2 ـ معرفة النّفس في الرّوايات الإسلاميّة

و قد أغنتنا الرّوايات الشّريفة، الواردة عن النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، و الائمّة الهداة(عليهم السلام)، في هذا


1. إعجاز الطّب النّفسي، ص 6.
2. الإنسان ذلك المجهول، ص22.
3. سورة الحشر، الآية 19.

[ 277 ]

المجال، ومنحتنا زَخماً معرفيّاً كبيراً، على مستوى بيان مَعطيّات معرفة النّفس، و أثرها الإيجابي في حركة الإنسان، في خطّ التّكامل المعنوي، و الأخلاقي، و منها:

1 ـ ما ورد عن الإمام علي(عليه السلام)، أنّه قال: «نالَ الفَوزَ الأَكبَرَ، مَنْ طَفَرَ بِمَعرِفَةِ النَّفسِ»(1).

2 ـ و يقول(عليه السلام)، في النّقطة المُقابلة لِهذا: «مَنْ لَمْ يَعْرِفْ نَفْسَهُ بَعُدَ عَنْ سَبِيلِ النَّجاةِ، وَ خَبَطَ في الضَّلالِ وَ الجَهالاتِ»(2).

3 ـ وَ وَرد في حديث آخر، عن هذا الإمام الهمام(عليه السلام): «العارِفُ مَنْ عَرِفَ نَفْسَهُ فَأَعْتَقَها وَ نَزَّهَها عَنْ كُلِّ ما يُبَعِّدُها»(3).

و يُستفاد من هذا التّعبير، أنّ معرفة النّفس سببٌ للتحرر من قيود الأهواء، و أسر الشّهوات، و تطهير النفس من الرذائل الأخلاقيّة.

4 ـ و نقرأ في حديث آخر، عن هذا الإمام الكبير(عليه السلام): «أَكْثَرُ النّاسِ مَعْرِفَةً لِنَفْسِهِ، أَخْوَفُهُم لِرَبِّهِ»(4).

و نَستوحي من هذا الحديث الشّريف، العلاقة الوثيقة بين الإحساس بالمسؤوليّة، من موقع الخَوف من الله تعالى، الذي يعدّ منطلقاً لتهذيب النّفس في خطّ التّقوى، و بين معرفة النّفس.

5 ـ وَ وَرد في حديث آخر، عن الإمام نفسه، يقول: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ جاهَدَها وَ مَنْ جَهِلَ نَفْسَهُ أَهْمَلَها»(5).

فطبقاً لهذا الحديث الشريف، فإنّ الدعامة الأصلية لجهاد النفس، أو الجهاد الأكبر، كما ورد التّعبير عنه في الروايات الإسلاميّة، هي معرفة النّفس.

6 ـ وجاء في نهج البلاغة، في قصار الكلمات لأميرالمؤمنين(عليه السلام): «مَنْ كَرُمَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ


1. غُرر الحِكم، ح 9965.
2. المصدر السابق، ح 9034.
3. غُرر الحِكم، طبقاً للميزان، ج6، ص173.
4. المصدر السابق، ح 3126.
5. تفسير الميزان، نقلاً عن ميزان الحكمة، ج3، ص 1881، المادة: المعرفة.

[ 278 ]

هانَتْ عَلَيهِ شَهَواتُهُ»(1).

فالشّخص الذي عرف نفسه، على مستوى كرامتها الذّاتية، لا يعيش الذّلة في إطار الخضوع للشّهوات، و الإستسلام للأهواء والنّوازع النّفسيّة.

7 ـ كما أنّ معرفة النّفس، تعتبر ركناً مُهمّاً في تهذيب النّفس، في خطّ التّكامل الأخلاقي و المعنوي، فالجهل بِكرامة النّفس، سبب للإبتعاد عن الله تعالى، ولِذا ورد في حديث آخر، عن الإمام العاشر: (الإمام الهادي(عليه السلام)): «مِنْ هانَتْ عَلَيهِ نَفْسُهُ فَلا تأَمَنْ شَرَّهُ»(2).

و مِن مَضمون ما تقدّم، يتبيّن بوضوح، أنّ من الدّعامات الأساسيّة للفضائل الأخلاقية، و التّكامل المعنوي، هو معرفة النّفس، ولن يصل الإنسان إلى غايته المَنشودة، إلاّ بعد عبور ذلك الممر الصّعب، ولذلك أكّد علماء الأخلاق، كثيراً على هذه المسألة، لِكي لا يغفل عنها السّائرون في الطّريق إلى الله تعالى.

 

3 ـ معرفة النّفس طريقٌ لمعرفة الرّبّ

يقول الباري تعالى: (سَنُرِيهِمْ آياتِنَا فِي الاْفَاقِ وَ في أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ )(3).

وَ وَرد في آية اُخرى، قوله تعالى: (وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلاَ تُبْصِرُونَ )(4).

و إستدلّ بعض المحقّقين، بالآية الشّريفة، التي تتحدث عن عالَم الذَّرْ، على هذه الحقيقة أيضاً، و هي أنّ: «معرفة النّفس»، تعتبر الأساس والقاعدة: «لمعرفة الله تعالى» حيث تقول الآية الكريمة: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَني آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ، وَ أَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا )(5).

و نقرأ في تفسير الميزان: «فالإنسان وإن بلغ من التّكبر و الخُيلاء ما بلغ، و غرّته مساعدة


1. نهج البلاغة، قصار الكلمات، الكلمة 409.
2. تُحف العقول، من قصار كلمات الإمام الهادي(عليه السلام).
3. سورة فصّلت، الآية 53.
4. سورة الذّاريات، الآية 21.
5. سورة الأعراف، الآية 172.

[ 279 ]

الأسباب ما غَرّتهُ و إستهوته، لا يسعه أن ينكر أنّه لا يملك وجود نفسه، و لا يستقلّ بِتدبير أمره، ولو ملك نفسه، - لوقاها ممّا يكرهه من الموت، و سائر آلام الحياة مَصائبها، و لإستقلّ بتدبير أمره، لم يفتقر إلى الخضوع، قبال الأسباب الكونيّة.

فالحاجة إلى ربٍّ: ـ مَلِك مُدَبّر ـ; حقيقة الإنسان، والفقر مكتوبٌ على نفسه، و الضعف مطبوعٌ على ناصيته، لا يخفى ذلك على إنسان له أدنى الشّعور الإنساني، والعالم و الجاهل، و الصّغير و الكبير، و الشّريف و الوضيع، في ذلك سواء.

فالإنسان في أيّ منزل من منازلِ الإنسانية نزل، يشاهد من نفسه أنّ له رباً يملكه و يدبّر أمره، وكيف لا يشاهد ربّه، و هو يشهد حاجته الذاتيّة؟

ولذا قيل: إنّ الآية تشير إلى ما يشاهده الإنسان في حياته الدنيا. أنّه محتاج في جميع جهات حياته، من وُجوده وما يتعلق به وجوده من اللّوازم و الأحكام، و معنى الآية أنّا خلقنا بني آدم في الأرض، و فرّقناهم، و ميّزنا بعضهم من بعض بالتّناسل و التّوالد، وأوقفناهم على إحتياجهم ومربوبيتهم لنا، فإعترفوا بذلك قائلين، بلى شَهِدنا أنّك ربّنا»(1).

و بناءاً على ذلك، يثبت لنا أنّ التّعرف على حقيقة الإنسانيّة، بخصوصياتها و صفاتها، هي السّبب و الأساس لمعرفة الباري تعالى شأنه.

و الحديث المعروف، الذي يقول: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عِرَفَ رَبَّهُ»، ناظر إلى هذه المسألة بالذات.

و قد نقل هذا الحديث مرّةً عن الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، و مرّةً اُخرى عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، و مرّةً نُقل عن صُحف إدريس(عليه السلام).

فجاء في بحار الأنوار نقلاً عن صحف إدريس(عليه السلام)، في الصّحيفة الرّابعة، و التي هي صحيفة المعرفة: «مَنْ عَرَفَ الخِلْقَ عَرَفَ الخالِقَ، وَ مَنْ عَرَفَ الرِّزْقَ عَرَفَ الرَّازِقَ، وَمَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ»(2).


1. تفسير الميزان، ج8، ص307، ذيل الآية المبحوثة، (مع التلخيص).
2. بحار الأنوار، ج92، ص456; ج58، ص99; ج66، ص293، و نقل عن المعصوم(عليه السلام)، و في ج2، ص32 عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله).

[ 280 ]

و على كلّ حال، فإنّ مضمون هذا الحديث قد ورد بطرق متعدّدة، في كتاب بحار الأنوار، عن الرسولً الأكرم(صلى الله عليه وآله)، أو أحد المعصومين(عليهم السلام)، أو إدريس النبي(عليه السلام)، وكذلك ورد عن الإمام علي(عليه السلام)، في: «غُرر الحِكَم»(1).

و قال العلاّمة الطّباطبائي، في تفسيره: «أنّ الشّيعة و السّنة قد نقلوا هذا الحديث عن الرسول(صلى الله عليه وآله)، و هو حديثٌ مشهورٌ»(2).

—–

 

التّفاسير السّبعة، لحديث من عَرف نفسه:

و قد وردت تفاسيرٌ عديدةٌ لهذا الحديث، و منها:

1 ـ يشير هذا الحديث إلى: «بُرهان النّظم»، فكلّ إنسان يتعرف على عجائب الخِلقة، في روحه و جِسمه، و ما تتضمّن من النّظم المعقد والمحيّر في تفاصيلها الدقيقة، فسوف ينفتح له طريق إلى الله تعالى، فإنّ هذا النّظم و الإنتِظام و الدّقة في الخلقة، لا يمكن أن ينشأ، إلاّ بتدبير عالم قادر مبدىء معيد.

2 ـ و يمكن أن يكون هذا الحديث، إشارةً إلى بُرهان: «الوجود والإمكان»، فعندما ينظر الإنسان و يُدقّق في تفاصيل وُجوده و نشأته، يرى أنّه وجودٌ مستقلٌ، من عِلمه و قُدرته و ذَكائه و سَلامته، فكلّها تحتاج إلى وجوده سُبحانه، و من دونه، فَهو لا شيء وسينتهي وجوده، وفي الحقيقة هو كالمعاني الحرفيّة، التي بدون المعاني الإسميّة، لن يكتمل لها معنى، كجملة:
«ذهبتُ إلى المسجد»، فكلمة «إلى»، وحدها لا مفهوم لها إطلاقاً، من دون إرتكازها على كلمتي: «ذهبت» و «المسجد»، وكذلك الحال في وجودنا بالنّسبة إلى الله تعالى، فكلّ شخص يحسّ في نفسه هذا الإحساس، سيعرف ربّه من موقع الإعتماد و الإيمان أكثر، لأنّ وجود الممكن محال، بدون وجود الواجب.


1. غُرر الحِكم، ص7946.
2. الميزان، ج6، ص469، في البحث الرّوائي، ذيل الآية 105، من سورة المائدة.

[ 281 ]

3 ـ و يمكن لهذا الحديث، أن يدلّنا على: «برهان العلّة والمعلول»، فكلّ إنسان يَتَفكر في نفسه، قليلاً فسوف يعرف أنّه معلول، لعلّة اُخرى منذ وجوده، و عندما ينظر لأبيه سيراه هو أيضاً معلولاً لعلّة اُخرى، و هكذا حتى يصلَ إلى علّةِ العلل، و إلاّ يلزم التسّلسل، و بطلان التّسلسل، أمرٌ مفروغٌ عنه لدى الحكماء(1).

و عليه، يجب أن تصل العلل إلى العلّة الاُولى، التي لا تحتاج إلى عِلّة، فعلّة العِلل: وجوده في ذاته، فعندما يرى الإنسان نفسه بهذا الوصف، فإنّه سيصل إلى الباري سبحانه و تعالى، من خلال هذا القانون العقلي.

4 ـ و يمكن أن يكون هذا الحديث، إشارة إلى «بُرهان الفطرة»، فعندما يعرف الإنسان في تأمل حَنايا نفسه، و جَوانب فطرته، فسوف يتجلّى له نورُ التّوحيد، و ينفتح على الله تعالى، ويصل من «معرفة النفس»، إلى «معرفة الله»، ولن يحتاج إلى دليل آخر يقوده إلى الله تعالى.

5 ـ و يمكن أن يكون الحديث، ناظراً إلى مسألة: «صفات الله تعالى»، بمعنى أنّ الإنسان عندما يرى محدوديّته، في دائرة حالاته و صفاته في عامل الإمكان، سيصل إلى نقاطِ ضعفهُ و يُدرك من خلال محدوديّته في مجال الصّفات البشريّة، لا محدوديّة الله تعالى، لأنّه لو كان مخلوقاً مثله، لكان محدوداً أيضاً، و من فنائه إلى بَقائه تَبارك و تعالى، لأنّه لو كان مخلوقاً أيضاً لكان فانياً، و كذلك يُدرك من خلال إحتياجاته و فَقره، إستغناء الله وعدم حاجته عمّا سواه، و يُدرك قوّة الباري من خلال فَقره وحاجته هو... وهكذا، وهذا ما يشير إلى كلام أمير المؤمنين(عليه السلام)، في أوّل خطبة، حيث يقول:

«وَكَمالُ الإِخلاصِ لَهُ نَفي الصِّفات عَنْهُ، لِشَهادَةِ كُلِّ صِفَة أَنَّها غَيرُ المَوصُوفِ، وَ شَهادَةِ كُلِّ مَوصُوف أَنَّهُ غَيرُ الصِّفَةِ»(2).

6 ـ و نقل العلاّمة المجلسي(رحمه الله)، تفسيراً آخر لهذا الحديث، عن بعض العلماء، أنّه قال:

(الرّوح لطيفةٌ لاهوتيّة في صفة ناسوتيّةٌ: دالّةٌ من عشرة أوجه، على وحدانيّة الله وَ رَبّانِيَّتِهْ:

1 ـ لما حرّكت التهيكَل و دبّرته، علمنا أنّه لابدّ لِلعالم من مُحرّك و مُدبِّر.


1. من أراد التّوضيح، فيراجع كتاب: «نفحات القرآن ج2».
2. نهج البلاغة، الخطبة 1.

[ 282 ]

2 ـ دلّت وحدتها على وحدته.

3 ـ دلّ تحريكها لِلجسد على قدرته.

4 ـ دلّ إطّلاعها على ما في الجسد على علمه.

5 ـ دلّ إستواؤها إلى الأعضاء على إستوائه إلى خلقه.

6 ـ دلّ تقدّمها عليه وبقاؤها بعده، على أزلَهِ و أَبده.

7 ـ دلّ عدم العلم بكيفيّتها، على عدم الإحاطة به.

8 ـ دلّ عدم العلم بمحلّها من الجسد، على عدم أينيتّه.

9 ـ دلّ عدم مسّها على إمتناع مسّه.

10 ـ دلّ عدم إبصارها على إستحالة رؤيته)(1).

7 ـ التّفسير الآخر لهذا الحديث، هو أنّ جملة: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ عَرَفَ رَبَّهُ»، هي من قَبيل التّعلّق بالمحال، يعني بما أنّ الإنسان لا يستطيع أن يعرف نفسه، فهو لن يعرف ربّه بصورة حقيقية.

ولكن التّفسير الأخير هذا غير مناسب، و التّفاسير السّابقة أنسب لسياق الحديث، ولا ضَير من إحتواء ذلك الحديث الشريف، لكلّ تلك المعاني الجليلة.

نعم، فإنّ كلّ إنسان يعرف نفسه، سيعرف ربّه، و معرفة النّفس هي طريقٌ لمعرفة الرّب، و هي أهمّ وسيلة لتهذيب الأخلاق، و طهارة النّفس و الرّوح، فذاته المقدسة هي مصدر لكلّ الكمالات و الفضائل، و أهمّ طريق للسّير و السّلوك في خط بناء الذات ،و تهذيب الأخلاق، هو معرفة النّفس، ولكنّ معرفة النّفس تقف دونها موانعٌ كثيرةٌ، لابدّ من إستعراضها و بحثها.

 

موانع معرفة النّفس:

أوّل خطوة تُتَّخذ، لعلاج الأمراض البدنيّة هي معرفتها، وعليه ففي وقتنا الحاضر، يمكن


1. بحار الأنوار، ج61، ص99 ـ 100.

[ 283 ]

تشخيص أغلب الأمراض، بالأشعّة السّينيّة، و السّونار، و المختبرات المختلفة لتحاليل الدّم والبول، وما شابهها من الاُمور، حيث يستطيع الطّبيب بمعونتها، من تشخيص مواضع الخلل البدني بدقة، و بالتالي يكون بإمكانه، وضع الأدوية والعلاجات لذلك المرض، و كذلك الحال في الأمراض الروحيّة و النفسيّة على مستوى التّشخيص والمعالجة، فإنّنا إن لم نشخّص أمراضنا الرّوحيّة، بمساعدة الطّبيب الحقيقي للنفس، ولم نتمكن من العثور على جذور الرّذائل الأخلاقيّة، في واقعنا النّفسي، فسوف لا يمكننا الوصول إلى طريقة لعلاج هذه الأمراض، و جُبران مواضع الخَلل في عالم النّفس.

ولكن أغلب الناس، يتجاهلون الأعراض الخطيرة للأمراض، وذلك لِغَلبة الأنانيّة عليهم وحبّ الذات، الذي لا يسمح لهم برؤية النّقص على حقيقته، وهذا الهروب من الحقيقة، غالباً ما ينتهي إلى عواقب غير حميدة، ولا يتوجه إليها الإنسان إلاّ بعد فوات الأوان، و بعد تجاوز المرض مرحلة العلاج، ففي الأمراض الأخلاقيّة، و الإنحرافات النّفسية، غالباً ما يكون حبّ الذات و الأنانية، مانعاً قويّاً لِلناس، يحول دون معرفة صفاتهم الرّذيلة، و عيوبهم الأخلاقيّة و الإعتراف بها، بل ويتذرعون بالأعذار المختلفة، في عملية التغطية اللاّشعورية، على تشوّهات الأنا ليكون الشّخص متعالياً عن النّقد و النّقص، و بذلك يعيش مثل هذا الإنسان، حالةَ الوَهم في ثياب الواقع.

و الحقيقة أنّ الأعترافَ بالخطأ فَضيلةٌ، ويحتاج إلى عزم جدّي، و إرادة راسخة، و إلاّ فان الإنسان سيتحرك على مستوى تغطية عيوبه، و يُدرجها في طيّ النسيان، ليخدع بها نفسه و من حواليه، بالظّواهر الخادعة والعناوين الزائفة.

نعم فإنّ الوقوف على العيوب و النقص، في واقع الذّات أمرٌ مرعبٌ و مريعٌ، و غالبيّة النّاس يهربون من واقعهم في حركة الحياة، ولا يريدون أنّ يعترفوا بأخطائهم من موقع تحمّل المسؤوليّة، لكنّ الهروب من الحقيقة، سيعود بالضّرر الكبير على صاحبه، و سيدفع الإنسان الّثمن غالياً على المستوى البعيد، جرّاء ذلك!. و على كلّ حال، فإنّ المانع الحقيقي، و الحِجاب الأصلي لمعرفة الذّات، هو حجاب حبّ الذّات، و الأنانيّة و التّكبر، وما لم تنقشع هذه الحُجب،

[ 284 ]

و تلك الغَشاوات عن النّفس، فلن يستطيع الإنسان أن يعرف ذاته، و نوازعها وستغلق دونه أبواب المعرفة الاُخرى، التي تريد به النّهوض و الوصول إلى الحقّ، في خطّ التّكامل المعنوي، و التّحذيرات التي صدرت من رسولنا الكريم(صلى الله عليه وآله)، شاهدٌ حيٌّ على مدّعانا، منها:

«إذا أَرادَ اللهُ بِعَبد خَيراً فَقَّهَهُ في الدِّينِ وَزَهّدَهُ في الدُّنيا وَبَصَّرَهُ عُيوبَهُ»(1).

و قال أميرالمؤمنين(عليه السلام)، في حديث آخر: «جَهْلُ المَرءِ بِعُيوبِهِ مِنْ أَكبَرِ ذُنُوبِهِ»(2).

و يُفرض علينا هذا السؤال نفسه، وهو أنّه كيف يستطيع الإنسان، أن يُزيل تلك الغَشاوات و الحُجب، التي ترين على نفسه و روحه؟.

هنا أتحفنا الفيض الكاشاني في هذا المجال، بنصائح قيمة، فقال:

(اعلم أنّ الله تعالى، إذا أراد بعبد خيراً بصّره بعيوب نفسه، فَمن كَملت بَصيرته لم تخف عليه عيوبه، و إذا عرف العيوب أمكنه العلاج، ولكنّ أكثر الخلقِ جاهلون بعيوب أنفسهم، يرى أحدهم القَذى في عينِ أخيه و لا يرى الجذع في عينه هو، فمن أراد أن يقف على عيب نفسه، فله أربع طُرق:

الأوّل: أنّ يجلس بين يدي بصير بعيوب النّفس، مطّلعٌ على خَفايا الآفات، و يحكّمه على نفسه، و يتّبع إشارته في مجاهداته، وهذا قد عزّ في هذا الزمان وجوده.

الثاني: أن يطلب: صديقاً صدوقاً بصيراً متديّناً، فينصبه رقيباً على نفسه، ليُراقب أحواله وأفعاله، فما يكرهه من أخلاقهِ و أفعاله و عيوبه الباطنة و الظّاهرة، ينبّهه عَلَيها. فهكذا كان يفعل الأكابر من أئمّة الدّين، كان بعضهم يقول: «رحم الله إمرءً أهدى إليّ عيوبي»(3)، وكلّ من كان أوفر عقلاً و أعلى منصباً، كان أقلّ إعجاباً و أعظم اتّهاماً لنفسه، إلاّ أنّ هذا أيضاً قد عزّ، فقلّ في الأصدقاء من يترك المُداهنة، فيخبر بالعَيب، أو يترك الحسد فلا يزيد على القدر الواجب، فلا يَخلو أصدقاؤك عن حَسود، أو صاحب غرض، يرى ما ليس بعيب عيباً، أو عن


1. نهج الفصاحة، ص26، وورد نفس هذا المعنى عن الإمام الصّادق(عليه السلام)، في اُصول الكافي، ج2، ص130.
2. بحار الأنوار، ج74، ص419.
3. تُحف العقول، ص366.

[ 285 ]

مُداهن يُخفي عنك بعض عُيوبك، لهذا كان داوود الطائي قد إعتزل عن النّاس، فقيل له: لِمَ لا تُخالط النّاس؟، قال: ماذا أصنع بأقوام يخفون عنّي ذُنوبي.

ان أهل الدين يحبون أن يُنبّهوا على عُيوبهم، بنصيحة غيرهم، و قد آلَ الأُمر إلى أمثالنا، بأن وأبغضُ الخلق إلينا من يَنصحنا، و يُعرّفنا عيوبنا، و يكاد أن يكون هذا مُفصِحاً عن ضَعف الإيمان، فإنّ الأخلاق السّيئة: حيّاتٌ و عقاربٌ لدّاغةٌ، ولو نبّهنا منبّهٌ على أنّ تحت ثوبنا عقرباً، لشكرنا له ذلك و فرحنا به، و إشتغلنا بإبعاد العقرب و قتلها، و إنّما أذى العقرب على البدن، و يدوم ألمها يوماً أو بعض يوم، و نكايةُ الأخلاق الردّية على صميم القلب، وعسى أن يدوم بعد الموت، أبداً أو آلافاً من السّنين، ثمّ إنّا لا نفرح بمن ينبّهنا عليها، و لا تشتغل العداوة معه عن الإنتفاع بنصحه.

الطّريق الثّالث: أن يستفيد معرفة عيوب نفسه، من لسان أعدائه، فإنّ عين السّخط تُبدي المساوي، و لعلّ إنتفاع الإنسان بعدوٍّ مشاحن، يذكرّ عيوبه، أكثر من إنتفاعه بصديق مداهن، يُثني عليه و يمدحه، و يخفي عنه عُيوبه.

الطّريق الرّابع: أن يخالط الناس، فكلّ ما يراه مذموماً، فيما بين الخَلق فيطالب نفسه بتركه، وما يراه محموداً يطالب نفسه به و ينسب نفسه، إليه، فإنّ المؤمن مرآةُ المؤمن، فيرى في عيوبِ غيره عيوبُ نفسه، و ليعلم أنّ الطّباعَ مُتقاربةٌ في إتّباع الهوى، فما يتّصف به واحد من الأقران أعظم منه، أو عن شيء منه، فيتفقّد نفسه ويطهّرها عن كلّ ما يذمّه من غيره، و ناهيكَ بهذا تأديباً، فلو ترك النّاس كلّهم ما يكرهونه من غيرهم، لإستغنوا عن المؤدّب، قيل لِعيسى(عليه السلام): من أدَّبك؟ فقال: «ما أدّبَني أحد، رأيت جهلَ الجاهل فجانبته»(1).

—–

 

 


1. المحجّة البيضاء، ج5، ص112 الى 114.

[ 286 ]

الخُطوة التّاسعة: العبادة و الدّعاء تصقل مرآة القلب:

الخُطوة الاُخرى، هي العبادة و الدّعاء، و لأجل التّعرف على دور، العِبادة و الدّعاء في بناء و تهذيب النّفوس، علينا أولاً التّعرف، على حقيقة ومفهوم العبادة و الدّعاء.

الواقع أنّ الحديث عن هذا الموضوع، طويلٌ وعريضٌ، وقد تناوله العلماءُ، العظماءُ، في كتبهم الأخلاقيّة والتفسيريّة و الفقهيّة، بصورة مُفصّلة ووافية، ولكن يمكن القول و بإختصار شديد: علينا قبل معرفة حقيقة العبادةِ و مفهومها، أوّلاً أن ندرس مفهوم كلمة «عبد»، و هي الأصل و الجَذر اللّغوي، لكلمة: «العِبادة».

«العبُد» لُغة تُطلق على الإنسان، الذي لا حول له ولا قوّة، في مقابِل مولاه، فإرادته تابعةٌ لإرادة مَولاه، ولا يملك شيئاً في عرضِ ما يملكه مولاه، و لا حقَّ له في التّقصير في طاعة سيّده.

و عليه فإنّ العبودية، هي آخر وأقصى مراحل الخُضوع والخُشوع، في مقابل السيّد، حيث إنّ كلّ شيء في حياته يراهُ من هبته و إنعامه و إكرامه، ومن هنا يتبيّن لنا بوضوح، أنّه لا أحد يستحقّ هذه الدّرجة من العِبادة، و يكون مَعبوداً سوى الله تعالى، فهو الفَيض اللاّمتناهي الذي لا ينقطع أبداً.

و من بُعد آخر، أنّ «العُبوديّة»: هي قمّة و نهاية التّكامل المعنوي، للرّوح في حركة التّكامل المعنوي للإنسان، و غايةُ ما يطمح إليه الإنسان، من حالة القُرب من الله تعالى، و التّسليم المُطلق لِلذات المُقدسة، فالعبادة لا تنحصر بالرّكوع و السّجود و القيام و القُعود، بل إنّ روح العِبادة هي التّسليم المطلق لله تعالى، و لذاته المُقدسة و المَنزّهة من كلٍّ عيب و نقص.

و من البديهي أنّ العبادة، هي أفضل وسيلة للرّقي المعنوي، و تحصيل الكَمال المطلق، في حركة الإنسان والحياة، وتقف حائلاً أمام كلّ رذيلة، فإنّ الإنسان يسعى لِلقُرب من معبوده، لِتَتَجلى في نفسه إشعاعاتٌ من نور قُدسه و جَلاله و جَماله، و يكون مظهراً و مرآةً لصفات الجمال و الكَمال الإلهيّة، في واقعه النّفسي و سلوكه العملي.

و في حديث عن الإمام الصادق(عليه السلام)، أنّه قال: «العبُودِيّةُ جَوهَرَةٌ كُنْهُها الرُّبُوبِيَّةُ»(1).


1. مصباح الشّريعة، ص536، نقلاً عن ميزان الحكمة، مادة «عبد».

[ 287 ]

و هو إشارة لتلك الإنعكاسة الربّانية، التي تتجلّى في العبد جرّاء العِبادة الخالصةِ، المنفتحة على الله، حيث يصل بواسطتها إلى درجات من الرّقي و الكمال، بحيث يمكنه معها السّيطرة على الكَون، و يكون صاحبٌ بالولاية التَّكوينيّة، أو هو: كالحديد الأسود، الذي يحمّر جرّاء مجاورته لِلنار، وهذه الحرارة و النّورانية ليست من ذاته، لكنّها من معطيات تلك النار.

و منها نعود لِلقرآن الكريم، لنستوحي ممّا فيه من آيات حول العبادة، و ما لها من دور في تنمية الفضائل الأخلاقية:

1 ـ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(1).

2 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ )(2).

3 ـ (وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ )(3).

4 ـ (إِنَّ الاِْنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ )(4).

5 ـ (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا )(5).

6 ـ (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ )(6).

7 ـ (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ )(7).

 

تفسير و إستنتاج:

تتحرك الآيات الآنفة الذّكر، لتؤكّد لنا حقيقةً واحدةً، ألا و هي، أنّ كلّ إنسان يريد


1. سورة البقرة، الآية 21.
2. سورة البقرة، الآية 183.
3. سورة العنكبوت، الآية 45.
4. سورة المعارج، الآية 19 إلى 24.
5. سورة التّوبة، الآية 103.
6. سورة الرّعد، الآية 28.
7. سورة البقرة، الآية 153.

[ 288 ]

الوصول إلى الكمال المطلقُ و يتحرك على مستوى تهذيب النّفس، عليه أنّ يسلك طريق العبادة، فالسّائر في خطّ الإستقامة و التّربية، ولأجل أن يبني نفسه، و يحصل على ملكة التّقوى، عليه أنّ يَعبُد و يَدعو الله تعالى، من موقع العِشق و الشّوق ليوفقه في ذلك، ويطلب منه العَون، لإزالة شوائب نفسه، لِتّتصل النّقطة بالبحر، و لِتَنْدَكّ ذاته بالذّات الأزليّة، و يتحول نحاس وجوده، في بوتقة العِشق، إلى ذهب خالص.

هنا تحرّكت «الآية الأُولى»، لتخاطب جميع الناس بدون إستثناء، أن يسلكوا إلى الله من موقع العِبادة، وأرشدتهم لِطريق التقوى، فقالَ تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمْ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).

و التّأكيد على مسألة الخلقة للأوّلين، لعلها تقع في دائرة تنبيه العَرب الجاهلين، الذين كانوا يستدلون بعبادتهم للأصنام، بسنّة آباهم، فيقول الباري: إنّنا خلقناكم و الجِبلّة الأولين، نعم فهو الخالق والمالك لكلّ شيء و لا يستحق العبادة أحدٌ إلاّ هو، وإذا ما توجه الإنسان، حقيقةً نحو الباري تعالى، فستتفتح في جوانحه عناصر الخير و التّقوى، لأنّ ما يوجد من الشّوائب في النفس، إنّما هو بِسبب التّوجه لغير الله، من موقع العبادة الزّائفة.

فهذه الآية تبيّن معالم الرّابطة والعلاقة الوثيقة، بين العبادة التقوى.

و تطرقت «الآية الثّانية»، للحديث عن عبادة مهمّة، و هي الصّوم و علاقته بالتّقوى، فقال: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمْ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ).

و من المعلوم أنّ الصّوم يُنوّر القلب و يجلوه، بحيث يحسّ معه الإنسان أنّه يعيش القُرب من الحسنات، و البُعد عن السّيئات و القَبائح، والإحصائيات التي ترد في هذا الشّهر من المصادر المختصّة عن الجرائم، تشير إلى أنّها تصل إلى أدنى مستوى، في شهر رَمضان، و أنِّ الشرّطة في هذا الشّهر المُبارك، يتفرّغون لِلأهتمام باُمور اُخرى، إداريّة عالقة بالأشهر الماضية!!.

و هذا الأمر إنّ دلّ على شيء، فهوَ يدلّ على أنّ الإنسان، كلّما إقترب من الله تعالى، في خطّ العبوديّة و الطّاعة، فإنّه يبتعد عن الموبقات و الآثام، و القبائح بنفس المقدار.

—–

[ 289 ]

و أشارت «الآية الثّالثة»، إلى علاقة الصّلاة بالنّهي عن الفَحشاء و المنكر، و خاطبت الرّسول الكريم(صلى الله عليه وآله)، بإعتباره قدوة واسوة للآخرين، فقالت: (وَأَقِمْ الصَّلاَةَ إِنَّ الصَّلاَةَ تَنْهَى عَنْ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ ).

«فالفَحشاء و المنكر»، عبارةٌ عَنْ مجموعة الأفعال غير الأخلاقيّة، التي تنبع وتنشأ من الصّفات الأخلاقيّة، و النّزعات الشّريرة الموجودة في مطاوي النّفس البشرية، حيث تؤثّر بدورها في سلوك الإنسان، و تفرز الأخلاق الظاهريّة لَه، و «الصّلاة» تمثّل أَداةَ ردع لتلك الأخلاق المنحرفة، في دائرة السّلوك، لأنّ الأذكار و الأدعية، تعمل على تهذيب النّفس، و ترويضها و تطويعها في طريقِ الخَير و الصّلاح، و حالة القُرب من الباري تعالى، هذه هي التي تتولى إبعاد الإنسان عن منبع الشّر و الرّذيلة، الذي هو عبارةٌ عن هوى النّفس و حبّ الدنيا، من خلال الإنفتاح على آفاق المَلكوت، لِتَغرف نفسه من أنوار القُدس، وترتفع به إلى عالم الخلودِ و الكَمالِ المُطلق.

فالمصلّي الحقيقي سيبتعد عن الفحشاء و المنكر لا مُحالة، لأنّ الصّلاة و العِبادة تَصون النّفس من المنكرات، و تحول دون إختراق الرذائل للنّفس الإنسانية، وتعمل على تَفعيل عناصر الخَير، في أعماق الوِجدان.

—–

و تحدّثت «الآية الرابعة» عن حالة الجَزع و البخل، اللّذان هما من السجّايا الوضيعة في واقع الإنسان، و خُصوصاً الجَزع في حالة سيطرة المشكلات و الشّرور، و البُخل في حالة إنفتاح أبواب الثّراء أمام الإنسان، و إستثنت الآية المصلّين، و قالت: (إِنَّ الاِْنسَانَ خُلِقَ هَلُوعاً * إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعاً * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعاً * إِلاَّ الْمُصَلِّينَ * الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلاَتِهِمْ دَائِمُونَ ).

فهذه الآيات الكريمة، تبيّن لنا بصورِة جيدة، أنّ التّوجه لله تعالى، و السّير في خطّ العبادة و الدُّعاء و المناجات، له دورٌ هامّ في مَحو الرّذائل الأخلاقيّة، من قبيل البُخل و الجّزع من واقع النّفس.

—–

[ 290 ]

و تشيرُ «الآية الخامسة»، إلى تطهير النّفس، بواسطة «الزّكاة»، و التي بدورها تُعتبر، من العبادات الإسلامِيَّةِ المُهِمَّةِ، في ديننا الحنيف، فتقول: (خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِمْ بِهَا ).

و جُملة: «تُزكيّهم بها»، هي دليلٌ واضحٌ على هذه الحقيقة، و هي أنّ الزّكاة تعمل على تطهير النفس، من البَخل و الحِرص و حُبِّ الدنيا، وتزرع في نفسه صفة الكرم، و حبّ الخير لِلناس، وتثير في نفسه الحركة، على مستوى حمِاية الفقراء و المحتاجين.

و ما ورد من روايات في هذا الصدد، تبيّن هذه الحقيقة أيضاً، ومنها الحديث النبوي الشريف: «ما تَصَدَّقَ أَحَدُكُم بِصَدَقَة مِنْ طَيِّب ـ وَلا يَقْبَلُ اللهُ إلاّ الطّيِّبَ ـ، إلاّ أَخَذَهـا الرَّحمـانُ بِيَمِينِهِ وَإِنْ كانَتْ تَمْرَةً فَتَربُو مِنْ كَفِّ الرَّحمانِ في الجِنان حَتّى تَكُونَ أَعْظَمَ مِنَ الجَبَلِ»(1).

هذا الحديث الشّريف يبيّن تلك العلاقة الوثيقة المباشرة، بين هذه العبادة المهمّة و بين توطيد العلاقة مع الله تعالى، و تفعيل الحالات المعنوية في واقع الإنسان ومحتواه الداخلي.

و تتحرك «الآية السّادسة»، من موقع الإشارة إلى عبادة مهمّة اُخرى، و هي عبادة: «الذِّكر»، للهِ تعالى، و ما لَها من دور في بعث الطّمأنينة، في واقع الرّوح فتقول: (الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللهِ أَلاَ بِذِكْرِ اللهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ).

فالطّمأنينة تقترنُ دائماً مع التّوكل على الباري تعالى; و عدم الوقوع في أسر الماديّات والاُمور الدنيويّة، من الإنخداع بِبَريق الدُنيا، و الطّمع و البُخل و الحَسد و ما شابهها من الاُمور، فَمع وجود هذه الحالات السّيئة في واقع النفس، فسوف لن يذوق الإنسان معها الرّاحة و الطّمأنينة.