ادب الطف ـ الجزء الرابع 80

أترى تـمرّ به وحبّك دونه     عوذٌ ممانعـة له وحروز

أنت القسيم غداً فلهذا يلتظي    فيها وهذا في الجنان يفوز

وذكر له ابن حجة قوله مؤرياً في صناعته :

الا قــل لـلذي iiيـسأ      ل عن قومي وعن أهلي
لـقد تـسأل عـن iiقومٍ      كـرام  الفرع iiوالأصل
تُـرجّيهم  بـنو iiكـلبٍ      وتـخشاهم بـنو iiعجل

ومثله قوله :

إني لمن معشر سفك الدماء لهم     داب وسل عنهم ان رمت تصديقي

تضيء بالدم إشـراقاً عراصهم     فـكلّ أيـامـهم أيـام تـشريـق

ومثله قوله :

أصـبحت لحاماً وفي البيت iiلا      اعـرف  مـا رائـحة الـلحم
واعتضت من فقري ومن فاقتي      عـن  الـتذاذ الـطعمِ iiبـالشم
جـهلته فـقراً فـكنتُ iiالـذي      اضـلّـه الله عـلـى iiعـلـم

وظريف قوله :

كيف لا اشكر الجزارة ما عشـ     ـتُ حفاظـاً وارفـض الآدابـا

وبها صـارت الـكلاب ترجيّـ    ـني وبالشعر كنت أرجو الكلابا

ومثله قوله :

معشر ما جاءهم مسترفدُ     راح إلا وهو منهم معسر

أنا جزّار وهم من بقـرٍ     ما رأوني قـط إلا نفروا

ادب الطف ـ الجزء الرابع 81

كتب إليه الشيخ نصير الدين الحمامي مورياً عن صنعته :

ومذ لزمتُ الحمام صرت بها     خلا يداري مَن لا يداريه

أعرف حرّ الاشـيا وباردها      وآخذ الماء من مـجاريه

فأجابه أبو الحسين الجزّار بقوله :

حسن التأني مما يعين على     رزق الفنى والحظوظ تختلف

والعبد مذ صار في جزارته     يعرف من أين تؤكـل الكتف

وله في التورية قوله :

أنت طوقتني صنيعاً واسمعـ    ـتك شكراً كلاهما ما يضيع

فإذا ما شجاك سجـعي فإني     أنا ذاك المطـوّق المـسموع

ومن طائفة ما كتب به إلى بعض الرؤساء وقد منع من الدخول إلى بيته

أمولاي ما من طباعي الخروج     ولكن تعلّمـته مـن خـمـول

أتيت لبـابـك أرجو الغـنـى     فأخرجني الضرب عند الدخول

ومن مجونه في التورية قوله عند زواج والده :

تـزوّج  الشيخ أبي ، شيخة      لـيس  لـها عقلٌ ولا iiذهن
لو برزت صورتها في الدجا      مـا  جسرت تبصرها الجنّ
كـأنها  فـي فـرشها iiرمّة      وشـعرها  مـن iiحولهاقطن
وقـائل لـي قال : ما iiسنّها      فـقلتُ  : مـا في فمها iiسنّ

وقائـل لـي قال : ما سنّها فقلتُ : ما فـي فمها سنّ

وله قوله في داره :

ادب الطف ـ الجزء الرابع 82

ودار  خـراب بها قد iiنزل      ت ولكن نزلت إلى السابعه
طريق  من الطرق مسلوكة      مـحجتها لـلورى iiشاسعه
فلا  فرق ما بين أني iiاكون      بها  أو أكون على iiالقارعة
تـساورها هـفوات النسيم      فـتصغي بـلا أُذن iiسامعه
وأخشى بها أن أُقيم iiالصلاة      فـتسجد  حيطانها iiالراكعة
إذا مـا قـرأت إذا زلزلت      خـشيتُ  بأن تقرأ iiالواقعه

وله في بعض ادباء مصر وكان شيخاً كبيراً ظهر عليه جرب فالتطخ بالكبريت ، قوله ذكره له ابن خلكان في تاريخه 1 ص 67 :

أيها السـيد الأديـب دعـاءاً    من محبّ خال من التنكيت

أنت شيخ وقد قربتَ من النار    فكـيف أدهنت بالكبريـت

وله قوله :

مَن  منصفي من iiمعشر      كـثروا  عليّ iiوأكثروا
صادقتهم  وأرى iiالخرو      ج مـن الصداقة iiيعسر
كالخط يسهل في الطرو      س ومـحـوه iiيـتعذّر
وإذا  أردت iiكـشـطته      لـكـنّ  ذاك iiيـؤثّـر

ومن قوله في الغزل :

بـذاك  الـفتور وهـذا الهيف      يـهون  عـلى عاشقيك iiالتلف
أطـرت الـقلوب بهذا iiالجمال      واوقـعتها  في الأسى iiوالأسف
تـكلّف  بـدر الدجى إذ iiحكى      مـحياك لـو لـم يشنه iiالكلف
وقـام بـعذري فـيك الـعذار      واجـرى دمـوعيَ لـمّا iiوقف
وكـم  عـاذل أنكر الوجد فيك      عـليّ  فـلما رءاك iiاعـترف

ادب الطف ـ الجزء الرابع 83

وقـالوا : بـه صـلف iiزائـدٌ      فـقلت : رضيت بذاك الصلَف
لئن ضاع عمري في مَن سواك      غـراماً  فـإن عـليك iiالخلف
فـهـاك يـدي إنـني iiتـائب      فـقل لي : عفى الله عما iiسلف
بـجوهر ثـغرك مـاء iiالحياة      فـماذا يـضرّك يـو iiيُرتشف
ولـم أرَ مـن قـبله iiجـوهراً      مـن البهرمان
(1) عليه iiصدف
أكـاتـم وجـديَ حـتى iiأراك      فـيعرف  بالحال لا مَن iiعرف
وهـيهات يخفى غرامي iiعليك      بـطرف هـمى وبقلب iiرجف

ومن قوله :

حمت خدّها والثغر عن حائم شجٍ     له أمـل فـي مـورد ومـورّد

وكم هام قلبي لارتشاف رضابها     فأعرف عن تفصيل نحو المبرّد

ومن بديع غزله قوله :

وما بي سوى عين نظرت لحسنها     وذاك لجـهلي بالعيـون وغرتي

وقالوا : به في الحب عين ونظرة      لقد صدقوا عين الحبيب ونظرتي

وله قوله يرثي حماره :

مـا كـل حـين تنجح iiالأسفار      نَـفقَ الـحمار وبارت iiالأشعار
خرجي  على كتفي وها أنا iiدائر      بـين  الـبيوت كـأنني iiعطّار
مـاذا عـليّ جرى لاجل iiفراقه      وجرت دموع العين وهي iiغزار

(1) البهرمان : الياقوت الاحمر .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 84

لـم أنـس حـدة نـفسه iiوكأنه      مـن ان تـسابقه الـرياح iiيغار
وتـخاله  فـي القفر جِنّاً iiطائراً      مـا  كـل جـنّ مـثله طـيار
وإذا  أتـى للحوض لم يخلع iiله      فـي الماء من قبل الورود عذار
وتـراه يـحرس رجله من iiزلّة      بـرشاشها يـتنجّس iiالـحضار
ويلين في وقت المضيق iiفيلتوي      فـكأنما  بـيديك مـنه iiسـوار
ويـشير في وقت الزحام iiبرأسه      حـتى  يـحيد أمـامه الـنظار
لــم أدر عـيباً فـيه إلا انـه      مـع ذا الـذكاء يقال عنه iiحمار
ولـقد  تحامته الكلاب وأحجمت      عـنه  وفـيه كـل مـا iiتختار
راعت لصاحبه عهوداً قد مضت      لـمـا عـلـمن بـأنه iiجـزّار

وقال في موت حمار صديق له :

مـات حـمار الاديب قلت لهم     مضى وقد فات منه ما فاتا

مَن مات في عزه استراح ومَن     خلّف مثل الأديب مـا ماتا

وله قوله :

لا تعـبني بصنـعة الـقصـّاب     فهـي أذكى من عنبر الآداب

كان فضلي على الكلاب فمذ صر     ت أديباً رجوتُ فضل الكلاب

ومن ظريف التضمين قوله على روي قصيدة امرئ القيس .

قـفا نـبك من ذكرى قميص iiوسروال      ودراعـة لـي قـد عفا رسمها iiالبالي
ومـا انـا مَـن يبكي لاسماء إن iiنأت      ولـكنني  أبـكي عـلى فـقد iiاسمالي

ادب الطف ـ الجزء الرابع 85

لو انّ امرء القيس ابن حجر رأى الذي      أكـابـده  مـن فـرط هـمّ iiوبـلبال
لـما مـال نـحو الـخدر خدر عنيزة      ولا بـات الا وهـو عـن حبّها iiسالي
ولا  سـيـما والـبرد وافـي iiبـريده      وحالي  بمااغتدت من عسره iiحالي
(1)

ومن شعره كما في شذرات الذهب .

عـاقبتني  بالصد من غير جرم      ومـحا هـجرها بـقية iiرسمي
وشـكوت الجوى الى ريقها iiالع      ذب  فـجارت ظلماً بمنع iiالظلم
انا حكّمتها فجارت وشرع الحب      يـقضي  أنـي احـكّم خصمي

وله :

أكلّف نفسـي كـل يـوم وليـلة     هموماً على مَن لا افـوز بخيـره

كما سوّد القصار في الشمس وجهه    حريصاً على تبييض أثواب غيره

وكانت بينه وبين السراج الوراق مداعبة فحصل للسراج رمد فاهدى الجزار له تفاحاً وكمثرى وكتب مع ذلك .

أكـافيك  عن بعض الذي قد iiفعلته      لأنّ لـمـولانا عـلـيّ iiحـقـوقا
بـعثت خـدوداً مـع نهود iiوأعينا      ولا غرو ان يجزي الصديق صديقا
وان  حال منك البعض عما iiعهدته      فـما حـال يـوم عن ولاك iiوثوقا

(1) عن المجموعة الادبية المخطوطة للشيخ كاشف الغطاء في المكتبة العامة برقم 872 .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 86

بـنفسج تـلك الـعين صار شقائقاً      ولـؤلؤ ذاك الـدمع عـاد iiعـقيقا
وكـم عاشق يشكو انقطاعك iiعندما      قـطعت  عـلى اللذات منه iiطريقا
فـلا  عـدمتك الـعاشقون iiفطالما      اقـمت لأوقـات الـمسرّة iiسـوقا

وله :

يمضي الزمان وأنت هاجر      أفـما لـهذا الـهجر iiآخر
يـا مـن تحكّم في iiالقلوب      بـحاجبٍ  مـنه iiونـاظر
مـولاي لا تـنس iiالمحبّ      فـانـه لـهـواك iiذاكـر
واذا رقـــدت مـنـعماً      فـاذكر  شـقياً فيك iiساهر
شـتان مـا بـيني iiوبينك      فـي الهوى ان كنت iiعاذر
الـنار فـي كبدي iiوظلمك      بــاردٌ  والـجفن iiفـاتر

ومن أخباره مع السراج الوراق أنهما اتفقا ببعض ديارات النصارى وفيه راهب مليح وجاء زامر مليح أيضا ثم اتفق مجيء بعض مشايخ الرهبان فضرب الراهب وهرب الزامر فقال أبو الحسين :

في فخّنا لم يقع الطائر . فقال السراج : لا راهب الدير ولا الزامر .

فقال أبو الحسين : فسعدنا ليس له أول . فقال السراج :

ونحسنا ليس له آخر .

وذكر الصفدي أن أبا الحسين الجزار جاء الى باب الصاحب زين الدين ابن الزبير فأذن لجماعة كانوا معه وتأخر اذنه ، فكتب إلى الصاحب

الناس قد دخـلوا كالاير كلـهم     والعبد مثل الخصى ملقى على الباب

ادب الطف ـ الجزء الرابع 87

فلما قرأها قال لبعض الغلمان مر فنادي ادخل يا خصى فدخل الجزار وهو يقول : هذا دليل على السعة

وقال يتهكم بالمتنبي ويعارضه :

فـإن يكن أحمد الـكندي متهما     بالعجز يـوماً فاني لسـت أتـهم

فاللحم والعظم والسكين تعرفني     والخلع والقطع والساطور والوضم

قال صاحب نسمة السحر : ومن المنسوب لابي الحسين ويشبهه في الظرف

أترى القاضـي أعمى    أم تراه يـتعامى

سرق العيد كأن العيـ    ـد اموال اليتامى

ادب الطف ـ الجزء الرابع 88

شمس الدين الكوفي

المتوفي 675

قال شمس الدين محمد بن عبيد الله الكوفي الواعظ يرثي النقيب محي الدين محمد بن حيدر وقد غرق في الدجلة

يا ماء ما أنـصفت آل محمد     وعلى كمال الدين كنت المجتري

في الطف لم تسعد أباه بقطرة    واليوم قد أغـرقتـه فـي أبحـر(1)

(1) الحوادث الجامعة لابن الفوطي .

ادب الطف ـ الجزء الرابع 89

جاء في الحوادث الجامعة لابن الغوطي ص 386

سقط ركن الدين النقيب محي الدين محمد بن حيدر نقيب الموصل بفرسه الى دجلة ، وكان مجتازا على الجسر . فاصعد الى مشهد علي عليه السلام فدفن هناك . وكان شابا حسن الخلقة ، عمره سبع عشرة سنة ، فرثاه شمس الدين محمد بن عبيد الله الكوفي الوعظ .

وفي ص 390 قال : سنة 675 هـ فيها توفي شمس الدين محمد ابن عبيد الله الهاشمي الكوفي الواعظ ببغداد . وكان أديباً فاضلاً ، عالماً شاعراً ، ولي التدريس بالمدرسة التتشيه ، وخطب في جامع السلطان ، ووعظ بباب بدر . وكان عمره اثنين وخمسين سنة . وكان له شعر حسن ، ومما قاله في رثاء النقيب محي الدين حيدر نقيب الموصل بقصيدة طويلة قرأت في العزاء وذكر منها في صحيفة 386

ألـقاه  فـي الـماء الجواد iiكأنه      بـدر  هـوى في جندل iiمتموّر
أمـواج دجـلة أغرقته إذ طغت      وكذا الطغاة على الأكارم iiتحتري
ولـقد  تـكدّر صفوها من iiبعده      ومـتى  صـفت لهم ولم iiتتكدّر
بالله هـل أغـرقته شـغفاً iiبـه      يـا  مـاء أو حسد لماء iiالكوثر
هـلا رحـمت شـبابه iiوتركته      مـن  أجل ولهى فيه ذات iiتحيّر
أو  مـا علمت بأنه رح ب iiالفِنا      والصدر عذب اللفظ حلو المنظر

ومنها

ادب الطف ـ الجزء الرابع 90

غـاصوا  عليه واخرجوه iiمعظماً      ومـكرماً وكـذا نـفيس الجوهر
والله مـا نـزعت ملابس iiجسمه      حتى  تبختر في الحرير الأخضر
فـالشوق  يـظمئني الـيه وكلما      حـاولتُ شرب الماء زاد iiتكدري
يـا  نـفس ذوبـي حسرة وكآبة      وتـأسّفي  وتـلهّفي iiوتـحسّري
مـاذا  يـكون أغير ما هو iiكائن      نزل القضاء صبرتِ أو لم تصبر

جاء في الوافي بالوفيات للصفدي ج 2 ص 97

شمس الدين الكوفي الواعظ محمد بن أحمد ابن أبي علي عبيد الله بن داود الزاهد بن محمد بن علي الابزاري شمس الدين الكوفي الواعظ الهاشمي خطيب جامع السلطان ببغداد ، توفي في الكهولة سنة ست وسبعين وست مائة ، وشعره متوسط وله موشحات نازلة ، ومن شعره

حـنّت الـنفس إلى iiأوطانها      وإلـى  مَـن بان من خُلانها
بـديار حـيّها مـن iiمـنزل      سـلـم  الله عـلى iiسُـكّانها
تـلك دار كـان فيها iiمنشأي      مـن غَـريّيها الـى iiكوفانها
وبـها  نوقُ الصبى iiأرسلتُها      هَـمَلا  تـمرح في iiأرسانها
فـلكم  حـاورتُ فيها أحوراً      ولـكم غـازلتُ من iiغزلانها
لا يُـلام الصبّ في ذكر iiرُباً      بان من غير رضيً عن بانها
ولـكم  قـضّيتُ فـيها iiأرباً      آه  واشـواقا إلـى iiكـثبانها
لـيس  بي شوقاً إلى iiأطلالها      انـما شـوقي الـى جيرانها
كـلما  رمـتُ سـلّواً iiعنهم      لا تـديمُ النفس عن iiأشجانها
شـقيت نـفسي بالحزن فمن      يُـسعد  النفس على iiأحزانها

أقول ثم ذكر له موشحاً من شعره

ادب الطف ـ الجزء الرابع 91

وجاء ذكره في موارد الاتحاف في نقباء الأشراف جـ 2 ص 183 وذكر حفيده ركن الدين الحسن بن محي الدين أبى طاهر محمد بن كمال الدين حيدرة بن أبى منصور محمد الحسينى الموصل وانه مات في المحرم سنة 670 هـ فرثاه بهاء الدين على الأربينى بقوله

لله ما فعل المحرم بالحسين وبالحسن      ذهبا فما صبري لذلك بالجميل وبالحسن

التالي

السابق