق في قلوبهم.

   ونقرأ في الآيات اللاحقة وفي الآية 175 من هذه السورة إشارة للتفاوت بين الأفراد الّذين يعيشون الخوف والجبن وبين المؤمنين الّذين يعيشون الشجاعة والتوكل، حيث تقول الآية : (إِنَّمَا ذَا لِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَآءَهُ فَلاَ تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ).

   ونستوحي من هذه الآية الشريفة أنّ مثل هذا الخوف يتّسم بصفة شيطانية والغرض منه تضعيف روحية المؤمنين واهتزاز معنوياتهم واتخاذ موقف انفعالي أمام تحديات الظروف وبالتالي التهرب من ضغط المسؤولية والتكليف، والحال أنّ المؤمنين الحقيقيين لا يشعرون بالخوف إلاّ من الله تعالى.

   وطبقاً لهذه العبارات الواردة في الآية الشريفة فإنّ الجبن يمتد في جذوره إلى عناصر

[ 218 ]

الشر في واقع الإنسان في حين أنّ الشجاعة تسترفد مقوماتها من عنصر الإيمان وتعدّ من معطياته وثماره، لأن المؤمن وبالتوكل على الله القادر المطلق يرى نفسه منتصراً في جميع الميادين. أما الأشخاص الّذين يعيشون الاهتزاز في إيمانهم ويعتمدون على قدراتهم الذاتية فإنّهم منهزمون على أية حال لما يروا من محدودية قدراتهم وهزال امكاناتهم، ولذا يستولي عليهم الخوف والاضطراب أمام تحديات الواقع ومشكلاته المتزايدة.

   لقد تكاتفت قوى الشر والانحراف في واقعة «حمراء الأسد» لإظهار قوّة جيش قريش وتفخيمها بأكبر حجم لإخافة المؤمنين والقاء الرعب في قلوبهم، إلاّ أنّ القرآن الكريم يقرر أنّ أولياء الشيطان واتباعه هم الّذين يتأثرون بهذه المظاهر الخدّاعة، بينما يعيش أولياء الله الثبات والاستقامة في خط الحقّ والرسالة(1).

   وتنطلق «الآية السابعة» والأخيرة من الآيات مورد البحث للتذكير بهذه الحقيقة، وهي أنّ إحدى صفات المبلّغين الرساليين هي طهارتهم من رذيلة الجبن والخوف من غير الله تعالى، وتقول : (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاَتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا)(2).

   إن تبليغ الرسالة الإلهية من أهم وظائف الأنبياء والمرسلين، وهذا لا يتسنى إلاّ بخلو النفس من أية شائبة من شوائب الخوف والجبن والتردد.

   هذه الآية الشريفة الناظرة إلى الأنبياء الماضين تحذّر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) بالدرجة الاُولى، واتباعه المخلصين بالدرجة الثانية من مغبة الشعور بالخوف والتردد حين إبلاغ الرسالات السماوية وأنّ عليهم أن لا يخشون أحداً إلاّ الله تعالى، ومفهوم هذا الخطاب


1. هناك تفسيران لجملة «إنما ذلكم الشيطان يخوّف أولياءه» بين المفسرين، فبعضهم ذهب إلى أنّ «أولياء» فاعل ـ أو بمنزلة الفاعل على تقدير من أوليائه ـ وطبقاً لهذا التفسير فإنّ أولياء الشيطان هم الّذين يقومون بعملية التخويف والتهديد للناس، في حين أنّ التفسير الآخر يرى أنّ «أولياء» مفعول به كما هو الظاهر من جو الآية الشريفة والمطابق للقراءة المشهورة، حيث يكون معنى الآية، «إن الشيطان قادر على تخويف اتباعه فقط من المنافقين وأمثالهم وليس له قدرة على تخويف المؤمنين».
2. سورة الأحزاب، الآية 39.

[ 219 ]

القرآني هو أنّ الأشخاص الجبناء والّذين يعيشون الخوف والتخاذل في الموقف غير لائقين لتولي هذه المهمة وأداء هذه الرسالة.

   وذهب بعض المفسرين إلى أنّ هذه الآية تدلّ على أنّ الأنبياء الإلهيين لا ينبغي لهم استعمال التقية، ولكن هذا الرأي إنما يكون صحيحاً إذا فسّرنا التقية بمعناها السلبي من الخوف والخشية من المخالفين، والحال أنّ التقية لا تستوحي مقوماتها من الخوف دائماً، بل قد تكون بدافع من الحرص على جذب المخالفين إلى سواء السبيل وإيصال الناس إلى الغايات الإلهيّة بصورة تدريجية، ولعلّ قول إبراهيم (عليه السلام) «هذا ربي» أمام الوثنيين من قومه كان من هذا القبيل (فتأمل).

—–

 

النتيجة النهائية :

   تبيّن من خلال استعراضنا لجملة من الآيات الكريمة أهمية الشجاعة والشهامة في حركة الإنسان المؤمن، ودور هذه الفضيلة الأخلاقية في صياغة مصير الإنسانية على المستوى المادي والمعنوي، وكذلك تبيّن في الجهة المقابلة الآثار السلبية لرذيلة الجبن وعواقبها السيئة على حياة الإنسان.

   وصحيح أنّ هذه الآيات الكريمة لم تفصل البحث عن الشجاعة والجبن بصورة مستقلة وبشكل مباشر، إلاّ أنّها أشارت إلى دور هذه المفاهيم الأخلاقية في حياة الإنسان بشكل ضمني وببيان دقيق وجميل.

—–

 

الجبن والخوف في الروايات الإسلامية :

   ونقرأ انعكاساً واسعاً في الأحاديث الشريفة لهذه الرذيلة الأخلاقية من موقع الذم والتحذير الشديد من الاتصاف بها، من قبيل :

   1 ـ يقول الإمام الباقر (عليه السلام) : «لاَ يَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَاناً وَلاَ حَرِيصاً وَلاَ شَحِيحاً»(1).


1. بحار الأنوار، ج 72، ص 301.

[ 220 ]

ويستفاد جيداً من هذا التعبير أنّ «الخوف» و«الحرص» و«البخل» لا تنسجم مع روح الإيمان، لأنّ المؤمن يتوكل في جميع اُموره على الله تعالى، ومن كان يملك مثل هذا الأساس المتين في حركة الحياة لا يمكن أن يعيش الخوف ولا البخل ولا الحرص، لأنّه يعيش الأمل برحمة الله وفضله فلا يتعلق قلبه بشيء من حطام الدنيا.

   2 ـ وفي حديث آخر عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) أنّه قال : «الْجُبْنُ وَالْحِرْصُ وَالْبُخْلُ غَرَائِزُ سُوء يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ سُبْحَانَهُ»(1).

   وهذا الحديث في الحقيقة بيان آخر لما ورد في الحديث السابق حيث يبيّن الجذور الأصلية لهذه الصفات الرذيلة.

   3 ـ وقد نهى الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) اتباعه من استشارة الجبناء لأن خوفهم يؤثر في صياغة الرأي ويبعده عن جادة الصواب : «لاَ تُشْرِكَنَّ فِي رَأْيِكَ جَبَاناً يُضَعِّفُكَ عَنِ الاَْمْرِ وَيُعَظِّمُ عَلَيْكَ مَا لَيْسَ بِعَظِيم»(2).

   ونفس هذا المعنى ورد في عهد الإمام لمالك الاشتر بشكل آخر حيث نهى الإمام علي مالك الاشتر عن مشورة البخلاء والجبناء والحريصين.

   4 ـ وهذا الموضوع إلى درجة من الأهمية بحيث إن رسول الله (صلى الله عليه وآله) أمر بعدم اشتراك الأفراد الجبناء في أي جهاد ضدّ المشركين لئلاّ يُضعفوا معنويات الآخرين، فقال : «مَنْ اَحَسَّ مِنْ نَفْسِهِ جُبناً فَلاَ يَغْزُ».

   5 ـ وفي حديث آخر عن الإمام أميرالمؤمنين (عليه السلام) يوضّح الحديث أعلاه ويقول بصراحة : «لاَ يَحِلُّ لِلْجَبَانِ اَنْ يَغْزُو، لاَِنَّهُ يَنْهَزِمُ سَريِعاً وَلَكِنْ لِيَنْظُرَ مَا كَانَ يُرِيدُ اَنْ يَغْزُوَ بِهِ فَلْيُجَهِّز بِهِ غَيْرَهُ»(3).

—–

 


1. غرر الحكم، ح 10090.
2. غرر الحكم، ح 10349.
3. بحار الأنوار، ج 97، ص 49.

[ 221 ]

1 ـ الخوف المعقول وغير المعقول

   لاشكّ أنّ المراد من الجبن والخوف هنا ليس هو الجبن المعقول والخوف المنطقي بل يقع في دائرة اللامعقول واللامنطقي، وتوضيح ذلك :

   إن الخوف من الاُمور الّتي تتضمن الخطر واقعاً هي أحد الحالات الروحية والطبيعية في الإنسان وأحد المواهب والنعم الإلهية الكبيرة، وانه لولا هذه الحالة تجاه الخطر فإنّ
الإنسان لايشعر بالخوف إذا واجهه الخطر حيث يفقد حياته سريعاً، وهذا هو ما ورد في كلمات علماء الأخلاق باسم (التهوّر) في مقابل الخطر والّتي هي صفة ذميمة من قبيل أن يعبر الشخص الشارع المزدحم بالسيارات بدون أن ينظر يميناً أو يساراً ولا يحاذر من الخطر، فمثل هذا الشخص سيتعرض للحوادث الخطرة الّتي سرعان ما تؤدي بحياته.

   مثل هذا النوع من الخوف في حياة الإنسان اليومية، وهكذا في موارد الخوف من تناول الأطعمة المشكوكة أو الخوف في دائرة المسائل السياسية والاقتصادية وغيرها، يُعتبر خوفاً منطقياً، ويتسبب في نجاة الإنسان من الأخطار الّتي تهدد حياته في حركة الحياة والواقع.

   أمّا الخوف المذموم فهو أن يخاف الإنسان من المظاهر والعناصر الّتي لا تستبطن خطراً في حدّ ذاتها، بل يتصور الخطر الموهوم فيها، فيخاف من كلّ خطر وهمي وكلّ عدو خيالي ويخاف من كلّ شيء حتّى من خياله، مثل هذا الإنسان يعيش حالة التردّد في كلّ عمل يريد الاشتراك به مخافة عدم نجاحه في ذلك العمل وبالتالي يمنعه هذا الخوف من تصعيد طاقاته وقابلياته ويعيش التخلف والكسل والفشل والذلّة والمهانة.

   إن هذه الحياة الدنيا في حقيقتها ميدان للصراع مع الموانع والمشكلات والأخطار الموجودة دائماً في مفاصل وزوايا هذه الحياة، ومالم يواجه الإنسان هذه الأخطار والموانع من موقع الجرأة ويستعد بجدّية لمقابلتها فإنه لا يوفَّق في حياته.

   والغالب إننا لا يمكننا تحقيق النجاح والنصر في كلّ عمل نعمله أو نضمن عدم وجود الخطر فيه، فهذا من الخيال المحال وهو من الأوهام الزائفة، وهنا يتجلّى الدور المهم

[ 222 ]

للشجاعة والشهامة في واقع الإنسان تجاه التحدّيات الصعبة، وتتجلّى كذلك الآثار السلبية لرذيلة الخوف والجبن أيضاً.

   إن كلّ مزارع يحتمل الجفاف والأمراض الزراعية الّتي تصيب مزرعته، وكلّ تاجر يحتمل تغيّر الأسعار وتحوّل أوضاع السوق، وكلّ مسافر يحتمل وقوع الحوادث الخطرة في الطريق، وفي كلّ عملية جراحية يُحتمل وجود الخطر، فإذا عملت هذه الاحتمالات
على منع الإنسان من القيام بشاطاته الحياتية فلابدّ أن يجلس الإنسان جانباً ولا يقدم على أي عمل من الأعمال بل ينتظر الموت فقط.

   ومن المعلوم أنّ الإنسان في مثل هذه الموارد يجب أن يتوقع الأخطار الجدّية ثمّ يضع لها ما يقابلها من العلاجات والحلول ويتجنّب التهوّر وإلقاء نفسه بالتهلكة، ولكن في نفس الوقت لا ينبغي للاحتمالات الموهومة واللامعقولة الّتي تكتنف العمل دائماً أن تكون مانعة له من الإقدام على سلوك هذا الطريق.

   وهذا هو أفضل تعريف لمسألة الشجاعة بعنوانها صفة من الصفات الأخلاقية الفاضلة، والخوف بعنوانه من الصفات الأخلاقية الرذيلة.

   وقد ورد في الحديث الشريف عن الإمام الحسن المجتبى (عليه السلام) في تعريف الجبن قوله : «الْجُرْأَةُ عَلَى الصَّديِقِ وَالنُّكُولُ عَنِ الْعَدُوّ»(1).

   ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام أنّه قال في جوابه على سؤال عن الشجاعة : «مُوَافِقَةُ الاَْقْرَانِ وَالصَّبْرُ عِنْدَ الطَّعَانِ»(2).

   القرآن الكريم يقول أيضاً في إحدى آياته : (وَلاَ تُلْقُوا بِاَيْدِيكُمْ اِلَى التَّهْلُكَةِ)(3).

   ويقول في مكان آخر في وصف المؤمنين : (... اَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ...)(4) ولا يخالجهم


1. ميزان الحكمة، ج 1، ص 370; تحف العقول، كلمات الإمام المجتبى (عليه السلام)، ح 1.
2. ميزان الحكمة، ج 2، ص 1412.
3. سورة البقرة، الآية 195.
4. سورة الفتح، الآية 29.

[ 223 ]

خوف موهوم في هذا الطريق.

   إنّما تقدّم آنفاً يوضح جيداً أنّ الشجاعة هي الفضيلة الّتي تقع في الحدّ الوسط بين (التهوّر) و(الجبن).

—–

2 ـ الآثار السلبية للجُبن في حركة الحياة الفردية والاجتماعية

   ويترتب على هذه الصفة الرذيلة آثار سلبية كثيرة في حياة الإنسان والّتي تُعد من الأسباب والعوامل المهمة في فشله وذلّته.

   إننا نقرأ الكثير عن حالات الشعوب والاُمم على طول التاريخ البشري، ونقرأ أنّ الكثير منها رغم امتلاكها لوسائل القوّة والمنعة من العُدة والعدد، إلاّ أنّها كانت تعيش الذلّة والمهانة والأسر لسنوات طويلة، ولكن بمجرد أن ينبري من بينها قائد شجاع وشهم يتخطّى بها صفوف التقدّم والنهضة ويُعبّي طاقاتها وأفرادها في سبيل الكرامة والتقدّم فإنّها سرعان ما تنفض عن نفسها رداء الذلّة والمهانة والتخلف وترتقي إلى أوج العزّة والعظمة.

   إن شجاعة نبي الإسلام (صلى الله عليه وآله) في مختلف موارد سيرته العملية من هجرته إلى المدينة وموقفه في بدر واُحد والأحزاب وسائر الغزوات الاُخرى يُعد من أهمّ العوامل لانتصار المسلمين وتقدّمهم السريع، ولهذا ورد في الأحاديث الإسلامية عن الإمام علي قوله : «اَلشُّجَاعَةُ عِزٌّ حَاضِرٌ وَالْجُبْنُ ذُلٌّ ظَاهِرٌ»(1).

   ويقول في مكان آخر أيضاً : «الشُّجَاعَةُ نَصْرَةٌ حَاضِرَةٌ وَفَضِيلَةٌ ظَاهِرَةٌ»(2).

   وأحد الآثار السلبية الاُخرى لهذه الرذيلة الأخلاقية هو أنّها تمنع الإنسان من التصدي لكثير من الأعمال والنشاطات المهمة، لأن هذه الأعمال الكبيره تقترن عادة مع مشاكل كبيرة أيضاً وتتطلّب رجالاً يقفون أمام هذه المشكلات والموانع من موقع الشجاعة والجرأة، فلا يتسنّى للشخص الجبان أن يخوض في اطار هذه الأعمال إطلاقاً.


1. الآمدي ـ الغرر والدرر، ج 7، ص 171.
2. المصدر السابق.

[ 224 ]

   وعليه فإنّ مثل هؤلاء الأشخاص وعلى فرض حصولهم على بعض الموفقيّة المحدودة والتافهة في الحياة فإنّهم يعجزون عن التصدّي للأعمال المهمة على المستوى الاجتماعي والتغيير الإصلاحي الّذي يحتاجه الناس.

   وهذه المسألة من الأهمية إلى درجة أنّ الإسلام نهى عن المشورة مع الجبناء والّذين يعيشون حالة الخوف والرعب الوهمي في دائرة مديرية المجتمع والأعمال المهمة في عملية التغيير والإصلاح الإجتماعي، لأن هؤلاء من شأنهم أن يقرأوا آية اليأس فقط وبذلك يُحبطوا عزم المدراء الموفَّقين ويثبطوا من إرادتهم القوية.

   وكما رأينا أنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) يوصي مالك الأشتر في عهده المعروف ان لا يستشير أحداً من الجبناء لئلاّ يُصاب بالضعف والإحباط ويقول : «لاَ تَدْخُلَنَّ فِي مَشْوِرَتِكَ ... جَبَاناً يُضَعِّفُكَ عَنِ الاُْمُورِ»(1).

   ويقول في مكان آخر أيضاً : «وَيُعَظِّمُ عَلَيْكَ مَا لَيْسَ بِعَظِيم».

—–

3 ـ دوافع الجُبُن

   1 ـ ضعف الإيمان وسوء الظنّ بالله، لأن الشخص الّذي يعيش الإيمان بالله والثقة به وينطلق في حياته من موقع التوكل والأمل برحمة الله ولطفه والتصديق بوعده، مثل هذا الشخص سوف لا يذوق طعم الذلّة والمهانة والضعف ولا يتردد أو يخاف أمام الحوادث الصعبة ولا يهتز لتحديات الواقع الثقيلة، وهذا هو ما ورد في عهد أميرالمؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر حيث يقول : «اِنَّ الْبُخْلَ وَالْجُبْنَ وَالْحِرْصَ غَرَائِزٌ شَتَّى يَجْمَعُهَا سُوءُ الظَّنِّ بِاللهِ».

   2 ـ الشعور بالحقارة وضعف الشخصية لدى الفرد، ولهذا نجد انه كلّما كانت شخصية الإنسان نافذة وقوية وشعر الإنسان معها بالكرامة واحترام الذات فإنّ ذلك ممّا يزيد في شجاعته وشهامته، ولذلك يقول أميرالمؤمنين (عليه السلام) : «شِدَّةُ الْجُبْنِ مِنْ عَجْزِ النَّفْسِ وَضَعْفِ الْيَقِينِ»(2).


1. نهج البلاغة، الرسالة 53.
2. شرح غرر الحكم، ج 4، ص 185.

[ 225 ]

   3 ـ (الجهل وقلّة المعرفة) حيث تسبب للإنسان غالباً الخوف الموهوم، كما نرى في خوف الإنسان من الأشخاص أو الحيوانات الّتي لا يعرفها على وجه الدقة ولكن عندما تتضح له الصورة ويتعرف عليها تذوب حالة الخوف في نفسه تدريجياً.

   4 ـ (طلب الراحة والعافية) يُعد أحد الأسباب للخوف المذموم، لأن الشجاعة تتطلب الخوض في دوّامة المشكلات واللاملائمات لكي يتسنّى للإنسان أن يخرج منها منتصراً، وهذا المعنى لا يتلائم ولا ينسجم مع مزاج من يطلب الراحة والعافية.

   5 ـ إن دروس الحوادث المُرة والمؤلمة قد يتسبّب غالباً في أن يعيش بعض الناس حالة الخوف والرعب، لأن هذه الحوادث المرة تترسخ في أذهانهم وتمتزج بالخوف الّذي قد يستمر بالإنسان إلى آخر حياته ولا يمكنه التخلّص منه إلاّ ببعض العلاجات النفسية.

   6 ـ إن الإفراط في سلوك طريق الحذر من شأنه أن يورث الخوف أيضاً أو هو عامل من عوامل ايجاد الخوف في النفس، لأن مثل هذا الإنسان يتوقى كلّ ما يحتمل فيه الخطر، وهذا يؤدي به إلى أن يعيش حالة التردد والخوف من الإقدام.

   7 ـ وممّا لا ينبغي إنكاره أنّ الحالة الروحية والمزاجية والبدنية للأفراد أيضاً مؤثرة في بروز هذه الحالة السلبية، فترى بعض الأشخاص وبسبب ابتلائهم بضعف الأعصاب أو ضعف القلب يخافون من كلّ شيء، في حين يشعرون في نفس الوقت بالتنفر من هذه الحالة والإمتعاض لوجودها في واقعهم ولكنهم لا يستطيعون التخلّص منها.

   هؤلاء يقولون : أنّ الخوف المتسرب في أعماقنا ليس باختيارنا بل نجده مفروض علينا، ولكن الصحيح أنّ هذه الحالة قابلة للعلاج أيضاً.

—–

4 ـ طرق العلاج والوقاية

   إن أحد الطرق الأصلية لعلاج هذه الرذيلة الأخلاقية، كما في سائر الرذائل الاُخرى، أن يتفكر الإنسان من جهة في آثارها السلبية وعواقبها الوخيمة على المستوى الفردي
والاجتماعي للإنسان، فعندما يطالع الشخص الجبان والّذي يعيش حالة الخوف والرعب

[ 226 ]

من كلّ إقدام مثمر، الآثار السلبية للخوف الموهوم وما يترتب عليه من ذلّة وحقارة وتخلف وحرمان من الكثير من مواهب الحياة في حياته أو حياة الآخرين، فإنه سيتحرك في الغالب لتجديد فكرته ونظرته عن هذه الحالة ويسعى لتطهير نفسه منها.

   ومن الطرق المهمة الاُخرى في عملية العلاج هو السعي إلى قطع دوافع وجذور هذه الرذيلة من واقع النفس، فعندما تزول السحب المظلمة لسوء الظنّ بالله من سماء القلب، وتشرق شمس التوكل على الله في أجواء الروح الإنسانية، فإنّ ظلمات الخوف الموهوم ستزول بسرعة عن النفس البشرية، ولكن قد يحتاج هذا الأمر إلى مطالعة ودقّة أكثر.

   ومن الطرق الاُخرى للعلاج هو أن يتورّط الإنسان في الميادين المثيرة للخوف والوحشة ويعمل على إقحام نفسه مرات عديدة في مثل هذه الميادين والأجواء المثيرة، وعلى سبيل المثال فعندما يجد الإنسان نفسه يخاف من تناول الدواء أو زرق الاُبر فعليه أن يقحم نفسه مرّات عديدة في مثل هذه الأعمال كيما تزول حالة الخوف.

   والبعض الآخر يستوحش من السفر في السفينة أو الطائرة، ولكن تكرار مثل هذه السفرات من شأنه أن يزيل الخوف منه.

   وبعض الناس يجد حالة التردد والخوف في نفسه عند حضوره أمام الآخرين أو عند إلقائه لمحاضرة أو كلمة أمام الجمع، ولكن هذا الخوف والتردّد يزول غالباً بتكرار مثل هذه الأعمال.

   وأحد أهداف التمرينات العسكرية والمناورات الّتي تُجريها الحكومات لجيوشها وقواها العسكرية هو إزالة آثار الخوف من قلوب أفراد الجيش من الحروب.

   ونجد هذا المعنى بصورة جميلة ورائعة في الكلمات القصار لأميرالمؤمنين (عليه السلام)حيث يقول : «اِذَا هَبْتَ اَمْراً فَقَعْ فِيهِ، فَاِنَّ شَِدَّةَ تَوَقِّيهِ اَعْظَمُ مِمَّا تَخَافُ مِنْهُ»(1).

   ويقول العلاّمة المرحوم الخوئي في شرحه لنهج البلاغة عند شرح هذه العبارة : «كثيراً ما يستوحش الإنسان من بعض الاُمور بسبب جهله وجبنه فيمنعه ذلك الخوف من نيل


1. الكلمات القصار، الجملة 175.

[ 227 ]

الموفقية في الحياة، وهنا الإمام (عليه السلام) يحرضه على خلع حالة الجبن عن نفسه لأن تحمل ضغط هذه الحالة قد يكون في كثير من الحالات أشد على الإنسان من التورط في ذلك الأمر المخوف».

   ثمّ يضيف : «إن المخترعين والمكتشفين في العالم نالوا أوسمة الفخر بالعمل بهذه التوصية الحكيمة، حيث توغلوا إلى أعماق الغابات الاستوائية والصحاري الأفريقية وخاضوا لجج البحار ووصلوا إلى الجزر البعيدة وحصلوا على ثروات طائلة وشهرة عظيمة مضافاً إلى ما قدّموا إلى البشرية من علم ومعرفة لا يستهان بها»(1).

   وقد ورد في المثل المعروف : «اُمُّ الْمَقْتُولِ تَنَامُ وَاُمُّ المُهَدَّدِ لاَ تَنَامُ».

   وقيل أيضاً : «كُلُّ اَمْر مِنْ خَيْر أَوْ شَرٍّ فَسِمَاعُهُ اَعْظَمُ مِنْ عَيَانِهِ»(2).

   وأحد الطرق الاُخرى لعلاج حالة الجبن والخوف هو أن يعيش الإنسان بطُهر ونقاء من شوائب الرذيلة والأعمال الذميمة، لأن الأشخاص الملوّثين يخافون غالباً من نتيجة أعمالهم، وبما أنّ نيتجة هذه الأعمال سوف تتجلّى إلى الملأ يوماً من الأيام فإنّهم يعيشون حالة الخوف في أنفسهم، ولذلك ورد في الحديث المعروف عن أميرالمؤمنين (عليه السلام) قوله : «مَا اَشْجَعُ الْبري وَاَجْبَنَ الْمُريِبُ»(3).

   ونقرأ في حديث آخر عن هذا الإمام قوله : «لَوْ تَمَيَّزَتِ الاَْشْيَاءُ لَكَانَ الصِّدْقُ مَعَ الشَّجَاعَةِ وَكَانَ الْجُبْنُ مَعَ الْكِذْبِ»(4).

—–

 

 


1. منهاج البراعة، ج 12، ص 252.
2. شرح نهج البلاغة، ج 18، ص 177.
3. غرر الحكم، ح 9626.
4. شرح غرر الحكم، ج 7 ص 172. (بالفارسية)

[ 228 ]

5 ـ معطيات الشجاعة في حياة الإنسان

   والنقطة المقابلة لصفة الجبن الرذيلة، هي الشجاعة والشهامة والجرأة على الخوف في الأعمال المهمة كما تقدّمت الإشارة إليه ضمن حديثنا عن الجبن والخوف، فكلّ واحد من هاتين الصفتين المتقابلتين تتضح بدراسة ما يقابلها من الحالات الأخلاقية، فمعرفة مفهوم الجبن لا تتسنّى بدون معرفة مفهوم الشجاعة، وكذلك العكس فإنّ من العسير أن ندرك مفهوم الشجاعة بدون أن نُحيط علماً بمفهوم الجبن والخوف.

   وبهذا نرى من اللازم ولغرض تكميل الأبحاث السابقة أن نتحدث أكثر عن صفة الشجاعة وآثارها الايجابية ومعطياتها في حركة الحياة وخاصة من وجهة نظر الأخبار والأحاديث الإسلامية :

   1 ـ ما ورد في عهد الامام على(عليه السلام) لمالك الأشتر (والّذي يُعدّ أشمل دستور إلهي وسياسي) في عملية إدارة الحكومة في موارد متعددة أنّ أميرالمؤمنين (عليه السلام) أشار إلى هذه المسألة، فيحذّر في أحد الموارد مالك الأشتر من المشورة مع الأشخاص الجبناء والّذين يعيشون حالة الخوف والحرص والبخل. ويقول في مكان آخر بالنسبة إلى قادة الجيش (أو المعاونين والموظفين والمسؤولين) : «ثُمَّ الْصَقْ بِذَوِي الْمُرُوآتِ وَالاَْحْسَابِ وَاَهْلِ الْبُيُوتَاتِ الصَّالِحَةِ وَالسَّوَابِقِ الْحَسَنَةِ ثُمّ اَهْلِ النَّجْدَةِ وَالشَّجَاعَةِ وَالسَّخاء وَالسَمَاحَةِ، فَاِنَّهُمْ جِمَاعٌ مِنَ الْكَرَمِ وَشُعَبٌ مِنَ الْعُرْفِ»(1).

   وهنا نجد أنّ الإمام يرى أنّ صفة الشجاعة والشهامة تُعد من الاُصول الأساسية والقيم الأخلاقية المهمة للإنسان المدير والمدبّر وخاصة على مستوى قادة الجيش أو المسؤولين الكبار في الحكومة.

   2 ـ ويقول هذا الإمام في حديث آخر : «الشَّجَاعَةُ زَيْنٌ، الْجُبْنُ شَيْنٌ»(2).

   3 ـ وورد عن هذا الإمام الهُمام قوله في حديث آخر : «السَّخَاءُ وَالشَّجَاعَةُ غَرَائِزٌ شَرِيفَةٌ


1. نهج البلاغة، الرسالة 53.
2. شرح غرر الحكم، ج 7 ص 171. (بالفارسية)

[ 229 ]

يَضَعُهَا اللهُ سُبْحَانَهُ فِي مَنْ اَحَبَّهُ وَاَمْتَحِنْهُ»(1).

   4 ـ وورد عن النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) في ذكره لفضائل أهل بيته أنّه ذكر سبع صفات وأحدها الشجاعة.

   وفي حديث آخر ذكر النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله) فضائله وفضائل أهل بيته في كلمتين، وأحد هاتين الفضيلتين هي الشجاعة.