(57)

 الفصل الأول

في ماهيّة العلم وفضله

[2 - فرض العلم]

إعلم أنّه قالَ رسول الله صلى الله عليه وآله : < طَلَبُ العلمِ فريضة على كُلّ مُسْلمٍ ومُسْلمةٍ >(5).

الهامش

(5) جاء الحديث بهذا النصَ في كتابنا، وفي الزرنوجي، وكذلك رواه الشيخ ابن فَهد الحليّ في (عدّة الداعي ص63) مسندا عن الإمام الرّضا عليه السلام مرفوعا إلى النبيّ صلىالله عليه وآله وسلم. وقال الشيخ امين الإسلام الطبرسي في خطبة تفسير مجمع البيان ما نصّه: قد صحّ عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم في ما رواه لنا الثقات بالأسانيد الصحيحة مرفوعاً إلى إمام الهدى وكهف الورى ابي الحسن علي بن موسى الرضا عليه السلام عن اَبائه سيّد عن سيّد وإمام عن إمام إلى ان يتّصل به عليه واَله السلام انّه قال: ...الحديث ،لاحظ مجمع البيان (ج1 ص ).

وارسله ابن الطبرسي في مشكاة الأنوار (ص 182) وكذلك أرسله الشيخ ابن أبي جُمهور الأحسائي في عوالي اللاَلي (704 ح 36) ونقله عنه المجلسي في بحار الأنوار (1771).

لكن رواه الشيخ الطوسيّ في الأمالي (1022 و 182) مسندا عن الرّضا عليه السلام مرفوعا - في ابتداء حديثٍ طويل - من دون لفظ: <ومُسلمة>.

وللحديث عند العامة طرق كثيرة، ذكرها السخاوي في (المقاصد الحسنة ص5 - 277) وقال: <ومسلمة> ليس لها ذكر في شي من طرقه.

وانظر (الرحلة في طلب الحديث) للخطيب البغدادي، وجامع بيان العلم (71 - 10).

 

===============

(58)

 والمرادُ من العلم - هاهنا - : علمُ الحال ِ، أي : المحتاجُ إليه في الحالِ ، المُوْصِلُ إلى النَفْع في المَآلِ . كما يُقالُ: < أفْضَلُ العلمِ علمُ الحال ، وأفْضَلُ العَمَلِ حِفْظُ المَآلِ (6)>.

فيفرضُ على الطالب ما يُصْلِحُ حالَه.

[3 - شَرَفُ العلم ]

وشَرَفُ العلم لا يخفى على أحَدٍ. إذِ العلمُ هو المختَص بالإنْسانِيّة (7) لأِنَ جميع الخصال - سوى العلم - يشترك فيها الإنسانُ وسائر الحيوانات كالشجاعة ، والقُوَة ، والشَفَقَة ، وغيرها.

[4 - العلمُ فضيلة ]

وبه أظْهرَ الله تعالى فَضْلَ آدَمَ عليه السلام على الملائكة، وأمَرَهم بالسجودِ له (8).

 الهامش

(6) في (ف) حفظه، وفي (ب): حفظ الحال.

(7) في الخشاب، وبعض النسخ: بالانسان.

(8) أي في قوله تعالي: (وَعَلَمَ آدَمَ إلاسْمَأَ كُلَها ...) ثمّ قال تعالي: (وَإذْ قُلْنَا لِلْمَلاَئِكَةِ اسْجُدُوْا لاَِدَمَ فَسَجَدُوا ...) من الاَيتين (31 و 32) من سُورة البقرة (2).

 

===============

(59)

 [5 - السّعادة بالعلم ]

وأيضا : هو الوسيلةُ إلى السعادة الأبَديَة ، إنْ وَقَعَ العَمَلُ على مُقتضاه (9).

الهامش

(9) للتفصيل عن فضل العلم وشرفه راجع: مقدمة <منية المريد> للشهيد الثاني، حيث عقد فصولا سبعة لاستيعاب ذلك، وخصّص الفصل الثالث لذكر ما ورد عن أئمة أهل البيت : من طريق الخاصة، فانظر (ص93 - 127) ولاحظ (108 - 119).

و : <أدب الدُنيا والدين> للماوردي (ص41 - 43). وقال عليّ أميرُ المؤمنين عليه السلام <أعز العِز العِلْمُ، لأنَ به معرفةَ المعادِ والمعاشِ، وأذل الذُلَ الجهل، لأنّ صاحبه أصمّ، أبكم، أعمى، حَيْران>. في نزهة الناظر (ص33).

وقال عليه السلام:

العلمُ زَيْن فكُن للعلم مكْتَسِبا * وكُنْ له طالِبا ما عِشتَ مُقْتَبِسا

اُرْكُنْ إليه وَثِقْ بالله واغْنَ بِه * وكُنْ حليما رزينَ العقلِ مُحْتَرِسا

وكُنْ فَتًى ماسِكا مَحْضَ التقى ورعا * لِلدينِ مُغْتَنِما لِلعلمِ مُفْتَرِسا

فَمَنْ تَخَلَقَ بالاَدابِ ظَلَ بها * رئيسَ قَوْمٍ إذا ما فارَقَ الرُؤَسا

الديوان (ص72).

وقال عليه السلام:

لو صِيْغَ من فِضَةٍ نَفْس على قَدَر * لعادَ من فضله لمّا صَفا ذَهبا

ما للفتى حَسَب إلا إذا كَمُلَتْ * أخلاقُه وحَوى الاَدابَ والحَسَبا

فاطْلُبْ فَدَيتُكَ عِلما واكْتَسِبْ أدبا * تَظْفَرْ بذاك به واسْتَعْجِلِ الطَلَبا

الديوان (ص46).

وقال الإمام أبو جعفر الباقر عليه السلام: <تعلّموا العلم فإنّ تعلّمه حسنة، وطلبته عبادة، ومذاكرته تسبيح، والبحث عنه جهاد، وتعليمه صدقة، وبَذْله لأهله قُرْبة. والعلم مأواه الجنة، واُنْس في الوحشة وصاحب في الغربة، ورفيق في الخلوة، ودليل على السرّأ، وعون على الضرّأ، وزين عند الأخلاّض، وسلاح على الأعداء.

يرفع الله به قوما في الخير، ليجعلهم أئمةً يقتدى بفعالهم، وتقتص آثارهم، ويصلّي عليهم كل رطب ويابِس وحيتانُ البحر وهوامه وسباعُ البرّ وأنعامُه. في نزهة الناظر (ص50).

 

 

===============

(60)

 [6 - أنواع من العلم]

فالعلمُ الذي يُفْرَضُ على المكلَفِ بعينه (10) يجبُ تحصيلُه ، وجَبْرُه (11) عليه إنْ لَمْ يُحَصلْ .

والذي يكونُ الاحْتياجُ إليه في الأحْيان ِ، فرض (12) على سَبيل الكِفاية إذا قامَ به البعضُ سَقَطَ عن الباقينَ ، وإنْ لم يكنْ في البَلَدِ مَنْ يقومُ به، اشتركوا - جميعا - بتحصيله ، بالوجوب (13).

قيلَ: <إنّ علمَ ما نفعُ(14) على نفسه، في جميع الأحوال ، بمنزلة الطعام ،

الهامش

(10) في نسخة (أ): نفسه، بدل <بعينه>.

(11) كذا في الخشاب وأكثر النسخ، وفي (أ، ف، و، ع) والاُخرى: <وجُبِرَ>.

(12) في الخشاب: فرضا، وهو غلط، لأنّه خبر (الذي).

(13) في غير (ف) بتحصيله وللتفصيل عن أنواع العلم، راجع: منية المريد (ص379 - 383).

(14) كذا في أكثر النسخ وفي الزرنوجي (يقع) وفي (د) وبعض النسخ: ينفع، بدل <يقع> هنا وفي الجملة التالية.

 

===============

(61)

 لابُدَ لكلّ أحدٍ من ذلك .

وَعلمُ مانفعَ في الأحيانِ ، بمنزلة الدوأ، يُحتاجُ إليه في بعض الأوقات.

وَعلمُ النجوم بمنزلة المرض ، فتعلمه حرام لأنَه يضر ولا ينفعُ، إلاّ قَدَرمايُعْرَفُ به القِبْلةُ، وأوقاتُ الصلاة وغير ذلك، فإنّه ليس بحرامٍ >(15).

الهامش

(15) علم النجوم ضرره وحرمته:

يُطلق علم النجوم تارةً على معرفة النجوم وأعدادها وحركاتها ومواقعها وأزمانها، فهذا من المعارف البشريّة العامّة المتداولة، إلا انّه لا يُفيد طالب العلم الديني شيئا، إذ لا أثر له في حياته ولا يترتّب على معرفته شي خاص، فبذل الجهد فيه مضر له، من جهة تفويت الوقت عليه، عن تحصيل ما هو ضروري، أو أكثر أهميّة ونفعا وأثرا في حياته العملية، وهذا معنى قول الماتن: يضر ولا ينفع.

وعلى هذا فيكون الاستثناء في قوله: <إلا قدر ما يعرف ...> إلى آخره، متّصلا، إلاّ أن الحكم بحرمة هذا العلم شرعا، لا دليل عليه ما لم يؤدّ إلى تقصير في أداء ما يجب على المكلّف معرفةً أو أداءً.

وقد يُطلق علم النجوم على خصوص تعلّم ما يتداوله المعتقدون بتأثير الكواكب العلوية في الشؤون الكونية، وأنها الفاعلة للاَثار من دون إرادة الصانع الجبار - تعالى الله عمّا يقول الجاهلون - فهذا محكوم بالحرمة لابتنائه على الكفر بالله أو الشرك أو التفويض أو تحديد قدرته تعالي، وكلّ ذلك مخالف للحقّ المدلول عليه في محلّه.

وهذا يضرّ بطالب العلم عقيدة، ولا ينفعه علما ولا عملا لابتنائه على اُمور غير واقعية بل على أحكام والتزامات تخمينية وتكهنات أو أفكار خرافيّة أو نقول غير مؤكّدة ولا مضبوطة. وعلى هذا فالاستثناء في قوله: <إلا قدر ...> منقطع كما لا يخفي.

 

===============

(62)

 [7 - ماهيّة العلم ]

وأمّا تفسير(16) العلم : فهو صِفة يتجلّى بها - لمنْ قامت هي به - المذكورُ (17).

[8 - العلم حُجّة على المتعلّم ]

فينبغي لطالب العلم أنْ لا يغْفُلَ عن نفسه ، وما ينفعُها ، وما يضرها ، في أوْلاها واُخراها فيَسْتجلبُ ما ينفعُها، ويجتنبُ عمّا يضرها لئلاّ يكونَ عقلُه وعلمُه حجَةً عليه فتزدادُ عقوبتُه (18).

 الهامش

(16) كذا في الزرنوجي وأكثر النسخ، لكن في الخشاب و (ف) ونسخ اُخري: نفس، بدل <تفسير>.

(17) ارتبكت النسخ في إثبات هذا التعريف:

 ففي أكثرها والخشاب هكذا: <فهي صفة يتحلّى ...>.

وفي بعضها: <... يتحلّى بها مَنْ قامت به فَمخْصوص بالمذكور>.

وفي نسخة: <... لا يتجلّى بها إلا لمن ...>.

وما أثبتناه من الزرنوجي و (ف، و)، ومعناه: أنّ العلم صِفة تتّضح بها المعلوماتُ لمن وُجدت فيه.

(18) في الزرنوجي ونسخٍ: <... عقوبة> وفي بعض النسخ: <فيزاد عقوبة>.

 

===============

(63)

 الفصل الثاني

في النيَة

 [9 - لزوم النيّة ]

لابُدّ لِطالِبِ العلم من النيَة (19) في تَعَلمِ العلم، إذ النيّةُ هي الأصْلُ في جميع الأفعال، لقوله صلى الله عليه وآله : < إنّما الأعمالُ بالنيّات، وإنّما لكُلّ امرىٍ ما نوى >(20).

الهامش

(19) في هامش الخشاب <أطلُبُ العِلْمَ لوجوبه قُرْبةً إلى الله تعالي>.

(20) هذا الحديث لم يذيّل بقوله: <وإنّما لكل امرى ما نوي> في بعض النسخ وجُعل الذيل حديثا مستقلا في نسخ اُخري. وقد رواه الشيخ الطوسيّ في تهذيب الأحكام (831) ح218 و (1864) ح519 مذيّلا بلفظ: <... وَإنّما لكلّ امْرِىٍ مَا نَوَى> مرسلا عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم وفي الحديث (518) مع الذيل، ونقله عنه في وسائل الشيعة (56) ح7197، مذيّلا، وانظر الوسائل (481) ح88 و 89. ورواه - مذيّلا وغير مذيّلٍ - ابن أبي جمهور الأحسائي في عوالي اللاَلي (811) ح3 و (3801) ح2 و (112) ح19 و (1902) ح80. ورواه من العامّة: البخاري في الصحيح (21) باب بد الوحي، ومسند أحمد (251) والبيهقي في السنن الكبرى (3417) وابنُ عساكر في الأربعين البلدانية (46 - 47) وهو أوّل أحاديث الجامع الصغير، للسيوطي.

وقال الزرنوجي: حديث صحيح.

 

===============

(64)

 فينبغي أنْ ينويَ المتعلّمُ بِطَلَبِ العلم : رضا الله تعالى ، وإزالَةَ الجَهلِ عن نفسه، وعن سائر الجُهالِ وإحْيأَ الدينِ ، وإبقاءَ الإسلام ِ.

والأمر(21) بالمَعْرُوف، والنَهي عن المنكر، من نَفْسِه، ومتعلّقاته، ومن الغَيْر بِقَدَرِ الإمكان.

(22)[10 - سِيْرةُ الطالب]

فينبغي لطالب العلم أنْ: يَصْبِرَ في المشاقّ(23).

الهامش

(21) في كثير من النسخ (بالأمر).

(22) أجمل المؤلّف في هذه الفقرة ما سيذكره في الفقرات التالية في فصول الكتاب، وسنشير إلى مواضع تفصيل كلّ ما يذكر..[48]

(23) لاحظ الفقرة وروى ابن عبد البر عن الإمام زيد الشهيد عليه السلام أنه قال: <لا يُستطاع العلم براحة الجسم>. جامع بيان العلم (911).

وكتب في هامش نسخة (ف) من كتابنا هذين البيتين:

أرى العلم في جوعٍ وذل وعِفّةٍ * وبُعدٍ عن الاَبأ والأهلِ والوطنْ

فلو كانَ كسبُ العلمِ أسهلَ حرفةٍ * لما كانَ ذو جَهلٍ على الأرضِ في الزمنْ

لاحظ الصورة رقم (2) من نماذج مصوّرات الكتاب.

 

===============

(65)

 ويجتهد بقَدَر الوُسْع(24).

فلا يَصْرِفَ عُمُرَه في الدُنْيا الحقيرة.

ولا يُذِلَ نفسَه بالطَمَع(25).

(ويجتنبُ الحِقدَ، والحَسَدَ)(26).

ويحترزَ عن التَكَبرِ(27).

الهامش

 (24) لاحظ الفقرات [23 - 27]

. (25) لاحظ الفقرة [37].

(26) ما بين القوسين ورد في بعض النسخ، ولاحظ الفقرتين:[42و44]

(27) للتفصيل حول الأخلاق، لاحظ الفقرة [22] وتعاليقها، ولاحظ الفقرتين [ 46و.49].

 

===============

(66)

 الفصل الثالث

في اختيار العلم والاُستاذ والشريك والثبات

 [11 - اختيار العلم]

ينبغي لطالب العلم أنْ يختارَ من كلّ علمٍ أحْسَنَه((28)) وما يحتاجُ إليه في اُمور دينه في الحالِ، ثُمَ ما يحتاجُ إليه في المآلِ.

الهامش

(28) قال عليّ عليه السلام : <خذوا من كلّ علمٍ أحسنه، فإنّ النحل يأكلُ من كلّ زهرٍ أزينَه، فيتولّد منه جوهران نفيسان: أحدهما فيه شفأ للناس، والاَخر يُستضأ به>. معجم ألفاظ غرر الحكم (ص1342) رقم (1053).

وقال عليه السلام: <العلم أكثر من أن يُحاط به، فخذوا من كلّ علمٍ أحسنَه>. معجم ألفاظ غرر الحكم (ص234).

ومن قول الإمام عليه السلام اقتبس الشاعر فيما أنشدنيه سماحة العلاّمة المجاهد السيّد بدر الدين الحوثي الحسني اليماني دام عُلاه، فقال:

ما حوى العلم جميعا أحد * لا، ولو دارسَه ألْفَ سَنَه

إنّما العِلمُ بَعيد غورُه * < فخذوا من كلّ علمٍ أحْسَنَه>

 ولاحظ ما يأتي في التعليق على الفقرة .[50]الهامش (4)

 

===============

(67)

 ويُقدّمَ علمَ التوحيدِ، ويَعْرِفَ الله تعالى بالدليل(29).

[12 - اختيار العتيق]

ويختارَ العتيقَ دُوْنَ المحْدَثات.

قالوا: <عليكُم بِالعتيقِ((30)) وإيّاكُم والمحدَثاتِ>.

الهامش

(29) للتوسّع في هذه الفقرة راجع منية المريد (ص366 و 379 و 385) وانظر هنا في الاعتماد على الاستاذ في اختيار العلم.[20]الفقرة

(30) جاءت هذه الجملة ضمن كلام لبعضهم، في جامع بيان العلم ( 2/ 193). فإنّه أسند إلى مَنْ قال: <ستجدون أقواما يدعونكم إلى كتاب الله، وقد نبذوه ورأ ظهورهم، فعليكم بالعلم، وإيّاكم والتبدّع، وإيّاكم والتنطُع، وعليكم بالعتيق>.

فالظاهر أنّ المراد بالعتيق هي المعارف والعلوم القديمة، التي وقع الاتفاق على ضرورتها وفائدتها علما وعملا، دون ما لا نفعَ فيه سوى الترف العلمي، والنُزهة الفكرية، وما لا دخل له في تمرينٍ أو مقدميّة لعلم، ومن ذلك ممّا تُدووِل في العصور المتأخّرة من الجدليات والفرضيّات، أو الصناعات المسمّاة بالعقليّة، التي لا تمسّ حياة الانسان من قريب أو بعيد، وليس لها مجال في التطبيق ولا أثر عمليّ، ولا ثمرة في الدين أو الدنيا. ومن ذلك ما اُقحم في علم الاُصول من المباحث البعيدة عن واقع العلوم المنقولة وفرض آرأ ونظريّات لا يوافق عليها العرف ولا العقلا، ويرفضها حتى أصحاب الفنون أنفسهم، فكم من بحثٍ لغوي يرفضه اللغويون وكم من رأي فلسفي لا يرضاه الفلاسفة، وقد أتعب المتأخرون، والجدد المتعلّمون أنفسهم في اقتحامها بلا طائل يعود على العلم وطلابه سوى التطويل، وتوغّلوا في صياغة المصطلحات التي لا تعود على الدراسات سوى التعقيد، وليس الغرض منها سوى عرض العضلات بزيادة القال والقيل. بينما علوم شريفة من صميم الشريعة، كالحديث وفقهه وشرحه، وآيات الأحكام وتفسيرها، واللغة ومتونها، متروكة مهملة لا يرعاها إلا القلائل.

وينسحبُ مثلُ هذا الكلام على المؤلّفات التي يغلب على الجديد منها الهراء والفضول وكبر الحجم، وزيادة المجلّدات، وكأنّ الاهتمام بالوزن والكمّ فقط، وهذا على خلاف المؤلّفات القديمة المبتنية على تصغير الأحجام وبذل غاية الاهتمام بالكيف والعمق والإحكام، فقد كانوا يزنون العلم بالمؤدى وما يُفيد في مجال الأعمال، لا كما آل إليه الأمر من وزن العلم بالأرطال.

ثمّ إنّ انتهاج هذه السيرة الجديدة في العلوم تدريسا وتأليفا وتفكيرا هو المؤدي إلى ما وصل إليه الطلاّب من الحيرة في الانتخاب، أو اليأس من الاستيعاب، لكثرة الاحتمالات والاَرأ وكثرة المؤلّفات في كلّ موضوع وباب، ولا يمكن التخلّص من هذه الحالة المتردّية إلا باللجو إلى الاُصول في كلّ شي من نص أو فكر أو رأي أو كتاب، حتى يختصر الزمان ونسبق حوادثه التي تجتاحُ الكونَ والإنسان.

والله الموفّق وهو المستعان.

 

===============

(68)

 [13 - اختيار المتون]

ويختارُ المُتُونَ.

كما قيلَ: <عليكُم بالمُتُوْنِ>.

[14 - اختيار الاُستاذ]

وأما اخْتيارُ الاُسْتاذ، فينبغي أَنْ يختارَ الأعْلَمَ، والأوْرَعَ، والأسَنَ.

 

===============

(69)

 وينبغي أنْ يُشاوِرَ في طَلَب أيّ عِلْمٍ يُرادُ في المشي إلى تحصيله(31).

وإذا وَصَلَ((32)) المتعلّمُ إلى بِلادٍ يُريدُ أنْ يتعلّمَ فيها، فلْيكُنْ إلا يَعْجَلَ في الاخْتلاطِ مَعَ العلماء، وأنْ يَصْبِرَ شَهرَيْنِ، حتّى كانَ اخْتيارُه لِلاُستاذ لَمْ

يُؤَد إلى تركِه والرجُوعِ إلى الاَخَر، فلا يُبارَكْ له

[15 - الثَبات على ما يختار]

فينبغي أنْ يَثْبُتَ ويَصْبِرَ:

 على اُسْتاذٍ.

وعلى كِتابٍ، حتّى لا يكون - بتركِه - أبْتَرَ.

وعلى فَن، حتّى لا يشتغلَ بفَن آخَرَ قَبْلَ أنْ يصيرَ ماهرا فيه.

وعلى بَلَدٍ، حتّى لا يَنْتَقِلَ إلى بَلَدٍ آخَر، من غَيْر ضَرُورة(33).

الهامش

(31) روى الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص291) قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: <الاستشارةُ عينُ الهداية، وقد خاطر من استغنى برأيه>.

وروي عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم انّه قال: <المشورةُ حِصن من الندامة، وأمان من الملامة> نزهة الناظر (ص3).

وقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: <نعم المؤازرة المشاورةُ، وبئس الاستعداد الاستبداد> ورواهما في أدب الدنيا والدين (ص289).

وروى الزرنوجي (ص14): قال جعفر الصادق عليه السلام لسفيان الثوري: <شاوِرْ في أمْرِك مَعَ الذين يخشونَ الله تعالي>.

 في الاعتماد على الاُستاذ في اختيار العلم.ولاحظ الفقرة [ 20 ]

(32) كذا في أكثر النسخ وفي بعضها: دَخَلَ.

(33) عن الرحلة إلى البلاد وفوائدها، راجع كتاب: الرحلة إلى طلب الحديث، للخطيب البغدادي.

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

تغرَبْ عن الأوطانِ في طلب العُلى * وسافِرْ ففي الأسفار خَمْسُ فوائدِ

تَفرجُ هم , واكْتِسابُ معيشةٍ , * وعلم، وآداب وصحبة ماجِدِ

وهو في الديوان (ص61).

 

===============

(70)

 فإنّ ذلك كلَه يُفَرّقُ الاُمورَ المُقَربة إلى التحصيل، ويُشْغل القَلْبَ، ويُضَيّعُ الأوقات.

[16 - اختيار الشريك]

وأما اخْتيار الشريك، فينبغي أن يختارَ الُمجِدَ، والوَرِعَ(34) وصاحبَ الطبعِ المستقيمِ.

ويفرّ ويحترزُ((35)) من الكسْلانِ، والمُعَطَلِ، ومِكْثارِ الكلامِ، والمُفْسِدِ، والفتّانِ.

كما قيل - في الحكمة الفارسيّة - نَظْما:

يارِ بَدْ بدْتَرْ بُوَدْ أزْ مارِ بَدْ * تا تَوَانِيْ مِيُْرِيْزْ أزْ يارِ بَدْ

مارِ بَدْ تَنْها تُو را بَرْ جانْ زَنَد * يارِ بَدْ بَرْ جانُ وبَرْ إيمانْ زَنَدْ(36)

الهامش

(34) كذا في النسخ والزرنوجي، وفي الخشاب وبعض النسخ: المتورّع.

(35) في (ب، د): يفرّ وفي سائر النسخ: (يحترز) وقد جمع بينهما في (ع).

(36) وقد نظمتُ معنى البيتين بالعربية، فقلتُ:

لئنْ كانَ خل السوء أعتى مضرَة * من الحيّة السوداء فاهجُرْه بالبَيْنِ

فإنْ كانَتْ السوداء للجسم سمها * فضرّ صديق السو للجسم والدِيْنِ

وقد أثبت الخشاب معنى البيتين نثرا في المتن، وذكر الشعر الفارسي في

أمّا الزرنوجي فقد أورد الشعر هكذا:

يارِ بَدْ بَدْتَرْ بُوَد أزْ مارِ بَدْ بحق ذاتِ اكِ الله الصَمَدْ

يارِ بَدْ آرَدْ تو را سُويِ جَحِيمْ يارِ نيكُو كِيْرْ تا يابي نَعِيْمْ

 

===============

(71)

 وقيل:

فاعْتَبِرِ الأرْضَ بأسْمائِها(37) * واعْتَبِرِ الصاحبَ بالصاحِبِ(38)

الهامش

(37) كذا في الزرنوجي والنسخ، لكن في الخشاب: بإنمائِها.

(38) جاء في الزرنوجي، قبل هذا البيت، قوله:

إنْ كُنْتَ تبغي العِلْمَ من أهلِه * أوْ شاهدا يُخْبِرُ عن غائبِ

ولاحظ نهاية الفقرة[33] ففيها كلام حول الشخص الذي يُنتخب للمذاكرة.

وأنشد الماوردي، لأبي بكر الخوارزمي:

لا تَصْحَب الكسلان في حالاته * كم صالحٍ بفساد آخَرَ يفسدُ

عدوى البليد إلى الجليد سريعة * والجَمْرُ يُوضَعُ في الرمادِ فيخمُدُ

أدب الدنيا والدين (ص112).

وقال أمير المؤمنين عليه السلام:

فلا تَصْحَبْ أخا الجهل * و إيّاكَ و إيّاه

فكم من جاهلٍ أرْدى * حليما حينَ آخاه

يُقاسُ المَرْءُ بالمَرْءِ * إذا ما هو ماشاه

ولِلقَلْبِ على القَلْب * دليل حين يَلْقاه

وللشيء من الشي * ء مقاييس وأَشْباه

وهو في الديوان (ص122) ورواه القُضاعي في دستور معالم الحكم (ص157).

 

===============

(72)

 [17 - تعظيم العلم وأهله]

وينبغي أنْ يُعَظّمَ العلمَ وأهلَه بالقَلْبِ غايةَ التعظيم.

قيل: <الحُرْمَةُ خَيْر من الطاعَةِ>.

حتّى لَمْ يأخُذ الكتابَ، ولَمْ يُطالِعْ، ولَمْ يَقْرأ الدَرْسَ، إلا مَعَ الطَهارة(39).

[18 - أَدَبُ الكِتابة]

وينبغي أنْ يُجَودَ كتابة الكتاب(40)،

الهامش

(39) لا سيّما الكتب المحتوية على النصوص المقدّسة، كالقرآن الكريم، وتفاسيره، فإنّ ما يؤدّي إلى الاستهانة بها حرام.

وكذلك كتب الحديث الشريف والسُنّة المطهرة، بل يلزم تعظيمها كما نقل عن العلاّمة الفاضل الدربنديّ أنّه كان يُوْلي كتب الحديث الشريف تعظيما

بالغا، حتى كانَ إذا أخذ بيده كتاب <تهذيب الأحكام> للشيخ الطوسي: قبّلَه ووضعه على رأسه، كما يُصْنَعُ بالقرآن الكريم، ويقول: <إنّ كتُب الحديث لها عَظَمةُ القرآن>.

لاحظ: المنتقى النفيس من درر القواميس (ص158).

وأمّا الكون على الطهارة فقد رووا فيه عن مالك بن أنس، أنه قال: كانَ لا يحدّثُ عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إلاّ وهو طاهر. جعفر بن محمّد [ عليه السلام]جامع بيان العلم (1992).

(40) روى الخطيبُ والسمعانيّ، مسندا عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أنّه قال: <الخطّ الحسنُ يزيدُ الحقَ وضوحا> الجامع لأخلاق الراوي (ج1، ص399) رقم 532،

وأدب الإملاء والاستملا ء(ص166)، وفيه: <وضحا> بدل <وضوحا> وفي هذا المصدر كلام عن آداب الكتابة.

وانظر: تدوين السُنّة الشريفة (ص101) فقد أوردنا له تخريجا أوسع.

وأسند الخطيبُ إلى أبي عثمان، عمرو بن بحر الجاحظ قال: قال أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب [عليه السلام]: <الخطّ علامة، فكلّما كانَ أبْيَنَ كانَ أحْسَنَ>.الجامع لأخلاق الراوي (ج1، ص400) رقم 535.

وقال عليه السلام : <الخطّ لسان اليد>. معجم ألفاظ غرر الحكم (خطط).

 

===============

(73)

 ولا يُقَرْمِطَ(41) ويترك الحاشية(42) إلا عند الضرورة، لاِضنّه إنْ عاشَ

الهامش

(41) قال ابن منظور: قَرْمَطَ في خَطْوِه: إذا قارب ما بين قَدَمَيْه ... والقرمَطَةُ في الخطّ: دقّة الكتابة وتداني الحروف، وقرمَطَ الكاتبُ إذا قارب بين كتابته. لسان العرب (2529) مادّة (قرمط).

فالنّهي عن القرمطة، بمعنى عدم الكتابة الدقيقة، التي يصعب قرأتها عند الحاجة. وأما ما ورد من الأمر بالقرمطة فيما رواه الخطيب عن عليّ أميرالمؤمنين أنّه قال لكاتبه عُبَيْد الله بن أبي رافع: <ألِقْ دِواتَك، وأطِلْ سِنَ قَلمِكَ، وأفْرِجْ بين السّطور، وقَرْمِطْ بينَ الحروف>. الجامع لأخلاق الراوي (4031) رقم 540. وأرسله في لسان العرب (قَرْمَطَ) وفيه: <فَرجْ ما بين السّطور وقرْمط ما بين الحروف>.

فالمراد التقريب بين حروف الكلمة الواحدة، فإنّ الفصل الكثير بينها مؤد إلى الوهم والتصحيف، كما لا يخفي.

(42) المقصود من <ترك الحاشية> عدم كتابة شي على هوامش الكتاب، بعنوان التوضيح أو التعليق، فإنّ فِعْل الطالب المتعلّم ذلك، يؤدّي إلى تشويه الكتاب، مَعَ أن ما يكتبه ليس بالجودة والقوّة اللازمة، بحيث يُرْتضى - حتى من قبله هو - بعدَ هذه المرحلة.

فالأولى اجتناب ذلك، والكتابة في دفتر منفصل.

 

===============

(74)

 نَدِمَ، وإنْ ماتَ شُتِمَ(43).

[19 - أَدَبُ السماع]

وينبغي أنْ يستمع العِلْمَ بالتعظيم والحرمة، لا بالاسْتهزاء.

[20 - الاعتماد على الاُستاذ]

ولا يختارُ نَوْعا من العِلْم بنفسِه، بَلْ يُفَوضُ أمْرَه إلى اُسْتاذِه، لأنَ الاُسْتاذَ قد حَصَلَ له التجاربُ في ذلك عند التحصيل، وعَرَفَ ما ينبغي

لكُلّ واحدٍ، وما يليقُ بطبيعتِه(44).

[21 - التأدبُ مَعَ الاُستاذ]

وينبغي لِطالبِ العلم أنْ لا يجلسَ قريبا من الاُستاذ عند السبق، بغير (عذر إلاّ للضّرورة)(45)، بَلْ ينبغي أنْ يكونَ بينَه وبينَ الاُستاذِ قَدَرُ القوسِ، لاِنَه أقربُ إلى التعظيم(46).

الهامش

(43) ومن اَداب الكتابة :تركها بعد العصر، وقد روي:< من اكرمَ حبيبتيه فلايكتبْ بعد العصر > رواه السخاويفيالمقاصد الحسنة،وقال : ليس فيالمرفوع .

اقول : ذكر المولى صدرالمتالّهين في تفسيره (1 358) في الحديث :( من احب ّ كريمتاه لايكتبنّ بالعصر> كذا فيه :<كريمتاه> بالألف ويمكن تخريجه على اسنعمال المثنى بالألف دائماً كما هي لغة ، لكنّ احتمال التحريف وارد، والمشهور عندنا: < من احب ّ كريمتيه فلا يقرا بعد العصر>.

 وقال في تذكرة الموضوعات (ص 162): اوصى احمد ان لا ينظر بعده - اي بعد العصر - فيكتاب، وعن الشافعيّ: الورّاق إنّما باكل من دية عينيه.

(44) لاحظ الفقرة [15] وما نقلنا في هامشها.

(45) ما بين القوسين من (ف) وفي النسخ: بغير ضرورة.

(46) ذكر الزرنوجي ما يرتبط بهذه الفقرة في بداية الفقرة [19]فقال: ومن تعظيم العلم: تعظيمُ المعلّم.

قال علي عليه السلام: <أنا عَبدُ مَنْ علّمني حرفا واحدا، إنْ شاءَ باع، وإنْ شاءَ أعْتَقَ، وإنْ شاء اسْترقّ>.

===============

(75

ولم أقف على هذا الحديث في غير هذا الكتاب، إلاّ أنّ المشهور على ألْسِنة المشايخ رحمهم الله يتداولونه مرسلا عنه عليه السلام أنّه كان يقول: <مَن علّمني حرفا فقد صيّرني عبدا>.

وأرسل الشهيد قوله صلى الله عليه وآله وسلم : <مَنْ علَمَ أحدا مسألةً ملك رِقَه>. قيل له: أيبيعه ويشتريه?

قال: [ لا ] بل يأمُرُه وينهاه>. في منية المريد (ص243) ونقله محقّقه عن إجازة ابن أبي جمهور الأحسائي، بلفظ: قال سيّدُ العالمين: <مَنْ علّمَ ...> وفيه وردت كلمة [ لا ] التي وضعناها بين المعقوفين. نقل ذلك عن بحار الأنوار (ج108، ص16).

وبالنسبة إلى تعظيم الاُستاذ المعلّم:

روى الخطيب بسنده إلى محمّد بن سلام الجمحي قال: قال عليّ بن أبي طالب عليه السلام : <من حقّ العالم عليك:

أنْ تُسَلمَ على القوم عامَةً، وتخصّه دونَهم بالتحيّة.

وأنْ تجلس أمامه.

ولا تُشيرَنَ عنده بيدك.

ولا تغمِزَنّ بعينيك.

ولا تقولَنَ <قال فلان> خلافا لقوله.

ولا تغتابنَ عنده أحَدا.

ولا تسارّ في مجلسه.

ولا تأخذ ثوبَه.

==============ص76

ولا تلحَ عليه إذا كَسَلَ.

ولا تعرض من طول صُحبته، فإنّما هو بمنزلة النخلة تنتظرُ متى يسقطُ عليك منها شي.

وإنّ المؤمنَ العالم لأعظمُ أجْرا من الصائم، القائم، الغازي في سبيل الله.

وإذا مات العالِمُ انثلَمَتْ في الإسلام ثُلمة لا يَسُدها شي إلى يوم القيامة>. الجامع لأخلاق الراوي (3001 - 301) رقم 350.

ورواه القاضي القضاعي في دستور معالم الحكم في بداية الباب السابع (ص107 - 108) بتقديم وتأخير في بعض الفقرات.

ورواه من أصحابنا البرقي في المحاسن (ص233) في كتاب مصابيح الظلم، باب (19) حقّ العالم، الحديث (185) بسنده عن الصادق عليه السلام قال: كان

علي عليه السلام يقول: <إنّ من حقّ العالم أنْ ...>. ورواه الكليني في الكافي (291) كتاب فضل العلم، باب حقّ العالم، إلى

قوله: <في سبيل الله>. وأرسله باختلاف في منية المريد (ص234).

وأسند ابنُ عبد البرّ إلى سعيد بن المسيّب، عن عليّ بن أبي طالب عليه السلام قال: <إنّ من حقّ العالم:

أنْ لا تُكثر عليه بالسؤال.

ولا تعنّتْه في الجواب.

وأن لا تلحَ عليه إذا كسل.

ولا تأخذ بثوبه إذا نهضَ.

ولا تُفْشِينَ له سرّا.

ولا تغتابنَ عنده أحدا.

========ص77

ولا تطلبنَ عَثْرتَه.

وإنْ زلَ قبلتَ معذرتَه.

وعليك أنْ توقّرَه وتعظّمَه لله، مادام يحفَظُ أمر الله.

ولا تجلس أمامه.

وإنْ كانتْ له حاجة سبقْتَ القومَ إلى خدمته>.

جامع بيان العلم (ج1، ص129).

وفي (رسالة الحقوق) المرويّة عن الإمام زين العابدين عليه السلام: <وحق سائِسِك بالعلم: التعظيمُ له، والتوقيرُ لمجلسه، وحُسْنُ الاستماع إليه، والإقبالُ عليه.

وأنْ لا ترفع عليه صوتك، ولا تجيبَ أحدا يسألُه عن شيٍ، حتى يكون هو الذي يُجيبُ، ولا تُحدث في مجلسه أحدا، ولا تغتابَ عندَه أحدا.

وأنْ تدفعَ عنه إذا ذكر عندك بسوءٍ، وأن تستر عيوبَه وتُظْهرَ مناقبه.

ولا تجالسَ له عدوّا، ولا تُعادي له وليّا.

فإذا فعلتَ ذلك شَهدَتْ لك ملائكةُ الله جلَ وعَزَ بأنّكَ قصدتَه وتعلمتَ علمه لله جلّ اسمُه، لا للناسِ>. رسالة الحقوق، الفقرة (السادسة عشرة) وانظر شرح رسالة الحقوق،

للقبانجي (4091 - 438).

وأخبرني بعض طُلاّب العلم من أهل اليمن، أنّ استاذَه المغفور له، صديقنا العلاّمة السيّد يحيى بن عبد الله راوية، كان يتلو عليه هذه الأبيات غير منسوبة:

إصْبِرْ على مُر الجفا من معلّمٍ * فإنّ رسوب العلم في نفراتِه

فَمَنْ لَم يذُقْ مُرَ التعلّم ساعةً * تجرّع مُرَ الجهل طول حياتِه

ومن فاتَه التعليم وَقْتَ شبابه * فكَبر عليه معلِنا لوفاتِه

حياةُ الفَتى - والله - بِالعِلم والتقى * إذا لم يكونا، لا اعْتبارَ بذاتِه

 

===============

(78)

 [22 - أخلاق الطالب]

وينبغي لطالب العلم أنْ يحتَرِزَ عَن الأخْلاق الذَميمة، فإنّها كِلاب معنويّة، وقال رسولُ الله صلىالله عليه وآله وسلم: <لا تدخُلُ الملائِكةُ بيتا فيه كَلْب أوْ

صُوْرَة>(47).

الهامش

(47) الحديث بهذا اللفظ مذكور في مسند أحمد (831) والجامع الصغير للسيوطي ( 2/ 200). ورواه ابن أبي جمهور الأحسائي في الفصل العاشر من عوالي اللاَلي (ج1،

ص261) بدون: <أو صورة>. وأرسل الفاضل المقداد السيّوريّ في <كنز العرفان في فقه القرآن> (2/ 309 ) حديثا طويلا في صدره: أنّ جبرئيل نزل على النبي صلى الله عليه وآله وسلم وقال: <إنّا معشر الملائكة لا ندخل بيتا فيه صورة ولا كلب ...> الحديث.

والمراد من إيراد الحديث ليس هو ظاهره، بل - كما ذكره بعض شرّاح العوالي - : المراد بالملائكة: المعارف الإلهيّة، والمراد بالبيت: القلب، والمراد بالكلب: الصفات الذميمة.

فالمعني: أنّ العلم لا يستقرّ في قلب مَنْ تملّكتْ من قلبه الأخلاقُ الذميمة. ]وقد ذكر المؤلّف بعضَ الصفات الذميمة والأخلاق السيّئة في الفقرة [10]و.[49]

وأفضل كتاب يُفيد الطالب والعالم هو كتاب <أدب الدنيا والدين> للماوردي، فإنّه عظيم الفائدة، غنيّ المادّة، قويّ العبارة، وواضح الدلالة.

وقد حثّ الرسول والأئمة :، الناس كافةً على امتلاك الأخلاق الحسنة والكريمة، وإليك بعض ما روى في ذلك: ممّا روي واشتهر عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قوله: <إنّما بُعِثتُ لاُتممَ مكارم الأخلاق>

رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق ومعاليها (ص1) وهو أوّل أحاديثه.

===============

(79

وروى الخطيب عن الحسين بن عليّ عليه السلام، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : <إنّ الله يحبّ معاليَ الأخلاق وأشرافها، ويكْرَه سفسافها>. الجامع لأخلاق الراوي (1371). ورواه الخرائطي عن سهل بن سعد الساعدي في مكارم الأخلاق (ص1) بدون: وأشرافها.

وقال عليّ بن أبي طالب عليه السلام: <إنّ الله تعالى جعل مكارم الأخلاق ومحاسنها وصلا بينه وبينكم، فحسب الرجل أنْ يتّصل من الله تعالى بخُلُقٍ منها>. ذكره في أدب الدنيا والدين (ص226).

وقال عليه السلام: <تعلّموا العلم، وتزيّنوا معه بالوقار والحلم، وتواضعوا لمن تتعلّمون منه، ولمن تعلّمونه، ولا تكونوا جبابرةَ العلماء فيذهب باطلكم حقّكم>

وفي لفظ: <... فلا يقوم علمكم بجهلكم>. جامع بيان العلم (1411).

وعن عليّ عليه السلام، قال: <إذا تعلّمتم العلم فاكظموا عليه ولا تخلطوه بضحك وباطل، فتمجّه القلوب> رواه ابن عبد البرّ في جامعه (1411)، ورواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (2321).

وقال عليه السلام: <إذا ضحكَ العالم ضحكةً مجَ من العِلْمِ مَجَةً> رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص302).

وممّا قاله أمير المؤمنين عليه السلام منظوما:

إنّ المكارمَ أخلاق مُطهرة * فالدينُ أوّلها والعقل ثانيها

والعلمُ ثالثُها والحلمُ رابعُها * والجود خامسُها والفضل ساديها

والبِر سابعها والصبر ثامنُها * والشكرُ تاسعها والليْنُ باقيها

والنفس تعلم أنّي لا اُصادِقُها * ولستُ أرشُدُ إلا حينَ أعْصيها

 

===============

(80

وهو في الديوان (ص123) ورواه في أدب الدنيا والدين (ص30) باختلاف وزيادة.

وقال عليه السلام - وهو أجدر بطالب العلم أن يكون عليه - :

ومحترسٍ عن نفسه خوف ذِلةٍ * تكون عليه حُجّةً هيَ ماهيَا

فقلّصَ بُرديْه وأفضى بِقلبه * إلى البرّ والتقوى فنال الأمانِيَا

وجانب أسباب السفاهةِ والخنا * عَفافا وتنزيها فأصبح عالِيَا

وصانَ عن الفحشاء نفسا كريمةً * أبَتْ همّةً إلا العُلى والمعالِيَا

تراه إذا ما طاشَ ذوالجهل والصِبا * حليما وَقُورا صائن النفسِ هادِيَا

له حِلْمُ كهلٍ في صرامة حازِم * وفي العينِ إنْ أبصرتَ أبصرت ساهيَا

يَروق صفأُ الماءِ منه بوجهه * فأصبحَ منه المأ في الوجه صافِيَا

ومن فضله يرعى ذِماما لجارِه * ويحفظ منه العَهدَ إذ ظلَ راعِيَا

صبورا على صرف الليالي وَدَرْئها * كتوما لأسرار الضمير مُدارِيَا

له همّة تعلو على كلّ همّةٍ * كما قد علا البدرُ النجومَ الدراريَا

وهو في الديوان (ص128 - 129)

 

 

===============

(81)

 الفصل الرابع

في الجدّ والمواظبة والهمَة

[23 - الجدّ في الطَلَب]

ثمَ لابُدَ لطالب العِلْمِ من الجدّ، والمواظبة والملازَمة.

قيل: <مَنْ طَلَبَ شيئا وَجَدَ وَجَدَ، ومَنْ قَرَعَ بابا وَلَجَ وَلَجَ>((48)).

وقيلَ: <بقَدْرِ ما تتعنّى(49) تنالُ ما تَتَمنَى>(50).

الهامش

(48) قال الماوردي: روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: <بالصّبر يتوقّعُ الفرَجُ، ومَنْ يُدْمِنْ قرْعَ البَابَ يَلجْ> أدب الدنيا والدين (ص279).

وفي المنقول من حكم أمير المؤمنين عليه السلام قوله: <اطلب تجد> معجم الفاظ غرر الحكم (ص641).

(49) كذا في بعض النسخ والزرنوجي، وكان في (ف) ونسخ اُخرى والخشاب: سعى.

(50) قال أبو الحسن موسى الكاظم عليه السلام لبعض ولده: <... وإيّاك والضجر والكسل، فإنّهما يمنعانك حظك من الدنيا والاَخرة> عن كتاب الحسن بن محبوب السراد في مستطرفات السرائر (ص80).

وفي حديث وصيّة النبي لعليّ :: <يا علي ... لا تمزَحْ فيذهبُ بهاؤك، ولا تكذب فيذهب نورك وإيّاك وخصلتين: الضجر، والكسل، فإنْ ضجرت لم تصبر على حق، وإن كسلت لم تؤدّ حقّا> كتاب من لا يحضره الفقيه (3524، ح5762).

وروى القضاعي قول أمير المؤمنين عليه السلام:

إصْبِرْ على مضض الإدْلاج بالسَحَرِ * وفي الرواح إلى الحاجات والبُكَرِ

لا تَيْئَسَنَ ولا تُحْزِنْكَ مَطْلَبة * فالنُجْحُ يَتْلَفُ بين العَجْزِ والضَجَرِ

إنّي رأيتُ وفي الأيّام تجربَة * للصَبْرِ عاقبةً محمودَةَ الأثَرِ

وقلَ مَنْ جَدَ في أمْرٍ يُطالبُه * واسْتَصْحَبَ الصَبْرَ إلا فازَ بالظَفَرِ

دستور معالم الحكم (ص8 - 159).

ونقل الماوردي البيت الثاني فقط في أدب الدنيا والدين (ص64) وهو عنده: لا تعجَزنّ ولا تَدْخلك مضجرة فالنجحُ يهلك ...

 

===============

(82)

 وقيلَ: <يُحتاجُ في التعلم إلى جِدّ الثلاثة:

المتعلّم، والاُستاذ، والأب - إنْ كان في الحياة - >(51).

الهامش

(51) قال الزرنوجي: واُنْشِدْتُ - وقيل: إنّه لعليّ بن أبي طالب عليه السلام - :

ألا لا تَنالُ العِلْمَ إلاّ بِسِتّةٍ * سأُنبيك عن مجموعها بِبَيانِ

ذكاء وحِرْص واصْطِبار وبُلْغَة * وإرشادُ اُسْتاذٍ وطُوْلُ زَمانِ

وقال عليه السلام:

لو كانَ هذا العلمُ يحصَلُ بالمُنى * لما كانَ يبقى في البريَة جاهلُ

إجْهدْ ولا تكسَلْ ولا تكُ غافلا * فندامة العُقْبى لمن يتكاسلُ

وهو في الديوان (ص97).

قال الشاعر - وهو من شواهد العربيّة - :

اُطْلُبْ ولا تضجَر من مَطْلَبِ * فآفةُ الطالبِ أنْ يضْجرا

أما ترى الحَبْلَ بِتكراره * في الصَخْرة الصمّأ قَد أثّرا

مغني اللبيب لابن هشام (ص519) الشاهد (741) و (ص763) الشاهد (999) وقال المعلّق: لم يذكر قائله، وقد أهمله السيوطي.

وقال الإمام موسى الكاظم عليه السلام: <من ترك التماس المعالي لانقطاع رجائه فيها لم ينَلْ جسيما. ومن تعاطى ما ليس من أهله، فاتَه ما هو من أهله، وقعد به ما يرجوه من أمَله. ومن أبْطَرَتْه النعمةُ وقره زوالها>. في نزهة الناظر (ص60).

 

===============

(83)

 [24 - المواظبة على الطَلَب]

ولابُدَ لطالب العلمِ من المواظَبةِ على الدرس. والتكرارِ في أوّل الليل وآخره، فإنَ ما بينَ العشائين، ووَقْتَ السحر، وَقْت مبارَك. وقيلَ: <مَنْ أسْهرَ نفسه بالليل فقد فَرَحَ قلبه بالنهار>.

ويغتنم أيّامَ الحداثة، وعُنفوان الشباب(52).

الهامش

(52) قال أمير المؤمنين عليه السلام: <قَلْبُ الحَدَثِ كالأراضي الخالية، ما اُلْقيَ فيها من شيٍ قبِلَتْه>. رواه الماوردي في أدب الدنيا والدين (ص57)

 وقال: وإنّما كانَ كذلك لأنّ الصغيرَ أفْرَغُ قلبا، وأقل شُغْلا، وأيْسَرُ تَبذلا، وأكْثَرُ تواضُعا.

وقال الإمام عليه السلام شعرا:

حَرضْ بَنيك على الاَداب في الصِغَرِ * كَيْما تقِرَ به عَيْناكَ في الكِبَرِ

وإنّما كامِلُ الاَدابِ يجمَعُها * في عُنفوان الصِبا كالنقش في الحَجَرِ

هيَ الكُنوزُ التي تَنْمُو ذخائِرُها * ولا يُخافُ عليها حادِثُ الغِيَرِ

الناسُ إثْنانِ ذُو علمٍ ومُسْتمع * واعٍ وسائرهمْ كاللَغْوِ والعُكَرِ

وهو في الديوان (ص68).

 

 

===============

(84)

وروى ابن عبد البرّ أنّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: <مَنْ تعلّم العلم وهو شاب، كانَ كَوَشْمٍ في حَجَرٍ، ومن تعلّم العلم بعدما يدخل في السِنّ، كانَ كالكِتاب على ظهر الماء>. جامع بيان العلم (821).

وروى عن أبي عبيد الله نِفْطوَيْه ، أنّه أنشدَ لنفسه: جامع بيان العلم (41 - 85).

أرانيَ أنسى ما تعلّمتُ في الكِبَرْ * ولستُ بناسٍ ما تعلّمتُ في الصِغَرْ

وما العلم إلا بالتعلم في الصِبا * وما الحلم إلا بالتحلم في الكِبَرْ

ولو فُلِقَ القلبُ المعلَم في الصِبا * لاُلْفيَ فيه العلمُ كالنقش في الحَجَرْ

وللسيد محمد صالح القزويني (المتوفى عام 1375ه-)وهومن كبار خطباء كربلاء المقدسة وشعرائها العلماء:

العلم زينتكم يا معشر البشر * به رقيت العلى فارقوا على اثرى

إني طلبت العلى جدا ومجتهدا * ألا بجهدى سأرقى هالة القمر

 تزينوا بفنون العلم فى الصغر * العلم فى الصغر كالنقش فى الحجر

نصيحة هامّة:وقد أثار الشيخ ابن إدريس نُكْتةً مهمّة، فيها نصيحة هامّة للمُحدَثين من طلاب العلم الذين يشتغلون بالتحصيل وهم أحداث يافعون، لكنّهم بفضل ما مهدَه لهم الأوّلون من وسائل التحصيل وأسباب الوصول إلى أفضل النتائج بأسهل سبيل، قد يستدركون على مَنْ سبقَ من الأساتذة والعلماء والمحقّقين ما لم ينتبه إليه أحدهم، أو زلّت فيه أقلامهم، أو سَهتْ عنه أعيُنهم، أو غفلت عنه أذهانهم، فليس له أن يتبجّحَ ويغترّ، أو يظنّ أن حظّه من العلم أوفر، فقال الشيخ ابن إدريس في ذلك ما نصّه:ولا ينبغي - لمن استدرك على مَنْ سَلَفَ، وسبق إلى بعض الأشياء - أنْ يرى لنفسه الفضل عليهم، لأنّهم إنّما زلّوا - حيث زلّوا - لأجل أنّهم كدّوا أفكارهم، وشغلوا زمانهم في غيره، ثمّ صاروا إلى الشي الذي زلّوا فيه بقلوبٍ قد كلّتْ، ونفوسٍ قد سَئِمتْ، وأوقاتٍ ضيّقة.ومن يأتي بعدَهم فقد استفاد منهم ما استخرجوه، ووقف على ما أظهروه، من غير كد ولا كُلْفةٍ، وحصلتْ له بذلك رياضة، واكتسب قوّةً.فليس بِعَجَبٍ - إذا صار إلى حيثُ زَلّ فيه مَنْ تقدَمَ، وهو موفورُ القِوى، متّسعُ الزمان، لم يلحقه مَلَل، ولا خامرَه ضَجَر - أنْ يلحظ ما لم يلحظوه، ويتأمّلَ ما لم يتأمّلوه ولذل زاد المتأخرون على المتقدّمين.

ولهذا كثرت العلوم بكثرة الرجال، واتّصال الزمان، وامتداد الاَجال. فربّما لم يُشبع القول المتقدّم في المسألة، على ما أورده المتأخرون، وإنْ كان - بحمد الله - بهم يُقتدى، وعلى أمثلتهم يُحتذى. غفر الله لهم، ولنا، ولجميع المؤمنين، آمين ربّ العالمين. السرائر، لابن إدريس (6523 - 653) ومستطرفات السرائر (ص166 - 167).

 

===============

(85)

 ولا يُجْهدْ نَفْسَه جُهدا يُضْعِفُ النَفْسَ، وينقطعُ عن العَمَلِ، بل يستعملُ الرِفْقَ في ذلك فإنّ الرِفْقَ أصْل عظيم في جميع الأشياء((53)).

 [25 - الهمّة العالية]

ولابُدّ لطالِب العلم من الهمّة العالية في العلم، فإنّ المَرَْ يطير بِهمَتِه

الهامش

(53) وروى عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: <الرفْقُ رأسُ الحكمة> رواه الخرائطي في مكارم الأخلاق (ص91) رقم 423.

وقال صلى الله عليه وآله وسلم : <عليكم بالرفق، فإنّه ما خالط شيئا إلا زانَه، ولا فارقه إلا شانَه>. أرسله في نزهة الناظر (ص4) و (ص14).

وقال عليّ عليه السلام من وصيّته لابنه الحسين الشهيدعليه السلام: <يا بُنيّ، رأس العلم الرفق، وآفته الخرق> رواها نزهة الناظر (ص28).

 

===============

(86)

 كالطيْرِ يطيرُ بجناحَيْه.

فلابُدَ أنْ تكونَ همَتُه على حِفْظِ جميع الكُتُبِ ليُحصلَ البَعْضَ.

فأمّا إذا كانَتْ له همَة، ولم يكنْ له جِد، أو كانَ له جد ولم تكُنْ له همَة عالية، لا يحصل له إلا القليلُ من العلم.

[26 - المثابَرة والدقّة]

وينبغي أنْ يَبْعَثَ نَفْسَه على التَحْصيلِ والجِد والمُواظَبةِ، بِالتأملِ في فضائِلِ العُلوم ودَقائِقها وحَقائِقها(54).

فإنَ العلم يَبْقى، وغيرُه يَفْنى(55) فإنَه حَياة أَبَدِيّة.

قيل: <العالِمونَ (لا يموتون) وإنْ ماتُوا فَهمْ أحْياء>(56).

 

الهامش

(54) كلمة <وحقائقها> وردت في بعض النسخ دون بعض.

(55) أضاف الزرنوجي هنا: كما قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام:

رَضِيْنا قِسْمة الجبّار فينا * لنا علم وللأعداء مالُ

فإنّ المالَ يفنى عن قريبٍ * وإنّ العلمَ يبقى لا يُزالُ

وهو في الديوان (ص85).

()56 كذا جاء القول في كتابنا، وما بين القوسين من (ف، و) فقط، وزاد الخشاب في أوّله: <المؤمنون ...> ولم يذكره الزرنوجي، إلا أنّه نقل بمعناه شعرا، فقال:

أنشدنا ظهير الدين المرغيناني شعرا، فقال:

الجاهلونَ فموتى قبلَ موتهمُ * والعالِمونَ وإنْ ماتوا فأحْياءُ

وفي حديث كميل بن زياد النخعي المشهور عن الإمام أمير المؤمنين عليه السلام، المشهور في تفضيل العلم على المال، قال: <العلم خير من المال: لأنّ المال تحرسُه، والعلمُ يحرسُكَ، والمالُ تُفنيه النفقةُ، والعلم يزكو على الإنفاق، والعلم حاكم والمال محكوم عليه. مات خزّان المال وهم

أحياء، والعلماء باقون ما بقي الدهر ...>. رواه ابن عبد البرّ في جامعه (571) وقال: من قول عليّ عليه السلام هذا أخذ

سابقُ البربري قوله:

موتُ التقيّ حياة لا انقطاع لها * قد مات قوم وهم في الناس أحياء

أقول: ومن الشعر الشهير النسبة إلى الإمام أمير المؤمنين عليه السلام قوله:

ما الفضل إلا لأهل العلم أنّهم * على الهدى لمن استهدى أدِلاّءُ

وقَدْرُ كلّ امْرِىٍ ما كان يُحسِنُه * وللرِجال على الأفعال أسْماءُ

وضِدّ كلّ امْرِىٍ ما كانَ يجهلُه * والجاهلونَ لأهل العلم أعْداءُ

فَفُزْ بِعلمٍ ولا تطلب به بَدَلا * فالناسُ مَوْتَى وأهل العلم أحْياءُ

وهو في الديوان (ص16) ونقله ابن عبد البِرّ في جامعه (481) إلا البيت الأخير.

 

===============

(87)

 وكفى بِلَذّةِ العلم داعِيا - لِلعاقِلِ - إلى تَحْصيله.

[27 - الكَسَلْ وأسبابُه وعلاجُه]

وقد يتولّدُ الكَسَلُ من كثرة البَلْغَمِ والرطوبات(57).

وطريق تقليله تقليلُ الطعام، وذلك: لاِضنّ النسيانَ من كثرة البَلْغَمِ،

وكثرةُ البَلْغَمِ من كَثْرة شُرْبِ المأِ، وكَثْرةُ شُرْبِ المأِ من كَثْرة الأكْلِ(58).

الهامش

(57) لاحظ الفقرة .[53]

(58) قال الزرنوجي هنا: قيل: <اتّفقَ سبعونَ نبيّا على أنّ كثرة النِسيان من كثرة البلغم>.

 

===============

(88)

 والخبزُ اليابِسُ يقطع البَلْغَمَ والرّطوبة.

وكذا أ كْلُ الزبيبِ، ولا يُكْثر الأكْلَ منه، حتّى لا يَحْتاجَ إلى شُرْب الماءِ، فيزيدُ البَلْغمُ.

والسِواكُ يُقَللُ البَلْغَمَ، ويزيدُ في الحفظ، والفَصاحَةِ.

وكذا القَيُْ يُقلّلُ البَلْغَمَ والرطوبات.

وطريقُ تقليلِ الأكلِ:

التأملُ في منافعِ قلّة الأكلِ، وهي: الصحةُ، والعفّةُ، وغيرُهما.

والتأمُلُ في مَضار كثْرةُ الأكْلِ، وهي: الأمراضُ وكلالةُ الطَبْعِ، وقلّة الفِطنة((59)).

وقيل: <البِطْنَةُ تُذهب الفِطْنَةَ>(60).

وينبغي أنْ يأكُلَ الأطعمةَ الدسْمةَ(61)، ويُقَدمَ - في الأكْلِ - الألطفَ،

الهامش

(59) قوله (وقلة الفطنة) لم يرد في (ب، و، ع).

(60) قال الماوردي: قد روي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم أنّه قال: <إيّاكم والبطنةَ، فإنّها مفسدة للدين، مُورِثة للسُقْمِ، مَكْسلة عن العبادة>. أدب الدنيا والدين (ص335).

وقال عليّ عليه السلام: <إنْ كُنْتَ بَطِنا، فَعُدَ نفسك زَمِنا>. أدب الدنيا والدين (ص335).

(61) الظاهر أن أثر الأطعمة الدسمة في تقليل الأكل من جهة أنّها تصدمُ الاَكل فيمتنع من الأكل الأكثر، ويحصل بذلك المطلوب.

وقد يُتصوّرُ أنْ أكل الأطعمة الدسمة يقتضي شرب المأ، وقد ذكر الماتن في بداية هذه الفقرة أن كثرة شرب المأ يؤدي إلى كثرة البلغم وهو موجب للنسيان فيُقال: إنّما الغرضُ هنا الإرشاد إلى طريقٍ لتقليل الأكل، وذلك يحصل بتناول الطعام الدسم، فلو عارض ذلك عند شخص يغلب عليه البلغم، فلابدّ له من أنْ يلتجى إلى طريقة اُخرى لتقليل الأكل، فلاحظ.

 

===============

(89)

 والأشهى.

وأنْ لا يَسْعى في الأكْلِ والنوم إلا لغرض الطاعات، كالصلاة، والصوم، وغيرهما.

 

===============

(90)

 الفصل الخامس

في بِدايةِ السبقِ(62) وقَدَرِه وتَرْتيبِه

 

 [28 - وَقْتُ الشروع]

ينبغي أنْ تكونَ بدايةُ السَبْق يومَ الأربعاء، كما قالَ رسولُ الله صلى الله عليه وآله وسلم <ما من شي بُدِىَ في يوم الأربعاء إلاّ وقد تمَ>(63).

الهامش

(62) السَبْقُ: مصدر (سَبَقَ) قال الراغب في المفردات: أصله التقدّم في السَيْرِ، ثم يتجوّز به في غيره من التقدم، ويُستعارُ لإحراز الفضل والتبريز.

أقول: والمرادُ هنا <الدَرْسُ> ولعلّه من أجل كون الدرس منشأً لإحراز الفضل والرّفعة، تسميةً للسبَب باسم المسبَب.

(63) قال الشيخ الشهيد الثاني: <وروي في يوم الأربعاء خبر ...> فأورد هذا الحديث، لاحظ منية المريد (ص266).

وقال الزرنوجي: <كان اُستاذنا شيخ الإسلام برهان الدين يروي في ذلك حديثا فيستدلّ به، ويقول: ...> وأورد هذا الحديث.

وقال الزرنوجي - أيضا - : وهكذا كان يفعل أبو حنيفة، وكان يروي هذا الحديث عن اُستاذه الشيخ الإمام الأجلّ قوام الدين أحمد بن عبد الرشيد.

 

===============

(91)

 قيل: كل عملٍ من أَعمالِ الخير لابُدّ أنْ يوقَعَ يَوْمَ الأربعاءِ(64) وهذا، لأنّ يومَ الأربعاء يوم خُلِقَ فيه النُورُ(65). وهو يوم نحْس فى حق الكُفّارِ، فيكونُ مُبارَكا للمؤمِنينَ(66).

 

الهامش

(64) كذا في النسخ إلاّ (أ) وبعض النسخ، فلم يرد من أوّل السطر إلى هنا فيهما.

(65) جاءفي الحديث (1854) من رياض الصالحين للنووي: <خلق النور يوم الأربعاء انظر كنوز الباحثين، نور: (ص798) ويوم: (845).

وقد روى ابن طاوس عن أبي عبد الله الصادق عليه السلام حديثا فيه: <أما الأربعاءفيوم خلقت فيه النار ...> لاحظ الدروع الواقية (ص58) وانظر الهامش التالي.

(66) روى ابن طاوس في الدروع الواقية (ص58) الفصل (8) عن الإمام الصادق عليه السلام انّه سئل عن سبب الصوم يوم الأربعاءفي وسط الشهر? فقال: <لأنّه لم يعذّب قوم قطّ إلا في أربعاء في وسط الشهر، فنردّ عنا نحسه>.

وروى عن كتاب <علل الشريعة> للحسين بن عليّ بن شيبان القزويني، عن الإمام الرضا عليه السلام قال: <الأربعاء يوم نحسٍ مستمرّ، لأنّه أوّل الأيام وآخر الأيام التي قال الله عزّوجلّ: (سَبْعَ لَيَالٍ وَثَمَانِيَةَ أَيَامٍ حُسُوْما) .[الحاقّة 96 - آية 7]وروى صدره ابن عدي في الكامل (2381) في ترجمة <ابراهيم بن أبي حية، أبو إسماعيل المكّي>.

وروى الزمخشري في <ربيع الأبرار> (831) حديثا نصّه: <آخر أربعاء في الشهر يوم نحس>.

وظاهر هذه الأخبار كون نحوسة الأربعاء عامّا للمؤمن وغيره، وأنّ ورود العذاب فيه على غير المؤمنين علامة لنحوسته العامّة، وهذا يُنافي كونه مباركا

ويبدو لي - في الخروج عن هذا الدخل - أمران:

الأوّل: أنّ النحوسة العامّة إنّما هي في خصوص أربعاء وسط الشهر وآخره كما هو صريح الأخبار، فإنّها قيدت بذلك. وقد ورد في حديث من مسانيد الرضا عليه السلام مرفوع إلى أمير المؤمنين

فيه أنّ رجلا قام إليه فقال: يا أمير المؤمنين، أخبرني عن يوم الأربعاء وتطيرنا منه، وثقله، وأي يومٍ هو?

فقال عليه السلام: آخر أربعاء في الشهور، وهو المحاق، وهويوم قتلِ قابيل هابيل أخاه، ويوم الأربعاء اُلقي إبراهيم عليه السلام في النار ... إلى آخر الحديث وهو طويل، ذكر فيه أربعا وعشرين حادثةً وقعت في يوم الأربعاء. أورد الحديث الصدوق في عيون أخبار الرضا 7 (2401) ح1 ووزّع فقراته في علل الشرائع (ص493) باب 244 ح1 وغيرها، وفي الخصال (ص318 - 319) ح102 و 103 وغيرها. وفي البحار عن العيون والعلل (7510) ح1.

الثاني: أنّ نحوسة الأربعاء إنّما تندفع عن المؤمن بإقدامه على الأعمال الصالحة، ولذا أضاف الإمام بعد حكمه على الأربعاء بأنّه خلقت فيه النار، فقال: <والصومُ جُنّة> أي ندفع بالصوم نحوسة هذا اليوم، فيكون الابتداء بالدرس فيه جُنّة يدفع بها ما في هذا اليوم، ويرد به نحسه، كما يُرد بالصوم.

 

===============

(92)

 [29 - مقدار الدرس وتكراره]

وأمّا قَدَرُ السَبْقِ في الابتداء:

فينبغي أنْ يكونَ قَدَرُ السبقِ للمُبْتَدِىِ قَدَرَ ما يُمْكِنُ ضَبْطُه بالإعادَةِ مرّتينِ، بالرِفْقِ والتَدْريجِ.

فأمّا إذا طالَ السبقُ في الابتداء، واحْتاجَ إلى الإعادة عشر مرّاتٍ، فهو في الانتهاء- أيضا - كذلك، لأنّه يعتاد ذلك، ولا يتركُ تلك العادةَ إلاّ

 

===============

(93)

 بجُهدٍ كثير.

وقد قيلَ: <الدَرْسُ(67) حَرْف، والتكرارُ ألْف>.

[30 - الشروع بالمتون الصغار]

وينبغي أنْ يبتدىَ بشيٍ يكونُ أقربَ إلى فهمه.

والأساتيذُ كانوا يختارونَ للمبتدىء صِغارَ المُتونِ المبسوطةِ(68)، لاِنّها أقْربُ إلى الفهم، والضَبْطِ.

[31 - كتابةُ الدرس]

وينبغي أنْ يُعَلّقَ(69) السبق، بعدَ الضَبْطِ والإعادة كثيرا.

ولا يكتب المتعلّمُ شيئا لا يفهمُه، فإنّه يورِثُ كلالةَ الطبْعِ، ويُذْهبُ الفِطْنةَ، ويضيّعُ أوقاته.

الهامش

(67) في الخشاب و (ب، د): السبق، بدل <الدرس>.

(68) في أكثر النسخ: <صغارات المبسوط>، وفي (ع) المبسوطة، وما أثبتناه تلفيق من عدّة نسخٍ، والمراد: المتون الصغيرة الواضحة العبارة، لما فيها من البسط والتفصيل.

(69) كذا في الزرنوجي وبعض النسخ، وفي بعضها: يتعلّق، وفي آخر: يعوّل، وفي الخشاب: يعقل وفي (ف، و) يتعقّل.

والتعليق: الكتابة على الهوامش، ومنه سُمّي (خطّ التعليق)، وقد يُطلق على مُطلق كتابة الشي واستنساخه، ونقله، وأطلقه بعض المؤلّفين كذلك على كتابة ما ألّفوه.

 

===============

(94)

 [32 - فهم الدرس]

وينبغي أنْ يجتهدَ في الفهم عن الاُستاذ، أو بالتأملِ، والتفكرِ، وكثرة التكْرار، فإنّه إذا قَلَ السبقُ وكَثُرَ التكْرار والتأمل يُدْركُ ويُفْهمُ.

وقيل: <حِفْظُ حرفينِ خَيْر من سماع وَرَقين(70) (وفَهمُ حرفينِ خَيْر من حِفْظ وِقْرين)(71)>.

الهامش

(70) في الزرنوجي: وِقْريْنِ، بدل <ورقين>.

(71) ما بين القوسين ورد في الزرنوجي ونسخة (أ، و، د، ع) لكن في هذه: ورقين هنا. وقد أثبتنا (ورقين) في الموضع الأوّل، و (وِقرين) في الموضع الثاني، لِحاظا للسجْع، فإنّه مع اختلاف الكلمتين أبْدَعُ. وقد جأ القول في (ب) كما أثبتناه.

والوِقْر: الحِمْل الثقيل.

وقد ورد التأكيد في الأحاديث الشريفة على معنى تقديم الفهم على مجرّد الرواية والجمع:

منها قول الإمام أبي عبد الله الصادق عليه السلام: <خَبَر تدريه خَيْر من ألْفٍ ترويه>.

وقوله عليه السلام: <عليكم بالدرايات لا بالروايات>.

وقال عليه السلام: <رواة الكتاب كثير، ورعاته قليل، فكم من مستنسخٍ للحديث مُسْتَغِشٍّ للكتاب، والعلماء تجزيهم الدراية، والجهال تجزيهم الرواية>.

رواها الشيخ ابن إدريس الحليّ في مستطرفات السرائر (ص149 - 150) نقلا عن كتاب (اُنس العالم) للصفواني،

وروى الخطيب البغداديّ بإسناده عن عليّ بن موسى الرضا عن ابيه عن جدّه عن اَبائه عليهم السلام انّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال :< كونوا دراةً ولاتكونوا رواةً، حديث تعرفون فقهه خير من الف حديثٍ تروونه > كتاب نصيحة اهل الحديث للخطيب (ص 4-125).

وفى حلية الأولياء لأبي نعيم (ج ص ) : عن ابن مسعود مرفوعاً :< كونوا للعلم رعاةً ولا تكونوا رواةً > لاحظ فيض القدير (575)الحديث 6434.

 وروى الماوردي عن النبيّ صلى الله عليه وآله وسلم قوله: <همَةُ السفهأ الرواية وهمّةُ العلماء الرعاية>.أدب الدنيا والدين (ص65).

وانظر جامع بيان العلم، لابن عبد البرّ (1272 وما بعدها) وخاصة الصفحات (131 - 132) فقد نقل أشعارا منظومة منها قول عمّار الكلبي:

إنّ الرواةَ على جهلٍ بما حملوا * مثل الجمال عليها يُحمل الودعُ

لا الودع ينفعه حمل الجمال له * ولا الجمال بحمل الودع تنتفعُ

 

===============

(95)

 وإذا تَهاوَنَ في الفَهمِ، ولم يجتَهدْ مرّةً أو مرّتينِ، يَعْتادُ ذلِكَ، فلا يَفهمُ الكلامَ اليسير(72).

فينبغي أنْ لا يَتَهاوَنَ، بل يَجْتَهدَ، ويَدْعُوَ الله تعالى، ويَتَضَرَعَ إليه، فإنَه يُجيبُ مَنْ دَعاه، ولا يُخَيبُ مَنْ رَجاه.

[33 - المُباحثةُ والمُذاكَرة]

ولابُدَ لطالب العلم من المطارحَة(73) والمناظَرةِ.

فينبغي أنْ يكونَ بالإنصافِ، والتأنّي، والتأملِ.

فيحترز عن الشَغَبِ(74) والغَضَبِ، فإنَ المناظرةَ والمذاكرةَ مشاوَرة،

والمشاوَرةُ إنّما تكونُ لاستخراج الصوابِ، وذلك إنّما يحصل بالتأمل

الهامش

(72) راجع للتفصيل عن (الفهم) بحثا ممتعا في أدب الدنيا والدين للماوردي (ص59 - 75)، وممّا جأ فيه (ص79) أنشد المبرّد لبعضهم:

فسَلِ الفقيه تكُن فقيها مثله * لا خيرَ في علمٍ بغير تدَبرِ

وإذا تعسَرتِ الاُمورُ فأرْجِها * وعليك بالأمر الذي لم يَعْسُرِ

(73) في الزرنوجي: المذاكرة والمناظرة والمطارحة، بدل ما في كتابنا. وتتناوب هذه الكلمات في المواضع الاَتية حسب اختلاف النسخ والمراد منها واحد.

(74) في بعض النسخ: التعسف، بدل <الشغب>.

 

===============

(96)

 والإنْصافِ، ولا يحصل ذلك بالغَضَب، والشَغَبِ(75).

وفائدة المطارحة(76) والمُناظرة أقوى من فائدة مجرّد التكرار، لأنّ فيه تكرارا مع زيادةٍ.

قيل: <مُطارحةُ ساعةٍ خير من تكرار شَهرٍ>(77) لكن إذا كانَ مَعَ

الهامش

(75) أضاف الخشاب هنا: والمشقّة.

(76) في نسخة (أ): المباحثة، بدل <المطارحة>.

(77) قد أكّد الأئمة : على المذاكرة في أحاديث كثيرة، منها:

عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، أنّه قال: <تذاكروا، وتلاقوا وتحدّثوا، فإنّ الحديث جلاء للقلوب، إنّ القلوب لترين كما يرين السيفُ، جلاؤها الحديث>. رواه الكليني في الكافي (411) كتاب فضل العلم، الحديث قبل الأخير من الباب (10) سؤال العالم وتذاكره.

وعن أمير المؤمنين عليه السلام قال: <إذا اجتمع المسلمان فتذاكرا غفر الله لأبَشّهما بِصاحبه>. رواه ابن منظور في لسان العرب (2666) طبع صادر، مادة (بشش).

وعنه عليه السلام قال: <تزاوروا، وتذاكروا الحديث، فإنّكم إن لم تفعلوا يَدْرُسْ علمُكم>. رواه في جامع بيان العلم (1011) وانظر تدوين السنّة الشريفة (ص564) فقد خرجناه عن مصادر اُخري.

وقال أبو جعفر الباقرعليه السلام: <رحم الله عبدا أحيى العلم> قيل: وما إحياؤه: قال: <أنْ يذاكر به أهل الدين والورع>. رواه الكليني في الكافي (501) كتاب فضل العلم، الباب (10).

وقال الباقر عليه السلام: <تذاكر العلم دراسة، والدِراسَةُ صلاة حَسَنة>. رواه الكليني في الكافي (501) كتاب فضل العلم، الحديث الأخير من الباب (10) سؤال العالم وتذاكره.

وقال أبو عبد الله الصادق عليه السلام: <القلوبُ تُرْب، والعلم غرسُها، والمذاكرة ماؤها، فإذا انقطع عن التُرْبِ ماؤها جَفَ غرسها>. رواه الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي (4192).

وقال الصادق عليه السلام: <دراسة العلم لِقاح المعرفة> رواه الحلواني في نزهة الناظر (ص56).

 

===============

(97)

 مُنْصِفٍ، سليم الطبْع.

وإيّاك والمذاكرة مع مُتَعنتٍ، غير مُسْتَقيمِ الطبع، فإنّ الطبيعةَ مُسْتَرِقَة(78) والأخلاقَ متعدّيَة، والمجاورة مؤثرة(79).

[34 - التأمل والتدقيق]

وينبغي لطالب العلمِ أنْ يكونَ متأملا - في جميع الأوقات - في دقائِق العلُومِ، ويَعْتادَ ذلكَ، فإنّما يُدْرِكُ الدقائقَ بالتأمل.

ولهذا قيل: <تأمَلْ تُدْرِكْ>(80).

الهامش

(78) في الزرنوجي: مسرقة، وفي بعض النسخ: مسرية.

(79) لاحظ الفقرة [16] وتعليقاتها، حول اختيار الصاحب والشريك.

(80) في الخشاب: <بالتأمُلِ يُدْرَكُ>.

أقول: وكذلك ما يذكره المؤلّفون من قولهم: <فافْهم> وقد اشتهر عند الطلبة أنّ ذلك إشارة إلى بعض الإشكالات الدقيقة، وكانَ بعض الظرفأ يقول: <إنّه أمر بالمحال>

وممّا نسب إلى أمير المؤمنين عليه السلام قوله:

إذا المُشْكِلاتُ تصدّيْنَ لي * كشفتُ حقائقها بِالنَظَرْ

فإنْ برقتْ في مَخِيْل الصواب * عميأَ لا يجتليها البَصَرْ

مُقنَعةً بغيوب الاُمور * وَضعتُ عليها صحيح الفِكَرْ

لسانا كشقشقة الأرحبيّ * أو كالحسام اليماني الذَكَرْ

وقلبا إذا اسْتَنْطَقَتْهالفنو * نُ أبرَ عليها بواه دُرَرْ

ولستُ بإمَعةٍ في الرجالِ * يُسائل هذا وذا ما الخَبَرْ

ولكنّني مِذْرَبُ الأصغرَيْ * ن اُبيّنُ مَعْ ما مضى، ما غَبَرْ

نقله ابن عبد البر في جامع بيان العلم (1132) وقال: قال أبو علي: (المخيل) السحابُ يُخال فيه المطر، والشقشقة ما يخرجه الفحل من فيه عند هياجه، ومنه قيل - لخطبأ الرجال -: شقاشق. وعن ابن مسعود: الإمّعة في الجاهلية الذي يدعى إلى الطعام فيذهب معه غيره ،وروا ه الرضي في خصائص الأئمة(ص 47-48)باختلاف.

 

===============

(98)

 ولابُدَ من التأمل قَبْلَ الكلامِ، حتّى يكونَ صَوابا، فإنَ الكلامَ كالسَهمِ، فلابُدّ من تقويمه(81) بالتأملِ قبلَ الكلام، حتّى يكونَ ذِكره مُصيبا(82).

الهامش

(81) في نسخة (أ) تعوّدٍ وفي نسخةٍ: تقديمه بدل <تقويمه>.

(82) قد ورد عن أهل البيت : حديث كثير عن الكلام وخطورته، نورد بعضه:

قال أمير المؤمنين عليه السلام: <اللسان مِعيار: أطاشَه الجهلُ، وأرجَحَه العقلُ>. رواه الماوردي في أدب الدين (ص265).

وقال عليه السلام: <إذا أراد الله صلاح عبد، ألْهمه قلّة الكلام، وقلّة الطعام وقلّة المنام>. معجم غرر الحكم (ص1329) رقم (872).

وقال عليه السلام شعرا:

إنّ القليل من الكلام بأهله * حَسَن وإنّ كثيره ممقوتُ

ما زلّ ذو صَمْتٍ وما منْ مُكْثرٍ * إلاّ يزل وما يُعاب صَمُوتُ

إنْ شُبّه النُطقُ المبينُ بفضّةٍ * فالصّمتُ دُر زانَه ياقوتُ

وهو في الديوان (ص59).

وسيأتي في الفقرة[59] بيان مذامّ الإكثار من الكلام، وما ورد فيه من الحديث فلاحظ التعليقة (45 و 48) هناك.

وممّا قيل في الصمت والكلام:

الصمتُ زيْن والسكوتُ سلامة * وإذا نطقتَ فلا تكن مِكثارا

فلئنْ ندمتَ على سكوتك مرَةً * فلتندمنَ على الكلامِ مِرارا

 

===============

(99)

 في (اُصول الفقه): هذا أصْل كبير، وهو: أنْ يكونَ كلامُ الفقيه لمُناظِره(83) بالتأمل.

[35 - الاسْتِفادَةُ]

ويكون مُسْتفيدا في جميع الأحْوالِ والأوْقاتِ، ومن جميع الأشْخاصِ.

قال رسول الله 6: <الحكمة(84) ضالّةُ المؤمِنِ أينما وَجَدَها أخذها>(85).

الهامش

(83) كذا الصواب ظاهرا، وفي أكثر النسخ (المناظر) وفي (ف، ب، و) (المناظرة)

والمراد: أنّ الكلام مع المناظر لابدّ أن يكون بعد التأمّل والدقّة.

(84) اُضيف هنا قوله: < - أي العلم - > في الخشاب فقط، وكأنّه إدراج من كاتبه، لتفسير الحديث. وقد ورد في هامش (ب).

(85) نقل هذا الحديث الراغب الاصفهاني في محاضراته ( 5 / 511) إلا أنّه قال: <قيّدَها> بدل <أخذها>. ورواه المناوي في كنوز الحقائق ( 1 / 121 ) بدون ذيله: <أينما ... إلى آخر الحديث>.

وورد قوله: <الحكمة ضالَة المؤمن> في الحكمة (80) من الحكم التي جمعها الرضي من كلام أمير المؤمنين عليه السلام في نهج البلاغة، مذيّلا بقوله: <... فَخُذ الحِكمةَ ولو من أهل النفاق>. فراجع نهج البلاغة (ص481) رقم 80 من الحكم.

ومن كلامه عليه السلام: <الحكمة ضالَةُ كُلّ مؤمنٍ، فخذوها ولو من أفواه المُنافقين>.

وقوله عليه السلام: <خذ الحكمة أنّى كانت، فإنّ الحكمة ضالّةُ كلّ مؤمنٍ>.

رواهما الاَمدي في غرر الحكم، فراجع: معجم ألفاظ غرر الحكم (ص و 629).

 

===============

(100)

 وقيل: <خُذْ ما صَفا، ودَعْ ما كَدر>.

وليسَ لِصحيحِ البَدَنِ والعَقْلِ عُذْر في تَرْك التعَلمِ.

[36 - الشكْرُ والدعاء]

وللمتعلّم أنْ يشتغلَ بِالشكر، باللسانِ، والأرْكانِ: بأنْ يرى الفَهمَ والعلمَ من الله.

ويُراعيَ الفُقراءَ بالمالَ وغيره.

ويَطْلُبَ من الله التوفيقَ والهدايةَ، فإنّ الله تعالى هادٍ لمن(86) اسْتَهداه. (وَمَنْ يَتَوَكَلْ عَلَى الله فَهوَ حَسْبُه)(87) ويهديه إلى صراطٍ مُسْتقيم.

 الهامش

(86) في أكثر النسخ <هادي مَن>.

(87) اقتباس من الاَية (3) من سورة الطلاق: (65).

 

===============

(101)

 [37 - علوّ الهمّة بنبذ الطمعِ والبخلِ]

وينبغي لطالب العلم أنْ يكونَ ذا همَةٍ عاليةٍ: لا يطمعُ في أموال الناس.

قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : <إيّاكَ والطَمَعَ فإنَه فَقْر حاضِر>(88).

ولا يَبْخَلُ بما عندَه من المال، بَلْ يُنْفِقُ على نفسه وعلى غيره(89).

الهامش

(88) كذا رواه الزرنوجي، والماوردي في أدب الدنيا والدين (ص314) قال: روي أنّ رجلا قال: يا رسول الله، أوصني? قال: <عليك باليأس ممّا في أيدي الناس، وإيّاك ...>. ورواه في كنوز الحقائق (911) وفيه: الفقر الحاضر.

ومن حكم الإمام أمير المؤمنين عليه السلام: <إنّ أكرم الناسِ مَنْ اقتنى اليأس ولزم القنوعَ والورعَ، وبرِى من الحرص والطمع، فإنّ الطمعَ والحِرصَ الفقرُ الحاضر، وإنّ اليأسَ والقناعة الغنى الظاهر>. رواه في غرر الحكم ودرر الكلم، راجع معجم ألفاظه (ص1313) رقم (701).

وقال الإمام زين العابدين عليه السلام: <ترك طلب الحوائج إلى الناس هو الغِنى الحاضر>. رواه في نزهة الناظر (ص43).

(89) ومن الشعر المنسوب إلى أمير المؤمنين عليه السلام قوله:

لا تخضعنَ لمخلوقٍ على طمَعٍ * فإنّ ذلك وَهن منك في الدينِ

واسترزِقِ الله ممّا في خزائنه * فإنّما الأمرُ بين الكاف والنونِ

إنّ الذي أنتَ ترجوه وتأمُلُه * من البرية مسكينُ ابنُ مسكينِ

ما أحْسنَ الجود في الدنيا وفي الدين * وأقبح البخل في مَنْ صيغ من طينِ

وهو في الديوان (ص114).

وقال عليه السلام:

دَعِ الحِرْصَ على الدنيا * وفي العَيْش فلا تَطْمَعْ

ولا تجمع من المال * فلا تدري لمَنْ تجمَعْ

ولا تدري أفي أرضك * أمْ في غيرها تُصْرَعْ

فإنَ الرزقَ مقسوم * وسوُ الظَن لا يَنفعْ

فقير كل من يَطْمَعْ * غنى كل من يَقْنَعْ

وهو في الديوان (ص77).

وقال عليه السلام في ذمّ البخل:

إذا اجتمعَ الاَفات فالبخلُ شرها * وشر من البُخل المواعيدُ والمَطْلُ

ولا خيرَ في وَعْدٍ إذا كان كاذبا * ولا خيرَ في قولٍ إذا لم يكُنْ فِعْلُ

وإنْ كُنتَ ذا عَقْلٍ ولم تكُ عالِما * فأنْتَ كذي رِجْلٍ وليس له نَعْلُ

ألا إنّما الإنسانُ غِمْد لعقله * ولا خيرَ في غِمْدٍ إذا لم يكنْ نصْلُ

وهو في الديوان (ص93).

 

===============

(102)

 قال النبي صلى الله عليه وآله وسلم : <الناسُ كلهم في الفَقْرِ مَخافَة الفقرِ>(90).

وكانوا في الزمان الأوّل يتعلّمونَ الحِرْفَةَ، ثُمَ يتعلّمونَ العِلْمَ، حتّى لا يطمعُوا في أموال الناس(91).

وفي الحكمة: <مَن استغْنى بِمال الناس، افْتَقَرَ>.

والعالِمُ إذا كانَ طامِعا، لا تَبْقى له(92) حُرْمة العِلمِ،

الهامش

 (90) رواه الزرنوجي كذلك، ولم نقف على تخريج له.

(91) راجع للتفصيل حول احتراف السلف من أهل العلم، الجامع لأخلاق الراوي ( 1/ 142 - 145) الأحاديث (47 - 52). وانظر أدب الدنيا والدين للماوردي (ص91 - 92).

(92) في (أ): لا يرعى، بدل (لا تبقى له).

 

===============

(103)

 فلا يقول بالحقَ(93).

[38 - التقدير للتكرار]

وينبغي لطالب العِلْمِ أنْ يُعِدَ وَيُقَدرَ لنفسه تقديرا في التكرار، فإنّه لا يستقر قلبه(94) حتّى يَبْلُغَ ذلك المبْلَغ.

وينبغي أنْ يُكَررَ سبق الأمْسِ خمسَ مرّاتٍ، وسبق اليوم. الذي قبل الأمْسِ أرْبَعَ مرّاتٍ، وسبق الذي قبلَه ثلاثا، والذي قبلَه اثْنتينِ، والذي قبلَه واحدةً.

فهذا أدْعى إلى الحفظ(95).

[39 - المخافَتةُ والإجْهارُ عند التكرار]

وينبغي أنْ لا يعتادَ المخافتةَ(96) في التكرار، لأنّ الدرسَ والتكرارَ لابُدّ أنْ يكونا بقوّةٍ ونِشاطٍ.

ولا يشتغلُ في حال نُعاسٍ، أو غَضَبٍ، أو جُوعٍ، أو عَطَشٍ، ونحو] (97).[ذلك

الهامش

(93) في (ف) وبعض النسخ: فلا يقول الحق، والجملة ساقطة من (ع).

(94) في (أ): نفسه، بدل <قلبه>.

(95) اُضيف هنا في (ع) وبعض النسخ: <والتكرار> ولم يوردها الزرنوجي.

(96) في الخشاب: المخافة، وفي آخر: المخالفة.

(97) ما بين المعقوفين ورد في (ع) فقط.

 

.

===============

(104)

 ولا يَجْهرُ جَهرا، ولا يُجْهدُ نَفْسَه(98) لئِلاّض (يَتَنَفّرَ و)((99)) ينقطع عن التكرار. فخَيْرُ الاُمُورِ أوْسَطُها(100).

الهامش

(98) كذا في الزرنوجي، وارتبكت النسخ في إثبات هذه الجُملة بشكلٍ غريب:

ففي الخشاب: <ولا يجتهد بهذا الجهد نفسه> ومثله في نسخة (أ) إلا أنّ فيها: <ولا يجهد ...> بدل <لا يجتهد ...> وفي بعض النسخ: <ولا يجتهد جهدا نفسه> وفي آخر: <ولا يجتهد جهدا ليجهد نفسه>. وقوله (ولا يجهر جهرا) ساقط من (ف).

وما ذكرناه هو الصواب، لأنّه أنسب لمقابلة المخافتة المذكورة في صدر الفقرة.

(99) هذه الكلمة من (ف، و).

(100) هذه الجملة من الأحاديث الأربعين المعروفة ب-<سلسلة الإبريز> المنقولة راجع: شرح البداية]بالسند العزيز، من رواية (14) أبا من المسلسلات بالاَبأ .[للشهيد الثاني (ص130) وهو الحديث (36) منها، ونصّها مطبوع في: لوامع الأنوار في جوامع العلوم والاَثار، للسيد مجد الدين ( 3/ 328- 332) وأثبته كما في المتن وقد طبعها مشروحة مخرجة السيّد محمّد جواد الحسيني الجلالي باسم (سلسلة الإبريز بالسند العزيز) فلاحظ (ص59) و (ص103) وفيهما: <أوساطها> ونقل في هامشه عن بعض النسخ: <أوسطها>. وله تخريج عن الشعب للبيهقي، فلاحظ الجامع الصغير (2 / 69) وكنوز الحقائق بهامشه (1 / 124 )

=======ص105

والأربعون الابريزية هذه مشهورة اتّصلت بها الاجازات، فلاحظ: فهرس الفهارس والأثبات للكتاني (ص948) وذكر له شرحا باسم: القول الوجيز في شرح سلسلة الابريز، للعلامة النمازي الَيمني المتوفى سنة (675) وقال: موجود بالمكتبة التيمورية بمصر (انظر عدد 280 من قسم المجاميع).

قال الكتاني: وقد سبق لي أن خرّجت متون الأحاديث المذكورة بسندٍ واحد مسلسل بالأشراف منى إلى سيّدنا عليّ وحفظها عني جماعة الأصحاب بالمشرق والمغرب. وهي أربعون حديثا، قصيرة الألفاظ، كثيرة المعاني، تكلم عليها الشيخ السخاوي في <شرح الألفية> وغيره. اُنظر: فهرس الفهارس (ص978).

ورواه الماوردي في أدب الدين والدنيا (ص28) بلفظ: <أوساطها>.

وورد في الحديث أنّ النبي صلى الله عليه وآله وسلم نهى عن الشُهرتَيْنِ: الثياب الحسنة التي يُنظر إليه بها، والدنيئة الرثّة التي يُنظر إليه بها، وقال: <أمرا بين الأمرين، وخير الاُمور أوساطها>. نقله الخطيب في الجامع لأخلاق الراوي والسامع (6031) رقم 192.

وأسند الكليني عن الإمام أبي الحسن الكاظم عليه السلام أنّه: لَقِيَ الرشيدَ - حين قدومه المدينة - على بَغْلةٍ، فاعترض عليه في ذلك

فقال عليه السلام: <تطأطأتْ عن سُمُوّ الخَيْلِ، وتجاوزتْ قَمَأ العِيْر، وخيرُ الاُمور أوسطها> رواه في الكافي (5406) وأرسله في الدُرّة الباهرة (ص3) وفيه: خيلا الخيل، وارتفعتْ عن ذلّ العِيْر. وأرسله ابن أبي جمهور في عوالي اللاَلى (2961) الحديث 199.

وروى الماوردي عن أمير المؤمنين عليه السلام أنّه قال: <خير الاُمور النَمَطُ الأوسطُ، إليه يرجع العالي، وبه يلحق التالي> أدب الدنيا والدين (ص28).

وقال الشاعر:

عليك بأوْساط الاُمور فإنّها * نجاة ولا تركبْ ذلولا ولا صَعْبا

وأنشد السيّد العلاّمة مجد الدين المؤيّدي الحسني شيخنا في الإجازة، قوله:

عليك بأوساط الاُمور فإنّها * سَبيل إلى نيل المراد قويمُ

ولا تكُ إمّا مُفْرِطا أو مُفرّطا * كِلا طرفَيْ قصدِ الاُمور ذميمُ

في لوامع الأنوار (ج1، ص26).

 

===============

(106)

 [40 - المداومة على الطلب]

ولابُدّ له من المداومة في العلم، من أوّل التحصيل إلى آخر العُمُر(101).

 الهامش

 (101) حول <وقت التحصيل> لاحظ: الفصل السابع، من كتابنا.