وذكرنا في الجزء الأول من دورة نفحات القرآن أنّ الجهل هو السبب لكثير من الضلالات، فهو - الجهل - سبب للكفر وإشاعة الفساد والتعصب والعناد والتقليد الأعمى والفُرقة وسوء الظّن والجسارة و قلّة الأدب، و في واحدة يمكن القول، أنّ الجهل عامل لإفساد كثير من القِيم(1).
ومن جهة اُخرى تُصرِّح الآيات الشريفة بوجود حالة العناد في الإنسان، مع علمه بأنّه يتحرك في طريق الظّلم والطغيان، مثل آل فرعون، حيث يتحدث عنهم القرآن الكريم:
(وَجَحَدُوا بِهـا وَاسْتَيْقَنَتْهـا أَنْفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً )(2).
وكذلك ما ورد بالنسبة إلى بعض أهل الكتاب، كما قال الباري تعالى: (وَيَقُولُونَ عَلَى اللهِ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْلَمُونَ )(3).
وورد هذا المعنى في ما بعدها من الآيات(4).
وقد يكون المراد من الآية هو موضوع الكَذب، ولكنّه أيضاً يؤيّد مدّعانا، لأنّ قبح الكذب حكم به العقل و الشّرع، وهو من الاُمور الواضحة التي لا تخفى على أحد.
فالحقائق والتجارب أثبتت، أنّ المعرفة والعلم بنتائج الأخلاق الرذيلة على الفرد والمجتمع، يمكنه أن يكون في كثير من الموارد، عاملا مهماً في ردع الإنسان عن غيّه و الرّجوع إلى ساحة الصّواب، ولكن ومن جهة اُخرى، أيضاً نجد أنّ هناك من يعرف الرّذيلة حقَّ معرفتها; ولكنه يُصرّ عليها ويعاند على سلوك طريق الإنحراف، والطريقة الوسطى في الحقيقة هي الجادّة وتنطبق على الواقع أكثر.
—–
إنّ مصير علم الأخلاق وكلّ الأبحاث الأخلاقية، يتوقف على الإجابة عن هذا السؤال، إذ لولا قابليتها للتغيير لأصبحت كلّ برامج الأنبياء التربويّة و الكتب السماويّة، و وضع القوانين و العقوبات الرّادعة، لا فائدة و لا معنى لها.
فنفس وجود تلك البرامج التربويّة وتعاليم الكتب السماويّة، و وضع القَوانين في المجتمعات البشريّة، هو خير دليل على قابليّة التغيير في الملكات والسلوكيّات الأخلاقيّة لدى الإنسان، وهذه الحقيقة لا يعتمدها الأنبياء(عليهم السلام)فحسب، بل هي مقبولةٌ لدى جميع العقلاء في العالم.
والأَعجبْ من هذا، و الغريب فيه; أنَّ علماء الأخلاق والفلاسفة ألّفوا الكتب الكثيرة حول هذا السؤال: «هل أنّ الأخلاق قابلة للتغيير أم لا»؟!
فالبعض يقول: إنّ الأخلاق غير قابلة للتغيير، فمن كانت ذاته ملوَّثة في الأصل يكون مجبولا على الشرّ، وعلى فرض قبوله لعمليّة التّغيير، فإنّه تغيير سطحي، وسرعان ما يعود إلى حالته السّابقة.
ودليلهم على ذلك، بأنّ الأخلاق لها علاقةٌ وثيقةٌ مع الرّوح و الجسد، و أخلاق كلُّ شخص تابعة لكيفية وجود روحه وجسمه، وبما أنّ روح وجسد الإنسان لا تتبدلان، فالأخلاق كذلك لا تتبدل ولا تتغير.
وفي ذلك يقول الشاعر أيضاً:
إذا كان الطّباع طِباعَ سوء *** فلا أدبٌ يفيد ولا أديبُ
واستدلوا على ذلك أيضاً، بمقولة تأثر الأخلاق بالعوامل الخارجية; و أنّ الأخلاق تخضع لمؤثّرات خارجيَّة من قبيل الوعظ و النّصيحة و التأديب، فبزوال هذهِ العوامل، تعود الأخلاق لحالتها الاُولى، فهي بالضّبط كالماء البارد، الذي يتأثر بعوامل الحرارة، فعند زوال المؤثّر، يعود الماء لحالته السّابقة.
و مما يؤسف له وجود هذا الّنمط من التّفكير و الإستدلال، حيث أفضى لتردي المجتمعات البشريّة و سُقوطها!
أمّا المؤيدون لتغيير الأخلاق، فقد أجابوا على الدّليلين السّابقين وقالوا:
1 ـ لا يمكن إنكار علاقة الأخلاق وإرتباطها بالرّوح والجسم، ولكنه في حدّ (المقتضي); وليس (العلّةَ التّامةَ) لها، و بعبارة اُخرى يمكن أن تهيّىء الأرضيّة لذلك، لكن ذلك لا يعني بالضّرورة أنّها ستؤثر تأثيراً قطعيّاً فيها، من قبيل مَن يولد من أبوين مريضين، فإنّ فيه قابليةٌ على الابتلاء بذلك المرض، ولكن وبالوقاية الصّحيحة، يمكن أن يُتلافى ذلك المرض من خلال التّصدي للعوامل الوراثية المتجذرة في بدن الإنسان.
فالأفراد الضّعاف البَنية يمكن أن يصبحوا أشداء، بالإلتزام بقواعد الصّحة و ممارسة الرّياضة البدنية، وبالعكس يمكن للأشداء، أن يصيبهم الضّعف و الهزال، إذا لم يلتزموا بالاُمور المذكورة أعلاه.
و علاوةً على ذلك يمكن القول; أنّ روح وجسم الإنسان قابلانِ للتغيير، فكيف بالأخلاق التي تعتبر من معطياتهما؟
نحن نعلم، أنّ كلّ الحيوانات الأهليّة اليوم، كانت في يوم ما بَرّيّةً و وحشيّةً، فأخذها الإنسان وروّضها و جعل منها أهليةً مطيعةً له، وكذلك كثير من النّباتات والأشجار المثمرة، فالذي يستطيع أن يُغيِّر صفات و خُصوصيّات النبّات والحيوان، ألا يستطيع أن يغيّر نفسه وأخلاقه؟
بل توجد حيوانات روّضِت، لِلقيام بأعمال مخالفة لطبيعتها، و هي تُؤدّيها بأحسن وجه!.
2 ـ وممّا ذُكر أعلاه، يتبيّن جواب دليلهمِ الثّاني، لأنّ العوامل الخارجيّة قد يكون لها تأثيرها القوي جداً، ممّا يؤدّي إلى تغير خصوصيّاتها الذاتيّة بالكامل، و ستؤثر على الأجيال القادمة أيضاً، من خلال العوامل الوراثيّة، كما رأينا في مثال: الحيوانات الأهليّة.
ويقصّ علينا التأريخَ قصصاً، لاُناس كانوا لا يراعون إلاًّ ولا ذِمّةً، ولكن بالتّربية و التّعليم تغيّروا تَغيُّراً جَذريّاً، فمنهم من كان سارقاً محترفاً; فأصبح عابداً متنسّكاً مشهوراً بين الناس.
إنّ التعرّف على كيفية نشوء الملكات الأخلاقية السّيئة يعطينا القُدرة والفرصة لإزالتها، والمسألة هي كالتّالي: إنّ كلّ فعل سىّء أو حسن يخلّف تأثيره الإيجابي أو السّلبي في الروح
الإنسانية، بحيث يجذب الروح نحوه تدريجياً، و بالتّكرار سوف يتكرّس ذلك الفعل في باطن الإنسان، ويتحول إلى كيفيّة تسمى: (بالعادة)، وإذا إستمرت تلك العادة تحوّلت إلى (مَلَكَة).
وعلى هذا، وبما أنّ المَلَكات والعادات الأخلاقيّة السّيئة، تنشأ من تكرار العمل، فإنّه يمكن مُحاربتها بواسطة نفس الطّريقة، طبعاً لا يمكننا أن ننكر تأثير التّعليم الصّحيح والمحيط السّالم، في إيجاد المَلَكات الحَسنة، و الأخلاق الصّالحة، في واقع الإنسان وروحه.
—–
و هناك «قولٌ ثالثٌ»،: و هو أنّ بعض الصّفات الأخلاقيّة قابلةٌ لِلتغير، وبعضها غير قابل، فالصّفات الطّبيعيّة و الفطريّة غير قابلة لِلتغير، ولكنّ الصّفات التي تتأثّر بالعوامل الخارجيّة يمكن تغييرها(1).
وهذا القول لا دليل عليه، لأنّ التّفصيل بين هذهِ الصّفات، مدعاة لقبول مَقولة الأخلاق الفطريّة والطبيعيّة، والحال أنّه لم يثبت ذلك، وعلى فرض ثُبوته، فمن قال بأنّ الصّفات الفطريّة غير قابلة لِلتغيّر والتّبدّل؟. ألم يتمكن الإنسان من تغيير طِباع الحيوانات البريّة؟.
ألا يمكن لِلتربية و التّعليم، أن تَتَجذّر في أعماق الإنسان وتغيّره؟.
ما ذكرناه آنفاً كان على مستوى الأدلة العقليّة و التّأريخيّة، و عند رجوعنا للأدلة النّقلية، يعني ما وصل إلينا من مبدأ الوحي وأحاديث المعصومين(عليهم السلام)، سوف تتبيّن لنا المسألة من خلاله بصورة أفضل لأنّه:
1 ـ إنّ الهدف من بعث الأنبياء و الرّسل و إنزال الكتب السّماوية، إنّما هو لأجل تربية وهداية الإنسان، وهذا أقوى دليل على إمكان التربية، و ترشيد الفضائل الأخلاقيّة لدى جميع أفراد البشر، ويشير إلى هذا المعنى قوله تعالى:
(هُوَ الَّذي بَعَثَ فِي الاُْمِّيِينَ رَسُولا مِنْهُم يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيـاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتابَ
وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كـانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبِْين )(1).
وأمثالها من الآيات الكريمة التي تبيّن لنا أنّ الهدف من بعثة الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله): هو تعليم وتزكية كل اُولئك الذي كانوا في ضلال مبين.
2 ـ كلّ الآيات التي توجّه الخطاب الإلهي إلى الإنسان، مثل: «يا بني آدم» و «يا أيّها النّاس» و «يا أيّها الإنسان» و «يا عبادي»، تشمل أوامر ونواهي تتعلق بتهذيب النّفوس، و إكتساب الفضائل الأخلاقيّة، و هي بدورها خير دليل على إمكانيّة تغيير «الأخلاق الرّذيلة»، و إصلاح الصّفات القبيحة في واقع الإنسان، وإلاّ ففي غير هذه الصّورة تَنتفي عُموميّة هذه الخطابات الإلهيّة، فتصبح لغواً بدون فائدة.
وقد يقال: إنّ هذهِ الآيات، غالباً ما تشتمل على الأحكام الشرعيّة، و هذه الأحكام تتعلق بالجوانب العمليّة و السلوكيّة في حياة الإنسان، بينما نجد أنّ الأخلاق ناظرةٌ للصفات الباطنيّة؟
ولكن يجب أن لا ننسى، أنّ العلاقة بين «الأخلاق» و «العمل»، هي: علاقة اللاّزمِ و الَملزومِ لِلآخر، و بمنزلة العلّة والمعلول، فالأخلاق الحسنة تُعتبر مصدراً للأعمال الحسنة، والأخلاق الرذيلة مصدراً للأعمال القبيحة، وكذلك الحال في الأعمال، فإنّها من خلال التّكرار تتحول بالتّدريج، إلى ملكات و صفات أخلاقيّة في واقع الإنسان الداخلي.
3 ـ القول والإعتقاد بعدم إمكان التّغيير للأخلاق، مدعاة للقول و الإعتقاد بالجَبر; لأنّ مفهومها هو: أنّ صاحب الخُلق السّيء و الخُلق الحسن، ليسا بقادرين على تغيير أخلاقهم، وبما أنّ الأعمال و السّلوكيات تعتبر إنعكاساً للصفات والملكات الأخلاقيّة، ولِذا فمثل هؤلاء يتحرّكون في سلوكياتهم من موقع الجَبر، لكننا نرى أنّهم مكلّفين بفعل الخيرات وترك الخبائث، وعليه يترتب على هذا القول جميع المفاسد التي تترتب على مقولة الجبر(2).
4 ـ الآيات الصّريحة التي ترغّب الإنسان في تهذيب أخلاقه، و تُحذّره من الرذائل، هي أيضاً دليلٌ محكمٌ على إمكانيّة تغير الصفات و الطّبائع الإنسانية، مثل قوله تعالى: (قَدْ أَفْلَحَ
مَنْ زَكّاها وَقَدْ خابَ مَنْ دَسّاها )(1).
فالتّعبير بكلمة دَسّاها، والتي هي في الأصلِ بمعني: خلطُ الشىّءِ بشيء آخر غير مرغوب فيه من غير جنسه، مثل «دسّ الحنطة بالتراب»، يبيّن لنا أنّ الطّبيعة الإنسانيّة مجبولةٌ على الصفاء و النّقاوة و التقوى، و التلويث، و الرذائل تعرض عليها من الخارج وتنفذ فيها، والإثنان قابلان للتّغير والتّبدل.
نقرأ في الآية (34) من سورة فُصّلت: (إِدْفَعْ بِالَّتي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذاَ الَّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِْيمٌ ).
تُبيّن لنا هذهِ الآية أنّ العداوات المتأصّلة و المتجذّرة في الإنسان: بالمحبّة والسّلوك السليم، يمكن أن تتغير وتتبدل إلى صداقة حميمة بالتّحرك في طريق المحبّة و السّلوكيات السليمة، ولو كانت الأخلاق غير قابلة للتغير، لما أمكن الأمر بذلك.
ونجد في هذا المجال أحاديث إسلامية، تؤكّد هذا المعنى أيضاً، من قبيل الأحاديث التالية:
1 ـ الحديث المعروف الذي يقول: «إنّما بُعثتُ لاُتمم مكارم الاخلاق»(2) هو دليل ساطعٌ على إمكانيّة تغيير الصّفات الأخلاقيّة.
2 ـ الأحاديث الكثيرة التي تحث الإنسان على حسن الخُلق، كالحديث النّبوي الشريف الآتي: «لَو يَعلَمُ العَبدُ ما فِي حُسنِ الخُلقِ لَعَلِمَ أَنّهُ يَحتاجُ أن يكونَ لَهُ خُلقٌ حسنٌ»(3).
3 ـ و كذلك الحديث النبوي الشريف الآخر حيث يقول:
«الخُلقُ الحسنُ نِصفُ الدِّينِ»(4).
4 ـ نقرأ في حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام): «الخُلقُ الَمحمُودُ مِن ثِمارِ العَقلِ وَالخُلقُ المَذمُومُ مِن ثِمارِ الجُهلِ»(5).
وبما أنّ كلاً من «العلم» و«الجهلَ» قابلان للتغيير; فتتبعها الأخلاق في ذلك أيضاً.
5 ـ وفي حديث آخر، جاء عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله):
«إنّ العَبدَ لَيَبلُغُ بِحُسنِ خُلقِهِ عَظيمَ دَرجاتِ الآخِرَةِ وَشَرفِ المَنازِلِ وَأَنّهُ لَضَعِيفُ العِبادةِ»(1).
حيث نجد في هذا الحديث، مقارنةً بين حُسن الأخلاق والعبادة، هذا أولاً.
وثانياً: إنّ الدرجات العُلى في الآخرة تتعلق بالأعمال الإختياريّة.
وثالثاً: التّرغيب لكسب الأخلاق الحسنة، كلّ ذلك يدلّ على أنّ الأخلاق أمرٌ إكتسابي، و غير خارجة عن عنصر الإرادة في الإنسان.
مثيل هذهِ الرّوايات والمعاني القَيّمة كثيرٌ، في مضامين أحاديث أهل البيت(عليهم السلام)، وهي إن دلّت على شيء فإنّها تدلّ على إمكانِيَّة تغيّر الأخلاق، وإلاّ فستكون لغواً وبلا فائدة(2).
6 ـ وفي حديث آخر ورد عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، نقرأ فيه أنّه قال لأحد أصحابه و أُسمه جرير بن عبدالله: «إنّك امرُءٌ قَد أحسنَ اللهُ خَلقَكَ فأَحسِنْ خُلْقَك»(3).
وخلاصة القول أنّ رواياتنا مليئةٌ بهذا المضمون، حيث تدلّ جميعها على أنّ الإنسان قادر على تغيير أخلاقه(4).
ونختم هذا البحث بحديث عن الإمام علي(عليه السلام)، يحثّنا فيه على حُسن الخلق، حيث قال(عليه السلام): «الكَرَمُ حُسنُ السّجيةِ وَ إجتنابِ الدَّنِيّةِ»(5).
—–
وفي مقابل ما ذكرناه آنفاً، إستدلّ البعض بروايات يظهر منها أنّ الأخلاق غير قابلة للتغيير، ومنها:
1 ـ الحديث المعروف الوارد عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، حيث قال:
«النّاسُ مَعادِنٌ كَمَعادِنِ الذَّهبِ وَالفِضَّةِ، خِيارُهُم فِي الجَاهِليّةِ خِيارُهُم فِي الإسلامِ».
2 ـ الحديث الآخر الوارد أيضاً عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله):
«إذا سَمِعتُم أَنَّ جَبَلا زالَ عَن مَكانِهِ فَصدِّقُوهُ، وَإذا سَمِعتُم بِرَجُل زَالَ عَن خُلقِهِ فَلا تُصَدِّقُوهُ! فإنَّهُ سَيعُودُ إلى مـا جُبِلَ عَلَيهِ»(1).
إنّ تفسير مثل هذهِ الروايات، و بالنّظر للأدلة السّابقة، و الروايات التي تصرّح بإمكانية تغير الأخلاق، ليس بالأمر العسير، لأنّ النّقطة المهمّة والمقبولة في المسألة، أنّ نفوس الناس بالطبع متفاوتة، فبعضها من ذَهب و البعض الآخر من فضّة، ولكنّ هذا لا يدلّ على عدم إمكانية تغيير هذه النفوس والطبائع.
وبعبارة اُخرى: إنّ مثل هذهِ الصّفات النّفسية في حدّ المقتضي: ليس علّةً تامّةً، ولذلك رأينا وبالتجربة أشخاصاً تغيّرت أخلاقهم بالكامل، ويعود الفضل في ذلك للتربية والتعليم.
و علاوةً على ذلك، إنّنا إذا أردنا أن نعمّم الحكم، في الحديث الشّريف، على جميع النّاس، فهذا يعني أنّهم كلّهم ذَووا خُلق حَسن. فبعضهم حسنٌ و البعض الآخر أحسَن، (كما هو الحال في الذّهب و الفضّة). و عليه فَلَن يبقى مكانٌ للأخلاق السّيئة في طبع الإنسان. (فتأمّل).
و بالنّسبة للحديث الثاني، نرى أنّ المسألة أيضاً هي من باب المُقتضي، و ليس علّةً تامّةً، أو بعبارة اُخرى: إنّ الحديث ناظرٌ لأغلبية الناس، وليس جميعهم، وإلاّ لخالف مضمون الحديث، صريح التّأريخ، الذي حكى لنا قَصصاً حقيقيّةً عن أفراد إستطاعوا تغيير أنفسهم
وبقوا على ذلك حتّى الممات.
ولخالف أيضاً التّجارب اليوميّة، التي رأينا فيها الكثير من الأشخاص الفاسدين، غيّروا طريقة حياتهم بسبب التّعليم و التربية، و إستمروا يسيرون في خطّ الهداية و الصّلاح حتى الممات.
و خُلاصة القول: أنّه وفي نفس الوقت الذي تختلف فيه سَجايا النّاس، لا يوجد أحد مجبور على الرّذائل و الأخلاق السّيئة، وكذلك الحال بالنسبة للأخلاق الحسنة، فذَوُوا السّجايا الطيّبة إذا ما إتّبعوا هواهم، سيسقطون إلى الحضيض، وذَووا السّجايا الخبيثة، قادرون على بناء أنفسهم و ذاتهم، من موقع التّهذيب و التزكية، و الوصول إلى أعلى درجات الكمال الرّوحي.
ويجب التّنويه إلى أنّ بعض الأفراد الفاسدين والمفسدين، ولأجل توجيه أعمالهم المخالفة للطريق السّليم، يتذرّعون بحجج واهية من هذا القبيل; و أنّ الله تعالى قد جَبَلنا على ذلك الخُلق السّيء. وإن شاء أن يُغيّرنا لفعل؟!....
وعلى كلّ حال، فإن الإعتقاد بعدم إمكانيّة تغيير الأخلاق، ليس له نتيجةٌ إلاّ الوقوع في وادي الإعتقاد بالَجبر، ورفض ما دعا إليه الأنبياء، و القول بأنّ سعي علماء الأخلاق و أطّباء النفس في إصلاح النفوس، هو سعيٌ غير مثمر، ويترتب على ذلك بالتّالي فساد المجتمعات البشرية.
نختم البحث أعلاه، بشرح مقتضب للمسار التأريخي لعلم الأخلاق:
فمما لا شك فيه أنّ الأبحاث الأخلاقية، ولدت مع أوّل قدم وضعها الإنسان على الأرض، لأن النّبي آدم(عليه السلام) لمُ يعلّم أبناءه الأخلاق فقط، بل إنّ البّاري تعالى، عندما خلقه وأسكنه الجنّة، أفهمه المسائل الأخلاقيّة و الأوامر و النّواهي، في دائرة السّلوك الأخلاقي مع الآخرين.
وآتخذ سائر الأنبياء(عليهم السلام) طريق تهذيب النّفوس والأخلاق، و التي تكمَن فيها سعادة
الإنسان، حتى وصل الأمر إلى السيّد المسيح(عليه السلام)، حيث كان القسم الأعظم من تعاليمه، هو أبحاثٌ أخلاقيّةٌ، فَنَعَته حواريّوه و أصحابه بالمعلِّم الأكبر للأخلاق.
ولكن أعظم مُعلِّمي الأخلاق، هو: رسول الله(صلى الله عليه وآله)، لأنّه رفع شعار: «إنّما بُعثت لاُتمّم مكارَم الأخلاق».
وقال عنه الباري تعالى: (وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيم )(1).
ويوجد قديماً بعض الفَلاسفة، مَنْ لُقّب بمعلّم الأخلاق، مثل: إفلاطون، و أرسطو، و سُقراط، و جَمعٌ آخر من فَلاسفة اليونان.
و على كلّ حال، فإنّه وبعد رسول الله(صلى الله عليه وآله)، فإنّ الأئمّة(عليهم السلام) هم أكبر معلّمي الأخلاق، و ذلك بشهادة الأحاديث التي نُقلت عنهم، حيث ربّوا أشخاصاً بارزين يمكن أن يعتبر كلّ واحد منهم مُعلِّماً لعصرهِ.
فحياة المعصومين(عليهم السلام) و أتباعهم، هي خيرُ دليل على سُمّو نفوسهم، و رفعة أخلاقهم، في حركة الواقع.
ويبقى السّؤال في أنّه متى تأسّس علم الأخلاق في الإسلام، ومن هم مشاهيره؟. و هذا البحث مذكورٌ بالتّفصيل في الكتاب القيّم: تأسيس الشّيعة لعلوم الإسلام، بقلم آية الله الشّهيد الصّدر(قدس سره). ولا بأس بالإشارة إلى بعض ما جاء فيه، حيث قسّم السيد الصدر الموضوع إلى ثلاثة أقسام:
أ ـ يقول إنّ أوّل من أسّس علم الأخلاق، هو الإمام أمير المؤمنين(عليه السلام)، (وذلك من خلال الرّسالة التي كتبها لإبنه الإمام الحسن(عليه السلام)) بَعد رجوعه من صفّين، حيث بيّن الاُسس الأخلاقيّة، و تطرق للمَلكات الفاضلة و الصّفات الرذيلة، و حلّلها بأحسن وجه(2).
و نقل هذهِ الرّسالة، بالإضافة إلى السيّد الرّضي في نهج البلاغة، الكثير من علماء الشّيعة أيضاً.
ونقلها كذلك بعض علماء أهل السُنّة، مثل: أبو أحمد بن عبدالله العسكري، في كتابه
الزّواجر والمواعظ، حيث أوردها كلّها وقال:
(لو كانَ مِنَ الحِكمةِ ما يجب أن يُكتبَ بالذّهبِ لكانتْ هذِهِ).
ب ـ أوّل من كتب كتاباً في دائرة (علم الأخلاق)، هو: إسماعيل بن مهران أبو النصر السكوني، وهو من علماء القرن الثاني، و أسماه: المؤمن والفاجر، (و هو أوّل كتاب أخلاقي عُرف في الإسلام).
ج ـ بعدها يذكر بعض من أسماء أكابر العلماء في هذا المجال، (وإن كانوا لم يألفّوا كُتباً فيها) مثل:
«سلمان الفارسي»، حيث قال في حقّه الإمام علي(عليه السلام):
«سَلمانُ الفارسِي مِثلُ لُقمانِ الحَكيمِ، عَلِمَ عِلمَ الأوّلِ والآخرِ، بحرٌ لا يُنزفُ، وهو مِنّا أهلَ البيتِ»(1).
2 ـ «أبوذَرْ الغَفاري»، و الذي بقيَ طويلاً يُروّج للأخلاق الإسلاميّة، و هو الّنموذج الحيّ لها، والمشاحنات التي كانت بينه وبين الخليفة الثّالث «عَثمان»، و «معاوية»، في المسائل الأخلاقيّة معروفةٌ لدى الجميع، حيث أودت بحياته، ومات في سبيل ذلك الطّريق القويم.
3 ـ «عَمّار بن ياسِر»، و قد ذكر أمير المؤمنين(عليه السلام) في حقّه و حقّ إخوانه و أصحابه المخلصين، يبيّن منزلتهم الأخلاقية السّامية، فقال: «أينَ إِخواني الّذين رَكِبُوا الطَّريقَ وَمَضوا عَلَى الحَقِّ، أينَ عَمّارُ... ثُمَّ ضَربَ يَدَهُ عَلَى لِحيَتِهِ الشَّريفَةِ الكَريمَةِ فأطالَ البُكاءَ، ثُمَّ قَالَ: اُوَّهْ عَلى إِخواني الَّذِينَ تَلَوا القُرآنَ فأحكَمُوهُ، وَتَدّبَرُوا الفَرضَ فأقـامُوهُ، أَحْيَوا السُّنّةَ وأماتُوا البِدعَةَ»(2).
4 ـ «نوف البكّالي»، كان مثال الزّهد و العبادة و حُسن الأخلاق، و توفّي بعد السّنة (90) للهجرة.
5 ـ «محمد بن أبي بكر»، كان من خُلّص أصحاب أمير المؤمنين(عليه السلام)، ويحذو حَذو الإمام
في الزّهد والعبادةِ و الأخلاق.
6 ـ «الجارود بن المنذر»، كان من أصحاب الأئمّة الرابع والخامس والسادس(عليهم السلام)، و من كبار العلماء في العِلم و العمل، وله مقامٌ رفيعٌ جدّاً.
7 ـ «حذيفة بن المنصور»، كان من أصحاب الأئمّة: الباقر والصادق والكاظم(عليهم السلام)، وقيل عنه: (أنّه أخذ عن اُولئك العظام، وقد نبغ في مكارم الأخلاق وتهذيب النفس).
8 ـ «عثمان بن سعيد العمري»، هو أحد الوكلاء الأربعة للإمام المهدي(عليه السلام)، ومن أحفاد عمّار بن ياسر(رحمه الله)، وقالوا فيه: (ليس له ثان في المعارف والأخلاق والفقه والأحكام).
و كثيرٌ من العظماء الّذين يطول ذكرهم.
ونودُّ الإشارة إلى أنّ كثيراً من الكتب الأخلاقيّة، و على مدى التأريخ الإسلامي، قد كُتبت، ونذكر منها:
1 ـ من القَرن الثّالث، كتاب: «المانعاتُ من دخول الجنّة»، بقلم جعفر بن أحمد القُمي، و هو من كبار العلماء في عصره.
2 ـ من القَرن الرّابع، كتاب: «الآداب» وكتاب «مكارم الأخلاق»، بقلم عليّ بن أحمد الكوفي.
3 ـ كتاب: «طهارة النّفس» أو «تهذيب الأخلاق و تطهير الأعراق»، بقلم إبن مَسكويه، و المُتوَفّى في القَرن الخامس، فهو من الكتب المعروفة في هذا المجال، وله كتاب آخر في علم الأخلاق، و إسمه «آداب العرب والفُرس»، ولكن شهرته ليست كشهرة الكتاب المذكور آنفاً.
4 ـ كتاب: «تنبيه الخاطر و نزهةُ الناظر»، والذي عُرِف بـ: «مجموعة ورّام»، أحد الكتب المعروفة أيضاً في هذا المجال وكاتبه «ورّام بن أبي الفوارس»، من علماء القَرن السّادس الهجري.
5 ـ و نرى في القَرن السّابع كتابي: «الأخلاق النّاصرية و أوصاف الأشراف وآداب المتعلمين»، للشيخ خَواجة نصير الطّوسي(رحمه الله)، فكلّ واحد منها مَعلَم من مَعالم التّصنيف في هذا المجال، في ذلك القرن.
6 ـ وفي باقي القُرون نرى كتباً مثل: «إرشاد الديلمي»، «مصابيح القلوب للسبزواري»،
«مكارم الأخلاق لحسن بن أمين الدين»، و«الآداب الدينية لأمين الدين الطّبرسي»، و«المحجة البيضاء للفيض الكاشاني»، و هو كتاب قيّم جداً في هذا العلم، و: «جامع السّعادات» و«معراج السّعادة»، و كتاب: «أخلاق شبّر»، وكثير من الكتب الاُخرى(1).
والمرحوم العلاّمة الطّهراني، أورد عشرات التّصانيف في كتابه المعروف بـ : «الذريعة»(2).
ويجب الإشارة إلى أنّ كثيراً من الكتب الأخلاقيّة، طُبعت بعنوان كتب: السير والسلوك إلى الله، والبعض الآخر طُبع بعنوان: الكتب العرفانيّة، و تطرّق البعض الآخر لمسائل الأخلاق في فصل أو فصلين، ككتاب: «بحار الأنوار» و «اُصول الكافي»، حيث يُعدّان من أفضل مصادر هذا العلم.
—–
2 / دور الأخلاق في الحياة والحضارة الإنسانية
يعتقد البعض من غير المطّلعين، أنّ المسائل الأخلاقيّة تمثل أمراً خاصاً في حدود الحياة الشّخصية للإنسان، أو أنّها مسائل مقدّسة معنويّة، لا تفيد إلاّ في الحياة الاُخرويّة، وهو أشتباه محظ، لأن أكثر المسائل الاخلاقيّة لها أثرها في واقع الحياة الإجتماعيّة للإنسان، سواء كانت ماديّة أم معنويّة، فالمجتمع البشري بلا أخلاق، سينقلب إلى حديقةِ حيوانات لا يُجدي معها إلاّ الأقفاص، لِردع أفعال الحيوانات البشريّة عن أفعالها الضّارة، و ستُهدر فيها الطّاقات، وتحطّم فيها الإستعدادات، وسيكون الأمان والحريّة لعبة بيد ذوي الأهواء، وستفقد الحياة الإنسانية مفهومها الواقعي.
وعندما نتحرى التأريخ، نرى أنّ كثيراً من الأقوام البشريّة قد حَلّ بهم البوار، وتمزقوا شرّ مُمَزّق نتيجةً لإنحرافاتهم الأخلاقيّة.
وكم رأينا في التأريخ حُكّاماً، عرّضوا شعوبهم لمصائب أليمة و ويلات، نتيجةً لضعفهم الأخلاقي!!. وكم يوجد من اُمراء فاسدين وقيادات عسكريّة متعنّتة، عرّضوا حياة جنودهم للخطر الفادح، بسبب استبدادهم بالرّأي وعدم المشورة.
والحقيقة أنّ الحياة الفرديّة للإنسان، لا لَطافةَ ولا شفافيّة لها بدون الأخلاق. ولن تصل العوائل إلى برِّ الأمان من دونها، ولكنّ الأهمَّ من ذلك هو الحياة الإجتماعيّة للبشر، فما لم
يتمسك أفراد المجتمع بالأخلاق، فستكون نهاية المجتمع أليمة وموحشة جدّاً.
ولرب قائل يقول: إنّ السّعادة و التكامل في واقع المجتمع البشري، يمكن أن يتحقّقا في ظِلِّ العمل بالقوانين و الأحكام الصّحيحة، من دون الإعتماد على مبادىء الأخلاق في الفرد.
و نقول له: إنّ العمل بالقوانين، من دون وجود قاعدة متماسكة من القِيم الأخلاقيّة لدى الفرد غير ممكن، لأنّه إذا لم يتوفر الدّاعي الذّاتي للإنسان، فالسّعي الظّاهري لن يُجدي نفعاً.
فالقوّة و الضّغط من أسوأ الأدوات لتنفيذ القوانين و الضّوابط، و لا يصحّ إستعمالها إلاّ في الضّرورات، وبالعكس فإنّ الإيمان و الأخلاق، يُعتبران من أفضل الأساليب لتنفيذ أيّة قرارات.
بعد هذه الإشارة، نعود للآيات القرآنيّة الناظّرة إلى هذه المسألة المهمّة، لنستوحي منها بعض المعاني في هذا المجال:
1 ـ (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرى آمَنُوا وَ آتَّقَوْا لَفَتَحْنـا عَلَيْهِمْ بَرَكـات مِنَ السَّماءِ وَالأَرْضِ وَلكِنْ كَذَّبُوا فَاَخَذْناهُمْ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ )(1).
2 ـ (وَلا تَسْتَوِي الْحَسَنَةُ وَلا السَّيِّئَةُ إِدْفَعْ بِالَّتِي هِىَ أَحْسَنُ فَاِذَا الّذي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَداوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ وَ ما يُلَقّاها إِلاّ الَّذِينَ صَبَرُوا وَ ما يُلَقّاها إِلاّ ذُو حَظٍّ عَظِيم )(2).
3 ـ (فَبِما رَحْمة مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظّاً غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَأعْفُ عَنْهُمْ وَآسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشاوِرْهُمْ فِي الأَمْرِ فَاِذا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ )(3).
4 ـ (وَما أَرْسَلْنا فِي قَرْيَة مِنْ نَذِير إِلاّ قالَ مُتْرَفُوها إِنّا بِما اُرْسِلْتُمْ بِهِ كافِرُونَ )(4).
5 ـ (وَابْتَغِ فِيما آتكَ اللهُ الدّارَ الاْخِرَةَ وَلا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيا وَ أَحْسِنْ كَما أَحْسَنَ اللهُ إِلَيْكَ وَ لا تَبْغِ الْفَسادَ فِي الأَرْضِ إِنَّ اللهَ لا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ قالَ إِنَّما اُوتِيتُهُ عَلَى عِلْم عِنْدي أَوَ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ اللهَ قَدْ أَهْلَكَ مِنْ قَبْلِهِ مِنَ الْقُرُونِ مَنْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُ قُوَّةً وَأَكْثَرُ جَمْعاً ولا
يُسْئَلُ عَنْ ذُنُوبِهِمُ الُْمجْرِمُونَ )(1).