الأخلاق في القرآن

فروع المسائل الأخلاقية

الجزء الثاني

آية الله العظمى

الشيخ ناصر مكارم الشيرازي (دام طلّه العالي)

بالتعاون مع مجموعة من الفضلاء

[ 2 ]

 

بمساعدة مجموعة من الفضلاء

 

1 - محمد جعفر الامامي

2 - محمد رضا الاشتياني

3 - محمد إحساني فر

4 - محمد جواد أرسطا

5 - إبراهيم البهادري

6 - سعيد داودي

7 - أحمد القدسي

[ 5 ]

المقدمة

 

الأخلاق الحسنة والسيئة في القرآن

 

مقدّمة (منهج البحث) :

   تعرضنا في الجزء الأوّل من هذا الكتاب (الأخلاق في القرآن) إلى الاُصول العامة في المسائل الأخلاقية والمناهج المختلفة لتهذيب النفس، والمذاهب الأخلاقية، والدوافع والنتائج وقد بحثنا هذه المواضيع والمسائل بالتفصيل على ضوء ارشادات وتعاليم القرآن الكريم على شكل تفسير موضوعي.

   ونرى الآن أنّ الوقت قد حان لبحث جزئيات الفضائل والرذائل الأخلاقية بالاستفادة من تلك الاُصول العامة واستعراض مواردها على ضوء تعليمات الوحي والآيات القرآنية.

   ومن ذلك سنتعرض في هذا المجال للفضائل والرذائل الأخلاقيّة على مستوى الآثار والنتائج والعواقب الإيجابية والسلبية لكلّ واحدة منها، وبالتالي طرق الوقاية من الرذائل الأخلاقية ومعالجتها وكيفيّة كسب الفضائل والملكات الأخلاقية الحميدة.

   ولدى ورودنا في هذا الموضوع وهذه الدراسة تأمّلنا كثيراً في المناهج والنظم الدراسية والعلمية الّتي يمكن الاستفادة منها في هذا البحث العميق، فهل ينبغي البحث على مستوى المناهج اليونانية في تقسيم الأخلاق إلى أربعة أقسام (الحكمة، العدالة، الشهوة، الغضب) ؟ في حين أنّ هذا التقسيم لا يتلاءم ولا ينسجم مع الآيات القرآنية الّتي نريد دخول هذا البحث من خلالها وعلى ضوئها، ولا أنّ هذا المنهج خال من العيوب والنقائص الّتي تمّت الإشارة إليها في الجزء الأوّل.

   أم أنّ ترتيب الفضائل والرذائل ينبغي أن يكون على مستوى ترتيب حروف الالفباء، في

[ 6 ]

حين أنّ هذا المنهج يختلف كثيراً عن منهج الدراسة المنطقية ولا ينسجم معها كثيراً.

   أم ينبغي أن نقرر هذه الدراسة وفق منهج المذاهب الشرقية والغربية في المسائل الأخلاقية في حين أنّ كلّ واحدة من هذه المذاهب لا تخلو من مشكلة أو مشكلات منهجية، مضافاً إلى أنّها لا تتناغم مع التفسير الموضوعي للقرآن الكريم والّذي نزمع دراسة القيم الأخلاقية على ضوئه.

   وفجأة وبلطف الله والالهام الباطني تجلّى لنا منهج جديد في استيحاء المفاهيم الأخلاقية من القرآن الكريم، وهو أننا نعلم أنّ القرآن الكريم خصّص قسماً مهماً من أبحاثه الأخلاقية والسلوكية في ضمن دراسته لسلوكيات الأقوام السالفة وتاريخ المجتمعات البشرية الماضية وما ترجمه الأوائل على المستوى العملي من أخلاق وقيم وفضائل كانت تتحرك في تلك المجتمعات الإنسانية وبالتالي الكشف عن عواقب تلك السلوكيات وعرض نتائج تلكم الأعمال والممارسات الأخلاقية، وللانصاف فإن القرآن الكريم بحث المسائل الأخلاقية في دائرة التجربة العينية والخارجية في اطار ممارسة الأقوام السالفة لتتضح النتائج المترتبة عليها لكلّ قارئ ومستمع إلى هذا التاريخ الغابر، ويخرج منها بنتائج عملية وعميقة.

   ولهذا السبب رأينا أنّ من الأفضل في معيار نظم المباحث الأخلاقية وبالنظر إلى السياق الّذي يحكم دراساتنا الماضية فإننا سوف نجعل من هذه الدراسة التاريخية للقرآن الكريم معياراً حاكماً في هذه المباحث العلمية والأخلاقية.

   وبعبارة اُخرى إننا بحثنا هذه المواضيع من قصة آدم وحواء ووسوسة آدم وهبوطهما من الجنّة وما ترتّب على ذلك من سلوكيات سلبية أدّت إلى هذه الواقعة التاريخية من طرد الشيطان الرجيم من مرتبة القرب الإلهي وحرمان آدم وحواء من الجنّة وأمثال ذلك، ونعلم أنّ الشيطان قد طُرد من الجنّة والمرتبة السامية بسبب (الاستكبار) و (الإنانية) و (العجب) وبالتالي بسبب (العناد والتعصب) حيث رفض السجود لآدم، وكذلك وقع آدم وحواء في مصيدة الشيطان بسبب (الحرص) وحيث أكلا من ثمرة الشجرة الممنوعة بدوافع من

[ 7 ]

وساوس الشيطان، ثمّ تصل النوبة إلى قصة (هابيل) و (قابيل) وما تضمنت هذه القصة من صفات قبيحة كانت هي الدافع على قتل هابيل، ثمّ نصل إلى قصة نوح وما جرى على الأقوام البشرية من الطوفان وكذلك الحوادث الّتي جرت على قوم بني إسرائيل ونبيهم موسى وما تضمّنته من سيرة الأنبياء من الفضائل والمكارم الأخلاقية في ذلك الوسط المنحرف والّذي تسبّب بأنواع الأذى والعقوبات الإلهية على هؤلاء القوم.

   هذا المنهج مضافاً إلى كونه جذاباً ومشوّقاً فإنه يتناغم مع سياق البحوث القرآنية وتتجلّى فيه الفضائل والرذائل الأخلاقية في صورة تجسيد عيني لها في حركة الإنسان والواقع الاجتماعي على مستوى الحس والتجربة.

   نسأل الله تعالى توفيقنا وجميع أفراد المجتمع للتخلص من آثار الرذائل الأخلاقية الّتي تبدل المجتمع إلى جهنم وإلى نار محرقة، ونسأله تعالى أن يهب لنا التوفيق للتحرك من موقع الفضائل والمكارم الأخلاقية الّتي تصبغ قلوبنا بالصفاء والطمأنينة وتهب لنا السعادة والمراتب المعنوية السامية في حركة الإنسان التكاملية، أي مرتبة القرب من الله تعالى. (آمين يا ربّ العالمين).

ربيع الأوّل 1420هـ .ق

قم ـ ناصر مكارم الشيرازي

[ 8 ]

 

[ 9 ]

الأخلاق في القرآن / الجزء الثاني

1/التكبّر و الاستكبار   

1
التكبّر والاستكبار

 

تنويه :

   إنّ أوّل صفة من الصفات الأخلاقية الذميمة وأوّل رذيلة نقرأها في تاريخ الأنبياء وبداية خلقة الإنسان، وكما يعتقد أكثر علماء الأخلاق أنّها أُمّ المفاسد والرذائل الأخلاقية وأصل جميع أنواع الشقاء الإنساني، هي (التكبّر والاستكبار) والّتي وردت في قصة إبليس عندما خلق الله سبحانه وتعالى آدم وأمر الملائكة وكذلك إبليس بالسجود له.

   هذه القصة المثيرة والمعبّرة هي قصة محذرة ومليئة بالعبر لجميع الأفراد والمجتمعات البشرية، والجدير بالذكر أنّ النتائج والعواقب الوخيمة للتكبّر والاستكبار لا تتجلّى في قصة خلق آدم فحسب، بل نراها متجلية على طول الخط في سيرة الأقوام السالفة من تاريخ الأنبياء ومدى الدور المخرب والمدّمر لهذه الصفة الذميمة في حركة الإنسان والمجتمع البشري.

   واليوم نرى أنّ مسألة الإستكبار لها الدور الأوّل في خلق الأجواء الفاسدة وزيادة المفاسد الأخلاقية والإجتماعية في العالم والمجتمعات البشرية المعاصرة وتعد بحقّ البلاء الكبير على واقع الإنسانية المعاصرة والحضارة البشرية الفعلية والّتي لا نجد صدىً واسعاً وتجاوباً من قِبل المفكّرين والمصلحين في إصلاح هذا الخلل الكبير الّذي يتعرض له

[ 10 ]

المجتمع البشري من جراء هذه الصفة الرذيلة.

   وبهذه الإشارة نعود إلى القرآن الكريم لنستوحي من آياته الشريفة ما يرشدنا ويُلقي بالضوء على هذا البحث، أي الآيات المتعلّقة بسيرة آدم إلى سيرة نبيّنا الأكرم في دائرة آثار ودوافع هذه الصفة الأخلاقية الذميمة.

1 ـ (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لاَِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ  إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ا لْكَافِرِينَ)(1).

2 ـ (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّـغِرِينَ)(2)

3 ـ (وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَـبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً)(3).

4 ـ (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى ا لاَْرْضِ بِغَيْرِ ا لْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)(4).

5 ـ (قَالَ ا لْمَلاَُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُواْ مِن قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَا شُعَيْبُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ مَعَكَ مِن قَرْيَتِنَآ أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ)(5).

6 ـ (وَقَارُونَ وَفِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَلَقَدْ جَآءَهُم مُّوسَى بِالبَيِّنَاتِ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى الاَْرْضِ وَمَا كَانُواْ سَابِقِينَ)(6)

7 ـ (لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَا وَةً لِّـلَّذِينَ ءَامَنُواْ ا لْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُواْ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُم  مَّوَدَّةً لِّلَّذِينَ ءَامَنُواْ الَّذِينَ قَالُواْ إِنَّا نَصَارَى ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا  وَأَ نَّـهُمْ لاَيَسْتَكْبِرُونَ)(7).


1. سورة البقرة، الآية 34.
2. سورة الأعراف، الآية 13.
3. سورة نوح، الآية 7.
4. سورة فصلت، الآية 15.
5. سورة الأعراف، الآية 88 .
6. سورة العنكبوت، الآية 39.
7. سورة المائدة، الآية 82 .

[ 11 ]

8 ـ (ثُمَّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمَّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَـذَآ إِلاَّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ)(1).

9 ـ (الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِى ءَايَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَان أَتَـاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ ءَامَنُواْ كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّر جَبَّار)(2).

10 ـ (قِيلَ ادْخُلُواْ أَبْوَا بَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى ا لْمُتَكَبِّرِينَ)(3)

11 ـ (سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِىَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِى الاَْرْضِ بِغَيْرِ ا لْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْاْ كُلَّ آيَة لاَّيُؤْمِنُواْ بِهَا وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ الرُّشْدِ لاَيَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً وَإِنْ يَرَوْاْ سَبِيلَ ا لْغَىِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلاً ذَلِكَ بِأَنـَّهُمْ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَكَانُواْ عَنْهَا غَافِلِينَ)(4).

12 ـ (لاَجَرَمَ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَايُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ إِنَّهُ لاَيُحِبُّ ا لْمُسْتَكْبِرِينَ)(5).

13 ـ (لَنْ يَسْتَنكِفَ ا لْمَسِيحُ أَن يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلاَ ا لْمَلَـئكَةُ ا لْمُقَرَّبُونَ وَمَن يَسْتَنكِفْ عَنْ عِبَادَتي وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا)

14 ـ (إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُواْ عَنْهَا لاَتُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَا بُ السَّمَآءِ وَلاَيَدْخُلُونَ ا لْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ ا لْجَمَلُ فِى سَمِّ ا لْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِى الُمجْرِمِينَ)(6).

 

تفسير و استنتاج :

البلاء العظيم على طول التاريخ البشري :

   إنّ الآيات القرآنية الكريمة مليئة ببيان مفاسد الاستكبار والعواقب الوخيمة المترتبة
على التكبّر وكذلك المشكلات البشرية الّتي تزامنت وترتبت على هذه الصفة الذميمة على طول التاريخ البشري وتأثير هذه الصفة الرذيلة السلبي في تقدّم وتكامل الإنسان في أبعاده


1. سورة المدثر، الآية 22 ـ 24.
2. سورة المؤمن، الآية 35.
3. سورة الزمر، الآية 72.
4. سورة الأعراف، الآية 146.
5. سورة النحل، الآية 23.
6. سورة الأعراف، الآية 40.

[ 12 ]

المعنوية والمادية حيث لا تخفى على أحد، وما قرأنا في الآيات أعلاه إنّما هو في الحقيقة ناظرٌ إلى هذا الموضوع.

«الآية الاُولى والثانية» تتحدّث عن إبليس والقصة المعروفة لسجود الملائكة عندما أمرهم الله تعالى بالسجود لآدم تعظيماً له وقد كان إبليس في ذلك الوقت في صف الملائكة بسبب علوّ مرتبته ومقامه، وقد سجد جميع الملائكة إلاّ إبليس لأنّه آثر عصيان الأمر الإلهي وتكبّر على الحقّ وعلى الله، وبالتالي تمّ طرده من ذلك المقام السامي بسبب رفضه الصريح للسجود وحتّى اعتراضه على أصل الأمر الإلهي له، ولذلك أمره الله تعالى بالخروج من ذلك المقام وتلك المرتبة إلى أسفل السافلين حيث تقول الآية: (وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُواْ لاَِدَمَ فَسَجَدُواْ إِلاَّ  إِبْلِيسَ أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ا لْكَافِرِينَ)(1). (قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَن تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّـغِرِينَ)(2).

   وفي الحقيقة أنّ هذه أوّل معصية وقعت في عالم الوجود هذه المعصية هي الّتي أدّت بمخلوق مثل إبليس والّذي كان قد عبدالله ستة ألاف سنة (كما ورد في الخطبة القاصعة لأميرالمؤمنين(عليه السلام) في نهج البلاغة) وأُخرج من ذلك المقام بسبب تكبّر ساعة فحبطت أعماله وعباداته وطاعاته وسقط من ذلك المقام الّذي كان يُعدّ فيه مع الملائكة حيث يقول أميرالمؤمنين(عليه السلام): «إذْ اَحْبَطَ عَمَلَهُ الطَّوِيلَ وَجَهْدَهُ الْجَهِيدَ، وَكَانَ قَدْ عَبَدَ اللهَ سِتَّةَ آلاَفِ سَنَة... عَنْ كِبْرِ سَاعَة وَاحِدَة»(3).

   وفي هذه القصة المثيرة والمعبّرة نقرأ دقائق ونكات مهمّة جداً حول عواقب التكبّر ونستوحي منها أنّ هذه الصفة الرذيلة يمكن أن تؤدي إلى واقع الكفر والخروج من الإيمان تماماً كما ورد في الآيات محل البحث (أَبَى وَاسْتَكْبَرَ وَكَانَ مِنَ ا لْكَافِرِينَ)(4).


1. سورة البقرة، الآية 34.
2. سورة الأعراف، الآية 13.
3. نهج البلاغة، الخطبة 192.
4. سورة البقرة، الآية 34.

[ 13 ]

   وهكذا يتجلّى في هذه القصة أنّ إبليس وبسبب حجاب الكِبر والغرور قد تعامل مع الواقع من موقع الجهل التامّ حيث خاطب الله تعالى من موقع الاعتراض والرفض للأمر الإلهي وقال: (قَالَ لَمْ اَكُنْ لاَِسْجُدَ لِبَشَر خَلَقْتَهُ مِنْ صَلْصال مِنْ حَمَأ مَسنُون)(1).

   في حين أنّ من الواضح أن شرف آدم لم يكن لأنّه مخلوق من الطين بل بسبب تلك النفخة الإلهية والروح الإلهي الّتي نفخها الله تعالى في آدم: (فَاِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(2)، وحتّى إبليس لم يكن ليدرك افضلية التراب على النار، التراب الّذي صار مصدر جميع البركات في واقع الخِلقة وظهور الحياة وأنواع المعادن والذخائر الطبيعية من الماء والنباتات وسائر المواد الاُخرى الّتي تتولد منها النار ولذلك قال بمنتهى الغرور (خَلَقْتَنِي مِنْ نَار وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِين)(3).

   مضافاً إلى أنّ الكثير من الأشخاص الّذين يقعون في الخطيئة والزيغ فإنّهم قد يعودون إلى مسارهم الفطري والسليم بعد أن يدركوا خطئهم ويتحركوا من موقع إصلاح الخلل والتوبة، ولكن حالة التكبّر والإستكبار هي من الاُمور الّتي لا تفسح المجال للإنسان المخطيء في سلوك طريق التوبة بعد الانتباه وإدراك الخطأ، ولهذا السبب فإنّ الشيطان عندما التفت إلى خطئه لم يتب منه، لأنّ الكبر والغرور لم يسوّغ له أن يتحرك من موقع التسليم والتعظيم لجوهر الخلقة (أي الإنسان) بل إنّه زاد من تكبره وعناده وأقسم على إضلال جميع الناس (إلاّ عَبادَ اللهِ المخلصين) وطلب من الله تعالى العمر المديد ليستمر في غيّه ونصب شراكه وفخاخه لبني آدم ليضلهم عن سبيل الله وعن سلوك طريق الحقّ.

   وبهذا فإنّ التكبّر والأنانية والعجب وأمثال ذلك تعدّ مصدراً من مصادر الحالات السلبية والصفات الذميمة الاُخرى من قبيل الحسد، الكفر، الإفساد، ارتكاب الفحشاء والمنكر.

   وبهذا يكون الشيطان كما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام) في الخطبة القاصعة قد وضع أساس


1. سورة الحجر، الآية 33.
2. سورة الحجر، الآية 29.
3. سورة الأعراف، الآية 12.

[ 14 ]

التكبّر والتعصب في الأرض وعمل على التصدي للقدرة الإلهية المطلقة من موقع العناد واللجاجة: «فَعَدُوُّ اللهِ اِمَامُ الْمُتَعَصِّبِينَ وَسَلَفُ الْمُسْتَكْبِرِينَ الّذي وَضَعَ أَسَاسَ الْعَصَبِيَّةِ وَنَازَعَ اللهَ رِدَاءَ الْجَبْرِيَّةِ وَادَّرَعَ لِبَاسَ التَّعَزُّزِ، وَخَلَعَ قِنَاعَ التَّذَلُّلِ»(1).

   وبسبب هذه الحالة الدنيئة والفعل الدنيء فإنّ الله تعالى قد جعل الشيطان ذليلاً وألبسهُ لباس الهوان والحقارة كما قال أميرالمؤمنين(عليه السلام) في هذه الخطبة: «اَلاَ تَرَوْنَ كَيْفَ صَغَّرَهُ اللهُ بِتَكَبُّرِهِ وَوَضَعَهُ بِتَرَفُّعِهِ فَجَعَلَهُ فِي الدُّنْيَا مَدْحُوراً، وَاَعَدَّ لَهُ فِي الاْخِرَةِ سَعِيراً»(2).

   والخلاصة أنّه كلّما تدبّرنا في قصة إبليس وافرازات التكبّر والغرور فإننا نستجلي دقائق مهمّة وكثيرة عن أخطار التكبّر والاستكبار.

—–

   «الآية الثالثة» تتحرك حول استعراض قصة نوح أول أنبياء اُولي العزم وصاحب الشريعة، هذه القصة توضح لنا أنّ المصدر الأساسي للكفر وعناد قوم نوح مع نبيّهم يمتد إلى حيث صفة التكبّر والاستكبار. فعندما نقرأ الشكوى الّتي تقدّم بها نوح إلى الله تعالى من قومه نجد أنّه يؤكد على هذه المسألة وهي أنّ مخالفتهم نابعة من شدّة استكبارهم حيث تقول الآية :

   (وَإِنِّى كُلَّمَا دَعَوْتُهُمْ لِتَغْفِرَ لَهُمْ جَعَلُواْ أَصَـبِعَهُمْ فِى ءَاذَانِهِمْ وَاسْتَغْشَوْاْ ثِيَابَهُمْ وَأَصَرُّواْ وَاسْتَكْبَرُواْ اسْتِكْبَاراً)(3).

   فهنا نرى أيضاً أنّ التكبّر ورؤية الذات من موقع الغرور والعجب والتفوق على الآخرين يمثل منبع الكفر والعناد مع الحقّ.

   لقد كان تكبّرهم إلى درجة أنّهم لم يتحملوا حتّى سماع كلام الحقّ والّذي يمكن أن يؤثر في تنبّههم وإيقاضهم من ضلالهم ولذلك كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ويستغشون


1. نهج البلاغة، الخطبة 192.
2. المصدر السابق.
3. سورة نوح، الآية 7.

[ 15 ]

ثيابهم على رؤوسهم لكي لا يصل إليهم صوت نوح ويتأثروا بهذا الكلام الإلهي الصادر من أعماق الفطرة الإنسانية، فهذا العداء وهذه الكراهية لكلام الحقّ ليس لها مسوّغ ودافع سوى حالة التكبّر الشديد الّذي كان يعيشه هؤلاء القوم الظالمون.

   هؤلاء كانوا يتعرضون لنوح ودعوته ويتساءلون من موقع الاعتراض أنّ نوح كان يحيط به الأراذل من الناس والفقراء والمساكين وأبناء الطبقات الضعيفة من المجتمع، فلذلك قرروا عدم الاقتراب من نوح والجلوس معه ما دام هؤلاء الأراذل والضعفاء بحسب تعبيرهم مع نوح.

   أجل فإنّ التكبّر والأنانية العجيبة الّتي كان يعيشها هؤلاء الناس كانت قد أحرقت الفضائل الأخلاقية في واقعهم وحوّلتها إلى رماد.

   وفي الحقيقة فإنّ هذه الرذيلة الأخلاقية وهي التكبّر تعدّ عاملاً أساسياً لعنادهم وإصرارهم على الكفر إلى درجة أنّهم كانوا يضعون أصابعهم في آذانهم ويغطّون رؤوسهم بثيابهم خوفاً من تأثير كلام نوح في أنفسهم.

   ومن الملفت للنظر أنّ هذا العمل إنّما يدلّ على أنّهم كانوا يعترفون في قرارة أنفسهم بحقّانية دعوة نوح ويعتقدون به ويدل على ذلك وضعهم أصابعهم في آذانهم وتغطيتهم رؤوسهم بثيابهم.

   ويُحتمل أيضاً أنّهم كانوا يغطون رؤوسهم بثيابهم لكيلا يروا نوح ولا يراهم نوح فلعلّ رؤيتهم له توجب الأُنس به والرغبة والميل لسماع كلماته.

   وأخيراً فإنّ حالة العجب والغرور ورّثتهم الجهل وعدم سماع انذارات نوح(عليه السلام) في آخر لحظات العمر حيث كانت هناك فرصة للنجاة فلم يكونوا يحتملون صدقه في هذا
الانذار لذلك عندما كان نوح(عليه السلام) يصنع السفينة فإنّ هؤلاء القوم الظالمين كانوا يمرّون عليه ويهزءون به ويسخرون منه ولكن نوح كان قد حذّرهم بقوله: (...اِنْ تَسْخَرُوا مِنّا فَاِنَّا نَسْخَرُ مِنْكُمْ كَمَا تَسْخَرُونَ)(1)، ولكن في ذلك اليوم سوف لا تكون لكم فرصة للتنبّه حيث تحيط


1. سورة هود، الآية 38.

[ 16 ]

بكم أمواج البلاء والطوفان فلا ملجأ.

   وأساساً فإنّ أحد علامات المستكبرين هو أنّهم لا يتعاملون مع المسائل الّتي لا تدور في دائرة مصلحتهم ومنفعتهم من موقع الجديّة بل يتخذونها وسيلة للعب واللهو ويتحركون دائماً من موقع الاستهزاء والسخرية بالمستضعفين حيث يمثل ذلك جزءاً من سلوكهم وديدنهم في حياتهم، وكم رأينا أنّهم في مجالسهم ينطلقون للعثور على مؤمن مستضعف ليجعلونه محور سخريتهم وضحكهم، وبذلك يكون هذا السلوك منشأ للترفيه عن أنفسهم، فهؤلاء وبسبب هذه الروح الاستكبارية يرون أنّهم العقل الكلّي ويتصورون أنّ الثروة الّتي اكتسبوها من الطريق الحرام هي علامة وآية لذكائهم ولياقتهم الّتي تبيح لهم أن يتعاملوا مع الآخرين من موقع التحقير والتهميش.

—–

   وفي «الآية الرابعة» نتجاوز عصر نوح(عليه السلام) لنصل إلى عصر (قوم عاد) ونبيّهم هود(عليه السلام)، وهنا نرى أنّ السبب الأساس لشقاء هؤلاء القوم الظالمين هو عامل التكبّر وروح الاستكبار المترسخة في نفوسهم حيث تقول الآية : (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُواْ فِى ا لاَْرْضِ بِغَيْرِ ا لْحَقِّ وَقَالُواْ مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ اللَّهَ الَّذِى خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُواْ بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ)(1).