قال هشام: بلغني ما فيه عَمرو بن عبيد، و جلوسه في مسجد البصرة، فعظُم ذلك عليّ، فخرجت إليه ودخلت البصرة يوم الجمعة، فأتَيت مَسجد البَصرة، فإذا أنا بحلقة كبيرة فيها عَمرو بن عبيد، و عليه شَملةٌ سوداءٌ، متّزراً بها، من صوف و شملةٌ مرتدياً بها، و النّاس يسألونه، فإستفْرَجت النّاس فأَفرَجوا لي، ثمّ قَعدت في آخر القَوم، على رَكبتي، ثم قلت: أيّها العالم، إِنّي رجلٌ غريبٌ تأذن، لي في مسألة!.
فقال لي: نَعم.
فقلت له: أَلك عَينٌ؟
فقال: يا بُنيّ أيّ شيء هذا السّؤال، و شيء تراه كيف تَسأل عنه.
فقلت: هكذا مَسألتي.
فقال: يا بُنيّ سَلُ وإن كانت مَسألتك حَمقاء.
قلت: أجبني فيها.
قال لي: سَلْ.
قلتُ: ألكَ عينٌ؟
قال: نَعم.
قلت: فما تَصنع بها؟.
قال: أرى بها الألوان والأشخاص.
قلت: ألكَ أنفٌ؟
قال: نَعم.
قلتُ: فما تصنع به؟
قال: أشمٌّ به الرّائحة.
قلتُ: ألكَ فمٌ؟
قال: نَعم.
قلتُ: فما تصنع به؟.
قال: أذوقُ بِهِ الطّعام.
قلت: ألك اذنٌ.
قال: نَعم.
قلتُ: فما تصنع بها؟.
قال: أسمع بها الصّوت.
قلت: أَلك قلب؟.
قال: نعم.
قلتُ: فما تصنع به؟
قال: اُميّز به كلّما ورد على هذه الجَوارح و الحَواس.
قلتُ: أوَ لَيس في هذه الجَوارح غِناً عن القلب؟.
فقال: لا.
قلتُ: و كيف ذلك، و هي صحيحةٌ سليمةٌ؟.
قال: يا بُني إنّ الجوارح إذا شكّت في شيء، شمّته أو رأته أو ذاقته أو سمعته، ردّته إلى القَلب
فيسْتَيقِن اليَقين و يُبطل الشّك.
فقلت له: فإنّما أقام الله القلب; لِشّك الجَوارح؟.
قال: نعم.
قلتُ: لابدّ من القلب، و إلاّ لم تَستَيقن الجوارح؟.
قال: نعم.
فقلتُ له: يا أبا مَروان، فالله تَباركَ و تعالى، لم يترك جوارحك حتّى جَعل لها إماماً، يُصحِّح لها الصّحيح، و يتيقّن له ما شكّ فيه، و يترك هذا الخَلق كلّهم في حِيرتهم و شَكّهم و إختلافهم، لا يُقيم لهم إماماً يردّون إليه شَكّهم و حِيرتهم، و يُقيم لَك إماماً لِجوارحك، تردّ إليه حيرتك و شَكّك؟
قال: فَسكت ولم يقل شَيئاً، ثم إلتفتَ إليّ، فقال لي: أنتَ هُشام بن الحّكم؟، فقلتُ: لا. قال من جُلسائه؟، قلت: لا، قال: فَمن أَنتَ، فقلت: من أهلِ الكوفة. قال: فأنت إذاً هوَ، ثمّ ضمّني إليه، و أَقعدني في مَجلسه، وزالَ عن مجلسه، و ما نطَق حتّى قُمت.
قال: فَضحِك أبوعبدالله(عليه السلام)، و قال: يا هُشام من عَلّمك هذا؟.
قلتُ: شيءٌ أخذته منك، و ألّفته.
فقال الإمام: «هذا والله مكتوبٌ في صُحف إبراهيم وَ موسى».(1)
نعم، فإنّ الإمام بمنزلةِ القَلب، لِعالَم الإنسانيّة، و هذا الحديث يمكن أن يكون إشارةً، لِلولاية و الهداية التّشريعيّة أو التّكوينية، أو الإثنين معاً.
و كذلك ما ورد، في حديث أبي بَصير وجاره التوّاب، هو شاهدٌ آخر على هذا المَطلب:
قال أبو بَصير: كان لي جارٌ يتبعِ السّلطان، فأصابَ مالاً فإتّخذ قِياناً، و كان يجمع الجَموع و يشربُ المُسكِر و يُؤذيني، فشكوته إلى نفسه غيرَ مَرّة، فلم يَنتَهِ، فلّما ألحَحَتَ عليه، قال: يا هذا أنا رجلٌ مُبتلى، و أنت رجلٌ معافى، فلو عرّفتني لِصاحبك رَجوتُ أن يَستنقذني اللهُ بك، فوقع ذلك في قلبي، فلما صِرت إلى أبي عبدالله(عليه السلام)، ذكرتُ له حاله.
فقال لي: «إذا رجعت إلى الكُوفة، فإنّه سيأتيك، فقل له: يقول لك جعفر بن محمد: دعْ ما أنت عليه، و أَضمِنْ لك على الله الجنّة».
قال أبو بَصير: فلمّا رجعت إلى الكوفة، أتاني فيمن أتى، فاحْتبستُه حتّى خَلا منزلي. فقلت: يا هذا، إنّي ذكرتُك لأِبي عبدالله(عليه السلام)، فقال: «أَقرِأه السّلام و قل له: يترك ما هو عليه، و أَضمن له على الله الجنّةَ».
فَبَكى، ثمّ قال: الله، قال لك جعفر(عليه السلام) هذا؟
قال: فحلفت له، أن قال لي ما قلت لك.
فقال لي: حَسبُك وَمَضى، فلما كان بعد أيّام بعث إليّ و دعاني، فإذا هو خَلف باب داره عُريان.
فقال: يا أَبا بصير، ما بقي في منزلي شيءٌ، إلاّ و خرجت عنه، و أنا كما ترى.
فَمشيت إلى إخواني، فجمعت له ما كسوته به، ثمّ لم يأت عليه إلاّ أيّاماً يسيرةً، حتّى بعث إليّ: أنّي عليل فآئْتني، فجعلت أختلف إليه، و اُعالجه حتّى نزل به الموت.
فكنت عِنده جالساً و هو يجود بِنفسه، ثم غُشي عليه غشيةً ثم أفاق، فقال: يا أبا بَصير، قد و فّى صاحبك لنا، ثم مات، فَحَججت فأتيت أباعبدالله(عليه السلام)، فإستأذنت عليه، فلمّا دخلت قال مبتدئاً من داخل البيت، وإحدى رجليّ في الصّحن والاُخرى في دهليز داره: «يا أبا بَصير قد وفيّنا لصاحبك».(1)
بالطّبع يمكن أن يقال: إنّ هذا الحديث حمل في طيّاته، جانب التّوبة العاديّة المعروفة بين الناس، ولكنّنا نقول: إن ّ ذلك الرّجل المذنب والمليء بالمعاصي، من رأسه إلى أخُمص قدمه، لم يكنِ ليُغيّر طريقة حياته، و اتّخاذه جانب الصّلاح و الفلاح، و على حدّ إعترافه هو، بأنّه لولا الإمام(عليه السلام) و عنايته، لم يكن له أن يتحول من دائرة الظلّمة و المعصية، إلى دائرة النّور والهداية.
و يوجد إحتمالٌ قويٌّ، و هو أنّ هذا الإنقلاب و التّحول، في روح و سلوك هذا الرجل المذنب المستعد لِلتوبة، كان بسبب التّدخل الرّوحي للإمام(عليه السلام)، و تصرفه في محتواه النّفسي، و
ذلك لوجود نقطة مضيئة و بصيص من الأمل في أعماق قلبه، و هو تمسّكه بالولاية، حيث أدّى إلى أن يتحرّك الإمام(عليه السلام) إلى نجدته و إنقاذه، في آخر لحظات حياته و أيّام عمره.
و الّنموذج الآخر لهذا التّأثير المعنوي، و الولاية التكوينيّة في تهذيب النّفوس المستعدّة، هو ما نقله العلاّمة المجلسي(رحمه الله) في بحار الأنوار، عن الإمام الكاظم(عليه السلام)، و الجارية التي أرسلها هارون إليه.
فقد وَرد أنّ هارون الرّشيد، أنفذَ إلى موسى بن جعفر(عليه السلام) جاريةً خصيفةٌ، لها جمالٌ و وضاءةٌ لتخدمه في السّجن، فقال له: (بَل أَنْتُم بِهَدِيّتِكُم تَفرَحُونَ )(1)، لا حاجة لي في هذه و لا في أمثالها، قال: إستطار هارون غَضباً، و قال: إرجع إليه وقل له: ليس بِرضاك حبَسناك، و لا بِرضاك أخذناك، و إترك الجارية عنده و إنصرف.
قال: فَمضى و رجع، ثم قام هارون عن مجلسه، و أنفذَ الخادم إليه ليتفحص عن حالها، فرآها ساجدةً لربّها لا ترفعُ رأسها، تقول: قُدّوسٌ سُبحانك سُبحانك.
فقال هاورن: سَحرها و الله موسى بن جعفر بسحره، عليّ بها، فأتى بها و هي تَرتَعد، شاخصةً نحو السّماء بصرها، فقال: ما شأنك؟.
قالت: شأني الشّأن البديع، إنّي كنت عنده واقفةً، و هو قائمٌ يصلّي ليله ونهاره، فلمّا إنصرف عن صلاته بوجهه، و هو يسبّح الله و يقدّسه، قلت: ياسيّدي هلْ لك حاجة اُعطيكها؟
قال: وما حاجتي إليك؟
قلت: إنّي اُدخلت عليك لِحوائجك.
قال: ما بالُ هؤلاء؟.
قالت: فآلتفتُ فإذا روضةٌ مزهرةٌ، لا أبلغ آخرها من أوّله بنظري، ولا أوّلها من آخرها، فيها مجالسُ مفروشة بالوِشيّ و الدّيباج، و عليها و صفاً وَ وَصائِف، لم أر مثل وجوههم حُسناً، و لا مِثل لباسهم لِباساً، عليهم الحَرير الأخضر، والأكليلُ و الدّر و الياقوت، و في أيديهم الأباريق و المَناديل، و من كلّ الطّعام، فخَررت ساجدةً حتّى أقامني هذا الخادم; فرأيت نفسي حيثُ كنت.
فقال هارون: يا خبيثة، لعلّكِ سجدت فَنمت فرأيت هذا في مَنامك؟.
قالت: لا والله ياسيّدي، إلاّ قبل سُجودي، رأيت فسجدت من أجلِ ذلك.
فقال هاورن: إقبض هذه الخبيثة إليك، فلا يسمع هذا مِنها أحد، فأقبلت في الصّلاة، فإذا قيل لها في ذلك، قالت: هكذا رأيتَ العَبد الصّالح(عليه السلام)، فسئلت عن قولها، قالت: إنّي لما عَييت من الأمر نادتني الجواري، يا فلانة أبعدي عن العبد الصّالح، حتّي ندخل عليه، فنحن له دونك، فما زالت كذلك حتّى ماتت، و ذلك قبل موتِ موسى(عليه السلام)بأيّام يسيرة(1).
و في هذه القصّة، نشاهد نموذجاً آخر من تأثير الإمام(عليه السلام)، في روح تلك الجارية المستعدّة للتّربية و الإصلاح الرّوحي، و الهداية في طريق الحقّ و العودة إلى الله تعالى.
—–
والخلاصة: أنّ تاريخ الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، و الأئمّة الهداة(عليهم السلام)، حافل بمثل هذه الحوادث، حيث يتّفق لبعض الأشخاص، أن يلتقوا مع النّبي أو الإمام، فينقلب مَساره في حركة الحياة و الواقع و يتغيّر كلياً، و يتحوّل إلى النّقطة المقابلة، في حين أنّ هذا التغيّر، ما كان ليحصل بواسطة الأسباب العادية، بحسب الظّاهر، و هذا الأمر يدلّ على أنّ الإنسان الكامل، هو الذي تولى هذه العمليّة التغييريّة، في هؤلاء الأشخاص من خلال التّصرف و التّدخل في النّفوس، و هو ما نسمّيه بالولاية التكوينيّة.
و من المؤكّد أنّ هذه العناية، و اللّطف و التّوجه، لم يكن إعتباطاً، بل هو لوجود نقاط قوّة في شخصيّة الفرد المُعتنى به، لتشمله العناية الإلهيّة، بواسطة الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، و الأئمّة الطّاهرين(عليهم السلام).
نترك الكلام و القَلم هنا، للعلاّمة الشّهيد المطهّري(قدس سره)، حيث يقول في كتابه: «ولاءها و
ولايتها»: (تستعمل هاتين الكلمتين عادة في أربع موارد: و لاء المحبة: (أي المحبّة لأهل البيت)(عليهم السلام)، و ولاء الإمامة، بمعنى التّأسي بالأئمّة(عليهم السلام)، و جعلهم القدوة لأعمالنا و سلوكيّاتنا، و ولاء الزّعامة، بمعنى حقّ القيادة الاجتماعيّة والسّياسية للأئمّة(عليهم السلام)، و ولاء التّصرف، أو الولاء الرّوحي و هو أسمى هذه المراحل).
و بعدها يوضّح الأوّل و الثّاني و الثّالث، ثمّ يعرج على المعنى الرّابع، الذي هو مورد بحثنا و يقول: (إنّ التّصرف الرّوحي والمعنوي، هو نوعٌ من القُدرة و التّسلط الخارق للتكوين، بمعنى أنّ الإنسان و من خلال عبوديّته الحقّة لله تعالى، يحصل على مقام القُرب الإلهي المعنوي و الرّوحي، و نتيجة لهذا القُرب، يصبح إنساناً كاملاً، يتحرك في طريق هداية الناس نحو المعنويات، و يتسلط على الضّمائر، وتكون له قدرة الشّهود على الأعمال، و بالتّالي يصير حُجّة الله في زمانه!
فمن وجهَة نظر الشّيعة، أنّ كلّ زمان لا يخلو من إنسان كامل، يتمتع بقدرة التّصرف الغيبي في العالم والإنسان، و ناظرٌ و شاهدٌ على الأرواح والقلوب، وهذا الإنسان هو حجّةُ الله على الأرض.
و المقصود من التّصرف، أو الولاية التكوينيّة، ليس كما يعتقد بعض الجهّال، من أن يتولى الإنسان الكامل، مسألة القَيوميّة و التدبير في العالم، بحيث يكون الخالق و الرّازق و المفوض، من جانب الله تعالى.
و هذا الإعتقاد، رغم أنّه لا يعتبر شركاً، بل هو كما ورد في القرآن، بالنّسبة إلى الملائكة: «المُدَبِّراتُ أَمرَاً وَالمُقَسِّماتِ أمراً»، فهو بإذن الله تعالى، والقرآن يُخبرنا أنّ لا: نَنسب مسائل الخلقة و الرّزق والموت و الحَياة، إلى غير الله تعالى.
ولكن المقصود، هو أنّ الإنسان الكامل، ولقربه من الله تعالى، يصل إلى مرحلة تكون له الولاية في التّصرف في: (بعض اُمور) العالم.
ثم يضيف قائلاً: ويكفي هنا أن نشير إشارةً إجماليةً إلى هذا المطلب، وتوضيح اُسسه بالإعتماد و على المفاهيم و المعاني القرآنية، لِئلاّ يعتقد البعض، أنّ هذا جزافاً من الكلام.
فلا شك أنّ مسألة الولاية، بمعناها الرّابع، هي من المسائل العرفانيّة، و مجرد كونها عرفانيّة، لا يعني نكرانها بالكامل.
ثمّ يشرح بإسهاب، معطيات القرب من الله تعالى، و يستنتج منها، ما يلي:
فعلى هذا الأساس، من المحال على الإنسان، و بعد قربه و طاَعتِه للهِ تعالى، ألاّ يصل إلى مقام الملائكة، بل وأرقى، أو على الأقل يساوي الملائكة في مقامهم، الملائكة التي تدبّر و تتصرف في عالم الوجود، بإذن الله تعالى»(1).
ويمكن أن نخرج من هذا الحديث بنتيجة، و هي أنّ العلاقة المعنويّة، و الإرتباط بالإنسان الكامل، يمكن أن يساعد الإنسان في عمليّة التّصرف، و النّفوذ في حياة الاُناس المستعدّين والمتقبلين للإصلاح، وسوقهم تدريجياً في خطّ التّهذيب الأخلاقي، و إبعادهم من جو الرّذائل إلى جو الفضائل الأخلاقية والكمالات الروحيّة.
تتعرض المفاهيم البنّاءة و الصّحيحة، للاُمم و الشّعوب في كلّ زمان و مكان للإستغلال و التّحريف دائماً، و هذا الإستغلال في الحقيقة لا يؤثر على صحة و قداسة أصل المسألة.
ولم تكن مسألة القدوة الأخلاقيّة في خطّ التربية و التّهذيب، و لزوم الإستفادة من الاُستاذ العامّ و الخاصّ، لأجل السّلوك إلى الله و تهذيب الأخلاق، مستثناة من هذا الأمر، فجماعةُ من الصّوفيّة طَرحوا أنفسهم، بعنوان: «مُرشد» أو «شيخ الطّريقة» و «القُطب»، و دعوا الناس لإتّباعهم و التّسليم المُطلق إليهم، بل و تعدّوا الحُدود، و قالوا إذا ما شاهدتم سلوكاً يصدر من الشّيخ، مخالفاً للشريعة، فلا عليك و لا ينبغي عليك الإعتراض، لأنّ ذلك يخالف روح التّسليم المُطلق للمرشد.
و يُستفاد ومن كلمات «الغزالي»، المؤيد للصّوفية، في فصولِ متعددّة من كتابه «إحياء العلوم»، هذا المعنى أيضاً، حيث يُشمّ منها رائحة الصوفيّة، و الحقيقة أنّ فِرقاً من الصّوفية،
تعتبره من كبار أعلامها، فقد قال في الفصل (51) من الجزء الخامس، الباب الخامس:
(نَظَرُ الصّوفية إنّ أدب المريدين في مقابل شيوخهم هو، أن يجلس المريد مقابل الشّيخ مسلوب الإختيار، فلا يتصرف في نفسه وماله إلاّ بأمره... و أفضلُ أدب المُريد أمام الشّيخ: هو السّكوت و الخمود و الجمود، إلى أن يملي عليه شيخه، ما يراه له صلاحاً في أعماله و أفعاله... و كلّما رآى من شيخه خِلافاً، و عسُر عليه فَهمه، تذكّر حكاية مُوسى و الخِضر(عليهما السلام)، فإنّ الخضر قد عمل أعمالاً أنكرها مُوسى، ولكن عندما كشف له الخِضر أسرارها إنتبه مُوسى، وعليه فكلّما فعل الشّيخ، كان له عُذراً بلسان العِلم و الحِكمة)(1).
و يقول العارف العّطار، في أحوال يوسف بن حسين الرّازي، عندما أمره ذو النّون المَصري: (مرشده)، الخُروج من بلدِه والعودة إلى دياره، طلب يوسف منه برنامجاً يعمل به، فقال له ذُو النّون: عليك بِنسيان ما قرأته، و اُمح كلّ ما كتبته، ليُزال الحِجاب!.
ونقل عن أبي سعيد، قوله للمُريدين:
«رَأسُ هذا الأمرِ، كَبْسُ الَمحابِرِ وَ خرَقُ الدَّفاتِر وَنِسيانِ العِلمِ»(2).
ونقل عن أحوال و حالات «أبو سعيد الكندي»، أنّه كان قد نزل في الخانقاه، و إجتمع عنده جمعٌ من الدّراويش، وكان يطلب العلم سرّاً، وفي يوم من الأيّام سقطت من جيبه محبرةٌ، فإنكشف سرّه: «و هو أنّه من هواة تحصيل العلم»، فقال له أحد الصّوفيين: (اُستر عليك عَورتك)(3).
ولا شك فإنّ الجو الحاكم هناك، كان نتيجةً لتعاليم مرشدهم في هذا الأمر، ولكنّ الحقيقة أنّ الاسلام قد أكّد على خلاف هذا المسلك، ففي الحديث الوارد عن الصّادق(عليه السلام)، عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، أنّه قال: «وُزِّنَ مِدادُ العُلَماءِ بِدِماءِ الشُّهدَاءِ، فَرُجّحَ مِدادُ العُلَماءُ عَلى دِماءِ الشُّهَدَاءِ»(4).
فانظر إلى الفرق بين المسلكين!!.
و لأجل الإطّلاع على كيفيّة التّحريف و الإنزلاق في منحدر الإفراط و التّفريط، و كيف تنحرف مسألةٌ معينةٌ عن المنطق و الشّرع، لدى وقوعها بأيدي مَنْ لا أَهليّة له، على التّنظير في اُمور الدّين؟، و كيف تَتعرض للإستغلال و التّشويه، علينا إلقاء نظرة على كلام: «كيوان القِزويني المُلقّب بـ منصور علي شاه»، حيث يُعتبر من أقطاب الصّوفية، فقد بيّن حدود و صلاحيّات القُطب، و قال:
«لِلقطب أن يدّعي عشرةَ خُصوصيّات:
1 ـ أنّ عندي باطنُ الولاية التي كانت عند الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)... مع فرق واحد هو، أنّه المؤسس وأنا المروّج والمدير والحارس!.
2 ـ عندي القُدرة على تربية الأفراد، و تهذيب نفوسهم، و إزالة العناصر الخبيثة و الخصائص الشّريرة، في واقعهم ونزعها ونقلها إلى الكفّار.
3 ـ أنا حرّ من قيود الطّبع و النّفس.
4 ـ يجب أن تؤدى جميع عِبادات و مُعاملات المُريدين، بإجازة و موافقة منّي.
5 ـ كلّ إسم اُلقّنه لِلمُريدين، و أجيزهم بذكره في القلب أواللّسان، يكون هو ذلك الإسم فقط هو الله، ويسقط الباقي من درجة الإعتبار.
6 ـ كلّ المعارف الدينيّة و العقائديّة، إن كانت قد حصلت بموافقتي، فهي صحيحة، وإلاّ فهي عينُ الزّيف، و مَحض الخَطأ.
7 ـ أنا مفترضُ الطّاعة، و لازمُ الخِدمة، و لازم الحفظ.
8 ـ أنا حرٌّ في عقائدي.
9 ـ أنا ناظرٌ للأحوال القَلبيّة لمريديّ دائماً.
10 ـ أنا قسيم النّار والجنّة(1).
هذا الكلام أشبهُ بالهَذيان منه إلى البَحث المَنطقي، رغم أنّه قد لا يقبله أغلب الصّوفيين، ولكن مجرد أنّه يرى نفسه بِعنوان: «قُطب»، و إدّعائه أن للأقطابِ، إختياراتٌ و صلاحيّاتٌ لم
يدّعيها حتى الأنبياء لأنفسهم، فإن ذلك يكفي، في تبيان مدى إستغلال هؤلاء المدّعين، لمثل هذه العناوين الضّبابيّة و حاجة الناس للمعلم، في أمر السّير و السّلوك إلى الله تعالى، و ما يمكن أن يترتّب على ذلك، من عواقب سلبيّة على مستوى، سَوقِ النّاس في خَطّ الباطل.
فهذه الإدّعاءات، بعض منها من خواصّ الأنبياء، والاُخرى لم يجرء على ادّعائها أحد من الأنبياء والأئمّة(عليهم السلام)، و أيّ شخص له قليلٌ من الإلمامٌ بالدّين، سيتوجه إلى فَضاعةِ الأمرِ و خُطورته.
و إذا ما رَجعنا إلى كُتب أهل التّصوف، مثل، «تَذكرة الأَولياء» لِلشيخ العَطار، و «تاريخ التّصوف»، و «نفحات الاُنس»، و بعض أبحاث «إحياء العُلوم»، نرى أنّ الإدّعاءات و الخُصوصيّات التي يضعوها لِلأقطاب، و شيخُ طريقتهم: فضيعةٌ، و لذلك فإنّ بعض مُحقّقي الشّيعة وفقهائهم، و قفوا بِشدّة و قوّة، مقابل هذه الطّائفة، حتى أنّ هذا الموقف تسبّب بإيذاء بعض الّذين يتعاملون مع المفاهيم الدينيّة، من موقع الجهل و السطحيّة، لكن الحقيقة أنّ المثقفين و المطّلعين، يعلمون أنّ إطلاق العِنان لمثل هذه الأفكار المُنحرفةُ من شأنه أن يَقضي، على فُروعِ و اُصولِ الدّين الحَنيفِ بصورة كاملة.
—–
نَصل هُنا و إيّاكم إلى نِهاية أبحاثنا، عن كلّيات المسائل الأخلاقيّة، في ظلّ الآيات القرآنية، أبحاثٌ تعتبر الأساس و القاعدة الّتي يقومُ عليها صَرحُ الأخلاق و تهذيب النّفوس، و تفتحُ أمامنا أبواب المباحثِ المستقبليّة، حول مصاديق الرّذائل و الفضائِل، واحدةً بعد اُخرى.
إلهنا!:
«إنّ الوصول إلى أوج الفضائل الأخلاقيّة و الحياة، في أجواء القُرب منك، لا تُستطاع إلاّ بتَوفيقك و تَسديدِك، فَأعنّا بعونَك، وجُد علينا بفضلك، وَ قرّبنا مِنك، و اجعلنا من أصحاب النّفوس المطمئنّة، لندخل فيمن يقعونَ مَورداً لخطابك،: (فَادْخُلي فِي عِبَادِي * وَ ادْخُلي جَنَّتي ).
رَبّنا!:
إنّ حَبائلَ الشّيطانِ قويّةٌ، و سهامَه مَهلكةٌ، وهوى النّفس عدوٌّ لا يرحم، و رذائل - النّفس كالأشواك تُوخز الرّوحَ و تُؤذيها، و لا يُنجينا من ذلك كلّهُ إلاّ عنايتُك الخاصّة و لطفُك الخَفي.
ربّنا!:
إننا نُسلّمُ الأمرَ إليكَ في خِتام حديثنا، و نقرأ الدّعاء المعروفَ الواردَ عن الرّسول الكريم(صلى الله عليه وآله)، و نقول: «اللَّهُمَّ لا تَكِلنِي إِلى نَفْسِي طَرفَةَ عِين أَبَداً»(1).
تمّ والحمد لله
الجزء الأول
من كتاب الأخلاق في القرآن
في 24 / 3 / 1376 هـ . ش المصادف 8 / صفر 1418 هـ . ق