آية الله العُظمى
الشّيخ ناصر مكارم الشيرازي
بالتعاون مجموعة من الفضلاء
الاهداء:
إلى الذين عشقوا القرآن الكريم
إلى رواد ماء الحياة من هذا الينبوع الصافي
إلى الذين يريدون أن يفهموا القرآن ويعملوا به
بمساعدة مجموعة من الفضلاء
1 - محمد جعفر الامامي
2 - محمد رضا الاشتياني
3 - محمد إحساني فر
4 - محمد جواد أرسطا
5 - إبراهيم البهادري
6 - سعيد داودي
7 - أحمد القدسي
المقدمة
لا يخفى أنّ المسائل الأخلاقيّة، تخطى بأهميّة كبيرة في كلّ زمان، ولكنّ في عصرنا الحاضر، إكتسبت أهمية خاصة، وذلك:
1 ـ إنّ قوى الإنحراف و عناصر الشرّ و الفساد، قد إزدادت في هذا العصر، أكثر من جميع العصور السّالفة، فإذا كان التّحرك في الماضي في خطّ الباطل و الإنحراف، يكلّف الإنسان مبلغاً من المال، أو شيئاً من الجهد، ففي هذا الزّمان و بسبب التّقدم العلمي والتّطور الحضاري، أصبحت أدوات الفساد في متناول الجميع، هذا من جهة:
2 ـ ومن جهة اُخرى، إنّنا نعيش في هذا العصر ضخامة المقاييس، فبينما كانت المقاييس والموازين محدودةً في الماضي، و بتبع ذلك نرى محدوديّة المفاسد الإجتماعية والأخلاقيّة، فإنّ القتل في هذا الزّمان بسبب أسلحة الدّمار الشّامل، والفساد الأخلاقي بسبب انتشار أشرطة الفيديو والسّينما الخليعة، وكذلك ما يفرزه «الأنترنيت» من معلومات فاسدة، و يضعها في متناول الجميع، كلّ ذلك يحكي عن إنفجار في دائرة الفساد و الإنحراف، و كسر القوالب الضّيقة الّتي كانت تحدد قوى الباطل في الماضي، ليسري إلى خارج الحدود، و يصل إلى أقصى بقعة في العالم.
وإذا كان إنتاج المواد المخدّرة في السّابق، ينحصر بقرية أو منطقة محدودة، و لا يتجاوز ضرره سوى المناطق المجاورة، فاليوم نرى أنّ الابتلاء بمرض الإدمان، و من خلال عمليّة التّهريب الواسعة لعصابات الموت، قد غطى أجواء العالم أجمع.
3 ـ ومن جهة ثالثة، أنّنا نشاهد توسّعاً هائلاً في العلوم النّافعة لِلبشر، في مختلف جوانب الحياة في علوم الطّب و الفضاء، و الإتصالات والمواصلات وأمثال ذلك، و كذلك الحال في
العلوم الشّيطانية ووسائل الفساد و الإنحراف، حيث تطورت بشكل مذهل، الى حد إنّ القوى الشيطانيّة التي تقف وراء إنتاج أدوات الإفساد الإجتماعي، يتوصلون إلى تحقيق أهدافهم بطرق ملتوية كثيرة و يسيرة، و مثل هذه الظّروف و الأجواء تحتم علينا الإهتمام بالمسائل الأخلاقية أكثر من أيّ وقت مضى، وإلاّ فعلينا أن نتوقّع الكارثة، أو الكوارث التي تشلّ في الناس إرادة المواجهة، و تحولهم إلى كيانات مهزوزة أمام حالات الخطر.
و يجب على العلماء الواعين و المفكّرين المخلصين، أن يتحركوا من موقع التّكاتف فيما بينهم، لتعميق الأخلاق في قلوب الناس، و تفعيل عناصر الخير في وجدانهم، والإنتباه إلى الخطر المحيط بالأخلاق، بحيث إنّ البعض أنكر فائدتها من الأساس، أو ذهب إلى أنّها غير ضروريّة، والبعض الآخر تعامل معها من موقع المصلحة و البرُ اجماتية، للوصول إلى مطامعه السّياسية.
—–
ولحسن الحظ فإنّنا كمسلمين، نمتلك مصدراً عظيماً للمعارف الأخلاقيّة، و هو القرآن الكريم، الذي لا يُدانيه أيّ مصدر ديني آخر في العالم.
ورغم أنّ العلماء والمفسّرين، قد تناولوا البحوث القرآنية في دائرة الأخلاق، بالبحث والدّراسة، إلاّ أنّ هذه الأبحاث و الدراسات جاءت متفرقة و لا تفي بالغرض، ولهذا إفتقرت السّاحة الثقافية و التّفسيرية، إلى كتاب أو كُتب لدراسة هذا الموضوع، بالإستيحاء من الآيات القرآنية، فكان هذا الكتاب الذي بين أيديكم و بإسم: (الأخلاق في القرآن)، إستجابة عمليّةً لِهذه الحاجة الماسّة في حركة الواقع الثّقافي و الدّيني، لسدّ هذه الثّغرة في صرح البناء الثقافي والحضاري للإسلام.
وجاء هذا الكتاب، بعد بحوث و دراسات في التّفسير الموضوعي للقرآن الكريم شملت المعارف والعقائد الإسلاميّة في دورته الاُولى، و لتكون الدّورة الثّانية، مختصّةً ببحوث الأخلاق الإسلاميّة في القرآن الكريم.
وبحمد الله فقد إنتهينا من هذه الأبحاث الأخلاقية في ثلاث أجزاء، تناول الجزء الأوّل منها، دراسة المسائل الأخلاقيّة الكليّة في دائرة الأخلاق، و هذا هو الكتاب الذي بين أيديكم،
حيث يمكن الإستفادة منه بعنوان كتاب درسي للرّاغبين، ويتكفل الجزء الثاني و الثالث، ببيان تفاصيل هذه المسائل الكليّةً و جزئيّاتها ومصاديقها.
نأمل أن تكون هذه الأبحاث الأخلاقية، المستوحاة من أجواء القرآن الكريم، خطوة اُخرى على طريق حلّ المشاكل الأخلاقيّة و الثقافيّة للإنسان، في حركة الحياة والواقع الإجتماعي، ونسأل الله تعالى أن ينظر إليها بنظرة القبول، و يجعلها ذخيرةً لنا يوم لا ينفع مالٌ و لا بنون، ونرجو من الاُخوة أن يتفضلوا علينا بإرشادنا إلى موضع النّقص إن وجد.
والحمد لله ربّ العالمين
ربيع الأول 1419 هـ . ق
الأخلاق في القرآن / الجزء الاوّل
1/ أهميّة الأبحاث الأخلاقية
هذا البحث يعدّ من أهم الأبحاث القرآنيّة، ويعتبر من أهمّ أهداف الأنبياء كذلك، إذ لولا الأخلاق، لما فهم الناس الدّين و لَما إستقامت دنياهم: و كما قال الشّاعر:
وإنما الاُمم الأخلاق ما بَقيتْ *** فإن هُمُ ذهبت أخلاقهم ذَهبوا
فلا يُعتبر الإنسان إنساناً إلاّ باخلاقه، و إلاّ سوف يصبح حيواناً ضارياً كاسراً، يحطّم و يكتسح كلّ شيء، وخصوصاً و هو يتمتّع بالذّكاء الخارق، فيثير الحروب الطّاحنة، لغرض الوصول لأهدافه الماديّة غير المشروعة، ولأجل أن يبيع سلاحه الفتّاك، يزرع بذور الفُرقة و النّفاق ويقتل الأبرياء!
نعم، يمكن أن يكون متمدّناً في الظّاهر، إلاّ أنّه لا يقوم له شيء، و لا يميّز الحلال من الحرام، ولا يفرّق بين الظّلم و العدل، و لا الظّالم و المظلوم!
بعد هذه الإشارة نعرّج على القرآن الكريم لنستوحي من آياته الكريمة التالية، تلك الحقيقة:
1 ـ (هُوَ الَّذي بَعَثَ في الاُمّيينَ رَسُولا مِنْهُم يَتلُوا عَلَيْهِمْ آيـاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ
الْكِتـابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كـانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين )(1).
2 ـ (لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمؤْمِنينَ اِذْ بَعَثَ فِيهِمْ رَسُولا مِنْ أَنْفُسِهِمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيـاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتـابَ وَالْحِكْمَةَ وَ إِنْ كـانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلال مُبين )(2).
3 ـ (كَمـا أَرْسَلْنا فِيكُمْ رَسُولا مِنْكُم يَتْلُوا عَلَيْكُمْ آيـاتِنـا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتـابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مـا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ )(3).
4 ـ (رَبَّنـا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِنْهُمْ يَتْلُوا عَلَيْهِمْ آيـاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الكِتـابَ وَالحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ العَزيزُ الْحَكِيمُ )(4).
5 ـ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكّاهـا * وَقَدْ خـابَ مَنْ دَسّاها )(5).
6 ـ (قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكّى * وَذَكَرَ اسْمَ ربِّهِ فَصَلّى )(6).
7 ـ (وَلَقَدْ آتَيْنـا لُقْمـانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلّهِ )(7).
الآيات الأربع الأُول: تقرّر حقيقةً واحدةً، ألا و هي، أنّ إحدى الأهداف المهمّة، لبعثة النّبي الأكرم(صلى الله عليه وآله)، هو تزكية النّفوس و تربيّة الإنسان، و بلورة الأخلاق الحسنة، في واقعه الوجداني، بحيث يمكن أن يقال: إنّ تلاوة الآيات وتعليم الكتاب والحكمة التي أشارت إليها الآية المباركة الاُولى، يعُد مقدمة لمسألة تزكية النّفوس وتربية الإنسان، والذي بدوره يشكّل الغاية الأساسيّة لعلم الأخلاق.
ولأجل ذلك يمكن تعليل تقدم كلمة: «التزكية»، على: «التعليم»، في الآيات الثلاث، من حيث إنّ «التّزكية» هي الهدف والغاية النهائيّة، وإن كان «التّعليم» من الناحية العمليّة مقدمٌ عليها.
وإن نظرنا «للآية الرابعة»: من بحثنا هذا، و تقديمها لكلمة التّعليم على التّزكية، فهي ناظرةٌ إلى المسألة من حيث الترتب العملي الطبيعي لها، بإعتبار أنّ التّعليم مقدمةٌ «للتربية و التّزكية».
ولهذا نرى أنّ الآيات الأربع الاُولى، كلّ منها تنظر إلى المسألة من منظارها الخاص.
وليس بعيداً إحتمال رأيٌ آخر، من التّفسير في الآيات المباركة الأربع، وهو أنّ الغرض، من التّقديم و التّأخير الحاصل لهذين الكلمتين: (التّربية والتعليم)، بإعتبار أنّ إحداها تؤثّر في الاُخرى، يعني كما أنّ التعليم الصّحيح يكون سبباً في الصّعود بالأخلاق، و تزكية النّفوس، تكون تزكية النفوس هي الاُخرى مؤثّرة في رفع المستوى العلمي، لأنّ الإنسان بوصوله للحقيقة العلميّة، يكون قد تطهر من «العناد» و«الكِبر» و «التّعصب الأعمى»، حيث تكون الأخيرة مانع من التّقدم العلمي، ومعها سوف يُران على قلبه على حد تعبير القرآن الكريم، ولن يرى الحقيقة كما هي في الواقع.
ويمكن الإشارة الى نكات اُخرى في الآيات الكريمة الأربعُ:
الآية الاُولى: تشير إلى أنّ بعث رسول يُعلِّم الأخلاق، هي من علامات حضور الباري تعالى في واقع الإنسان لتفعيل عناصر الخير في وجدانه، و أنَّ النقطة المعاكسة (للتربية والتعليم) هي الضّلال المبين، فهي تبين مدى إهتمام القرآن الكريم بالسلوك الأخلاقي للإنسان في حركة الحياة.
الآية الثّانية: نجد فيها أن إرسال رسول يُزكيهم و يُعلّمهم الكتاب و الحكمة، هي من المنن و المواهب الإلهيّة العظيمة، التي منّ الله بها علينا، وهي دليل آخر على أهميّة الأخلاق.
الآية الثّالثة: وهي الآية التي نزلت بعد آيات تغيير القبلة، من القدس الشّريف إلى الكعبة المشرّفة، حيث عُدَّ هذا التغيير من النّعم الإلهيّة الكبرى، وأنّ هذه النعمة هي كإرسال الرسول للتعليم والتّزكية وتعليم الإنسان اُموراً لم يكن يعلمها ولن يتمكن من الوصول إليها إلاّ عن طريق الوحي الإلهي(1).
الآية الرّابعة: تتحدث عن أنّ إبراهيم الخليل(عليه السلام)، و بعد إكماله لبناء الكعبة، طلب من الباري تعالى: أن يخلق من ذريّته اُمّةً مسلمةً; و أن يبعث فيهم رسولا من ذريّته، ليزكّيهم في دائرة التربية الأخلاقيّة، و يعلّمهم الكتاب والحكمة.
الآية الخامسة: نجد أن القرآن الكريم، وبعد ذكر أحدَ عشرَ قَسَماً مهماً، وهي من أطول الأقسام في القرآن، - قسماً بالشّمس و القمر و النّجوم و النفس الإنسانية -، و بعد ذلك قال: (قد أفلح من زكّاها وقد خاب من دسّاها ).
وهذا التأكيد المتكرّر و الشّديد في هذه الآيات، يدلّ على أنّ القرآن الكريم، يولّي أهميّةً بالغةً لمسألة الأخلاق، و أنّ التّزكية هي الهدف الأهم للإنسان، و تكمن فيها كلّ القيم الإنسانيّة، بحيث تكون نجاة الإنسان بها.
ونفس المعنى أعلاه ورد في: «الآية السّادسة»، و اللّطيف فيها أَنّ ذكر التّزكية جاء قبل الصلاة، و ذكر الله تعالى، إذ لولا التّزكية و صفاء الرّوح لا يكون للصّلاة معنى، و لا لذكر الله.
وجاء في «الآية الأخيرة»، ذكر لُقمان الحكيم، حيث عبّر عن علم الأخلاق بالحكمة، فقال: (وَلَقَدْ آتَيْنـا لُقْمـانَ الْحِكْمَةَ أَنِ آشْكُرْ لِلّهِ ).
وبالنّظر للآيات الشّريفة، نرى أنّ خصوصيّة: «لقمان الحكيم»، هي تربية النّفوس والأخلاق، ومنها يتّضح أنّ المقصود من الحكمة هنا، هو الحكمة العمليّة و تعاليمها المؤدّية إليها، و بعبارة اُخرى يعني: «التّعليم» لأجل «التّربية».
ويجب الإنتباه و كما ذكرنا مراراً، إلى أنّ أصل معنى «الحكمة» هو لجام الفرس، وبعدها أطلقت على كلّ شيء رادع، و بإعتبار أنّ العلوم والفضائل الأخلاقيّة، تردع الإنسان عن الرّذائل فأطلقت عليها هذهِ الكلمة.
—–
نستوحي من هذهِ الآيات، الإهتمام الكبير للقرآن الكريم بالمسائل الأخلاقيّة وتهذيب
النفوس، بإعتبارها مسألةً أساسيّةً، تنشأ منها وتبتني عليها جميع الأحكام والقوانين الإسلاميّة، فهي بمثابة القاعدة الرّصينة و البناء التحتي، الذي يقوم عليه صرح الشّريعة الإسلاميّة.
نعم إنّ التّكامل الأخلاقي للفرد و المجتمع، هو أهم الأهداف التي تعتمد عليه جميع الأديان السّماوية، إذ هو أساس كلّ صلاح في المجتمع، و وسيلة رادعة لمحاربة كلّ أنواع الفساد و الإنحراف، في واقع الإنسان و المجتمع البشري في حركة الحياة.
والآن نعطف نظرنا إلى الروايات الإسلاميّة، لنرى أهميّة هذه المسألة فيها:
لقد أولت الأحاديث الشّريفة لهذه المسألة أهمية بالغةً سواء كانت في الروايات الواردة عن الرّسول الأعظم(صلى الله عليه وآله)، أم عن طريق الأئمّة المعصومين(عليهم السلام)، ونورد بعضاً منها:
1 ـ الحديث المعروف عن الرسول الأكرم(صلى الله عليه وآله):
«إِنّما بُعثتُ لأُتمَمَ مكارمَ الأخلاقِ»(1).
وجاء في حديث آخر: «إنّما بُعثتُ لأُتمَمَ حُسنَ الأخلاقِ»(2).
وجاء في آخر: «بُعثتُ بمكارمِ الأخلاقِ ومحاسِنها»(3).
ونرى أن كلمة «إنّما» تفيد الحصر، يعني أنّ كلّ أهداف بعثة الرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، تتلخص في التّكامل الأخلاقي.
2 ـ وجاء في حديث عن أمير المؤمنين(عليه السلام)، حيث قال:
«لَو كُنّا لا نَرجو جنّةً ولا ناراً ولا ثواباً ولا عِقاباً، لكان يَنبغي لَنا أن نُطالِبَ بِمكارمِ الأخلاقِ فإنّها ممّا تَدُلُّ على سبيلِ النجاحِ»(4).
يبيّن لنا هذا الحديث أهمية الأخلاق وفضائلها، إذ هي ليست سبباً في النجاة في الاُخرى فقط، بل هي سبب لصلاح الدّنيا أيضاً، (وسنتناول هذا البحث مفصّلا في القريب العاجل إن شاء الله تعالى).
3 ـ الحديث الآخر الذي ورد عن رسول الله(صلى الله عليه وآله)، حيث قال:
«جَعَلَ اللهُ سُبحانَهُ مكارمَ الأخلاقِ صِلةً بينه وبين عبادِهِ فحسب أَحدِكُم أَن يتمسّكَ بخُلق مُتَّصل باللهِ»(1).
و بعبارة اُخرى: أنّ الباري تعالى هو المعلم الأكبر للأخلاق، و هو مربّي النّفوس، ومصدر لكلّ الفضائل، والقرب منه تعالى لا يتمّ إلاّ بالتّحلي بالأخلاق الإلهيّة.
وعلى هذا نرى أنّ كلّ فضيلة يتحلى بها الإنسان، تؤدي إلى تعميق العلاقة بينهوبين ربّه، و تقربه من الذّات المقدّسة أكثر فأكثر.
وحياة المعصومين(عليهم السلام) كلّها تبيّن هذهِ المسألة، فإنّهم كانوا دائماً يدعون إلى الأخلاق، و التّحلي بالفضائل، و هم القُدوة الحسنة في سلوك هذا الطريق، وسنتطرق في المستقبل إلى نماذج من أخلاقيّاتهم(عليهم السلام)، ويكفي شرفاً للرّسول الأكرم(صلى الله عليه وآله)، أنّ الله تعالى نعته في سورة القَلم:
(وإِنَّكَ لَعَلى خُلُق عَظِيْم ).(2)
أخلاق جمع خُلق (على وزن قُفل)، و خُلُق على وزن اُفُق، وعلى حد تعبير الرّاغب في كتابه المفردات، أنّ هاتين الكلمتين ترجعان إلى أصل واحد، و هو «خلق» بمعنى الهيئة والشّكل الذي يراه الإنسان بعينه، والخُلق بمعنى القوى و السّجايا الذاتية للإنسان.
ولذا يمكن القول بأنّ: «الأخلاق هي مجموعة الكمالات المعنويّة و السّجايا الباطنيّة
للإنسان»، و قال بعض العلماء: إنّ الأخلاق أحياناً تُطلق على العمل و السّلوك، الذي ينشأ من الملكات النفسانية للإنسان أيضاً، (فالأولى الأخلاق الصفاتية والثانية السلوكيّة).
ويمكن تعريف الأخلاق من آثارها الخارجيّة أيضاً، حيث يصدر أحياناً من الإنسان فعل إعتباطي ولكن عندما يتكرّر ذلك العمل منه: (مثل البخل وعدم مساعدة الآخرين)، يكون دليلاً على أنّ ذلك الفعل يمدّ جذوره في أعماق روح ذلك الإنسان، تلك الجذور تسمى بالخُلق والأخلاق.
وفي ذلك قال «ابن مِسكَوَيه»، في كتاب «تهذيب الأخلاق وتطهير الأعراق»: إنّ الخُلق هو تلك الحالة النفسانيّة التي تدعو الإنسان، لأفعال لا تحتاج إلى تفكّر و تدبّر»(1).
وهو نفس ما إشار إليه المرحوم الفيض الكاشاني في كتاب «الحقائق»، حيث يقول: «إعلم أنّ الخُلق هو عبارة عن هيئة قائمة في النفس، تصدر منها الأفعال بسهولة من دون الحاجة إلى تدبّر وتفكّر»(2).
وعليه قسمّوا الأخلاق إلى قسمين: الملكات التي تنبع منها الأعمال و السّلوكيات الحسنة وتسمى «الفضائل»، واُخرى تكون مصدراً للأعمال والسلوكيات السّيئة و تسمى الرذائل.
ومن هنا يمكن أن نعرّف علم الأخلاق بأنّه: «علمً يُبحَث فيه عن المَلكات و الصّفات الحسنة والسيئة وآثارها وجذورها».
وبعبارة اُخرى: «علمٌ يُبحَث فيه عن اُسس إكتساب هذهِ الصفات الحسنة، و طُرق محاربة الصّفات السّيئة، و آثارها على الفرد والمجتمع».
طبعاً وكما ذكرنا سابقاً، يُطلق على الأعمال و الأفعال النّابعة من هذهِ الصفات أحياناً «الأخلاق»، فمثلا الشّخص الذي يعيش في حالة من الغضب والحدّة دائماً، يقال عنه بأنّه ذو أخلاق رديئة، وبالعكس عندما يكون الشّخص كريماً، فيقولون أنّ الشّخص الفلاني يتحلى بأخلاق طيِّبة، وفي الحقيقة أن هذين الإثنين هما عِلّة ومعلول للآخر، بحيث، يطلق إسم أحداهما على الآخر.
وعرّف بعض الغربيين الأخلاق بما يُوافق تعاريفنا لها، فمثلا في كتاب: «فلسفة الأخلاق»، لشخص يدعى (جكسون)، و هو أحد فلاسفة الغرب، عرّف الأخلاق فيه بقوله: (علمُ الأخلاق عبارةٌ عن التّحقيق في سلوك الإنسان على الصورة التي ينبغي أن يكون عليها)(1).
وللبعض مثل «فولكيه»، رأي آخر في المسألة، حيث عرّفوا علم الأخلاق بأنّه: (مجموعة قوانين السّلوك التي يستطيع الإنسان بواسطتها أن يصل إلى هدفه)(2).
هذا هو كلام اُناس لا يعيرون للقيم الإنسانيّة أهميّة، والمهم عندهم الوصول إلى الهدف كيفما كان وكيفما إتّفق، إذ الأخلاق عندهم ليست إلاّ وسيلةً تُمكّن الإنسان من الوصول إلى الهدف!.
—–
الفلسفة في معناها ومفهومها الكلي، تعني: معرفة العالم بما لدى الإنسان من قدرة، وبهذا المعنى يمكن أن تدخل جميع العلوم تحت هذا المفهوم الكلّي، بحيث نرى في الأعصار السّابقة والقديمة، عندما كانت العلوم محصورةً و معدودةً كانت الفلسفة تلقي الضوء عليها جميعاً، والفيلسوف كان له الباع الطويل في جميع العلوم، وفي ذلك الوقت قسّمت الفلسفة إلى قسمين:
أ ـ الاُمور التي لا دخل للإنسان فيها، و التي تستوعب جميع العالم، عدا أفعال الإنسان.
ب ـ الاُمور التي تنضوي تحت إختيار الإنسان وله دخل فيها، يعني أفعال الإنسان.
فالقسم الأول يسمّى بالحكمة النظريّة، وتقسم إلى ثلاثة أقسام:
الفلسفة الاولى أو الحكمة الالهيّة: وهي التي تتناول الأحكام الكلية للوجود والمبدأ والمعاد.
2 ـ الطّبيعيات: وفيها أقسام مختلفة.
3 ـ الرّياضيات: وهي أيضاً لها فروع متعددة.
وأما التي تتعلق بأفعال الإنسان، فتسمى بالحكمة العمليّة، وهي بدورها تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
1 ـ الأخلاق والأفعال: التي تكون سبباً في سعادة أو ضلال الإنسان، و تكون جذورها ومصدرها النفس الإنسانيّة.
2 ـ تدبير المنزل: وكل ما يتعلق بالعائلة.
3 ـ سياسة وتدبير المدن: والتي تتناول طرق إدارة المجتمعات البشرية.
و هكذا فقد أفردوا للأخلاق حقلها الخاص بها، في مقابل (تدبير البيت) و(سياسة المدن). وعليه يمكن القول بأنّ علم الأخلاق هو فرع من: «الفلسفة العملية» أو «الحكمة العمليّة».
ولكنّ تعدد العلوم في عصرنا الحاضر دعى للفصل بينها، و غالباً ما تأتي الفلسفة والحكمة، و الفلسفة بمعنى الحكمة النظريّة من نوعها الأوّل، وهي الاُمور التي تتعلق بالعالم والكون وكذلك المبدأ والمعاد.
ويوجد اختلاف بين الفلاسفة، في أيّهما أفضل: الحكمة النظريّة أم الحكمة العمليّة، فقسم إدّعى الأفضلية للاُولى، وقسم آخر إدّعى الأفضلية لِلثانية، وعند التّدقيق في مدّعاهم نرى، أنّ الإثنين على حق و هذا ليس بحثنا الآن.
وسنتعرض لعلاقة الأخلاق بالفلسفة، في موارد اُخرى في المستقبل، إن شاء الله تعالى.
أمّا بالنسبة لعلاقة (الأخلاق) بـ (العرفان) و (السير و السلوك إلى الله); فيمكن القول أنّ العرفان أكثر ما ينظر للمعارف الإلهيّة، ولكن ليس عن طريق العلم و الإستدلال، بل عن طريق الشّهود الباطني، بمعنى أنّ قلب الإنسان يجب أن يكون كالمرآة الصافية، لدرجة يستطيع فيها أن يرى الحقيقة لتزول عنه الحُجب، وليرى بقلبه الذّات الإلهيّة و أسمائه و صفاته، ومنها يصل إلى العشق الإلهي الحق.
وبما أنّ علم الأخلاق، له اليد الطُولى في المساعدة على دفع ورفع الرذائل، و التي هي بمثابة الحُجب على القلوب، فمن البديهي أن تكون الأخلاق من اُسس ومقدمات العرفان الإلهى.
وأما «السّير والسّلوك إلى الله»، والذي يكون هدفه النّهائي هو معرفة الله والقرب منه، فهو في الحقيقة مجموعة من «العرفان» و«الأخلاق»، فما كان من «السّير والسّلوك الباطني»، فهو نوع من «العرفان»، الذي يوصل الإنسان يوماً بعد يوم للذات الإلهيّة، ويرفع عن قلبه الحجب والأدران، ويمهد الطّريق إليه; وما كان من «السّير و السّلوك الخارجي»: فهو نفس الأخلاق التي تهدف لتهذيب النفوس، و ليس فقط لأجل الحياة الماديّة المرفّهة.
—–
بالنّسبة للآيات السّابقة و كما ذكرنا أنّ القرآن الكريم، أتى بـ: «تعليم الكتاب والحكمة» إلى جانب: «التزكية والتّهذيب الأخلاقي»، فتارةً يقدِّم «التّزكية» على «التّعليم»، و اُخرىُ يقدِّم «التعليم» على التزكية، و هو أمر يُبيّن مدى العلاقة الوثيقة التي تربط بين الإثنين.
وهذا يعني أنّ الإنسان، عندما ينفتح على المعرفة، و تكون لديه خبرةٌ بالأعمال الحسنة والسيئة، ويعرف عواقب «الفضيلة» و«الرذيلة»، فممّا لا شك فيه أنّها ستؤثر في تربيته، بحيث يمكن القول أنّ كثيراً من الرذائل ناتجة من عدم الإطّلاع والفهم. ومن ذلك يمكن القول; أنَّه إذا
ما إستطعنا أن ننهض بالمستوى العلمي للأفراد، وبعبارة اُخرى: إذا أمكننا نشر الثقافة بين الناس، فستحل الفضائل مكان الرّذائل، وإن كان هذا الأمر ليس كليّاً.
ومع الأسف الشديد، نرى أنّ البعض بالغوا فيها لدرجة الإفراط والتّفريط.
فبعض إتّبعوا الحكيم سُقراط اليوناني، حيث كان يعتقد بأنّ العلم والحكمة هي منشأ الأخلاق الحميدة، والرّذائل الأخلاقيّة منشؤها الجهل، ولذلك فإنّه كان يعتقد أيضاً أنّه ولأجل محاربة الفساد و الرّذائل الأخلاقية وإحلال الفضائل الأخلاقية محلّها، يجب العمل على رفع المستوى العلمي للمجتمع، و بالتّالي تتساوى (الفضيلة) مع (المعرفة).
هؤلاء يدّعون أنّه لا يوجد إنسان يتجه نحو الرّذيلة وهو على علم بها، وإذا ما شخّصَ الإنسان الفضيلة فسوف لن يتركها، ولذلك يتوجّب علينا كسب العلم، ومعرفة الخير وتمييزه من الشر لنا و لغيرنا، كي تزرع في نفوسنا بذور الفضائل الأخلاقية!.
وفي المقابل يوجد من ينفي هذهِ العلاقة بين الإثنين بالكامل، لأنّ العلم والذكاء للإنسان المجرم سيكون عاملا مساعداً له في إرتكاب جرائم أخطر، وعلى حدّ تعبير المثل الذي يقول: (إذا كان مع اللص مصباحاً فانه سوف ينتفي البضائع الجيدة).
ولكن الحق و الإنصاف أنّه ليس بإمكاننا نفي تأثير العلم بالكامل، و لا نفي معلولية أحداهما للاخر.
والشّاهد على ذلك المُثل الحيّة التي نراها في المجتمع، فكثيراً ما شاهدنا اُناساً كانوا يفعلون الرذائل، و عندما أدركوا قبح فعالهم ونتائجها السيئة، أقلعوا عنها و إتجهوا نحو الفضائل، ووجدنا هذا الأمر حتى في وقتنا الحاضر هذا.
وفي المقابل نعرف أشخاصاً عندهم المعرفة التامة بالخير والشرّ، ولكنهم يُصرّون على الشرّ و هو متأصل في نفوسهم.
و كلّ ذلك لأنّ الإنسان لديه بُعدان: بعد العلم و الادراك و بُعد عملي، وهو الميول والغرائز والشّهوات، و لأجل ذلك فساعةً يميل الى هذا، و ساعةً يُرجحُ ذلك.
والذي يقول بأحد القولين، فانه يفترض أنّ الإنسان فيه بُعدٌ واحد لا أكثر، ويغفل عن وجود البعد الآخر.
ونشير هنا إلى الآيات القرآنية التي وردت في هذا الباب، و التي أكدت على التّأثير المتبادل بين عُنصر الجهل وسوء العمل، قال تعالى:
(أَنَّهُ مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءً بِجَهالَة ثُمَّ تابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَاِنَّهُ غَفُورٌ رَحيمٌ; )(1).
ويوجد شبيه لهذا المعنى في سورة النساء: الآية (17)، وسورة النحل: الآية (119).
ومن البديهي أنّ الجهل المذكور ليس هو الجهل المطلق الذي لا يوائم التوبة، بل هو مرتبةٌ من مراتب الجهل، فإذا إرتفع فسوف يهتدي الإنسان بعدها للطّريق القويم.