أهمّية علم البلاغة
دور علماء الشيعة في توسيع هذا العلم
خصائص الكتاب
و أهمّ هذه الخصائص
المطلب الأوّل: في تعريف البلاغة و تقسيمها
المطلب الثانى:
في موضوع علم البلاغة
المطلب الثالث: في الغرض من تدوين هذا العلم
المطلب الرابع: في وجه انحصار ما يبحث عنه في البلاغة في الفنون الثلاثة
اسئلة و تمرينات
تعريف علم المعاني
النوع الأوّل: الكلام الخبري
أغراض الجملة الخبرية
أضرب الخبر
تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر
الإلتفات
2- الاسلوب الحكيم
التعبير عن المضارع بلفظ الماضي و عكسه
النوع الثاني: الكلام إنشائي
اقسام الإنشاء
1. الأمر
2.
النهي
3. الاستفهام
أ- ) الهمزة
خصائص همزة التصوّر
خصائص همزة التصديق
ب) هل الإستفهامية
خاتمه: في بيان أمرين
اسئلة و تمرينات
1. الحذف
دواعي الحذف و أسبابه
2. الذكر
اسئلة و تمرينات
1. التعريف
1) التعريف بالإضمار
2) التعريف
بالعلم
3) التعريف باسم الإشارة
4) التعريف باسم الموصول
5) التعريف باللام
2. التنكير
اسئلة و تمرينات
التقديم
الحالة الأُولى: في تقديم المسند إليه
الحالة الثانية: في تقديم غيرالمسند إليه
اسئلة و تمرينات
التقييد بالوصف
التقييد بالعطف
التقييد بالشرط
استعمال «إن» موقع «إذا»
استعمال «إذا» موقع «إن»
اسئلة و
تمرينات
تعريف القصر
طرق القصر
تقسيمات القصر
تنبيهات
اسئلة و تمرينات
تمهيد
تعريف الفصل و الوصل
مواضع الفصل
مواضع الوصل
تنبيهان
اسئلة و تمرينات
تمهيد
الفصل الأوّل: المساواة
الفصل الثاني:
الإيجاز
الفصل الثالث: الإطناب
محصّلات الإطناب
خاتمة
اسئلة و تمرينات
1. تعريف علم البيان
3. الغرض من تدوينه
تعريف التشبيه
أركان التشبيه
تقسيمات التشبيه
أغراض التشبيه
شروط التشبيه
أسئلة و تمرينات
أقسام المجاز
الفصل الأوّل: في المجاز اللفظي (اللغوي)
أقسام المجاز اللفظي
القسم الأوّل: المجاز المرسل
علاقات
المجاز المرسل
القسم الثاني: الإستعارة
العلاقة بين التشبيه و
الإستعارة
أركان الاستعارة
تقسيمات الإستعارة
تنبيهات متعلّقة بالتقسيم
الفصل الثاني: في المجاز العقلي (المجاز في
الإسناد)
ملابسات المجاز العقلي
قرينة المجاز العقلي
تنبيهان
الفصل الثالث: في المجاز في الحذف
أسئلة و تمرينات
تعريف الكناية
أركان الكناية
تقسيمات الكناية
التعريض
أسئلة و تمرينات
1. تعريف علم البديع
2. موضوع علم البديع
3.
الغرض من تدوينه
4. أبواب علم البديع
المحسّنات المعنوية
المحسّنات اللفظية
أسئلة و تمرينات
الحمدللّه و الصّلاة و السّلام على أنبياءاللّه، لا سيّما رسوله الخاتم و آله
الطيّبين الطاهرين المعصومين.
أمّا بعد، لا شكّ انّ إصلاح المناهج الدراسية المتداولة في الحوزات العلمية و
المعاهد الدراسية في العصر الحاضر ـ الذي عُرف بعصر ثورة المعلومات ـ بات حاجة
ملحّة يقتضيها تطوّر العلوم وتكاملها عبر الزمان، وظهور مناهج تعليمية وتربوية
حديثة تتوافق مع الطموحات و الحاجات الإنسانية المتجدّدة.
و هذه الحقيقة لم تعد خافية على القائمين على هذه المراكز، فوضعوا نصب أعينهم إصلاح
النظام التعليمي في قائمة الأولويات بعد أن باتت فاعليته رهن إجراء تغييرات جذرية
على هيكليّة هذا النظام.
و يبدو من خلال هذه الروءية أنّ إصلاح النظام الحوزوي ليس أمرا بعيد المنال، إلاّ
أنّه من دون إحداث تغيير في المناهج الحوزوية ستبوء كافّة الدعوات الإصلاحية بالفشل
الذريع، و ستموت في مهدها.
و المركز العالمي للدراسات الإسلامية ـ الذي يتولّى مهمّة إعداد المئات من الطلاّب
الوافدين من مختلف بقاع الأرض للاغتراف من نمير علوم أهل البيت عليهمالسلام شرع في
الخطوات اللاّزمة لإجراء تغييرات جذرية على المناهج الدراسيّة المتّبعة وفق
الأساليب العلميّة الحديثة بهدف عرض الموادّ التعليميّة بنحو أفضل، الأمر الذي لا
تلبّيه الكتب الحوزويّة السائدة؛ ذلك انّها لم توءلّف لهدف التدريس، وإنّما أُلّفت
لتعبّـر عن أفكار موءلّفيها حيال موضوعات مرّ عليها حُقبة طويلة من الزمن و أصبحت
جزءاً من الماضي.
و فضلاً عن ذلك فانّها تفتقد مزايا الكتب الدراسيّة التي يراعى فيها مستوى الطالب و
موءهّلاته الفكريّة والعلميّة، و تسلسل الأفكار المودعة فيها وأداوءها، واستعراض
الآراء و النظريات الحديثة التي تعبّر عن المدى الذي وصلت إليه من عمق، بلغة عصرية
يتوخّى فيها السهولة و التيسير و تذليل صِعاب المسائل مع احتفاظها بدقّة العبارات و
عمق الأفكار بعيداً عن التعقيد الذي يقتل الطالب فيه وقته الثمين دون جدوى.
و انطلاقاً من توجيهات كبار العلماء و المصلحين و على رأسهم سماحة الإمام الراحل
قدسسره ، و تلبية لنداء قائد الثورة الإسلامية آية اللّه الخامنئي ـ
مدّظـلهالوارف ـ قام هذا المركز بتخويل «مكتب التخطيط و تدوين المناهج الدراسيّة»
مهمّة تجديد الكتب الدراسيّة السائدة في الحوزات العلميّة على أن يضع له خطة عمل
لإعداد كتب دراسيّة تتوفّر فيها المزايا السالفة الذكر.
و قد بدت أمام المكتب المذكور ـ و لأوّل وهلة ـ عدّة خيارات:
1. اختصار الكتب الدراسيّة المتداولة من خلال انتقاء الموضوعات التي لها مساس
بالواقع العملي.
2. إيجازها و شحنها بآراء و نظريات حديثة.
3. تحديثها من رأس بلغة عصرية وإيداعها أفكار جديدة، إلاّ أنّ العقبة الكأداء التي
ظلّت تواجه هذا الخيار هي وقوع القطيعة التامّة بين الماضي والحاضر، بحيث تبدو
الأفكار المطروحة في الكتب الحديثة و كأنّها تعيش في غربة عن التراث، و للحيلولة
دون ذلك، لمعت فكرة جمع الخيارات المذكورة في قالب واحد تمثّل في المحافظة على
الكتب الدراسيّة القديمة كمتون و شرحها بأُسلوب عصري يجمع بين القديم الغابر و
الجديد المحدّث.
و بناء على ذلك راح المكتب يشمّر عن ساعد الجدّ و يستعين بمجموعة من الأساتذة
المتخصّصين لوضع كتب و كراسات في المواد الدراسيّة المختلفة، من فقه و أُصول و
تفسير و كلام و فلسفة و رجال و حديث و أدب و غيرها.
و كانت مادّة البلاغة من الموادّ التي رأينا أنها بحاجة إلى وضع كتاب جديد فيها،
يتناسب مع تطلعات المركز، فوقع اختيارنا على الكتاب الذي بين يديك، نظرا لاحتوائة
على جلّ المطالب البلاغية المفيدة، بعبارة سلسلة متناسقة، و لخلوه عن التعقيدات
اللفظية، والاستطردات الجانبية.
و لا ننسى أن نتقدم بالشكر الجزيل للمؤلف العزيز حجةالاسلام و المسلمين، سماحة
الشيخ معين دقيق العاملي للجهود التي بذلها في جعل هذا الكتاب يتوافق مع المطلوب
كمّا و كيفا، و الاصلاحات التي أضافها على الطبعة الثانية من الكتاب، كما لا ننسى
بتقديم الشكر للأساتذه الذين أبدوا جملة من الاقتراحات المفيدة.
و ختاما، نوجّه الدعوى لجميع المخلصين مع ذوي الخبرة باتحافنا بآرائهم البناءة، فإن
الخطوات الأولى عادة تصحبها بعض العقبات و النواقص.
الحمدللّه الذي خلق الإنسان، علَّمه البيان، بعد أن أنزل القرآن، فجعل فيه لكلّ
شيء تبيانا. و صيّره في الفصاحة غاية، و في البلاغة نهاية، بحيث عجزت عن مضاهاته
ألسنة البلغاء، و أقرّت بعلوّ شأنه منابر الخطباء.
ثمّ الصلاة و السلام على من أوتي فصل الخطاب، و كان أفضل مخلوق نطق بالضاد، خاتم
الأنبياء و المرسلين، و حبيب إله العالمين، سيّدنا و نبيّنا محمّد، و على آله
الأطهار، و الأئمة الأخيار، مخازن العلم، و معادن الحكمة.
علم البلاغة من أشرف علوم الأدب و أهمّها. كيف؟ و القرآن و هو المعجزة الإلهية
الخالدة، قد تحدّى ببلاغته كلّ خطيب مصقع، و كلّ أديب مبدع. فلم يتصدّ للإتيان بما
يوازيه أو يدانيه، واحد من بلغاء العرب و فصحائهم، على الرغم من أنّهم كانوا أكثر
من حصى البطحاء، و أوفر عدداً من رمال الصحراء.
و نحن أبناء هذا العصر كيف يمكن لنا أن نصدّق بذلك تصديقاً عملياً، إن لمنطّلع على
مسائل هذا الفنّ، لنرى بعين اليقين خلود هذه المعجزة على مرّ الليالي و الأيام.
و تشتدّ الحاجة لهذا العلم، لمن أراد أن يشتغل بالروايات الواردة عن النبي و أهل
بيته صلوات اللّه عليهم أجمعين، ليستنبط منها الأحكام الشرعيّة، و القوانين
الإلهية، فإنّ كلامهم على جانب كبير من البلاغة و البيان؛ إذ هو دون كلام الخالق، و
فوق كلام المخلوق. و لذا نجد في سِيَر الكثير من فقهائنا عدم اكتفائهم بدراسة هذا
العلم، بل تعدّوه إلى مطالعة الكثير من المتون الأدبية. و ما ذلك إلاّ ليحصلوا على
ملكة في البيان و الأسلوب، يستطيعون بها درك مغازي الأحاديث و مفادها.
و عليه، فلا يصغى إلى مقالة بعض أبناء العصر، من الذين تاهوا الطريق، فقادوا حملة
ضدّ هذا العلم، مدّعين عدم أهمّيته، و ضرورة الإعراض عن دراسته، حتّى اغترّ
بمقالتهم جملة من المبتدئين، ألهمنااللّه و إيّاهم إلى جادة الصواب.
يبحث في البلاغة ـ كما هو معلوم ـ عن فنون ثلاثة: المعاني و البيان و البديع. و كلّ فنٍّ منها قد اشتهر فيه جملة من العلماء، وضعوا أركانه، و شيّدوا بنيانه. و قد كان لعلمائنا ـ رضواناللّه عليهم ـ قصب السبق في هذه الفنون الثلاثة. فعلم المعاني و إن اشتهر نسبته إلى الشيخ عبد القاهر الجرجاني(ت 471 ه)، كما نصّ على ذلك جلال الدين السيوطي في كتابه الأوائل، إلاّ أنّ الإمام المرزباني (ت 378 ه) قد سبقه في التصنيف في هذا العلم، فإن له كتاب «المفضل في علم البيان و الفصاحة»(1)، الذي قال عنه ابن النديم في فهرسه: إنّه نحو ثلاثمائة ورقة.
1. البيان في ذلك العصر يطلق على المعاني و البيان.
و الإمام المرزباني هذا، من علماء الشيعة و محدّثيهم، كما نصّ على ذلك اليافعي
في تاريخه، حيث قال:
«أخذ عن ابن دريد، و ابن الأنباري العلوم الأدبية، و هو صاحب التصانيف المشهورة، و
المجامع الغريبة، و رواية الأدب، و صاحب التآليف الكثيرة. ثقة في الحديث، قائل
بمذهب التشيّع، و شعره قليل لكنّه من الجيد ...».(1)
و ذكره ابن خلكان بمثل ما ذكره اليافعي بلا تفاوت حتى في التشيع. و هو صاحب كتاب ما
نزل من القرآن في علي عليهالسلام .(2)
أما البديع، فالمشهور بين مؤرخي الأدب ، أن واضعه الخليفة العباسي، عبداللّه بن
المعتز بن المتوكل(ت 296 هـ )، و أنه دَوَّنَه سنة 274 هـ في كتابه الموسوم
بالبديع.
و الحق أنّ هذه النسبة غير متيقّنة؛ و ذلك لأن الأصل فيها دعوى ابن المعتز نفسه،
حيث قال في كتابه الآنف الذكر:
«و ما جمع قبلي فنون الأدب أحد، و لا سبقني إلى تأليفه مؤلف، و ألفته سنة أربع و
سبعين و مائتين، فمن أحب أن يقتدي بنا، و يقتصر على هذا فليفعل، و من أضاف من هذه
المحاسن أو غيرها شيئاً من البديع، و ارتأى غير رأينا فله اختياره».(3)
1. نقلاً عن تأسيس الشيعة ص: 94.
2. المصدر السابق ص: 168.
3. المصدر السابق ص: 168.
مع أن معاصره قدامة بن جعفر الكاتب الشيعي، صنّف في ذلك كتاب نقد الشعر، المعروف
بنقد قدامة، و هو أكبر من ابن المعتز سنّاً، فيحتمل قوياً سبق قدامة على ابن المعتز
في التصنيف، و إن كان ابن المعتز قد سبقه بالتسمية.
و يؤيد ذلك، أن ابن المعتز جمع في كتابه سبعة عشر نوعاً من أنواع البديع، بينما
قدامة بن جعفر، جمع منها عشرين نوعاً، توارد معه على سبعة منها، و سلم له ثلاثة
عشر.
و كيف كان فقد تكامل لهما ثلاثون نوعاً، ثم اقتدى بهما الناس في التأليف، إلى أن
وصل إلى نابغة زمانه في هذا الفن؛ صفي الدين الحلي(ت 750 ه)، و الذي جمع في قصيدته
المشهورة، في مدح الرسول صلىاللهعليهوآله ، الموسومة بـ (الكافية البديعية في
مدح خير البريّة) جمع فيها مائة و خمسين نوعاً، و هو أول من ابتدع البديعية و
شرحها، ثم تبعه على ذلك جماعة من العامّة و الخاصّة.
الكتاب الذي بين يديك، كان في الأصل دروساً ألقيتها على طلاب المرحلة الأخيرة من
دراسة المقدمات. أحببت أن أجمعها في كتاب، بعد أن قمت بتهذيبها، و ترتيبها، و
تبويبها من جديد، لكي تكون الفائدة أعم، و النفع منها أشمل.
و حاولت قدر المستطاع أن أجعله متميزاً بجملة من الخصائص الإيجابية. مستعيناً على
ذلك باللّه تعالى، و مستفيداً من خبرتي المتواضعة، و تجاربي الخاصة، التي قضيتها
في تدريس هذه المادة لسنوات خلت، بحيث أصبحت نوعاً ما، قادراً على التمييز بين ما
ينفع طالب هذه المادة، و بين ما يذهب جفاء.
1. خلوّه عن الاستطراد، فإن كل ما يبحث فيه مرتبط إرتباطاً وثيقاً بالبلاغة، بل
هو من صميمها. بينما هذه الميزة غير متوفّرة في جملة من الكتب البلاغية، خصوصاً
القديمة منها، حيث كثر فيها الاستطراد في مسائل خارجة عن الفن، بل لاترتبط به بصلة
كالمسائل الفلسفية و الأصولية و الرياضية، بل و الطبية أيضاً.
2. اشتماله على تمرينات، تساعد الطالب على تطبيق القواعد البلاغية، التي تلقّاها
بصورة نظرية، فلا يكون جامداً على التعاريف، بل يستطيع أن يتجاوز منها إلى
المصاديق. فيُرجى منه و الحالة هذه، أن يساهم في جعل الطالب بليغاً، كما يكون قد
ساهم في جعله عالماً بفنّ البلاغة.
3. خلوصه عن الإشكالات اللفظية، التي قد تؤدي الى صرف ذهن الطالب عن المطلب
الأساسي. و هذه مشكلة وقعت فيها كلّ الكتب البلاغية، التي هي شرح لمتن، فإنها
بطبيعة الحال، تكثر فيها الإشكالات اللفظية من الشارح على الماتن.
4. كان ترتيبه بحيث لايتوقف فهم السابق منه على اللاحق. و هذه خصيصة مهمة؛ لأن
المطلب السابق، المرتبط بأبحاث يأتي استيفاؤها لاحقاً، يؤدي إلى تشويش الفكرة، و
عدم وضوحها وضوحاً تامّاً لدى الطالب.
5. طرحت فيه المسائل البلاغية بأسلوب متوسط بين الاُسلوب العلمي، و الاُسلوب
الأدبي. و ذلك لأن طرحها بالأسلوب العلمي الجاف، لا يتناسب مع طبيعة المادة. و
طرحها بالاُسلوب الأدبي السلس، لايتناسب مع كتاب معدّ للدراسة.
6. لَمَّا كانت الصناعة إنما وضعت لفهم القرآن الكريم، و الوقوف على إعجازه من
الناحية البلاغية، فقد استبدلت الشواهد الشعرية المعقّدة، بشواهد قرآنية، و أكثرت
منها، حتى كادت أن تبلغ الآيات المستشهد بها في هذا الكتاب الخمسمائة.
7. تبويب علم المعاني في هذا الكتاب، مخالف للتبويب المتعارف عند علماء البلاغة، و
ذلك لأن التبويب القديم مستوجب للتكرار، حيث تجد أن نكات الحذف ـ مثلاًـ تذكر مرّة
في باب المسند إليه، و أخرى في باب المسند، و ثالثة في باب متعلقات الفعل، و كذا
الحال في غيره من الأحوال. و فراراً عن هذا المحذور، جعلت نفس الحذف باباً، و تكلمت
عن نكاته مطلقاً، سواء كان في المسند إليه، أم المسند، أم غيرهما.
و لهذه و لغيرها من الخصائص، نرجو مناللّه العليّ العظيم، أن يستطيع دارس هذا
الكتاب، أن يفهم البلاغة على حقيقتها، و يبرع فيها، إذا ما تتبع مسائله، و حلّ
تمارينه، بتأمل و روية.
و مع كل ما ذكر، لا يخلو هذا الكتاب من أخطاء و اشتباهات، سببها قلّة الزاد، و قصر
الباع، فنستميح القارئ الكريم عذراً، إذا ما مرّ على قصور أو تقصير فيها « والعذر
عند كرام النّاس مقبول ».
و أخيراً أسألاللّه تعالى، أن يجعل هذا العمل المتواضع، خالصاً لوجهه الكريم، و
أن يتجاوز عن سيئاتي، و يغفر لوالديّ و أساتذتي، و جميع من له حقّ عليّ، و أن
يحشرنا مع محمد، و آله الطاهرين، صلواتاللّه عليهم أجمعين، و الحمد للّه ربّ
العالمين.
يبحث في البلاغة عن فنون ثلاثة: المعاني و البيان و البديع. و قبل الخوض في
البحث عنها، عقدنا تمهيداً يحتوي على مطالب أربعة رئيسية:
البلاغة لغة تنبىء عن الوصول و الانتهاء، يقال: بلغ فلان مبتغاه؛ إذا حقّقه و
وصل إليه. قال تعالى: «فَإذَا بَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ»(1) أي: قاربنه، و وصلن إليه.
و اصطلاحاً: يتّصف بها الكلام و المتكلم فقط، دون المفرد؛ إذ لم يسمع عن العرب
وصفهم المفرد بالبلاغة. و لعلّ السرّ في ذلك: أنّ الكلمة قاصرة بمفردها عن الوصول
بالمتكلم إلى مراده.
1. البقرة: 234.
ذكر لها تعاريف و حدود متعددة، أخصرها و أرتبها من الناحية الفنية ما ذكره الخطيب القزويني (ت 739 ه)، و تبعه عليه جلّ من تأخّر عنه. و هي:
«مطابقة الكلام لمقتضى الحال مع فصاحته»
و يفهم منه أنّ البلاغة تعتمد على ركنين أساسيين:
أحدهما: مطابقة الكلام لمقتضى الحال.
و الحال: هو الأمر الداعي للمتكلم إلى أن يعتبر مع كلامه الذي يؤدي به أصل المراد
خصوصية ما.
أو فقل: هو الدافع أو المناسبة التي تملي على المتكلم أن يورد كلامه على صورة
مخصوصة من صور التعبير.
و مقتضى الحال: هو كلي الكلام المشتمل على تلك الخصوصية، التي اقتضاها و استدعاها
الحال.
و الكلام المطابق لمقتضى الحال: هو ذلك الكلام الخاص، الصادر من المتكلم، و المشتمل
على تلك الخصوصية. فيكون هذا الكلام الخاص مطابقاً لمقتضى الحال، باعتباره فرداً من
أفراد ما اقتضاه الحال.
فإنكار و تكذيب أصحاب القرية للرسولين، كما اُشير إليه في قوله تعالى: «إِذْ
أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما»(1) حال يقتضي الرد عليهم بكلام
مؤكّد بمطلق تأكيد، و هذا هو مقتضى الحال. و قول الرسل لهم بعد ذلك: «إِنّا
إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ» مؤكداً بإنّ، كلام مطابق لمقتضى الحال.
ثانيهما: فصاحة الألفاظ، مفردها و مركبها.
1. يس: 14.
فلو طابق الكلام مقتضى الحال، و لم تكن ألفاظه فصيحة، لما كان بليغاً. و لذا توقف تحقق البلاغة على تحقق الفصاحة، و اشتهر قولهم: «كلّ بليغ فصيح، و ليس كلّ فصيح بليغاً». و سيأتي عن قريب شرح للفصاحة و أقسامها.
يتّصف المتكلم بالبلاغة، إذا كان ذا قدرة على التعبير عن مقصوده بكلام فصيح،
مطابق لمقتضى الحال، في أيّ غرض أراد، و أي وقت شاء، مع فقدان المانع، من مرض و نوم
و نحوهما.
و إنّما يكون كذلك، إذا كان ـ مضافاً إلى ما سيذكر في الفصاحة ـ محيطاً بأساليب
العرب، عارفاً بِسَنَنِ تخاطبهم في منافراتهم و مفاخراتهم، و مديحهم و هجائهم، و
شكرهم و اعتذارهم، فيجعل «لكل مقام مقالاً، و لكل موقف خطاباً».
ثمّ إنّه قد تبيّن لك أن التعرّف على الفصاحة أمر ضروري في المقام، لما تقدّم من
توقّف تحقّق البلاغة عليها.
الفصاحة في اللغة لها استعمالات كثيرة، يجمعها معنى واحد، هو الظهور و الإبانة.
قال تعالى: «وَ أَخِى هارُونَ هُوَ أَفْصَحُ مِنِّى لِسَاناً»(1) أي: أبين.
و في الاصطلاح يتّصف بها ثلاثة اُمور:
المفرد، و الكلام، و المتكلم.
1. القصص: 34.
أمّا الفصاحة في المفرد فتتحقّق بسلامته من اُمور ثلاثة:
1. تنافر الحروف: و هو «وصف في الكلمة تثقل بسببه على اللسان، و يعسر
النطق بها». و من ذلك كلمة «الهعخع» فيقول إعرابي سئل عن ناقته، فقال: «تركتها ترعى
الهعخع»، حيث لايكاد اللسان يتلفّظ بها بسهولة.
و الضابط في تمييز الكلمة المتنافرة عن غيرها، هو الذوق السليم، الناجم عن الاطّلاع
على الألفاظ المتداولة عند الفصحاء. أما نوعية الحروف الداخلة في تركيب الكلمة، فلا
يصلح أن يكون ضابطاً؛ لعدم اطّراده. فإنه قد تتركّب كلمتان من نفس الحروف، و تكون
إحداهما ثقيلة دون الأخرى. و ذلك مثل «علم، و ملع» فإنّ الاُولى خفيفة على اللسان،
و لاينبو عنها الذوق، بخلاف الثانية، مع اتحاد حروفهما.
2. الغرابة: و هي «كون الكلمة وحشية؛ غير ظاهرة المعنى، و لا مأنوسة
الاستعمال». و المدار في ذلك على العرب العرباء، لا المولدين، و إلاّ لخرج كثير من
قصائد العرب، بل جلّها عن الفصاحة.
و من ذلك «تكأكأتم و افرنقعوا» في قول عيسى بن عمرو النحوي: «ما لكم تكأكأتم عليّ
كتكأكئكم على ذي جنّة، افرنقعوا عنّي». فإنّ هاتين الكلمتين لعدم تداول استعمالهما
في لغة الخلّص من العرب، لم يذكرهما من اللغويين إلاّ من شذّ.
3. مخالفة القياس: و ذلك بأن تكون الكلمة غير جارية على القانون الذي يتقرّر
به حكم المفردات اللغوية، من حيث الهيئة التصريفية.
و المفردات اللغوية يتقرّر حكمها بأحد أمرين:
الأوّل: القانون التصريفي، فلو اقتضى ادغاماً في الكلمة، فجاءت على خلاف
ذلك، كانت خارجة عن حيّز الفصاحة. كالأجلل في قول أبي النجم:
الحمدُ للّه العليّ الأجلَلِ الواحدِ الفردِ القديم الأوّلِ فإن القانون الصرفي
يقتضي أن يقال الأجلّ، لاجتماع المثلين، و تحرّك الثاني، و هو يقتضي الإدغام، و لكن
الضرورة الشعرية ألجأته لفكّه. و ذلك لايمنع من تحقّق الإخلال بالفصاحة.
الثاني: ثبوت الاستعمال الكثير، و لو كان على خلاف القياس، إذ هو كالاستثناء
من القانون، ككلمة «سرر» في قوله تعالى: «مُتَّكِئينَ عَلى سُرُرٍ مَصْفُوفَة»(1)،
فإنّ القياس في جمع سرير هو الأسرَّة، أي يجمع على أفعلة و فعلان، مثل أرغفة. لكن
جاءت مخالفة القياس لدليل، و هو ثبوت الاستعمال الكثير.
و أما الفصاحة في الكلام فتتحقق بعد فصاحة مفرداته، بسلامته من اُمور أربعة؛ بعضها
راجع إلى اللفظ، و البعض الآخر راجع إلى المعنى.
فأمّا الراجع الى اللفظ فأمران:
أحدهما: تنافر الكلمات، و هو أن تكون الكلمات ثقيلة على اللسان في حالة
اجتماعها، و إن كانت كلّ واحدة منها سهلة النطق إذا أخذت لوحدها، و نطق بها
مستقلّة، كالبيت الذي أنشده الجاحظ:
و قبرُ حربٍ بمكانٍ قفرُ و ليس قربَ قبرِ حربٍ قبرُ
1. الطور: 20.
ثانيهما: ضعف التأليف، و هو أن يكون الكلام جارياً في تركيبه على خلاف
القانون المشهور عند جمهور النحويين. كعود الضمير على متأخر لفظاً و رتبةً في قول
سليط بن سعد:
جزى بنوه أبا الغيلانِ عن كبرٍ و حُسنِ فعلٍ كما يجزى سِنّمارُ و
أما الراجع إلى المعنى فأمران أيضاً:
أحدهما: التعقيد اللفظي، و هو أن يكون في الكلام صعوبة في فهم المعنى
المراد، بسبب الخلل الواقع في نظم الكلام و تركيبه، و ذلك بأن تكون ألفاظه على خلاف
ترتيب المعاني بالتقديم و التأخير، و الفصل بين المتلازمين، أو نقص منها بالحذف
الموجب للفساد. و من هذا الباب قول الفرزدق في مدح خال هشام بن عبدالملك:
و ما مثلُه في الناسِ إلاّ مملكاً أبو أمِّه حيّ أبوه يقاربه
الذي قال عنه المبرّد: «إنه أقبح الضرورة، و أهجن الألفاظ، و أبعد المعاني. و كان
ينبغي أن يقول إذا أراد وضع الكلام في موضعه: و ما مثله في الناس حي يقاربه إلاّ
مملك، أبو أم هذا المملك أبو هذا الممدوح، فدلّ على أنه خاله بهذا اللفظ البعيد، و
هجّنه بما أوقع فيه من التقديم و التأخير».
ثانيهما: التعقيد المعنوي، و هو أن يكون في الكلام صعوبة في فهم المعنى
المراد، لعدم انتقال الذهن بسهولة من المعنى الأصلي الموضوع له اللفظ، إلى المعنى
الملابس له، المراد للمتكلم. و ذلك بسبب عدم تعارف الاستعمال، مع خفاء القرائن. كما
لو قلت: «نشر الملك ألسنته في المدينة» مريداً جواسيسه.
و من هذا الباب قول العباس بن الأخنف:
سأطلبُ بعدَ الدارِ عنكم لتقربوا و تسكبُ عينايَ الدموعَ لتجمدا
حيث عبّر عن الفرح و السرور، الناتج عن دوام لقاء الأحبّة، بجمود العين. و قد أخطأ
في هذا التعبير؛ لأن الانتقال عرفاً، إنّما هو من جمود العين إلى بخلها بالدموع حال
إرادة البكاء، و هي حالة حزن، كما يشعر بذلك قول الخنساء في مرثية أخيها صخر:
أ عينيَّ جودا و لا تجمدا ألا تبكيانِ لصخرِ الندى
و أما المتكلم فيتّصف بالفصاحة، إذا كان ذا قدرة على التعبير عن مقصوده بكلام
فصيح، في أي غرض أراد،و أي وقت شاء،مع فقدان المانع من مرض
و نوم و نحوهما.
و إنّما تحصل هذه القدرة لمن كان ذا سليقة جيّدة، و اطّلاع وافر على منثور الكلام و
منظومه، الصادر عن فصحاء العرب، و ذا إلمام واسع بمفردات اللغة و علومها، مع ممارسة
دائمة لها.
إعلم أنّ الموضوع، أو المحور الذي تدور حوله مسائل علم البلاغة، هو «الكلام
العربي الفصيح، من حيث مطابقته لمقتضى الحال».
و تخصيص الكلام بالعربي مجرد اصطلاح، لأن الصناعة إنّما وضعت لإبراز إعجاز القرآن
الكريم، و هو قد نزل باللغة العربية. و إلاّ فباقي اللغات تجري فيها جملة من
القواعد البلاغيه التي ستطّلع عليها.
الغرض الرئيسي الذي دعا علماء الأدب إلى تدوين هذا العلم، هو الاطّلاع على أسرار
و دقائق القرآن العظيم، و إبراز إعجاز الكتاب المبين، بما أودع فيه من بدائع
الأفكار، و لطائف النكات، مع حسن التأليف، و براعة التركيب.
ممّا تقدّم يعرف أن البلاغة تتوقّف على:
أ) الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد.
ب) الاحتراز عن الأسباب المخلّة بالفصاحة.
أمّا توقّفها على الأوّل: فباعتبار أنّه لو انتفى الاحتراز المذكور، و أُتي بالكلام
كيفما اتفق، أمكن أن لايطابق مقتضى الحال، فتنتفي حينئذ البلاغة. و أمّا توقّفها
على الثاني، فواضح ممّا تقدّم.
هذا، و الذي تعرف به الأسباب المخلّة بالفصاحة اُمور:
1. علم متن اللغة، الذي له مدخلية في تمييز الغريب عن غيره.
2. علم التصريف، الذي يعرف به المخالف للقياس من غيره.
3. علم النحو، الذي ينفع في تمييز ما فيه ضعف تأليف، و تعقيد لفظي عن غيره.
4. الذوق السليم، و الحس المرهف، المعين على تمييز المتنافر عن غيره.
فعلم من ذلك، أن بعض ما تتوقّف عليه البلاغة، مدرك بعلوم وضعت من قبل العلماء، و
بعضها مدرك بالذوق السليم، الحاصل من كثرة الممارسة لكلام العرب. فمسّت الحاجة إلى
وضع علمين، يحترز بأحدهما عن الخطأ في تأدية المعنى المراد، و بالآخر عن التعقيد
المعنوي. و أطلقوا على الأوّل علم المعاني، و على الثاني علم البيان، و المجموع علم
البلاغة.
و إنّما اختصّت البلاغة بهذين العلمين، مع توقّفها على غيرهما، لأنّ الداعي إلى
وضعهما تكميل ماتتوقّف عليه البلاغة، بينما باقي العلوم المتوقّفة عليها البلاغة
كالنحو و الصرف ـ وضعت لأغراض مستقلة غير البلاغة.
ثم مسّت الحاجة إلى علم يعرف به وجوه تحسين الكلام، بعد اتصافه بالبلاغة، فوضعوا
علم البديع، و جعلوه من توابع البلاغة.(1)
و اتّضح ممّا تقدّم اُمور:
أحدها: انحـصار ما يبحث عنه في البلاغة في الفنون الثلاثة.
ثانيها: الوجه في كون علم البديع من توابع البلاغة.
ثالثها: العلوم التي ينبغي على طالب البلاغة معرفتها.
1. خالف في ذلك قوم، فجعلوا البديع من البلاغة. انظر البرهان في علوم القرآن للزركشي المجلد الثاني ص: 317 طبع دار الفكر. و تحقيق الحال في المسألة خلاف ما بنينا عليه في الكتاب.
1. لماذا لا تتحقق البلاغة بدون تحقق الفصاحة؟
2. ما الفرق بين تنافر الحروف و تنافر الكلمات؟
3. أذكر مثالاً لكل واحد من مخلات فصاحة المفرد.
4. عدم فهمنا لبعض ألفاظ القرآن الكريم، هل يوجب خللاً في فصاحته؟ و لماذا؟
5. هل تعرف السرّ في إرجاعنا كلاًّ من تنافر الكلمات، و ضعف التأليف إلى اللفظ، و
كلاًّ من التعقيد اللفظي و المعنوى إلى المعنى؟
6. أذكر ما في الأمثلة التالية من مخلات الفصاحة:
أ) فلا يُبْرمُ الأمرُ الذي هو حالِلُ و لا يُحْلَلُ الأمرُ الذي هو
يَبْرِمُ(1)
ب) خَلَتِ البلادُ من الغزالةِ ليلُها فأعاضهاكاللّه كي لا تحْزَنا(2)
ج) أنى يكونُ أبا البرايا آدمُ و أبوك و الثقلانُ أنت محمدُ(2)
د) و من جاهلٍ بي و هو يجهل جهلَهُ و يجهل علمي أنّه بي جاهلُ
ه) مباركُ الإسمِ أغرُّ اللّقبِ كريمُ الجِرشّى شريف النّسبِ(3)
7. أذكر لكلّ واحد من التعقيد اللفظي و المعنوي مثالاً من عندك.
8. على ضوء ما درسته، هل تستطيع أن تبيّن لنا رتبة علم البلاغة بالنسبة للعلوم
الأدبية الأُخرى؟
9. لماذا اختصّتالبلاغة بعلميالمعاني والبيان، معأنّها تتوقّف علىعلومأخرى؟
1 ، 2. للمتنبي.
2. للمعري.
3. قاله المتنبي في مدح سيف الدولة.
رأينا أن البلاغة هي «مطابقة الكلام لمقتضى الحال»، و لمعرفة ذلك أصول و قواعد،
تؤلف بمجموعها فنّاً أطلق عليه «علم المعاني».
و عليه يمكن تعريفه بأنّه:
«علم يعرف به أحوال اللفظ العربي، التي بها يطابق اللفظ مقتضى الحال».
توضيح ذلك: أنّ اللفظ العربي له أحوال كثيرة، المقصود منها في المقام: ما يعرض على
اللفظ من حيث إنه به يطابق مقتضى الحال، كالتأكيد و التجريد، و التقديم و التأخير،
و غير ذلك من الأحوال التي سيأتى التعرض لها. و احترزنا بالقيد الأخير عن الأحوال
التي ليست بهذه الصفة، كالإعلال و الصحة، و الإعراب و البناء، و ما أشبه ذلك ممّا
لابدَّ منه في تأدية أصل المعنى.
فالمراد بالحال في المقام «تلك الصفة التي لو اشتمل عليها الكلام، لكان مطابقاً
لمقتضى الحال». فقولك ـ مثلاً ـ لمنكر قيام زيد: «إن زيداً قائم» كلام مشتمل على
صفةالتأكيد، بسببها صارمطابقاًلمقتضىالحال،بالتفصيلالذيتقدّم في تعريف البلاغة.
و فيما يلي نستعرض جملة من أحوال اللفظ العربي في ضمن أبواب ثمانية.
الكلام: «هو اللفظ المفيد فائدة تامّة يحسن السكوت عليها». و له نوعان:
الخبر «هو الكلام المحتمل للصدق و الكذب لذاته». و المراد بالصدق مطابقة الخبر
للواقع، و بالكذب عدم مطابقته له. و النظر في احتمال الصدق و الكذب إلى الكلام
نفسه، بصرف النظر عن خصوصية المخبر، أو خصوصية الخبر. و ذلك لتدخل الأخبار الواجبة
الصدق، كأخباراللّه تعالى، و البديهيات المألوفة. و لتدخل الأخبار الواجبة الكذب،
كأخبار المتنبئين في ادّعاء النبوّة.
الخبر يساق لتحقيق أحد غرضين:
1. الغرض الأوّلي: و هو قصد الإخبار و الإعلام. و هذا هو الغرض الأصلي من
إلقاء الخبر. و هو على ضربين:
أ) فائدة الخبر: و هو يحصل من الخبر الملقى لإفادة المخاطب الحكم الذي
تضمنته الجملة. و هذا يشمل جميع الأخبار التي يراد منها تعريف المخاطب بمضمونها،
كالأخبار المتصلة بالحقائق العلمية، أو التاريخية، و نحوهما.
ب) لازم الفائدة: و هو يحصل من الخبر الملقى لإفادة المخاطب العالم بالحكم،
أن المتكلم عالم به أيضاً. كقولك لمن حفظ القرآن: «حفظت القرآن».
2. الغرض الثانوي: و هو قصد معنى من المعاني ـ غير الإخبار و الإعلام ـ التي
تفهم من سياق الكلام، و قرائن الأحوال. و هي كثيرة أهمها:
أ) التحزّن و التحسّر: كقوله تعالى حكاية عن امرأة عمران: «رَبِّ إِنِّى
وَضَعْتُها اُنْثى»(1).
ب) الفخر: كقوله صلىاللهعليهوآله : «إناللّه اصطفاني من قريش».
ج) الإسترحام: و منه ما ورد في دعاء كميل: «و أنا عبدك الضعيف الذليل،
الحقير المسكين المستكين».
د) المدح: كقول عبداللّهبنرواحة يمدح النبي صلىاللهعليهوآله ، و قيل
إنه أمدح بيتقالته العرب:
تحملُه الناقةُ الأدماءُ معتجراً بالبُردِ كالبدر جلّى نورُهُ الظُّلما(1)
1. آل عمران: 36.
إلى غير ذلك من المعاني، التي تفهم من سياق الكلام، و قرائن الأحوال، و يطلع عليها كل ممارس للمقال.
إنّ لكلّ كلمة في البلاغة حساباً، فينبغي على المتكلم أن يراعي حال السامع في
خطابه معه، فيصوغ كلامه على قدر حاجته، لا زائداً عنه، لئلا يكون عابثاً، و لا
ناقصاً لئلا يكون مخلاً. و من هذا المنطلق تنوع الخبر ـ بحسب حال المخاطب ـ إلى
ثلاثة أضرب:
1. الخبر الابتدائي: و هو الخبر الذي من حقّه أن يلقى لمخاطب، خالي الذهن من
مضمونه. كقول أمير المؤمنين عليهالسلام : «أفضل الزهد إخفاء الزهد»(2).
و حكم هذا الضرب أن يكون خالياً من مؤكدات الحكم. و ذلك لأن خلو الذهن من شيء،
يستوجب استقراره فيه، عند عروضه عليه، من دون حاجة إلى مؤكد.
قال الشاعر:
أتاني هواها قبل أن أعرف الهوى فصادف قلباً خالياً فتمكّنا
2. الخبر الطلبي: و هو الخبر الذي من حقّه أن يلقى لمخاطب متردد، و شاكّ في مدلوله،
طالب للوصول إلى معرفته، و الوقوف على حقيقته. و منه قوله تعالى: «إِنَّها بَقَرَةٌ
صَفْراءُ فَاقِعٌ لَونُها تَسُرُّ النّاظِرينَ»(3).
1. الناقة الأدماء: الشديدة البياض و المعتجر: الملتف.
2. نهج البلاغة، الحكمة 28.
3. البقرة: 69.
و حكم هذا الضرب، أنه يستحسن توكيده بمؤكد، ليتمكن الحكم من نفس المخاطب، و يقطع
به تردّده و شكّه.
3. الخبر الإنكاري: و هو الخبر الذي يلقى لمخاطب منكر لمدلوله، معتقد بخلافه. و
حكمه أنه يجب توكيده، بحسب درجة الإنكار، قوّة و ضعفاً. و يظهر ذلك بالتأمّل في
قوله تعالى: «وَ اضْرِبْ لَهُمْ مَثَلاً أَصْحابَ الْقَرْيَةِ إِذْ جاءَها
الْمُرْسَلُونَ * إِذْ أَرْسَلْنا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُما فَعَزَّزْنا
بِثالِثٍ فَقالُوا إِنّا إِلَيْكُمْ مُرْسَلُونَ * قالُوا ما أَنْتُمْ إلاّ بَشَرٌ
مِثْلُنا وَ ما أَنْزَلَ الرَّحْمنُ مَنْ شَيءٍ إِنْ أَنْتُمْ إلاّ تَكْذِبُونَ *
قالُوا رَبُّنا يَعْلَمُ إِنّا اِلَيْكَمْ لَمُرْسَلُونَ»(1). فإنه لمبالغة
المخاطبين في الإنكار في المرّة الثانية أكد بثلاثة مؤكّدات ـ القسم و إنّ و اللام
ـ بينما في المرّة الاُولى اكتفى بمؤكّد واحد.
هذا، و إلقاء الكلام بهذه الأضرب الثلاثة، المتدرجة على حسب جهل المخاطب بمضمون الخبر، أو تردّده فيه، أو انكاره له، هو ما يقتضيه ظاهر الحال. و يسمّى هذا الاُسلوب عند علماء البلاغة بـ «تخريج الكلام على مقتضى الظاهر».
1. يس: 13 ـ 16.
2. تتميم: في مؤكدات الحكم. و هي كثيرة، أهمها:
1) إن المكسورة، كقوله تعالى: «إناللّه غفور رحيم».
2) لام الإبتداء، كقوله تعالى: «إنك لعلى خلق عظيم».
3) القسم، كقوله تعالى: «تاللّه إن كدت لتردين».
4) ضمير الفصل، كقوله تعالى: «إن هذا لهو القصص الحق».
5) حروف التنبيه، كقوله تعالى: «ألا إن حزباللّه هم الغالبون».
6) نونا التوكيد، كقوله تعالى:«ليسجننّ و ليكوناً من الصاغرين».
7) الحروف الزائدة، كقوله تعالى:«أليساللّه بكاف عبده».
و عندهم اُسلوب آخر يصطلحون عليه باسم «تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر». و
له أنواع كثيرة المناسب منها مع مقامنا أربعة.
1. تنزيل خالي الذهن منزلة المتردد، فيؤكد له الخبر استحساناً. و الإعتبار الداعي
إلى الخروج بالكلام عمّا يقتضيه الظاهر، هو تقديم كلام على الخبر، من شأنه أن يجعل
المقام مقام تردد.(1) و جعل منه قوله تعالى:«وَ لا تُخاطِبْنِى فِى الّذينَ
ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ»(2). أي: لا تكلّمني يا نوح في شأن قومك، و لا تشفع
في دفع العذاب عنهم. و هذا كلام يلّوح بالخبر تلويحاً، و يشعر بأنّه قد حقّ عليهم
العذاب، فصار المقام مقام أن يتردّد المخاطب، في أن القوم حُكم عليهم بالإغراق، أم
لا؟ فقيل: «إنهم مغرقون».
2. تنزيل المنكر منزلة خالي الذهن، فيترك له التأكيد وجوباً. و الاعتبار الداعي إلى
ذلك؛ وجود شواهد و دلائل، لو تأمّلها المنكر، لالتفت إليها، و ارتدع عن إنكاره.
كقولك لمنكر الإسلام: الإسلام حق. و عليه قوله تعالى: «وَ إلهُكُمْ إِلهٌ
واحِد»(3).
3. تنزيل العالم بالحكم منزلة المنكر، فيؤكّد له الخبر وجوباً ، بعد أن كان مقتضى
الظاهر عدم مخاطبته. و ذلك لظهور علامات الإنكار عليه. و منه قوله تعالى: «ثُمَّ
إِنَّكُمْ بَعْدَ ذلِكَ لَمَيِّتُونَ»(4)، فالمخاطب غير منكر للموت، لكن حيث إنه قد
ظهر عليه علامات الإنكار، لتماديه في الغفلة، و الإعراض عن العمل، كمن يعتقد أنه
مخلّد في الدنيا، نزّل منزلة المنكر له.
1. و لو تردد فيه المكلف بالفعل لخرج عن التنزيل، و دخل في
الاُسلوب الأول.
2. هود: 37.
3. البقرة: 136.
4. المؤمنون: 15.
4. تنزيل العالم بفائدة الخبر و لازمها منزلة الجاهل بهما، فيلقى إليه الخبر كما
يلقى للجاهل. و ذلك لعدم جريه على مقتضى علمه. و عليه جرى قول الفرزدق في مدحه
للإمام السجّاد عليهالسلام :
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللّه كلهم هذا التقيّ النقيّ الطاهر العَلَمُ
هذه هي الأنواع التي ترتبط بالمقام من اُسلوب تخريج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر،
و له أنواع أخرى، أشار إليها علماء البلاغة في أماكن متفرقة، لابأس بذكر أهمها.
و هو العدول من حالة من الحالات الثلاث ـ التكلم و الخطاب و الغيبة ـ التي
يقتضيها الظاهر إلى حالة اُخرى منها. و له ست صور:
1. الإلتفات من التكلم إلى الخطاب، كقوله تعالى: «وَ ما لِى لاَ أَعْبُدُ الّذِى
فَطَرَنِى وَ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ».(1)
2. الإلتفات من التكلم إلى الغيبة، كقوله تعالى: «إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ *
فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ انْحَرْ».(2)
3. الإلتفات من الخطاب إلى التكلم، كقوله تعالى: «وَ اسْتَغْفِروُا رَبَّكُمْ ثُمَّ
تُوبُوا إِلَيْهِ إِنَّ رَبِّى رَحِيمٌ وَدُود».(3)
1. يس: 22.
2. الكوثر: 20.
3. هود: 90.
4. الإلتفات من الخطاب إلى الغيبة، كقوله تعالى: «حَتّى إِذا كُنْتُمْ فِى
الفُلْكِ وَ جَرَيْنَ بِهِمْ».(1)
5. الإلتفات من الغيبة إلى التكلم، كقوله تعالى: «اللّه الّذِى أَرْسَلَ الرّياحَ
فَتُثيرُ سَحابَاً فَسُقْناه إِلى بَلَدٍ مَيِّتٍ».(2)
6. الإلتفات من الغيبة إلى الخطاب، كقوله تعالى: «وَ قالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمنُ
وَلَداً * لَقَدْ جِئْتُمْ شَيْئاً إِدّاً».(3)
هذا، و الإعتبارات الداعية إلى العدول عن مقتضى الظاهر، في باب الإلتفات كثيرة،
لكنّهم ذكروا له اعتباراً عاماً يجري في كثير من أمثلته؛ و هو: التفنن في الاُسلوب،
الموجب لتنشيط السامع، و جعله أكثر تنبّهاً للإصغاء إلى الكلام، حيث إن لكلّ جديد
لذّة، و لكلّ طارىء بهجة. و هناك بعض المواضع من الإلتفات تختصّ باعتبارات و
لطائف، لا يطّلع عليها إلاّ من اُوتي ذوقاً سليماً، و فهماً كافياً. و إليك بعض
الأمثلة على ذلك:
أ) قوله تعالى: «مالِكِ يَوْمِ الدِّين * ايّاكَ نَعْبُدُ» (4)، حيث التفت من
الغيبة إلى الخطاب، ليشير إلى أن الخلق قاصرون عن مخاطبته، فإذا عرفوه بما هو له، و
توسّلوا للقرب إليه، بالثناء عليه، و أقرّوا بالمحامد له، و تعبدوا له بما يليق
بهم، تأهلوا ـ حينئذٍ ـ لمخاطبته و مناجاته، فقالوا: «ايّاكَ نَعْبُدُ وَ ايّاكَ
نَسْتَعِينُ»(5).
ب) قوله تعالى: «إِنّا أَعْطَيْناكَ الْكَوْثَرَ * فَصَلِّ لِرَبِّكَ وَ
انْحَرْ»(6)، حيث لم يقل «لنا»، تحريضاً على فعل الصلاة لحق الربوبية.
1. يونس: 22.
2. فاطر: 9.
3. مريم: 88، 89.
4. الفاتحة: 4، 5.
5. الفاتحة: 5.
6. الكوثر: 1، 2.
أطلق عليه الشيخ عبد القاهر الجرجاني اسم «المغالطة»، و له نوعان:
1. تلقي المخاطب بغير ما يترقبه، بحمل كلامه على خلاف مراده. و الإعتبار الداعي إلى
ذلك هو تنبيه المخاطب على أنه كان الأولى به أن يقصد هذا المعنى المحمول عليه
الكلام، لا ذاك المراد له.
و من هذا الباب قول ابن القبعثري لما قال له الحجاج متوعّداً «لاحملنّك على
الأدهم»: «مثل الأمير يحمل على الأدهم و الأشهب». حيث أبرز وعيده في معرض الوعد، و
أراه بألطف وجه، أن من كان على صفته في السلطان و بسطة اليد، فجدير بأن يُصفد، لا
أن يَصفِد.
2. تلقي السائل بغير ما يتطلب، بتنزيل سؤاله منزلة غيره. و الإعتبار الداعي إلى ذلك
هو تنبيه السائل على أن ذلك الغير، هو الأولى بحاله و المهمّ له.
و منه قوله تعالى: «يَسْئَلُونَكَ مَاذا يُنْفِقُونَ قُلْ ما أَنْفَقْتُمْ مِنْ
خَيْرٍ فَلِلْوالِدَيْنِ وَ الأَقْرَبِينَ وَ الْيَتامى وَ الْمَساكينِ وَ ابْنِ
السَّبِيل»(1)، حيث سألوا عن بيان الشيء الذي ينفقونه، فأجيبوا ببيان المصارف،
تنبيهاً على أن المهمّ هو السؤال عنها، لأنّ النفقة لايعتدبها إلاّ أن تقع في
موقعها المناسب.
1. البقرة: 215.
و أهمّ الإعتبارات الداعية إلى الأوّل هو التنبيه على تحقق وقوع مضمون الخبر. و
يغلب ذلك فيما إذا كان مدلول الفعل من الاُمور الهائلة، المتوعد بها، فيعدل فيه إلى
لفظ الماضي، تقريراً و تحقيقاً لوقوعه. و حمل عليه قوله تعالى: «وَ نُفِخَ فِى
الصّورِ فَصَعِقَ مَنْ فِى السَّماواتِ وَ مَنْ فِى الأَرْضِ»(1).
و أهمّ الإعتبارات الداعية إلى الثاني هي إرادة استحضار الصورة العجيبة التي مرت و
انقضت، حتى يخيّل للسامع أنها تحصل في الحال، لأنّ المضارع يدلّ عليه. و منه قوله
تعالى: «وَ اللّهُ الّذِى أَرْسَلَ الرِّياحَ فَتُثيرُ سَحاباً»(2).
«الإنشاء هو الكلام الذي لا يحتمل صدقاً و لا كذباً لذاته». و قد مرّ في تعريف
الخبر تفسير الصدق و الكذب. و أما قيد «لذاته» فهو هنا لإدخال بعض الجمل الإنشائيه،
التي يصح وصفها بالصدق أو الكذب، باعتبار ما تستلزم من إخبارات تتصف بأحدهما، لا
باعتبار ذاتها. كما لو سأل الغني سؤال الفقير، و استفهم المستفهم عن شيء يجهله. فإن
الأوّل يصح رميه بالكذب، كما يصح رمي الثاني بالصدق، لكن لا باعتبار ذاتيهما.
1. الزمر: 68.
2. فاطر: 9.
3. مما ينبغي الالتفات إليه: أن الإنشاء المبحوث عنه في المقام هو الإنشاء الطلبي.
أما غير الطلبي فقد أغفلنا ذكره هنا لقلة المباحث المتعلّقة به. مضافاً إلى أنّ في
عدّ بعض أقسامه من الإنشاء نظر.
فإن صيغ المدح والذم ـ مثلاً ـ لانوافق على إنشائيتها. كيف، و قولك: «نعم الرجل
زيد» معناه: أمدح الرجولة في زيد، و هذا كلام خبري محتمل الصدق و الكذب. و الشاهد
على ذلك، وقوع «نعم» خبراً لإن في قوله تعالى: «إن اللّه نعمّا يعظكم به». و كذا
الحال في التعجب و القسم و التقليل و التكثير.
للإنشاء أقسام كثيرة نكتفي بذكر ثلاثة منها، لقلة المباحث البلاغية المتعلقة
بغيرها.
الظاهر أنه موضوع: «لطلب حصول الفعل من المخاطب، على وجه الاستعلاء و الإلزام».
و له أربع صيغ هي:
1. فعل الأمر، نحو: «أَقِمِ الصَّلاةَ»(1).
2. المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو: «فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هذَا الْبَيْتِ»(2).
3. إسم فعل الأمر، نحو:«عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ لايَضُرُّكُمْ مَنْ ضَلَّ إذا
اهْتَدَيْتُمْ».(3)
4. المصدر النائب عن فعل الأمر، نحو: «وَ بِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً»(4).
كثيراً ما تخرج صيغ الأمر عن معناها الأصلي، لتدلّ على معان اُخرى، تستفاد من
سياق الكلام، و قرائن الأحوال. و إليك بعض هذه المعاني:
1. الدعاء: و هو الطلب الصادر من الداني إلى من هو أعلى منه منزلةً و شأناً،
على سبيل التضرّع و الخشوع. نحو: «رَبِّ أَوْزِعْنِى أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَك
الَّتِى أَنْعَمْتَ عَلَىَّ».(5)
1. الإسراء: 78.
2. قريش: 3.
3. المائدة: 105.
4. البقرة: 83.
5. النمل: 19.
2. التعجيز: و هو مطالبة المخاطب بعمل لايقدر عليه، إظهاراً لعجزه. نحو:
«فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ».(1)
3. التهديد: نحو: «اعْمَلُوا ما شِئْتُمْ إِنَّهُ بِما تَعْمَلُونَ
بَصيرٌ».(2)
للعلم بأنّه ليس المراد أمرهم بأن يفعلوا ما شاؤا، و القرائن تدلّ على أنّ المراد
التخويف و الوعيد، لا الإهمال.
4. التسخير: و هو التبديل من حالة إلى حالة اُخرى، فيها مهانة و مذلّة. نحو:
«كُونُوا قِرَدَةً خاسِئِينَ».(3)
5. الإهانة: و تكون بتوجيه الأمر إلى المخاطب بقصد استصغاره و تحقيره. نحو:
«ذُقْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْكَريم».(4)
6. التمنّي: و هو طلب محبوب لا طماعية فيه. و منه قول امرىء القيس:
ألا أيّها الليلُ الطويلُ ألا انجلي بصبحٍ و ما الإصباحُ منك بأمثلِ
اذ ليس الغرض طلب الإنجلاء من الليل، لعدم كون ذلك في وسعه. لكن لشدّة ما انتابه(5)
في تلك الليلة من وَجْد، شعر بطولها، حتى كأنه لا طمع عنده بانجلائها «و ليل المحبّ
بلا آخر»، فصار الأمر بالإنجلاء تمنّياً.
1. البقرة: 23.
2. فصلت: 40.
3. البقرة: 65.
4. الدخان: 49.
هذا، و الحق أنّ الأمر في جميع ما تقدّم، مستعمل في معناه الأصلي، أعني: الطلب.
لكن الداعي إلى إنشاء الطلب مختلف، فتارة يكون تهديداً، و اُخرى يكون تعجيزاً ، و
ثالثة يكون تسخيراً، و هكذا.
الظاهر أنّه «للزجر عن الفعل على وجه الاستعلاء». و له صيغة واحدة، هي المضارع المقرون بلا الناهية، نحو:«وَ لاَ تَجَسَّسُوا وَ لاَيَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضاً»(1).
كثيراً ما تخرج صيغة النهي عن معناها الأصلي، لتدل على معانٍ اُخرى تستفاد من سياق الكلام، و قرائن الأحوال، أهمّها:
1. الدعاء: نحو: «رَبَّنا لاتُؤاخِذْنا إِنْ نَسِينا أَوْ
أَخْطَأْنا»(2).
2. التيئيس: نحو: «لاتَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيْمانِكُمْ»(3).
3. التوبيخ: كقول الشاعر:
لاتحسبِ المجدَ تمراً أنت آكلهُ لن تبلغ المجدَ حتّى تلعقَ الصّبرا
و ما ذكرناه في الأمر يجري في النهي أيضاً، فإنّه مستعمل في مثل هذه الموارد في
معناه الأصلي، و لكنّ الدواعي التي تفهم من سياق الكلام، و قرائن الأحوال مختلفة.
1. الحجرات: 12.
2. البقرة: 286.
3. التوبة: 66.
الاستفهام: «طلب العلم بشيء غير معلوم من قبل».
و الأدوات الموضوعة له هي: الهمزة، هل، من، ما، متى، أيّان، كيف، أين، أنّى، أي،
كم.
و نقتصر في البحث على الهمزة و هل، لمزيد أهمية لهما، و من أراد تفصيل الحال في
بقية الأدوات فعليه بالكتب المبسوطة.(1)
1. التصوّر: و هو إدراك المفرد، و يكون عند التردّد في تعيين أحد شيئين.
كقولك: «أدبس في الإناء أم عسل»، عالماً بوجود شيء فيه، طالباً لتعيينه.
2. التصديق: و هو إدراك وقوع النسبة، أو عدم وقوعها. و يكون الإستفهام عن
نسبة تردّد الذهن بين ثبوتها و انتفائها. كقولك: «أقام زيد». فأنت قد تصورت القيام
و زيداً و النسبة بينهما، و لكنّك استفهمت عن وقوع النسبة بينهما.
و فيما يلي نتكلّم عن بعض خصائص كلّ من الهمزتين:
1. تكون النسبة فيها معلومة للمستفهم، و المجهول له، إنّما هو أحد طرفيها، كما
مثّل.
2. المستفهم عنه بها هو ما يليها؛ ففي الإستفهام عن المسند، تقول: «أفي البيت زيد
أم
1. على أن البحث في معانيها لايرتبط بعلم البلاغة.
في المسجد»، و في الإستفهام عن المسند إليه، تقول: «أدبس في الإناء أم عسل»، و في
الإستفهام عن المفعول، تقول: «أزيداً ضربت أم عمراً».
3. لا تقع «أم» بعدها إلاّ متصلة، و لا تكون منقطعة. و الفرق بينهما؛ أن المتصلة هي
التي يكون ما بعدها داخلاً في حيّز الإستفهام، و المنقطعة تكون بمعنى «بل»، فينتقل
بها من كلام إلى آخر لا يمتد تأثير الإستفهام إليه.
4. يجاب عنها بالتعيين، و لا يصح أن يقع في الجواب «لا» أو «نعم».
1. لا تكون النسبة معلومة فيها للمستفهم.
2. إذا جاءت بعدها أم تكون منقطعة ليس إلاّ، كقولك: «أقمت أم طلعت الشمس».
3. لا يجاب عنها بالتعيين، بل بنعم أو لا.
و الفرق بينها و بين الهمزة من جهات:
1. أنها لا تكون إلاّ للتصديق بخلاف الهمزة.
2. أنها تدخل على الجملتين، الإسمية و الفعلية على السواء، بخلاف الهمزة، فإن
الغالب فيها أن تدخل على الأفعال، و لذا رُجّح النصب في قولك: «أزيداً ضربته».
3. لا تدخل على المنفي، فلا يقال: «هل لا قام زيد». بخلاف الهمزة، فإنهاتدخل عليه،
كقوله تعالى: «أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكْ».(1)
4. تخصص الفعل المضارع بالإستقبال كالسين و سوف، بخلاف الهمزة.
5. لاتقع بعدها «أم» إلاّ منقطعة، كقول الشاعر:
هل يسمعنّ النضر إن ناديته أم كيف يسمع ميّت لاينطق
1. الإنشراح: 1.
كثيراً ما تخرج أدوات الإستفهام عن معناها الأصلي ـ و هو طلب الفهم ـ لتدلّ على معانٍ اُخرى، تفهم من سياق الكلام و قرائن الأحوال. أهمّها:
1. الأمر: نحو: «فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ»(1) أي: انتهوا.
2. النهي: نحو: «أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوهُ»(2) أي:
لاتخشوهم.
3. الترغيب: نحو: «مَنْ ذَا الَّذِى يُقْرِضُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً».(3)
4. التحذير: نحو: «أَلَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ».(4)
5. التهكم و الإستهزاء: نحو: «أَلا تَأْكُلُونَ * ما لَكُمْ لاتَنْطِقُونَ».(5)
6. التقرير: و هو «حمل المخاطب على الإقرار و الاعتراف بأمر قد استقرّ عنده». نحو:
«أَ أَنْتَ فَعَلْتَ هذا بِآلِهَتِنا يا إِبْراهِيمُ». (6)
7. الإنكار: و هو على ضربين:
أ) الإنكار الإبطالي، و هو يقتضي عدم وقوع ما بعد الأداة، و أنّ مدعيه كاذب. نحو:
1. المائدة: 91.
2. التوبة: 13.
3. الحديد: 11.
4. الفجر: 6.
5. الصافات: 91 ـ 92.
6. الانبياء: 63.
«أَفَعيِينا بِالْخَلْقِ الأوَّلِ».(1) أي: لم نَعْيَ.
ب) الإنكار التوبيخي: و هو يقتضي وقوع ما بعد الأداة، و أنّ فاعله ملوم. نحو:
«أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ».(2) أي: ما كان ينبغي أن يحصل ذلك.
و التحقيق ـ كما ذكر في الأمر و النهي ـ أن الاستفهام في الأمثلة المتقدمة مستعمل
في معناه الأصلي، لكن الدواعي التي تفهم من سياق الكلام، و قرائن الأحوال مختلفة.
الأوّل: في استعمال الجملة الخبرية موضع الإنشائية.
كثيراً ما يقع الخبر موقع الإنشاء، و ذلك لنكات أهمّها:
* إظهار الحرص على وقوع المطلوب. كقوله تعالى: «وَ الْوالِداتُ
يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ كامِلَيْنِ»(3)، فإن السياق يدل على أن اللّه
تعالى طالب لذلك، لا أنّه مجرد مخبر.
* الاحتراز عن صورة الأمر. كقول العبد لمولاه: «ينظر المولى إليَّ ساعة»، فإنّه
أكثر تأديباً من قوله: «انظر إليَّ» بصيغة الأمر.
الثاني: في الفرق بين الإخبار بواسطة الاسم، و الإخبار بواسطة الفعل.
1. ق: 15.
2. الصافات: 95.
3. البقرة: 233.
و هذا الأمر من المباحث المهمّة التي تمسّ الحاجة في علم البلاغة إليه. و بيانه:
أن الأصل في الاسم على أنه موضوع، ليثبت به المعنى للشيء، من غير أن يقتضي تجدده
شيئاً بعد شيء. و أما الفعل فالأصل فيه، أنه وضع ليفيد تجدد المعنى المثبت به و
حدوثه شيئاً بعد شيء. فإذا قلت: «زيد منطلق»، فقد أثبتّ الانطلاق فعلاً له، من غير
أن تجعله يتجدد و يحدث منه شيئاً فشيئاً، بل يكون المعنى فيه كالمعنى في قولك: «زيد
طويل، و عمرو قصير». فكما لا تقصد ههنا، إلى أن تجعل الطول أو القصر يتجدد و يحدث،
بل توجبهما و تثبتهما فقط، كذلك لا تتعرض في قولك: «زيد منطلق» لأكثر من إثباته
لزيد.
و أما الفعل، فيقصد فيه إلى ذلك. فإذا قلت: «زيد هاهو ذا ينطلق»، فقد زعمت أن
الانطلاق يقع منه جزءاً فجزءاً، و جعلته يزاوله شيئاً فشيئاً.
و إن شئت أن تحسّ الفرق بينهما من حيث يلطف، فتأمل قوله تعالى: «وَ كَلْبُهُمْ
باسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ»(1)، فإن أحداً لايشك في امتناع الفعل ههنا، و أن
قولنا: «كلبهم يبسط ذراعيه» لا يؤدي الغرض. و ليس ذلك إلاّ لأنّ الفعل يقتضي
مزاولة، و تجدد الصفة في الوقت، و يقتضي الاسم ثبوت الصفة و حصولها، من غير أن يكون
هناك مزاولة، و معنى يحدث شيئاً فشيئاً. و لا فرق بين «وَ كَلْبُهُمْ باسِطٌ»(2)، و
بين أن تقول: «و كلبهم واحد»، في أنك لا تثبت مزاولة، و لا تجعل الكلب يفعل شيئاً،
بل تثبته بصفة هو عليها. فالغرض إذن تأدية هيئة الكلب.
1. الكهف: 18.
2. الكهف: 18.
و يكون الفرق أوضح فيالصفات المشبهة. فإنك إذا قلت: «زيد طويل، و عمرو قصير»، لم
يصلح مكانه «يطول و يقصر». و إنما تقول: «يطول و يقصر» إذا كان الحديث عن شيء يزيد
و ينمو، كالشجر و النبات و نحو ذلك مما يتجدد فيه الطول، و يحدث فيه القصر. أما و
أنت تتحدث عن هيئة ثابتة، و عن شيء قد استقر طوله، و لم يكن ثمّ تزايد و تجدّد، فلا
يصلح فيه إلاّ الإسم.
نعم، الإسم قد يفيد ـ علاوة على إثبات المعنى لشيء ـ الدوام و الاستمرار، و ذلك
بمعونة سياق الكلام، و قرائن الأحوال، كما لو وقع في معرض المدح أو الذمّ، أو غير
ذلك ممّا يقتضي الدوام و الاستمرار. كقول النضر بن جؤَيَّة:
لا يَأْلَفُ الدرهَمُ المضْرُوبُ صُرَّتَنَا لكن يَمُرُّ عَلَيْها و هو
مُنطَلِقُ(1)
حيث أفاد أن انطلاق الدرهم من الصرّة، أمر ثابت دائم لا يتجدد، مبالغة في مدحهم
بالكرم، و أن الدرهم ليس له استقرار أصلاً في الصرّة.
و كذا الحال في الفعل، فإنه قد يخرج عن أصله المذكور، ليفيد الاستمرار التجددي
شيئاً فشيئاً، بحسب المقام و بمعونة القرائن، كما لو وقع في معرض المدح أو الذم، أو
نحو ذلك ممّا يقتضي الاستمرار التجددي. كقول المتنبي في المديح:
تُدَبّرُ شَرْقَ الأرضِ و الغربَ كَفُّهُ و ليس لها يوْماً عن المجدِ شاغِلُ
فقرينة المدح تدل على أن تدبير الممالك ديدنه، و حاله المستمرة التي لا يحيد عنها،
و أنّه يتجدد منه التدبير آناً فآناً.
1. المشهور نصب ـ صُرَّتنا على أنه مفعول، و الأفضل نصب ـ الدرهم ـ ليكون عدم الالفة من جانب الصرة.
1. هل باستطاعتك ذكر أغراض ثانوية للجمل الخبرية لم تذكر في الكتاب؟ مع التمثيل
لها.
2. قال الشاعر:
جاء شقيق عارضاً رُمْحهُ إنّ بني عَمّك فيهم رِماحُ
أ) في البيت تخريج للكلام على خلاف مقتضى الظاهر، بيّن ذلك.
ب) ما هي النكتة في ذلك؟
ج) ما هو الغرض من إلقائه؟
3. أذكر لكل واحد من صور الإلتفات الست مثالاً من القرآن الكريم.
4. من أي صورة من صور الإلتفات قوله تعالى: «إنا كنا مرسلين رحمة من ربك»؟(1)
5. أذكر كيف خرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فيما يلي:
أ) «يسئلونك عن الأهلة قل هى مواقيت للناس و الحج» .(2)
ب) «و نادى أصحاب النار أصحاب الجنة» .(3)
ج) «ياأيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم» .(4)
1. الدخان: 5 ـ 6.
2. البقرة: 189.
3. الأعراف.
4. الحج: 1.
د) قالَ ثّقلتُ إذْ أتيتُ مراراً قلتُ ثّقلتَ كاهلي بالأيادي
قالَ طوّلتُ قلتُ أوليتَ طولاً قالَ أبرمتُ قلتُ حبلَ وِدادي
6. ما الفرق بين قيد «لذاته» في كل من تعريفي الخبر و الإنشاء؟
7. بيّن المراد من صيغ الأمر فيما يلي:
أ) «ربّ اشرح لى صدري و يسّر لى أمرى * و احلل عقدة من لسانى».(1)
ب) «فاغسلوا وجوهكم و أيديكم إلى المرافق».(2)
ج) «قل تمتّعوا فإن مصيركم إلى النار».(3)
د) أولئك آبائي فَجِئني بمثلهم إذا جَمَعَتْنا يا جريرُ المجامعُ(4)
8. هل تستطيع أن تذكر ثلاثة معان لصيغ الأمر من دون أن تكون مذكورة في الكتاب؟
9. أذكر بعض الدواعي لصيغ النهي بلا أن تكون مذكورة فيالكتاب.
10. أذكر دواعيالإستفهام فيما يلي.
أ) «أتأتون الذكران من العالمين» .(5)
ب) «أشهدوا خلقهم» .(6)
1. طه: 25 ـ 26 ـ 27.
2. المائدة: 6.
3. إبراهيم: 30.
4. للفرزذق.
5. الشعراء: 165.
6. الزخرف: 18.
ج) «ألست بربكم» .(1)
د) «أصلوتك تأمرك أن نترك مايعبد ءاباؤنا» .(2)
ه) «هل أدلّكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم» .(3)
و) «و قل للذين أوتوا الكتاب و الأميين أأسلمتم» .(4)
11. أذكر مثالين لكلّ من همزتي التصور و التصديق.
12. قال تعالى: «قال الذين استكبروا للذين استضعفوا أنحن صددناكم عن الهدى بعد إذ
جاءكم بل كنتم مجرمين» .(5)
أ) الإستفهام في الآية تصوري أم تصديقي؟
ب) ما هو الداعي لإنشائه؟
13. إملأ الفراغ بالكلمة المناسبة مع بيان السبب فيما يلي:
أ) «هل من خالق غير اللّه ... من السماء و الأرض» .
(رازق لكم ـ يرزقكم)
أو كلما وردت عكاظ قبيلة بعثوا إلي عريفهم ...(6)
1. الأعراف: 173.
2. هود: 87.
3. الصف: 10.
4. آل عمران: 20.
5. سبأ: 32.
6. البيت لطريف بن تميم، و عريف القوم القيِّم بأمرهم، و يكون على معرفة بأصحابه.
و هو لغة الإسقاط و اصطلاحاً: إسقاط جزء من الكلام لدليل. و هو خلاف الأصل. و
يتفرع على ذلك أمران:
أحدهما: أنه إذا دار الأمر بين الحذف و عدمه، كان الحمل على عدمه أولى.
ثانيهما: أنه إذا دار الأمر بين قليل الحذف و كثيره، كان الاوّل هو الأولى.
إذا لم يتعلق غرض المتكلم بالإبهام، فالأصل عدم جواز الحذف إلاّ إذا قامت على
المحذوف قرينة. لكن ذلك غير كافٍ في إدخال الكلام في سلك البلاغة، لأن القرينة إنما
هي لتصحيحالحذف، والمضفي علىالكلام صفة البلاغة، و المخرج له عن كونه مجرد ألفاظ
ملحقة بأصوات الحيوانات، اعتبارات و دواعي كثيرة، نذكر أهمها:
1. التفخيم و التعظيم، لما في الحذف من الإبهام، فيذهب الذهن كل مذهب، و
يتشوف إلى ما هو المراد، فعند ذلك يعظم شأنه، و يعلو في النفس مكانه. ألا ترى أن
المحذوف إذا ظهر في اللفظ، زال ما كان يختلج في الوهم من المراد، و خلص للمذكور، و
بهذا القصد يؤثَر في المواضع الّتي يراد بها التعجب و التهويل على النفوس. و منه
قوله تعالى في وصف أهل الجنة: «حَتّى إِذا جاؤُها وَ فُتِحَتْ أَبْوابُها»(1)، فحذف
الجواب، و جعل الحذف دليلاً على ضيق الكلام عن وصف ما يشاهدونه، و تركت النفوس
تقدّر ما تشاء، و لاتبلغ مع ذلك كنه ما هنالك؛ لأن فيها «ما لا عين رأت، و لا أذن
سمعت، و لا خطر على قلب بشر».
2. رعاية الفاصله، كقوله تعالى:«وَ الضُّحى * وَ اللَّيْلِ إِذا سَجى * ما
وَدَّعَكَ رَبُّكَ وَ ما قَلى».(2)
3. قصد الإحتقار، و إلى هذه النكتة أشار الشاعر بقوله:
و لقد علمتُ بأنّهم نَجَسٌ و إذا ذكرتُهم غسلتُ فمي
و منه قوله تعالى: «كَتَبَ اللّهُ لاَءغْلِبَنَّ أَنَا وَ رُسُلِى»(3)، أي:
الكفار.
4. تأتي الإنكار لدى الحاجة، كأن يذكر شخص، فتقول: «فاسق فاجر» من دون ذكر
اسمه، ليتأتى لك الإنكار عند لومه.
1. الزمر: 73.
2. الضحى: 1 ـ 3.
3. المجادلة: 21.
5. البيان بعد الابهام، كما في مفعول فعل المشيئة و ما شابهه في المعنى،
فإنهم لا يكادون يذكرونه، إذا وقع ذلك الفعل شرطاً؛ إذ أن الجواب حينئذ يدل على
المفعول و يبينه. و عليه قوله تعلى: «وَ لَوْ شَآءَ لَهَدَاكُمْ أَجمَعينَ».(1) أي:
لو شاءاللّه هدايتكم لهداكم أجمعين، فإنه لما قيل: «لو شاء» عُلم أن هناك شيئاً
تعلقت به المشيئة، لكنه مبهم، فلما جيء بالجواب، صار مبيناً، و هذا أوقع في النفس.
و ينبغي أن يعلم، أنه إنما يجوز حذف مفعول المشيئة، إذا لم يكن تعلق الفعل به
غريباً. أما إذا كان كذلك، فيجب ذكره ليأنس السامع به، و عليه قول الخزيمى:
وَ لو شِئتُ أن أَبكي دَماً لَبَكَيْتُهُ عليه و لكن ساحة الصَّبرِ أَوسعُ
فلما كان تعلق فعل المشيئة ببكاء الدم غريباً؛ لقلة ذكره، ذكره الشاعر لتستأنس به
النفس، و يستقر فيها.
6. أن يكون الغرض الأصلى للمتكلم هو اثبات الفعل للفاعل أو نفيه عنه، فيحذف المفعول المعلوم؛ لتنصرف النفس إلى الغرض المذكور، و تخلص له. و من هذا الباب قوله تعالى: «وَ لَمَّا وَرَدَ مَاء مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسقُونَ وَ وَجَدَ مِنْ دونِهِمُ امَرَأَتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خطبُكُمَا قَالَتَا لاَ نَسْقِى حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَآءُ وَ أَبُونا شَيْخٌ كبيرٌ * فَسَقَى لَهُمَا ثمّ تَوَلَّى إِلى الظِّلِّ».(2) حيث حذف المفعول في أربعة مواضع؛ إذ المعنى: «وجد عليه أمة من الناس يسقون أغنامهم، و امرأتين تذودان غنمهما، و قالتا: لا نسقي غنمنا، فسقى لهما غنمهما». و ما ذاك إلاّ لأنّ الغرض هو أن يعلم أنه كان من الناس في تلك الحال سقي، و من المرأتين ذود، و أنهما قالتا: لا يكون منا سقي حتى يصدر الرعاء، و أنه كان من موسى عليهالسلام من بعد ذلك سقي. و أما ما كان المسقي، أغنماً أم إبلاً، أم غير ذلك؟ فخارج عن الغرض، و موهم خلافه. و ذلك أنّه لو قيل: «وجد من دونهم امرأتين تذودان غنمهما»، جاز أن يكون لم ينكر الذود من حيث هو ذود، بل من حيث هو ذود غنم، حتى لو كان مكان الغنم إبل، لم ينكر الذود. كما أنك إذا قلت: مالك تمنع أخاك؟ كنت منكراً المنع لا من حيث هو منع، بل من حيث هو منع أخ. فاحفظ هذه النكتة فإنّما أطلنا البحث فيها لأهميتها، و لقلة من تعرض لها من علماء البلاغة.
1. النحل: 9.
2. القصص: 23 ـ 24.
الأصل فيما لم تدل عليه قرينة أن يكون مذكوراً، و فيما دلت عليه القرينة أن يكون
محذوفاً. و لكن قد تقتضي البلاغة ترجيح الذكر على الحذف، حتى مع قيام القرينة على
المذكور.
و النكات الداعية إلى ذلك كثيرة، أهمّها:
1. التنبيه على غباوة السامع، و انّه لا يكتفي بالقرينة؛ إما لكونه هكذا
واقعاً، أو لقصد إهانته. كقول الفرزدق لهشام بن عبدالملك:
هذا الذي تعرفُ البَطْحاءُ وَ طأَتَه
و البيتُ يعرفُهُ و الحِلُّ و الحرمُ
هذا ابنُ خيرِ عبادِ اللّه كلّهم
هذا التقيّ النقيّ الطاهر العَلَمُ
2. كون إصغاء السامع مطلوبا، فيبسط له الكلام، و لذا يبسط الكلام مع الأحبّة، كما في بسط موسى عليهالسلام إذ قيل له: «وَ ما تِلْكَ بِيَمينِكَ يا مُوسى»(1)، و كان يتمّ الجواب بمجرد أن يقول: «عصا»، لكنه زاد فـ : «قال هِى عَصاى أَتَوَكَّؤُا عَلَيْها وَ أَهُشُّ بِها عَلى غَنَمى وَ لِىَ فِيها مَئارِبُ أُخْرى».(2)
1. طه: 17.
2. طه: 18.
3. ابتهاج المتكلم و افتخاره، فيبسط الكلام لذلك، كقوله تعالى حكاية عن قوم
إبراهيم عليهالسلام لما سئلوا: «ما تَعْبُدُونَ»(1): «قالُوا نَعْبُدُ أَصْناماً
فَنَظلُّ لَها عاكِفينَ»(2)، حيث قد بسطوا الكلام، ابتهاجاً منهم بعبادة الأصنام، و
افتخاراً بمواظبتها، منحرفين عن الجواب المطابق المختصر، و هو: «أصناماً».
4. الاستلذاذ بذكره، كما لو كان اسماً للحبيب، كقولنا عند ذكر اسم الرسول
صلىاللهعليهوآله : (اللهمّ صلّ على محمّد و آل محمّد)، و كان يمكننا الاكتفاء
بـ «و آله».
1. الشعراء: 70.
2. الشعراء: 71.
1. إذا قال قائل: «جاء الأمير»، و ترددنا في أنّ المراد: جاء الأمير نفسه، أم
جاء غلامه؟ لكنه حذف من الجملة، فعلى أي معنى نحمل الكلام، و لماذا؟
2. ما هي نكات و دواعي الحذف فيما يلي:
أ) «سيذكّر من يخشى * و يتجنّبها الأشقى».(1)
ب) «و لو ترى إذ الظالمون فى غمرات الموت».(2)
ج) «فأمّا من أعطى و اتّقى».(3)
د) «من يشأ اللّه يُضْلِلْهُ».(4)
3. لماذا لم يحذف مفعول فعل المشيئة في قول الجوهري:
و لم يُبْقِ منّي الشّوقُ غيرَ تفكّري
فلو شئتُ أن أبكي بكيتُ تفكّرا
1. الأعلى: 10 ـ 11.
2. الأنعام: 93.
3. الليل: 5.
4. الأنعام: 39.
لمّا كان لكل نوع من أنواع التعريف نكات و اعتبارات مخصوصة به، ناسب أن يعقد لكل واحد منها بحث مستقل.
و الاعتبار الداعي إلى ذلك: كون المقام مقام حكاية التكلم، أو الخطاب، أو الغيبة. و قد اجتمعت المقامات الثلاثة في قوله تعالى: «قالَ إِنَّما أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لاِءَهَبَ لَكِ غُلاماً زَكِيّاً».(1)
1. مريم: 19.
و حق الخطاب أن يكون مع مخاطب معين، و قد يترك إلى غيره؛ قصداً إلى تعميم
الخطاب، كما تقول: «فلان لئيم. إن أكرمته أهانك، و إن أحسنت إليه أساء إليك». فلا
تريد مخاطباً بعينه، قصداً إلى أن سوء معاملته لا تختص بواحد دون آخر. و هذا النمط
من الاستعمال كثير في القرآن، و منه قوله تعالى: «وَ لَوْ تَرَى إِذِ
الُْمجْرِمُونَ نَاكِسو رُؤوسِهِمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ»(1)، قصداً إلى تفظيع حال
المجرمين، و أنها قد بلغت من الظهور إلى حيث يمتنع خفاؤها، فلا تختص بها رؤية راء
دون آخر، بل كل من يتأتى منه الرؤية، له مدخل في هذا الخطاب.
و إنما يصار إليه في موارد:
1. إذا كان المقام يستدعي إحضار الشيء بعينه باسم مختص به. و هذا هو المورد الأصلي
لإيراد العلم. و عليه قوله تعالى: «وَ إِذْ يَرْفَعُ إِبْراهِيمُ الْقَواعِدَ مِنَ
الْبَيْتِ وَ إِسْماعِيلُ» .(2)
2. إذا كان المقام يستدعي تعظيماً أو تحقيراً و إهانة، و العلم صالح لهما، خصوصاً
الكنى و الألقاب منه.
إلى غير ذلك من النكات التي تعرف من سياق الكلام، و قرائن الأحوال.
1. السجدة: 12.
2. البقرة: 127.
و النكات الداعية إلى ذلك كثيرة أهمها:
1. أن يقصد تحقير المشار إليه بالقرب، كقوله تعالى حكاية عن الكفار: «وَ إِذا
رَأَوْكَ إِنْ يَتَّخِذُونَكَ إَلاّ هُزُواً أَهذا الّذِى بَعَثَ اللّهُ رَسُولاً»
.(1)
2. أن يقصد التعظيم بالبعد، كقوله تعالى حكاية عن امرأة العزيز: «قالَتْ فَذلِكنّ
الّذِى لُمْتُنَّنِى فِيهِ»(2).
3. أن يقصد التنبيه عند تعقيب المشار إليه بأوصاف، على أنه جدير بما يرد بعد إسم
الإشارة من أجلها. و من هذا الباب قوله تعالى: «الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ
وَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَ مِمّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ * وَ الَّذِينَ
يُؤْمِنُونَ بِما أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَ ما أُنْزِلُ مِنْ قَبْلِكَ وَ بِالآخِرَةِ
هُمَ يُوقِنَونَ * أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ وَ أُولئِكَ هُمُ
الْمُفْلِحُونَ»(3). حيث عقّب المشار إليه و هو «الّذينَ يؤمنون» بأوصاف متعددة؛ من
الإيمان بالغيب، و إقامة الصلاة، و الإنفاق ممّا رزقوا، ثم عرف المسند إليه
بالإشارة، تنبيهاً على أن المشار إليهم، أحقّاء بما يرد بعد «أولئك» من كونهم على
الهدى عاجلاً، و الفوز بالفلاح آجلاً، من أجل اتّصافهم بالأوصاف المذكورة.
إلى غير ذلك مما يستدعيه المقام، و يفهم من سياق الكلام.
1. الفرقان: 41.
2. يوسف: 32.
3. البقرة: 3 ـ 5.
و هو أدق الأنواع أسراراً، و ألطفها نكاتاً، و إليك أهمها:
1. إرادة التفخيم و التهويل. كقوله تعالى: «فَغَشِيَهُمْ مِنَ الْيَمِّ ما
غَشِيَهُمْ»(1)، فإن الإبهام في المقام يترك النفس تذهب كل مذهب، حيث إنه يشير إلى
أن ماغشيهم قد بلغ من العظم، بحيث لاتدرك، و لا تفي العبارة ببيانه.
2. تنبيه المخاطب على خطئه، كقول عبدة بن الطيّب:
إنّ الذينَ تُرَونَهُم إخوانكَم يَشْفي غليلَ صدورِهم أن تصرعوا(2)
ففيه من التنبيه على خطئهم في هذا الظن، ما ليس في قولك:«إن القوم الفلاني».
3. إفادة التعظيم، سواء كان التعظيم راجعاً إلى الخبر أم الى غيره.
فالأول، كقول الفرزدق:
إنّ الذي سَمَكَ السماء بنى لنا بيتاً دعائمُهُ أعزّ و أطولُ
حيث أورد إسم «إن» إسم موصول، تعظيماً لشأن الخبر و هو «بنى»؛ لكونه فعل من رفع
السماء، التي لا بناء أعظم منها و لا أرفع. و هذا بخلاف ما لو قال: إناللّه، أو
الرحمن، أو نحو ذلك.
و الثاني: كقوله تعالى: «الّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْباً كانُوا هُمُ
الْخاسِرينَ»(3)، ففيه تعظيم لشأن شعيب بخلاف ما لو قال: إن القوم الفلاني.
4. إفادة التحقير، سواء رجع الى الخبر، أم إلى غيره. فالأول، كقولك: «إن الذي
لايعرف في الفقه قد صنف فيه». و الثاني، كقوله تعالى: «إِنَّ الّذِينَ اتَّخَذُوا
الْعِجْلَ سَيَنالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ» .(4)
1. طه: 78.
2. الغليل هو الحقد، و قد يطلق على حرارة العطش.
3. الأعراف: 92.
4. الأعراف: 152.
5. استهجان التصريح بالإسم كقوله تعالى: «وَ راوَدَتْهُ الَّتِى هُوَ فى
بَيْتِها عَن نَفْسِهِ».(1) حيث إن التصريح باسم المرأة مستهجن عند العرب، و مستقبح
عندهم، خصوصاً في مثل المقام، فجرىاللّه عزّ و جلّ على سَنَن اعتقادهم.
6. زيادة التقرير، و هو قد يكون للمسند، أو للمسند إليه، أو للغرض المسوق له
الكلام. و الآية السابقة صالحة لذلك.
أما تقرير المسند و هو المراودة: فلما يفيده قوله: «فى بيتها» من فرط الألفة، و شدة
المخالطة، فتكون متمكنة منه غاية التمكن، فيسهل عليها مراودته، و مطالبته بما تبغي.
بخلاف ما لو قيل: «راودته زليخا».
و أما تقرير المسند إليه؛ فلإمكان وقوع الإبهام أو الاشتراك، في امرأة العزيز أو
زليخا.
و أما تقرير الغرض المسوق له الكلام، و هو بيان نزاهة يوسف عليهالسلام ، و بعده عن
مظنة الفحشاء؛ فباعتبار أنه إذا استعصم مع كونه في بيتها، متمكناً في خلوة معها،
كان غاية في النزاهة و العفة.
الى غير ذلك من الإعتبارات، المناسبة للمقام، و المفهومة من سياق الكلام.
و يأتي لأحد اُمور:
1. الإشارة إلى معهود تقدّم ذكره فيالكلام صراحة، وتسمى اللام والحالة هذه، بلام
العهد الصريح. نحو: «كَما أَرْسَلْنا إِلى فَرْعَونُ رَسُولاً فَعَصى فِرْعَونُ
الرَّسُولَ» .(2)
2. الإشارة إلى معهود تقدم ذكره تلويحاً، و تسمى بلام العهد الكنائي. نحو:
«وَلَيْسَ الذَّكَرُ كَالأُنْثى»(3)، حيث إن اللام الداخلة على إسم ليس، إشارة إلى
ما سبق ذكره تلويحاً في قوله تعالى: «إِنِّى نَذَرْتُ لَكَ ما فِى بَطْنِى
مُحَرَّراً»(4)، فإن لفظة ما و إن كانت تعم الذكور و الإناث، لكن التحرير ـ و هو أن
يعتق الولد لخدمة بيت المقدس ـ إنما كان للذكور دون الإناث.
3. الإشارة إلى معهود لم يتقدم ذكره، لكنه حاضر عند المخاطب حسّاً. كقولك:
«القرطاس» لمن سدد سهماً.
4. الإشارة إلى معهود لم يتقدم له ذكر أصلاً، و لم يحضر حساً، لكنه معلوم لدى
المخاطب. نحو: «إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ» . و قد تسمى اللام و الحالة
هذه، بلام العهد العلمي.
5. الإشارة إلى الحقيقة من حيث هي هي، مع قطع النظر عن الأفراد، و تسمى بلام الجنس،
نحو: الإنسان حيوان ناطق.
6. الإشارة إلى فرد منالحقيقة غير معين فيالذهن والخارج. وتسمى بلام العهد الذهني،
نحو: «وَ أَخافُ أَنْ يَأْكُلَهُ الذِّئْبُ»(5)، اذ المراد فرد غير معين من أفراد
الذئب.
7. الإشارة إلى الحقيقة من حيث شمولها لجميع أفرادها. فإن شملت كل الأفراد التي
يتناولها اللفظ لغة فهي للإستغراق الحقيقي، نحو: «عالِمُ الْغَيْبِ وَ
الشَّهادَةِ»(6)، و إن شملت كل الأفراد التي يتناولها اللفظ بحسب متفاهم العرف فهي
للإستغراق العرفي، نحو: «جمع الأمير الصاغة»، أي: صاغة إمارته، لا صاغة الدنيا.(7)
1. يوسف: 23.
2. المزمل: 15 ـ 16.
3. آل عمران: 36.
4. آل عمران: 35.
5. يوسف: 13.
6. الرعد: 9.
7. أعرضنا عن ذكر المعرف بالإضافة لعدم أهميته، و لأنّ أكثر نكاته تعرف ممّا تقدّم.
و له أسباب و نكات أهمها:
1. عدم علم المتكلم بما يعين الإسم، سوى اسمجنسه. كقولك: سأل عنك رجل.
2. إمرأة الوحدة. نحو: «وَ جاءَ رَجُلٌ مِنْ أَقْصَا الْمَدِينَةِ يَسْعى»(1) أي:
رجل واحد.
3. إرادة النوع. نحو: «وَ لَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النّاسِ عَلى حَياة» .(2) حيث
إنّهم لم يحرصوا على أصل الحياة كي تعرّف، بل على ازدياد من نوع منها.
4. إفادة التعظيم بمعنى أنّه أعظم من أن يعيّن و يعرّف. نحو: «سَلامٌ عَلى
إِبْراهِيمُ».(3)
5. إفادة التحقير بمعنى إنحطاط شأنه إلى حد لايمكن أن يعرف. نحو: «مِنْ أَىِّ
شَىءٍ خَلَقَهُ»(4)، أي: من شيء حقير مهين، ثم بيّنه بقوله: «مِنْ نُطْفَةٍ
خَلَقَهُ» .(5)
6. قصد التجاهل؛ إما لإفادة الاستهزاء، و عليه ما يحكيه جلّ و علا عن الكفار: «هَلْ
أَدُلُّكُمْ عَلى رَجُلٍ يُنَبِئُكُمْ إِذا مُزِّقْتُمْ كُلَّ مُمَزِّقٍ إِنَّكُمْ
لَفى خَلْقٍ جَدِيدٍ»(6). حيث تجاهلوا اسم النبي صلىاللهعليهوآله حتى كأنهم لم
يكونوا يعرفون منه إلاّ أنه رجل ما، لقصد الاستهزاء، لعنهماللّه. و إمّا لأجل
التهرب؛ صيانة للمتهرب من أن يصاب بأذى، كما لو قال لك شخص: «من شتمني؟» فتجيبه:
رجل.
1. القصص: 20.
2. البقرة: 96.
3. الصافات: 109.
4. عبس: 18.
5. عبس: 19.
6. نبأ: 7.
إلى غير ذلك من النكات المناسبة للمقام، و المفهومة من سياق الكلام.
1. أذكر نكات التعريف في الأمثلة التالية:
أ) «إذ هما فى الغار» .(1)
ب) «تبّت يدا أبى لهب» .(2)
ج) «إنّ الإنسان لفى خسر» .(3)
د) «إنّ الذين تدعون من دون اللّه عباد أمثالكم» .(4)
ه) «و تركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب» .(5)
و) «فالذين آمنوا و عملوا الصالحات لهم مغفرة و رزق كريم * و الذين سعوا فى آياتنا
معاجزين أولئك أصحاب الجحيم» .(6)
ز) «و جعلنا من الماء كل شىء حىّ» .(7)
ح) «و أمّا الذين كفروا فيقولون ماذا أراد اللّه بهذا مثلاً» .(8)
ط) إذا أنت أكرمتَ الكريم ملكته و إذا أنت أكرمتَ اللئيم تمرّدا
1. التوبة: 40.
2. المسد: 1.
3. العصر: 2.
4. الأعراف: 194.
5. يوسف: 17.
6. الحج: 50 ـ 51.
7. الأنبياء: 30.
8. البقرة: 26.
2. أذكر نكات التنكير في الأمثلة التالية:
أ) «و على أبصارهم غشاوة» .(1)
ب) «فأذنوا بحرب من اللّه و رسوله» .(2)
ج) «ما هذا إلاّ رجل يريد أن يصدّكم عمّا كان يعبد آباؤكم» .(3)
د) لهُ حاجب عن كلّ أمرٍ يشينُهُ و ليس له عن طالب العرف حاجب
3. قال السكاكي في قوله تعالي: «إنّى أخاف أن يمسّك عذاب من الرحمن» (4): إنّ
تنكير ـ عذاب ـ للتعظيم.
يوجد في الآية ما يدل على بطلان ذلك، بيّنه.
4. هل تعرف النكتة في تنكير (جنات) و تعريف (الأنهار). فيقوله تعالى: «أنّ لهم
جنّات تجرى من تحتها الأنهار» ؟(5)
5. أذكر بعض نكات التنكير ممّا لم يذكر في الكتاب.
1. البقرة: 7.
2. البقرة: 279.
3. سبأ: 43.
4. مريم: 45.
5. البقرة: 25.
و أسبابه كثيرة إليك أهمّها:
1. أن يكون التأخير موجباً للإخلال ببيان المعنى، و لالتباسه بغيره، كقوله تعالى:
«وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ ءَالِ فِرْعَوْنَ يَكْتُم إِيمَانَهُ»(1)، فإنّه لو
أخر قوله:«من ءَالِ فِرْعَوْنَ»عن قوله: «يَكْتُم إِيمَانَهُ»، لتوهّم أنه من صلة ـ
يكتم ـ فلا يفهم أنه منهم.
2. أن يكون في التأخير إخلال بالتناسب، فيقدم لمشاكلة الكلام، و رعاية الفاصلة،
كقوله تعالى: «فَأَوْجَسَ فِى نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسَى»(2)، فإنه لو أخّر «فِى
نَفْسِهِ»عن «مُوسَى» لفات تناسب الفواصل؛ لأن قبله: «يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ
سِحرِهِمْ أَنَّهَا تسْعَى»(3)، و بعده: «إِنّكَ أَنْتَ الأعلَى»(4).
1. غافر: 28.
2. طه: 67.
3. طه: 66.
4. طه: 68.
3. أن يكون التقديم لإرادة التوبيخ و التعجيب من حال المتقدّم، كتقديم المفعول
الثاني على الأوّل في قوله تعالى: «وَ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكَاءَ الْجِنَّ»(1)، و
الأصل «الجن شركاء»، و قدم؛ لأن المقصود التوبيخ، و تقديم الشركاء أبلغ في حصوله.
4. أن يكون المقدم أهم، إمّا بنظر المتكلم، كقولك عند الشروع في فعل: «بسم اللّه»،
حيث يقدّر المحذوف مؤخراً.
و إما بنظر المخاطب؛ لتعجيل مسرته، كما في قولك: «قتل الخارجيَّ فلان»، إذ ليس
للناس في معرفة القاتل مزيد فائدة، و إنما الذي يهمهم، و يرتبط بمسرتهم، هو وقوع
القتل بالخارجي، ليخلصوا من شره.
و من هذا الباب قوله تعالى: «وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ مِن إِملاَقٍ نَحْنُ
نَرْزُقُكُمْ وَ إيَّاهُمْ»(2)، حيث قدم ضمير المخاطب على ضمير الغائب؛ لأن الخطاب
فيها مع الفقراء؛ بدليل قوله: «مِن إِملاَقٍ»، فكان رزقهم عندهم أهمّ من رزق
أولادهم، فقدّم الوعد برزقهم على الوعد برزق أولادهم. و خالف ذلك في آية أخرى فقال:
«وَ لاَ تَقْتُلُوا أَوْلاَدَكُمْ خَشْيَةَ إملاقٍ نَحْنُ نَرْزُقهُمْ وَ
إِيَّاكُم»(3)، حيث قدّم ضمير الغائب على ضمير المخاطب؛ لأن الخطاب فيها مع
الأغيناء؛ بدليل «خَشْيَةَ إملاقٍ»، فإن الخشية إنما تكون ممّا لم يقع، فكان رزق
أولادهم هو المطلوب، دون رزقهم؛ لأنه حاصل، فكان أهم، فقدم الوعد برزق أولادهم على
الوعد برزقهم.
1. الأنعام: 100.
2. الأنعام: 151.
3. الإسراء: 31.
5. أن يكون المقصود إفادة التقوي و التخصيص. و هذه النكتة تقتضي بسط الكلام،
فيقع البحث في حالتين:
و له صورتان:
الصورة الأُولى: أن لا يكون المسند إليه واقعاً في حيّز النفي. و حينئذ يكون
التقديم لإفادة أحد أمرين:
أ) التخصيص؛ أي تخصيص المسند بالمسند إليه، و قصر المسند على المسند إليه.
فإذا قلت ـ مثلاً ـ أنا كتبت إلى فلان. فإنك تريد أن تدّعي الإنفراد بذلك، و
الاستبداد به، و تزيل الاشتباه فيه، و تردّ على من زعم أن ذلك كان من غيرك، أو أن
غيرك قد كتب كما كتبت. و من أمثلة ذلك قولهم في المثل: «أَتُعلِمُني بضبٍّ أنا
حرشته»(1).
و كذا الحال فيما لو كان المتأخر منفياً، نحو: «أنت ما سعيت في حاجتي»، قاصداً إلى
تخصيصه بعدم السعي، و إثبات السعي لغيره. و إذا لم يصدر السعي في حاجتك من أحد،
فليس لك ذكر هذه الجملة، بل تقول: «ما سعيت في حاجتي».
1. يقوله العالم بالشيء لمن يريد تعليمه إياه. و حرش الضب و احترشه: صاده بالحيلة المعروفة. و هي أن يحرك يده على باب جحره ليظنه حية، فيخرج ذنبه ليضربها، فيأخذه.
ب) التأكيد والتقوّي، كما تقول في إنسان يعطي الجزيل: «هو يعطي الجزيل».
حيث لاتريد أنّ غيره ليس كذلك، بل تريد أن تؤكد ذلك و تقوّيه، و تحقق على السامع أن
إعطاء الجزيل دأبه. و من هذا الباب قوله تعالى: «وَاتَّخَذواْ مِنْ دُونِهِ
ءَالِهَةً لاَيَخْلُقُونَ شَيْئاً وَ هُمْ يُخلَقونَ»(1) إذ ليس المراد انفرادهم
بذلك، فإن غيرهم يُخلق أيضاً، بل المراد تحقيق الحكم و توكيده.
و التقديم إنمّا يفيد التقوّي؛ لأجل أنّ الإسم لا يؤتى به معرّى عن العوامل اللفظية
إلاّ لحديث قد نُوي إسناده إليه. فإذا قلت: «زيد» فقد أشعرت قلب السامع أنّك أردت
الحديث عنه، فإذا جئت بالحديث بعد ذلك، و قلت: «قام»، دخل على قلبه دخول المأنوس
به، و قَبِله قبول المتهيأ له المطمئن إليه، لأنك وطّأت له، و ذلك لا محالة أشد
لثبوته و أمنع للتردد فيه.
و جملة الأمر: أنه ليس إعلامك الشيء بغتة، مثل إعلامك له، بعد التنبيه عليه، و
التقدمة له؛ لأن ذلك يجري مجرى تكرير الإعلام، في التأكيد و الإحكام.
و يشهد لما ذكرنا، أنّ هذا الضرب من الكلام، يجيء فيما سبق فيه إنكار، كقوله جلّ و
علا: «وَ يَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ الكَذِبَ وَ هُمْ يَعْلَمُونَ»(2) و ذلك لأن
الكاذب لا سيّما في الدين، لا يعترف بأنّه كاذب، فضلاً عن أن يعترف بالعلم بأنه
كاذب.
1. الفرقان: 3.
2. آل عمران: 75.
الصورة الثانية: أن يكون المسند إليه واقعاً في حيّز النفي. و هذه الحالة
تقتضي تخصيص المسند إليه بالخبر الفعلي.
توضيح ذلك: أنك إذا قلت: «ما قلت هذا»، تكون قد نفيت عنكقولاً، لم يثبت أنه مقول،
و إذا قلت:«ما أنا قلت هذا»، تكون قد نفيت عنك قائلية قول ثبت أنه مقول، فبنفيه
عنك، أثبته للغير. و مما هو مثال بيّن على أن تقديم المسند إليه يقتضي وجود
الفعل، قول الشاعر:
وَ ما أنا أَسْقَمْتُ جِسْمِي بِهِ وَ لاَ أَنَا أَضْرَمْتُ في الْقَلْبِ نَارَا
المعنى ـ كما لا يخفى ـ على أن السقم ثابت موجود، و ليس القصد بالنفي إليه، و
لكن إلى أن يكون هو الجالب له.
و يترتب على ما ذكر: أنه يصلح لك أن تقول: «ما قلت هذا، و لا قاله أحد من الناس»، و
لايصلح ذلك في الوجه الآخر، فلايصح أن يقال: «ما أنا قلت هذا، و لا قاله أحد من
الناس»؛ و ذلك لأن التقديم يفيد ثبوت القائلية للغير، فلا يصح نفيها عن كل أحد.
و هو لايفيد إلاّ التخصيص. و يتّضح ذلك فى جملة من الموارد.
1. موارد تقديم الخبر، كقوله تعالى: «لاَ فِيهَا غَوْلٌ»(1)، حيث أفاد التقديم: أن
خمورالجنّة مختصةبعدمالغول ـ وهي الحالةالتيتعرض علىالإنسانبعدشربالخمر.
و لأجل أن تقديم الخبر يفيد التخصيص، لم يقدّم الخبر في قوله تعالى: «لاَرَيْبَ
فِيهِ»(2)؛ لئلاّ يفيد التقديم ثبوت الريب في سائر كتباللّه تعالى.
2. موارد تقديم المفعول، كقوله تعالى: «إِنْ كُنْتُمْ إيَّاهُ تَعبُدُونَ»(3)، أي
إن كنتم تخصّونه بالعبادة.
1. الصافات: 47.
2. البقرة: 2.
3. النحل: 114.
و لأجل أن تقديم المفعول على الفعل يفيد الاختصاص امتنعت الجمل التالية:
أ) «زيداً ضربت وغيره». وذلك لأناختصاصالمضروبيةبزيد، ينافي ضربغيره.
ب) «ما زيداً ضربت و لا غيره». و ذلك لأن اختصاص عدم المضروبية بزيد، يقتضي ضرب
غيره، لا عدم ضربه.
ج) «ما زيداً ضربت و لكني أكرمته». و ذلك لأن التقديم يدل على أنّ المخاطب قد أخطأ
في تعيين المفعول، و تعقيب الجملة الأُولى بالإستدراك المذكور، يدلّ على أنّه مخطأ
في تعيين الفعل، فالصواب إذن أن تقول: «ما زيداً ضربت و لكن عمراً».
و بهذا يكون قد تمَّ ما أردنا بيانه من نكات التقديم.
و أما التأخير فإنّما يصار إليه فيما إذا كان هو الأصل، و لا مقتضى للعدول عنه إلى
التقديم، و قد مرّ بعض أمثلته فلا نطيل.
1. قارن بين الآيتين التاليتين و بيّن النكتة البلاغية في اختلاف المقدّم و
المؤخّر فيهما: مع ملاحظة السياق الواقعتين فيه.
أ) «و جاء من أقصا المدينة رجل يسعى».(1)
ب) «و جاء رجل من أقصا المدينة يسعى».(2)
2. ما هي نكتة التقديم فيما يلي:
أ) «إيّاك نعبد و إيّاك نستعين».(3)
ب) «و تغشى وجوههم النار» .(4)
3. ما الفرق بين قولك: «أزيداً ضربت» و قولك: «أضربت زيداً»؟
1. يس: 20.
2. القصص: 20.
3. الفاتحة: 3.
4. إبراهيم: 50.
الصفة إن تلت النكرة فهي مخصصة، و إن تلت المعرفة فهي موضحة. و الأُولى تأتي
لغرض زيادة الفائدة؛ لأن الشيء كلما ازداد خصوصاً، ازداد فائدة، كما يظهر بالنظر
إلى قولنا: «قال رجل»، و قوله تعالى: «وَ قَالَ رَجُلٌ مُؤمِنٌ مِنْ ءَالِ
فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمنَهُ»(1). و الثانية تأتي لأغراض متعددة، أكثرها يفهم من
نفس الصفة؛ فلذا تعددت الأغراض بتعدد المعاني التي تدل عليها الصفات، فنقتصر على
ذكر أهمها:
1. قصد المدح و الثناء: كقوله تعالى: «بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ»(2). و
الحق أنها في هذا المثال و نحوه، ليست إلا لمجرد المدح و الثناء، و ليس ذكر الوصف
هنا للتمييز؛ لأنه ليس له مثل ـ تعالىاللّه عن ذلك ـ حتى يميز عنه بالصفة.
1. غافر: 28.
2. الفاتحة: 1.
2. قصد الذم و التحقير، كقوله تعالى: «فَإِذَا قَرَأتَ الْقُرْءَانَ فاسْتَعِذْ
بِاللَّهِ مِنَ الشّيْطَنِ الرَّجِيمِ»(1).
3. الكشف عن حقيقة الموصوف، و بيان معناه، كقول أوس بن حجر:
الأَلمَعِيُّ الّذِي يَظُنُّ بِكَالظـَ ـنّ كَأَنْ قَْد رَأَى و قَدْ سَمِعَا
فإنّ الألمعي معناه الذكي المتوقد، و الوصف بعده مما يكشف معناه و يوضحه.
4. إفادة الترحم، و عليه ما ورد في الدعاء: «و أنا عبدك الذليل الحقير المسكين
المستكين».
و الأولى تأتي ـ أيضا ـ لأعراض متعدّدة منها:
أ) قصد التأكيد، و عليه قوله تعالى: «فَإِذَا نُفِخَ فِى الصوُّرِ نَفْخَةٌ
وَاحِدَةٌ»(2).
ب) تعيين المراد، و بيان المقصود، كقوله تعالى: «وَ مَا مِنْ دَابَّةٍ فِى الأَرضِ
وَ لاَطَائِرٍ يَطيِرُ بِجَناحَيْهِ إلاَّ أُمَمٌ أَمثَالُكُمْ»(3)، حيث وصف ـ دابة
و طائر ـ بما هو من خواص الجنس؛ لبيان أن القصد منهما إلى الجنس، دون الفرد.
فإن كان عطف بيان فهو كالنعت في مجيئه للإيضاح، و إزالة الإشتراك، كقولك: «جاء صديقك خالد». و قد يستعمل في غير الإيضاح، كالمدح، كما في قوله تعالى: «جَعَلَ اللَّهُ الكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَام»(4).
1. النحل: 98.
2. الحاقة: 13.
3. الأنعام: 38.
4. المائدة: 97.
و إن كان عطف نسق، فيأتي لأحد أمور نكتفي بذكر واحد منها، و هو أن يقصد التفصيل
مع اختصار، كقوله تعالى: «وَ وَهبْنَا لَهُ إِسْحَقَ وَ يَعْقُوبَ»(1)، فإنّ كلاً
من الموهوبين، لو لم يعطف أحدهما على الآخر؛ بأن ذكرا بلفظ يجمعهما، لحصل إجمال و
إبهام، بخلاف ذكرهما بالعطف، فإنه فيه تفصيل لهما، و هو أخصر من أن يقال: « و وهبنا
له اسحاق، و وهبنا له يعقوب» و إذا كان العطف ـ بالفاء أو بثم أو بحتى ـ كان
التفصيل راجعا إلى الفعل، فإذا قلت: «جاء زيد فعمرو» أفدت تفصيل الفعل، و أنه كان
من عمرو بعد كونه من زيد بلا مهلة، و لو كان العطف بثم أفاد التفصيل المذكور مع
التراخي، و هذا أخصر من قولك: «جاء زيد و عمرو بعده» فوراً أو متراخياً.
و أما حتى، فهي تفيد التدريج بين أجزاء ما قبلها؛ من الأضعف إلى الأقوى، أو العكس،
كقولك: «قهرنا الجيش حتى الكماة»، و «قدم الحجيج حتى المشاة»، و لايخفى ما فيه من
التفصيل.
إلى غير ذلك من المعاني، التي يأتي التعرض لبعضها في الأبواب اللاحقة.(2)
و أما التقييد بالمفعول، و البدل و التوكيد، و نحوها، فنعرض عن ذكرها لوضوح نكاتها،
و قلتها، مضافاً إلى أنه تقدم ما يشير إلى بعضها.
و أما ترك التقييد بما ذكر، فلمانع من زيادة الفائدة، مثل: خوف انقضاء الفرصة، أو
إرادة ألاّ يطّلع الحاضرون على زمان الفعل، أو مكانه، أو مفعوله، أو صفة الشيء، أو
لعدم العلم بالمقيدات، أو نحو ذلك مما هو واضح لكل من له ذوق سليم.
1. الأنعام: 84.
2. المقصود منها بابان: القصر، والفصل و الوصل.
التقييد به يكون للأغراض التي تؤديها معاني أدوات الشرط، كالزمان في «متى، و
أيان»، و المكان في «أينما، و حيثما»، و الحال في «كيفما»، و غير ذلك مما هو مذكور
في كتب النحو.
إلا أنه لابد من النظر هنا في «إن، و إذا»، لاختصاصهما بمزايا تعدّ من وجوه
البلاغة، و عدم استيفاء البحث عنهما في كتب النحو.
فاعلم أن «إن و إذا»: يشتركان في كونهما للشرط في الإستقبال، و يفترقان في أنّ «إن»
تستعمل في المحتمل المشكوك فيه؛ و لذا كثر وقوع الحكم النادر بعدها. بينما الأصل في
«إذا» أن تستعمل فيما جزم بوقوعه؛ و لذا غلب لفظ الماضي معها؛ لما تقدم من أن
التعبير عن المضارع بلفظ الماضي، يدل على تحقق الوقوع. و يظهر هذا الفرق بالتأمل في
قوله تعالى: «فَإِذَا جِآءَتْهُمُ الحَسَنَةُ قَالُواْ لَنَا هَذِهِ وَ إِ نْ
تُصِبْهُم سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَ مَنْ مَعَهُ»(1)، حيث جيء في جانب
الحسنة بلفظ الماضي مع «إذا»؛ لأن المراد الحسنة المطلقة التي حصولها مقطوع به، و
جيء في جانب السيئة بلفظ المضارع مع «إن»؛ لأن السيئة نادرة بالنسبة الى الحسنة
المطلقة؛ إذ المراد بها نوع مخصوص، و هو الجدب.
لكن كثيراً ما يخرج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة لـ «إن و إذا» فتستعمل
احداهما موقع الاُخرى.
1. الأعراف: 131.
و ذلك باستعمالها في مقام الجزم بوقوع الشرط، و لابدَّ له من نكات أهمها:
1. عدم جزم المخاطب بوقوع الشرط، فيُجرى الكلام على وفق اعتقاده، كقولك لمن يشك في
صدقك: «إن صدقت فماذا تفعل» مع علمك بأنك صادق.
2. تنزيل المخاطب العالم بوقوع الشرط منزلة الجاهل؛ لمخالفته مقتضى علمه، كقولك لمن
يؤذي أباه: «إن كان أباك فلاتؤذه».
و يجوز أن يكون من باب تنزيل المتكلم نفسه منزلة الجاهل؛ لإيهام أن الأذى الصادر من
الولد لأبيه، لايصدر إلا من الأجنبي؛ فلذا شكك نفسه في أنه أبوه.
3. تغليب غير المتصف بالشرط على المتصف به، كما إذا كان القيام قطعي الحصول لزيد،
غير قطعي لعمرو، فتقول «إن قمتما كان كذا». و عليه قوله تعالى: «وَ إِنْ كُنتُمْ فى
رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلَى عَبْدِنا»(1)، فاستعمل «إن» مع تحقق الارتياب منهم؛
لأنّ الكل لميكونوا مرتابين،بلفيهم منيعرفالحق وإنما ينكرعناداً، فغلب غير
المرتابين منهم على المرتابين؛ لأن صدور الارتياب من غير المرتابين مشكوك.
استعمال «إذا» موقع «إن»
و ذلك باستعمالها في المشكوك، و يكون لنكات، أهمها:
1. الإشعار بأن الشك في ذلك الشرط مما لا ينبغي أن يقع، كقولك لمن قال لا أدري، هل
يتفضل عليّ الأمير بعطية؟ ـ : «إذا تفضل عليك كيف يكون شكرك؟»، إشعاراً أن الأمير
لا ينبغي الشك في تفضله.
2. عدم شك المخاطب بوقوع الشرط، فيجرى الكلام على سنن اعتقاده، كقولك: «إذا لم تكن
صادقاً فماذا تفعل؟».
إلى غير ذلك من النكات، التي تفهم من المقابلة.
1. البقرة: 23.
1. أذكر ثلاثة أمثلة قرآنية على التقييد بالوصف و بيّن النكتة فيها.
2. ما هي نكتة التقييد بالوصف في قوله تعالى: «تلك عشرة كاملة» ؟(1)
3. كيف خرّج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر بالنسبة لـ «إن و إذا» فيمايلي؟
أ) «فإن كذّبوك فقد كذّب رسل من قبلك» .(2)
ب) «و إذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها و إن تصبهم سيّئة» .(3)
ج) «إذا جاء نصراللّه و الفتح» .(4)
د) «إن كنتم فى ريب من البعث» .(5)
1. البقرة: 196.
2. آل عمران: 184.
3. الروم: 36.
4. النصر: 1.
5. الحج: 5.
القصر لغة: الحبس، و منه قوله تعالى: «حُوُرٌ مَقْصُورَاتٌ فِى الخِيام»(1). و
اصطلاحاً: «تخصيص شيء بشيء بطريق مخصوص». فالأول يسمى مقصوراً، و الثاني مقصوراً
عليه.
للقصر طرق كثيرة، أهمّها أربعة:
الطريق الأوّل: العطف بأدوات مخصوصة و هي: «لا، و بل، و لكن».
أما «لا» فيشترط فيها أن تسبق بكلام موجب، كقولك: «زيد شاعر لا كاتب». و أما «بل، و
لكن» فيشترط أن يتقدمهما نفي، كقولك: «ما زيد شاعراً بل عمرو، و ما زيد شاعراً لكن
كاتب». و المقصور عليه في «لا» هو المذكور قبلها، المقابل لما بعدها، و في «بل، و
لكن» ما يذكر بعدهما.
1. الرحمن: 72.
الطريق الثاني: النفي و الاستثناء، كقوله تعالى: «وَ ما تَوْفِيقِى إلاّ
بِاللّهِ»(1). و المقصور عليه هو الواقع بعد أداة الاستثناء.
الطريق الثالث: «إنّما»، كقوله تعالى: «إِنَّما يَخَشى اللّهَ مِنْ عِبادِهِ
العُلَمَاءُ»(2) و المقصور عليه معها واجب التأخير.
الطريق الرابع: تقديم ما حقّه التأخير، كقوله تعالى: «عَلَى اللّهِ
تَوَكَّلنا»(3) و قد تقدم البحث عنه في الباب الرابع. و المقصور عليه هنا هو
المقدم.
للقصر تقسيمات ثلاثة: كل واحد منها باعتبار.
* التقسيم الأوّل: ينقسم القصر باعتبار الحقيقة و الواقع إلى قسمين:
أ) القصر الحقيقي: و هو «كل قصر يختص فيه المقصور بالمقصور عليه، و لايتعداه إلى
غيره أصلاً». نحو: «و َ مَا مِن إلهٍ إلاّ اللّه»(4)، فالألوهية صفة مختصة به
تعالى، و لاتتعداه إلى كل ما يصدق عليه أنه غير اللّه.
ب) القصر الإضافي: و هو «كل قصر يختص فيه المقصور بالمقصور عليه، بالإضافة و
النسبة إلى شيء معين». نحو: «وَ مَا مَحَمَّدٌ إلاّ رَسُولُ»(5)، حيث قصر محمد
صلىاللهعليهوآله على كونه رسولاً، بالإضافة إلى شيء معين، و هو الخلود و عدم
الموت.
1. هود: 88.
2. فاطر: 28.
3. يونس: 85.
4. آل عمران: 62.
5. آل عمران: 144.
* التقسيم الثاني: و هو تقسيمه باعتبار طرفيه إلى قسمين:
1. قصر الموصوف على الصفة. و هو «القصر الذي يختص فيه الموصوف بالصفة، و لايتجاوزها
إلى غيرها، و لا مانع من اتصاف غيره بها». مثاله في الحقيقي(1)، قولك: «إنما اللّه
جامع لجميع صفات الكمال». و مثاله في الإضافي، قوله تعالى: «وَ مِا مَحَمَّدٌ إلاّ
رَسولُ»(2).
2. قصر الصفة على الموصوف. و هو «القصر الذي تختص فيه الصفة بالموصوف، و لاتتجاوزه
إلى غيره، و لا مانع من اتصافه بغيرها». مثاله في الحقيقي، قوله تعالى: «إِنَّما
يَخَشى اللّهَ مِن عِبادِهِ العُلَمَاءُ»(3). و مثاله في الإضافي، قولك: «زيد شاعر
لا عمرو».
* التقسيم الثالث: و هو مختص بالقصر الإضافي، حيث قسم بلحاظ حال المخاطب إلى
ثلاثة أقسام:
1. قصر الإفراد: و هو «القصر الذي يلقى لمخاطب، معتقد باشتراك موصوفين في صفة
واحدة، أو باشتراك صفتين في عروضهما على موصوف واحد».
2. قصر القلب: و هو «القصر الذي يلقى لمخاطب، معتقد بعكس ما تثبته»
3. قصر التعيين: و هو «القصر الذي يلقى لمخاطب متردد، طالب للتعيين». و أمثلتها:
أنا سعيت في حاجتك، و حجازي أنا.
1. ذكروا أنّ قصر الموصوف على الصفة من الحقيقي، لا يكاد يوجد،
لتعذر الاحاطة بصفات الشيء، حتى يمكن إثبات شيء منها و نفي ما عداها، بل ذهبوا إلى
استحالته أيضاً؛ إذ انّ للصفة المنفية نقيضاً، و هو من الصفات التي لايمكن نفيها؛
ضرورة امتناع ارتفاع النقيضين. مثلاً لو قلنا: «ما زيد إلاّ كاتب»، و أردنا أنه لا
يتصف بغيره، للزم أن لايتّصف بالقيام، و لا بنقيضه و هو محال، فعليه إنّما صحّ
المثال المذكور لخصوصية فيه.
2. آل عمران: 144.
3. فاطر: 28.
الاول: المقصود بالصفة في التقسيم الثاني، الصفة المعنوية، التي تدل على
معنى قائم في الشيء، سواء كان اللفظ الدال عليها، جامداً أم مشتقاً، و ليس المراد
بها النعت النحوي.
الثاني: يشترط في قصر الموصوف على الصفة إفراداً، عدم تنافي الوصفين؛ ليصح
اعتقاد المخاطب باجتماعهما في الموصوف. فالصفة المنفية في قولك: «ما زيد إلا قاعد»
هي كونه نائماً و نحو ذلك، لا كونه قائماً.
الثالث: تعرض علماء البلاغة إلى طرق القصر، و تقسيماته، لكن الأكثر قد أغفل
جانباً مهماً منه، و هو بيان قيمته البلاغية.
فاعلم أن القصر يعتبر ضرباً من ضروب الإيجاز، الذي هو أعظم ركن من أركان البلاغة؛
فأن جملة القصر في قوة جملتين، إذ قولك: «ما قائم إلاّ زيد»، في قوّة قولك: «زيد
قائم، و غيره ليس بقائم».
و لذا يعد القصر من أدوات التوكيد، و أشد طرقه توكيداً الطريق الثاني، فلذا كان
الأصل فيه، أن يجيء لأمر ينكره المخاطب، كقولك لصاحبك و قد رأيت شبحاً من بعيد: «ما
هو إلاّ زيد»، إذا اعتقد غيره مصراً على هذا الاعتقاد.
و قد يستعمل في المعلوم إذا نزل منزلة المنكر؛ لاعتبار مناسب، و من هذا الباب قوله
تعالى: «وَ مَا محَمَّدٌ إلاّ رَسُولٌ»(1)، حيث قصر محمد صلىاللهعليهوآله على
الرسالة، و نفى عنه صفة الخلود، و المخاطبون ـ و هم الصحابة ـ عالمون بذلك غير
منكرين له، لكنهم لما كانوا يعدون موته أمراً عظيماً، نزل استعظامهم موته منزلة
إنكارهم إياه، فاستعمل له النفي و الاستثناء.
1. آل عمران: 144.
و أمّا «إنما» فلكونها أضعف من النفي و الاستثناء، كان الأصل فيها، أن تستعمل
لخبر لايجهله المخاطب، و لاينكر صحته، أو لما ينزل هذه المنزلة.
أما الأول: فكما تقول: «إنما هو أخوك، و إنما هو صاحبك القديم»، لاتقوله لمن يجهل
ذلك و يدفع صحته، و لكن لمن يعلمه و يقربه، إلا أنك تريد أن تنبهه للذي يجب عليه،
من حق الأخوة، و حرمة الصحبة، و مثاله من التنزيل قوله تعالى: «إنَّما تُنْذِرُ
مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَ خَشَىَ الرَّحمنَ بِالغيبِ»(1)، فهذا يكون له تأثير،
إذا كان مع من يؤمن باللّه و يخشاه،و أما الكافر الجاهل، فالإنذار و تركه معه
سيّان.
و أما الثاني: فكقوله تعالى: «إنَّما نحْنُ مُصْلِحُونَ»(2) حيث ادعوا أن كونهم
مصلحين أمر ظاهر من شأنه ألا يجهله المخاطب و لاينكره، و لذلك جاء الجواب: «أَلا
إنَّهْم هُمُ المُفْسِدُونَ»(3) للرد عليهم مؤكداً بما ترى.
و إذا استقرأت مواضع استعمالها، وجدتها أقوى ما تكون، و أعلق ما ترى بالقلب، إذا
كان لايراد بالكلام بعدها نفس معناه، و لكن التعريض بأمر هو مقتضاه، مثلاً: ليس
الغرض من قوله تعالى: «إنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُوْلُوا الألْبَابِ»(4) أن يعلم
السامعون ظاهر معناه، بل أن يذم الكفار، و أن يقال إنهم من فرط العناد، و غلبة
الهوى عليهم، في حكم من ليس بذي عقل، فطمع التذكر منهم، كطمعه من غير أولي الألباب.
1. يآسآ: 11.
2. البقرة: 11.
3. البقرة، 12.
4. الزمر: 9.
* تأمل الأمثلة التالية ثم أجب على ما يأتي بعدها من أسئلة:
أ) «فإنّما عليك البلاغ و علينا الحساب» .(1)
ب) «و ما أنت بمسمع من فى القبور إن أنت إلاّ نذير» .(2)
ج) «إنّمايستجيب الذين يسمعون» .(3)
د) «ما كان محمد أبا أحد من رجالكم و لكن رسول اللّه و خاتم النبيين».(4)
ه) «إيّاك نعبد» .(5)
و) «و ما من إله إلا اللّه» (6)
ز) «قل إنما حرّم ربّى الفواحش» .(7)
ح) «إنمايخشى اللّه من عباده العلماء» .(8)
1. ميّز بين القصر الحقيق و الإضافي.
2. ميّز بين قصر الموصوف على الصفة و قصر الصفة على الموصوف.
3. ميّز بين قصر القلب و الإفراد و التعيين.
4. حوّل كلاًّ من قصر الموصوف على الصفة، و قصر الصفة على الموصوف إلى مقابله.
5. أي الجملتين التاليتين أبلغ في مدح زيد؟ وضّح السبب:
أ) إنما يجيد الخطابة زيد.
ب) إنما زيد يجيد الخطابة.
6. هل تستطيع أن تجعل جملة (الصديق وقت الضيق) تفيد القصر، مستخدماً جميع طرقه.
1. الرعد: 40.
2. فاطر: 22 ـ 23.
3. الأنعام: 36.
4. الأحزاب: 40.
5. الفاتحة: 5.
6. آل عمران: 62.
7. الأعراف: 33.
8. فاطر: 28.
يعتبر هذا الباب، من أهم أبواب علم المعانى؛ لكونه سراً من أسرار البلاغة، الذي
لايأتي لتمام الصواب فيه، إلا الخلص من العرب، الذين طبعوا على البلاغة، و أوتوا
حظّاً من المعرفة في ذوق الكلام، و هم بذلك أفراد. و قد بلغ من قوة الأمر في ذلك،
أنهم جعلوه حداً للبلاغة، فقد جاء عن بعضهم(1)، أنه سئل عنها، فقال: «معرفة الفصل و
الوصل». و ما ذلك إلاّ لغموضه، و دقّة مسلكه، و كثرة دورانه في الكلام؛ حيث إن كل
كلام مركب من جملتين، محتاج في بلاغته إلى معرفة مسائل هذا الباب، و أنه لا يكمل
لإحراز الفضيلة فيه أحد، إلا كمل لسائر أبواب البلاغة.
الوصل هو العطف، و الفصل تركه. و الكلام المهم إنما هو في الفصل و الوصل الواقعين بين الجمل. أما عطف المفرد، ففائدته واضحة، و هي تحصيل مشاركة الثاني للأول في الحكم الإعرابي، ليعلم أنه مثل الأول في فاعليته، أو مفعوليته، أو نحو ذلك.
1. نسب ذلك لأبي علي الفارسى.
الموضع الأول: أن يكون للاُولى حكم، لم يقصد إعطاؤه للثانية، و الحكم الثابت
للجملة الاُولى الذي لم يقصد إعطاؤه للثانية، على ضربين:
أ) الحكم الإعرابي ففي قوله تعالى: «وَ إِذا خَلَوا إلى شياطِينِهِمْ قَالُوا إِنّا
مَعَكُمْ إِنّما نَحْنُ مُسْتَهزءُونَ * اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ»(1)، لم يعطف
جملة «اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» على جملة «إِنّا مَعَكُمْ» لأن للاُولى حكماً
إعرابياً، و هو كونها مفعول القول، فلو عطفت الثانية عليها للزم تشريكها في هذا
الحكم الإعرابي، فتكون من مقول قول المنافقين، مع أنها ليست كذلك، فترك العطف لقصد
عدم التشريك.
ب) القيد الزائد على مدلول الجملة، كالاختصاص و نحوه. ففي المثال السابق، لم يعطف
«اَللّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ» على «قَالُوا»، لئلا يشاركه في الاختصاص بالظرف.
توضيح ذلك: أن جمله (قالوا) مقيدة بظرف؛ أعني (إذا)، و تقديم الظرف يفيد الاختصاص
كما مرّ، فالمعنى ـ حينئذ ـ أنهم يقولون: إنا معكم في وقت خلوّهم إلى شياطينهم، لا
في وقت وجود المؤمنين، فلو عطف الجملة الثانية عليها، للزم أن يكون استهزاء اللّه
بهم ثابتاً في ذلك الظرف فقط؛ لإفادة العطف تشريك الجملتين في الاختصاص به، مع أنّ
المراد أن استهزاء اللّه ثابت و مستمر، كما هو مقتضى التعبير بالجملة الاسمية
الدالة على الثبوت و الاستمرار.
الموضع الثاني: أن يكون بين الجملتين كمال الانقطاع؛ بأن تختلف الجملتان اختلافاً
تاماً، فيترك العطف؛ لاقتضائه التناسب بين المعطوف و المعطوف عليه. و يتحقق ذلك في
ثلاثة موارد:
1. البقرة: 14 ـ 15.
أ) أن تختلف الجملتان، خبراً و إنشاءً، لفظاً و معنىً؛ بأن تكون إحداهما خبراً،
لفظاً و معنىً، و الاُخرى إنشاءً لفظاً و معنىً، كقول الأخطل:
وَ قَالَ رَائِدُهُمْ أَرْسْوا نُزَاوِلُها فَكُلُّ حَتْفِ امْرِىءٍ يَجَرِي
بِمِقْدارِ(1)
حيث لم يعطف ـ نزاولها ـ على ـ أرسوا ـ لأنه خبر لفظاً و معنىً، و أرسوا ـ إنشاءً
كذلك.
ب) أن تختلفا خبراً و إنشاءً، معنىً فقط، بأن تكون إحداهما خبراً معنىً، و الاُخرى
إنشاءً كذلك، و إن كانتا من حيث اللفظ إنشائيتين، أو خبريتين، نحو: «مات فلان، رحمه
اللّه».
ج) أن لا يكون بينهما مناسبة و ارتباط، و إن اتّحدا في الخبرية و الإنشائية، فلا
يقال: «زيد قائم و العلم نافع»، و لهذا عيب على أبي تمام قوله:
لاَ وَالَّذِي هُوَ عَالِمٌ أَنَّ النَّوى صَبِرٌ و أَنَّ أَبا الحُسَينِ كَرِيمُ
و ذلك: لأنه لا مناسبة ظاهرة بين كرم أبي الحسين، و مرارة النوى، و لا تعلق لأحدهما
بالآخر، و لا يقتضي الحديث بهذا، الحديث بذاك.
الموضع الثالث: أن يكون بين الجملتين كمال الاتصال؛ بأن تتحد الجملتان اتحاداً
تاماً، فيترك العطف؛ لاقتضائه شيئاً من التغاير بين المعطوف و المعطوف عليه. و
يتحقق ذلك في موردين:
أ) أن تكون الجملة الثانية مؤكدة للاُولى، و مقررة للمعنى المفهوم منها، فيترك
العطف كما يترك في المفرد، و عليه قوله تعالى: «وَ إِذا تُتْلَى عَلَيهِ آياتُنَا
وَلَّى مُستَكْبِراً كَأَنْ لَ