مختصر المعاني

سعد الدين التفتازاني

================

[ 1 ]

مختصر المعاني سعد الدين التفتازاني

================

[ 2 ]

منشورات دار الفكر قم شارع ارم تلفن (23646) هوية الكتاب الكتاب: مختصر المعاني المؤلف: سعد التفتازانى الناشر: دار الفكر / قم الصف الالكتروني: كمبيوست مؤسسة آل البيت (ع) المطبعة: قدس / قم التعداد: 3000 جلد الطبعة: الاولى 1411 ه‍. ق

================

[ 3 ]

بسم الله الرحمن الرحيم

================

[ 5 ]

بسم الله الرحمن الرحيم نحمدك يا من شرح صدورنا لتلخيص البيان في ايضاح المعاني، ونور قلوبنا بلوامع التبيان من مطالع المثاني، ونصلي على نبيك محمد المؤيد دلائل اعجازه باسرار البلاغة، وعلى آله واصحابه المحرزين قصبات السبق في مضمار الفصاحة والبراعة. (وبعد) فيقول الفقير إلى الله الغني، مسعود بن عمر المدعو بسعد التفتازاني، هداه الله سواء الطريق، واذاقه حلاوة التحقيق ه، اني قد شرحت فيما مضى تلخيص المفتاح، واغنيته بالاصباح عن المصباح، واودعته غرائب نكت سمحت بها الانظار، ووشحته بلطائف فقر سبكتها يد الافكار، ثم رأيت الجمع الكثير من الفضلاء، والجم الغفير من الاذكياء، يسألونني صرف الهمة نحو اختصاره، والاقتصار على بيان معانيه وكشف استاره، لما شاهدوا من ان المحصلين قد تقاصرت هممهم عن استطلاع طوالع انواره، وتقاعدت عزائمهم عن استكشاف خبيئات اسراره، وان المنتحلين قد قلبوا احداق الاخذ والانتهاب، ومدوا اعناق المسخ على ذلك الكتاب. وكنت اضرب عن هذا الخطب صفحا، واطوى دون مرامهم كشحا، علما مني بان مستحسن الطبايع باسرها، ومقبول الاسماع عن آخرها، امر لا يسعه مقدرة

================

[ 6 ]

البشر، وانما هو شأن خالق القوى والقدر، وان هذا الفن قد نضب اليوم ماؤه فصار جد الابلا اثر، وذهب رواؤه فعاد خلافا بلا ثمر، حتى طارت بقية آثار السلف ادراج الرياح، وسالت باعناق مطايا تلك الاحاديث البطاح، واما الاخذ والانتهاب فامر يرتاح له اللبيب، وللارض من كأس الكرام نصيب، وكيف ينهر عن الانهار السائلون، ولمثل هذا فليعمل العاملون. ثم ما زادتهم مدافعتي الا شغفا وغراما، وظمأ في هواجر الطلب واو اما، فانتصبت لشرح الكتاب على وفق مقترحهم ثانيا، ولعنان العناية نحو اختصار الاول ثانيا، مع جمود القريحة بصر البليات، وخمود الفطنة بصر بصر النكبات، وترامى البلدان بي والاقطار، ونبو الاوطان عني والاوطار. حتى طفقت اجوب كل اغبر قاتم الارجاء، واحرر كل سطر منه في شطر من الغبراء، يوما بالجزوى ويوما بالعقيق ويوما بالعذيب ويوما بالخليصاء، ولما وفقت بعون الله تعالى للاتمام، وقوضت عنه خيامه بالاختتام، بعد ما كشفت عن وجوه خرائده اللثام، ووضعت كنوز فرائده على طرف الثمام، سعد الزمان وساعد الاقبال، ودنا المنى واجابت الآمال، وتبسم في وجه رجائي المطالب، بان توجهت تلقاء مدين المآرب حضرة من انام الانام في ظل الامان، وافاض عليهم سجال العدل والاحسان، ورد بسياسته القرار إلى الاجفان، وسد بهيبته دون يأجوج الفتنة طرق العدوان، واعاد رميم الفضائل والكمالات منشورا، ووقع الخطيات على صحائف الصفائح لنصرة الاسلام منشورا. وهو السلطان الاعظم، مالك رقاب الامم، ملاذ سلاطين العرب والعجم، ملجا صناديد ملوك العالم، ظل الله على بريته، وخليفته في خليقته، حافظ البلاد، ناصر العباد، ما حي ظلم الظلم والعناد، رافع منار الشريعة النبوية، ناصب رايات العلوم الدينية، خافض جناح الرحمة لاهل الحق واليقين، ماد سرادق الامن بالنصر العزيز والفتح المبين كهف الانام ملاذ الخلائق قاطبة ظل الاله جلال الحق والدين، أبو المظفر السلطان محمود جاني بك خان، خلد الله سرادق عظمته وجلاله وادام رواء نعيم

================

[ 7 ]

الامال من سجال افضاله، فحاولت بهذا الكتاب التشبث باذيال الاقبال، والاستظلال بظلال الرأفة والافضال، فجعلته خدمة لسدته التي هي ملتثم شفاه الاقيال ومعول رجاء الآمال ومثوى العظمة والجلال، لا زالت محط رجال الافاضل، وملاذ ارباب الفضائل، وعون الاسلام وغوث الانام، بالنبي وآله عليه وعليهم السلام، فجاء بحمد الله كما يروق النواظر، ويجلو صداء الاذهان، ويرهق البصائر، ويضئ لباب ارباب البيان، ومن الله التوفيق والهداية، وعليه التوكل في البداية والنهاية، وهو حسبي ونعم الوكيل.

================

[ 9 ]

[ بسم الله الرحمن الرحيم ] [ الحمد ] هو الثناء باللسان على قصد التعظيم سواء تعلق بالنعمة أو بغيرها، والشكر فعل ينبئ عن تعظيم المنعم لكونه منعما سواء كان باللسان أو بالجنان أو بالاركان، فمورد الحمد لا يكون الا اللسان ومتعلقه يكون النعمة وغيرها ومتعلق الشكر لا يكون الا النعمة ومورده يكون اللسان وغيره فالحمد اعم من الشكر باعتبار المتعلق واخص منه باعتبار المورد والشكر بالعكس. [ لله ] هو اسم للذات الواجب الوجود المستحق لجميع المحامد، والعدول إلى الجملة الاسمية للدلالة على الدوام والثبات، وتقديم الحمد باعتبار انه اهم نظر إلى كون المقام مقام الحمد كما ذهب إليه صاحب الكشاف في تقديم الفعل في قوله تعالى [ اقرأ باسم ربك ] على ما سيجئ بيانه، وان كان ذكر الله اهم نظرا إلى ذاته. (على ما انعم) أي على انعامه، ولم يتعرض للمنعم به ايهاما لقصور العبارة عن الاحاطة به ولئلا يتوهم اختصاصه بشئ دون شئ. [ وعلم ] من عطف الخاص على العام رعاية لبراعة الاستهلال وتنبيها على فضيلة نعمة البيان (من البيان) بيان لقوله [ ما لم نعلم ] قدم رعاية للسجع، والبيان هو المنطق الفصيح المعرب عما في الضمير والصلاة على سيدنا محمد خير من نطق بالصواب وافضل من اوتى الحكمة هي علم الشرائع وكل كلام وافق الحق، وترك فاعل الايتاء لان هذا الفعل لا يصلح الا لله تعالى وفصل الخطاب اي الخطاب المفصول البين الذى يتبينه من يخاطب به ولا يلتبس عليه أو الخطاب الفاصل بين الحق والباطل وعلى آله اصله اهل بدليل اهيل، خص استعماله في الاشراف واولى الخطر (الاطهار) جمع طاهر كصاحب واصحاب وصحابته الاخيار جمع خير بالتشديد. (اما بعد) هو من الظروف المبنية المنقطعة عن الاضافة اي بعد الحمد والصلاة، والعامل فيه اما لنيابتها عن الفعل، والاصل مهما يكن من شئ بعد الحمد

================

[ 10 ]

والصلاة، ومهما ههنا مبتدأ والاسمية لازمة للمبتدأ ويكن شرط والفاء لازمة له غالبا فحين تضمنت اما معنى الابتداء والشرط لزمتها الفاء ولصوق الاسم اقامة للازم مقام الملزوم وابقاء لاثره في الجملة. (فلما) هو ظرف بمعنى إذا يستعمل استعمال الشرط ويليه فعل ماض لفظا أو معنى (كان علم البلاغة) هو المعاني والبيان (و) علم (توابعها) هو البديع (من اجل العلوم قدرا وادقها سرا اذبه) اي بعلم البلاغة وتوابعها لا بغيره من العلوم كاللغة والصرف والنحو (تعرف دقايق العربية واسرارها) فيكون من ادق العلوم سرا. (ويكشف عن وجوه الاعجاز في نظم القرآن استارها) أي: به يعرف ان القرآن معجز لكونه في اعلى مراتب البلاغة لاشتماله على الدقائق والاسرار والخواص الخارجة عن طوق البشر وهذا وسيلة إلى تصديق النبي عليه السلام، وهو وسيلة إلى الفوز بجميع السعادات فيكون من اجل العلوم لكون معلومه وغايته من اجل المعلومات والغايات. وتشبيه وجوه الاعجاز بالاشياء المحتجبة تحت الاستار استعارة بالكناية واثبات الاستار لها استعارة تخييلية وذكر الوجوه ايهام أو تشبيه الاعجاز بالصور الحسنة استعارة بالكناية واثبات الوجوه استعارة تخييلية، وذكر الاستار ترشيح ونظم القرآن تأليف كلماته، مترتبة المعاني، متناسقة الدلالات على حسب ما يقتضيه العقل لاتواليها في النطق وضم بعضها إلى بعض كيف ما اتفق. (وكان القسم الثالث من مفتاح العلوم الذي صنفه الفاضل العلامة أبو يعقوب يوسف السكاكي اعظم ما صنف فيه) أي في علم البلاغة وتوابعها (من الكتب المشهورة) بيان لما صنف. (نفعا) تميز من اعظم (لكونه) أي القسم الثالث (احسنها) أي احسن الكتب المشهورة (ترتيبا) هو وضع كل شئ في مرتبته (و) لكونه (آتمها تحريرا) هو تهذيب الكلام (واكثرها) أي اكثر الكتب (للاصول) هو متعلق بمحذوف يفسره قوله (جمعا) لان معمول المصدر لا يتقدم عليه والحق جواز ذلك في الظروف لانها مما يكفيه رائحة

================

[ 11 ]

من الفعل. (ولكن كان) أي القسم الثالث (غير مصون) أي غير محفوظ (عن الحشو) وهو الزائد المستغنى عنه (والتطويل) وهو الزيادة على اصل المراد بلا فائدة وستعرف الفرق بينهما في باب الاطناب (والتعقيد) وهو كون الكلام مغلقا لا يظهر معناه بسهولة (قابلا) خبر بعد خبر أي كان قابلا (للاختصار) لما فيه من التطويل (مفتقرا) أي محتاجا (إلى الايضاح) لما فيه من التعقيد (و) إلى (التجريد) عما فيه من الحشو. (الفت) جواب لما: (مختصرا يتضمن ما فيه) أي في القسم الثالث (من القواعد) جمع قاعدة وهى " حكم كلى ينطبق على جميع جزئياته ليعرف احكامها منه كقولنا كل حكم منكر يجب توكيده. (ويشتمل على ما يحتاج إليه من الامثلة) وهى الجزئيات المذكورة لايضاح القواعد (والشواهد) وهى الجزئيات المذكورة لاثبات القواعد فهى اخص من الامثلة. (ولم آل) من الالو وهو التقصير (جهدا) أي اجتهادا وقد استعمل الا لو في قولهم لا آلوك جهدا متعديا إلى مفعولين وحذف ههنا المفعول الاول والمعنى لم امنعك جهدا (في تحقيقه) أي في المختصر يعنى في تحقيق ما ذكر فيه من الابحاث (وتهذيبه) أي تنقيحه. (ورتبته) أي المختصر (ترتيبا اقرب تناولا) أي اخذا (من ترتيبه) أي من ترتيب السكاكى أو القسم الثالث اضافة للمصدر إلى الفاعل أو المفعول (ولم ابالغ في اختصار لفظه تقريبا) مفعول له تضمنه معنى لم ابالغ أي تركت المبالغة في الاختصار تقريبا (لتعاطيه) أي تناوفه (وطلبا لتسهيل فهمه على طالبيه) والضمائر للمختصر وفى وصف مؤلفه بانه مختصر منقح سهل المأخذ تعريض بانه لا تطويل فيه ولا حشو ولا تعقيد كما في القسم الثالث. (واضفت إلى ذلك) المذكور من القواعد وغيرها (فوائد عثرت) أي اطلعت (في بعض كتب القوم عليها) أي على تلك الفوائد (وزوائد لم اظفر) أي لم افز (في

================

[ 12 ]

كلام احد بالتصريح بها) أي بتلك الزوائد (ولا الاشارة إليها) بان يكون كلامهم على وجه يمكن تحصيلها منه بالتبعية وان لم يقصدوها. (وسميته تلخيص المفتاح) ليطابق اسمه معناه (وانا اسأل الله تعالى) قدم المسند إليه قصدا إلى جعل الواو للحال (من فضله) حال من (ان ينفع به) أي بهذا المختصر (كما نفع باصله) وهو المفتاح والقسم الثالث منه. (انه) أي الله (ولي ذلك) النفع (وهو حسبي) أي محسبي وكافى (ونعم الوكيل) اما عطف على جملة هو حسبى والمخصوص محذوف واما على حسبى أي وهو نعم الوكيل فالمخصوص هو الضمير المتقدم على ما صرح به صاحب المفتاح وغيره في نحو زيد نعم الرجل وعلى كلا التقديرين يلزم عطف الانشاء على الاخبار.

================

[ 13 ]

(المقدمة) رتب المختصر على مقدمة وثلاث فنون، لان المذكور فيه اما ان يكون من قبيل المقاصد في هذا الفن، اولا. الثاني المقدمة والاول ان كان الغرض منه الاحتراز عن الخطاء في تأدية المعنى المراد فهو الفن الاول والافان كان الغرض منه الاحتراز عن التعقيد المعنوي فهو الفن الثاني والا فهو الفن الثالث. وجعل الخاتمة خارجة عن الفن الثالث وهم كما سنبين ان شاء الله تعالى. ولما انجر كلامه في آخر هذه المقدمة إلى انحصار المقصود في الفنون الثلاثة ناسب ذكرها بطريق التعريف العهدي بخلاف المقدمة، فانها لا مقتضى لايرادها بلفظ المعرفة في هذا المقام والخلاف في ان تنوينها للتعظيم أو للتقليل مما لا ينبغي ان يقع بين المحصلين. والمقدمة مأخوذة من مقدمة الجيش للجماعة المتقدمة منها من قدم بمعنى تقدم يقال: مقدمة العلم لما يتوقف عليه الشروع في مسائله ومقدمة الكتاب لطائفة من كلامه قدمت امام المقصود لارتباط له بها وانتفاع بها فيه. وهى هيهنا لبيان معنى الفصاحة والبلاغة وانحصار علم البلاغة في علمي المعاني والبيان وما يلائم ذلك ولا يخفى ؟ ؟ ارتباط المقاصد بذلك. والفرق بين مقدمة العلم ومقدمة الكتاب مما خفى على كثير من الناس. (الفصاحة) وهي في الاصل تنبئ عن الظهور والابانة (يوصف بها المفرد) مثل كلمة فصيحة (والكلام) مثل كلام فصيح وقصيدة فصيحة.

================

[ 14 ]

قيل: المراد بالكلام ما ليس بكلمة ليعم المركب الاسنادي وغيره فانه قد يكون بيت من القصيدة غير مشتمل على اسناد يصح السكوت عليه مع انه يتصف بالفصاحة. وفيه نظر لانه انما يصح ذلك لو اطلقوا على مثل هذا المركب أنه كلام فصيح ولم ينقل عنهم ذلك واتصافه بالفصاحة يجوز ان يكون باعتبار فصاحة المفردات على ان الحق انه داخل في المفرد لانه يقال على ما يقابل المركب وعلى ما يقابل المثنى والمجموع وعلى ما يقابل الكلام ومقابلته بالكلام ههنا قرينة دالة على انه اريد به المعنى الاخير اعني ما ليس بكلام (و) يوصف بها (المتكلم) ايضا يقال كاتب فصيح وشاعر فصيح. (والبلاغة) وهي تنبئ عن الوصول والانتهاء (يوصف بها الاخيران فقط) أي الكلام والمتكلم دون المفرد إذ لم يسمع كلمة بليغة والتعليق بان البلاغة انما هي باعتبار المطابقة لمقتضى الحال وهي لا تتحقق في المفرد وهم لان ذلك انما هو في بلاغة الكلام والمتكلم. وانما قسم كلا من الصاحة والبلاغة اولا لتعذر جمع المعاني المختلفة الغير المشتركة في امر يعمها في تعريف واحد وهذا كما قسم ابن الحاجب المستثنى إلى متصل ومنقطع ثم عرف كلا منهما على حدة. (فالفصاحة في المفرد) قدم الفصاحة على البلاغة لتوقف معرفة البلاغة على معرفة الفصاحة لكونها مأخوذة في تعريفها ثم قدم فصاحة المفرد على فصاحة الكلام والمتكلم لتوقفهما عليها (خلوصه) أي خلوص المفرد (من تنافر الحروف والغرابة ومخالفة القياس) اللغوى أي المستنبط من استقراء اللغة. وتفسير الفصاحة بالخلوص لا يخلو عن تسامح لان الفصاحة تحصل عند

================

[ 15 ]

الخلوص. (فالتنافر) وصف في الكلمة يوجب ثقلها على اللسان وعسر النطق بها (نحو) مستشزرات في قول امرئ القيس (غدائره) أي ذوائبه جمع غديرة والضمير عائد إلى الفرع في البيت السابق (مستشزرات) أي مرتفعات أو مرفوعات يقال واستشزر أي ارتفع (إلى العلى) تضل العقاص في مثنى ومرسل تضل: أي تغيب. العقاص: جمع عقيصة وهى الخصلة المجموعة من الشعر والمثنى المفتول يعنى ان ذوائبه مشدودة على الرأس بخيوط وان شعره ينقسم إلى عقاص ومثنى ومرسل والاول يغيب في الاخيرين والغرض بيان كثرة الشعر والضابط ههنا ان كل ما يعده الذوق الصحيح ثقيلا متعسر النطق به، فهو متنافر سواء كان من قرب المخارج أو بعدها أو غير ذلك على ما صرح به ابن الاثير في المثل السائر. وزعم بعضهم، ان منشأ الثقل في مستشزر هو توسط الشين المعجمة التى هي من المهموسة الرخوة بين التاء التى هي من المهموسة الشديدة وبين الزاء المعجمة التى هي من المجهورة ولو قال مستشرف لزال ذلك الثقل. وفيه نظر، لان الراء المهملة ايضا من المجهورة. وقيل: ان قرب المخارج سبب للثقل المخل بالفصاحة. وان في قوله تعالى [ الم اعهد اليكم ] ثقلا قريبا من المتناهي فيخل بفصاحة الكلمة، لكن الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير فصيحة لا يخرج عن الفصاحة، كما لا يخرج الكلام الطويل المشتمل على كلمة غير عربية عن ان يكون عربيا،. وفيه نظر، لان فصاحة الكلمات مأخوذة في تعريف فصاحة الكلام من غير تفرقة بين طويل وقصير، على ان هذا القائل فسر الكلام بما ليس بكلمة، والقياس على الكلام العربي ظاهر الفساد ولم سلم عدم خروج السورة عن الفصاحة، فمجرد اشتمال القرآن على كلام غير فصيح بل على كلمة غير فصيحة مما يقود إلى نسبة الجهل أو العجز إلى الله تعالى عن ذلك علوا كبيرا.

================

[ 16 ]

(والغرابة) كون الكلمة وحشية غير ظاهرة المعنى ولا مأنوسة الاستعمال (نحو) مسرج في قول العجاج ومقلة وحاجبا مزججا اي مدققا مطولا (وفاحما) أي شعرا اسود كالفحم (ومرسنا) أي انفا (مسرجا أي كالسيف السريجى في الدقة والاستواء) وسريج اسم قين تنسب إليه السيوف (أو كالسراج في البريق) واللمعان. فان قلت: لم لم يجعلوه اسم مفعول من سرج الله وجهه اي بهجه وحسنه. قلت: هو ايضا من هذا القبيل أو مأخوذ من السراج على ما صرح به الامام المرزوقي رحمه الله تعالى حيث قال السريجى منسوب إلى السراج، ويجوز ان يكون وصفه بذلك لكثرة مائه وورنقه، حتى كان فيه سراجا. ومنه ما قيل: سرج الله امرك إلى أي حسنه ونوره. (والمخالفة) ان تكون الكلمة على خلاف قانون مفردات الالفاظ الموضوعة، اعني على خلاف ما ثبت عن الواضع (نحو) الاجلل بفك الادغام في قوله (الحمد لله العلي الاجلل) والقياس الاجل بالادغام، فنحو آل وماء وابى يأبى وعور يعور فصيح لانه ثبت عن الواضع كذلك. (قيل): فصاحة المفرد خلوصه مما ذكر (ومن الكراهة في السمع) بان يكون اللفظة بحيث يمجها المسع ويتبرأ عن سماعها (نحو) الجرشي في قول ابي الطيب مبارك الاسم اغر اللقب (كريم الجرشي) أي النفس (شريف النسب) والاغر من الخيل الابيض الجبهة ثم استعير لكل واضح معروف. (وفيه نظر) لان الكراهة في السمع انما هي من جهة الغرابة المفسرة بالوحشية، مثل تكأكأتم وافرنقعوا ونحو ذلك. وقيل: لان الكراهة في السمع وعدمها يرجعان إلى طيب النغم وعدم الطيب لا إلى نفس اللفظ. وفيه نظر للقطع باستكراه الجرشي دون النفس مع قطع النظر عن النغم. (و) الفصاحة (في الكلام خلوصه من ضعف التأليف وتنافر الكلمات والتعقيد مع فصاحتها) هو حال من الضمير في خلوصه واحترز به عن مثل زيدا

================

[ 17 ]

جلل وشعره مستشزر وانفه مسرج. وقيل: هو حال من الكلمات ولو ذكره بجنبها لسلم من الفصل بين الحال وذيها بالا جنبي. وفيه نظر لانه حينئذ يكون قيدا للتنافر لا للخلوص ويلزم ان يكون الكلام المشتمل على تنافر الكلمات الغير الفصيحة فصيحا، لانه يصدق عليه انه خالص عن تنافر الكلمات حال كونها فصيحة فافهم. (فالضعف) ان يكون تأليف الكلام على خلاف القانون النحوي المشهور بين الجمهور كالاضمار قبل الذكر لفظا ومعنى وحكما (نحو ضرب غلامه زيدا). (والتنافر) ان تكون الكلمات ثقيلة على اللسان وان كان كل منها فصيحة (كقوله وليس قرب قبر حرب) وهو اسم رجل (قبر) وصدر البيت " وقبر حرب بمكان قفر " اي خال عن الماء والكلاء، ذكر في عجائب المخلوقات ان من الجن نوعا يقال له الهاتف فصاح واحد منهم على حرب بن امية فمات فقال ذلك الجنى هذا البيت (وكقوله " كريم متى امدحه امدحه والورى معى، وإذا ما لمته لمته وحدي ") والواو في الورى للحال، وهو مبتدأ وخبره قوله معي. وانما مثل بمثالين لان الاول متناه في الثقل والثانى دونه، أو لان منشأ الثقل في الاول نفس اجتماع الكلمات وفى الثاني حروف منها، وهو في تكرير امدحه، دون مجرد الجمع بين الحاء والهاء، لوقوعه في التنزيل، مثل فسبحه، فلا يصح القول بان مثل هذا الثقل مخل بالفصاحة. وذكر الصاحب اسماعيل بن عباد انه انشد هذه القصيدة بحضرة الاستاذ ابن العميد، فلما بلغ هذا البيت قال له الاستاذ هل تعرف فيه شيئا من الهجنة ؟ قال: نعم مقابلة المدح باللوم، وانما يقابل بالذم أو الهجاء، فقال: الاستاذ غير هذا اريد، فقال: لا ادري غير ذلك. فقال الاستاذ: هذا التكرير في امدحه امدحه مع الجمع بين الحاء والهاء، وهما من حروف الحق خارج عن حد الاعتدال نافر كل التنافر فاثنى عليه

================

[ 18 ]

الصاحب. (والتعقيد) أي كون الكلام معقدا (ان لا يكون الكلام ظاهر الدلالة على المراد لخلل) واقع (اما في النظم) بسبب تقديم أو تأخير أو حذف أو غير ذلك، مما يوجب صعوبة فهم المراد (كقول الفرزدق في خال هشام) بن عبد الملك، وهو ابن ابراهيم بن هشام بن اسمعيل المخزومى (وما مثله في الناس الا مملكا * أبو امه حتى ابوه يقاربه) أي ليس مثله في الناس (حي يقاربه) أي احد يشبهه في الفضائل (الا مملك) أي رجل اعطى الملك والمال يعنى هشاما (أبو امه) أي ابوام ذلك الملك (ابوه) أي أبو ابراهيم الممدوح أي لا يماثله احد الا ابن اخته وهو هشام. ففيه فصل بين المبتدأ والخبر اعني أبو امه ابوه بالاجنبي الذى هو حى، وبين الموصوف والصفة، اعني حى يقاربه بالأجنبي الذى هو ابوه، وتقديم المستثنى اعني مملكا على المستثنى منه اعني حى وفصل كثير بين البدل وهو حى والمبدل منه وهو مثله، فقوله مثله اسم ما وفى الناس خبره والا مملكا منصوب لتقدمه على المستثنى منه. قيل ذكر ضعف التأليف يغنى عن ذكر التعقيد اللفظى. وفيه نظر، لجواز ان يحصل التعقيد باجتماع عدة امور موجبة لصعوبة فهم المراد، وان كان كل واحد منها جاريا على قانون النحوي. وبهذا يظهر فساد ما قيل: انه لا حاجة في بيان التعقيد في البيت إلى ذكر تقديم المستثنى على المستثنى منه، بل لا وجه له، لان ذلك جائز باتفاق النحاة، إذ لا يخفى انه يوجب زيادة التعقيد وهو مما يقبل الشدة والضعف. (واما في الانتقال) عطف على قوله: (اما في النظم) أي لا يكون الكلام ظاهرة الدلالة على المراد، لخلل واقع في انتقال الذهن من المعنى الاول المفهوم بحسب اللغة إلى الثاني المقصود، وذلك بسبب ايراد اللوازم البعيدة المفتقرة إلى الوسائط الكثيرة مع خفاء القرائن الدالة على المقصود (كقول الاخر) وهو عباس بن الاحنف ولم يقل

================

[ 19 ]

كقوله لئلا يتوهم عود الضمير إلى الفرزدق. (سأطلب بعد الدار عنكم لتقربوا وتسكب) بالرفع، وهو الصحيح وبالنصب وهم (عيناى الدموع لتجمدا) جعل سكب الدموع كناية عما يلزمه فراق الاحبة من الكثابة والحزن واصاب، لكنه اخطأ في جعل جمود العين كناية عما يوجبه دوام التلاقي من الفرح والسرور (فان الانتقال من جمود العين إلى بخلها بالدموع) حال ارادة البكاء، وهى حالة الحزن (لا إلى ما قصده من السرور) الحاصل بالملاقاة. ومعنى البيت: انى اليوم اطيب نفسا بالبعد والفراق واوطنها على مقاساة الاحزان والاشواق، واتجرع غصصها واتحمل لاجلها حزنا يفيض الدموع من عينى لا تسبب بذلك إلى وصل يدوم ومسرة لا تزول، فان الصبر مفتاح الفرج ولكل بداية نهاية، ومع كل عسر يسرا والى هذا اشار الشيخ عبد القاهر في دلائل الاعجاز. وللقوم ههنا كلام فاسد اوردناه في الشرح. (قيل): فصاحة الكلام خلوصه مما ذكر (ومن كثرة التكرار وتتابع الاضافاة كقوله) وتسعدني في غمرة بعد غمرة (سبوح): أي فرس حسن الجرى لا تتعب راكبها كأنها تجرى في الماء (لها) صفة سبوح. (منها) حال من شواهد (عليها) متعلق بشواهد (شواهد) فاعل الظرف اعني لها يعنى ان لها من نفسها علامات دالة على نجابتها. قيل التكرار ذكر الشئ مرة بعد اخرى ولا يخفى انه لا يحصل كثرة بذكره ثالثا. وفيه نظر، لان المراد بالكثرة ههنا ما يقابل الوحدة ولا يخفى حصوله بذكره ثالثا. (و) تتابع الاضافات مثل (قوله " حمامة جرعى حومة الجندل اسجعى)، فانت بمرأى من سعاد ومسمع ". ففيه اضافة حمامة إلى جرعى وجرعي إلى حومة وحومة إلى الجندل.

================

[ 20 ]

والجرعى تأنيث الاجرع قصرها للضرورة، وهي: ارض ذات رمل لا تنبت شيئا، والحومة معظم الشئ، والجندل ارض ذات حجارة، والسجع هدير الحمامة ونحوه. وقوله: فانت بمرأى أي بحيث تراك سعاد وتسمع صوتك. يقال: " فلان بمرأى منى ومسمع أي بحيث اراه واسمع قوله " كذا في الصحاح. فظهر فساد ما قيل ان معناه انت بموضع ترين منه سعاد وتسمعين كلامها وفساد ذلك مما يشهد به العقل والنقل. (وفيه نظر) لان كلا من كثرة التكرار وتتابع الاضافات ان ثقل اللفظ بسببه على اللسان فقد حصل الاحتراز عنه بالتنافر والا فلا يخل بالفصاحة، كيف وقع في التنزيل مثل دأب قوم نوح، كذلك ذكر رحمة ربك عبده زكريا، ونفس وما سواها، فالهما فجورها وتقواها. (و) الفصاحة (في المتكلم ملكة) وهي كيفية راسخة في النفس والكيفية عرض لا يتوقف تعلقه على تعقل الغير، ولا يقتضى القسمة واللاقسمة في محله اقتضاء اوليا. فخرج بالقيد الاول الاعراض النسبية مثل الاضافة أو الفعل والانفعال ونحو ذلك، وبقولنا، لا يقتضى القسمة الكميات، وبقولنا واللاقسمة النقطة والوحدة، وقولنا اوليا ليدخل فيه مثل العلم بالمعلومات المقتضية للقسمة واللاقسمة. فقوله: ملكة اشعار بانه لو عبر عن المقصود بلفظ فصيح لا يسمى فصيحا في الاصطلاح ما لم يكن ذلك راسخا فيه. وقوله: (يقتدر بها على التعبير عن المقصود) دون ان يقول يعبر، اشعار بانه يسمى فصيحا إذا وجد فيه تلك الملكة، سواء وجد التعبير أو لم يوجد. وقوله: (بلفظ فصيح) ليعم المفرد والمركب، اما المركب فظاهر. واما المفرد فكما تقول عند التعداد دار غلام جارية ثوب بساط إلى غير ذلك. (والبلاغة في الكلام مطابقته لمقتضى الحال مع فصاحته): أي فصاحة الكلام، والحال هو الامر الداعي للمتكلم إلى ان يعتبر مع الكلام الذى يؤدى به اصل

================

[ 21 ]

المراد خصوصية ما، وهو مقتضى الحال، مثلا كون المخاطب منكرا للحكم حال يقتضى تأكيد الحكم، والتأكيد مقتضى الحال، وقولك له ان زيدا في الدار مؤكدا بان كلام مطابق لمقتضى الحال. وتحقيق ذلك انه جزئي من جزئيات ذلك الكلام، الذى يقتضيه الحال، فان الانكار مثلا يقتضى كلاما مؤكدا، وهذا مطابق له، بمعنى انه صادق عليه على عكس ما يقال: ان الكلي مطابق للجزئيات. وان اردت تحقيق هذا الكلام فارجع إلى ما ذكرناه في الشرح في تعريف علم المعاني (وهو): أي مقتضى الحال (مختلف فان مقامات الكلام متفاوتة) لان الاعتبار اللائق بهذا المقام يغاير الاعتبار اللائق بذاك، وهذا عين تفاوت مقتضيات الاحوال، لان التغاير بين الحال والمقام انما هو بحسب الاعتبار، وهو انه يتوهم في الحال، كونه زمانا لورود الكلام فيه وفي المقام كونه محلا له. وفي هذا الكلام اشارة اجمالية إلى ضبط مقتضيات الاحوال وتحقيق لمقتضى الحال. (فمقام كل من التنكير والاطلاق والتقديم والذكر يباين مقام خلافه): أي مقام خلاف كل منها يعنى ان المقام الذي يناسبه تنكير المسند إليه أو المسند، يباين المقام الذى يناسبه التعريف، ومقام اطلاق الحكم أو التعليق أو المسند إليه أو المسند أو متعلقه يباين مقام تقييده بمؤكد، أو اداة قصر أو تابع أو شرط أو مفعول أو ما يشبه ذلك، ومقام تقديم المسند إليه أو المسند أو متعلقاته، يباين مقام تأخيره، وكذا مقام ذكره يباين مقام حذفه، فقوله خلافه شامل لما ذكرناه. وانما فصل قوله (ومقام الفصل يباين مقام الوصل) تنبيها على عظم شان هذا الباب، وانما لم يقل مقام خلافه لانه احصر واظهر، لان خلاف الفصل انما هو الوصل، وللتنبيه على عظم شان الفصل قوله (ومقام الايجاز يباين مقام خلافه) أي الاطناب والمساواة (وكذا خطاب الذكى مع خطاب الغبى) فان مقام الاول يباين مقام الثاني فان الذكى يناسبه من الاعتبارات اللطيفة والمعاني الدقيقة الخفية ما لا

================

[ 22 ]

يناسب الغبى. (ولكل كلمة مع صاحبتها) أي مع كل كلمة اخرى مصاحبة لها (مقام) ليس لتلك الكلمة مع ما يشارك تلك المصاحبة في اصل المعنى، مثلا الفعل الذى قصد اقترانه بالشرط، فله مع ان مقام ليس له مع إذا وكذا الكل من ادوات الشرط مع الماضي مقام ليس له مع المضارع وعلى هذا القياس (وارتفاع شأن الكلام في الحسن والقبول بمطابقته للاعتبار المناسب وانحطاطه) أي انحطاط شانه (بعدمها) أي بعدم مطابقته للاعتبار المناسب. (والمراد بالاعتبار المناسب الامر الذى اعتبره المتكلم مناسبا بحسب السليقة أو بحسب تتبع تراكيب البلغاء، يقال اعتبرت الشئ، إذا نظرت إليه وراعيت حاله) واراد بالكلام، الكلام الفصيح وبالحسن، الحسن الذاتي الداخل في البلاغة دون العرضى الخارج لحصوله بالمحسنات البديعية (فمقتضى الحال هو الاعتبار المناسب) للحال والمقام، يعنى إذا علم ان ليس ارتفاع شأن الكلام الفصيح في الحسن الذاتي الا بمطابقته للاعتبار المناسب على ما يفيده اضافة المصدر. ومعلوم انه انما يرتفع بالبلاغة التى هي عبارة عن مطابقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فقد علم ان المراد بالاعتبار المناسب ومقتضى الحال واحد، والا لما صدق انه لا يرتفع الا بالمطابقة للاعتبار المناسب، ولا يرتفع الا بالمطابقة لمقتضى الحال فليتأمل. (فالبلاغة) صفة (راجعة إلى اللفظ) يعنى انه يقال: كلام بليغ لكن لا من حيث انه لفظ وصوت، بل (باعتبار افادته المعنى) أي الغرض المصوغ له الكلام (بالتركيب) متعلق بافادته، وذلك لان البلاغة كما مر عبارة عن مطالبقة الكلام الفصيح لمقتضى الحال، فظاهر ان اعتبار المطابقة وعدمها انما يكون باعتبار المعاني والاغراض التى يصاغ لها الكلام، لا باعتبار الالفاظ المفردة والكلم المجردة. (وكثيرا ما) نصب على الظرف لانه من صفة الاحيان وما لتأكيد معنى الكثرة والعامل فيه.

================

[ 23 ]

قوله: (يسمى ذلك) الوصف المذكور (فصاحة ايضا) كما يسمى بلاغة، فحيث يقال: أن اعجاز القرآن من جهة كونه في اعلى طبقات الفصاحة يراد بها هذا المعنى. (ولها) أي لبلاغة الكلام (طرفان: اعلى وهو حد الاعجاز) وهو ان يرتقى الكلام في بلاغته إلى ان يخرج عن طوق البشر، ويعجزهم عن معارضته. (وما يقرب منه) عطف على قوله وهو والضمير في منه عائد إلى اعلى، يعنى ان الاعلى مع ما يقرب منه كلاهما من حد الاعجاز، هذا هو الموافق لما في المفتاح. وزعم بعضهم انه عطف على حد الاعجاز والضمير في منه عائد إليه، يعنى ان الطرف الاعلى هو حد الاعجاز، وما يقرب من حد الاعجاز. وفيه نظر لان القريب من حد الاعجاز لا يكون من الطرف الاعلى الذى هو حد الاعجاز وقد اوضحنا ذلك في الشرح. (واسفل وهو ما إذا غير) الكلام (عنه إلى ما دونه) أي إلى مرتبة اخرى هي ادنى منه وانزل (التحق) الكلام وان كان صحيح الاعراب (عند البلغاء باصوات الحيوانات) تصدر عن محالها بحسب ما يتفق، من غير اعتبارات اللطائف والخواص الزائدة على اصل المراد (وبينهما) أي بين الطرفين (مراتب كثيرة) متفاوتة بعضها اعلى من بعض بحسب تفاوت المقامات ورعاية الاعتبارات، والبعد من اسباب الاخلال بالصاحة (وتتبعها) أي بلاغة الكلام (وجوه اخر) سوى المطابقة. والفصاحة (تورث الكلام حسنا) وفي قوله (تتعبها) اشارة إلى ان تحسين هذه الوجوه للكلام عرضى خارج عن حد البلاغة، والى ان هذه الوجوه انما تعد محسنة بعد رعاية المطابقة، والفصاحة وجعلها تابعة لبلاغة الكلام دون المتكلم لانها ليست مما تجعل المتكلم متصفا بصفة. (و) البلاغة (في المتكلم ملكة يقتدر بها على تأليف كلام بليغ فعلم) مما تقدم (ان كل بليغ) كلا ما كان أو متكلما على سبيل استعمال المشترك في معنييه، أو على تأويل كل ما يطلق عليه لفظ البليغ (فصيح) لان الفصاحة مأخوذة في تعريف

================

[ 24 ]

البلاغة مطلقا (ولا عكس) بالمعنى اللغوى: أي ليس كل فصيح بليغا، لجواز ان يكون كلام فصيح غير مطابق لمقتضى الحال، وكذا يجوز ان يكون لاحد ملكة يقتدر بها التعبير عن المقصود بلفظ فصحيح من غير مطابقة لمقتضى الحال. (و) علم ايضا (ان البلاغة) في الكلام (مرجعها) أي ما يجب ان يحصل حتى يمكن حصولها، كما يقال مرجع الجود إلى الغنى (إلى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد) والا لربما ادى المعنى المراد بلفظ فصيح، غير مطابق لمقتضى الحال فلا يكون بليغا (والى تمييز) الكلام (الفصيح من غيره) والا لربما اورد الكلام المطابق لمقتضى الحال بلفظ غير فصيح، فلا يكون ايضا بليغا لوجوب وجود الفصاحة في البلاغة، ويدخل في تمييز الكلام الفصيح من غيره تمييز الكلمات الفصيحة من غيرها لتوقفه عليها. (والثاني) أي تمييز الفصيح من غيره (منه) أي بعضه (ما يبين) أي يوضح (في علم متن اللغة) كالغرابة. وانما قال في علم متن اللغة أي معرفة اوضاع المفردات لان اللغة اعم من ذلك لانه يطلق على سائر اقسام العربية، يعنى به يعرف تمييز السالم من الغرابة عن تمييز غيره، بمعنى ان من تتبع الكتب المتداولة واحاط بمعاني المفردات المأنوسة علم ان ما عداها مما يفتقر إلى تنقير أو تخريج، فهو غير سالم من الغرابة. وبهذا تبين فساد ما قيل انه ليس في علم متن اللغة ان بعض الالفاظ مما يحتاج في معرفته إلى ان يبحث عنه في الكتب المبسوطة في اللغة (أو) في علم (التصريف) كمخالفة القياس إذ به يعرف ان الاجلل مخالف (للقياس) دون الاجل (أو في علم النحو) كضعف التأليف والتعقيد اللفظى (أو يدرك بالحس) كالتنافر، إذ به يعرف ان مستشزرا متنافر دون مرتفع. وكذا تنافر الكلمات (وهو) أي ما يبين في العلوم المذكورة أو ما يدرك بالحس، فالضمير عائد إلى ما، ومن زعم انه عائد إلى ما يدرك بالحس فقدسها سهوا ظاهرا. (ما عد التعقيد المعنوي) إذ لا يعرف بتلك العلوم ولا بالحس تمييز السالم من

================

[ 25 ]

التعقيد المعنوي من غيره فعلم ان مرجع البلاغة بعضه مبين في العلوم المذكورة وبعضها مدرك بالحس وبقى الاحتراز عن الخطأ في تأدية المعنى المراد والاحتراز عن التعقيد المعنوي. فمست الحاجة إلى وضع علمين مفيدين لذلك، فوضعوا علم المعاني للاول وعلم البيان للثاني. واليه اشار بقوله (وما يحترز به عن الاول) أي الخطاء في تأدية المعنى المراد (علم المعاني وما يحترز به عن التعقيد المعنوي علم البيان). وسموا هذين العلمين علم البلاغة لمكان مزيد اختصاص لهما بالبلاغة، وان كان البلاغة تتوقف على غيرهما من العلوم. ثم احتاجوا لمعرفة توابع البلاغة إلى علم آخر، فوضعوا لذلك علم البديع واليه اشار بقوله (وما يعرف به وجوه التحسين علم البديع). ولما كان هذا المختصر في علم البلاغة وتوابعها انحصر مقصوده في ثلاثة فنون (وكثير) من الناس (يسمى الجميع علم البيان وبعضهم يسمى الاول علم المعاني و) يسمى (الاخيرين) يعنى البيان والبديع (علم البيان والثلاثة علم البديع) ولا يخفى وجوه المناسبة والله اعلم.

================

[ 27 ]

(الفن الاول علم المعاني) قدمه على البيان، لكونه منه بمنزلة المفرد من المركب، لان رعاية المطابقة لمقتضى الحال وهو مرجع علم المعاني، معتبرة في علم البيان، مع زيادة شئ آخر وهو ايراد المعنى الواحد في طرق مختلفة. (وهو علم) أي ملكة يقتدر بها على ادراكات جزئية، ويجوز ان يريد به نفس الاصول والقواعد المعلومة، ولاستعمالهم المعرفة في الجزئيات. قال (تعرف به احوال اللفظ العربي) أي هو علم يستنبط منه ادراكات جزئية، وهى معرفة كل فرد فرد من جزئيات الاحوال المذكورة، بمعنى ان أي فرد يوجد منها امكننا ان نعرفه بذلك العلم. وقوله (التى بها يطابق) اللفظ (مقتضى الحال) احتراز عن الاحوال التي ليست بهذه الصفة، مثل الاعلال والادغام والرفع والنصب وما اشبه ذلك مما لابد منه في تأدية اصل المعنى، وكذا المحسنات البديعية من التنجيس والترصيع ونحو هما مما يكون بعد رعاية المطابقة. والمراد انه علم يعرف به هذه الاحوال من حيث انها يطابق بها اللفظ مقتضى الحال، لظهور ان ليس علم المعاني عبارة عن تصور معاني التعريف والتنكير والتقديم والتأخير والاثبات والحذف وغير ذلك. وبهذا يخرج عن التعريف علم البيان، إذ ليس البحث فيه عن احوال اللفظ من هذه الحيثية، والمراد باحوال اللفظ: الامور العارضة له من التقديم والتأخير والاثبات والحذف وغير ذلك. ومقتضى الحال في التحقيق هو الكلام الكلى المتكيف بكيفية مخصوصة على ما اشار إليه في المفتاح، وصرح به في شرحه لا نفس الكيفيات من التقديم والتأخير

================

[ 28 ]

والتعريف والتنكير على ما هو ظاهر عبارة المفتاح وغيره، والا لما صح القول بانها احوال بها يطابق اللفظ مقتضى الحال، لانها عين مقتضى الحال، قد حققنا ذلك في الشرح. واحوال الاسناد ايضا من احوال اللفظ، باعتبار ان التأكيد وتركه مثلا من الاعتبارات الراجعة إلى نفس الجملة، وتخصيص اللفظ بالعربى مجرد اصطلاح، لان الصناعة انما وضعت لذلك. (وينحصر) المقصود من علم المعاني (في ثمانية ابواب): انحصار الكل في الاجزاء لا الكلى في الجزئيات، والا لصدق علم المعاني على كل باب من الابواب المذكورة، وليس كذلك (احوال الاسناد الخبرى) و (احوال المسند إليه) و (احوال المسند) و (احوال متعلقات الفعل) و (القصر) و (الانشاء) و (الفصل) و (الوصل) و (الايجاز) و (الاطناب) و (المساواة). وانما انحصر فيها ؟ (لان الكلام اما اخبار أو انشاء لانه) لا محالة يشتمل على نسبة تامة بين الطرفين، قائمة بنفس المتكلم وهى تعلق احد الشيئين بالاخر، بحيث يصح السكوت عليه سواء كان ايجابا أو سلبا أو غيرهما كما في الانشائيات وتفسيرها بايقاع المحكوم به على المحكوم عليه أو سلبه عنه خطأ في هذا المقام، لانه لا يشمل النسبة في الكلام الانشائي فلا يصح التقسيم. فالكلام (ان كان لنسبته خارج) في احد الازمنة الثلاثة: أي يكون بين الطرفين في الخارج نسبة ثبوتية أو سلبية (تطابقه) أي تطابق تلك النسبة ذلك الخارج، بان يكونا ثبوتيتين أو سلبيتين (أو لا تطابقه) بان تكون النسبة المفهومة من الكلام ثبوتية، والتى بينهما في الخارج والواقع سلبية أو بالعكس. (فخبر) أي فالكلام خبر (والا) أي وان لم يكن لنسبته خارج كذلك (فانشاء). وتحقيق ذلك ان الكلام اما ان يكون له نسبة بحيث تحصل من اللفظ ويكون اللفظ موجدا لها من غير قصد إلى كونه دالا على نسبة حاصلة في الواقع بين الشيئين

================

[ 29 ]

وهو الانشاء أو تكون له نسبة بحيث يقصد ان لها نسبة خارجية مطابقة اولا مطابقة، وهو الخبر، لان النسبة المفهومة من الكلام الحاصلة في الذهن لابد وان تكون بين الشيئين، ومع قطع النظر عن الذهن لابد وان يكون بين هذين الشيئين في الواقع نسبة ثبوتية، بان يكون هذا ذاك، أو سلبية بان لا يكون هذا ذاك. الا ترى انك إذا قلت زيد قائم، فان القيام حاصل لزيد قطعا، سواء قلنا ان النسبة من الامور الخارجية أو ليست منها، وهذا معنى وجود النسبة الخارجية. (والخبر لابد له من مسند إليه ومسند واسناد، والمسند قد يكون له متعلقات إذا كان فعلا أو ما في معناه) كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول وما اشبه ذلك، ولا وجه لتخصيص هذا الكلام بالخبر. (وكل من الاسناد والتعليق اما بقصر أو بغير قصر وكل جملة قرنت باخرى، اما معطوفة عليها أو غير معطوفة، والكلام البليغ اما زائد على اصل المراد لفائدة) احترز به عن التطويل، على انه لا حاجة إليه بعد تقييد الكلام بالبليغ (أو غير زائد). هذا كله ظاهر لكن لا طائل تحته، لان جميع ما ذكر من القصر والفصل والوصل والايجاز ومقابليه، انما هو من احوال الجملة أو المسند إليه والمسند، مثل التأكيد والتقديم والتأخير وغير ذلك، فالواجب في هذا المقام بيان سبب افرادها وجعلها ابوابا برأسها وقد لخصنا ذلك في الشرح.

================

[ 30 ]

صدق الخبر وكذبه (تنبيه) على تفسير الصدق والكذب الذى قد سبق اشارة ما إليه في قوله تطابقه أو لا تطابقه، اختلف القائلون بانحصار الخبر في الصدق والكذب في تفسيرها. فقيل: (صدق الخبر مطابقته) أي مطابقة حكمه (للواقع) وهو الخارج الذى يكون لنسبة الكلام الخبرى (وكذبه) أي كذب الخبر (عدمها) أي عدم مطابقته للواقع، يعنى ان الشيئين اللذين اوقع بينهما نسبة في الخبر، لابد وان يكون بينهما نسبة في الواقع، أي مع قطع النظر عما في الذهن وعما يدل عليه الكلام فمطابقة تلك النسبة المفهومة من الكلام للنسبة التى في الخارج، بان يكونا ثبوتيتين أو سلبيتين صدق وعدمها، بان يكون احديهما ثبوتية والاخرى سلبية كذب. (وقيل) صدق الخبر (مطابقته لاعتقاد المخبر ولو كان) ذلك الاعتقاد (خطاء) غير مطابق للواقع (و) كذب الخبر (عدمها) أي عدم مطابقته لا عتقاد المخبر ولو كان خطاء، فقول القائل السماء تحتنا معتقدا ذلك صدق، وقوله السماء فوقنا غير معتقد كذب، والمراد بالاعتقاد الحكم الذهني الجازم أو الراجع، فيعم العلم والظن. وهذا يشكل بخبر الشاك لعدم الاعتقاد فيه فيلزم الواسطة ولا يتحقق الانحصار، اللهم الا ان يقال انه كاذب لانه إذا انتفى الاعتقاد صدق عدم مطابقة الاعتقاد والكلام في ان المشكوك خبر اوليس بخبر مذكور في الشرح فليطالع ثمة (بدليل) قوله تعالى [ إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد انك لرسول الله والله يشهد (ان المنافقين لكاذبون) ] فانه تعالى جعلهم كاذبين في قولهم انك لرسول الله لعدم مطابقته لاعتقادهم وان كان مطابقا للواقع.

================

[ 31 ]

(ورد) هذا الاستدلال (بان المعنى لكاذبون في الشهادة) وفي ادعائهم المواطأة، فالتكذيب راجع إلى الشهادة باعتبار تضمنها خبرا كاذبا غير مطابق للواقع، وهو ان هذه الشهادة من صميم القلب وخلوص الاعتقاد بشهادة ان واللام والجملة الاسمية (أو) المعنى انهم لكاذبون (في تسميتها) أي في تسمية هذا الاخبار شهادة لان الشهادة ما يكون على وفق الاعتقاد فقوله تسميتها مصدر مضاف إلى المفعول الثاني والاول محذوف (أو) المعنى انهم لكاذبون (في المشهود به) اعني قولهم انك لرسول الله لكن لا في الواقع بل (في زعمهم) الفاسد واعتقادهم الباطل لانهم يعتقدون انه غير مطابق للواقع فيكون كاذبا باعتقادهم وان كان صادقا في نفس الامر فكأنه قيل انهم يزعمون انهم كاذبون في هذا الخبر الصادق وحينئذ لا يكون الكذب الا بمعنى عدم المطابقة للواقع فليتأمل. لئلا يتوهم ان هذا اعتراف بكون الصدق والكذب راجعين إلى الاعتقاد. (والجاحظ) انكر انحصار الخبر في الصدق والكذب واثبت الواسطة وزعم ان صدق الخبر (مطابقته) للواقع (مع الاعتقاد) بانه مطابق (و) كذب الخبر (عدمها) أي عدم مطابقته للواقع (معه) أي مع اعتقاد انه غير مطابق (وغيرهما) أي غير هذين القسمين. وهو اربعة اعني المطابقة مع اعتقاد عدم المطابقة، أو بدون الاعتقاد اصلا، أو عدم المطابقة مع اعتقاد المطابقة، أو بدون الاعتقاد اصلا (ليس بصدق ولا كذب) فكل من الصدق والكذب بتفسيره اخص منه بالتفسيرين السابقين لانه اعتبر في الصدق مطابقة الواقع والاعتقاد جميعا وفي الكذب عدم مطابقتهما جميعا بناء على ان اعتقاد المطابقة يستلزم مطابقة الاعتقاد. ضرورة توافق الواقع والاعتقاد حينئذ وكذا اعتقاد عدم المطابقة يستلزم عدم مطابقة الاعتقاد حينئذ. وقد اقتصر في التفسيرين السابقين على احدهما (بدليل افترى على الله كذبا ام به جنة) لان الكفار حصروا اخبار النبي عليه السلام بالحشر والنشر على ما يدل

================

[ 32 ]

عليه قوله تعالى " إذا مزقتم كل ممزق انكم لفى خلق جديد " في الافتراء والاخبار حال الجنة على سبيل منع الخلو. ولا شك (ان المراد بالثاني) أي الاخبار حال الجنة لا قوله ام به جنة على ما سبق إلى بعض الاوهام (غير الكذب لانه قسيمه) أي لان الثاني قسيم الكذب إذ المعنى اكذب ام اخبر حال الجنة وقسيم الشئ يجب ان يكون غيره (وغير الصدق لانهم لم يعتقدوه) أي لان الكفار لم يعتقدوا صدقه فلا يريدون في هذا المقام الصدق الذى هو بمراحل عن اعتقادهم، ولو قال لانهم اعتقدوا عدم صدقه لكان اظهر. فمرادهم بكونه خبرا حال الجنة غير الصدق وغير الكذب وهم عقلاء من اهل اللسان عارفون باللغة فيجب ان يكون من الخبر ما ليس بصادق ولا كاذب حتى يكون هذا منه بزعمهم وعلى هذا لا يتوجه ما قيل انه لا يلزم من عدم اعتقادهم الصدق عدم الصدق لانه لم يجعله دليلا على عدم الصدق بل على عدم ارادة الصدق فليتأمل. (ورد) هذا الاستدلال (بان المعنى) أي معنى ام به جنة (ام لم يفتر فعبر عنه) أي عدم الافتراء (بالجنة لان المجنون لا افتراء له) لانه الكذب عن عمد ولا عمد للمجنون فالثاني ليس قسيما للكذب، بل لما هو اخص منه، اعني الافتراء فيكون هذا حصرا للخبر الكاذب بزعمهم في نوعيه اعني الكذب عن عمد والكذب لا عن عمد.

================

[ 33 ]

الباب الاول (احوال الاسناد الخبرى) وهو ضم كلمة أو ما يجرى مجراها إلى اخرى بحيث يفيد الحكم بان مفهوم احديهما ثابت لمفهوم الاخرى أو منفى عنه وانما قدم بحث الخبر لعظم شأنه وكثرة مباحثه. ثم قدم احوال الاسناد على احوال المسند إليه والمسند مع تأخر النسبة عن الطرفين لان البحث في علم المعاني انما هو عن احوال اللفظ الموصوف بكونه مسند إليه أو مسندا وهذا الوصف انما يتحقق بعد تحقق الاسناد والمتقدم على النسبة انما هو ذات الطرفين ولا بحث لنا عنها. (لا شك ان قصد المخبر) أي من يكون بصدد الاخبار والاعلام والا فالجملة الخبرية كثيرا ما تورد لاغراض آخر غير افادة الحكم أو لازمه مثل التحسر والتحزن وفى قوله تعالى حكاية عن امرأة عمران [ رب اني وضعتها انثى ] وما اشبه ذلك (بخبره) متعلق بقصر (افادة المخاطب) خبران. (اما الحكم) مفعول الافادة (أو كونه) أي كون المخبر (عالما به) أي بالحكم والمراد بالحكم هنا وقوع النسبة اولا وقوعها وكونه مقصودا للمخبر بخبر لا يستلزم تحققه في الواقع. وهذا مراد من قال ان الخبر لا يدل على ثبوت المعنى أو انتفائه على سبيل القطع والا فلا يخفى ان مدلول قولنا زيد قائم ومفهومه ان القيام ثابت لزيد وعدم ثبوته له احتمال عقلي لا مدلول ولا مفهوم للفظ فليفهم. (ويسمى الاول) أي الحكم الذى يقصد بالخبر افادته (فائدة الخبر والثاني)

================

[ 34 ]

أي كون المخبر عالما به (لازمها) أي لازم فائدة الخبر، لانه كلما افاد الحكم افاد انه عالم به وليس كلما افاد انه عالم بالحكم افاد نفس الحكم، لجواز ان يكون الحكم معلوما قبل الاخبار، كما في قولنا لمن حفظ التورية قد حفظت التورية وتسمية مثل هذا الحكم فائدة الخبر بناء على انه من شانه ان يقصد بالخبر ويستفاد منه والمراد بكونه عالما بالحكم حصول صورة الحكم في ذهنه وههنا ابحاث شريفة سمحنا بها في الشرح. (وقد ينزل) المخاطب (العالم بهما) أي بفائدة الخبر ولازمها (منزلة الجاهل) فيلقى إليه الخبر وان كان عالما بالفائدتين (لعم جريه على موجب العلم) فان من لا يجرى على مقتضى علمه هو والجاهل سواء كما يقال للعالم التارك للصلاة، الصلاة واجبة وتنزيل العالم بالشى منزلة الجاهل به لاعتبارات خطابية كثير في الكلام منه قوله تعالى [ ولقد علموا لمن اشتراه ماله في الاخرة من خلاق ولبئس ما شروابه انفسهم لو كانوا يعلمون ] بل تنزيل وجود الشئ منزلة عدمه كثير منه قوله تعالى [ وما رميت إذ رميت ولكن الله رمى ]. (فينبغي) أي إذا كان قصد المخبر بخبره افادة المخاطب ينبغى (ان يقتصر من التركيب على قدر الحاجة) حذرا عن اللغو (فان كان) المخاطب (خالي الذهن من الحكم والتردد فيه) أي لا يكون عالما بوقوع النسبة أو لا وقوعها ولا مترددا في ان النسبة هل هي واقعة ام لا. وبهذا تبين فساد ما قيل ان الخلو عن الحكم يستلزم الخلو عن التردد فيه فلا حاجة إلى ذكره بل التحقيق ان الحكم والتردد فيه متنافيان (استغنى) على لفظ المبنى للمفعول (عن مؤكدات الحكم) لتمكن الحكم في الذهن حيث وجده خاليا (وان كان) المخاطب (مترددا فيه) أي في الحكم (طالبا له) بان حضر في ذهنه طرف الحكم وتحير في ان الحكم بينهما وقوع النسبة اولا وقوعها (حسن تقوية) أي تقويته الحكم (بمؤكد) ليزيل ذلك المؤكد تردده ويمكن فيه الحكم. لكن المذكور في دلائل الاعجاز انه انما يحسن التأكيد إذا كان للمخاطب ظن في خلاف حكمك (وان كان) أي المخاطب (منكرا) للحكم (وجب توكيده) أي

================

[ 35 ]

توكيد الحكم (بحسب الانكار) أي بقدرة قوة وضعفا يعنى يجب زيادة التأكيد بحسب ازدياد الانكار ازالة له (كما قال الله تعالى حكاية عن رسل عيسى عليه السلام إذ كذبوا في المرة الاولى [ انا اليكم مرسلون ]) مؤكدا بان واسمية الجملة (وفي) المرة (الثانية) ربنا يعلم ([ انا اليكم لمرسولن ] مؤكدا بالقسم وان واللام واسمية الجملة لمبالغة المخاطبين في الانكار حيث قالوا ما انتم الا بشر مثلنا وما انزلنا الرحمن من شئ ان انتم الا تكذبون وقوله إذ كذبوا مبنى على أن تكذيب الاثنين تكذيب الثلاثة والا فالمكذب أو لا اثنان. (ويسمى الضرب الاول ابتدائيا والثاني طلبيا والثالث انكاريا و) يسمى (اخراج الكلام عليها) أي على الوجوه المذكورة وهي الخلو عن التأكيد في الاول و التقوية بمؤكد استحسانا في الثاني ووجوب التأكيد بحسب الانكار في الثالث (اخراجا على مقتضى الظاهر) وهو اخص مطلقا من مقتضى الحال لان معناه مقتضى ظاهر الحال فكل مقتضى الظاهر مقتضى الحال من غير عكس كما في صورة اخراج الكلام على خلاف مقتضى الظاهر فانه يكون على مقتضى الحال ولا يكون على مقتضى الظاهر. (وكثيرا ما يخرج) الكلام (على خلافه) أي على خلاف مقتضى الظاهر (فيجعل غير السائل كالسائل إذا قدم إليه) أي إلى غير السائل (ما يلوح) أي يشير (له) أي لغير السائل (بالخبر فيستشرف) غير السائل (له) أي للخبر يعنى ينظر إليه يقال استشرف فلان الشئ إذا رفع رأسه لينظر إليه وبسط كفه فوق حاجبيه كالمستظل من الشمس (استشراف الطالب المتردد نحو ولا تخاطبني في الذين ظلموا) أي ولا تدعني يا نوح في شان قومك واستدفاع العذاب عنهم بشفاعتك فهذا كلام يلوح بالخبر تلويحا ما ويشعر بانه قد حق عليهم العذاب فصار المقام مقام يتردد المخاطب في انهم هل صاروا محكوما عليهم بالاغراق ام لا فقيل (انهم مغرقون) مؤكدا أي محكم عليهم بالاغراق. (و) يجعل (غير المنكر كالمنكر إذا لاح) أي ظهر (عليه) أي على غير المنكر

================

[ 36 ]

(شئ من امارات الانكار نحو جاء شقيق) اسم رجل (عارضا رمحه) أي واضعا على العرض فهو لا ينكر ان في بنى عمه رماحا لكن مجيئه واضعا الرمح على العرض من غير التفات وتهيؤ امارات انه يعتقد ان لا رمح فيهم بل كلهم عزل لا سلاح معهم فنزل منزلة المنكر وخوطب خطاب التفات بقوله (ان بنى عمك فيهم رماح) مؤكدا بان وفى البيت على ما اشار إليه الامام المر زوقى تهكم واستهزاء كانه يرميه بان فيه من الضعف والجبن بحيث لو علم ان فيهم رماحا لما التفت لفت الكفاح ولم تقو يده على حمل الرماح على طريقة قوله: فقلت لمحرز لما التقينا * تنكب لا يقطرك الزحام يرميه بانه لم يباشر الشدائد ولم يدفع إلى مضائق، المجامع كأنه يخاف عليه ان يداس بالقوائم، كما يخاف على الصبيان والنساء لقلة غنائه وضعف بنائه. (و) يجعل (المنكر كغير المنكر إذا كان معه) أي مع المنكر. (ما ان تأمله) أي شئ من الدلائل والشواهد ان تأمل المنكر ذلك الشى (ارتدع) عن انكاره ومعنى كونه مع ان يكون معلوما له ومشاهدا عنده كما تقول لمنكر الاسلام " الاسلام حق " من غير تأكيد لان مع ذلك المنكر دلائل دالة على حقيقة الاسلام. وقيل معنى كونه معه ان يكون معه موجودا في نفس الامر. وفيه نظر لان مجرد وجوده لا يكفى في الارتداع ما لم يكن حاصلا عنده. وقيل معنى ما ان تأمله شئ من العقل. وفيه نظر لان المناسب حينئذ ان يقال ما ان تأمل به لانه لا يتأمل العقل بل يتأمل به. (نحو لا ريب فيه) ظاهر هذا الكلام انه مثال لجعل منكر الحكم كغيره وترك التأكيد لذلك. وبيانه ان معنى لا ريب فيه انه ليس القرآن بمظنة للريب ولا ينبغى ان يرتاب فيه وهذا الحكم مما ينكره كثير من المخاطبين لكن نزل انكارهم منزلة عدمه لما معهم

================

[ 37 ]

من الدلائل الدالة على انه ليس مما ينبغى ان يرتاب فيه والاحسن ان يقال انه نظير لتنزيل وجود الشئ منزلة عدمه بناء على وجود ما يزيله فانه نزل ريب المرتابين منزلة عدمه تعويلا على وجود ما يزيله حتى صح نفى الريب على سبيل الاستغراق كما نزل الانكار منزلة عدمه لذلك حتى يصح ترك التأكيد. (وهكذا) أي مثل اعتبارات الاثبات (اعتبارات النفى) من التجريد عن المؤكدات في الابتدائي وتقويته بمؤكد استحسانا في الطلبى ووجوب التأكيد بحسب الانكار في الانكارى تقول لخالي الذهن ما زيد قائما أو ليس زيد قائما وللطالب ما زيد بقائم وللمنكر والله ما زيد بقائم وعلى هذا القياس. الاسناد الحقيقي والمجازي (ثم الاسناد) مطلقا سواء كان انشائيا أو اخباريا (منه حقيقة عقلية) لم يقل اما حقيقة واما مجاز لان بعض الاسناد عنده ليس بحقيقة ولا مجاز كقولنا الحيوان جسم والانسان حيوان وجعل الحقيقة والمجاز صفتي الاسناد دون الكلام لان اتصاف الكلام بهما انما هو باعتبار الاسناد واوردهما في علم المعاني لانهما من احوال اللفظ فيدخلان في علم المعاني. (وهى) أي الحقيقة العقيلة (اسناد الفعل أو معناه) كالمصدر واسم الفاعل واسم المفعول والصفة المشبهة واسم التفضيل والظرف (إلى ما) أي إلى شئ. (هو) أي الفعل أو معناه (له) أي لذلك الشئ كالفاعل فيما بنى له نحو ضرب زيد عمرا أو المفعول فيما بنى له نحو ضرب عمر وفان الضاربية لزيد والمضر وبية لعمرو (عند المتكلم) متعلق بقوله له وبهذا دخل فيه ما يطابق الاعتقاد دون الواقع (في الظاهر) وهو ايضا متعلق بقوله له وبهذا يدخل فيه ما لا يطابق الاعتقاد والمعنى اسناد الفعل أو معناه إلى ما يكون هو له عند المتكلم فيما يفهم من ظاهر حاله وذلك بان لا ينصب قرينة دالة على انه غير ما هو له في اعتقاده ومعنى كونه له ان معناه قائم به ووصف له وحقه ان يسند إليه سواء كان صادرا عنه باختياره كضرب أو لا كمات ومرض.

================

[ 38 ]

واقسام الحقيقة العقلية على ما يشمله التعريف اربعة: الاول ما يطابق الواقع والاعتقاد جميعا (كقول المؤمن انبت الله البقل و). الثاني ما يطابق الاعتقاد فقط نحو قول الجاهل انبت الربيع البقل. الثالث ما يطابق الواقع فقط كقول المعتزلي لمن لا يعرف حاله وهو يخفيها منه خلق الله تعالى الافعال كلها وهذا المثال متروك في المتن. (و) الرابع ما لا يطابق الواقع والاعتقاد (نحو قالك جاء زيد وانت) أي والحال انك خاصة (تعلم انه لم يجئ) دون المخاطب إذ لو علمه المخاطب ايضا لما تعين كونه حقيقة لجواز ان يكون المتكلم قد جعل علم السامع بانه لم يجئ قرينة على انه لم يرد ظاهره فلا يكون الاسناد إلى ما هو له عند المتكلم في الظاهر. (ومنه) أي ومن الاسناد (مجاز عقلي) ويسمى مجازا حكميا ومجازا في الاثبات واسنادا مجازيا (وهو اسناده) أي اسناد الفعل أو معناه (إلى ملابس له) أي للفعل أو معناه (غير ما هوله) أي غير الملابس الذى ذلك الفعل أو معناه مبنى له يعنى غير الفاعل في المبنى للفاعل وغير المفعول به في المبنى للمفعول به سواء كان ذلك الغير غيرا في الواقع أو عند المتكلم في الظاهر. وبهذا سقط ما قيل انه ان اراد به غير ما هو له عند المتكلم في الظاهر فلا حاجة إلى قوله يتأول وهو ظاهر وان اراد به غير ما هو له في الواقع خرج عنه مثل قول الجاهل انبت الله البقل مجازا باعتبار الاسناد إلى السبب. (بتاول) متعلق باسناده ومعنى التأول تطلب ما يؤل إليه من الحقيقة أو الموضع الذى يؤل إليه من العقل وحاصله ان ينصب قرينة صارفة عن ان يكون الاسناد إلى ما هو له (وله) أي للفعل وهذا اشارة إلى تفصيل وتحقيق للتعريفين. (ملا بسات شتى) أي مختلفة جمع شتيت كمريض (يلابس الفاعل والمفعول به والمصدر والزمان والمكان والسبب) ولم يتعرض للمفعول معه والحال ونحو هما لان الفعل لا يسند إليها. (فاسناده إلى الفاعل أو المفعول به إذا كان مبنيا له) أي للفاعل أو إلى

================

[ 39 ]

المفعول به إذا كان مبنيا للمفعول به (حقيقة كما مر) من الامثلة. (و) اسناده (إلى غيرهما) أي: غير الفاعل أو المفعول به، يعنى غير الفاعل في المبنى للفاعل، وغير المفعول به في المبنى للمفعول به (للملابسة): يعنى لاجل ان ذلك الغير يشابه ما هو له في ملابسة الفعل (مجاز كقولهم عيشة راضية) فيما بنى للفاعل واسند إلى المفعول به إذ العيشة مرضية. (وسيل مفعم) في عكسه اعني فيما بنى للمفعول، واسند إلى الفاعل، لان السيل هو الذى يفعم أي يملاء من افعمت الاناء أي ملئته (وشعر شاعر) في المصدر والاولى بالتمثيل بنحو جد جده لان الشعر ههنا بمعنى المفعول (ونهاره صائم) في الزمان (ونهر جار) في المكان لان الشخص صائم في النهار، والماء جار في النهر (وبنى الامير المدينة) في السبب وينبغى ان يعلم ان المجاز العقلي يجرى في النسبة الغير الاسنادية ايضا من الايقاعية نحو: اعجبني انبات الربيع البقل، وجرى الانهار، قال الله تعالى: [ فان خفتم شقاق بينهما ومكر الليل والنهار ] ونومت الليل واجريت النهر. قال الله تعالى:، [ ولا تطيعوا امر المسرفين ]، والتعريف المذكور انما هو للاسنادي. اللهم الا ان يراد بالاسناد مطلق النسبة. وههنا مباحث نفيسة وشحنا بها في الشرح. (وقولنا) في التعريف (بتأول يخرج نحو ما مر من قول الجاهل) انبت الربيع البقل رائيا، الانبات من الربيع فان هذا الاسناد وان كان إلى غير ما هو له في الواقع لكن لا تأول فيه لانه مراده ومعتقده، وكذا شفى الطيب المريض ونحو ذلك فقوله بتأول يخرج ذلك كما يخرج الاقوال الكاذبة، وهذا تعريض بالسكاكي، حيث جعل التأول لاخراج الاقوال الكاذبة فقط وللتنبيه. على هذا تعرض المصنف في المتن فائدة هذا القيد مع انه ليس ذلك من ودأبه في هذا الكتاب واقتصر على بيان اخراجه لنحو قول الجاهل مع انه يخرج الاقوال الكاذبة ايضا. (ولهذا) أي: ولان مثل قول الجاهل خارج عن المجاز لاشتراط التأول فيه.

================

[ 40 ]

(لم يحمل نحو قوله: اشاب الصغير وافنى الكبير * كر الغداة ومر العشى على المجاز أي على ان اسناد اشاب وافنى إلى كر الغداة ومر العشى مجاز (ما) دام (لم يعلم أو) لم (يظن ان قائله) أي قائل هذا القول (لم يعتقد ظاهره) أي ظاهر الاسناد لانتفاء التأول حينئذ لاحتمال ان يكون هو معتقدا للظاهر فيكون من قبيل قول الجاهل انبت الربيع البقل. (كما استدل) يعني ما لم يعلم ولو يستدل بشئ على انه لم يرد ظاهره مثل هذا الاستدلال (على ان اسناد ميز) إلى جذاب الليالى (في قول ابي النجم ميز عن) عن الرأس (قنزعا عن قنزع) هو الشعر المجتمع في نواحى الرأس. (جذب الليالى) أي مضيها واختلافها (ابطئ أو اسرعى) هو حال من الليالى على تقدير القول إلى مقولا فيها ويجوز ان يكون الامر بمعنى الخبر (مجاز) خبر ان أي استدل على ان اسناد ميز إلى جذب الليالى مجاز (بقوله) متعلق باستدل أي بقول ابى النجم (عقيبه) أي عقيب قوله ميز عنه قنزعا عن قنزع (افناه) أي بالنجم أو شعر رأسه. (قيل الله) أي امر الله تعالى وارادته (للشمس اطلعي) فانه يدل على اعتقاده انه من فعل الله وانه المبدئ والمعيد والمنشئ والمفنى فيكون الاسناد إلى جذب الليالي بتأول بناء على انه زمان أو سبب. (واقسامه) أي اقسام المجاز العقلي باعتبار حقيقة الطرفين أو مجازيتهما (اربعة: لان طرفيه). وهما المسند إليه والمسند (اما حقيقتان) لغويتان (نحو انبت الربيع البقل أو مجازان) لغويان (نحو احى الارض شباب الزمان) فان المراد باحياء الارض تهييج القوى النامية فيها واحداث نضارتها بانواع النبات والاحياء في الحقيقة اعطاء الحياة وهي صفة تقتضي الحس والحركة الارادية وكذا المراد بشباب الزمان زمان ازدياد قويها النامية وهو في الحقيقة عبارة عن كون الحيوان في زمان تكون حرارته الغريزية مشبوبة

================

[ 41 ]

أي قوية مشتعلة (أو مختلفان) بان يكون احد الطرفين حقيقة والآخر مجازا (نحو انبت البقل شباب الزمان) فيما المسند حقيقة والمسند إليه مجازا. (واحى الارض الربيع) في عكسه ووجه الانحصار في الاربعة على ما ذهب إليه المصنف ظاهر لانه اشترط في المسند ان يكون فعلا أو في معناه فيكون في مفرد وكل مفرد مستعمل اما حقيقة أو مجاز. (وهو): أي المجاز العقل (في القرآن كثير) أي كثير في نفسه لا بالاضافة إلى مقابله حتى تكون الحقيقة العقلية قليلة. وتقديم في القرآن على كثير لمجرد الاهتمام كقوله تعالى (وإذا تليت عليهم آياته) أي آيات الله (زادتهم ايمانا) اسند الزيادة وهى فعل الله تعالى إلى الايات لكونها سببا. (يذبح ابناءهم) نسب التذبيح الذى هو فعل الجيش إلى فرعون، لانه سبب آمر (ينزع عنهما لباسهما) نسب نزع اللباس عن آدم وهو فعل الله تعالى حقيقة إلى ابليس لان سببه الاكل من الشجر وسبب الاكل وسوسته ومقاسمته اياهما انه لهما لمن الناصحين. (يوما) نصب على انه مفعول به لتتقون، أي كيف تتقون يوم القيمة ان بقيتم على الكفر يوما. (يجعل الولدان شيبا) نسب الفعل إلى الزمان وهو لله تعالى حقيقة وهذا كناية عن شدته وكثرة الهموم: والاحزان فيه لان الشيب هما يتسارع عند تفاقم الشدائد والمحن أو عن طوله وان الاطفال يبلغون فيه أو ان الشيخوخة. (واخرجت الارض اثقالها) أي ما فيها من الدفائن والخزائن نسب الاخراج إلى مكانه وهو فعل الله تعالى حقيقة (وهو غير مختص بالخبر) عطف على قوله كثير أي وهو غير مختص بالخبر وانما قال ذلك لان تسميته بالمجاز في الاثبات وايراده في احوال الاسناد الخبرى يوهم اختصاصه بالخبر. (بل يجرى في الانشاء نحو ياهامان ابن لى صرحا) لان البناء فعل العملة،

================

[ 42 ]

وهامان سبب آمر، وكذا قولك لينبت الربيع ما شاء وليصم نهارك وليجد جدك وما اشبه ذلك، مما اسند فيه الامر أو النهى إلى ما ليس المطلوب فيه صدور الفعل أو الترك عنه وكذلك قولك ليت النهر جار وقوله تعالى [ اصلوتك تأمرك ]. (ولا بد له): أي للمجاز العقلي (من قرينة) صارفة عن ارادة ظاهرة، لان المتبادر إلى الفهم عند انتفاء القرينة هو الحقيقة (لفظية كما مر) في قول ابى النجم من قوله افناه قيل الله (أو معنوية كاستحالة قيام المسند بالمذكور) أي بالمسند إليه المذكور مع المسند. (عقلا) أي من جهة العقل يعنى ان يكون بحيث لا يدعى احد من المحققين والمبطلين انه يجوز قيامه به لان العقل إذا خلى ونفسه يعده محالا (كقولك محبتك جاءت بى اليك) لظهور استحالة قيام المجئ بالمحبة. (أو عادة) أي من جن جهة العادة (نحو هزم الامير الجند) لاستحالة قيام انهزام الجند بالامير وحده عادة وان كان ممكنا عقلا وانما قال قيامه به ليعم الصدور عنه مثل ضرب وهزم وغيره مثل قرب وبعد. (وصدوره) عطف على استحالة أي وكصدور الكلام (عن الموحد في مثل اشاب الصغير) وافنى الكبير البيت فانه يكون قرينة معنوية على ان اسناد شاب وافنى إلى كر الغداة ومر العشى مجاز، لا يقال هذا داخل في الاستحالة لانا نقول لا نسلم ذلك كيف وقد ذهب إليه كثير من ذوى العقول واحتجنا في ابطاله إلى الدليل. (ومعرفة حقيقته): يعنى ان الفعل في المجاز العقلي يجب ان يكون له فاعل أو مفعول به إذا اسند إليه يكون الاسناد حقيقة. فمعرفة فاعله أو مفعولة الذى إذا اسند إليه يكون الاسناد حقيقة (اما ظاهرة كما في قوله تعالى (فما ربحت تجارتهم أي فما ربحوا في تجارتهم واما خفية) لا تظهر الا بعد نظر وتأمل (كما في قولك سرتني رؤيتك) أي سرنى الله عند رؤيتك (وقوله " يزيدك وجهه حسنا، إذا ما زدته نظرا ") أي يزيدك الله حسنا في وجهه لما اودعه من دقائق الحسن والجمال تظهر بعد التأمل والامعان.

================

[ 43 ]

وفى هذا تعريض بالشيخ عبد القاهر ورد عليه حيث زعم انه لا يجب في المجاز العقلي ان يكون الاسناد إليه حقيقة لانه ليس لسرتني في سرتني رؤيتك ولا ليزيدك في يزيدك وجهه حسنا فاعل يكون الاسناد إليه حقيقة وكذا اقدمني بلدك حق لى على فلان بل الموجود ههنا هو السرور والزيارة والقدوم. واعترض عليه الامام فخر الدين الرازي: بان الفعل لابد وان يكون له فاعل حقيقة لامتناع صدور الفعل لاعن فاعل فهو ان كان ما اسند إليه الفعل فلا مجاز والا فيمكن تقديره، فزعم صاحب المفتاح ان اعتراض الامام حق وان فاعل هذه الافعال هو الله تعالى وان الشيخ لم يعرف حقيقتها لخفائها فتبعه المصنف وفى ظنى ان هذا تكلف والحق ما ذكره الشيخ. (وانكره) أي المجاز العقلي (السكاكى) وقال: الذى عندي نظمه في سلك الاستعارة بالكناية بجعل الربيع استعارة بالكناية عن الفاعل الحقيقي بواسطة المبالغة في التشبيه وجعل نسبة الانبات إليه قرينة للاستعارة وهذا معنى قوله (ذاهبا إلى ان ما مر) من الامثلة (ونحوه استعارة بالكناية) وهى عند السكاكى ان تذكر المشبه وتريد المشبه به بواسطة قرينة. وهى إن تنسب إليه شيئا من اللوازم المساوية للمشبه به مثل ان تشبه المنية بالسبع ثم تفردها بالذكر وتضيف إليها شيئا من لوازم السبع فتقول مخالب المنية نشبت بفلان بناءا (على ان المراد بالربيع الفاعل الحقيقي) للانبات يعنى القادر المختار (بقرينة نسبة الانبات) الذى هو من اللوازم المساوية للفاعل الحقيقي (إليه) أي إلى الربيع. (وعلى هذا القياس غيره) أي غير هذا المثال وحاصله ان يشبه الفاعل المجازى بالفاعل الحقيقي في تعلق وجود الفعل به ثم يفرد الفاعل المجازى بالذكر وينسب إليه شئ من لوازم الفاعل الحقيقي. (وفيه) أي فيما ذهب إليه السكاكى (نظر لانه يستلزم ان يكون المراد

================

[ 44 ]

بعيشة في قوله تعالى فهو في عيشة راضية صاحبها لما سيأتي) في الكتاب من تفسير الاستعارة بالكناية على مذهب السكاكي وقد ذكرناه وهو يقتضى ان يكون المراد بالفاعل المجازى هو الفاعل الحقيقي فيلزم ان يكون المراد بعيشة صاحبها واللازم باطل إذ لا معنى لقولنا فهو في صاحب عيشة راضية وهذا مبنى على ان المراد بعيشة وضمير راضية واحد. (و) يستلزم (ان لا تصح الاضافة في) كل ما اضيف الفاعل المجازى إلى الفاعل الحقيقي (نحو نهاره صائم لبطلان اضافة الشئ إلى نفسه) اللازمة من مذهبه لان المراد بالنهار حينئذ فلان نفسه ولا شك في صحة هذه الاضافة ووقوعها كقوله تعالى [ فما ربحت تجارتهم ] وهذا اولى بالتمثيل. (و) يستلزم (ان لا يكون الامر بالبناء) في قوله تعالى:، [ يا هامان ابن لي صرحا ] (لهامان) لان المراد به حينئذ هو العملة انفسهم واللازم باطل لان النداء له والخطاب معه. (و) يستلزم (ان يتوقف نحو انيت الربيع البقل) وشفى الطيب المريض وسرتنى رؤيتك مما يكون الفاعل الحقيقي هو الله تعالى (على السمع) من الشارع لان اسماء إلى تعالى توقيفية واللازم باطل، لان مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع عند القائلين بان اسماء الله تعالى توقيفية واللازم باطل لان مثل هذا التركيب صحيح شائع ذائع عند القائلين بان اسماء الله تعالى توفيقيه وغيرهم سمع من الشارع أو لم يسمع. (واللوازم كلها منتفية) كما ذكرنا فينتفى كونه من باب الاستعارة بالكناية لان انتفاء اللوازم يوجب انتفاء الملزوم. والجواب ان مبنى هذه الاعتراضات على ان مذهب السكاكى في الاستعارة بالكناية ان يذكر المشبه ويراد المشبه به حقيقة وليس كذلك بل مذهبه ان يراد المشبه به ادعاءا ومبالغة لظهور ان ليس المراد بالمنية في قولنا مخالب المنية نشبت بفلان هو السبع حقيقة والسكاكى صرح بذلك في كتابه والمصنف لم يطلع عليه (ولانه) أي ما ذهب إليه السكاكى (ينتقض بنحو نهاره صائم) وليله قائم وما اشبه ذلك مما يشتمل

================

[ 45 ]

على ذكر الفاعل الحقيقي (لاشتماله على ذكر طرفي التشبيه) وهو مانع من حمل الكلام على الاستعارة كما صرح به السكاكى، والجواب انه انما يكون مانعا إذا كان ذكرهما على وجه ينبئ عن التشبيه بدليل انه جعل قوله لا تعجبوا من بلى غلالته * قد زرا زرارة على القمر من باب الاستعارة مع ذكر الطرفين وبعضهم لما لم يقف على مراد السكاكى بالاستعارة بالكناية اجاب عن هذه الاعتراضات بما هو برئ عنه ورأينا تركه اولى.

================

[ 47 ]

الباب الثاني (احوال المسند إليه) أي الامور العارضة له من حيث انه مسند إليه، وقدم المسند إليه على المسند لما سيأتي. (اما حذفه) قدمه على سائر الاحوال، لكونه عبارة عن عدم الاتيان به، وعدم الحادث سابق على وجوده، وذكره ههنا بلفظ الحذف، وفي المسند بلفظ الترك، تنبيها على ان المسند إليه هو الركن الاعظم الشديد الحاجة إليه، حتى انه إذا لم يذكر فكأنه اتى به، ثم حذف بخلاف المسند، فانه ليس بهذه المثابة فكأنه ترك عن اصله (فللا حتراز عن العبث بناء على الظاهر) لدلالة القرينة عليه وان كان في الحقيقة هو الركن من الكلام (أو تخييل العدول إلى اقوى الدليلين واللفظ). فان الاعتماد عند الذكر على دلالة اللفظ من حيث الظاهر، وعند الحذف على دلالة العقل وهو اقوى لافتقار اللفظ إليه. وانما قال تخييل لان الدال حقيقة عند الحذف ايضا هو اللفظ المدلول عليه بالقرائن (كقوله قال لي كيف انت قلت عليل) ولم يقل انا عليل، للاحتراز والتخييل المذكورين (أو اختبار تنبه السامع) عند القرينة هل يتنبه ام لا. (و) اختبار (مقدار تنبهه) هل يتنبه بالقرائن الخفية ام لا (أو ايهام صونه) أي صون المسند إليه (عن لسانك) تعظيما له (أو عكسه) أي ايهام صون لسانك عنه تحقيرا له (أو تأتى الانكار) أي تيسره (لدى الحاجة) نحو فاسق فاجر عند قيام القرينة على ان المراد زيد ليتأتى لك ان تقول ما اردت زيدا بل غيره (أو تعينه). والظاهر ان ذكر الاحتراز عن العبث يغنى عن ذلك لكن ذكره لامرين.

================

[ 48 ]

احدهما: الاحتراز عن سوء الادب فيما ذكروا له من المثال وهو خالف لما يشاء وفاعل لما يريد، إلى: الله تعالى. والثاني التوطئة والتمهيد لقوله (أو ادعاء التعين له) نحو وهاب الاولوف أي السلطان (أو نحو ذلك) كضيق المقام عن اطالة الكلام بسبب ضجرة أو سآمة أو فوات فرصة أو محافظة على وزن أو سجع أو قافية أو نحو ذلك كقول الصياد غزال أي هذا غزال أو كالا خفاء عن غير السامع من الحاضرين مثل جاء وكاتباع الاستعمال الوارد على تركه مثل رمية من غير رام أو ترك نظائره مثل الرفع على المدح أو الذم أو الترحم. (واما ذكره) أي ذكر المسند إليه (فلكونه) أي الذكر (الاصل) ولا مقتضى للعدول عنه (أو للاحتياط لضعف التعويل) أي الاعتماد (على القرينة أو للتنبيه على غباوة السامع أو زيادة الايضاح والتقرير). وعليه قوله تعالى [ اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون ] (أو اظهار تعظيمه) لكون اسمه مما يدل على التعظيم نحو امير المؤمنين حاضر (أو اهانته) أي اهانة المسند إليه لكون اسمه مما يدل على الاهانة مثل السارق اللئيم حاضر (أو التبرك بذكره) مثل النبي عليه السلام قائل هذا القول (أو استلذاذه) مثل الحبيب حاضر (أو بسط الكلام حيث الاصغاء مطلوب) أي في مقام يكون اصغاء السامع مطلوبا للمتكلم لعظمته وشرفه. ولهذا يطال الكلام مع الاحباء وعليه (نحو) قوله تعالى حكاية عن موسى عليه السلام (هي عصاي) اتوكأ عليها. وقد يكون الذكر للتهويل أو التعجب أو الاشهاد في قضية أو التسجيل على السامع حتى لا يكون له سبيل إلى الانكار (واما تعريفه) أي ايراد المسند معرفة. وانما قدم ههنا التعريف وفى المنسد التنكير، لان الاصل في المسند إليه التعريف وفي المسند التنكير. (فبالاضمار لان المقام للتكلم) نحو انا ضربت (أو الخطاب) نحو انت ضربت (أو الغيبة) نحو هو ضرب لتقدم ذكره اما لفظا تحقيقا أو تقديرا واما معنى لدلالة اللفظ عليه أو قرينة حال واما حكما.

================

[ 49 ]

(واصل الخطاب ان يكون لمعين) واحدا كان أو اكثر لان وضع المعارف على ان تستعمل لمعين مع ان الخطاب هو توجيه الكلام إلى حاضر (وقد يترك) الخطاب مع معين (إلى غيره) أي غير معين (ليعم) الخطاب (كل مخاطب) على سبيل البدل (نحو ولو ترى إذا المجرمون ناكسوا رؤسهم عند ربهم) لا يريد بقوله ولو ترى إذ المجرمون مخاطبا معينا قصدا إلى تفظيع حالهم (أي تناهت حالهم في الظهور) لاهل المحشر إلى حيث يمتنع خفاؤها فلا يختص بها رؤية راء دون راء. وإذا كان كذلك (فلا يختص به) أي بهذا الخطاب (مخاطب) دون مخاطب بل كل من يتأتى منه الرؤية فله مدخل في هذا الخطاب وفي بعض النسخ فلا يختص بها أي برؤية حالهم مخاطب أو بحالهم رؤية مخاطب على حذف المضاف. (وبالعلمية) أي تعريف المسند إليه بايراده علما وهو ما وضع لشئ مع جميع مشخصاته (لاحضاره) أي المسند إليه (بعينه) أي بشخصه، بحيث يكون متميزا عن جميع ما عداه. واحترز بهذا عن احضاره باسم جنسه نحو رجل عالم جاءني (في ذهن السامع ابتداء) أي اول مرة واحترز به عن نحو جاءني زيد وهو راكب (باسم مختص به) أي بالمسند إليه بحيث لا يطلق باعتبار هذا الوضع على غيره. واحترز به عن احضاره بضمير المتكلم أو المخاطب أو اسم الاشارة أو الموصول أو المعرف بلام العهد أو الاضافة وهذه القيود لتحقق مقام العلمية والا فالقيد الاخير مغن عما سبق. وقيل احترز بقوله ابتداء، عن الاحضار بشرط التقدم، كما في المضمر الغائب والمعرف بلام العهد والموصول فانه يشترط تقدم ذكره أو تقدم العلم بالصلة. وفيه نظر لان جميع طرق التعريف كذلك حتى العلم فانه مشروط بتقدم العلم بالوضع (نحو قل هو الله احد) فالله اصله الاله حذفت الهمزة وعوضت عنها حرف التعريف ثم جعل علما للذات الواجب الوجود الخالق للعالم. وزعم انه اسم لمفهوم الواجب لذاته أو المستحق للعبودية له وكل منهما

================

[ 50 ]

كلى انحصر في فرد فلا يكون علما لان مفهوم العلم جزئي. وفيه نظر لانا لا نسلم انه اسم لهذا المفهوم الكلى كيف وقد اجتمعوا على ان قولنا لا اله الا الله كلمة التوحيد ولو كان الله اسما لمفهوم كلى لما افادت التوحيد لان الكلى من حيث انه كلى يحتمل الكثرة (أو تعظيم أو اهانة) كما في الالقاب الصالحة لذلك مثل ركب على وهرب معاوية (أو كناية) عن معنى يصلح للعلم له نحو أبو لهب فعل كذا كناية عن كونه جهنميا بالنظر إلى الوضع الاول اعني الاضافي لان معناه ملازم النار وملابسها ويلزمه ان جهنمى فيكون انتقالا من الملزوم إلى اللازم باعتبار الوضع الاول وهذا القدر كاف في الكناية. وقيل في هذا المقام ان الكناية كما يقال جاء حاتم ويراد به لازمه أي جواد لا الشخص المسمى بحاتم ويقال رأيت ابا لهب أي جهنميا. وفيه نظر لانه حينئذ يكون استعارة لا كناية على ما سيجئ ولو كان المراد ما ذكره لكان قولنا فعل هذا الرجل كذا مشيرا إلى كافر. وقولنا أبو جهل فعل كذا كناية عن الجهنمي ولم يقل به احد. ومما يدل على فساد ذلك انه مثل صاحب المفتاح وغيره في هذه الكناية، بقوله تعالى [ تبت يدا ابي لهب ]. ولا شك ان المراد به الشخص المسمى بابى لهب لا كافر آخر (أو ايهام استلذاذه) أي وجدان العلم لذيذا نحو قوله. بالله يا ظبيات القاع قلن لنا * ليلاى منكن ام ليلى من البشر (أو التبرك به) نحو الله الهادى، ومحمد الشفيع، أو نحو ذلك، كالتفؤل والتطير والتسجيل على السامع وغيره مما يناسب اعتباره في الاعلام. (وبالموصولية) أي تعريف المسند إليه بايراده اسم موصول (لعدم علم المخاطب بالاحوال المختصة به سوى الصلة كقولك الذى كان معنا امس رجل عالم) ولم يتعرض المصنف لما لا يكون للمتكلم أو لكليهما علم بغير الصلة نحو الذين في بلاد المشرق لا اعرفهم أو لا نعرفهم لقلة جدوى مثل هذا الكلام (أو استهجان

================

[ 51 ]

التصريح بالاسم أو زيادة التقرير) أي تقرير الغرض المسوق له الكلام. وقيل تقرير المسند وقيل المسند إليه (نحو ورودته) أي يوسف عليه السلام والمرادوة مفاعلة من راد يرود جاء وذهب وكان المعنى خادعته عن نفسه وفعلت فعل المخادع لصاحبه عن الشئ الذى لا يريد ان يخرجه من يده يحتال عليه ان يأخذ، منه وهى عبارة عن التمحل لموافقته اياها. والمسند إليه هو قوله (التى هو في بيتها عن نفسه) متعلق براودته، فالغرض المسوق له الكلام، نزاهة يوسف عليه السلام، وطهارة ذيله، والمذكور ادل عليه من امرأة العزيز أو زليخا، لانه إذا كان في بيتها وتمكن من نيل المراد منها ولم يفعل كان غاية في النزاهة. وقيل هو تقرير للمراودة لما فيه من فرط الاختلاط والالفة وقيل تقرير للمنسد إليه لامكان وقوع الابهام والاشتراك في امرأة العزيز أو زليخا والمشهور ان الآية مثال لزيادة التقرير فقط. وظني انها مثال لها ولاستهجان التصريح بالاسم وقد بينته في الشرح (أو التفخيم) أي التعظيم والتهويل (نحو فغشيهم من اليم ما غشيهم) فان في هذا الابهام من التفخيم ما لا يخفى (أو تنبيه المخاطب على خطاء نحو " ان الذين ترونهم) أي تظنونهم (اخوانكم، يشفى غليل صدورهم ان تصرعوا ") أي تهلكوا وتصابوا بالحوادث. ففيه من التنبيه على خطائهم في هذا الظن ما ليس في قولك ان القوم الفلاني (أو الايماء) أي الاشارة (إلى وجه بناء الخبر) أي إلى طريقة. تقول: عملت هذا العمل على وجه عملك وعلى جهته أي على طرزه وطريقته يعنى تأتى بالموصول والصلة للاشارة إلى ان بناء الخبر عليه من أي وجه واى طريق من الثواب والعقاب والمدح والذم وغير ذلك (نحو ان الذين يستكبرون عن عبادتي) فان فيه ايماء إلى ان الخبر المبنى عليه امر من جنس العقاب والاذلال وهو قوله تعالى سيدخلون جهنم

================

[ 52 ]

داخرين ومن الخطاء في هذا المقام تفسير الوجه في قوله إلى وجه بناء الخبر بالعلة والسبب وقد استوفينا ذلك في الشرح. (ثم انه) أي الايماء إلى وجه بناء الخبر لا مجرد جعل المسند إليه موصولا كما سبق إلى بعض الاوهام (ربما جعل ذريعة) أي وسيلة (إلى التعريض بالتعظيم لشأنه) أي لشان الخبر (نحو ان الذى سمك) أي رفع (السماء بنى لنا بيتا) اراد به الكعبة أو بيت الشرف والمجد (دعائمه اعز واطول) من دعائم كل بيت. ففى قوله ان الذى سمك السماء ايماء إلى ان الخبر المبنى على امر من جنس الرفعة والبناء عند من له ذوق سليم. ثم فيه تعريض بتعظيم بناء بيته لكونه فعل من رفع السماء التى لابناء اعظم منها وارفع (أو) ذريعة إلى تعظيم (شان غيره) أي غير الخبر (نحو الذين كذبوا شعيبا كانوا هم الخاسرين). ففيه ايماء إلى ان الخبر المبنى عليه مما ينبئ عن الخيبة والخسران وتعظيم لشان شعيب عليه السلام. وربما يجعل ذريعة إلى الاهانة لشان الخبر نحو ان الذى لا يحسن معرفة الفقه قد صنف فيه أو لشان غيره نحو ان الذى يتبع الشيطان فهو خاسر وقد يجعل ذريعة إلى تحقق الخبر أي جعله محققا ثابتا نحو. ان التي ضربت بيتا مهاجرة * بكوفة الجند غالت ودها غول فان في ضرب البيت بكوفة والمهاجرة إليها بماء إلى ان طريق بناء الخبر مما ينبئ عن زوال المحبة وانقطاع المودة. ثم انه يحقق زوال المودة ويقرره حتى كأنه برهان عليه وهذا معنى تحقيق الخبر وهو مفقود في مثل ان الذى سمك السماء إذ ليس في رفع الله السماء تحقيق وتثبيت لبنائه لهم بيتا فظهر الفرق بين الايماء وتحقيق الخبر. (وبالاشارة) أي تعريف المسند إليه بايراده اسم الاشارة (لتمييزه) أي

================

[ 53 ]

المسند إليه (اكمل تمييز) لغرض من الاغراض (نحو هذا أبو الصقر فردا) نصب على المدح أو على الحال (في محاسنه)، من نسل شيبان بين الضال والسلم وهما شجرتان بالبادية يعنى يقيمون بالبادية لان فقد العز في الحضر (أو التعريض بغباوة السامع) حتى كأنه لا يدرك غير المحسوس (كقوله اولئك آبائى فجئني بمثلهم * إذا جمعتنا ياجرير المجامع (أو بيان حاله) أي المسند إليه (في القرب أو البعد أو التوسط كقولك هذا أو ذاك أو ذلك زيد). واخر ذكر التوسط ؟ لانه انما يتحقق بعد تحقق الطرفين، وامثال هذه المباحث تنظر فيها اللغة، من حيث انها تبين ان هذا مثال للقريب، وذاك للمتوسط وذلك لبعيد، وعلم المعاني من حيث انه إذا اريد بيان قرب المسند إليه يؤتى بهذا وهو زائد على اصل المراد الذى هو الحكم على المسند إليه المذكور المعبر عنه بشئ يوجب تصوره على أي وجه كان (أو تحقيره) أي تحقير المسند إليه (بالقرب نحو هذا الذى يذكر آلهتكم أو تعظيمه بالبعد نحو آلم ذلك الكتاب) تنزيلا لبعد درجته ورفعة محله منزلة بعد المسافة (أو تحقيره بالبعد كما يقال ذلك اللعين فعل كذا) تنزيلا لبعده عن ساحة عز الحضور والخطاب منزلة بعد المسافة. ولفظ ذلك صالح للاشارة إلى كل غائب، عينا كان أو معنى، وكثير ما يذكر المعنى الحاضر المتقدم الحاضر بلفظ ذلك لان المعنى غير مدرك بالحس فكأنه بعيد (أو للتنبيه) أي تعريف المسند إليه بالاشارة للتنبيه (عند تعقيق المشار إليه باوصاف) أي عند ايراد الاوصاف على عقيب المشار إليه يقال عقبه فلان إذا جاء على عقبه. ثم تعديه بالباء إلى المفعول الثاني وتقول عقبته بالشئ إذا جعلت الشئ على عقبه. وبهذا ظهر فساد ما قيل ان معناه عند جعل اسم الاشارة بعقب اوصاف (على انه) متعلق بالتنبيه أي للتنبيه على ان المشار إليه (جدير بما يرد به بعده) أي بعد اسم

================

[ 54 ]

الاشارة (من اجلها) متعلق بجدير أي حقيق بذلك لاجل الاوصاف التى ذكرت بعد المشار إليه (نحو) الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلوة إلى قوله [ اولئك على هدى من ربهم واولئك هم المفلحون) عقب المشار إليه وهو اللذين يؤمنون باوصاف متعددة من الايمان بالغيب واقامة الصلاة وغير ذلك. ثم عرف المسند إليه بالاشارة تنبيها على ان المشار إليهم احقاء بما يرد بعد اولئك وهو كونهم على الهدى عاجلا والفوز بالفلاح آجلا من اجل اتصافهم بالاوصاف المذكورة (وباللام) أي تعريف المسند إليه باللام (للاشارة إلى معهود) أي إلى حصة من الحقيقة معهودة بين المتكلم والمخاطب واحدا كان أو اثنين أو جماعة يقال عهدت فلانا إذا ادركته ولقيته وذلك لتقدم ذكره صريحا أو كناية (نحو وليس الذكر كالانثى أي ليس) الذكر (الذى طلبت) امرأة عمران (كالتي) أي كالانثى التي (وهبت) تلك الانثى (لها) أي لامرأة عمران فالانثى اشارة إلى ما تقدم ذكره صريحا في قوله تعالى [ قالت رب اني وضعتها انثى ]، لكنه ليس بمسند إليه. والذكر اشارة إلى ما سبق ذكره كناية في قوله تعالى [ رب اني نذرت لك ما في بطني محررا ]، فان لفظة ما وان كان يعم الذكور والاناث لكن التحرير وهو ان يعتق الولد لخدمة بيت المقدس انما كان للذكور دون الاناث وهو المسند إليه. وقد يستغنى عن ذكره لتقدم علم المخاطب به نحو خرج الامير إذا لم يكن في البلد الا امير واحد (أو) للاشارة (إلى نفس الحقيقة) ومفهوم المسمى من غير اعتبار لما صدق عليه من الافراد (كقولك الرجل خير من المرأة. وقد يأتي) المعرف بلام الحقيقة (لواحد) من الافراد (باعتبار عهديته للذهن) لمطابقة ذلك الواحد مع الحقيقة يعنى يطلق المعرف بلام الحقيقة الذى هو موضوع للحقيقة المتخذة في الذهن على فرد موجود من الحقيقة باعتبار كونه معهودا في الذهن وجزئيا من جزئيات تلك الحقيقة مطابقا اياها كما يطلق الكلى الطبيعي على كل جزئي من جزئياته. وذلك عند قيام قرينة دالة على أنه ليس القصد إلى نفس الحقيقة من حيث

================

[ 55 ]

هي هي بل من حيث الوجود ولا من حيث وجودها في ضمن جميع الافراد بل بعضها غير معين (كقولك ادخل السوق حيث لا عهد) في الخارج ومثله قوله تعالى [ واخاف ان يأكله الذئب ] (وهذا في المعنى كالنكرة) وان كان في اللفظ يجرى عليه احكام المعارف من وقوعه مبتدأ وذا حال ووصفا للمعرفة وموصوفا بها ونحو ذلك وانما قال كالنكرة لما بينهما من تفاوت ما وهو ان النكرة معناه بعض غير معين من جملة الحقيقة وهذا معناه نفس الحقيقة. وانما تستفاد البعضية من القرينة كالدخول والاكل فالمجرد وذو اللام بالنظر إلى القرينة سواء وبالنظر إلى انفسهما مختلفان ولكونه في المعنى كالنكرة قد يعامل معاملة النكرة ويوصف بالجملة كقوله " ولقد امر على اللئيم يسبنى ". (وقد يفيد) المعرف باللام المشار بها إلى الحقيقة (الاستغراق نحو ان الانسان لفي خسر) اشير بالام إلى الحقيقة لكن لم يقصد بها الماهية من حيث هي هي ولا من حيث تحققها في ضمن بعض الافراد بل في ضمن الجميع بدليل صحة الاستثناء الذى شرطه دخول المستثنى في المستثنى منه لو سكت عن ذكره فاللام التى لتعريف العهد الذهنى أو الاستغراق هي لام الحقيقة حمل على ما ذكرناه بحسب المقام والقرينة. ولهذا قلنا ان الضمير في قوله يأتي وقد يفيد عائد إلى المعرف باللام المشار بها إلى الحقيقة ولابد في لام الحقيقة من ان يقصد بها الاشارة إلى الماهية باعتبار حضورها في الذهن ليتميز عن اسماء الاجناس النكرات مثل الرجعى ورجعى وإذا اعتبر الحضور في الذهن فوجه امتيازه عن تعريف العهد ان لام العهد اشارة إلى حصة معينة من الحقيقة واحدا كان أو اثنين أو جماعة ولام الحقيقة اشارة إلى نفس الحقيقة من غير نطر إلى ؟ ؟ فليتأمل. (وهو) أي الاستغراق (ضربان حقيقي) وهو ان يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب اللغة (نحو عالم الغيب والشهادة أي كل غيب وشهادة وعرفي) وهو ان يراد كل فرد مما يتناوله اللفظ بحسب متفاهم العرف (نحو جمع الامير الصاغة أي صاغة بلده أو) اطراف (مملكته) لانه المفهوم عرفا لا صاغة الدنيا.

================

[ 56 ]

قيل المثال مبنى على مذهب المازنى والا فاللام في اسم الفاعل عند غيره موصول، وفيه نظر لان الخلاف انما هو في اسم الفاعل والمفعول بمعنى الحدوث دون غيره نحو المؤمن والكافر والعالم والجاهل لانهم قالوا هذه الصفة فعل في صورة الاسم فلابد فيه من معنى الحدوث ولو سلم فالمراد تقسيم مطلق الاستغراق سواء كان بحرف التعريف أو غيره. والموصول ايضا مما يأتي للاستغراق نحو اكرم الذين يأتونك الا زيدا واضرب القاعدين والقائمين الا عمرا وهذا ظاهر (واستغراق المفرد) سواء كان بحرف التعريف أو غيره (اشمل) من استغراق المثنى والمجموع بمعنى انه يتناول كل واحد واحد من الافراد والمثنى انما يتناول كل اثنين اثنين والجمع انما بتناول كل جماعة جماعة (بدليل صحة لا رجال في الدار إذا كان فيها رجل أو رجلان دون لا رجل) فانه لا يصح إذا كان فيها رجل أو رجلان وهذا في النكرة المنفية مسلم. واما في المعرف باللام فلا نسلم بل الجمع المعرف بلام الاستغراق يتناول كل واحد من الافراد على ما ذكره اكثر ائمة الاصول والنحو ودل عليه الاستقراء واشار إليه ائمة التفسير وقد اشبعنا الكلام في هذا المقام في الشرح فليطالع ثمة. ولما كان ههنا مظنة اعتراض وهو ان افراد الاسم يدل على وحدة معناه والاستغراق يدل على تعدده وهما متنافيان اجاب عنه بقوله (ولا تنافى بين الاستغراق وافراد الاسم لان الحرف) الدال على الاستغراق كحرف النفى ولام التعريف (انما يدخل عليه) أي على الاسم المفرد حال كونه (مجردا عن) الدلالة على (معنى الواحدة) وامتناع وصفه بنعت الجمع للمحافظة على التشاكل اللفظى (ولانه) أي المفرد الداخل عليه حرف الاستغراق (بمعنى كل فرد لا مجموع الافراد ولهذا امتنع وصفه بنعت الجمع) عند الجمهور وان حكاه الاخفش في نحو اهلك الناس الدينار الصفر والدرهم البيض. (وبالاضافة) أي تعريف المسند إليه بالاضافة إلى شئ من المعارف (لانها) أي الاضافة (اخصر طريق) إلى احضاره في ذهن السامع (نحو هواى) أي مهواى

================

[ 57 ]

وهذا اخصر من الذى اهواه ونحو ذلك والاختصار مطلوب لضيق المقام وفرط السأمة لكونه في السجن والحبيب على الرحيل (مع الركب اليمانين مصعد) أي مبعد ذاهب في الارض وتمامه " جنيب وجثماني بمكه موثق ". الجنيب المجنون المستتبع والجثمان الشخص والموثق المقيد ولفظ البيت خبر ومعناه تأسف وتحسر. (أو لتضمنها) أي التضمن الاضافة (تعظيما لشان المضاف إليه أو المضاف أو غيرهما كقولك) في تعظيم المضاف إليه (عبدى حضر) تعظيما لك بان لك عبدا (أو) في تعظيم المضاف (عبد الخليفة ركب) تعظيما للعبد بانه عبد الخليفة (أو) في تعظيم غير المضاف والمضاف إليه (عبد السلطان عندي) تعظيما للمتكلم بان عبد السلطان عنده وهو غير المسند إليه المضاف وغير ما اضيف المسند إليه وهذا معنى قوله أو غيرهما. (أو) لتضمنها (تحقيرا) للمضاف (نحو ولد الحجام حاضر) أو المضاف إليه نحو ضارب زيد حاضر أو غيرهما نحو ولد الحجام جليس زيد أو لا غنائها عن تفصيل متعذر نحو اتفق اهل الحق على كذا أو متعسر نحو اهل البلد فعلوا كذا أو لانه يمنع عن التفصيل مانع مثل تقديم البعض على بعض نحو علماء البلد حاضرون إلى غير ذلك من الاعتبارات. (واما تنكيره) أي تنكير المسند إليه (فللافراد) أي للقصد إلى فرد مما يقع عليه اسم الجنس (نحو وجاء رجل من اقصى المدينة يسعى أو النوعية) أي للقصد إلى نوع منه (نحو وعلى ابصارهم غشاوة) أي نوع من الاغطية وهو غطاء التعامى عن ايات الله تعالى، وفى المفتاح انها للتعظيم أي غشاوة عظيمة (أو التعظيم أو التحقير كقوله له حاجب) أي مانع عظيم (في كل امر يشينه) أي يعيبه (وليس له عن طالب العرف حاجب) أي مانع حقير فكيف بالعظيم (أو التكثير كقولهم ان له لابلا وان له لغنما أو التقليل نحو ورضوان من الله اكبر).

================

[ 58 ]

والفرق بين التعظيم والتكثير ان التعظيم بحسب ارتفاع الشان وعلو الطبقة والتكثير باعتبار الكميات والمقادير تحقيقا كما في الابل أو تقديرا كما في الرضوان وكذا التحقير والتقليل، وللاشارة إلى ان بينهما فرقا قال (وقد جاء) التنكير (للتعظيم والتكثير نحو ان يكذبوك فقد كذبت رسل) من قبلك (أي رسل ذووا عدد كثير) هذا ناظر إلى التكثير (و) ذووا (آيات عظام) هذا ناظر إلى التعظيم. وقد يكون للتحقير والتقليل معانحو حصل لى منه شئ أي حقير قليل (ومن تنكير غيره) أي غير المسند إليه (للافراد أو النوعية نحو والله خلق كل دابة من ماء) أي كل فرد من افراد الدواب من نطفة معينة هي نطفة ابيه المختصة به أو كل نوع من انواع الدواب من نوع من انواع المياه وهو نوع النطفة التى تختص بذلك النوع من الدابة (و) من تنكير غيره (للتعظيم نحو فأذنوا بحرب من الله ورسوله) أي حرب عظيم. (وللتحقير نحو ان نظن الا ظنا) أي ظنا حقيرا ضعيفا إذا الظن مما يقبل الشدة والضعف فالمفعول المطلق ههنا للنوعية لا للتأكيد وبهذا الاعتبار صح وقوعه بعد الاستثناء مفرغا مع الامتناع نحو ما ضربته الا ضربا على ان يكون المصدر للتأكيد لان مصدر ضربته لا يحتمل غير الضرب والمستثنى منه يجب ان يكون متعددا ليشمل المستثنى وغيره. واعلم انه كما ان التنكير الذى في معنى البعضية يقيد التعظيم فكذلك صريح لفظة البعض كما في قوله تعالى [ ورفع بعضهم درجات ] اراد محمدا صلى الله عليه وآله ففى هذا الابهام من تفخيم فضله واعلاء قدره ما لا يخفى. (واما وصفه) أي وصف المسند إليه، والوصف قد يطلق على نفس التابع المخصوص وقد يطلق بمعنى المصدر وهو الانسب ههنا واوفق بقوله واما بيانه واما الابدال عنه أي واما ذكر النعت له (فلكونه) أي الوصف بمعنى المصدر والاحسن ان يكون بمعنى النعت على ان يراد باللفظ احد معنييه وبضميره معناه الآخر على

================

[ 59 ]

ما سيجئ في البديع (مبينا له) أي للمسند إليه. (كاشفا عن معناه كقولك الجسم الطويل العريض العميق يحتاج إلى فراغ يشغله) فان هذه الاوصاف مما يوضح الجسم ويقع تعريفا له (ومثله في الكشف) أي مثل هذا القول في كون الوصف للكشف والايضاح وان لم يكن وصفا للمسند إليه (قوله الالمعى الذى يظن بك الظن كان قد رأى وقد سمعا) فان الالمعى معناه الذكى المتوقد والوصف بعده مما يكشف معناه ويوضحه. لكنه ليس بمسند إليه لانه اما مرفوع على انه خبر ان في البيت السابق اعني قوله " ان الذى جمع السماحة والنجدة والبر والتقى جمعا " أو منصوب على انه صفة لاسم ان أو بتقدير اعني وخبر ان حينئذ في قوله بعد عدة ابيات شعر " اودى فلا تنفع الاشاحة من امر لمرء يحاول البدعا " (أو) لكون الوصف (مخصصا للمسند إليه أي مقللا اشتراكه أو رافعا احتماله، وفي عرف النحاة التخصيص عبارة عن تقليل الاشتراك في النكرات والتوضيح عبارة عن رفع الاحتمال الحاصل في المعارف (نحو زيد التاجر عندنا) فان وصفه بالتاجر يرفع احتمال التاجر وغيره (أو) لكون الوصف (مدحا أو ذما نحو جاءني زيد العالم أو الجاهل حيث يتعين الموصوف) اعني زيدا (قبل ذكره) أي ذكر الوصف والا لكان الوصف مخصصا (أو) لكونه (تأكيدا نحو امس الدابر كان يوما عظيما) فان لفظ الامس مما يدل على الدبور. وقد يكون الوصف لبيان المقصود وتفسيره كقوله تعالى [ وما من دابة في الارض ولا طائر يطير بجناحيه ] جيث وصف دابة وطائرا بما هو من خواص الجنس لبيان ان القصد منهما إلى الجنس دون الفرد وبهذا الاعتبار افاد هذا الوصف زيادة التعميم والاحاطة. (واما توكيده) أي توكيد المسند إليه (فللتقرير) أي تقرير المسند إليه أي تحقيق مفهومه ومدلوله اعني جعله مستقرا محققا ثابتا بحيث لا يظن به غيره نحو جاءني زيد زيد إذا ظن المتكلم غفلة السامع عن سماع لفظ المسند إليه أو عن حمله

================

[ 60 ]

على معناه، وقيل المراد تقرير الحكم نحو انا عرفت أو المحكوم عليه نحو انا سعيت في حاجتك وحدي أو لا غيرى، وفيه نظر لانه ليس من تأكيد المسند إليه في شئ، إذ تأكيد المسند إليه لا يكون التقرير الحكم قط وسيصرح المصنف رحمه الله بهذا (أو لدفع توهم التجوز) أي التكلم بالمجاز نحو قطع اللص الامير الامير أو نفسه أو عينه لئلا يتوهم ان اسناد القطع إلى الامير مجاز وانما القاطع بعض غلمانه (أو) لدفع توهم (السهو) نحو: جاءني زيد زيد، لئلا يتوهم ان الجائى غير زيد وانما ذكر زيدا على سبيل السهو (أو) لدفع توهم (عدم الشمول) نحو جاءني القوم كلهم أو اجمعون لئلا يتوهم ان بعضهم لم يجئ الا انك لم تعتد بهم أو انك جعلت الفعل الواقع من البعض كالواقع من الكل بناء على انهم في حكم شخص واحد كقولك بنو فلان قتلوا زيدا وانما قتله واحد منهم. (واما بيانه) أي تعقيب المسند إليه بعطف البيان (فلا يضاحه باسم مختص به نحو قدم صديقك خالد) ولا يلزم ان يكون الثاني اوضح لجواز ان يحصل الايضاح من اجتماعها. وقد يكون عطف البيان بغير اسم مختص به كقوله والمؤمن العانذات الطير يمسحها * ركبان مكة بين الغيل والسند فان الطير عطف بيان للعائذات مع انه ليس اسما يختص بها. وقد يجئ عطف البيان لغير الايضاح كما في قوله تعالى [ جعل الله الكعبة البيت الحرام قياما للناس ] ذكر صاحب الكشاف ان البيت الحرام عطف بيان للكعبة جئ به للمدح لا للايضاح كما تجئ الصفة لذلك. (واما الابدال منه) أي من المسند إليه (فلزيادة التقرير) من اضافة المصدر إلى المفعول أو من اضافة البيان أي الزيادة التى هي التقرير. وهذا من عادة افتنان صاحب المفتاح حيث قال في التأكيد للتقرير وههنا لزيادة التقرير. ومع هذا فلا يخلو عن نكتة لطيفة وهى الايماء إلى ان الغرض من البدل، هو ان يكون مقصودا بالنسبة والتقرير زيادة تحصل تبعا وضمنا بخلاف التأكيد، فان

================

[ 61 ]

الغرض منه نفس التقرير والتحقيق (نحو جاءني اخوك زيد) في بدل الكل ويحصل التقرير بالتكرير (وجاءني القوم اكثرهم) في بدل البعض (وسلب زيد ثوبه) في بدل الاشتمال. وبيان التقرير فيهما ان المتبوع يشتمل على التابع اجمالا حتى كأنه مذكور. اما في البعض فظاهر. واما في الاشتمال فلان معناه ان يشمل المبدل منه على البدل لا كاشتمال الظرف على المظروف بل من حيث كونه مشعرا به اجمالا ومتقاضيا له بوجه ما بحيث تبقى النفس عند ذكر المبدل منه متشوقة إلى ذكره منتظرة له. وبالجملة يجب ان يكون المتبوع فيه بحيث يطلق ويراد به التابع نحو اعجبني زيد إذا اعجبك علمه بخلاف ضربت زيدا إذا ضربت حماره، ولهذا صرحوا بان نحو جاءني زيد اخوه بدل غلط لا بدل اشتمال كما زعم بعض النحاة ثم بدل البعض والاشتمال بل بدل الكل ايضا لا يخلو عن ايضاح وتفسير ولم يتعرض لبدل الغلط لانه لا يقع في فصيح الكلام. (واما العطف) أي جعل الشئ معطوفا على المسند إليه (فلتفصيل المسند إليه مع اختصار نحو جاءني زيد وعمرو) فان فيه تفصيلا للفاعل، بانه زيد وعمرو، من غير دلالة على تفصيل الفعل، بان المجيئين كانا معا، أو مترتبين مع مهلة أو بلا مهلة. واحترز بقوله مع اختصار عن نحو جاءني زيد، وجاءني عمرو، فان فيه تفصيلا للمسند إليه، مع انه ليس من عطف المسند إليه. وما يقال من انه احتراز عن نحو جاءني زيد، جاءني عمرو، من غير عطف، فليس بشئ، إذ ليس فيه دلالة على تفصيل المسند إليه، بل يحتمل ان يكون اضرابا عن الكلام الاول ونص عليه الشيخ في دلائل الاعجاز. (أو) لتفصيل (المسند) بانه قد حصل من احد المذكورين اولا، ومن الاخر بعده مع مهلة أو بلا مهلة (كذلك) أي مع اختصار.

================

[ 62 ]

واحترز بقوله كذلك عن نحو جاءني زيد وعمرو بعده بيوم أو سنة (نحو جاءني زيد فعمرو أو ثم عمرو أو جاءني القوم حتى خالد) فالثلاثة تشترك في تفصيل المسند الا ان الفاء تدل على التعقيق من غير تراخ وثم على التراخي وحتى على ان اجزاء ما قبلها مترتبة في الذهن من الاضعف إلى الاقوى أو بالعكس. فمعنى تفصيل المسند فيها ان يعتبر تعلقه بالمتبوع اولا وبالتابع ثانيا من حيث انه اقوى من اجزاء المتبوع أو اضعفها ولا يشترط فيها الترتيب الخارجي. فان قلت في هذه الثلاثة ايضا تفصيل للمسند إليه فلم لم يقل أو لتفصيلهما معا. قلت فرق بين ان يكون الشئ حاصلا من شئ وبين ان يكون الشئ مقصودا منه وتفصيل المسند إليه في هذه الثلاثة وان كان حاصلا لكن ليس العطف بهذه الثلاثة لاجله لان الكلام إذا اشتمل على قيد زائد على مجرد الاثبات أو النفى فهو الغرض الخاص والمقصود من الكلام ففى هذه الامثلة تفصيل المسند إليه كانه امر كان معلوما وانما سيق الكلام لبيان ان مجئ احدهما كان بعد الاخر فليتأمل. وهذا البحث مما اورده الشيخ في دلائل الاعجاز ووصى بالمحافظة عليه (اورد السامع) عن الخطاء في الحكم (إلى الصواب نحو جاءني زيد لا عمرو) لمن اعتقد ان عمروا جاءك دون زيد أو انهما جاآك جميعا ولكن ايضا للرد إلى الصواب الا انه لا يقال لنفى الشركة حتى ان نحو ما جاءني زيد لكن عمرو انما يقال لمن اعتقد ان زيدا جاءك دون عمرو، لا لمن اعتقد انهما جاآك جميعا. وفي كلام النحاة ما يشعر بانه انما يقال لمن اعتقد انتفاء المجئ عنهما جميعا (أو صرف الحكم) عن المحكوم عليه (إلى) محكوم عليه (آخر نحو جاءني زيد بل عمرو أو ما جاءني زيد بل عمرو) فان بل للاضراب عن المتبوع وصرف الحكم إلى التابع ومعنى الاضراب عن المتبوع ان يجعل في حكم المسكوت عنه لا ان ينفى عنه الحكم قطعا خلافا لبعضهم. ومعنى صرف الحكم في المثبت ظاهر وكذا في المنفى ان جعلناه بمعنى نفى الحكم عن التابع والمتبوع في حكم المسكوت عنه أو متحقق الحكم له حتى يكون

================

[ 63 ]

معنى ما جاءني زيد بل عمرو ان عمروا لم يجيئ وعدم مجيئ زيد زيد ومجيئه على الاحتمال أو مجيئه محقق كما هو مذهب المبرد وان جعلناه بمعنى ثبوت الحكم للتابع حتى يكون معنى ما جاءني زيد بل عمرو ان عمروا جاءك كما هو مذهب الجمهور. ففيه اشكال (أو للشك) من المتكلم (أو التشكيك للسامع) أي ايقاعه في الشك (نحو جاءني زيد أو عمرو) أو للابهام نحو قوله تعالى وانا أو اياكم لعلى هدى اوفي ضلال مبين، أو للتخيير أو للاباحة نحو ليدخل الدار زيد أو عمرو والفرق بينهما ان في الاباحة يجوز الجمع بينهما بخلاف التخيير. واما فصله: أي تعقيب المسند إليه بضمير الفصل، وانما جعله من احوال المسند إليه، لانه يقترن به اولا، ولانه في المعنى عبارة عنه، وفى اللفظ مطابق له (فلتخصيصه) أي المسند إليه (بالمسند) يعنى لقصر المسند على المسند إليه، لان معنى قولنا: زيد هو القائم، ان القيام مقصور على زيد لا يتجاوزه إلى عمرو، فالباء في قوله فلتخصيصه بالمسند مثلها في قولهم، خصصت فلانا بالذكر، أي: ذكرته دون غيره، كانك جعلته من بين الاشخاص مختصا بالذكر، أي منفردا به، والمعنى ههنا جعل المسند إليه من بين ما يصح اتصافه بكونه مسندا إليه مختصا بان يثبت له المسند كما يقال: في اياك نعبد معناه نخصك بالعبادة ولا نعبد غيرك. واما تقديمه: أي تقديم المسند إليه (فلكون ذكره اهم) ولا يكفى في التقديم مجرد ذكر الاهتمام بل لابد من ان يبين ان الاهتمام من أي جهة وباى سبب فلذا فصله بقوله: (اما لانه) أي تقديم المسند إليه (الاصل) لانه المحكوم عليه ولابد من تحققه قبل الحكم فقصدوا ان يكون في الذكر ايضا مقدما (ولا مقتضى للعدول عنه) أي عن ذلك الاصل إذ لو كان امر يقتضى العدول عنه فلا يقدم كما في الفاعل فان مرتبة العامل التقدم على المعمول، (واما ليتمكن الخبر في ذهن السامع، لان في المبتدأ تشويقا إليه) أي الخبر

================

[ 64 ]

(كقوله والذى حارت البرية فيه حيوان مستحدث من جماد) يعنى تحيرت الخلائق في المعاد الجسماني والنشور الذى ليس بنفسانى بدليل ما قبله " بان امر الاله واختلف الناس فداع إلى ضلال وهاد " يعنى بعضهم يقول بالمعاد، وبعضهم لا يقول به. (واما التعجيل المسرة أو المساءة للتفاؤل) علة لتعجيل المسرة (أو التطير) علة لتعجيل المساءة (نحو سعد في دارك) لتعجيل المسرة (والسفاح في دار صديقك) لتعجيل المساءة. (واما لايهام انه) أي المسند إليه (لا يزول عن الخاطر) لكونه مطلوبا (أو انه يستلذ به) لكونه محبوبا (أو لنحو ذلك) كاظهار تعظيمه أو تحقيره أو ما اشبه ذلك قال (عبد القاهر وقد يقدم) المسند إليه (ليفيد) التقديم (تخصيصه بالخبر الفعلي) أي لقصرا الخبر الفعلى عليه (ان ولى) المسند إليه (حرف النفى) أي وقع بعدها بلا فصل (نحو ما انا قلت هذا أي لم اقله مع انه مقول لغيري). فالتقديم يفيد نفى الفعل عن المتكلم، وثبوته لغيره على الوجه الذى نفى عنه من العموم أو الخصوص، ولا يلزم ثبوته لجميع من سواك، لان التخصيص ههنا انما هو بالنسبة إلى من توهم المخاطب اشتراكك معه في القول أو انفرادك به دونه. (ولهذا أي ولان التقديم يفيد التخصيص ونفى الحكم عن المذكور، مع ثبوته للغير (لم يصح ما انا قلت) هذا (ولا غيرى). لان مفهوم ما انا قلت ثبوت قائلية هذا القول لغير المتكلم، ومنطوق لا غيري نفيها عنه وهما متناقضان (ولا ما انا رأيت احدا) لانه يقتضى ان يكون انسان غير المتكلم، قد رأى كل احد من الانسان لانه قد نفى عن المتكلم الرؤية على وجه العموم في المفعول فيجب ان يثبت لغيره على وجه العموم في المفعول ليتحقق تخصيص المتكلم بهذا النفى (ولا ما انا ضربت إلا زيدا) لانه يقتضى ان يكون انسان غيرك قد ضرب كل احد سوى زيد لان المستثنى منه مقدر عام وكل ما نفيته عن المذكور على وجه الحصر يجب ثبوته لغيره تحقيقا لمعنى الحصر ان عاما فعام وان خاصا فخاص. وفي هذا المقام مباحث نفيسة وشحنا بها في الشرح (والا) أي وان لم يل المسند

================

[ 65 ]

إليه حرف النفى بان لا يكون في الكلام حرف النفى أو يكون حرف النفى متأخرا عن المسند إليه (فقد يأتي) التقديم (للتخصيص) ردا (على من زعم انفراد غيره) أي غير المسند إليه المذكور (به) أي في الخبر الفعلى (أو) زعم (مشاركته) أي مشاركة الغير (فيه) أي في الخبر الفعلى (نحو انا سعيت في حاجتك) لمن زعم انفراد الغير بالسعي، فيكون قصر قلب أو زعم مشاركته لك في السعي، فكيون قصر افراد (ويؤكد على الاول) أي على تقدير كونه ردا على من زعم انفراد الغير (بنحو لا غيرى) مثل لا زيد ولا عمرو ولا من سواى لانه الدال صريحا على نفى شبهة لان الفعل صدر عن الغير. (و) يؤكد (على الثاني) أي على تقدير كونه ردا على من زعم المشاركة (بنحو وحدي) مثل منفردا أو متوحدا أو غير مشارك أو غير ذلك لانه الدال صريحا على ازالة شبهة اشتراك الغير في الفعل والتأكيد انما يكون لدفع شبهة خالجت قلب السامع (وقد يأتي لتقوى الحكم) وتقريره في ذهن السامع دون التخصيص (نحو هو يعطى الجزيل) قصدا إلى تحقيق انه يفعل اعطاء الجزيل وسيرد عليك تحقيق معنى التقوى (وكذا إذا كان الفعل منفيا) فقد يأتي التقديم للتخصيص. وقد يأتي للتقوى. فالاول نحو انت ما سعيت في حاجتى قصدا إلى تخصيصه لعدم السعي. والثانى (نحو انت لا تكذب) وهو لتقوية الحكم المنفى. وتقريره (فانه اشد لنفى الكذب من لا تكذب) لما فيه من تكرار الاسناد المفقود في لا تكذب واقتصر المصنف على مثال التقوى ليفرع عليه التفرقة بينه وبين تأكيد المسند إليه كما اشار إليه بقوله (وكذا من لا تكذب انت) يعنى انه اشد لنفى الكذب من لا تكذب انت مع ان فيه تأكيدا (لانه) أي لان لفظ انت أو لان لفظ لا تكذب انت (لتأكيد المحكوم عليه) بانه ضمير المخاطب تحقيقا وليس الاسناد إليه على سبيل السهو أو التجوز أو النسيان (لا) لتاكيد (الحكم) لعدم تكرر الاسناد وهذا الذى ذكر من ان التقديم للتخصيص تارة وللتقوى اخرى إذا بنى الفعل على

================

[ 66 ]

معرف (وان بنى الفعل على منكر افاد) التقديم (تخصيص الجنس أو الواحد به) أي بالفعل (نحو رجل جاءني أي لا امرأة) فيكون تخصيص جنس (أو رجلان) فيكون تخصيص واحد وذلك ان اسم الجنس حامل لمعنيين الجنسية والعدد المعين اعني الواحد ان كان مفردا أو الاثنين ان كان مثنى، والزائد عليه ان كان جمعا، فاصل النكرة المفردة ان تكون لواحد من الجنس، فقد يقصد به الواحد فقط والذى يشعر به كلام الشيخ في دلائل الاعجاز ان لا فرق بين المعرفة والنكرة في ان البناء عليه قد يكون للتخصيص وقد يكون للتقوى. (ووافقه) أي عبد القاهر (السكاكى على ذلك) أي على ان التقديم يفيد التخصيص لكن خالفه في شرائط وتفاصيل فان مذهب الشيخ انه ان ولى حرف النفى فهو للتخصيص قطعا والا فقد يكون للتخصيص وقد يكون للتقوى مضمرا كان الاسم أو مظهرا معرفا كان أو منكرا مثبتا كان الفعل أو منفيا. ومذهب السكاكى انه ان كان تكرة فهو للتخصيص ان لم يمنع منه مانع وان كان معرفة فان كان مظهرا فليس الا للتقوى وان كان مضمرا فقد يكون للتقوى وقد يكون للتخصيص من غير تفرقة بين ما يلى حرف النفى وغيره. والى هذا اشار بقوله (الا انه) أي السكاكى (قال التقديم يفيد الاختصاص ان جاز تقدير كونه) أي المسند إليه (في الاصل مؤخرا على انه فاعل معنى فقط) لا لفظا (تحو انا قمت) فانه يجوز ان يقدر ان اصله قمت انا فيكون انا فاعلا معنى تأكيدا لفظا (وقدر) عطف على جاز يعنى ان افادة التخصيص مشروط بشرطين. احدهما جواز التقدير والاخر ان يعتبر ذلك أي يقدر انه كان في الاصل مؤخرا (والا) أي وان لم يوجد الشرطان (فلا يفيد) التقديم (الا تقوى الحكم) سواء (جاز) تقدير التأخير (كما مر) في نحو انا قمت (ولم يقدر أو لم يجز) تقدير التأخير اصلا (نحو زيد قام) فانه لا يجوز ان يقدر ان اصله قام زيد فقدم لما سنذكره. ولما كان مقتضى هذا الكلام ان لا يكون نحو رجل جاءني مفيدا للتخصيص لانه إذا اخر فهو فاعل لفظا لا معنى استثناه السكاكى واخرجه من هذا الحكم بان

================

[ 67 ]

جعله في الاصل مؤخرا على انه فاعل معنى لا لفظا بان يكون بدلا من الضمير الذى هو فاعل لفظا لا معنى وهذا معنى قوله. (واستثنى) السكاكى (المنكر بجعله من باب واسروا النجوى الذين ظلموا، أي على القول بالابدال من الضمير) يعنى قدر بان اصل رجل جاءني جاءني رجل على ان رجل ليس بفاعل، بل هو بدل من الضمير في جاءني، كما ذكر في قوله تعالى [ واسروا النجوى الذين ظلموا ] ان الواو فاعل والذين ظلموا بدل منه. وانما جعله من هذا الباب (لئلا ينتفى التخصيص إذ لا سبب له) أي للتخصيص (وسواه) أي سوى تقدير كونه مؤخرا في الاصل على انه فاعل معنى ولولا انه مخصص لما صح وقوعه مبتدأ (بخلاف المعرف) فانه يجوز وقوعه مبتدأ من غير اعتبار التخصيص، فلزم ارتكاب هذا الوجه البعيد في المنكر دون المعرف. فان قيل: فلزمه ابراز الضمير في مثل جاءني رجلان وجاؤني رجال والاستعمال بخلاف قلنا ليس مراده ان المرفوع في قولنا جاءني رجل، بدل لافاعل، فانه مما لا يقول به عاقل فضلا عن فاضل، بل المراد ان المرفوع في مثل قولنا رجل جاءني ان يقدر، ان الاصل جاءني رجل على ان رجلا بدل لا فاعل، ففى مثل رجال جاؤني يقدر ان الاصل جاؤني رجال فليتأمل. (ثم قال) السكاكى (وشرطه) أي وشرط كون المنكر من هذا الباب، واعتبار التقديم والتأخير فيه (إذا لم يمنع من التخصيص مانع كقولك رجل جاءني على ما مر) ان معناه رجل جاءني لا امرأة أو لا رجلان (دون قولهم شر اهر ذا ناب) فان فيه مانعا من التخصيص. (اما على تقدير الاول) يعنى تخصيص الجنس (فلا متناع ان يراد ان المهر شر لا خير) لان المهر لا يكون الاشرا. واما على (الثاني) يعنى تخصيص الواحد (فلنبوه عن مظان استعماله) أي لنبو تخصيص الواحد عن مواضع استعمال هذا الكلام، لانه لا يقصد به ان المهر شر لاشران وهذا ظاهر.

================

[ 68 ]

(وإذا قد صرح الائمة بتخصيصه حيث تأولوه بما اهر ذا ناب الا شرا فالوجه) أي وجه الجمع بين قولهم بتخصيصه وقولنا بالمانع من التخصيص (تفظيع شان الشربه بتنكيره) أي جعل التنكير للتعظيم والتهويل ليكون المعنى شر عظيم فظيع اهر ذا ناب لاشر حقير، فيكون تخصيصا نوعيا، والمانع، انما كان من تخصيص الجنس أو الواحد. (وفيه) أي فيما ذهب إليه السكاكى (نظر إذ الفاعل اللفظى والمعنوي) كالتأكيد والبدل (سواء في امتناع التقديم ما بقيا على حالهما) أي ما دام الفاعل فاعلا والتابع تابعا بل امتناع تقديم التابع اولى. (فتجويز تقديم المعنوي دون اللفظ تحكم) وكذا تجويز الفسخ في التابع دون الفاعل تحكم لان متناع تقديم الفاعل هو انما كونه فاعلا والا فلا امتناع في ان يقال: في نحو زيد قام انه كان في الاصل قام زيد فقدم زيد وجعل مبتدأ. كما يقال في جرد قطيفة ان جردا كان في الاصل، صفة، فقدم وجعل مضافا، وامتناع تقديم التابع حال كونه تابعا مما اجمع عليه النحاة الا في ضرورة الشعر، فمنع هذا مكابرة والقول بان في حالة تقديم الفاعل ليجعل مبتدأ: يلزم خلو الفعل عن الفاعل وهو محال بخلاف الخلو عن التابع فاسد، لان هذا اعتبار محض. (ثم لا نسلم انتفاء التخصيص) في نحو رجل جاءني (لو لا تقدير التقديم لحصوله) أي التخصيص (بغيره) أي بغير تقديم التقديم (كما ذكره) السكاكى من التهويل وغيره كالتحقير والتكثير والتقليل. والسكاكى وان لم يصرح بان لاسبب للتخصيص سواه لكن لزم ذلك من كلامه حيث قال انما يرتكب ذلك الوجه البعيد عند المنكر لفوات شرط الابتداء. ومن العجائب ان السكاكى انما ارتكب في مثل رجل جاءني ذلك الوجه البعيد لئلا يكون المبتدأ نكرة محضة. وبعضهم يزعم انه عند السكاكى بدل مقدم لا مبتدأ وان الجملة فعلية لا

================

[ 69 ]

اسمية. ويتمسك في ذلك بتلويحات بعيدة من كلام السكاكى وبما وقع من السهو للشارح العلامة في مثل زيد قام وعمرو قعد ان المرفوع يحتمل ان يكون بدلا مقدما ولا يلتفت إلى تصريحاتهم بامتناع تقديم التوابع حتى قال الشارح العلامة في هذا المقام ان الفاعل هو الذى لا يتقدم بوجه ما. واما التوابع فتحتمل التقديم على طريق الفسخ وهو ان يفسخ كونه تابعا ويقدم، واما لا على طريق الفسخ فيمتنع تقديمها ايضا لاستحالة تقديم التابع على المتبوع من حيث هو تابع فافهم، (ثم لا نسلم امتناع ان يراد المهر شر لا خير) كيف وقد قال الشيخ عبد القاهر قدم شر لا المعنى ان الذى اهره من جنس الشر لا من جنس الخير. (ثم قال) السكاكى (ويقرب من) قبيل (هو قام زيد قائم في التقوى لتضمنه) أي لتضمن قائم (الضمير) مثل قام فيحصل للحكم تقوى (وشبهه) أي شبه السكاكى مثل قائم المتضمن للضمير (بالخالى عنه) أي عن الضمير من جهة (عدم تغيره في التكلم والخطاب والغيبة) نحو انا قائم وانت قائم وهو قائم كما لا يتغير الخالى عن الضمير نحو انا رجل وانت رجل وهو رجل. وبهذا الاعتبار قال يقرب ولم يقل نظيره، وفى بعض النسخ وشبهه بلفظ الاسم مجرورا عطفا على تضمنه يعنى ان قوله يقرب مشعر بان فيه شيئا من التقوى وليس مثل التقوى في زيد قام فالاول لتضمنه الضمير والثانى لشبهه بالخالى عن الضمير. (ولهذا) أي ولشبهه بالخالى عن الضمير (لم يحكم بانه) أي مثل قائم مع الضمير وكذا مع فاعله الظاهر ايضا (جملة ولا عومل) قائم مع الضمير (معاملتها) أي معاملة الجملة (في البناء) حيث اعرب في مثل رجل قائم ورجل قائم. (ومما يرى تقديمه) أي من المسند إليه الذى يرى تقديمه على المسند (كاللازم لفظ مثل وغير) إذا استعملا على سبيلا الكناية (في نحو مثلك لا يبخل

================

[ 70 ]

وغيرك لا يجود بمعنى انت لا تبخل وانت تجود من غير ارادة تعريض بغير المخاطب) بان يراد بالمثل والغير انسان آخر مماثل للمخاطب أو غير مماثل بل المراد نفى البخل عنه على طريق الكناية، لانه إذا نفى عمن كان على صفته من غير قصد إلى مماثل، لزم نفيه عنه، واثبات الجود له بنفيه عن غيره، مع اقتضائه محلا يقوم به. وانما يرى التقديم في مثل هذه الصورة كاللازم (لكونه) أي التقديم (اعون على المراد بهما) ان بهذين التركيبين لان الغرض منهما اثبات الحكم بطريق الكناية التى هي ابلغ من التصريح والتقديم لافادته التقوى اعون على ذلك وليس معنى قوله كاللازم انه قد يقدم وقد لا يقدم بل المراد انه كان مقتضى القياس ان يجوز التأخير لكن لم يرد الاستعمال الا على التقديم كما نص عليه الشيخ في دلائل الاعجاز. (قيل وقد يقدم) المسند إليه المعسور بكل على المسند المقرون بحرف النفى (لانه) إلى التقديم (دال على العموم) أي على نفى الحكم عن كل فرد من افراد ما اضيف إليه لفظ كل (نحو كل انسان لم يقم) فانه يفيد نفى القيام عن كل واحد من افراد الانسان (بخلاف ما لو اخر نحو لم يقم كل انسان فانه يفيد نفى الحكم عن جملة الافراد لا عن كل فرد) فالتقديم يفيد عموم السلب وشمول النفى والتاخير لا يفيد الا سلب العموم ونفى الشمول. وذلك أي كون التقديم مفيدا للعموم دون التأخير (لئلا يلزم ترجيح التأكيد) وهو ان يكون لفظ كل لتقرير المعنى الحاصل قبله (على التأسيس) وهو ان يكون لافادة معنى جديد مع ان التأسيس راجح لان الافادة خير من الاعادة. وبيان لزوم ترجيح التأكيد على التأسيس اما في صورة التقديم فلان قولنا انسان لم يقم موجبة مهملة اما الايجاب فلانه حكم فيها بثبوت عدم القيام لانسان لا بنفي القيام عنه لان حرف السلب وقع جزأ من المحمول. واما الاهمال فلانه لم يذكر فيها ما يدل على كمية افراد الموضوع مع ان الحكم فيها على ما صدق عليه الانسان وإذا كان انسان لم يقم موجبة مهملة يجب ان يكون معناه نفى القيام عن جملة الافراد، لاعن كل فرد (لان الموجبة المهملة المعدولة

================

[ 71 ]

المحمولة في قوة السالبة الجزئية) عند وجود الموضوع نحو لم يقم بعض الانسان بمعنى انهما متلازمان في الصدق، لانه قد حكم في المهملة بنفي القيام عما صدق عليه الانسان اعم من انه يكون جميع الافراد أو بعضها وايا ما كان يصدق نفى القيام عن البعض وكلما صدق نفى القيام عن البعض صدق نفيه عما صدق عليه الانسان في الجملة فهى في قوة السالبة الجزئية (المستلزمة نفى الحكم عن الجملة) لان صدق السالبة الجزئية الموجودة الموضوع اما بنفى الحكم عن كل فرد أو نفيه عن البعض مع ثبوته للبعض. وايا ما كان يلزمها نفى الحكم عن جملة الافراد (دون كل فرد) لجواز ان يكون منفيا عن البعض ثابتا للبعض الاخر وإذا كان انسان لم يقم بدون كل معناه نفى القيام عن جملة الافراد لا عن كل فرد فلو كان بعد دخول كل ايضا معناه كذلك كان كل لتأكيد المعنى الاول فيجب ان يحمل على نفى الحكم عن كل فرد ليكون كل لتأسيس معنى آخر ترجيحا للتأسيس على التأكيد. واما في صورة التأخير فلان قولنا لم يقم انسان سالبة مهملة لا سور فيها (والسالبة المهملة في قولة السالبة الكلية المقتضية للنفي عن كل فرد) نحو لا شئ من الانسان بقائم ولما كان هذا مخالفا لما عندهم من ان المهملة في قوة الجزئية بينه بقوله (لورود موضوعها) أي موضوع المهملة (في سياق النفى) حال كونه نكرة غير مصدرة بلفظ كل فانه يفيد نفى الحكم عن كل فرد وإذا كان لم يقم انسان بدون كل معناه نفى القيام عن كل فرد فلو كان بعد دخول كل ايضا كذلك كان كل لتأكيد المعنى الاول فيجب ان يحمل على نفى القيام عن جملة الافراد ليكون كل لتأسيس معنى آخر. وذلك لان لفظ كل في هذا المقام لا يفيد الا احد هذين المعنين فعند انتفاء احدهما يثبت الاخر ضرورة. والحاصل ان التقديم بدون كل لسلب العموم ونفى الشمول والتأخير لعموم السلب وشمول النفى، فبعد دخول كل، يجب ان يعكس هذا، ليكون كل للتأسيس

================

[ 72 ]

الراجح دون التأكيد المرجوح. (وفيه نظر لان النفى عن الجملة في الصورة الاولى) يعنى الموجبة المهملة المعدولة المحمول نحو انسان لم يقم (وعن كل فرد في) الصورة (الثانية) يعنى السالبة المهملة نحو لم يقم انسان (انما افاده الاسناد إلى ما اضيف إليه كل) وهو لفظ انسان. (وقد زال ذلك) الاسناد المفيد لهذا المعنى (بالاسناد إليها) أي إلى كل لان انسانا صار مضافا إليه فلم يبق مسندا إليه (فيكون) أي على تقدير ان يكون الاسناد إلى كل ايضا، مفيدا للمعنى الحاصل من الاسناد إلى انسان يكون كل (تأسيسا لا تأكيدا) لان التأكيد لفظ يفيد تقوية ما يفيده لفظ آخر وهذا ليس كذلك لان هذا المعنى حينئذ انما افاده الاسناد إلى لفظ كل لا شئ آخر حتى يكون كل تأكيدا له. وحاصل هذا الكلام انا لا نسلم انه لو حمل الكلام بعد دخول كل على المعنى الذى حمل عليه قبل كل كان كل للتأكيد. ولا يخفى ان هذا انما يصح على تقدير ان يراد به التأكيد الاصطلاحي اما لو اريد بذلك ان يكون كل لافادة معنى كل حاصلا بدونه، فاندفاع المنع ظاهر وحينئذ يتوجه ما اشار إليه بقوله (ولان) الصورة (الثانية) يعنى السالبة المهملة نحو لم يقم انسان (إذا افادت النفى عن كل فرد فقد افادت النفى عن الجملة فإذا حملت) كل (على الثاني) أي على افادة النفى عن جملة الافراد حتى يكون معنى لم يقم كل انسان نفى القيام عن الجملة لا عن كل فرد (لا يكون) كل (تأسيسا) بل تأكيدا، لان هذا المعنى كان حاصلا بدونه، وحينئذ فلو جعلنا لم يقم كل انسان لعموم السلب مثل لم يقم انسان لم يلزم ترجيح التأكيد على التأسيس إذ لا تأسيس اصلا بل انما لزم ترجيح احد التأكيدين على الاخر. وما يقال ان دلالة لم يقم انسان على النفى عن الجملة بطريق الالتزام ودلالة لم يقم كل انسان عليه بطريق المطابقة فلا يكون تأكيدا.

================

[ 73 ]

ففيه نظر إذ لو اشترط في التأكيد اتحاد الدلالتين لم يكن حينئذ كل انسان لم يقم على تقدير كونه لنفى الحكم عن الجملة تأكيدا لان دلالة انسان لم يقم على هذا المعنى التزام (ولان النكرة المنفية إذا عمت كان قولنا لم يقم انسان سالبة كلية لا مهملة) كما ذكره هذا القائل لان قد بين فيها ان الحكم مسلوب عن كل واحد من الافراد والبيان لابد له من مبين. ولا محالة ههنا شئ يدل على ان الحكم فيها على كلية افراد الموضوع ولا نعنى بالسور سوى هذا وحينئذ يندفع ما قيل سماها مهملة باعتبار عدم السور. (وقال عبد القاهر ان كانت) كلمة (كل داخلة في حيز النفى بان اخرت عن اداته) سواء كانت معمولة لاداة النفى اولا وسواء كان الخبر فعلا (نحو ما كل " ما يتمنى المرء يدركه) تجرى الرياح بما لا تشتهى السفن " أو غير فعل نحو قولك ما كل متمنى المرء حاصلا (أو معمولة للفعل المنفى). الظاهر انه عطف على داخلة وليس بسديد لان الدخول في حيز النفى شامل لذلك. وكذا لو عطفتها على اخرت بمعنى أو جعلت معمولة لان التأخير عن اداة النفى ايضا شامل له. اللهم الا ان يخصص التأخير بما إذا لم تدخل الاداة على فعل عامل في كل على ما يشعر به المثال والمعمول (اعم) من ان يكون فاعلا أو مفعولا أو تأكيدا لاحدهما أو غير ذلك (نحو ما جاءني القوم كلهم) في تأكيد الفاعل (أو ما جاءني كل القوم) في الفاعل وقدم التأكيد على الفاعل لان كلا اصل فيه (أو لم آخذ كل الدراهم) في المفعول المتأخر (أو كل الدراهم لم آخذ) في المفعول المتقدم وكذا لم آخذ الدراهم كلها أو الدراهم كلها لم آخذ ففي جميع هذه الصور (توجه النفى إلى الشمول خاصة) لا إلى اصل الفعل. (وافاد) الكلام (ثبوت الفعل أو الوصف لبعض) مما اضيف إليه كل ان كانت كل في المعنى فاعلا للفعل أو الوصف المذكور في الكلام (أو) افاد (تعلقه) أي

================

[ 74 ]

تعلق الفعل أو الوصف (به) أي ببعض مما اضيف إليه كل ان كان كل في المعنى مفعولا للفعل أو الوصف. وذلك بدليل الخطاب وشهادة الذوق والاستعمال والحق ان هذا الحكم اكثري لاكلى بدليل قوله تعالى [ والله لا يحب كل مختال فخور ] [ والله لا يحب كل كفار اثيم ] [ ولا تطع كل حلاف مهين ] (والا) أي وان لم تكن داخلة في حيز النفى بان قدمت على النفى لفظا ولم تقع معمولة للفعل المنفى (عم) النفى كل فرد مما اضيف إليه كل وافاد نفى اصل الفعل عن كل فرد (كقول النبي صلى الله عليه واله وسلم لما قال له ذو اليدين) اسم واحد من الصحابة (اقصرت الصلاة) بالرفع فاعل اقصرت (ام نسيت) يا رسول الله (كل ذلك لم يكن) هذا قول النبي صلى الله تعالى عليه وآله وسلم. والمعنى لم يقع واحد من القصر والنسيان على سبيل شمول النفى وعمومه لوجهين احدهما ان جواب ام اما بتعيين احد الامرين أو بنفيهما جميعا تخطئة للمستفهم لا بنفي الجمع بينهما لانه عارف بان الكائن احدهما. والثانى ما روى انه لما قال النبي عليه السلام كل ذلك لم يكن قال له ذو اليدين بل بعض ذلك قد كان ومعلوم ان الثبوت للبعض انما ينافى النفى عن كل فرد لا النفى عن المجموع (وعليه) أي على عموم النفى عن كل فرد. (قوله) أي قول ابى النجم قد اصبحت ام الخيار تدعى * على ذنبا كله لم اصنع برفع كله على معنى لم اصنع شيئا مما تدعيه على من الذنوب ولافادة هذا المعنى عدل عن النصب المستغنى عن الاضمار إلى الرفع المفتقر إليه أي لم اصنعه. (واما تأخيره) أي تأخير المسند إليه (فلاقتضاء المقام تقديم المسند) وسيجئ بيانه. (هذا) أي الذى ذكر من الحذف والذكر والاضمار وغير ذلك في المقامات المذكورة (كله مقتضى الظاهر) من الحال. (وقد يخرج الكلام على خلافه) أي على خلاف مقتضى الظاهر لاقتضاء

================

[ 75 ]

الحال اياه (فيوضع المضمر موضع المظهر كقولهم نعم رجلا) زيد (مكان نعم الرجل زيد) فان مقتضى الظاهر في هذا المقام هو الاظهار دون الاضمار لعدم تقدم ذكر المسند إليه وعدم قرينة تدل عليه، وهذا الضمير عائد إلى متعقل معهود في الذهن والتزم تفسيره بنكرة ليعلم جنس المتعقل وانما يكون هذا من وضع المضمر موضع المظهر (في احد القولين) أي قول من يجعل المخصوص خبر مبتدأ محذوف واما من يجعله مبتدأ ونعم رجلا خبره فيحتمل عنده ان يكون الضمير عائدا إلى المخصوص وهو مقدم تقديرا ويكون التزام افراد الضمير حيث لم يقل نعما ونعموا من خواص هذا الباب لكونه من الافعال الجامدة. (وقولهم هو أو هي زيد عالم مكان الشان أو القصة) فالاضمار فيه ايضا على خلاف مقتضى الظاهر لعدم التقدم. واعلم ان الاستعمال على ان ضمير الشأن انما يؤنث إذا كان في الكلام مؤنث غير فضلة، فقوله هي زيد عالم مجرد قياس ثم علل وضع المضمر موضع المظهر في البابين بقوله (ليتمكن ما يعقبه) أي يعقب الضمير أي يجئ على عقبه (في ذهن السامع لانه) أي السامع (إذا لم يفهم منه) أي من الضمير (معنى انتظره) أي انتظر السامع ما يعقب الضمير ليفهم منه معنى فيتمكن بعد وروده فضل تمكن لان المحصول بعد الطلب اعز من المنساق بلا تعب. ولا يخفى ان هذا لا يحسن في باب نعم لان السامع ما لم يسمع المفسر لم يعلم ان فيه ضميرا فلا يتحقق فيه التشوق والانتظار (وقد يعكس) وضع المضمر موضع المظهر أي يوضع المظهر موضع المضمر (فان كان) المظهر الذى وضع موضع المضمر (اسم اشارة فلكمال العناية بتمييزه) أي تمييز المسند إليه (لا ختصاصه بحكم بديع) كقوله (كم عاقل عاقل) هو وصف عاقل الاول بمعنى كامل العقل متناه فيه (اعيت) أي اعيته واعجزته أو اعيت عليه وصعبت (مذاهبه) أي طرق معاشه.

================

[ 76 ]

وجاهل تلقاه مرزوقا * هذا الذى ترك الاوهام حائرة وصير العالم النحرير) أي المنقن من نحر الامور علما اتقنها (زنديقا) كافرا نافيا للصانع العدل الحكيم، فقوله هذا اشارة إلى حكم سابق غير محسوس وهو كون العاقل محروما والجاهل مرزوقا فكان القياس فيه الاضمار فعدل إلى اسم الاشارة لكمال العناية بتمييزه ليرى السامعين ان هذا الشئ المتميز المتعين هو الذى له الحكم العجيب وهو جعل الاوهام حائرة والعالم النحرير زنديقا فالحكم البديع هو الذى اثبت للمسند إليه المعبر عنه باسم الاشارة (أو التهكم) عطف على كمال العناية (بالسامع كما إذا كان) السامع (فاقد البصر) أو لا يكون ثمة مشار إليه اصلا (أو النداء على كمال بلادته) أي بلادة السامع بانه لا يدرك غير المحسوس (أو) على كمال (فطانته) بان غير المحسوس عنده بمنزلة المحسوس (أو ادعاء كمال ظهوره) أي ظهور المسند إليه. (وعليه) أي على وضع اسم الاشارة موضع المضمر لادعاء كمال الظهور (من غير هذا الباب) أي باب المسند إليه (تعاللت) أي اظهرت العلة والمرض (كى اشجى) أي احزن من شجى بالكسر أي صار حزينا لا من شجى العظم بمعنى نشب في حلقه (وما بك علة، تريدين قتلى قد ظفرت بذلك) أي بقتلى كان مقتضى الظاهر (ان يقول به لانه ليس) بمحسوس فعدل إلى ذلك اشارة إلى ان قتله قد ظهر ظهور المحسوس (وان كان) المظهر الذى وضع موضع المضمر (غيره) أي غير اسم الاشارة (فلزيادة التمكن) أي جعل المسند إليه متمكنا عند السامع (نحو قل هو الله احد، الله الصمد) أي الذى يصمد إليه ويقصد في الحوائج لم يقل هو الصمد لزيادة التمكن. (ونظيره) أي نظير [ قل هو الله احد الله الصمد ] في وضع المظهر موضع المضمر لزيادة التمكن (من غيره) أي من غير باب المسند إليه. (وبالحق) أي بالحكمة المقتضية للانزال (انزلناه) أي القرآن (وبالحق نزل) حيث لم يقل وبه نزل (أو ادخال الروع) عطف على زيادة التمكن (في ضمير السامع وتربية المهابة) عنده وهذا كالتأكيد لادخال الروع (أو تقوية داعى

================

[ 77 ]

المأمور، ومثالهما) أي مثال التقوية وادخال الروع مع التربية (قول الخلفاء امير المؤمنين يأمرك بكذا) مكانا انا آمرك. (وعليه) أي على وضع المظهر موضع المضمر لتقوية داعى المأمور (من غيره) أي من غير باب المسند إليه (فإذا عزمت فتوكل على الله) لم يقل على لما في لفظ الله من تقوية الداعي إلى التوكل عليه لدلالته على ذات موصوفة بالاوصاف الكاملة من القدر الباهرة وغيرها (أو الاستعطاف) أي طلب العطف والرحمة (كقوله: الهى عبدك العاصى اتاكا * مقرا بالذنوب وقد دعاكا لم يقل لنا لما في لفظ عبدك العاصى من التخضع واستحقاق الرحمة وترقب الشفقة. (قال السكاكى هذا) اعني نقل الكلام عن الحكاية إلى الغيبة (غير مختص بالمسند إليه ولا) النقل مطلقا مختص (بهذا القدر) أي بان يكون عن الحكاية إلى الغيبة ولا يخلو العبارة عن تسامح (بل كل من التكلم والخطاب والغيبة مطلقا) أي وسواء كان في المسند أو غيره وسواه كان كل منها واردة في الكلام أو كان مقتضى الظاهر ايراده (ينقل إلى الاخر) فتصير الاقسام ستة حاصلة من ضرب الثلاثة في الاثنين ولفظ مطلقا ليس في عبارة السكاكى لكنه مراده بحسب ما علم من مذهبه في الالتفات بالنظر إلى الامثلة. (ويسمى هذا النقل عند علماء المعاني التفاتا) مأخذوا من التفات الانسان عن يمينه إلى شماله أو بالعكس (كقوله) أي قول امرئ القيس (تقاول ليلك) خطاب لنفسه التفاتا ومقتضى الظاهر ليلى (بالاثمد) بفتح الهمزة وضم الميم اسم موضع. (والمشهور) عند الجمهور (ان الالتفات هو التعبير عن معنى بطريق من) الطرق (الثلاثة) التكلم والخطاب والغيبة (بعد التعبير عنه) أي عن ذلك المعنى (باخر منها) أي بطريق آخر من الطرق الثلاثة بشرط أي يكون التعبير الثاني على خلاف ما يقتضيه الظاهر ويترقبه السامع ولابد من هذا القيد ليخرج مثل قولنا انا

================

[ 78 ]

زيد وانت اعمر ونحن اللذون صبحوا الصباحا، ومثل قوله تعالى [ واياك نستعين، واهدنا، وانعمت ] فان الالتفات انما هو في اياك نعبد والباقى جار على اسلوبه ومن زعم ان في مثل يا ايها الذين آمنوا التفاتا والقياس آمنتم فقد سها على ما يشهد به كتب النحو. (وهذا) أي الالتفات بتفسير الجمهور (اخص منه) بتفسير السكاكى لان النقل عنده اعم من ان يكون قد عبر عنه بطريق من الطرق ثم بطريق آخر أو يكون مقتضى الظاهر ان يعبر عنه بطريق منها فترك وعدل إلى طريق آخر فيتحقق الالتفات بتعبير واحد وعند الجمهور مخصوص بالاول حتى لا يتحقق الالتفات بتعبير واحد فكل التفات عندهم التفات عنده من غير عكس كما في تطاول ليلك. (مثال التفات من التكلم إلى الخطاب ومالى لا اعبد الذى فطرني واليه ترجعون) ومقتضى الظاهر ارجع والتحقيق ان المراد مالكم لا تعبدون، ولكن لما عبر عنهم طريق التكلم كان مقتضى ظاهر السوق اجراء باقى الكلام على ذلك الطريق فعدل عنه إلى طريق الخطاب فيكون التفاتا على المذهبين. (و) مثال الالتفات من التكلم (إلى الغيبة انا اعطيناك الكوثر، فصل لربك وانحر،) ومقتضى الظاهر لنا (و) مثال الالتفات (من الخطاب إلى التكلم) قول الشاعر (طحا) أي ذهب (بك قلب في الحسان طروب) ومعنى طروب في الحسان ان له طربا في طلب الحسان ونشاطا في مراودتها (بعيد الشباب) تصغير بعد للقرب أي حين ولى الشباب وكاد ينصرم (عصر) ظرف زمان مضاف إلى الجملة الفعلية اعني قوله (حان) أي قريب (مشيب، يكلفني ليلى) فيه التفات من الخطاب في بك الا التكلم. ومقتضى الظاهر يكلفك وفاعل يكلفني ضمير عائد إلى القلب وليلى مفعوله الثاني والمعنى يطالبني القلب بوصل ليلى. وروى تكلفني بالتاء الفوقانية على انه مسند إلى ليلى والمفعول محذوف أي

================

[ 79 ]

شدائد فراقها أو على انه خطاب للقلب فيكون التفاتا آخر من الغيبة إلى الخطاب (وقد شط) أي بعد (وليها) أي قربها (وعادت عواد بيننا وخطوب) قال المرزوقى عادت يجوز ان يكون فاعلت من المعاداة كل الصوارف والخطوب صارت تعاديه ويجوز ان يكون من عاد يعود أي عادت عواد وعوائق كانت تحول بيننا إلى ما كانت عليه قبل. (و) مثال الالتفات من الخطاب (إلى الغيبة) قوله تعالى (حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم) والقياس بكم (و) مثال الالتفات (من الغيبة إلى التكلم) قوله تعالى (الله الذى ارسل الرياح فتثير سحابا فسقناه) ومقتضى الظاهر فساقه أي ساق الله ذلك السحاب اجراه إلى بلد ميت. (و) مثال الالتفات من الغيبة (إلى الخطاب) قوله تعالى (مالك يوم الدين اياك نعبد) ومقتضى الظاهر اياه (ووجهه) أي وجه حسن الالتفات (ان الكلام إذا نقل من اسلوب إلى اسلوب آخر كان) ذلك الكلام (احسن تطرية) أي تجديدا واحداثا من طريت الثوب (لنشاط السامع وكان اكثر ايقاظا للاصغاء إليه) أي إلى ذلك الكلام لان لكل جديد لذة، وهذا وجه حسن الالتفات على الاطلاق. (وقد يختص مواقعه بلطائف) غير هذا الوجه العام (كما في) سورة (الفاتحة فان العبد إذا ذكر الحقيق بالحمد عن قلب حاضر يجد) ذلك العبد (من نفسه محركا للاقبال عليه) أي على ذلك الحقيقي بالحمد (وكلما اجرى عليه صفة من تلك الصفات العظام قوى ذلك المحرك إلى ان يؤل الامر إلى خاتمتها) أي خاتمة تلك الصفات يعنى مالك يوم الدين (المفيد انه) أي ذلك الحقيق بالحمد (مالك الامر كله في يوم الجزاء) لانه اضيف مالك إلى يوم الدين على طريق الاتساع والمعنى على الظرفية أي مالك في يوم الدين والمفعول محذوف دلالة على التعميم. (فحينئذ يوجب) ذلك المحرك لتناهيه في القوة (الاقبال عليه) أي اقبال العبد على ذلك الحقيق، بالحمد (والخطاب بتخصيصه بغاية الخضوع والاستعانة في المهمات) فالياء في بتخصيصه متعلق بالخطاب يقال: خاطبته بالدعاء إذا دعوت له

================

[ 80 ]

مواجهة. وغاية المخضوع: هو معنى العبادة وعموم المهمات مستفاد من حذف مفعول نستعين والتخصيص مستفاد من تقديم المفعول فاللطيفة المختص بها موقع هذا الالتفات، هي: ان فيه تنبيها على ان العبد إذا اخذ في القراءة يجب ان يكون قراءته على وجه يجد من نفسه ذلك المحرك. ولما انجر الكلام إلى ذكر خلاف مقتضى الظاهر، اورد عدة اقسام: منه وان لم تكن من مباحث المسند إليه، فقال (ومن خلاف المقتضى) أي مقتضى الظاهر (تلقى المخاطب) من اضابة المصدر إلى المفعول أي تلقى المتكلم للمخاطب (بغير ما يترقب) المخاطب (بحمل كلامه). والباء في بغير للتعدية وفى بحمل كلام للسببية أي انما تلقاه بغير ما يترقبه بسبب انه حمل كلامه أي الكلام الصادر عن المخاطب (على خلاف مراده) أي مراد المخاطب، وانما حمل كلامه على خلاف مراده (تنبيها) للمخاطب (على انه) أي ذلك الغير هو (الاولى بالقصد) والاردة. (كقوله القبعثرى للحجاج وقد قال) الحجاج (له) أي للقبعثرى حال كون الحجاج (متوعدا) اياه (" لاحملنك على الادهم ") يعني القيد، هذا مقول قول الحجاج (" مثل الامير يحمل على الادهم والاشهب ") هذا مقول قول القبعثرى فابرز وعيد الحجاج في معرض الوعد وتلقاه بغير ما يتقرب بان حمل الادهم في كلامه على الفرس الادهم أي الذى غلب سواده حتى ذهب البياض الذى فيه وضم إليه الاشهب أي الذى غلب بياضه حتى ذهب سواده. ومراده الحجاج انما هو القيد فنبه على ان الحمل على الفرس الادهم، هو الاولى بان يقصده الامير (أي من كان مثل الامير في السلطان) أي الغلبة (وبسطة اليد) أي الكرم والمال والنعمة (فجدير بان يصفد) أي يعطى من اصفده (لا ان يصفد) أي يقيده من صفده (أو السائل) عطف على المخاطب أي تلقى السائل (بغير ما يطلب بتنزيل سؤاله منزلة غيره) أي منزلة غير ذلك السؤال (تنبيها) للسائل (على انه)

================

[ 81 ]

أي ذلك الغير (هو الاولى بحاله أو المهم له كقوله تعالى يسئلونك عن الاهلة قل هي مواقيت للناس والحج) سألوا عن سبب اختلاف القمر في زيادة النور ونقصانه، فاجيبوا ببيان الغرض من هذا الاختلاف وهو ان الاهلة بحسب ذلك الاختلاف معالم يوقت بها الناس امورهم من المزارع والمتاجر ومحال الديون والصوم وغير ذلك ومعالم للحج يعرف بها وقته. وذلك للتنبيه على ان الاول والاليق بحالهم ان يسألوا عن ذلك لانهم ليسوا ممن يطلعون بسهولة على دقائق علم الهيئة ولا يتعلق لهم به غرض (وكقوله تعالى يسئلونك ماذا ينفقون قل ما انفقتم من خير فللوالدين والاقربين واليتامى والمساكين وابن السبيل) سألوا عن بيان ماذا ينفقون فاجيبوا ببيان المصارف تنبيها على ان المهم هو السؤال عنها لان النفقة لا يتعد بها الا ان تقع موقعها. (ومنه) أي من خلاف مقتضى الظاهر (التعبير عن) المعنى (المستقبل بلفظ الماضي تنبيها على تحقق وقوعه نحو قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السموات ومن في الارض) بمعنى يصعق. (ومثله) التعبير عن المقصود المستقبل بلفظ اسم الفاعل كقوله تعالى وان الدين لواقع) مكان يقع (ونحوه) التعبير عن المستقبل بلفظ اسم المفعول كقوله تعالى (ذلك يوم مجموع له الناس) مكان يجمع وههنا بحث وهو ان كلا من اسمى الفاعل والمفعول قد يكون بمعنى الاستقبال وان لم يكن ذلك بحسب اصل الوضع فيكون كل منهما ههنا واقعا في موقعه واردا على حسب مقتضى الظاهر. والجواب ان كلا منهما حقيقة فيما تحقق فيه وقوع الوصف وقد استعمل ههنا فيما لم يتحقق مجازا تنبيها على تحقق وقوعه. (ومنه) أي من خلاف مقتضى الظاهر (القلب) وهو ان يجعل احد اجزاء الكلام مكان الاخر والاخر مكانه (عرضت الناقة على الحوض) أي اظهرته عليها لتشرب (وقلبه) أي القلب السكاكي مطلقا) وقال انه مما يورث الكلام ملاحة. (ورده غيره) أي غير السكاكي (مطلقا) لانه عكس المطلوب ونقيض

================

[ 82 ]

المقصود (والحق انه ان تضمن اعتبار لطيفا) غير الملاحة التى اورثها نفس القلب (قبل كقوله " ومهمه) أي مفازة (مغبرة أي مملوكة بالغبرة ارجاؤه،) أي اطرافه ونواحيه جمع الرجى مقصورا (كان لو ارضه سماؤه ") على حذف المضاف (أي لونها) يعنى لون السماء فالمصراع الاخير من باب القلب والمعنى كأن لون سمائه لغبرتها لون ارضه. والاعتبار اللطيف هو المبالغة في وصف لون السماء بالغبرة حتى كأنه صار بحيث يشبه به لون الارض في ذلك مع ان الارض اصل فيه (والا) أي وان لم يتضمن اعتبار لطيفا (رد) لانه عدول عن مقتضى الظاهر من غير نكتة يعتد بها (كقوله) فلما ان جرى سمن عليها (كما طينت بالفدن) اي بالقصر (السياعا) اي الطين بالتبن والمعنى كما طينت الفدن بالسياع يقال طينت السطح والبيت. ولقائل ان يقول: انه يتضمن من المبالغة في وصف الناقة بالسمن مالا يتضمنه قوله كما طينت الفدن بالسياع لا يهامه ان السياع قد بلغ مبلغا من العظم والكثرة إلى ان صار بمنزلة الاصل والفدن بالنسبة إليه كالسباع بالنسبة إلى الفدن.

================

[ 83 ]

الباب الثالث احوال المسند (اما تركه فلما مر) في حذف المسند إليه (كقوله): " ومن يك امسى بالمدينة رحله * (فانى وقيار بها لغريب ") الرحل هو المنزل والمأوى، وقيار اسم فرس أو جمل للشاعر وهو ضابى، ابن الحارث كذا في الصحاح، ولفظ البيت خبر ومعناه التحسر والتوجع فالمسند إلى قيار محذوف لقصد الاختصار والاحتراز عن العبث بناء على الظاهر مع ضيق المقام بسبب التوجع ومحافظة الوزن. ولا يجوز ان يكون قيار عطفا على محل اسم ان وغريب خبرا عنهما لامتناع العطف على محل اسم ان قبل مضى الخبر لفظا أو تقديرا واما إذا قدرنا له خبرا محذوفا فيجوز ان يكون هو عطفا على محل اسم ان لان الخبر مقدم تقديرا فلا يكون مثل ان زيدا وعمرو ذاهبان بل مثل ان زيدا وعمرو لذاهب وهو جائز ويجوز ان يكون مبتدأ والمحذوف خبره والجملة باسرها عطف على جملة ان مع اسمها وخبرها (وكقوله " نحن بما عندنا واتت بهما * عندك راض والرأى مختلف ") فقوله: نحن مبتدأ محذوف الخبر لما ذكرنا، أي نحن بما عندنا راضون، فالمحذوف ههنا هو خير الاول بقرينة الثاني وفى البيت السابق بالعكس (وقولك: زيد منطلق وعمرو) أي وعمرو منطلق فحذف للاحتراز عن العبث من غير ضيق المقام (وقولك خرجت فإذا زيد) أي موجود أو حاضر أو واقف أو ما اشبه ذلك فحذف لما مر مع اتباع الاستعمال، لان إذا المفاجأة تدل على مطلق الوجود. وقد ينضم إليها قرائن تدل على نوع، خصوصية كلفظ الخروج المشعر بان

================

[ 84 ]

المراد فإذا زيد بالباب حاضر أو نحو ذلك (وقوله " ان محلا وان مرتحلا * وان في السفر إذا مضوا مهلا " (أي) ان (لنا في الدنيا) حلولا (و) ان (لنا عنها) إلى الاخرة (ارتحالا). والمسافرون قد توغلوا في المضى لا رجوع لهم، ونحن على اثرهم عن قريب، فحذف المسند الذى هو ظرف قطعا لقصد الاختصار والعدول إلى اقوى الدليلين، اعني العقل ولضيق المقام، اعني المحافظة على الشعر ولاتباع الاستعمال لاطراد الحذف فيمثل ان مالا وان ولدا وقد وضع سيبويه في كتابه لهذا بابا فقال هذا باب ان مالا وان ولدا (وقوله تعالى قل لو انتم تملكون خزائن رحمة ربى). فقوله انتم ليس بمبتدأ لان لو انما تدخل على الفعل بل هو فاعل فعل محذوف، والاصل لو تملكون انتم تملكون فحذف الفعل الاول احترازا عن العبث لوجود المفسر ثم ابدل من الضمير المتصل ضمير منفصل على ما هو القانون عند حذف العامل فالمسند المحذوف ههنا فعل وفيما سبق اسم أو جملة. (وقوله تعالى: فصبر جميل يحتمل الامرين) حذف المسند أو المسند إليه (أي) فصبر جميل (اجمل أو فأمري صبرى جميل) ففى الحذف تكثير للفائدة بامكان حمل الكلام على كل من المعنيين بخلاف ما لو ذكر فانه يكون نصا في احدهما. (ولابد) للحذف (من قرينة) دالة عليه ليفهم منه المعنى (كوقوع الكلام جوابا لسؤال محقق نحو ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن الله) أي خلقهن الله فحذف المسند لان هذا الكلام عند تحقق ما فرض من الشرط والجزاء يكون جوابا عن سؤال محقق والدليل على ان المرفوع فاعل والمحذوف فعله انه جاء عند عدم الحذف كذلك كقوله تعالى ولئن سألتهم من خلق السموات والارض ليقولن خلقهن العزيز العليم، وكقوله تعالى قال من يحي العظام وهي رميم، قل يحييها الذي انشأها اول مرة. (أو مقدر) عطف على محقق (نحو) قول ضرار بن نهشل يرثى يزيد بن نهشل (وليبك يزيد) كانه قيل من يبكيه فقال (ضارع) أي يبكيه ضارع أي ذليل

================

[ 85 ]

(لخصومة) لانه كان ملجأ للاذلاء وعونا للضعفاء تمامه " ومختبط مما تطيح الطوائح ". والمختبط: هو الذى يأتي اليك للمعروف من غير وسيلة تطيح من الاطاحة وهى الا ذهاب والاهلاك والطوائح جمع مطيحة على غير القياس كلواقح جمع ملقحة ومما يتعلق بمختبط وما مصدرية أي سائل يسئل من اجل اذهاب الوقائع ماله أو بيبكى المقدر أي يبكى لاجل اهلاك المنايا يزيد. (وفضله) أي رجحانه نحو ليبك يزيدا ضارع مبنيا للمفعول (على خلافه) يعنى ليبك يزيد ضارع مبنيا للفاعل ناصبا ليزيد ورافعا لضارع (بتكرر الاسناد) بان اجمل اولا (اجمالا ثم) فصل ثانيا (تفصيلا) اما التفصيل فظاهر. واما الاجمال فلانه لما قيل: ليبك علم ان هناك باكيا يسند إليه هذا البكاء لان المسند إلى المفعول لابد له من فاعل محذوف اقيم المفعول مقامه ولا شك ان المتكرر آكد واقوى وان الاجمال ثم التفصيل اوقع في النفس (وبوقوع نحو يزيد غير فضلة) لكونه مسندا إليه لا مفعولا كما في خلافه (وبكون معرفة الفاعل كحصول نعمة غير مترقبة لان اول الكلام غير مطمع في ذكره) أي ذكر الفاعل لاسناد الفعل وتمام الكلام به بخلاف ما إذا بنى للفاعل فانه مطمع في ذكر الفاعل إذ لابد للفعل من شئ يسند هو إليه. (واما ذكره) أي ذكر المسند (فلما مر) في ذكر المسند إليه من كون الذكر هو الاصل مع عدم المقتضى للعدول ومن الاحتياط لضعف التعويل على القرينة مثل خلقهن العزيز العليم. ومن التعريض بغباوة السامع نحو محمد نبينا صلى الله عليه وآله في جواب من قال من نبيكم وغير ذلك (أو) لاجل (ان يتعين) بذكر المسند (كونه اسما) فيقيد الثبوت والدوام (أو فعلا) فيفيد التجدد والحدوث. (واما افراده) أي جعل المسند غير جملة (فلكونه غير سببي مع عدم افادة تقوى الحكم) إذ لو كان سببيا نحو زيد قام ابوه أو مفيدا للتقوى نحو زيد قام فهو جملة قطعا.

================

[ 86 ]

واما نحو زيد قائم فليس بمفيد للتقوى بل هو قريب من زيد قام في ذلك. وقوله: مع عدم افادة التقوى معناه مع عدم افادة نفس التركيب تقوى الحكم فيخرج ما يفيد التقوى بحسب التكرير نحو عرفت عرفت أو بحرف التأكيد نحو ان زيدا عارف أو تقول ان تقوى الحكم في الاصطلاح هو تأكيده بالطريق المخصوص نحو زيد قائم. فان قلت: المسند قد يكون غير سببي ولا مفيد للتقوى ومع هذا لا يكون مفردا كقولنا انا سعيت في حاجتك ورجل جاءني وما انا فعلت هذا عند قصد التخصيص. قلت: سلمنا انا ليس القصد في هذه الصور إلى التقوى. لكن لا نسلم انها لا تفيد التقوى ضرورة حصول تكرار الاسناد الموجب للتقوى ولو سلم فالمراد ان افراد المسند يكون لاجل هذا المعنى ولا يلزم منه تحقق الافراد في جميع صور تحقق هذا المعنى. ثم السببي والفعلى، من اصطلاحات صاحب المفتاح، حيث سمى في قسم النحو الوصف بحال الشئ نحو رجل كريم وصفا فعليا، والوصف بحال ما هو من سببه نحو رجل كريم ابوه وصفا سببيا، وسمى في علم المعاني المسند في نحو زيد قام مسندا فعليا وفى نحو زيد قام ابوه مسندا سببيا وفسر هما بما لا يخلو عن صعوبة وانغلاق، فلهذا اكتفى المصنف في بيان المسند السببي بالمثال. وقال: (والمراد بالسببى نحو زيد ابوه منطلق) وكذا زيد انطلق ابوه. ويمكن ان يفسر المسند السببي بجملة علقت على مبتدأ بعائد لا يكون مسندا إليه في تلك الجملة فيخرج عنه المسند في نحو زيد منطلق ابوه لانه مفرد وفي نحو قل هو الله احد لان تعليقها على المبتدأ ليس بعائد وفي نحو زيد قام وزيد هو قائم لان العائد فيهما مسند إليه ودخل فيه نحو زيد ابوه قائم وزيد قام ابوه وزيد مررت به وزيد ضرب عمروا في داره وزيد ضربته ونحو ذلك من الجمل التى وقعت

================

[ 87 ]

خبر مبتدأ ولا تفيد التقوى. والعمدة في ذلك تتبع كلام السكاكي لانا لم نجد هذا الاصطلاح لمن قبله. (واما كونه) اي المسند (فعلا فللتقييد) اي تقييد المسند (باحد الازمنة الثلاثة) اعني الماضي وهو الزمان الذي قبل زمانك الذي انت فيه والمستقبل وهو الزمان الذي يترقب وجوده بعد هذا الزمان والحال وهو اجزاء من اواخر الماضي واوائل المستقبل متعاقبة من غير مهلة وتراخ وهذا امر عرفي. وذلك لان الفعل دال بصيغته على احد الازمنة الثلاثة من غير احتياج إلى قرينة تدل على ذلك بخلاف الاسم فانه انما يدل عليه بقرينة خارجية كقولنا زيد قائم الان أو امس أو غدا ولهذا قال (على اخصر وجه). ولما كان التجدد لازما للزمان لكونه كما غير قار الذات اي لا يجتمع اجزائه في الوجود والزمان جزء من مفهوم الفعل، كان الفعل مع افادته التقييد باحد الازمنة الثالثة مفيدا للتجدد واليه اشار بقوله (مع افادة التجدد كقوله) اي كقول ظريف بن تميم (أو كلما وردت عكاظ) هو متسوق للعرب كانوا يجتمعون فيه فيتناشدون ويتفاخرون وكانت فيه وقايع (قبيلة بعثوا إلى عريفهم) عريف القوم القيم بامرهم الذي شهر وعرف بذلك (يتوسم) اي يصدر عنه تفرس الوجوه وتأملها شيئا فشيئا ولحظة فلحظة. واما كونه) اي المسند (اسما فلافادة عدمهما) اي عدم التقييد المذكور وافادة التجدد يعني لافادة الدوام والثبوت لاغراض تتعلق بذلك (كقوله " لا يألف الدرهم المضروب صرتنا ") وهو ما يجتمع فيه الدراهم (لكن يمر عليها وهو منطلق ") يعنى ان الانطلاق من الصرة ثابت للدرهم دائما. قال الشيخ عبد القاهر: موضوع الاسم على ان يثبت به الشئ للشئ، من غير اقتضاء انه يتجدد ويحدث شيئا فشيئا، فلا تعرض في زيد منطلق لاكثر من اثبات الانطلاق فعلا لا كما في زيد طويل وعمرو قصير. (واما تقييد الفعل) وما يشبهه من اسم الفاعل والمفعول وغيرهما (بمفعول)

================

[ 88 ]

مطلق أو به أو فيه أو له أو معه (ونحوه) من الحال والتمييز والاستثناء (فلتربية الفائدة) لان الحكم كلما زاد خصوصا زاد غرابة وكلما زاد غرابة زاد افادة. كما يظهر بالنظر إلى قولنا شئ ما موجود وفلان به فلان حفظ التوراة