معارج الأصول
المحقق الحلي
================
[ 1 ]
معارج الاصول للمحقق الحلى الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الهذلى
صاحب الشرائع 602 - 676 ه اعداد محمد حسين الرضوي
================
[ 2 ]
* الطعبة الاولى عام 1403 ه * طبع من هذا الكتاب 2000 نسخة * الناشر: مؤسسة آل
البيت عليهم السلام للطباعة والنشر * حقوق الطبع محفوظ للناشر
================
[ 3 ]
مطبعة سيد الشهداء عليه السلام ايران - قم المقدمة بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على خير خلقه محمد وآله الطاهرين. عن أمير المؤمنين عليه السلام:
(عرف الله سبحانه بفسخ العزائم وحل العقود). وبعد، فحين اطلعت على وجود النسخ
الخطية لهذا السفر الجليل معارج الاصول في المكتبات القريبة مني بحيث يسهل علي
الاستفادة منها يومئذ وعلمت بانه لم يطبع طبعة جديدة، بعد الطبعة الحجرية، قررت أن
أغتنم فرص الفراغ لتحقيقه واخراجه إلى المكتبة الاسلامية بثوب جديد، وكان أملي هو
مقارنة نسخه أولا، ثم تخريج أحاديثه، ثم نسبة الاقوال إلى أصحابها مشيرا إلى مواضع
وجودها في كتبهم، ولكن لم يحالفني التوفيق الا لانجاز المرحلة الاولى: ورغم ذلك
رأيت تقديمه إلى الطبع حيث اني أفقد الامل فعلا في اتمام الخطوات، متيحا بذلك
الفرصة لمن يرغب في اكمال الاشواط، وخشية من تعرضه للضياع والتلف، والله ولي
التوفيق.
================
[ 4 ]
حياة المؤلف (1): هو أبو القاسم نجم الدين جعفر بن الحسن بن أبي زكريا يحيى بن
الحسن بن سعيد الهذلى الحلى المعروف بالمحقق وبالمحقق الحلى. مولده ووفاته: ولد سنة
602 وتوفي على قول ابن داود في رجاله في ربيع الاخر سنة 676 فيكون عمره 74 سنة. وفي
توضيح المقاصد للشيخ البهائي انه توفي في 23 من جمادى الثانية من تلك السنة أ ه
وعن بعضهم ان تاريخ وفاته يوافق بحساب الجمل - زبدة المحققين رحمه الله -. وفي
لؤلؤة البحرين: قال بعض الاجلاء الاعلام من متأخري المتأخرين رأيت بخط بعض الافاضل
ما صورته: في صبح يوم الخميس 13 ربيع الاخر سنة 676 سقط الشيخ الفقيه أبو القاسم
جعفر بن الحسن بن سعيد الحلي من أعلى درجة في داره فخر ميتا لوقته من غير نطق ولا
حركة فتفجع الناس لوفاته واجتمع لجنازته خلق كثير وحمل إلى مشهد أمير المؤمنين عليه
السلام وسئل عن
(1) أخذنا هذه الترجمة من كتاب (أعيان الشيعة) للعلامة السيد الامين (ج 15 ص 276 -
291 برقم 3064) بتصرف. (*)
================
[ 5 ]
مولده فقال: سنة 602. وفي منهج المقال بعد نقله: الشائع ان قبره في الحلة وهو
مزور معروف وعليه قبة وله خدام يتوارثون ذلك أبا عن جد وقد خرجت عمارته منذ سنين
فأمر الاستاذ العلامة دام علاه - هو البهبهاني - بعض أهل الحلة فعمروها وقد تشرفت
بزيارته قبل ذلك وبعده. أقول يمكن أن يكون دفن بالحلة أولا ثم نقل إلى النجف كما
جرى للسيدين المرتضى والرضي والله أعلم. وحكى في اللؤلؤة أيضا عن بعض اجلاء تلامذة
المجلسي انه ولد سنة 638 وتوفي ليلة السبت في محرم الحرام سنة 726 ه فعمره على هذا
88 سنة. والظاهران تاريخ الوفاة اشتباه بتاريخ وفاة العلامة الحلي فانه توفي بهذا
التاريخ. والصواب في وفاته ما مر عن ابن داود تلميذه والمعاصر والمواطن له الذي هو
اعرف بوفاته من كل أحد أما تاريخ ولادته فالظاهر ان صوابه 602 كما مر وان جعله 638
اشتباه والله أعلم. أقوال العلماء فيه: قال ابن داود في رجاله: جعفر بن الحسن بن
يحيى بن سعيد الحلي شيخنا نجم الدين أبو القاسم المحقق المدقق الامام العلامة واحد
عصره كان ألسن أهل زمانه وأقومهم بالحجة وأسرعهم استحضارا قرأت عليه ورباني صغيرا
وكان له علي احسان عظيم والتفات وأجاز لي جميع ما صنفه وقرأه ورواه و كل ما يصح
روايته عنه توفي رحمه الله في شهر ربيع الاخر سنة 676 له تصانيف حسنة محققة محررة
عذبة.
================
[ 6 ]
قال العلامة في اجازته لابناء زهره: كان أفضل أهل عصره في الفقه وقال الشيخ حسن
ابن الشهيد الثاني: لو ترك التقييد بأهل زمانه كان أصوب إذ لا ارى في فقهائنا مثله.
وفي توضيح المقاصد للشيخ البهائي: الشيخ المحقق المدقق سلطان العلماء في زمانه نجم
الدين جعفر بن سعيد الحلي المعروف بالمحقق قدس الله روحه إليه انتهت رياسة الشيعة
الامامية وحضر مجلس درسه بالحلة سلطان الحكماء والمتألهين الخواجة نصير الدين محمد
الطوسي أنار الله برهانه و سأله نقض بعض المتكلمين - كذا -. وفي امل الامل: الشيخ
الاجل المحقق جعفر بن الحسن بن يحيى بن الحسن بن سعيد الحلي حاله في الفضل وعظم
القدر والثقة والجلالة والتحقيق والتدقيق والفصاحة والشعر والادب والانشاء وجمع
العلوم والفضائل و المحاسن أشهر من ان يذكر وكان عظيم الشأن جليل القدر رفيع
المنزلة لا نظير له في زمانه. وله شعر جيد وانشاء حسن بليغ وكان مرجع أهل عصره في
الفقه وغيره. وفي لؤلؤة البحرين عند ذكر العلامة الحلي قال: وقد تلمذ على جملة من
الافاضل الذين لا يفاضلهم مفاضل منهم بل هو أشهرهم ذكرا وأعلاهم فخرا الشيخ نجم
الدين أبو القاسم جعفر بن أبي زكريا يحيى بن الحسن بن سعيد الهذلى الملقب بالمحقق
كان محقق الفضلاء ومدقق العلماء وحاله في الفضل والنبالة والعمل والفقه والجلالة
والفصاحة والشعر والادب والانشاء أشهر من ان يذكر وأظهر من أن يسطر. وكفاه جلالة
قدر اشتهاره بالمحقق فلم يشتهر من علماء الامامية على كثرتهم في كل عصر بهذا اللقب
غيره وغير الشيخ علي بن عبد العالي العاملي
================
[ 7 ]
الكركي وما أخذ هذا اللقب الا بجدارة واستحقاق. وقد رزق في مؤلفاته حظا عظيما
فكتابه المعروف بشرائع الاسلام هو عنوان دروس المدرسين في الفقه الاستدلالي في جميع
الاعصار وكل من أراد الكتابة في الفقه الاستدلالي يكتب شرحا عليه كمسالك الافهام
ومدارك الاحكام وجواهر الكلام وهداية الانام ومصباح الفقيه وصنف بعض العلماء شرحا
لتردداته خاصة وعليه من التعليقات والحواشي عدد كثير ونسخه المخطوطة النفيسة لا
تحصى كثرة وطبع طبعات كثيرة في ايران ولا يكاد يوجد واحد من العلماء أو طلبة العلوم
الدينية ليس عنده منه نسخة وطبع في لندن عاصمة بلاد الانكليز ومختصره المسمى
بالمختصر النافع عليه شروح كثيرة مثل كشف الرموز لتلميذه الابي اليوسفي والتنقيح
الرائع للمقداد السيوري والبرهان القاطع وغيرها وعليه من التعليقات والحواشي شئ
كثير لاجلاء العلماء. اخباره: في لؤلؤة البحرين: نقل غير واحد من أصحابنا ان المحقق
الطوسي الخواجة نصير الملة والدين حضر ذات يوم حلقة درس المحقق بالحلة حين ورود
الخواجة إليها فقطع المحقق الدرس تعظيما له واجلالا لمنزلة فالتمس منه اتمام الدرس
فجرى البحث في استحباب التياسر قليلا لاهل العراق عن يمين القبلة فأورد المحقق
الخواجة نصير الدين بانه لا وجه لهذا الاستحباب لان التياسر ان كان من القبلة إلى
غير القبلة فهو حرام وان كان من غيرها إليها فهو واجب. فقال المحقق الحلي (التياسر
منها إليها) فسكت المحقق الطوسي.
================
[ 8 ]
وتوضيح هذا الجواب يرجع إلى ان ذلك مبني على ان الكعبة قبلة من في المسجد
والمسجد قبلة من في الحرم والحرم قبلة من في الدنيا كما تدل عليه بعض الروايات ولما
كان الحرم على يسار الكعبة أكثر منه عن يمينها لانه عن يسارها ثمانية أميال وعن
يمينها أربعة أميال استحب التياسر قليلا لكونه أقرب إلى الظن باستقبال الحرم
فالتياسر في الحقيقة احتياط لتحصيل الظن بالاستقبال. قال ثم ان المحقق الحلي ألف
رسالة لطيفه في المسألة وأرسلها إلى المحقق الطوسي فاستحسنها. وقد أوردها الشيخ
أحمد بن فهد في المهذب البارع في شرح المختصر النافع بتمامها وسيأتي ذكرها قريبا.
وفي مجلد الصلاة من البحار: قد جرى في ذلك مراسلات بين المحقق صاحب الشرائع والمحقق
الطوسي قدس الله روحيهما وكتب المحقق الاول في ذلك رسالة. ثم قال والذي يخطر في ذلك
بالبال ان الامر بالانحراف لان محاريب الكوفة وسائر بلاد العراق أكثرها كانت منحرفة
عن خط نصف النهار كثيرا مع ان الانحراف في أكثرها يسير بحسب القواعد الرياضية كمسجد
الكوفة فان انحراف قبلته إلى اليمين أزيد مما تقتضيه القواعد بعشرين درجة تقريبا و
كذا مسجد السهلة ومسجد يونس ولما كان أكثر تلك المساجد مبنية في زمن خلفاء الجور لم
يمكنهم القدح فيها تقية فاكثروا بالتياسر وعللوا بتلك الوجوه الخطابية لاسكاتهم
وعدم التصريح بخطأ خلفاء الجور وامرائهم وما ذكره أصحابنا من ان محراب المعصوم لا
يجوز الانحراف عنه انما يثبت إذا علم ان الامام بناه ومعلوم انه عليه السلام لم
يبنه وصلى فيه من غير انحراف وهو أيضا
================
[ 9 ]
غير ثابت بل ظهر لنا من بعض ما سنح لنا من الاثار عند تعمير المساجد في زماننا
ما يدل على خلافه مع ان الظاهر من بعض الاخبار ان هذا البناء غير البناء الذي كان
في زمن أمير المؤمنين عليه السلام. وقال في كتاب المزار ويؤيده ما ورد في وصف مسجد
غني وان قبلته لقاسطة فهو يومي إلى ان سائر المساجد في قبلتها شئ على انه لا يعلم
بقاء البناء الذي كان على عهد أمير المؤمنين عليه السلام بل يدل بعض الاخبار على
هدمه وتغيره. رسالة المترجم في التياسر: قال أحمد بن فهد في المهذب البارع في شرح
المختصر النافع: اعلم انه اتفق حضور العلامة المحقق خواجة نصير الدين محمد بن محمد
بن الحسن الطوسي قدس الله روحه مجلس المصنف طاب ثراه ودرسه فكان فيما قرئ بحضوره
درس القبلة فأورد اشكالا على التياسر فأجاب المصنف في الحال بما اقتضاه في ذلك
الزمان ثم عمل في المسالة رسالة وبعثها إليه فاستحسنها المحقق حين وقف عليها وها
انا موردها بلفظها: بسم الله الرحمن الرحيم جرى في اثناء فوائد المولى أفضل علماء
الاسلام واكمل فضلاء الانام نصير الدنيا والدين محمد بن محمد بن الحسن الطوسي - أيد
الله بهمته العالية قواعد الدين ووطد أر كانه ومهد بمباحثه السامية عقائد الايمان
وشيد بنيانه - اشكال على التياسر، وحكايته: الامر بالتياسر لاهل العراق لا يتحقق
معناه لان التياسر أمر اضافي لا يتحقق الا بالاضافة إلى صاحب يسار متوجه إلى الجهة
وحينئد اما أن يكون الجهة محصلة واما أن لا يكون ويلزم من الاول التياسر عما وجب
التوجه إليه وهو خلاف مدلول
================
[ 10 ]
الاية ومن الثاني عدم امكان التياسر إذ تحققه موقوف على تحقق الجهة التي يتياسر
عنها ثم يلزم من تحقق هذا الاشكال تنزيل التياسر على التأويل أو التوقف فيه حتى
يوضحه الدليل. وهذا الاشكال مما لم تقع عليه الخواطر ولا تنبه له الاوائل والاواخر
ولا كشف عن مكنونه الغطاء لكن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء وفرض من يقف على فوائد
هذا المولى الاعظم من علماء الانام ان يبسطوا له يد الانقياد والاستسلام وان يكون
قصاراهم التقاط ما يصدر عنه من جواهر الكلام فانها شفاء انفس الانام وجلاء الافهام
غير انه - ظاهر الله جلاله ولا أعدم اولياء فضله وافضاله - سوغ لي الدخول في هذا
الباب واذن لي ان اورد ما يحضرني في الجواب ما يكون صوابا أو مقاربا للصواب. فأقول
ممتثلا لامره مشتملا ملابس صفحه وعفوه انه ينبغي أن يتقدم ذلك مقدمة تشتمل على
بحثين. الاول لفقهائنا قولان: أحدهما ان الكعبة قبلة لمن كان في الحرم ومن خرج عنه
والتوجه إليها متعين على التقديرين فعلى هذا لا تياسر أصلا والثاني انها قبلة لمن
كان في المسجد والمسجد قبلة لمن كان في الحرم والحرم قبلة لمن خرج عنه وتوجه المصلي
على قول هذا القائل من الافاق ليس إلى الكعبة حتى ان استقبال الكعبة في الصف
المتطاول متعذر لان عنده جهة كل واحد من المصلين غير جهة الاخر إذ لو خرج من وجه كل
واحد منهم خط مواز للخط الخارج من وجه الاخر لخرج بعض تلك الخطوط عن ملاقاة الكعبة
فحينئذ يسقط اعتبار الكعبة بانفرادها في الاستقبال ويعود الاستقبال مختصا باستقبال
ما اتفق من الحرم. لا يقال هذا باطل بقوله تعالى - فول وجهك شطر المسجد الحرام - و
================
[ 11 ]
بأنه لو كان كذا لمن وقف على طرف الحرم في جهة الحل أن يعدل عن الكعبة إلى
استقبال بعض الحرم. لانا - نجيب عن الاول بان المسجد قد يطلق على الحرم كما روي في
تأويل قوله تعالى - سبحان الذي اسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام - وقد ورد انه كان
في بيت ام هانئ بنت ابي طالب وهو خارج عن المسجد ولاننا نتكلم عن التياسر المبني
على قول من يقول بذلك. ونجيب عن الثاني بان استقبال جهة الكعبة متعين لمن تيقنها
وانما يقتصر على الحرم من تعذر عليه التيقن بجهتها ثم لوضويقنا جاز أن نلتزم ذلك
تمسكا بظاهر الرواية. البحث الثاني: من شاهد الكعبة استقبل ما شاء منها ولا تياسر
عليه وكذا من تيقن جهتها على التعيين اما من فقد القسمين فعليه البناء على العلامات
المنصوبة للقبلة لكن محاذاة كل علامة من العلامات بالعضو المختص بها من المصلي ليس
يوجب محاذاة القبلة بوجهه تحقيقا إذ قد يتوهم المحاذاة ويكون منحرفا عن السمت
انحرافا خفيفا خصوصا عند مقابلة الشئ الصغير. إذا تقرر ذلك، رجعنا إلى الاشكال اما
كون التياسر امرا اضافيا لا يتحقق الا بالمضاف فلا ريب فيه واما كون الجهة اما
محصلة أو غير محصلة فالوجه انها محصلة وبيان ذلك ان الشارع نصب علامات اوجب محاذاة
كل واحدة منها بشئ من أعضاء المصلي بحيث تكون الجهة المقابلة لوجهه حال محاذاة تلك
العلامة هي جهة الاستقبال فالتياسر حينئذ يكون عن تلك الجهة القابلة لوجه المصلي،
واما انه إذا كانت محصلة كانت هي جهة الكعبة والانحراف عنها يزيل التوجه إليها،
فالجواب عنه انا قد بينا ان الفرض هو استقبال الحرم لا نفس الكعبة فان العلائم قد
يحصل الخلل في مسافتها فالتياسر حينئذ استظهار
================
[ 12 ]
في مقابلة الحرم الذي يجب التوجه إليه في كل من حالتي الاستقبال والمتياسر يكون
متوجها إلى القبلة المأمور بها اما في حال الاستقبال فلانها جهة الاجزاء من حيث هو
محاذاة لجهة من جهات الحرم تغليبا مستندا إلى الشرع واما في حال التياسر فيتحقق
محاذاة جهة الحرم ولهذا تحقق الاستحباب في طرفه لحصول الاستظهار به. ان قيل: هنا
ايرادات ثلاثة: الاول - النصوص خالية عن هذا التعيين فمن اين صرتم إليه ؟ -. الثاني
- ما الحكمة في التياسر عن الجهة التي نصب العلائم عليها فان قلتم لاجل تفاوت مقدار
الحرم عن يمين الكعبة ويسارها قلنا ان اريد بالتياسر وسط الحرم فحينئذ يخرج المصلي
عن جهة الكعبة يقينا وان اريد تياسرلا يخرج به عن سمت الكعبة فحيئنذ يكون ذلك قبلة
حقيقية ثم لا يكون بينه وبين التيامن اليسير فرق. الثالث - الجهة المشار إليها ان
كان استقبالها واجبا لم يجز العدول عنها والتياسر عدول فلا يكون مأمورا به -. قلنا
- اما الجواب عن الاول فانه وان كانت النصوص خالية عن تعيين الجهة نطقا فانها غير
خالية من التنبيه عليه إذا لم يثبت وجوب استقبال الجهة التي دلت عليها العلائم
ويثبت الامر بالتياسر بمعنى انه عن السمت المدلول عليه. وعن الثاني بالتفصي عن
ابانة الحكمة في التياسر فانه غير لازم في كل موضع بل غير ممكن في كل تكليف ومن شأن
الفقيه تلقي الحكم مهما صح المستند، أو نقول اما ان يكون الامر بالتياسر ثابتا،
واما ان لا يكون فان كان لزم الامتثال تلقيا عن صاحب الشرع وان لم يعط العلة
الموجبة للتشريع وان لم يكن ثابتا فلا حكمة ويمكن ان نتكلف ابانة الحكمة بان نقول
لما كانت الحكمة متعلقة
================
[ 13 ]
باستقبال الحرم وكان المستقبل من اهل الافاق قد يخرج من الاستناد إلى العلامات
عن سمته بان يكون منحرفا إلى اليمين وقدر الحرم يسير عن يمين الكعبة فلو اقتصر على
ما نظر انه جهة الاستقبال امكن ان يكون مائلا إلى جهة اليمين فيخرج عن الحرم وهو
يظن استقباله ومحاذاة العلائم على الوجه المحرر قد يخفى على المهندس الماهر فيكون
التياسر يسيرا عن سمت العلامة مفضيا إلى سمت المحاذاة. ويشهد لهذا التأويل ماروي عن
ابى عبد الله عليه السلام وقد سئل عن سبب التحريف عن القبلة ذات اليسار فقال ان
الحرم عن يسار الكعبة ثمانية اميال وعن يمينها اربعة اميال فإذا انحرف ذات اليمين
خرج عن حد القبلة وإذا انحرف ذات اليسار لم يكن خارجا عن حد القبلة. وهذا الحديث
يؤذن بأن المقابلة قد يحصل معها احتمال الانحراف. واما الجواب - عن الثالث فقدمر في
اثناء البحث وهذا كله مبني على ان استقبال اهل العراق إلى الحرم لا إلى الكعبة وليس
ذلك بمعتمد بل الوجه الاستقبال إلى جهة الكعبة إذا علمت أو غلب الظن مع عدم الطريق
إلى العلم سواء أكان في المسجد أو خارجه فيسقط حينئذ اعتبار التياسر والتعويل في
استقبال الحرم انما هو على اخبار آحاد ضعيفة وبتقدير ان يجمع جامع بين هذا المذهب
وبين التياسر يكون ورود الاشكال عليه أتم. وبالله العصمة والتوفيق انه ولي الاجابة.
قال ابن فهد: هذا آخر رسالة المصنف قدس الله روحه ثم قال: وأعلم ان غير المصنف أجاب
عن هذا الاشكال بمنع الحصر لان حاصل السؤال ان التياسر أما إلى القبلة فيكون واجبا
لا مستحبا وأما عنها فيكون حراما، و الجواب منع الحصر بل نقول التياسر فيها وجاز
اختصاص بعض جهات القبلة
================
[ 14 ]
بمزيد الفضيلة على بعض أو حصول الاستظهار بالتوسط بسبب الانحراف. مشايخه في
القراءة والرواية: (1) نجيب الدين محمد بن جعفر بن أبي البقاء هبة الله بن نما
الحلي الربعي (2) السيد فخار بن معد الموسوي (3) والده الحسن بن يحيى بن الحسن ابن
سعيد وفي أمل الامل يروي عن أبيه عن جده يحيى الاكبر (4) الشيخ مفيد الدين محمد بن
جهم الحلي وغيرهم. تلاميذه: (1) الحسن بن يوسف بن المطهر الحلي الشهير بالعلامة
الذايع الصيت وهو ابن اخت المحقق (2) الحسن بن داود الحلي صاحب الرجال (3) السيد
غياث الدين عبد الكريم بن أحمد بن طاوس صاحب فرحة الغري (4) السيد جلال الدين محمد
بن علي بن طاوس الذي كتب أبوه لا جله كتاب البهجة لثمرة المهجة (5) جلال الدين محمد
بن محمد الكوفي الحارثي شيخ الشهيد (6) صفي الدين عبد العزيز بن سرايا الحلي الشاعر
المشهور (7) الشيخ عز الدين الحسن ابن أبي طالب اليوسفي الابي صاحب كشف كشف الرموز
(8) الوزير شرف الدين أبو القاسم علي ابن الوزير مؤيد الدين محمد بن العلقمي (9)
الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن محمد الحلي (10) جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي
صاحب الدر النظيم في مناقب الائمة اللهاميم (11) صفي الدين محمد بن نجيب الدين يحيى
بن أحمد بن يحيى بن الحسن بن سعيد وهو ابن ابن عم المحقق لان أباه يحيى صاحب الجامع
ابن عم المحقق (12) شمس الدين محمد بن صالح السيبي القسيني (13) جمال الدين أبو
جعفر محمد بن
================
[ 15 ]
علي القاشي (14) رضى الدين علي بن يوسف صاحب العدد القوية أخو العلامة الحلي
(15) فخر الدين محمد ابن العلامة الحلي كما يستفاد من اجازة تلميذه الشيخ علي بن
عبد الحميد النيلي لاحمد بن فهد الحلي (16) نجم الدين طمان ابن أحمد العاملي
الشامي، ففي اجازة الشيخ حسن صاحب المعالم عند ذكر الشيخ طمان هذا انه قد ورويت عن
الفقيه المعظم السعيد الشيخ نجم الدين جعفر بن سعيد جميع ما صنفه وألفه ورواه وكنت
في زمن قراءتي على شيخنا الفقيه نجيب الدين محمد بن نما أتردد إليه أواخر كل نهار
وحفظت عليه كتابه المسمى نهج الوصول إلى معرفة علم الاصول في اصول الفقه وشرحه قال
و قرأت كتاب الجامع في الشرايع تصنيف الفقيه السعيد المعظم شيخ الشيعة في زمانه
نجيب الدين أبي زكريا يحيى بن أحمد بن سعيد عليه أجمع الخ.. مؤلفاته: 1 - رسالة
التياسر في القبلة. وهي الرسالة التي أوردناها سابقا. 2 - شرائع الاسلام في مسائل
الحلال والحرام مطبوع في ايران طبعات كثيرة وطبع في لندن. وطبع في لبنان والنجف،
وهو أوسع المتون الفقهية وأحسنها جمعا للفروع وقد ولع به الاصحاب منذ تأليفه إلى
الان، ولا يزال يعد من الكتب الدراسية في المعاهد الدينية وقد اعتمد عليه الفقهاء
خلال هذه القرون العديدة فجعلوا بحوثهم ودراساتهم على أساس منه، كما لهم شروح
وتعليقات عليه (1). نسخة منه تحتوى على النصف الاول، بخط الشيخ محمد بن اسماعيل
(1) الذريعة (13 / 47). (*)
================
[ 16 ]
ابن الحسين بن الحسن الهرقلي، فرغ منها (يوم الخميس 15 شهر رمضان سنة 670) ثم
قرأها على المصنف بتمامها فكتب المصنف بخطه الشريف الانهاء في أولها مع الاجازة
لكاتب النسخة في النجف بتاريخ (يوم الاربعاء المصادف ليوم الغدير 671). وفي مواضع
منها اجازة من الشيخ علي بن الحسين بن عبد العال العاملي الشهير بالمحقق الكركي
المتوفى (0 و 94) بتاريخ (932). وعليها خط ابن فهد الحلي (المتوفى 841) وخط شرف
الدين البحراني اليزدي. وكانت هذه النسخة عند الشيخ النوري، وقد انتقلت منه إلى
السيد مهدي الحيدري الكاظمي، ثم منه إلى الشيخ محمد السماوي في النجف. والنصف
الثاني من الكتاب بخط هذا الناسخ الهرقلي، كتبه في (يوم الاربعاء 19 ذي القعدة سنة
703). وكانت عند السيد محمد بن السيد كاظم اليزدي، ثم انتقلت منه في سنة (1345) إلى
السيد أبي القاسم المحرر، ثم إلى السيد ضياء شكاره المحامي قائم مقام النجف (1).
ونسخة من الشرائع عليها خط المصنف في سنة (674) واجازة مفصلة منه بخطه وتوقيعه
بتاريخ (675) كانت عند الشيخ محمد سلطان المتكلمين في طهران، وهي اليوم في مكتبة
مجد الدين النصيري. وقد اختصره المؤلف في كتاب (النافع) وشرح المختصر في كتاب
(المعتبر). 3 - كنز المنطق. كذا في كشف الحجب، ولكن في روضات الجنات نقلا عن ابن
داود
(1) الذريعة (13 / 7 - 48). (*)
================
[ 17 ]
تلميذ المصنف في رجاله (1) جاء: الكهنة في المنطق، ثم استظهر صاحب الروضات ان
الاسم (الكهانة) أي الصناعة لما يوجد من المؤلفات بهذا الاسم كثيرا في الكتب
القديمة. أقول: حكى الشيخ محمد السماوي ان في نسخة صحيحة من رجال ابن داود:
(اللهنة) باللام، وهو ما يفك به الريق (2). (4) مختصر المراسم في الفقه. والمراسم
لسلار الديلمي. توجد نسخة منه في النجف بخط السيد محمد بن مطرف الحسيني تلميذ
المحقق، وقد قرأه عليه ويرويه عنه وفرغ من نسخه في حياة المصنف (يوم الخميس 16 صفر
672). والنسخة في النجف منضمه مع شرائع والد الصدوق وقد استنسخ السيد محمد بن هاشم
الهندي النجفي نسخة مختصر المراسم عن نسخة السيد محمد بن مطرف ونقل صورة ما عليها
رأيتها عند الشيخ محمد السماوي (3). 5 - فهرست المصنفين. ينسب إلى المحقق الحلي
(4). 6 - رسالة في الكلام. توجد في مكتبة راجة فيض آباد كما في فهرسها (5).
(1) رجال ابن داود (ص 63) طبع النجف (2) الذريعة (18 / 168 و 189). (3) الذريعة (20
/ 7 - 208). الذريعة (16 / 395). (5) الذريعة (18 / 106). (*)
================
[ 18 ]
7 - المسائل البغدادية. أو جوابات المسائل البغدادية. هي (72) مسألة فقهية
سألها تلميذه الشيخ جمال الدين يوسف بن حاتم الشامي المشغرى العاملي. اوله: أما بعد
حمد الله الذي ارشدنا لدينه وحفظ حدوده، وسددنا لبيانه وحل معقوده.. فانا مجيبون
عما تضمنته هذه الاوراق من المسائل لدلالتها على فضيلة موردها ومعرفة عهدها، فهو
حقيق ان نحقق أمله ونجيب إلى ما سأله. توجد في خزانة السيد حسن الصدر في الكاظمية.
ونسخة في الخزانة الرضوية بمشهد الرضا عليه السلام بتاريخ (987) بخط الشيخ أحمد بن
يحيى بن داود البحراني. ونسخة بخط الشيخ شرف الدين المازندراني في (1060) بمكتبة
الشيخ هادى كاشف الغطاء. ونسخة منضمة إلى المسائل العزية والمصرية (التاليتين) عند
الميرزا نصر الله بن الحاج المجتهد القزويني الشهيدي (1). (8) المسائل العزية. وهي
عشرة مسائل كتبها لعز الدين. أولها: الحمد لله رافع الدين ومظهره. وقامع الشر
ومدمره وناصر الحق وجابره، وقاهر الباطل وكاسره... فان الامير الاكبير عز الدين بن
عبد العزيز أعز الله أوليائه وأدام بقائه... نسخة منه مخرومة الاخر عند السيد جعفر
بحر العلوم..
(1) الذريعة (5 / 215) و (20 / 339).
================
[ 19 ]
ونسخة في كتب الطهراني بكربلاء. ونسخة بخط الشيخ سليمان بن علي البحراني فرغ من
كتابتها سنة (995) في النجف، عند الميرزا عبد الله التفريشي الطهراني الخطاط. ونسخة
مع البغدادية عند الميرزا نصر الله القزويني كما مر (1). 9 - المسائل المصريات. أو
جوابات المسائل المصريات. مجموع مسائلها خمسة (2). نسخة منه بخط علي بن محمد
المعاني فرغ منها سنة (671) في حياة المؤلف، ونسخة منها في المكتبة الرضوية في مشهد
الرضا عليه السلام بتاريخ (987) مع البغدادية ونسخة مع المسائل السابقة عند نصر
الله القزويني كما مر (3). 10 - المسلك في اصول الدين. أوله: الحمد لله على ما أباح
من النعم وأتاح من القسم. مرتب على ثلاثة مطالب. نسخة منه عند السيد شهاب الدين
التبريزي بقم. آخر الموجود: قال صلى الله عليه واله: يا علي، أنت والائمة من
بعدك... إلى آخر الحديث (4). 11 - معارج الاصول
(1) الذريعة (15 / 262). (2) الذريعة (20 / 367). (3) الذريعة (5 / 234). (4)
الذريعة (21 / 21). (*)
================
[ 20 ]
وهو كتابنا هذا، وقد طبع بطهران سنة (1310) (1). 12 - المعتبر في شرح المختصر.
هو كالشرح للمختصر النافع الذي اختصربه الشرايع وهما للمؤلف كما مر وسيأتي. خرج منه
العبادات إلى كتاب الحج، وذكر في أوله بعض المطالب الاصولية، وكتبه باسم الامير
بهاء الدين محمد بن محمد الجويني وقد طبع ثانيا طبعة جيدة في سنة (1318). 13 -
النافع أو المختصر النافع، في مختصر الشرائع. اختصره من كتابه الكبير المعروف
بشرائع الاسلام. وقد طبع عدة طبعات منها طبعة القاهرة سنة (1376) بأمر وزير الاوقاف
المصرى الشيخ أحمد حسن الباقورى، وقد أقر تدريسه في الجامع الازهر ككتاب في فقه
الشيعة الامامية إلى جانب المذاهب الاسلامية الاخرى. 14 - نكت النهاية. وقد يسمى:
حل مشكلات النهاية. وهو تعليقات على كتاب النهاية للشيخ الطوسي، طبع سنة (1276) ضمن
الجوامع الفقهية وهو الكتاب التاسع منها في (98) صفحة. نسخة منه بخط ماجد بن فلاح
الشيباني فرغ منه (980) مع المسائل المصريات والبغداديات، وعليها تملك السيد مهدى
القزويني. ونسخة عليها تملك المحقق السبزواري صاحب الذخيرة وتملك المولى الشريف
العاملي صاحب ضياء العالمين والسيد حسين الخونسارى وهى عند السيد محمد رضا التبريزي
في النجف.
(1) الذريعة (21 / 180). (*)
================
[ 21 ]
ونسخ منه في الخزانة الرضوية والسيد محمد على الروضانى وغيرهم (1) 15) نهج
الوصول إلى معرفة علم الاصول. وقد شرحه الشيخ فتح الله بن علوان الكعبي بعنوان
(نظام الفصول في شرح نهج الوصول في علم الاصول) ويوجد بهذا العنوان عند (السيد شهاب
الدين - بقم) نسخة منه كتابتها رجب (707) وهو مرتب على عشرة أبواب. أوله احمد الله
على سابغ نعمته وسائغ عطيته (2). ولعله هو معارج الاصول كتابنا هذا لاتحاده معه في
عدد الابواب وفى العبارة المتقدمة من أوله. نثره وشعره: في مجموعة الشهيد التي هي
بخط الشيخ محمد بن علي العاملي الجباعي جد الشيخ البهائي قال الشيخ أبو القاسم جعفر
بن سعيد الحلي: بسم الله الرحمن الرحيم: لما وقف على ما أمر به الصاحب الصدر الكبير
العالم الكامل العارف المحقق بهاء الدنيا والدين غياث الاسلام والمسلمين أدام الله
أيامه في عز مؤيد وفخر ممهد ومجد مجدد ونعمة قارة العيون باسقة الغصون دارة الحلب
حميدة المنقلب محروسة الجوانب مرصونة من الشوائب وتأملت ما برز عنه من الالفاظ التي
هي أعذب من الماء الزلال وأطيب من الغني بعد الاقلال فهي التي يعجز الطامع ببديعها
ويعجب السامع حسن جمعها وترصيعها فكأن الشاعر عناه بقوله: ولا ذنب للافكار أنت
تركتها إذا احتشدت لم ينتفع باحتشادها
(1) الذريعة (24 / 6 - 307). (2) انظر الذريعة (ج 24 ص 426 - 427). (*)
================
[ 22 ]
تنوء بايراد المعاني والفت خواطرك الالفاظ بعد شرادها فان نحن حاولنا اختراع
بديعة حصلنا على مسروقها أو معادها وليس بمستغرب تفرده ببديع النثر والنظم مع ما
وهبه الله سبحانه من جودة القريحة وقوة الفهم نسأل الله أن يديم لفضلاء الاداب
ورؤساء الكتاب ما كنفهم من ظله وشملهم من فضله وأباحهم من مراتعه وسوغهم من شرايعه
ليستمر نفاق سوقهم ويشمروا للاجتهاد فيه عن سوقهم، دلت الفاظه الكريمة على استدعاء
ما يكون تذكرة لاهل الوداد وعهدا يجدد به ما اخلقته يد العباد فعند ذلك أحببت أن
أدخل فيمن سارع إلى امتثال أو امره لا كون في جملة من شرفه بذكره وتخطره بخواطره -
فأقول - ان الشعر من أفضل مشاعر الادب وأجمل مفاخر العرب. به تستماح المكارم
وتستعطف الطباع الغواشم وتشحذ الاذهان وتستل الاضغان ويستصلح الرأي الفاسد وتستثار
الهمم الجوامد لكنه عسر المطلب خطر المركب لافتقاره إلى امور غريزية واخرى كسبية
وهي شديدة الامتناع بعيدة الاجتماع فالمعتذر عن التعرض له معذور و المعترف بالقصور
عنه مشكور وقد كنت زمن الحداثة اتعرض لشئ منه ليس بالمرضي فكتبت ابياتا إلى والدي
رحمه الله اثني فيها على نفسي بجهل الصبوة وهي: ليهنك اني كل يوم إلى العلى اقدم
رجلا لا تزل بها النعل وغير بعيد ان تراني مقدما على الناس طرأ ليس في الناس لي مثل
تطاوعني بكر المعاني وعونها وتنقاد لي حتى كأني لها بعل ويشهد لي بالفضل كل مبرز
ولا فاضل الا ولي فوقه فضل فكتب رحمه الله فوق هذه الابيات ما صورته: لئن أحسنت في
شعرك لقد اسأت في حق نفسك أما علمت ان الشعر صناعة من خلع العفة ولبس الحرفة
================
[ 23 ]
والشاعر ملعون وان أصاب ومنقوص وان أتى بالشئ العجاب وكأني بك قد أوهمك الشيطان
فضيلة الشعر فجعلت تنفق ما تلفق بين جماعة لم يعرفوا لك فضيلة غيره فسموك به وكان
ذلك وصمة عليك آخر الدهر الم تسمع: ولست ارضى أن يقال شاعر تبا لها من عدد الفضائل
فوقف خاطري عند ذلك حتى كأني لم اقرع له بابا ولم أرفع له حجابا وأكد ذلك عندي ما
رويته باسناد متصل ان رسول الله صلى الله عليه واله دخل المسجد وبه رجل قد أطاف به
جماعة فقال ما هذا ؟ قالوا علامة، فقال: ما العلامة ؟ قالوا عالم بوقايع العرب
وأنسابها وأشعارها فقال عليه الصلاة والسلام ذلك علم لا يضر من جهلة ولا ينفع من
علمه، ومن البين ان الاجادة فيه تفتقر إلى تمرين الطبع وصرف الهمة إلى الفكر في
تناسب معناه ورشاقة الفاظه وجودة سبكه وحسن حشوه تمرينا متكررا حتى يصير خلقا وكما
ان ذلك سبب الاستكمال فيه فالاهمال سبب القصور عنه والى هذا المعنى اشرت من جملة
أبيات: هجرت صوغ قوافي الشعر مذ زمن هيهات يرضى وقد أغضبته زمنا وعدت اوقظ افكاري
وقد هجعت عنفا وأزعج غربي بعدما سكنا ان الخواطر كالابار ان نزحت طابت وان يبق فيها
ماؤها اجنا فاصفح شكرت أياديك التي سلفت ما كنت أظهر عيبي بعد ما كمنا ولمكان
اضرابي عن نظمه واعراضي حتى ذكر اسمه لم يبق الا ما هو حقيق أن يرفض ولا يعرض ويضمر
ولا يظهر لكني مع ذلك اورد ما ادخل به في حيز الامتثال وان كان ستره أنسب بالحال
فمنه: وما الاسراف من خلقي واني لا جزأ بالقليل عن الكثير ولا أعطي المطامع لي
قيادا ولو خودعت بالمال الخطير واغمض عن عيوب الناس حتى اخال بأن يناجيني ضميري
================
[ 24 ]
واحتمل الاذي في كل حال على مضض وأعفو عن كثير ومن كان الاله له حسيبا أراه
النجح في كل الامور ومنه: يا راقدا والمنايا غير راقدة وغافلا وسهام الدهر ترميه بم
اغترارك والايام مرصدة والدهر قد ملا الاسماع داعيه اما ارتك الليالي قبح دخلتها
وغدرها بالذي كانت تصافيه رفقا بنفسك يا مغرور ان لها يوما تشيب النواصي من دواهيه
وحسب تحصيل الغرض بهذا القدر فنحن نقتصر عليه ونستغفر الله سبحانه وتعالى من فرطال
الزلل وورطات الخلل ونستكفيه زوال النعم وحلول النقم ونستعتبه محل العثار وسوء
المرجع في القرار ومن أفضل ما يفتتح به النظام ويختتم به الكلام ما نقل عن النبي
صلى الله عليه واله: من سلك طريقا إلى العلم سلك الله به طريقا إلى الجنة، وقال صلى
الله عليه واله: لا خير في الحياة الا لعالم مطاع أو مستمع واع وقال صلى الله عليه
واله: تلاقوا وتذاكروا وتحدثوا فان الحديث جلاء القلوب ان القلوب ترين كما يرين
السيف وقال صلى الله عليه واله لا يزيد في العمر مثل الصدقة ولا يرد البلاء مثل
الدعاء ولا ينور العبد مثل الخلق الحسن ولا يذهب الذنوب الا الاستغفار والصدقة ستر
من النار وجواز على الصراط وأمان من العذاب. وقال صلى الله عليه واله: صلوا الارحام
يغفر لكم وتعاهدوا المساكين يبارك لكم في أموالكم ويزداد في حسناتكم. وقال صلى الله
عليه واله: ان الله سبحانه يقول اطلبوا الحوائج عند ذوي الرحمة من عبادي فان رحمتي
لهم، ولا تطلبوها عند القاسية قلوبهم فان غضبي فيهم، وقال صلى الله عليه واله:
صنايع المعروف تقي مصارع السوء وقال صلى الله عليه واله من اقتصر من الدنيا على ما
احل له سلم ومن أخذ العلم من أهل وعمل به
================
[ 25 ]
نجا ومن أراد به الدنيا فهو حظه. وكتب جعفر بن الحسين بن يحيى بن سعيد الحلي ا
ه، وفى كتابة أبيه إليه بما مر دلالة على ما لابيه من الرصانة وقوة الايمان فان
العادة جارية في مثل المقام أن يفرح الانسان بما يراه من ولده من شعر أو فخر وغيره
ويرى قليله كثيرا ولكن اباه حمله نظره الصائب وايمانه القوي على زجر ولده عن الفخر
ونظم الشعر. المراسلة بينه وبين الشيخ محفوظ بن وشاح: قال الشيخ حسن ابن الشهيد
الثاني: رأيت بخط الشهيد الاول في بعض مجاميعه ان الشيخ شمس الدين محفوظ بن وشاح بن
محمد كتب إلى الشيخ المحقق نجم الدين بن سعيد أبياتا من جملتها: أغيب عنك وأشواقي
تجاذبني إلى لقائك جذب المغرم العاني إلى لقاء حبيب مثل بدر دجى وقد رماه باعراض
وهجران ومنها: قلبي وشخصك مقرونان في قرن عند انتباهي وبعد النوم يغشاني يا جعفر بن
سعيد يا امام هدى يا واحد الدهر يا من ماله ثاني اني بحبك مغرى غير مكترث بمن يلوم
وفي حبيك يلحاني فانت سيد اهل الفضل كلهم لم يختلف ابدا في فضلك اثنان في قلبك
العلم مخزون بأجمعه تهدي به من ضلال كل حيران وفوك فيه لسان حشوه حكم تروي به من
زلال كل ظمآن وفخرك الشامخ السامي وزنت به رضوي فزاد على رضوي وثهلان
================
[ 26 ]
فأجابه المحقق بهذه الابيات: لقد وافت قصائدك العوالي تهز معاطف اللفظ الرشيق
فضضت ختامهن فخلت أني فضضت بهن عن مسك فتيق وجال الطرف منها في رياض كسين بناضر
الزهر الانيق فكم أبصرت من لفظ بديع يدل به على المعني الدقيق وكم شاهدت من علم خفي
يقرب مطلب الفضل السحيق شربت بها كؤوسا من معان غنيت بشربهن عن الرحيق ولكني حملت
بها حقوقا أخاف لثقلهن من العقوق فسر يابا الفضائل بي رويدا فلست أطيق كفران الحقوق
وحمل ما اطيق به نهوضا فان الرفق انسب بالصديق وكتب بعدها نثرا من جملته: ولست ادري
كيف سوغ لنفسه الكريمة مع حنوه على اخوانه وشفقته على أوليائه وخلانه اثقال كاهلي
بما لا يطيق الرجال حمله بل تضعف الجبال أن تفله حتى صيرني بالعجز عن مجازاته أسيرا
ووقفني في ميدان محاورته حسيرا ا ه. رثاؤه: في أمل الامل لما توفي رثاه جماعة منهم
الشيخ محفوظ بن وشاح فرثاه بقصيدة منها: أقلقني الدهر وفرط الاسى وزاد في قلبي لهيب
الضرام لفقد بحر العلم والمرتضى في القول والفعل وفصل الخصام اعني أبا القاسم شمس
العلى الماجد المقدام ليث الزحام ازمة الدين بتدبيره منظومة أحسن بداك النظام
================
[ 27 ]
شبه به البازي في بحثه وعنده الفاضل فرخ الحمام قد أوضح الدين بتصنيفه من بعدما
كان شديد الظلام بعدك اضحى الناس في حيرة عالمهم مشتبه بالعوام لو لا الذي بين في
كتبه لاشرف الدين على الاصطلام قد قلت للقبر الذي ضمه كيف حويت البحر والبحر طام
عليك مني ما حدا سائق * أو غرد القمري الفا سلام نسخ الكتاب. نظرا لاهمية كتاب
المعارج العلمية العلمية النابعة من مكانة مؤلفه المرموقة بين أهل العلم، فان له
نسخا كثيرة عند طلاب العلم ورواده، بحيث يعسر مقارنتها أجمع لذا فاني اكتفيت بمقلة
أربع منها، ومن خلالها يحصل الاطمئنان باصابة عبارة المصنف. وهذه النسخ هي: 1 -
نسخة خطية في مكتبة السيد الحكيم العامة في النجف الاشرف برقم (371) وقد نقلت إليها
من مكتبة المرحوم الشيخ محمد السماوي وعليها ختمه المؤرخ (1354) ه مواصقاتها: عدد
أوراقها (57) بقياس (17 في 12) سم عدد الاسطر (19) يحتوي السطر الواحد على (10 -
14) كلمة تقريبا وكتيت العناوين فيها باللون الاحمر وعليها بعض الحواشي، ناسخها
(محمد مقيم) ظاهرا نسخها بتاريخ (1117) ه، وهي قليلة السقط والاخطاء وفيها زيادات
على بقية النسخ وهي مكتوبة بالفارسي وكثيرا ما أهمل الناسخ وضع النقاط على الحرفين
الياء والتاء وغيرهما وبالاخص ما كان منهما في أول الكلمة. 2 - نسخة خطية في مكتبة
آل كاشف العظاء في النجف الاشرف برقم (392) تقع في (47) ورقة قياس (21 في 15) سم
تحتوي الصفحة الواحدة على (17) سطرا
================
[ 28 ]
يحتوي السطر على (12 - 17) كلمة تقريبا. وعليها تملك الحجة الشيخ جعفر كاشف
الغطاء، كتب عليها بخطه (بسم الله الرحمن الرحيم ملك الاقل جعفر ابن الشيخ خضر رحمه
الله تعالى) وتملك ولده العلامة الشيخ موسى كتب عليها بخطه (أوهبها أبي دام ظله
صاحبها المزبور وأنا الاقل موسى بن الشيخ جعفر) و عليها أيضا ختم ولد الشيخ موسى،
الشيخ على وكتب عليها بخطه ولد الشيخ علي، آية الله الحجة الشيخ محمد حسين ما يلي:
(في ملك الوالد أيده الله بتاييده وسدده بتسديده وأنا الاقل محمد حسين ابن الشيخ
علي أبقاه الله ابن الشيخ موسى ابن الشيخ جعفر كاشف الغطاء (ره) سنة 1311) وعليها
كتابات أخر. وهذه النسخة عليها حواشي الفيض على البابين الاولين من الكتاب فقط
وحواش أخر مختصره لم يشر إلى أصحابها، وناسخها (أحمد بن يوسف) وقد أهمل كتابة تاريخ
نسخها، لكن على جانب الصفحة الاخيرة كتب تاريخ عام (1091) ه يوم السبت غرة شهر ذي
القعدة، ويبدو ان كاتبه أحد المقتنين لهذه النسخة فتكون منسوخة قبل هذا التاريخ
وتجدر الاشارة إلى أن هذه النسخة كثيرة السقط والاخطاء، ومع ذلك فانها تحتوي على
بعض الاضافات على غيرها. 3 - نسخة خطية في مكتبة المدرسة الفيضية في قم المقدسة
برقم (2013) تقع في (74) ورقه قياس (18 في 12) سم تقريبا عدد أسطر الصفحة الواحدة
غالبا (15 - 16) يحتوي السطر على (14 - 16) كلمة غالبا، ناسخها (ابو القاسم ابن
احمد الحسيني) بتاريخ عاشر جمادى الثاني من عام (1243) ه في اصفهان. وقد أفادتنا
هذه النسخة في تصحيح كثير من الموارد التي اخطأت فيها بقية النسخ لكنها مع ذلك لا
تخلو من السقط والاخطاء. 4 - النسخة المطبوعة على الحجر في طهران عام (1310) ه في
(164) صفحة من القطع الصعير قياس (17 في 11) سم وهي قليلة السقط والاخطاء
================
[ 29 ]
كما قد اشير فيها إلى بعض اختلافات النسخ مما يدل على أنها أخذت من أكثر من
نسخة منهج التحقيق 1 - وضعت بين قوسين معقوفين الاضافات التي انفردت بها بعض النسخ
دون بعض. 2 - وضعت بين قوسين هلالين الالفاظ والعبارات التي اختلفت النسخ فيها
فوضعت النسخة الاصح - بما أرى - في المتن بين القوسين بينما اشرت في الهامش إلى
النسخة أو النسخ الاخرى المحتملة للصحة. 3 - اغفلت الاشارة إلى ما تضمنته احدى
النسخ مما لا نحتمل فيه الصحة، فكثيرا ما يسهو الناسخ ويبدل ألفاظا أو حروفا بأخرى
يقطع بخطأها، فمثلا كلمة (الاستغراق) كتبت في أحد المواضع هكذا (الاستقراق)، وكلمة
(منفيا) كتبت هكذا (منسفا)، وكلمة (المشتركة) كتبت هكذا (المستولد) وكلمة العبادة)
كتبت هكذا (العبارة) وغير ذلك، فهذا كله لم نشر إليه لعدم الجدوي في ذلك لان
الاشارة إلى النسخ انما تلزم لاحتمال أن تكون عبارة المصنف أحداهما اما الكلمة
الخاطئة فلا يحتمل فيها ذلك. كما اغفلت الاشارة إلى اختلاف النسخ في ذكر كلمة
(تعالى) وحذفها فكثيرا ما توجد في نسخة دون اخرى، وكذا اختلاف النسخ في (رحمه الله)
و (رضي الله عنه) و (قدس سره) فكثيرا ما توجد احداها في نسخة وفي الاخرى غيرها وقد
حدث ذلك كثيرا بعد ذكر السيد المرتضى والشيخ الطوسي و الشيخ المفيد، بينما لا يوجد
أي شئ في نسخة اخرى. وكذا الاختلاف في (عليه السلام) و (صلى الله عليه وآله) فكثيرا
ما اختلفت النسخ في ذلك فتجد
================
[ 30 ]
بعد ذكر النبي في نسخة (عليه السلام) وفي اخرى (صلى الله عليه وآله) أو انها
ساقطة من النسخة الاخرى. 4 - نسخة مكتبة الحكيم قد اسقط الناسخ منها في اغلب
الموارد عنوان (المسألة) و (الفرع) عند تكررهما مراعاة للاختصار أو (الفائدة) فمثلا
لا يكتب (المسألة الثانية) بل (الثانية) وحدها، بينما نرى ذلك مثبتا في النسخ
الاخرى وكذا قد حدث ذلك أحيانا في نسخة كاشف الغطاء، فهذا الاختلاف لم نشر إليه
أيضا. 5 - ان النسخ قد حدث فيها خطأ كثير بالنسبة إلى التذكير والتأنيث لا سيما في
الياء والتاء في أول الفعل المضارع، والتنكير والتعريف، وبعض الاخطاء الاعرابية أو
الاملائية، فهذا كله صححناه طبقا للقواعد العربية. 6 - غيرت رسم بعض الكلمات التي
جرت عادة المحدثين على كتابتها على غير صورتها عند القدماء، فعلى سبيل المثال غيرت
الكلمات الاتية (ليكن، صلوته، شرايط، سايغ) إلى (لكن، صلاته، شرائط، سائغ) وهكذا. 7
- الايات القرآنية أثبتها كما هي في المصحف، معرضا عما يوجد من من الاختلاف في
النسخ، ثم ان بعض النسخ قد تورد الاية كاملة بينما تراها ناقصة في النسخة الاخرى،
فعندها أثبت النسخة الاكثر اشتمالا عليها. 8 - اغفلت الاشارة إلى اختلاف النسخ في
كيفية الترقيم فبعض النسخ يرقم كالاتي: (الاول، الثاني، الثالث الخ) وبعضها يرقم
هكذا (أ، ب، ج) 9 - نسخة مكتبة المدرسة الفيضية لم أثبت كلما جاء فيها من اختلافات
بينها وبين بقية النسخ، بل اقتصرت على المهم من موارد الاختلاف دون اليسيرة مما لا
دخل لها في المعنى، ولا سيما موارد السقط فيها.
================
[ 31 ]
شكر وتقدير وأخيرا، أقدم شكري وتقديري إلى فضيلة العلامة الجليل السيد محمد
مهدي الموسوي الخرسان على توجيهاته وارشاداته. والى استاذي العلامة السيد محمد رضا
الحسيني الجلالي على مراجعة الكتاب بعد تحقيقه. والى فضيلة الدكتور السيد عبد
الهادي الحكيم. والى الشيخ شريف نجل الحجة الشيخ محمد حسين آل كاشف الغطاء. والى
حجة الاسلام الشيخ مجتبي المحمدي العراقي. على منحهم اياي فرصة الاستفادة من النسخ
الخطية التي تحت أيديهم. والحمد لله أولا وآخرا. قم المقدسة 3 / جمادي الثاني /
1403 محمد حسين السيد على الرضوي
================
[ 33 ]
نماذج مصورة من النسخ المخطوطة
================
[ 34 ]
الصفحة الاولى من نسخة مكتبة السيد الحكيم العامة برقم (371)
================
[ 35 ]
الصفحة الاخيرة من نسخة مكتبة السيد الحكيم العامة
================
[ 36 ]
الصفحة الاولى من نسخة مكتبة آل كاشف الغطاء برقم (392)
================
[ 37 ]
الصفحة الثانية من نسخة مكتبة آل كاشف الغطاء
================
[ 38 ]
الصفحة الاخيرة من نسخة مكتبة آل كاشف الغطاء
================
[ 39 ]
الصفحة الاولى من نسخة مكتبة المدرسة الفيضية برقم (2013)
================
[ 40 ]
الصفحة الاخيرة من نسخة مكتبة المدرسة الفيضية
================
[ 41 ]
معارج الاصول للمحقق الحلي الشيخ نجم الدين أبي القاسم جعفر بن الحسن الهذلي
صاحب الشرائع 602 - 676 ه. اعداد محمد حسين الرضوي
================
[ 43 ]
بسم الله الرحمن الرحيم [ وبه ثقتى ] (أحمد الله) (1) على سابغ نعمه، وسائغ
عطيته، كما أشكره على جليل هبته، وجميل هدايته حمد معترف بكمال قدرته، مقر بجلال
عظمته، معتقد أنه لا (شبه) (2) له في أحديته ولا مضاهي له في الهيته، مذعن بقصور
الاذهان عن اكتناه هويته، وانسداد المخارج المفضية إلى الاحاطة بحقيقة معرفته، و
أصلي على خير بريته وأكرم خاصته، وعلى الطاهرين من عترته. وبعد ذلك، فانه تكرر من
جماعة من الاصحاب - أيدهم الله بعصمته، وشملهم بعام رحمته - التماس مختصر في
الاصول، (مشتمل) (3) على المهم من مطالبه، غير بالغ في الاطالة إلى حد يصعب على
طالبه فأجبتهم (إلى) (4) ذلك، مقتصرا على ما لابد من الاعتناء به، غير متطاول إلى
اطالة مسائله، و تغليق مذاهبه، ومن الله أستمد التوفيق، انه على ذلك قادر، وباسدائه
حقيق. وهو يشتمل على أبواب عشرة:
(1) في نسخة: الحمد لله، وفى اخرى: أحمده: (2) في نسخة: شبيه. (3) في نسخة: يشتمل.
(4) في نسخة: على. (*)
================
[ 45 ]
الباب الاول في المقدمات وهي ثلاثة:
================
[ 47 ]
المقدمة الاولى لما كان البحث في هذا الكتاب انما هو بحث في أصول الفقه، لم يكن
بد من معرفة [ فائدة ] هاتين اللفظتين: (فالاصل) (1) في الاصل: هو ما يبتني عليه
الشئ ويتفرع عليه. والفقه: هو المعرفة بقصد [ المتكلم ]، وفي عرف الفقهاء: هو جملة
من العلم بأحكام شرعية عمليه مستدل على أعيانها. ونعني بالشرعية: ما استفيدت بنقل
الشريعة لها عن حكم الاصل، (أو) (2) باقرار الشريعة لها عليه. وأصول الفقه في
الاصطلاح هي: طرق الفقه على الاجمال. فائدتان: الاولى: الاحكام عندنا هي المنقسمة
إلى كون الفعل حسنا - واجبا كان أو مندوبا أو مباحا أو مكروها - والى كونه قبيحا.
فالواجب: ما للاخلال به مدخل في استحقاق الذم.
(1) في بعض النسخ: والاصل. (2) في نسخة: و. (*)
================
[ 48 ]
والمندوب: ما بعث المكلف على فعله على وجه ليس لتر كه تأثير في استحقاق الذم
على حال. والمباح: ما استوى (طرفا) (1) فعله وتركه في عدم استحقاق المدح والذم.
والمكروه: ما الاولى تركه، وليس لفعله تأثير في استحقاق الذم. والقبيح: ما لفعله
تأثير في استحقاق الذم، ولا يسمى القبيح حراما ولا محظورا حتى يزجر عنه زاجر.
الفائدة الثانية: إذا عرفت أن أصول الفقه [ انما ] هي طرق الفقه على الاجمال وكان
المستفاد من تلك الطرق اما علم، أو ظن (من) (2) دلالة، أو امارة بواسطة النظر، لم
يكن بد من بيان فائدة كل واحد من هذه الالفاظ: فالنظر: [ هو ] ترتيب علوم، أو ظنون،
أو علوم وظنون ترتيبا صحيحا ليتوصل به إلى علم أو ظن. والعلم: هو الاعتقاد المقتضي
سكون النفس [ مع ] أن معتقده على ما (تناوله) (3) والاقرب أنه غني عن التعريف
لظهوره. والظن: هو تغليب أحد مجوزين ظاهري (التجويز) (4) بالقلب. والدلالة: هي ما
النظر الصحيح فيها يفضي إلى العلم. والامارة: هي ما النظر الصحيح فيها يفضي إلى
الظن.
(1) في بعض النسخ: طرف. (2) في نسخة: عن. (3) في نسخة: يتناوله. (4) في بعض النسخ:
التجوز. (*)
================
[ 49 ]
المقدمة الثانية الخطاب: هو الكلام الذي قصد به مواجهة الغير. والكلام: هو ما
انتظم من حرفين فصاعدا من الحروف المسموعة المتواضع عليها إذا صدرت من ناظم واحد،
(ومنهم) (1) من شرط الافادة، ومنهم من شرطه المواضعة، والثاني يبطل (بتقسيم) (2)
أهل اللغة الكلام إلى المهمل والمستعمل، ومورد التقسيم مشترك. وعلى ما قلناه،
فالكلام اما مهمل، وهو ما لم يوضع في اللغة لشيئ واما مستعمل. والمستعمل: اما أن لا
يستقل بالمفهومية وهو الحرف، واما أن يستقل: فان دل على الزمان المعين فهو الفعل،
وان لم يدل فهو الاسم. ثم الاسم: اما أن يكون تصور معناه مانعا من وقوع الشركة فيه
(فهو) (3) الجزئي، أولا يمنع [ فهو الكلي ] وحينئذ ان دل على الماهية فهو اسم الجنس
عند النحاة وان دل على موصوفيتها فهو المشتق. تقسيم اللفظ ومعناه: ان اتحدا: فاما
جزئي واما كلي، فان كان كليا وكان معناه في موارده بالسوية فهو متواطئ، أو متفاوتا
فهو مشكك.
(1) في نسخة: فمنهم (2) في نسخة: تقسيم (3) في نسخة: وهو (*)
================
[ 50 ]
وان تكثرا فالالفاظ متباينة سواء كانت المعاني متصلة أو منفصلة. وان تكثرت
الالفاظ واتحد المعنى فهي مترادفة. وان تكثرت المعاني واتحد اللفظ من وضع واحد، فان
كانت دلالتها على المعاني بالسوية فهي مشتركة، أو متفاوتة فالراجح حقيقة والمرجوح
مجاز. المقدمة الثالثة في الحقيقة والمجاز: وهى ثلاثة فصول: الفصل [ الاول ] يشتمل
على مسائل: المسألة الاولى: في تعريفهما: أظهر ما قيل في الحقيقة هي كل لفظة أفيد
بها ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به. والمجاز: (هو) (1) كل لفظة
أفيد بها غير ما وضعت له في أصل الاصطلاح الذي وقع التخاطب به لعلاقة بينهما.
المسألة الثانية: فيما يفصل [ به ] بينهما وهو اما (بنص) (2) أهل اللغة، بأن
(يقولوا) (3) هذا حقيقة، وذاك مجاز، أو بالاستدلال بعوائدهم كان يسبق إلى أذهانهم
عند سماع اللفظ المعنى من دون قرينة. وههنا فروق أخر:
(1) في نسخة: هي (2) في نسخه: لنص (3) في نسخة: يقول (*)
================
[ 51 ]
الاول: الاطراد في فائدتها دلالة على كون اللفظ حقيقة في تلك الفائدة. الثاني:
صحة التصرف - كالتثنية والجمع - دلالة على الحقيقة. الثالث: استعمال أهل اللغة
دلالة عليها أيضا. الرابع: تعليق (اللفظة) (1) بما يستحيل تعلقها به دلالة على
المجاز كقوله تعالى " واسأل القرية " (2) وفى الكل نظر. المسألة الثالثة: اللفظ اما
أن يستفاد وضعه للمعنى بالشرع أو بالوضع، والاول هو الحقيقة الشرعية، والثانى: اما
أن ينقل عن موضوعه لمواضعة طارئة، وهو العرفية، أو لا ينقل، وهو اللغوية، وكل واحدة
من هذه الالفاظ اما أن تكون موضوعة لمعنى واحد، وهى المفردة، أو لمعنيين فصاعدا،
وهى المشتركة فوائد ثلاث الاولى: لاشبهة في وجود الحقيقة الوضعية، وأما العرفية
فكذلك، أما الامكان فظاهر، وأما الوقوع فبالإستقراء (اما) (3) من عرف عام كالغائط
للفضلة وقد كان للمطمئن، والدابة للفرس وقد كان لمادب، واما من عرف خاص فكما للنحاة
من الرفع والنصب، ولاهل الكلام من الجوهر والكون. تقسيم العرف اما أن يجعل الاسم
مستعملا في غير ماكان مستعملا فيه أو في بعضه
(1) في نسخة: اللفظية وفى اخرى اللفظ (2) يوسف / 82 (3) في نسخة: واما (*)
================
[ 52 ]
والثانى تخصيص كلفظ الدابة، والاول، اما أن يرجح العرف الطارئ ويرفض السابق وهو
نقل كالغائط و (الراوية) (1) أولايرجح فيكون مشتركا كقولنا: كلام زيد، فانه يقع على
لفظه، وعلى حكاية كلامه، كقولنا: هذا كلام أمير - المؤمنين، عند ايراد خطبه.
الفائدة الثانية: الحقيقة الشرعية موجودة، وصار جماعة من الاشعرية إلى نفيها، ونعنى
بالشرعية: ما استفيد وضعها للمعنى بالشرع. لنا: وجودها في الفاظ الشارع، فان الصوم
في اللغة: الامساك وفى الشرع امساك خاص، والزكاة: الطهارة، وفى الشرع طهارة خاصة،
والصلاة: الدعاء وفى الشرع لمعان مختلفة أو متواطئة، تارة تعرى عن الدعاء كصلاة
الاخرس وتارة يكون الدعاء منضما كصلاة الصحيح. تفريع الاصل عدم النقل، لان احتمال
النقل لو ساوى احتمال البقاء على الاصل لما حصل التفاهم عند التخاطب مع الاطلاق،
لان الذهن يعود مترددا بين المعنيين، لكن التفاهم حاصل مع الاطلاق فكان الاحتمال
منفيا. الفائدة الثالثة: لاشبهة في وجود الحقيقة المفردة، واختلف في المشتركة فمن
الناس من أوجب وجودها نظرا إلى كثرة المعاني وقلة الالفاظ، ومنهم من أحالها صونا
للفهم عن الخلل، والاول باطل، لانا لا نسلم كثرة المعاني عن الالفاظ والثانى باطل
لان الغرض قد يتعلق بالابهام كما يتعلق بالابانة. وأما وجودها فاستقراء اللغة
يحققه.
(1) في نسخة: الرواية (*)
================
[ 53 ]
فرعان الاول: الاصل عدم الاشتراك، لانه لولا ذلك لما حصل الفهم الا عند العلم
بعدمه، وهو باطل، لانه (يلزم) (1) بطلان الاستدلال بالنصوص، لجواز أن تكون الفاظه
موضوعة لغير ذلك المعنى. الفرع الثاني: يجوز أن يراد باللفظ الواحد كلا معنييه -
حقيقة كان فيهما أو مجازا أو في أحدهما - نظرا إلى الامكان لا إلى اللغة. وأحال أبو
هاشم وابو عبد الله ذلك، وشرط أبو عبد الله في المنع شروطا أربعة: اتحاد المتكلم،
والعبارة، والوقت، وكون المعنيين لا (تضمهما) (2) فائدة واحدة، وقال القاضى: ذلك
جائز ما لم يتنافيا كاستعمال لفظة (افعل) في الامر والتهديد، (و) (3) الوجوب
والندب. لنا: أنه ليس بين ارادة اعتداد المرأة بالحيض واعتدادها بالطهر منافاة، ولا
بين ارادة الحقيقة وارادة المجاز معا منافاة، و (إذ) (4) لم يكن ثمة منافاة لم
يمتنع اجتماع الارادتين عند (المتكلم) (5) باللفظ. حجة المانع: لو استعمل المتكلم
اللفظة في حقيقتها ومجازها لكان جامعا بين المتنافيين وانما قلنا ذلك لوجهين:
أحدهما: أنه يكون مريدا لاستعمالها فيما وضعت له والعدول بها عنه.
(1) في نسخة: يلزمه (2) في بعض النسخ تنضمهما (3) في نسخة: أو (4) في نسخة: إذا (5)
في نسخة: التكلم (*)
================
[ 54 ]
والثاني: أن المتجوز يضمر كاف التشبيه، ومستعمل الحقيقة لا يضمر، فلو استعملها
في المعنيين لاراد الا ضمار وعدمه. الجواب: لا نسلم كونه جامعا بين المتنافيين.
قوله: " يكون مريدا لموضوعها والعدول عنه ". قلنا: يعني بالعدول كونه مريدا
لاستعمالها في غير ما وضعت [ له ] كما أراد استعمالها فيما وضعت له ؟ أم يريد
استعمالها فيما وضعت له (ولا) (1) يستعملها فيه [ و ] الاول مسلم ولا ينفعك والثاني
ممنوع. قوله في الوجه الثاني: " يريد الاضمار وعدمه " قلنا: لا بالنسبة إلى شئ واحد
بل بالنسبة إلى شيئين، وذلك ليس بمتناف. وأما بالنظر إلى اللغة، فتنزيل المشترك على
معنييه باطل، لانه لو نزل على ذلك لكان استعمالا له في غير ما وضع له، لان اللغوي
لم يضعه للمجموع، بل لهذا وحده، (و) (2) لذاك وحده، فلو نزل عليهما معا لكان ذلك
عدولا عن وضع اللغة. حجة المخالف وجهان: الاول: قوله تعالى " ان الله وملائكته
يصلون على النبي " (3). الثاني: قول سيبويه: (الويل): دعاء وخبر. جواب الاول: ان في
الاية اضمارا، أما على قراءة النصب فلان ذلك أدخل في باب التعظيم، وأما على قراءة
الرفع فلان العطف على اسم (ان) لا يصح الا بعد تمام الخبر عند البصريين، فكان
التقدير: ان الله يصلي وملائكته يصلون.
(1) في نسخة: وألا (2) في نسخة: أو (3) الاحزاب / 56 (*)
================
[ 55 ]
وعن الثاني: ان ذلك اخبار عن كون اللفظة موضوعة لهما معا، وذلك غير موضع
النزاع. المسألة الرابعة: لا يجوز أن يخاطب الله عباده بما لا طريق لهم إلى العلم
بمعناه خلافا للحشوية. لنا: أن ذلك عبث، فيكون [ لله ] قبيحا. احتجوا: بقوله تعالى:
" كأنه رؤوس الشياطين " (1) وبقوله تعالى " حم " (2) و " الم " وما أشبهها.
والجواب: لا نسلم خلو ذلك عن الفائدة، لان الاول كناية عن (القبيح) (4) واستعارة
فيه، والثاني اسم للسورة. الفصل [ الثاني ]: في المجاز وأحكامه، وفيه مسائل:
المسألة الاولى: اكثر الناس على امكانه ووجوده، ومنعه قوم امكانا، وآخرون وقوعا.
لنا: [ ان ] اسم (الحمار) يستعمل في البليد، وليس حقيقة فيه، فهو مجاز. احتجوا: بان
المجاز ان دل بدون القرينة فهو حقيقة، ومعها لا يحتمل الا ذاك، فهو حقيقة أيضا.
(1) الصافات / 65 (2) الاية الاولى من السور التالية: غافر، فصلت، الزخرف، الدخان،
الجاثية، الاحقاف (3) الاية الاولى من: البقرة، وآل عمران، والعنكبوت، والروم،
ولقمان والسجدة. (4) في نسخة: القبح (*)
================
[ 56 ]
جوابه: ان القرينة خارجة عن دلالة اللفظ، وكلامنا في دلالته مفردا. على: ان
القرينة قد لا تكون لفظية، وكلامنا في الدال بالوضع. المسألة الثانية: المجاز ممكن
الوجود في (خطاب) (1) الله تعالى، و موجود، خلافا لاهل الظاهر. لنا: قوله تعالى: "
جدارا يريد أن ينقض " (2) و " جاء ربك " (3) وقوله: " لما خلقت بيدي " (4) وليست
هذه موضوعة في اللغة لما أراده الله تعالى بها قطعا، ولا الشارع نقلها، لعدم سبق
أذهان أهل الشرع عند اطلاقها إلى المراد بها، فتعين أن يكون مجازا. احتجوا: بانه لو
تجوز لكان ملغزا معميا. وجوابه: أنه لا ألغاز مع القرينة. المسألة الثالثة: اختلفوا
في جواز تعدية المجاز [ عن ] (موضع) (5) الاستعمال فأجازه قوم، ومنعه الاكثر. [ و ]
احتج المانع: بانه لو كفت العلاقة لصح تسمية الحبل الطويل نخلة، كما سمي به الرجل
الطويل، ويسمى الابخر أسدا. المسألة الرابعة: تشتمل على فوائد: الاولى: لا يجوز خلو
اللفظ - بعد الاستعمال - من كونه حقيقة أو مجازا لانه: ان استعمل فيما وضع له فهو
حقيقة، والا فهو مجاز.
(1) في نسخة: كلام (2) الكهف / 77 (3) الفجر / 22 (4) ص / 75 (5) في نسخة: موضوع
(*)
================
[ 57 ]
الثانية: الحقيقة والمجاز لا يدخلان أسماء الالقاب، لانها لم تقع على مسمياتها
المعينة بوضع من أهل اللغة ولا من الشرع، وإذا لم تكن كذلك لم يكن متسعملها في
الاشخاص تابعا لاهل اللغة، لا بالحقيقة ولا بالمجاز. الثالثة: إذا تجرد اللفظ عن
القرائن (نزل) (1) على حقيقته، لان واضع اللغة وضعه للدلالة على معناه فكأنه قال:
عند الاطلاق أريد به ذلك المعنى، فلولم يفد به عند الاطلاق كان (ناقضا) (2). قال
جماعة من الاصوليين: يجب اطراد الحقيقة في فائدتها دون المجاز لانا إذا علمنا أن
أهل اللغة سموا الجسم طويلا عند اختصاصه (بالطول) (3) ولولا ذلك لما سموه طويلا،
وجب تسمية كل جسم (فيه) (4) طول بذلك، قضية للعلة. الفصل الثالث في جملة من احكام
الحروف: الواو: للجمع المطلق، (لاجماع) (5) أهل اللغة على ذلك، وأيضا: فانه يستعمل
فيما يمتنع فيه الترتيب، كقولنا: تقاتل زيد وعمرو. واحتج: بانكار رسول الله صلى
الله عليه وآله على قائل: من أطاع الله ورسوله فقد هدي، ومن عصاهما فقد غوى، بقوله:
" قل: ومن عصى الله ورسوله ". والجواب: ان الافراد أدخل في باب التعظيم من الجمع،
فلعله عليه السلام قصد
(1) في نسخة: يدل (2) في نسخة: ناقصا (3) في نسخة: بالطويل (4) في نسخة: له (5) في
نسخة: لاطلاق (*)
================
[ 58 ]
ذلك دون الترتيب. الفاء: للتعقيب، باجماع أهل اللغة. (ومنهم) (1) من جعلها
للتراخي أيضا لقوله تعالى: " لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم " (2) والاسحات
(متراخ) (3) عن (الافتراء) (4)، ولان الفاء تدخل على التعقيب. وجوابه: ان الاول
تجوز، والثاني تأكيد. ثم: للمهلة، وقال آخرون: الا في عطف الجمل كقوله تعالى: " لمن
تاب وآمن وعمل صالحا ثم اهتدى " (5). في: للظرفية خاصة، وقيل: للسببية كقوله: عليه
السلام " في خمس من الابل شاة "، ولا يعرفه أهل اللغة. قيل: الباء إذا دخلت على
المتعدي تبعيضية، وأنكر ذلك ابن جني. انما: للحصر، لان (ان) للاثبات، و (ما) للنفي،
فيجب أن يكون لنفي ما لم يذكر واثبات ما ذكر، لاستحالة غيره من الاقسام، ويؤيده قول
الشاعر:... * وانما يدافع عن أحسابهم أنا أو مثلي وقوله:.... وانما العزة للكاثر [
ثم ] احتج المخالف: بقوله: انما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم " (6). [
و ] جوابه: انه للمبالغة.
(1) في نسخة: وفيهم (2) طه / 61 (3) في نسخة: يتراخى (4) في نسخة: الفرية (5) طه /
82 (6) الانفال / 2 (*)
================
[ 59 ]
الباب الثاني في الاوامر والنواهي وفيه فصول
================
[ 61 ]
الفصل الاول فيما يتعلق بصيغة الامر، وفيه مسائل: [ المسألة ] الاولى: لاشبهة
في وقوع لفظة الامر بالحقيقة على القول المخصوص، واختلف في وقوعه على الفعل، فأنكر
ذلك قوم، واعتمده آخرون وتوسط أبو الحسين فقال: هو مشترك بين القول المخصوص وبين
الشئ و الصفة والشأن والطريق، وهو المختار. لنا: ان القائل إذا قال: هذا أمر بالفعل
علم القول، وان قال: مستقيم علم الشأن، وان قال لاجله جاء زيد علم الشئ والغرض، وان
اطلقه حصل التوقف وهو دلالة الاشتراك، ولا يجوز أن يكون لفظ الامر حقيقة في مطلق
الفعل، والا لسمي الشرب اليسير أمرا. احتج من خصه بالقول: بان الاصل عدم الاشتراك.
وجوابه: ان الاصل ظاهر لاقاطع، وقد (ترك) (1) الظاهر لقيام الدلالة. واحتج من جعله
حقيقة في الفعل بوجوه: أحدها: قوله تعالى: " فاتبعوا أمر فرعون " (2).
(1) في نسخة: يترك (2) هود / 97 (*)
================
[ 62 ]
الثاني: قوله تعالى: " وما أمرنا الا واحدة " (1). الثالث: ان (أمرا) في الفعل
جمعه (أمور)، والجمع دلالة الحقيقة. الرابع: (انه) (2) مستعمل في الفعل، والاستعمال
دلالة الحقيقة. والجواب عن الاول: انه محمول على القول، [ و ] يؤيده قوله: "
فاتبعوا ". وعن الثاني: لا نسلم أن المراد بذلك الفعل، والا لكانت أفعاله كلها
واحدة بل الشأن، أي: شأننا ذلك. وعن الثالث: لا نسلم أن التصرف دلالة الحقيقة.
سلمنا، لكن لا نسلم أن (أمورا) جمع (أمر)، فانه لافرق بين قولهم: أمر فلان مستقيم،
وبين قولهم: (أمور فلان مستقيمة) (3). سلمنا [ ه ]، لكن اطلاق ذلك (لخصوص) (4) كونه
شأنا، لا (لعموم) (5) كونه فعلا. وعن الرابع: لا نسلم أن الاصل في الاستعمال
الحقيقة. سلمنا [ ه ] (لكن) (6) معارض بأن الاصل عدم الاشتراك. المسألة الثانية:
الامر القولي: هو استدعاء الفعل بصيغة (افعل) أو ما جرى مجراها على طريق الاستعلاء،
إذا صدرت (من مريد لايقاع الفعل) (7).
(1) القمر / 50 (2) في بعض النسخ: وهو (3) في نسخة: اموره مستقيمة (4) في نسخة:
بخصوص (5) في نسخة: بعموم (6) في نسخة: لكنه (7) في نسخة: من مريد الايقاع (*)
================
[ 63 ]
شرطنا الصيغة المخصوصة احترازا من الخبر والتمني وشبهه إذا تضمن الاستدعاء.
وشرطنا الاستعلاء احترازا ممن طلب متذللا ملتمسا. وشرطنا الارادة - على ما اختاره
المرتضى رحمه الله - خلافا للاشعرية وجماعة من الفقهاء. لنا: ان الصيغة ترد أمرا
كقوله تعالى: " اقم الصلاة " (1) وغير أمر كقوله: افعلوا ما شئتم، ولا مخصص [ له ]
الا الارادة، لبطلان ما عداه من الاقسام احتج المخالف بوجهين: أحدهما: لو لم يكن
الامر أمرا الا بالارادة، لما صح الاستدلال بالامر على الارادة. الثاني: ان أهل
اللغة قالوا: الامر هو قول القائل لغيره: (افعل) [ كذا ] مع الرتبة، ولم يشترطوا
الارادة، فجرى ذلك مجرى استعمال لفظ الانسان في (موضوعه) (2) فانه لا يفتقر إلى
الارادة. وجواب الاول: انا لا نستدل على الارادة بالامر من حيث كان أمرا، بل من حيث
هو على صيغة (افعل) وقد تجرد، لان هذه الصيغة موضوعة لطلب المراد حقيقة، فإذا
(تجردت) (3) وجب حملها على موضوعها. وجواب الثاني: سلمنا (عدم) (4) اشتراطها (لفظا)
(5) لظهورها، ولكن
(1) هود / 114 (2) في نسخة: موضعه (3) في نسخة: تجرد (4) في بعض النسخ: بعدم (5) في
بعض النسخ: نطقا (*)
================
[ 64 ]
لا نسلم عدم اشتراطها في نفس الامر، كما لم يشترطوا انتفاء القرائن، وليس تمثيل
تسمية الانسان مما نحن فيه، (لانا لا نخالف) (1) عند اطلاق هذه اللفظة انها تحمل
على الامر، بل الخلاف: هل يسمى أمرا وان لم يرد الفعل ؟. المسألة الثالثة: لفظة
(افعل) حقيقة في الطلب بلا خلاف، وهل هي حقيقة في التهديد أم لا ؟ الاظهر عدمه،
والا لتوقف الذهن في فهم أحد الامرين عند الاطلاق وهو باطل. وأيضا: فانها حقيقة في
الطلب، فليكن مجازا في غيره دفعا للاشتراك. المسألة الرابعة: لفظة (افعل) حقيقة في
الوجوب، وقال آخرون: الايجاب [ و ] هو اختيار الشيخ أبي جعفر رحمه الله. وقال أبو
هاشم: هي للندب، إذا صدرت من الحكيم، وكان (المقول) (2) له في دار التكليف. وتوقف
آخرون. وقال المرتضى: هي مشتركة (بينهما)، (3) نظرا إلى اللغة قال: [ و ] أو امر
الشارع المطلقة تحمل على الوجوب، مدعيا في ذلك الاجماع. حجتنا: ان العقلاء يذمون
العبد الممتنع عند قول سيده: (افعل) مع اطلاق الامر، و يعللون حسن ذمه بمجرد ترك
الامتثال، ولا معنى للوجوب الا هذا. وما يشيرون إليه من القرائن تفرض ارتفاعه،
واستحقاق الذم باق بحاله قطعا. احتج المرتضى رحمه الله: بانها وردت للايجاب والندب،
والاصل في الاستعمال الحقيقة.
(1) في نسخة: لان سيدا لا يخالف وفى اخرى: لانه لا نخالف (2) في نسخة: القول (3) في
نسخة: بينها (*)
================
[ 65 ]
وجوابه: كما أن الاصل [ في الاستعمال ] عدم التجوز، فالاصل عدم الاشتراك.
المسألة الخامسة، صيغة الامر الواردة بعد الحظر كحالها قبله، وقال قوم: تفيد بعد
الحظر: الاباحة. لنا: أن صيغة الامر تفيد طلب الفعل، والاباحة تفيد التخيير فيه،
فلم يكن مستفادا منها، وغير ممتنع انتقال الشئ من الحظر إلى الوجوب. احتج الخصم:
بقوله تعالى: " وإذا حللتم فاصطادوا " (1). وجوابه: معارض بقوله: " فإذا انسلخ
الاشهر الحرم فاقتلوا المشركين " (2). المسألة السادسة: ذهب الجبائيان إلى أن الامر
المطلق لا يقتضي التعجيل وجوزا التأخير عن [ أول ] أوقات الامكان. وصار آخرون إلى
تحريم التأخير واختاره الشيخ. وقال المرتضى رحمه الله بالاشتراك. والظاهر: أنه لا
اشعار [ فيه ] بفور ولا تراخ. لنا: انه [ ورد ] مع الفور تارة، ومع التراخي أخرى،
فيجعل حقيقة في القدر المشترك بينهما، صونا للكلام عن الاشتراك والتجوز. وأيضا: فان
قول القائل (افعل) هو طلب (الفعل) (3) في المستقبل (وجرى) (4) مجرى (تفعل) في كونه
اخبارا عن الفعل في المستقبل، وكما يجوز وقوعه بعد مدة، فكذلك الامر.
(1) المائدة / 2 (2) التوبة / 5 (3) في نسخة: للفعل (4) في بعض النسخ: فجرى (*)
================
[ 66 ]
احتج القائلون بالفور: بقوله تعالى: " فاستبقوا الخيرات " (1) وبأنه لو جاز
تأخيره، فاما مع بدل، ويلزم سقوط المبدل وهو باطل، أو لا معه وهو ينافي الوجوب.
وجواب الاول: انه استدلال على غير المطلوب. وجواب الثاني: منقوض بما لو صرح
بالتأخير المسألة السابعة: الامر بالشئ على الاطلاق لا يقتضي التكرار، خلافا لبعض
الاصوليين. لنا وجهان: أحدهما ان السيد إذا أمر عبده بدخول الدار، ثم فعل، لم يحسن
(منه) (2) ذمه على ترك المعاودة. الثاني: لو أفاد التكرار (لعم) (3) الاوقات - لعدم
الاولوية - وهو باطل. احتج المخالف بوجهين: الاول: لو لم يفد التكرار لما اشتبه على
سراقة حين قال لرسول الله [ صلى الله عليه وآله ] " أحجتنا هذه لعامنا [ هذا ] أم
للابد ؟ ". الثاني: ان فيه احتياطا فيجب المصير إليه. وجواب الاول: ان هذا لا يصلح
حجة للقائلين بالتكرار، بل لاصحاب الاشتراك، ولا (فرج) (4) أيضا لاولئك، لانا لا
نسلم أن الاشتباه بالنظر إلى اللفظ، بل لم لا يجوز أن يكون اعتقده مماثلا للصلاة
والصيام ! ؟ فأراد ازالة
(1) البقرة / 148 (2) في نسخة: فيه (3) في نسخة: يعم. (4) في نسخة: فرح (*)
================
[ 67 ]
هذا الاشتباه. ويدل على أنه ليس للتكرار قول النبي صلى الله عليه وآله: " لو
قلت هذا (لوجب) (1) لانه اشعار بكون الوجوب مستفادامن قوله، لامن اللفظ. وجواب
الثاني: ان الاحتياط يجب مع عدم الدلالة على عدم وجوب التكرار، وأما مع وجودها فلا.
المسألة الثامنة: الامر المعلق على شرط، أو صفة، لا يتكرر بتكررهما، سواء كان شرطا
حقيقيا كقوله: ان كان الزاني محصنا فارجمه، أو مؤثرا كقوله: ان زنى فارجمه، ومثال
الصفة: " السارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (2). وقال قوم: انه يتكرر بتكررهما.
لنا وجهان: الاول: ان السيد إذا قال لعبده: ان دخلت السوق فاشتر لحما، لا يقتضي
التكرار. والثاني: لو أفاد الامر مع الشرط التكرار، لم يخل: اما أن يفيده لفظا أو
معنى، والقسمان باطلان: أما اللفظ فظاهر. وأما المعنى: فلانه لو أفاد [ ذلك ] لكان
ذلك لكون الشرط كالعلة عندهم وذلك باطل، لان الشرط يقف عليه تأثير المؤثر، فلا يمنع
(تكرار) (3) الشرط دون العلة، (فلا يحصل الحكم) (4) وإذا كان اللفظ لا يقتضي
التكرار، والشرط
(1) في نسخة: وجب. (2) المائدة / 38. (3) في نسخة: تكرر. (4) في نسخة: فلا يحصل
العلم الحكم. (*)
================
[ 68 ]
لا يقتضيه، (فمجموعهما) (1) كذلك. المسألة التاسعة: الامر المقيد بالشرط منتف
عند انتفاء الشرط خلافا للقاضي لنا: ان قول القائل: اعط زيدا درهما ان اكرمك، جار
مجرى قولنا: الشرط في (اعطائه) (2) اكرامك، وفي الثاني ينتفي العطاء عند انتفاء
الاكرام فكذلك في مسألتنا. وأيضا: فان الشرط: هو ما (يتوقف) (3) عليه الحكم، فلو
حصل بدونه لم يكن شرطا. ولا حجة للمخالف في قوله تعالى: " ولا تكرهوا فتياتكم على
البغاءان أردن تحصنا " (4) لانه لما ذكر الاكراه شرط ارادة التحصن ليتحقق الاكراه [
فيها ]. المسألة العاشرة: إذا تكررت الاوامر، فان اختلف المأمور به، تعدد كقوله: صل
صم. فان تماثلا: فاما أن يصح (فيهما) (5) التزايد أو لا يصح، فان صح: فاما أن يكون
الثاني معطوفا أو لا يكون، فهيهنا ثلاثة أقسام: الاول: أن يصح فيه التزايد ولم يكن
معطوفا، فعند القاضي يفيد غير ما أفاده الاول، الا أن تمنع العادة منه، أو يكون
الثاني معرفا كقولك: اسقني ماءا... اسقني ماءا، فانه لا يتكرر عادة، فكذلك: صل
ركعتين. صل الركعتين لان الظاهر أن الالف واللام للعهد، فإذا تجرد عن العادة
والتعريف تعددا. وتوقف أبو الحسين.
(1) في نسخة فبمجموعهما. (2) في نسخة: عطائه. (3) في بعض النسخ: يقف. (4) النور /
33. (5) في نسخة: فيها. (*)
================
[ 69 ]
لنا: [ انه ] لو حمل الثاني على الاول، لكان الثاني تكرارا أو تأكيدا و كلاهما
خلاف الاصل. الثاني: أن يكون الثاني معطوفا: فان لم يكن معرفا أفاد غير ما أفاده
الاول كقوله: صل ركعتين وصل ركعتين. (وان) (1) كان الثاني معرفا كقوله: صل ركعتين
وصل الركعتين، يجب هيهنا التوقف، لان اللام للعهد، والعطف يقتضي المغايرة، فتعارضا.
الثالث: أن يكون مما لا يصح فيه التزايد: فان كانا عامين أو خاصين اتحدا سواءا كان
بعطف أو بغير عطف، [ و ] أما ان كان أحدهما عاما والاخر خاصا: فان كان الثاني
معطوفا قال القاضي: لايدخل تحت الاول، مراعاة لحكم العطف والاولى التوقف. وان كان
الثاني غير معطوف كقوله: صم كل يوم. صم يوم الجمعة، فان الثاني تأكيد قطعا، وقال
قوم بالتوقف. المسألة الحادية عشر: تعليق الحكم على العدد لا يدل على نفي ما زاد
عليه ولا ما نقص عنه، من حيث اللفظ، بل باعتبار زائد، لان الاعداد مختلفة فلم يجب
اتفاقها في الحكم. احتج الخصم بوجهين: أحدهما: أنه لو لم يدل لم يكن لذكر العدد
فائدة. الثاني: أن النبي صلى الله عليه وآله لما نزل عليه: " ان تستغفر لهم سبعين
مرة فلن يغفر الله لهم " (2) قال صلى الله عليه وآله لازيدن على السبعين، فلولم
يسبق إلى فهمه بأن ما زاد بخلافه، لما قال ذلك. وجواب الاول: انه يدل (بطريق دليل)
(3) الخطاب، وسنبين ضعفه.
(1) في نسخة: فان (2) التوبة / 80. (3) في نسخة: بدليل طريق، (*)
================
[ 70 ]
وعن الثاني: لا نسلم أنه عقل (من) (1) اللفظ، بل لان الاصل جواز الغفران، ونحن
لا نأبى العلم بذلك (بدليل) (2) آخر كما نعلم حظر ما زاد على الثمانين في القذف
بدليل الاصل. المسألة الثانية عشر: الحكم المعلق على الاسم لا يدل على [ نفي ] حكم
ما عداه، سواءا كان خبرا كقوله: زيد في الدار، أو ايجابا كقوله: أكرم زيدا خلافا
لابي بكر الدقاق. لنا: لو صح ذلك لما صح الاخبار عن (الانسان) (3) بشئ الا بعد
العلم بانتفائه عما عداه، وهو باطل. وأيضا: فكان يلزم أن يكفر الانسان بقوله: موسى
رسول الله، لانه يتضمن نفي الرسالة عن غيره. احتج: بأن تعليق الحكم على الاسم يقتضي
فائدة، ولا فائدة الا اختصاصه بالحكم. وجوابه: منع المقدمة الاخيرة. المسألة
الثالثة عشر: تعليق الحكم على الصفة لا يدل على نفيه عما عداها نظرا إلى اللفظ، ولا
يمنع أن (يستدل) (4) على ذلك: بالاصل، أو بدليل آخر خلافا لمعظم أصحاب الشافعي،
وأبي عبد الله البصري. لنا: لو دل لدل اما بلفظه، أو بفحواه ومعناه، والقسمان
باطلان، أما الملازمة فظاهرة، وأما بطلان دلالته بلفظه: فانه ليس في اللفظ ذكر ما
عدا الصفة
(1) في نسخة: عن، (2) في نسخة: من دليل. (3) في نسخة: انسان (4) في نسخة: نستدل (*)
================
[ 71 ]
وأما الفحوى: فلا تدل الا بطريق التعليق واللزوم، ولا لزوم بين تعلق الحكم عند
صفة وانتفائه عند أخرى (فانه) (1) قد ورد معلقا على الصفة وانتفى عن غيرها كقوله: "
في سائمة الغنم زكاة "، وورد لامع انتفائه كقوله: " ولا تقتلوا أولادكم خشية املاق
" (2) فيجعل حقيقة للقدر المشترك بينهما، وهو ثبوته عند الصفة حسب، صونا للكلام عن
الاشتراك والمجاز. احتج الخصم: بانه لوثبت الحكم مع انتفاء الصفة لكان تعليقه على
الصفة عريا عن الفائدة، ويجري مجرى قولك: الانسان الاشقر لا يعلم الغيوب، و: الاسمر
إذا نام لا يبصر. وجواب الاول: منع الملازمة، وهذا لان هيهنا فوائد غير ما ذكروه:
منها: اعلام السامع أن الحكم متناول للصفة، لئلايتوهم خروجها [ عنه ] كقوله مثلا: "
ولا تقتلوا أولادكم.. " الخ، لانه لولا اعتبار الخشية لامكن أن يتوهم أن القتل جائز
معها، فذكر ذلك ليعلم ثبوت التحريم عندها أيضا. ومنها: أن تكون المصلحة تقتضي اعلام
حكم الصفة بالنص، وما عداها بالنظر والفحص. وأما (التمثيل بالاشقر والاسمر فلا نسلم
أن الاستقباح جاء من حيث) ذكرهما (3) بل من حيث هو بيان للواضحات. وأيضا: فما ذكروه
معارض بقولنا: تجوز التضحية بالشاة العوراء فانه
(1) في نسخة كتبت كلمة (الثاني) بدل (فانه) (2) الاسراء / 31 (3) في بعض النسخ:
ذكروا (*)
================
[ 72 ]
لا يدل على نفي (الصحة) (1) عن الصحيحة. الفصل الثاني في المأمور به، وفيه
مسائل: [ المسألة ] الاولى: الامر بالاشياء على طريق التخيير يفيد وجوب الكل على
البدل، وقال قوم: الواجب واحد لا بعينه، وقال آخرون: الواجب واحد، وهو يتعين
باختيار المكلف. ومعنى كون الكل واجبا: أنه لا يجوز الاخلال بجميعها، ولا يجب الجمع
بين اثنين منها، فان كان الخصم يسلم ذلك، فهو وفاق، وان أنكره حصل الخلاف. لنا: لو
كان الواجب معينا لما خير المكلف، والا لكان تخييرابين الواجب وغيره. لا يقال:
يتعين باختيار المكلف. لانا نقول: الوجوب حاصل قبل الاختيار، فالموصوف به قبل
الاختيار اما الكل على البدل، وهو مذهبنا، أو البعض، وذلك ينافي التخيير. وليست
المسألة كثيرة الفائدة. المسألة الثانية: الامر يقتضي الاجزاء [ و ] نعني بذلك:
سقوط التعبد عند الاتيان بالمأمور [ به ] وقال القاضي: ان معنى وصف العبادة بكونها
مجزية: هو أنه لا يجب قضاؤها. وهذا باطل، لان كثيرا من العبادات لا تقضى وان لم تكن
مجزيه كصلاة الجمعة، والعيدين إذا اختل بعض شرائط صحتها. ولان القضاء يمكن تعليله
(1) في بعض النسخ: الاجزاء (*)
================
[ 73 ]
بأن العبادة غير مجزية، والعلة غير المعلول. وانما قلنا ان الامر يقتضى الاجزاء
بهذا التفسير، لان وجوب المأمور به يدل على اختصاصه بالمصلحة، فلو لم يكن الاتيان [
به ] على ذلك الوجه (كافلا) (1) (بتحصيل) (2) المصلحة المطلوبة، لما حصل الامر [ به
]. لا يقال: الحجة التي حصل الوطء فيها يجب اتمامها ولا تجزي. لانا نقول: تجزى في
البراءة من عهدة الامر المتناول للمضي فيها، ولا تجزي في سقوط القضاء. المسألة
الثالثة: الامر بالشئ ليس بنهي عن ضده نطقا. وخالف في ذلك قوم. لنا: أن أهل اللغة
فرقوا بين صيغتي الامر والنهي، والفرق دليل على قطع الشركة. حجة المخالف: ان الامر
بالشئ مريد له، وارادته للشئ كراهية ضده. وجوابه: منع الثانية. وأما من جهة المعنى:
فالامر بالشئ على وجه الوجوب يدل على كراهية تركه وضده (إذا) (3) كان له ضد واحد،
لان الواجب تركه قبيح الا أن هذا ليس من دلالة اللفظ في شئ. المسألة الرابعة: مالا
يتم الواجب الا به: ان لم يتمكن المكلف من تحصيله لم يكن واجبا، وان تمكن: فان توقف
عليه الوجوب لم يجب، وان توقف عليه الواجب لزم وذلك كنصب السلم لصعود السطح.
(1) في نسخة كافيا (2) في نسخة: لتحصيل (3) في نسخة: وان (*)
================
[ 74 ]
لنا: ان الامر مطلق، والشرط مقدور، فيجب، والا لكان التكليف من دونه تكليفا
(بما) (1) لا يطاق. الفصل الثالث في مباحث الامر المؤقت، وفيه مسألتان: المسألة
الاولى: الفعل: اما أن يزيد على الوقت، ولا يجوز التعبد بايقاعه فيه، أو يكون
مساويا [ له ] كصوم يوم معين، وهو جائز اجماعا، أو يقصر عن الوقت كقوله تعالى: "
أقم الصلاة لدلوك الشمس إلى غسق الليل " (2) والاكثرون على جوازه. ومنع بعض الحنفية
ذلك، وقال بعضهم: الوجوب مختص بأول الوقت، وقال آخرون: بآخره، وقال (ابو الحسين)
(3) هو مراعى. لنا: ان الوجوب معلق على الوقت، فيجب أن يكون في كله، والا لكان في
بعضه، وهو ترجيح من غير مرجح، أو لا في شئ منه وهو باطل بالاجماع. حجة المخالف: لو
وجب في أول الوقت لقبح تركه فيه. وجوابه: انا نقول: يترك إلى بدل، وهو العزم عند
قوم، وعند آخرين: هو فعله بعد ذلك، فلا يلزم قبح (تركه) (4)، كخصال الكفارة.
المسألة الثانية: إذا لم يفعل الموسع في أول الوقت، لا يجب العزم، و قال الشيخ ره:
يجب العزم. لنا: لو وجب العزم، لسقط التكليف بالفعل في الثاني، لانه ان قام العزم
(1) في بعض النسخ: لما (2) الاسراء / 78 (3) في بعض النسخ: أبو الحسن (4) في نسخة:
لتركه، (*)
================
[ 75 ]
مقامه، كفى في الاتيان بمقتضى الامر، فلو وجب في الثاني بذلك الامر، لزم أن
يكون الامر للتكرار، وقد أبطلناه. فرعان: الاول: الامر الموقت بزمان معين، لا يقتضى
فعله فيما بعده إذا عصى المكلف بتركه، لان الامر لا يدل على ما عدا ذلك الوقت، لا
بمنطوقه، ولا بمعناه. الفرع الثاني: الامر المطلق اذالم يفعله المكلف في أول وقت
الامكان هل يجب الاتيان به في الثاني ؟ قال من نفى الفور: نعم. واختلف القائلون
بالفور على قولين. احتج مسقطوه: بان قوله: افعل، يجري مجرى قوله: افعل في الان
الثاني من الامر، ولو صرح بذلك، لما وجب الاتيان به فيما بعد، لما سلف. احتج
الموجب: بأن الامر يقتضي كون المأمور فاعلا على الاطلاق، و ذلك يوجب استمرار الامر.
الفصل الرابع في المباحث المتعلقة بالمأمور، وفيه مسألتان: [ المسألة ] الاولى: إذا
تناول الامر جماعة. فاما على سبيل الجمع ويسمى فرض [ عين، كقوله: " أقيموا الصلاة "
(1)، أو لا على سبيل الجمع ويسمى ] [ فرض ] كفاية، والفرض فيه موقوف على العلم، أو
غلبة الظن. فان [ علم أو ] ظن قوم أن غيرهم يقوم به سقط عنهم، وان علموا [ أو ]
ظنوا ان غيرهم لا يقوم به وجب عليهم.
(1) البقرة / 43. (*)
================
[ 76 ]
المسألة الثانية: الكفار مخاطبون بالعبادات، وأنكر ذلك بعض الحنفية. لنا:
وجهان: أحدهما: كل خطاب تناول الناس، تناولهم، كقوله: " يا أيها الناس اعبدوا " (1)
وعارض الكفر لا يصلح معارضا، لانه يمكن ازالته. الثاني: قوله تعالى: " ما سلككم في
سقر قالوا لم نك من المصلين " (2) و قوله: " وويل للمشركين الذين لا يؤتون الزكاة "
(3)، ووجه الدلالة: توجيه الذم إليهم على ترك [ الصلاة و ] الزكاة، والذم لا يتحقق
مع عدم الوجوب. لا يقال: الذم انما توجه بانضمام كونهم مشركين، وبانضام التكذيب
بيوم الدين. لانا نقول: الظاهر (تعلق) (4) الذم بكل واحد من الخصال المذكورة. الفصل
الخامس في مباحث النهي، [ وفيه مسألتان ]: المسألة الاولى: النهي: هو قول القائل
لغيره. لا تفعل، أو (ما جرى) (5) مجراه، على سبيل الاستعلاء، مع كراهية المنهي عنه،
وتقريره ما مر. وهو يقتضي التحريم:
(1) البقرة / 21. (2) المدثر / 42. (3) فصلت / 6، 7. (4) في نسخة: توجه. (5) في
نسخة: أجرى. (*)
================
[ 77 ]
أما أولا: فلان العقلاء يستحسنون ذم من خالف مقتضى النهي، إذا صدر ممن تجب
طاعته. وأما ثانيا: - وهو يخص مناهي النبي صلى الله عليه وآله - (لقوله) (1) تعالى:
" وما نهاكم عنه فانتهوا " (2). المسألة الثانية: النهي يدل على فساد المنهي عنه في
العبادات، لا في المعاملات ونعني بالفساد: عدم ترتب الاحكام، كالاجزاء في العبادات،
وكانتقال الملك في البيع، وحصول البينونة بالطلاق. وانما قلنا ذلك: لان النهي يقتضي
كون ما تناوله مفسدة، والامر يقتضي كونه مصلحة، وأحدهما ضد الاخر، فالاتي (بالمنهي)
(3) [ عنه ] لا يكون آتيا بالمأمور [ به ]، ويلزم عدم خروجه عن عهدة الامر. وأما في
المعاملات: فانه لا يدل، لانه لو دل: [ لدل ] أما بالمطابقة، أو (الالتزام) (4)،
والقسمان باطلان، أما المطابقة فظاهر. وأما الالتزام: فلعدم اللزوم بين النهي و [
بين ] الفساد، لانه لو صرح (بالنهي) (5) وأخبر بأن المخالفة ليست مفسدة، لم يتناف،
وذلك يدل على عدم اللزوم. احتج: بقوله عليه السلام: " من أدخل في ديننا ما ليس منه
فهو رد ".
(1) في نسخة: فقوله. (2) الحشر / 7. (3) في نسخة: بالنهي. (4) في نسخة: بالالتزام.
(5) في نسخة: بالمنهى. (*)
================
[ 78 ]
وأيضا: فان الصحابة كانت تحكم بفساد الحكم عند سماع النهي عنه. وجواب الاول: لا
نسلم أنه ادخل في الدين ما ليس منه، وانما يكون ذلك باعتقاد كونه من الدين، وأما
(أحكامه) (1) فلا نسلم انها ليست من الدين. وجواب الثاني: سلمنا أن الصحابة حكمت
عنده، لكن لابه، يدل على ذلك حكمها في موضع آخر بالصحة مع سماع النهي، كالنهي عن
بيع حاضر لباد، وتلقي الركبان.
(1) في نسخة: الاحكام. (*)
================
[ 79 ]
الباب الثالث في العموم والخصوص وفيه فصول:
================
[ 81 ]
[ الفصل ] الاول في مباحث الالفاظ العامة وفيه مسائل: المسألة الاولى: العام
(1) [ و ] هو المستغرق لجميع ما يصلح له إذا أفاد في الكل فائدة واحدة. وزاد قاضي
القضاة: في أصل اللغة من غير زيادة. و احترز به (من) (2) التثنية والجمع المنكر.
ووصف ما ليس بلفظ - بالعموم - مجاز، لعدم الاطراد، لانه (لا يقال): (3) (عمهم) (4)
الاكل كما يقال: عمهم المطر. وأيضا: فان العموم يقتضي كون المعنى حاصلا بجملته لكل
واحد، وذلك غير حاصل في قولهم: عمهم المطر وقال قوم: هو مشترك بين المعاني
والالفاظ، وذلك غير بعيد. المسألة الثانية: في اللغة ألفاظ موضوعة للعموم، وهو
اختيار الشيخ رحمه الله. وقال المرتضى: هي مشتركة كلها بين العموم والخصوص، نظرا
(1) في بعض النسخ: في الكلام العام (2) في نسخة: عن (3) في نسخة: لا قايل (4) في
نسخة: عموم (*)
================
[ 82 ]
إلى الوضع لا إلى الشرع. وقال قوم: هي حقيقة في الخصوص، مجاز في العموم. وتوقف
آخرون. لنا: (لو كانت) (1) " كل " و " جميع " - مثلا للعموم والخصوص - على الاشتراك
- لكان القائل: رأيت الناس كلهم أجمعين، مؤكدا للاشتباه، وذلك باطل. بيان الملازمة:
أن لفظة " كل " و " أجمعين " - عند الخصم - مشتركة على سبيل الحقيقة، واللفظ الدال
على شئ يتأكد بتكريره، فيلزم أن يكون الالتباس (مؤكدا) (2) عند تكريره. وأما بطلان
اللازم: فلانا نعلم ضرورة من (تعاضد) (3) أهل اللغة ازالة الاشتباه بتكرير هذه
الالفاظ. الوجه الثاني: لاشك أن قول القائل: ضربت كل الناس، يناقضه: لم أضرب كل
الناس، فلو لم يكن الاول مستغرقا للكل، لم يكن (للثاني) (4) نقيضا. الوجه الثالث:
ان ألفاظ العموم يصح الاستثناء فيها، والاستثناء دلالة التناول لوجهين: أحدهما:
النقل. والثاني أنه مشتق من (الثني) وهو: المنع والصرف. وإذا كان للاخراج، فلو لم
يتناول اللفظ [ الاول ] ذلك المخرج، لما كان اخراجا. احتج الاخرون بوجوه: أحدها: لو
كانت للاستغراق، لعلم ذلك اما بالبديهة، أو بالمشافهة، أو
(1) في نسخة: لو كان (2) في بعض النسخ: متأكدا (3) في نسخة: مقاصد (4) في نسخة:
الثاني (*)
================
[ 83 ]
بالتواتر، أو بالاحاد، والثلاثة الاول باطلة، لانها لو كانت (حقا) (1) لاستوينا
فيها والاحاد ليست طرقا إلى العلم. الوجه الثاني: ألفاظ العموم مستعملة في العموم
والخصوص، فتجعل حقيقة فيهما. الوجه الثالث: لو كانت للاستغراق، لسبق إلى الفهم عند
سماع لفظه. وجواب الاول: انه معلوم بطرق مركبة من العقل والنقل المتواتر، وهو [ ما
] بيناه من الوجوه. ثم نقول: ان زعمتم أنه للخصوص فالحجة مقلوبة عليكم. [ وان قلتم
بالاشتراك، فالحجة عليكم ] لا لكم. وجواب الثاني: لا نسلم أن الاستعمال دلالة على
الحقيقة، والا لكان استعمال البحر في الكريم كذلك. سلمنا [ ه ]، لكن: ان زعمتم أنها
تستعمل في الخصوص حقيقة، فهو موضع الخلاف. وان قلتم: تستعمل فيه بغير قرينة، [
فيكون حقيقة. قلنا: هذا باطل، لان المشترك لا يستعمل في أحد معنييه الا بقرينة ].
وجواب الثالث: منع وجوب سبق الذهن إلى فائدة اللفظ، (فانه) (2) ليس كل معلوم يعلم
بأول وهلة. سلمنا، (لكن منعنا من) (3) الالفاظ ما هو كذلك كلفظة (كل) وجميع. فوائد
ثلاث: الاولى: (من) و (ما) إذا كانتا معرفتين بمعنى (الذي)، لاتعمان، وان
(1) في نسخة: حقة (2) في نسخة: وانه (3) في نسخة: لكن معناه من، وفى اخرى: منعنا عن
(*)
================
[ 84 ]
وقعتا للمجازاة أو الاستفهام، عمتا، (إذ لو كانتا) (1) مشتركتين، لوجب أن يتوقف
سامع: " من دخل داري أكرمته " على استفهام مستحق الاكرام، وعدم التوقف دلالة على
الاستغراق. وأيضا: فانه يجوز الاستثناء منهما، وجواز الاستثناء دلالة على التناول،
وتقريره ما مر. وكذلك، " متى ": تفيد الاستغراق في الازمته. و " أين ": في الامكنة،
و تقريره ما ذكرناه. الثانية: " كل " و " جميع " تفيدان الاستغراق، للتأكيد كانتا
أو لغيره، و تقريره ما مر. ونزيد هنا: ان الجزء نقيض الكل، فلو لم يكن الكل مستغرقا
لما كان الجزء نقيضه. الثالثة: النكرة (في سياق النفي) (2) تعم (جمعا) (3) وفي
الاثبات بدلا، لوجهين: أحدهما: ان قولك: أكلت شيئا، يناقضه: ما أكلت شيئا، فلو لم
تكن الثانية عامة، لم تحصل المناقضة. الثاني: لو لم تكن للعموم، لما كان قولنا: "
لا اله الا الله " توحيدا. المسألة الثالثة: الجمع المعرف باللام - مشتقا كان أو
غير مشتق - ان كان معهودا انصرف إليه، والا فهو للاستغراق، خلافا لابي هاشم. لنا:
أنه يؤكد بما يقتضي العموم في قولك: قام القوم كلهم، ورأيت المشركين كلهم، فلو لم
يكن الاول للاستغراق، لما كان الثاني تأكيدا. الثاني: ان قوله: رأيت رجالا، يفيد
الجمع، فإذا دخلت اللام، فان
(1) في نسخة: إذا كانتا (2) في نسخة: في سياق النفى منفية (3) في نسخة: جميعا (*)
================
[ 85 ]
(أفادت) (1) الجمع أيضا لم يكن ثمة فائدة، فلابد من افادة الاستغراق، والا
لتجردت اللام عن تجديد فائدة. حجة المخالف وجهان: أحدهما ان قولهم: [ جمع ] الامير
الصاغة، لا يعقل أنه جمع كل صائغ. الثاني: لو كان اللام - في صورة النزاع -
للاستغراق، لكان في العهد مجازا. وجواب الاول: (ان ذلك) (2) علم بقرينة تعذر جمع
صاغة الدنيا، و يلزمهم تجويز: " جميع صاغة الدنيا " لانهم [ لا ] يدفعون [ عنه ]
الجواز (3). وجواب الثاني: أن اللام تقتضي التعريف، وهو القدر المشترك بين العهد
والاستغراق، فان كان (ثمة) (4) عهد انصرف إليه، والا انصرف إلى الاستغراق، لان
المخاطبين به أعرف بما ليس بمعهود. فائدة: الجمع المضاف، كقولك: عبيدي، وعبيد زيد،
للاستغراق، والحجة عليه: جواز الاستثناء، وتقريره ما مر.
(1) في نسخة: أفاد (2) في نسخة: انه علم (3) من قوله: جميع - إلى آخر هذا السطر،
كان مشوشا في النسخ، وصححناه باعتبار المعنى، ففى نسخة مكتبة الفيضية: جيمع صاغة
الدنيا لانهم لا يدفعون غير الجواز، وفى سائر النسخ: جمع، ويرفعون الجواز (4) في
نسخة: ثم (*)
================
[ 86 ]
الفصل الثاني فيما الحق بالعموم وفيه مسائل: [ المسألة ] الاولى: الاسم المفرد
(إذا دخل) (1) عليه لام التعريف، أفاد الجنس لا الاستغراق، مشتقا كان أو غير مشتق،
وقال الشيخ ره: يعم. لنا وجهان: الاول: لو دل على الاستغراق، لاكد بمؤكدات
الاستغراق، نحو (كل) و (جميع)، وذلك باطل، لانك لا تقول: رأيت الانسان كلهم، ولا:
جاءني الكريم أجمعون. الثاني: لو استغرق، لصح الاستثناء منه مطردا، (والا) (2) فلا،
أما الملازمة فظاهرة، واما بطلان اللازم: فلانك لا تقول: جاءني الرجل الا الطوال،
ولا: رأيت العالم الا النحاة. احتج الخصم بوجهين: أحدهما: انه يجوز وصفه بالجمع،
كما يقال: أهلك الناس الدرهم البيض، والدينار الصفر. الثاني: يصح الاستثناء منه،
كقوله [ تعالى ]: " ان الانسان لفي خسر الا الذين آمنوا " (3). والجواب عنهما: أن
ذلك مجاز، لعدم الاطراد، فانك لا تقول: جاءني
(1) في نسخة: لو أدخل (2) في نسخة: ولا (3) العصر / 2 (*)
================
[ 87 ]
الرجل القضاة، ولا: العالم الا الفقهاء، ولو قيل: إذا لم يكن (ثمة) (1) [ له ]
معهود وصدر من حكيم، فان قرينة حاله تدل على الاستغراق، لم ينكر ذلك. المسألة
الثانية: الجمع المنكر لا يدل على الاستغراق، وحمله الشيخ ره على الاستغراق من جهة
الحكمة، وهو اختيار الجبائي. لنا: انه وضع للدلالة على الجمع، لانه يفسر بالقلة
والكثرة، فيجب ان لا يحمل على أحدهما الا لدلالة، [ ظاهرة ] [ لكن أقل الجمع من
ضروريات محتملاته، فيجب أن يقتصر عليه، الا لدلالة زائدة ]. احتج الجبائي: بأن حمل
اللفظ على الاستغراق، حمل له على جميع حقائقه، فكان أولى. واحتج الشيخ ره: بأن هذه
اللفظة إذا دلت على القلة والكثرة، وصدرت من حكيم، فلو أراد القلة لبينها، وحيث
لاقرينة، وجب حمله على الكل. وجواب الاول: لا نسلم أن اللفظ موضوع لهما (2) حقيقة،
بل موضوع لمطلق الجمع، لا للقلة من حيث هي قلة، ولا للكثرة من حيث هي كذلك، والدال
على الكلي غير دال على الجزئي، سلمنا أنه حقيقة فيهما، لكن يجب التوقف الا لقرينة،
والقرينة موجودة مع أقل الجمع، لانه مراد قطعا، ثم نقول: (لم) (3) زعمتم انه يجب
حمله على جميع حقائقه ؟ لابد لهذا من دليل. وجواب الثاني: لا نسلم تجرده من
القرينة، وقد بينا وجود ها، سلمنا انه لاقرينة، ولكن لو أراد الكل لبينه أيضا.
(1) وفى نسخة: ثم (2) في نسخة: لها (3) في نسخة: ان (*)
================
[ 88 ]
فائدتان الاولى: الجمع في الاشتقاق: ضم الشئ إلى الشئ، فمعناه موجود في الاثنين
فصاعدا، وفي العرف: يفيد الفاظا مخصوصة، ولفظ الجمع كقولنا: رجال، يفيد الثلاثة فما
زاد، وقيل: يقع على الاثنين أيضا. لنا: فرق أهل اللغة بين ألفاظ التثنية والجمع.
الثاني: [ ان ] الفاظ الجمع توصف بالثلاثة فما زاد، فيقال: رجال ثلاثة، ولا يقال:
رجال اثنان. الفائدة الثانية: ضمير الجماعة يبنى على ما يعود إليه، فان كان مستغرقا
كان كذلك والا فهو خاص. المسألة الثالثة: نفي المساواة [ بين الشيئين، لا يقتضى
عموم نفي المساواة ] خلافا لبعض الشافعية. لنا: ان المساواة (تفيد) (1) الاستواء في
جميع الصفات، فنفي المساواة نفي لذلك المجموع، ونفي المجموع من حيث هو كذلك يحصل
بنفي بعضه فلا يلزم نفي المساواة من كل وجه. المسألة الرابعة: إذا اجتمع المذكر
والمؤنث في لفظ غلب التذكير فان ورد مجردا عن القرينة الدالة على المراد به، هل
يحمل على الذكرين منفردين ؟ قال قوم: نعم. وحمله الشيخ ره عليهما. حجة الاولين: ان
(قاموا) مثلا يفيد تضعيف فائدة (قام)، وهو للمذكر خاصة، فكذلك تضعيفه. حجة الشيخ
ره: نص أهل اللغة: أن مع اجتماعهما يغلب لفظ التذكير.
(1) في بعض النسخ: تقتضي (*)
================
[ 89 ]
الفصل الثالث في المباحث المتعلقة بالخصوص، وفيه مسائل: المسألة الاولى: وصف
الكلام بانه خصوص وخاص، يفيد أنه وضع لشئ واحد. ووصف الكلام بانه مخصوص: هو انه قصر
على بعض فائدته. وقولهم: خص فلان العموم، يستعمل بالحقيقة على انه جعله خاصا، ولا
يجعله كذلك الا إذا استعمله في بعض فائدته، والتخصيص: مادل على أن المراد باللفظ
بعض ما تناوله. فائدة الفرق بين النسخ والتخصيص من وجوه: الاول: ان التخصيص لا يصح
الا في الالفاظ، والنسخ: قد يكون لما علم بدليل شرعي لفظا كان أو غيره. الثاني:
التخصيص يؤذن بأن المخصوص غير مراد من اللفظ عند الخطاب، والنسخ يؤذن ان المنسوخ
مراد عند الخطاب. الثالث: ان النسخ يدخل على (عين) (1) واحدة، والتخصيص بخلاف ذلك.
الرابع: التخصيص قد يكون بدلالة العقل والاستثناء وأخبار الاحاد، والنسخ لا يقع
بذلك. الخامس: التخصيص مقارن، والنسخ متراخ.
(1) في نسخة: غير (*)
================
[ 90 ]
المسألة الثانية: يجوز أن يستعمل الله تعالى العام في الخصوص، أما الامكان: فلا
أن أهل اللغة تجوزوا بمثل ذلك في كلامهم، وقد بينا أن المجاز جائز الحصول في خطابه
تعالى. وأما الوقوع فظاهر في القرآن والاحاديث لا يقال: الحكمة تمنع من ذلك، لانه
يوهم الكذب. لانا نقول: متى ؟ إذا تجرد عن القرينة أم لا (1)، ونحن لا نجيزه الا مع
القرينة. المسألة الثالثة: يجوز تخصيص الفاظ العموم حتى يبقى واحد، وهو اختيار
الشيخ ره ومذهب القفال، وقيل: حتى يبقى ثلاثة، ومنهم من فصل بين لفظ الجمع وغيره من
الالفاظ، وقال أبو الحسين: حتى يبقى كثرة، الا على سبيل التعظيم، وهو الاظهر، لانا
نعلم قبح قول القائل: [ أكلت ] كل ما (في البستان) (2) من الرمان - وفيها ألف وقد
أكل واحدة، وكذلك يقبح: أخذت كل ما في الصندوق من الذهب - وفيه ألف - وقد أخذ
دينارا. المسألة الرابعة: يجوز تخصيص العام بالشرط، والغاية، والصفة، و الاستثناء،
ودلالة العقل، والكتاب، والاجماع، والسنة متواترة كانت أو آحادا. فالشرط هو: ما يقف
عليه الحكم، وهو ضربان: مؤكد، كقوله: قم ان استطعت، ومبين، كقوله: اكرمه ان فعل.
وله صدر الكلام تقدم أو تأخر. ولا يدخل [ الا ] على المتوقع لفظا أو تقديرا، ولا
يدخل على الماضي والحاضر، و لا يمتنع كون الشئ شرطا لاشياء كثيرة، [ كما يكون للشئ
الواحد شروط كثيرة ].
(1) ورد في نسخة اضافة كلمة (ممنوع) وفى اخرى وردت مكانها كلمة (عن) وفى ثالثة هكذا
(م ع)، وما اثبتاه في المتن مطابق لنسخة المكتبة الفيضية (2) في بعض النسخ: بالسلة
(*)
================
[ 91 ]
والغاية: كقوله: " ولا تقربوهن حتى يطهرن " (1) وقد اختلف فيما بعد الغاية،
والاظهر انتفاء الحكم السابق معها. والصفة: تخص العام، وتقيد المطلق، أما العام
فكقولك، اكرم الرجال الطوال. ولنضع للمطلق مسألة على حيالها: المسألة الخامسة: في
المطلق والمقيد. والمطلق: هو الدال [ على الماهية والمقيد: هو الدال ] عليها مع
صفة. مثال الاول: قوله تعالى: " فتحرير رقبة " [ ومثال الثاني قوله: " فتحرير رقبة
] مؤمنة " (2) فإذا وردا، فاما أن يكون بينهما تعلق، ويجب تنزيل المطلق على المقيد.
واما أن لا يكون بينهما تعلق: فان كان (حكماهما) (3) مختلفين، كان المطلق على
اطلاقه، كأن يأمر بالصلاة، ثم يأمر بالصيام (متتابعا) (4) وان كان حكمهما متفقا،
وكان سببهما واحدا، و علم [ أن ] المراد بأحدهما هو الاخر، كان المطلق مقيدا بتلك
الصفة، لان المأمور به واحد، والتقييد يقتضي اشتراطه، فلولم يقيد المطلق به لكان
غيره وان لم يعلم ان المراد بأحدهما هو الاخر، كان المطلق على اطلاقه، والمقيد على
تقييده، وتغايرا. وان كان سببهما مختلفا، بقى المطلق على اطلاقه، ولا يجب تقييده
بالصفة الا لدلالة. خلافا لبعض الشافعية. لنا: ان الامر على الاطلاق لسبب معين، لا
ينافي التقييد لسبب آخر، وإذا لم يتنافيا لم يجب تنزيل أحدهما على الاخر، ولا
تقييده به.
(1) البقرة / 222 (2) المجادلة / 3، والنساء / 92 (3) في نسخة: حكمهما (4) في نسخة:
فتتابعا (*)
================
[ 92 ]
احتجوا: بأن القرآن كالكلمة الواحدة. وجوابه: أن اردتم في عدم التناقض فمسلم.
وان أردتم في وجوب تنزيل المطلق على المقيد فممنوع. الفصل [ الرابع ] في مباحث
الاستثناء، [ وفيه مسائل ]: [ المسألة ] الاولى: الاستثناء (يخرج من) (1) الكلام ما
لولاه لوجب دخوله تحته، ولا تكفي الصلاحية، وهو اختيار أبى جعفر ره، لوجهين:
أحدهما: لو كفت الصلاحية لصح: (رأيت رجلا الا زيدا [ أ ] و: رأيت رجالا الا زيدا)
لان الصلاحية موجودة. [ و ] الثاني: يصح الاستثناء من الاعداد، ولولاه لوجب دخوله،
فيجب في الكل، صونا للفظ الاستثناء عن الاشتراك. والوجهان ضعيفان: اما الاول: (فحيث
انه لازم له) أيضا، (2) لانه يقول النكرة يجب أن تعم بدلا، ولو كفى الوجوب، لجاز
الاستثناء حيث ذكر. فان أجاب: بأن الوجوب مشروط بالشمول، كان لخصمه [ منع ] ذلك.
وأما الثاني: فنقول: لا نسلم صحة الاستثناء في الاعداد لخصوص الوجوب، بل لعموم
الصلاحية. واستدل بعض الاصولية لذلك بأنه: لو كفت الصلاحية لتساوي قولنا:
(1) في بعض النسخ: مخرج عن، وفى نسخة: من (2) في بعض النسخ: فحسنه لازم (*)
================
[ 93 ]
اضرب (رجلا) (1) الا زيدا [ أ ] و: الرجال الا زيدا، وعدم التساوي دليل على أن
الاستثناء لا يكون حقيقة الا في (موضع) (2) الوجوب. المسألة الثانية: شرط كون
الاستثناء مخصصا، كونه متصلا أو متراخيا بما جرت العادة بأن المتكلم (لم يستوف) (3)
غرضه. ولا يجوز تراخيه عن ذلك، خلافا لما حكي عن ابن عباس. ولا نزاع في الجواز
عقلا، بل وضعا، فان أهل اللغة يستقبحون قول القائل: اضرب الرجال، ثم يقول بعد سنة:
الا زيدا بمعنى: أنهم لا يعدون ذلك استثناءا، فمستعمله اذن خارج عن عرف أهل اللغة.
وجاء في شواذ أخبارنا جواز استثناء المشيئة في اليمين إلى أربعين يوما، وليس
بمعتمد. المسألة الثالثة: الاستثناء من غير الجنس مجاز، لان الاستثناء (اخراج) (4)
ما لولاه لتناوله اللفظ، وليس كذلك صورة النزاع. وهو واقع وضعا كقوله:... وما
بالربع من أحد الا أواري وشرعا كقوله تعالى: " فسجد الملائكة كلهم أجمعون الا ابليس
" (5). فائدة اختلفوا في جواز استثناء أكثر الشئ، فمنعه قوم، والاكثرون على جوازه.
(1) في بعض النسخ: رجالا (2) في نسخة: موضوع (3) في نسخة: لايوف (4) في بعض النسخ:
لاخراج (5) الحجر / 30 (*)
================
[ 94 ]
والظاهر: أن الكثرة قد تنتهي إلى حد [ يقبح استثناؤها، فانه ] يقبح عادة أن
يقال له: عندي مئة الا تسعة وتسعين درهما ونصفا، وهذا ظاهر. المسألة الرابعة:
الاستثناء إذا تعقب جملا معطوفة، ولم يكن الثاني اضرابا، قال الشيخ أبو جعفر ره
يرجع إلى جميعها. وقال السيد المرتضى: يرجع إلى الاخير قطعا، وتوقف في رجوعه إلى
الاول الا لدلالة. احتج الشيخ ره بوجهين: الاول: إذا تعقب الشرط جملا، (يرجع) (1)
إلى الكل، فكذلك الاستثناء والجامع كون كل واحد منهما لا يستقل بنفسه. الثاني: ان
حرف العطف يصير الجمل المعطوفة في حكم الجملة الواحدة إذ لا فرق بين قولك: رأيت زيد
بن عمرو، وزيد بن خالد، وبين قولك: رأيت الزيدين، فيجب رجوع الاستثناء اليهما. احتج
المرتضى ره بوجهين: أحدهما: حسن استفهام المستثني عقيبهما عن كل واحد منهما
والاستفهام دلالة الاشتراك: الثاني: وجدنا الاستثناء تارة يعود (اليهما)، (2) وتارة
إلى الاخيرة، فيجعل (مشتركة) (3) (لان) (4) الاصل في الاستعمال الحقيقة. المسألة
الخامسة: إذا تعقب الاستثناء استثناءا آخر: فان كان معطوفا كانا عائدين إلى الاول.
وان لم يكن معطوفا: فان كان الاستثناء الثاني مثل الاستثناء
(1) في نسخة: رجع (2) في نسخة: إليها (3) في نسخة: مشترك (4) في نسخة: الا أن (*)
================
[ 95 ]
الاول فصاعدا، رجع إلى المستثنى منه أيضا. وان كان دونه، رجع إلى الاستثناء،
وقيل: يرجع إلى المستثنى منه، والاول أظهر. الفصل الخامس في بقية المخصصات، (وفيه
مسائل): المسألة الاولى: العام يخص بالدليل العقلي، لانا نخرج الصبي والمجنون من
قوله تعالى: " يا أيها الناس اعبدوا ربكم " (1) هذا في حال كونهما كذلك وان كانا
عند البلوغ [ والعقل ] مخاطبين بالعبادة بتلك العبارة. احتج المانع: بان المخصص
مقارن، ودليل العقل متقدم. وجوابه: لا نسلم اشتراط المقارنة في كل مخصص. المسألة
الثانية: تخصيص الكتاب بالكتاب جائز، كقوله تعالى: " فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب
الرقاب " (2) ثم قال في موضع آخر: " حتى يعطوا الجزية عن يد " (3). وكذلك تخصيص
الكتاب بالسنة قولا، كتخصيص آية المواريث (4) بقوله عليه السلام: " القاتل لا يرث
"، وفعلا، كتخصيص آية الجلد (5) برجمه عليه السلام ماعزا.
(1) البقرة / 21 (2) محمد / 4 (3) التوبة / 29 (4) وهى قوله تعالى: " يوصيكم الله
في أولادكم للذكر مثل حظ الانثيين، الى قوله تعالى وصية من الله والله عليم حليم "
النساء / 11، 12 (5) وهى قوله تعالى: " الزانية والزانى فاجلدوا كل واحد منهما مئة
جلدة " الخ الاية. النور / 2 (*)
================
[ 96 ]
وبالاجماع، كالتسوية بين العبد والامة في تنصيف الحد، تخصيصا لاية الجلد. وأما
تخصيص السنة بالسنة، فقد أنكره قوم والاصح جوازه. المسألة الثالثة: يجوز تخصيص
العموم المقطوع به بخبر الواحد وأنكر ذلك الشيخ أبو جعفر ره سواءا كان العموم
مخصوصا أو لم يكن، وهو اختيار جماعة من المتكلمين. ومن الاصولية من فصل. احتج
المجيز: بانهما دليلان تعارضا، فيجب العمل بالخاص منهما، لبطلان ما عداه من
الاقسام. احتج المانع: بأن العموم المقطوع يوجب العلم، والخبر يوجب الظن، ولايجوز
ترك المعلوم للمظنون. أجاب الاولون: بأن ما ذكرته منقوض بالبراءة الاصلية، فانها
تترك بالخبر وأيضا: فان تناول العموم لموارده مظنون، وان كان مقطوع النقل، والخبر
وان كان مظنون النقل فتناوله (لما يتناوله) (1) والعمل به مقطوع، فتساويا في القطع
والظن. والاولى التوقف. ونجيب عن الاول: بأنا لا نسلم أن خبر الواحد دليل على
الاطلاق، لان الدلالة على العمل به الاجماع على استعماله فيما لا يوجد عليه دلالة،
فإذا وجدت الدلالة القرآنية سقط وجوب العمل به، وما يدعونه من الاخبار التي حكم
بتخصيص العموم بها، عنه جوابان، عام، وخاص: فالعام أن نقول: أحصل الاجماع على
التخصيص ؟ فان قالوا: لا، سقط الاستدلال، وان قالوا: نعم، قلنا: لا نسلم أنه حصل
التخصيص بها، بل بالاجماع فان قالوا: لا بد للاجماع من مستند، قلنا: نعم، لكن لا
نسلم أن المستند هو
(1) في نسخة: لما تناوله (*)
================
[ 97 ]
ما ذكرتم. الثاني: (انا) (1) نعارضهم بأخبار مثلها، فإذا استدلوا بخبر أبي
هريرة في تحريم نكاح المرأة على عمتها وخالتها، ورجوع الصحابة إلى ذلك، عارضنا [ هم
] بخبر فاطمة بنت قيس المتضمن لسقوط نفقة المبتوتة وسكناها، فان عمر طرحه وعمل
بالاية. الفصل السادس في العام المخصوص، وفيه مسائل: المسألة الاولى: العام إذا خص
صار مجازا، سواء خص بدليل متصل أو منفصل، وهو اختيار أبي جعفر ره، وجعله قوم حقيقة
على الاطلاق. ومنهم من فصل. لنا: ان العموم حقيقة في الاستغراق، فإذا أريد به
الخصوص كان مجازا لانه استعمال له في غير موضوعه لا يقال: العام مع القرينة حقيقة
في الخصوص لانا نقول: ذلك يسد باب المجاز، فان المجاز لا ينفك عند استعماله (عن)
(2) القرينة. المسألة الثانية: يجوز التمسك بالعام المخصوص - إذا لم يكن التخصيص
مجملا - مطلقا. ومنهم من فصل. لنا: ان اللفظ متناول لما عدا المخصوص، فيجب استعماله
فيه. وانما قلنا أنه متناول له لانا بينا أن الفاظ العموم حقيقة في استغراق الكل،
ولا معنى للكل سوى مجموع الاحاد، والتخصيص لا يمنع التناول، والا لدار.
(1) في نسخة: أن (2) في بعض النسخ: من (*)
================
[ 98 ]
احتج ابن أبان بوجهين: أحدهما: ان العام لما عرض له التخصيص، صار مجازا، فلم
يجز التعلق به. [ و ] الثاني: ان اخراج البعض المعين، يجرى مجرى قوله: لم أرد الكل
ولو قال ذلك، لمنع من التعلق بظاهره، فكذلك ما جرى مجراه. وجواب الاول: سلمنا أنه
مجاز بالنظر إلى تناول الكل، لكن لا نسلم أنه مجاز في تناول الباقي، فانا [ قد ]
بينا انه متناول له في أصل الوضع، سمي مجازا أو لم يسم. وجواب الثاني: انه قياس من
غير جامع، والفرق بينهما: عدم امكان الوصول إلى المراد في الاولى، وامكان الوصول
إليه في الثانية. المسألة الثالثة: إذا ورد عام وخاص متنافيي الظاهر - كقوله عليه
السلام: " في الرقة (1) ربع العشر " وقوله: " ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة
" - فاما أن يعلم تاريخهما أو يجهل فان علم: فأما أن يعلم اقترانهما، أو تقدم
العام، أو تأخره، (فههنا) (2) أربعة مباحث: الاول: إذا علم اقترانهما، بني العام
على الخاص بلا خلاف. الثاني: إذا تقدم العام وتأخر الخاص: فان كان ورد بعد حضور وقت
العمل بالعام، فانه يكون نسخا، وان كان قبله، كان تخصيصا للعام عند من يجيز تأخير
بيان العام. الثالث: إذا كان الخاص متقدما، والعام متأخرا، فعند الشيخ أبي جعفر ره
يكون العام ناسخا، لانه لا يجيز تأخير البيان. وقال الاكثرون: ان العام يبنى على
الخاص، وهو الاظهر. لنا: دليلان تعارضا، فلو عمل بهما لتناقضا، ولو عمل بالعام
لالغي الخاص فيجب العمل بالخاص صونا لهما عن الالغاء.
(1) في نسخة: فهنا (2) في نسخة: الورق (*)
================
[ 99 ]
الرابع: إذا جهل التأريخ (فيهما) (1) فالذي يجئ على ما اخترناه ان يبنى العام
على الخاص، وتوقف بعض الحنفية. لنا: اما أن يكون مقارنا، أو متقدما، أو متأخرا،
وعلى التقديرات الثلاثة، وجب بناء العام عليه على ما قلناه، فكذلك في صورة الجهالة،
لانه لا يعدو أحد الاقسام. الفصل السابع فيما ألحق بالمخصصات، [ وفيه مسائل ]:
المسألة الاولى: الخطاب العام الوارد على السبب الخاص: اما أن يكون مستقلا بنفسه،
واما أن لا يستقل، فان لم يستقل، كان مقصورا على سببه، كقول النبي صلى الله عليه
واله - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر - " أينقص إذا يبس، فقيل: نعم فقال: لا اذن "،
وان كان مستقلا: فان كان عاما في غير ما سئل، فلا شك في عمومه، كقوله عليه السلام -
وقد سئل عن ماء البحر - فقال: " هو الطهور ماؤه، الحل ميتته ". وان كان أعم منه في
ذلك الحكم، لم يقصر العام على السبب الخاص، وهو اختيار أبي جعفر ره، وصار جماعة إلى
قصره عليه. لنا: ان المقتضى للعموم موجود، والعارض لا يصلح معارضا، أما وجود
المقتضي فما بيناه من كون الصيغة حقيقة في العموم، وأما فقدان العارض فلان المانع
هو ما يذكره المخالف، وسنبطله انشاء الله تعالى. احتجوا: بأن الخطاب لو كان عاما
لكان ابتداءا وجوابا، وذلك (يتنافى) (2)
(1) في بعض النسخ: بينهما (2) في نسخة: متناف، وفى أخرى: لتنافى مابين الخ، (*)
================
[ 100 ]
لما بين الجواب والابتداء من التفاوت، وأيضا: فان من حق الجواب مطابقة السؤال،
وذلك انما يكون بالمساواة وجواب الاول: لا نسلم التنافي بين الجواب والابتداء، كما
لو صرح بذلك. وعن الثاني: لا نسلم انحصار المطابقة في المساواة، بل بمعنى انتظام
الجواب (مع) (1) السؤال، وهو موجود. المسألة الثانية: إذا تعقب العام صفة أو
استثناء أو حكم، وكان ذلك لا يتأتى في جميع ما يتناوله العموم بل في بعضه، قال قوم
يقصر العموم عليه، و انكره القاضي، وهو مذهب الشيخ أبي جعفر ره، والاولى التوقف،
لان صيغة العموم للاستغراق، وظاهر الكناية الرجوع الى ما ذكر، فيجب التعارض لعدم
الترجيح. لا يقال: التمسك بالعموم أولى، لانه ظاهر. لانا نمنع الاولوية، ولعل
الكناية أولى. المسألة الثالثة: إذا عطف على العام، وكان في المعطوف اضمار مخصوص
قال القاضى لا يجب اضمار مثله في المعطوف عليه، كقوله عليه السلام: " لا يقتل مؤمن
بكافر، ولا ذو عهد (في عهده) " (2) (وفي) (3) الثاني اضمار مخصوص وهو (بكافر حربي)،
لان ذا العهد يقتل بالذمي بلا خلاف. والاولى التوقف، لان العطف يقتضي الاشتراك،
خصوصا في عطف المفرد، وصيغة العموم تقتضي الاستغراق، وليس أحدهما أولى من الاخر.
(1) في بعض النسخ: لجميع. (2) في بعض النسخ: بعهده. (3) في نسخة: ففى.
================
[ 101 ]
المسألة الرابعة: لا يجوز تخصيص العموم بمذهب الراوي، لان المقتضي للعموم
موجود، وهو الصيغة الموضوعة للاستغراق، وعدول الراوى يجوز أن يكون عن امارة أو نظر
فاسد. لا يقال: لو لم يعلم (من شاهد حال) (1) النبي صلى الله عليه وآله التخصيص،
لبين وجه العدول. لانا نقول: لا نسلم وجوب اظهار الوجه الا عند المطالبة، فلعلها لم
تحصل. سلمنا حصولها، لكن لم تنقل، لان نقلها ليس واجبا على السامع. المسألة
الخامسة: ذكر بعض ما (يتناوله) (2) العام لا يخص العموم، خلافا لابي ثور، لان
التخصيص مشروط بالتنافي، ولا تنافي، وكذلك قصد المتكلم بخطابه إلى المدح والذم لا
يمنع [ من ] كونه عاما خلافا لبعض الشافعية، لان قصد المتكلم ذلك لا ينافي صيغة
العموم - لا وضعا ولا عادة - لصحة الجمع بينهما.
(1) في نسخة: شاهد من حال. (2) في نسخة: تناوله. (*)
================
[ 103 ]
الباب الرابع في المجمل والمبين وفيه فصول:
================
[ 105 ]
الفصل الاول في تفسير ألفاظ يحتاج إليها في هذا الباب المجمل: قد يراد به ما
أفاد جملة من الاشياء، من قولهم (1): أجملت الحساب [ و ] في الاصطلاح: هو ما أفاد
شيئا من جملة أشياء، هو معين في نفسه، واللفظ لا يعينه. والبيان في العرف: هو كلام
أو فعل دال على المراد بخطاب لا يستقل بنفسه في معرفة المراد. والمبين: قد يطلق على
ما يحتاج الى بيان، وقد ورد عليه بيانه وقد يطلق على الخطاب المبتدأ المستغني عن
بيان. والمفسر: له المعنيان أيضا. والنص: هو الكلام الذي يظهر افادته لمعناه، ولا
يتناول أكثر (مما) (2) هو مقول فيه.
(1) في نسخة: كقولهم. (2) في نسخة: ما.
================
[ 106 ]
الفصل الثاني فيما يحتاج الى بيان والضابط فيه: أن كل مالا يستقل بنفسه في
معرفة المراد به (فهو) (1) مجمل. وتقسيم ذلك أن نقول: الادلة الشرعية: اما أقوال أو
افعال. فالاقوال على ضربين: ما يستقل بنفسه في معرفة المراد [ به ] وهو [ ما ] يدل:
اما بصريحه، كقوله تعالى: " ولا يظلم ربك أحدا " (2) وقوله: " والله بكل شئ عليم "
(3) أو بفحواه، كقوله: " فلا تقل لهما أف " (4) وهذا حقيقة عرفية في نفي الاذية
مطلقا. وقيل: يعلم ذلك بالقياس " وهو باطل، لانه يعلمه من لا يستحضر القياس ومن لا
يعتقد صحته أيضا. ومنه مالا يستقل بنفسه، وهو نوعان: أحدهما: يحتاج إلى بيان ما لم
يرد منه، كقوله تعالى: " والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما " (5) وهذا يصح التعلق
به، ومنهم من أدخله في حيز المجمل، والاظهر ما ذكرناه [ والنوع ] الثاني: ما يفتقر
إلى بيان ما أريد به، وهو على أقسام: الاول: ما وضع في اللغة لمعنى واحد، (موجود)
(6) في أشخاص متعدده فانه بالنظر إليها أو إلى بعضها المعين، مجمل، كقوله تعالى: "
وآتوا حقه
(1) في نسخة: هو. (2) الكهف / 49. (3) النساء / 176. (4) الاسراء / 23. (5) المائدة
/ 38. (6) في نسخة: موضوع. (*)
================
[ 107 ]
يوم حصاده " (1). الثاني: ما وضع لمعان [ مختلفة ] متعددة - وهو المشترك - فهو
مجمل أيضا على ما مر بيانه، كقوله تعالى: " ثلاثة قروء " (2) الثالث: ما استعمل في
بعض موضوعه لمخصص، [ مجمل ]، كقوله تعالى: " احلت لكم بهيمة الانعام الا ما يتلى
عليكم " (3). الرابع: ما استعمل في غير موضوعه وهو ضربان: [ أحدهما ]: الاسماء
الشرعية، منقولة كانت كقوله تعالى: " أقيموا الصلاة " (4) (أو) (5) مختصة كقوله
تعالى: " ثم اتموا الصيام إلى الليل " (6) [ و ] الثاني: ما استعمل في مجازه،
وتساوت المجازات بالنسبة إليه، فهو مجمل فيها. وأما الافعال: فكلها محتاجة إلى
البيان، لانها لا تنبئ عن الوجوه التي وقعت عليها، [ وقد يقترن بها ما ينبئ عن
الوجوه التي وقعت عليها ] كما إذا رؤي مثلا أنه صلى صلاة جماعة بأذان واقامة، علم
أنها واجبة، لان ذلك من دلائل الوجوب. الفصل الثالث فيما أدخل في المجمل، وفيه
مسائل: المسألة الاولى: التحريم والتحليل المعلقان على الاعيان، ينصرف إلى
(1) الانعام / 141. (2) البقرة / 228. (3) المائدة / 1. (4) البقرة / 43. (5) في
نسخة: و. (6) البقرة / 187. (*)
================
[ 108 ]
المنفعة المطلوبة من تلك العين عرفا، وقال أبو عبد الله: هو مجمل. لنا أن الذهن
يسبق إلى ذلك، فان القائل: [ هذا الطعام حرام، يسبق إلى الذهن تحريم أكله. و ] هذه
المرأة حرام يسبق إلى الذهن تحريم الاستمتاع بها، وسبق الذهن إلى الشئ دلالة على
كون اللفظ حقيقة فيه. احتج بأن الاعيان غير مقدورة، فلا يتناولها النهي، وليس مجاز
أولى من مجاز، فوجب التوقف. وجوابه: منع الثانية، لقيام الاولوية البادية، بقضية
العرف. المسألة الثانية: قال الشيخ أبو جعفر ره: الباء في قوله تعالى: " و امسحوا
برؤوسكم " (1) للتبعيض، لان الفعل متعد بنفسه، فلولم تفد التبعيض لم يكن (ثمة) (2)
فائدة. وقال القاضي تفيد الالصاق فحسب، كما تقول: امسح يدك بالمنديل، فانه يوجب
الصاق يده بالمنديل، اما بكله، أو ببعضه. وقال بعض العراقيين: هي مجملة، لانها
تحتمل مسح الكل والبعض، فإذا مسح النبي صلى الله عليه واله بناصيته، كان ذلك بيانا
للمجمل. المسألة الثالثة: حرف النفي إذا دخل على المصدر كقوله: لا صلاة الا بطهور،
قال أبو عبد الله البصري: هو مجمل. وقال قوم: ان كان الفعل شرعيا، انتفى عند انتفاء
الصفة المذكورة، كقوله: لاصلاة الا بفاتحة الكتاب "، لان الشرع (أخبر) (3) بانتفاء
ذلك، و ان كان حقيقة انصرف إلى حكمه: فان كان له حكم واحد، انتفى ذلك الحكم
(1) المائدة / 6. (2) في نسخة: ثم. (3) في نسخة: أخبرنا. (*)
================
[ 109 ]
كقوله: لا شهادة لقاذف "، وان كان له أحكام متساوية، كان مجملا. الفصل الرابع
في البيان، وفيه مسائل: المسألة الاولى: البيان يقع بأشياء: الاول: القول، وهو
ظاهر. الثاني: الكتابة، كما بين الله تعالى لملائكته بما كتبه في اللوح، والرسول
بما كتبه لعماله، والائمة من بعده. الثالث: الاشارة، كما قال: الشهر هكذا وهكذا
وهكذا، بأصابعه العشر ثم أعاد وحبس اصبعه في الثالثة، وهذا القسم لا يصح في حق الله
تعالى، (لافتقاره) (1) إلى الاعضاء، واستحالتها قي حقه تعالى. الرابع: الفعل، وأنكر
ذلك قوم، والاصح جوازه، كما بين النبي صلى الله عليه وآله الحج والوضوء بفعله، ولا
يكون [ ذلك ] بيانا حتى يعلم ذلك من قصده، أو بنصه كقوله: " صلوا كما رأيتموني أصلي
"، أو بالدليل العقلي، كما إذا فعل وقت الحاجة إلى بيان الخطاب. [ الخامس ] الترك،
كأن يتركه صلى الله عليه وآله - بعد فعله - عمدا، [ أ ] ويكون الخطاب متناولا له
ولامته، ثم يتركه، فيعلم خروجه (عن) (2) العموم. فرعان الاول: الفعل أكشف من القول
في البيان، لان الفعل ينبئ عن صفة
(1) في نسخة: لافتقارها. (2) في نسخة: من. (*)
================
[ 110 ]
المبين عيانا، والقول اخبار عن تلك الصفة، وليس الخبر كالعيان. الفرع الثاني:
إذا ورد عقيب المجمل قول وفعل، يحتمل أن يكون كل واحد منهما بيانا، فان لم يتنافيا،
وعلم تقدم أحدهما، كان هو البيان، والثاني تأكيدا، وان جهل، كانا سواء في الاحتمال
وان تنافيا، وعلم تقدم أحدهما كان هو البيان، (وان) (1) جهل، كان القول هو البيان
دون الفعل، لانه يدل بنفسه، وليس كذلك الفعل. المسألة الثانية: لا يجب أن يكون
البيان كالمبين في القوة، خلافا للكرخي فانه لا يعمل بخبر الاوساق، مع قوله عليه
السلام: " فيما سقت السماء العشر ". وانما قلنا ذلك لانه لا يمتنع تعلق المصلحة به،
وهو متضمن لحكم شرعي عملي، فجاز استفادته بالخبر المظنون، على ما سيأتي انشاء الله
تعالى. الفصل الخامس في المبين له، وفيه مسائل: المسألة الاولى: يجوز أن يؤخر النبي
صلى الله عليه وآله [ تبليغ ] العبادة إلى وقت الحاجة إليها، وأو جبه قوم قبل
الحاجة. لنا: لو علم ذلك، لعلم اما سمعا أو عقلا، والقسمان (منتفيان) (2). احتجوا:
بقوله تعالى: " يا أيها الرسول بلغ ما أنزل اليك من ربك " (3) والامر للفور.
(1) في نسخة: فان. (2) في بعض النسخ: منفيان. (3) المائدة / 67. (*)
================
[ 111 ]
وجوابه: أن المراد بذلك القرآن، لانه هو المستفاد عند اطلاق التنزيل المسألة
الثانية: لا خلاف بين أهل العدل أن تأخير البيان (عن) (1) وقت الحاجة غير جائز، إذا
لم يكن للمكلف طريق إلى معرفة ما كلف به الا بالبيان والا لكان تكليفا بما لا يطاق.
واختلفوا في جواز تأخيره عن وقت الخطاب، فأجازه جماعة من الشافعية مطلقا. وأنكره
أبو علي، وأبو هاشم. وأجاز أبو الحسين تأخير مالا ظاهر له ومنع من تأخير ماله ظاهر
استعمل في خلافه كالعام (إذا أريد به) (2) الخصوص والنكرة إذا أريد بها المعين،
والاسماء الشرعية. احتج الاولون بوجوه. الاول: أن البيان انما يراد ليتمكن المكلف
من الاتيان بما كلف [ به ]، فلا حاجة إليه عند الخطاب، كما لم يجب تقديم القدرة.
الثاني: لو قبح تأخيره زمانا طويلا، لقبح تأخيره زمانا قصيرا. الثالث: لو قبح تأخير
بيان العام، لقبح [ تأخير ] بيان المنسوخ. الرابع: قوله تعالى: " فإذا قرأناه فاتبع
قرآنه ثم ان علينا بيانه " (3)، و " ثم " للتراخي. الخامس: أمره تعالى بنى اسرائيل
بذبح بقرة، وهو لا يريد الاطلاق، و أخر بيان صفتها إلى ما بعد السؤال. لا يقال:
البيان توجه إلى تكليف ثان، لان ظاهر الكنايات العود إلى المذكور. ويمكن أن يجاب عن
الاول: بأنا لا نسلم انحصار فائدة الخطاب فيما ذكرتم
(1) في نسخة: عند. (2) في نسخة: كالعام في الخصوص (3) القيامة / 18 - 19 (*)
================
[ 112 ]
بل له فائدة اخرى، وهو ارتفاع العبث وازالة الاغراء باعتقاد الجهل، وهذه
الفائدة لا تحصل الا مع مقارنة البيان للخطاب. وعن الثاني: باظهار الفرق، ومنع
الملازمة، فان الانسان قد يتكلم بما لا يفهم أصلا، ثم يبينه في الحال، ولا يقبح ذلك
منه، ويقبح أن يتراخى ببيانه عن الزمان القصير، ولان الكلام إذا اتصل به البيان صار
كالجملة الواحدة. وعن الثالث: بالتزام التسوية بين النسخ والخصوص، فانه لا يجوز
اسماع المنسوخ الا مع الاشعار بالنسخ. وعن الرابع: بأن ظاهر الكناية عودها إلى جميع
القرآن، وكله لا يفتقر إلى بيان. فان قلت: يجب تنزيلها على ما يفتقر منه إلى (بيان)
(1) كالمجمل و العموم. قلت: ليس (ما ذكرته) (2) أولى من التمسك بظاهر الكناية،
ويكون البيان اظهاره بالتنزيل، أو يكون اشارة إلى (بيان التفصيل) (3). احتج أبو
الحسين: بأنه لو تأخر بيان ماله ظاهر، لكان المخاطب: اما أن يريد افهامنا بذلك،
واما أن لا يريد (4)، ويلزم من الاول بطلان كونه خطابا. ومن الثاني تكليف ما لا
يطاق، أو الاغراء باعتقاد الجهل، لانه ان أراد منا فهم ظاهره، لزم الاغراء بالجهل،
والا (لكان) (5) تكليفا بما لا سبيل إليه. وهذا ينتقض بجواز تأخير النسخ، وبأنه قد
يتوجه الخطاب إلى من يموت
(1) في نسخة: البيان (2) في نسخة: ما ذكره وفى أخرى: ما ذكرتم (3) في بعض النسخ:
البيان التفصيلي (4) في نسخة: اما أن لا يريد افهامنا بذلك واما أن يريد (5) في
نسخة: كان (*)
================
[ 113 ]
قبل تمكنه من الاتيان بالفعل، فيعلم خروجه عن الخطاب، ولم (يبين) (1) ذلك.
واحتج أبو هاشم: بأنه لو جاز تأخير بيان المجمل، لجاز مخاطبة العربي بالزنجية، ولا
يبين له في الحال، والجامع: كون السامع لا يعرف المراد في الحالين. وجوابه: منع
الملازمة، وابداء الفرق، وهو أن العربي لا يفهم موضوع الزنجية، وليس كذلك في صورة
النزاع، لان السامع يعلم أن المتكلم أراد أحد محتملات اللفظ، وقد يتعلق الغرض
بابانة مثل ذلك القدر. المسألة الثالثة: يجوز اسماع العام من لم يعرف الخاص، سواءا
كان المخصص عقليا أو شرعيا، خلاف لابي الهذيل، وأبي علي. لنا: حصول الاتفاق على
جواز اسماع العام المخصوص بالعقل، فليجز مثله في الخصوص بالنقل، والجامع: كون
السامع في كل واحد من الامرين يتمكن من فهم المراد. احتج الخصم بوجهين: أحدهما: لو
جاز ذلك لزم الاغراء بالجهل، أو الخطاب بما لا يفهم. الثاني: لو جاز ذلك لما جاز
العمل بالعام الا بعد العلم بانتفاء المخصص وذلك يسد باب الاستدلال بالعمومات.
وجواب الاول: أن الاغراء والجهل منتفيان، لان السامع يجوز التخصيص فيسعى في طلب
المخصص. وجواب الثاني: ان غلبة الظن بانتفاء المخصص، تكفى في جواز العمل بالعام.
(1) في نسخة: تبين (*)
================
[ 115 ]
الباب الخامس في الافعال وفيه فصلان:
================
[ 117 ]
الفصل الاول في أفعال النبي صلى الله عليه وآله، وفيه مسائل: المسألة الاولى:
التأسي في الفعل (هو) (1) أن يفعل صورة ما فعل (النبي صلى الله عليه وآله) (2) على
الوجه الذي فعل، لاجل أنه فعل. وفي الترك: هو أن يترك مثل الذي ترك، لاجل أنه ترك.
والاتباع: قد يكون في القول، وهو: امتثال مقتضاه من وجوب أو ندب أو حظر، وقد يكون
في الفعل والترك، وهو مثل التأسي. والموافقة: هي المشاركة في صورة ما يشتركان فيه،
سواءا كان في عقيدة أو في فعل. والمخالفة: قد تكون في القول، وهي: العدول عن
مقتضاه. وفي الفعل، وهي: العدول عن مثل فعله إذا وجب، لانه لو لم يجب، لم يسم
العادل مخالفا كما لا يقال: الحائض مخالفة للنبي - صلى الله عليه وآله - في ترك
الصلاة. والائتمام: هو فعل مثل ما فعله [ تبعا له ].
(1) في نسخة: وهو (2) في بعض النسخ: الغير (*)
================
[ 118 ]
المسألة الثانية: أفعال النبي صلى الله عليه وآله: ان كانت بيانا لمجمل واجب،
كانت على الوجوب في حقنا، أو لمندوب كانت كذلك في حقنا. وان لم تكن بيانا، وكانت
شرعية، ولم يعلم الوجه الذي وقعت عليه، قال ابن سريج: تدل على الوجوب في حقنا، وقال
الشافعي. تدل على الندب، و قال مالك: على الاباحة، والاولى: التوقف. لنا: ان النبي
- صلى الله عليه وآله - فعل الواجب وغيره، ولا اشعار للفعل بوجهه الذي وقع عليه،
ومع تساوي الاحتمال يجب التوقف. احتج القائلون بالوجوب: بالقرآن والاجماع: أما
القرآن: فبقوله تعالى: " فليحذر الذين يخالفون عن أمره " (1)، والامر حقيقة في
الفعل، وقوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة حسنة " (2) و قوله: " فاتبعوه
" (3). وأما الاجماع: فلان الصحابة خلعوا نعالهم لما خلع، وحلقوا لما حلق، وذبحوا
لما ذبح، ورجعوا إلى قول عائشة في الغسل من [ التقاء ] الختانين. وجواب الاول: لا
نسلم ان الامر حقيقة في الفعل، سلمنا [ ه ] لكن المشترك لا ينزل على كلا معنييه، بل
على أحدهما، والقول مراد قطعا، فالفعل غير مراد.
(1) النور / 63 (2) الاحزاب / 21 (3) هذه الكلمة وردت في قوله تعالى: " وأن هذا
صراطي مستقيما فاتبعوه " الانعام / 153. ولكن ما يصلح للاستدلال هنا هو قوله تعالى:
" فآمنوا بالله ورسوله النبي الامي الذى يؤمن بالله وكلماته واتبعوه " الاعراف /
158 (*)
================
[ 119 ]
وجواب الثاني: لا نسلم أن التأسي هو الاتيان بمثل فعل الرسول صلى الله عليه
وآله، بل الاتيان به على الوجه الذي فعل، كما بيناه، وهو الجواب عن الاية الاخرى.
وأما الاجماع: فلا نسلم أنهم فعلوه لاجل فعله مطلقا، بل لعله كان بين ذلك لهم.
المسألة الثالثة: إذا علم الوجه الذي وقع عليه فعله - صلى الله عليه وآله -، قال
أبو جعفر الطوسي ره: يجب اتباعه في ذلك، وهو اختيار أبي الحسين البصري، و توقف قوم
في ذلك. احتج الاولون بوجهين: أحدهما: قوله تعالى: " لقد كان لكم في رسول الله اسوة
حسنة " (1) وقوله: " فاتبعوه ". [ و ] الثاني: الاجماع في الرجوع إلى أفعاله في
تعريف الاحكام الشرعية. ويمكن أن يجاب عن الاول: (بأن) (2) الاسوة ليست من ألفاظ
العموم، فتصدق بالمرة الواحدة، وقد توافقنا على وجوب التأسي [ به ] في بعض الاشياء،
فلعل ذلك هو المراد، وهذا هو الجواب عن الاية الاخرى. لا يقال: العرف يقضي بوجوب
التأسي به في كل الامور، لانه لا يقال: فلان أسوة لفلان، إذا كان أسوة له في أمر
واحد. لانا نقول: هذا ممنوع، فلابد له من دليل. وأما الاجماع: فهو (استدلال) (3)
بصورة خاصة على قضية عامة، ولئن
(1) الاحزاب / 21 (2) في نسخة: أن (3) في نسخة: الاستدلال (*)
================
[ 120 ]
سلمنا حصوله في تلك الصورة، فتعديته قياس. الفصل الثاني في الوجوه التي تقع
عليها أفعاله، وفي حكم التعارض، وفيه مسألتان: المسألة الاولى: فعله عليه السلام قد
يكون بيانا، ويعلم ذلك بوجهين: أحدهما: أن يتقدم فعله خطاب يفتقر إلى بيان، (ويعدم)
(1) ما يمكن أن يكون بيانا له. الثاني: أن ينص على كون فعله (بيانا لخطاب) (2). وقد
يكون فعله ابتداء شرع، فيكون واجبا أو مندوبا أو مباحا. فالواجب يعلم بخمس طرق:
بنصه على الوجوب، أو بكون فعله بيانا لواجب، أو يفعل - عليه السلام - معه امارة تدل
على الوجوب، أو يفعله بدلا (من) (3) واجب، أو يكون الفعل قبيحا لو لم يكن واجبا كر
كوعين في ركعة، ذكره أبو الحسين. والمندوب يعلم بأربعة أشياء: بنصه - عليه السلام
-، أو يعلم أن له صفة زائدة على حسنه ولا تدل دلالة على وجوبه، أو يكون بيانا لخطاب
يدل على الندبية، أو يكون امتثالا لخطاب دال عليها. والاباحة تعلم بأربعة أشياء:
بأن يعلم ذلك من قصده اما بنص أو امارة، أو يدل على حسنه ولا تدل دلالة على وجوبه
ولا ندبه، أو يكون بيانا لخطاب
(1) في نسخة: تقدم، وفى اخرى: يقدم (2) في نسخة: بيان الخطاب (3) في بعض النسخ: عن
(*)
================
[ 121 ]
دال على الاباحة، (أو امتثالا لخطاب دال عليها (1). المسألة الثانية: التعارض
بين فعليه بالنظر اليهما غير ممكن، لانهما لا يقعان الا في زمانين، بل [ قد ] يقترن
بالفعل ما يدل على عمومه في الاشخاص، و شموله (للاوقات) (2) فيصح تطرق التعارض، وفي
التحقيق: التعارض راجع إلى تلك القرينة. وأما التعارض بين قوله وفعله - عليه السلام
- فممكن، فعلى هذا، إذا تعارض قوله وفعله، ولم يعلم تقدم أحدهما على الاخر، وجب
التوقف، الا لدلالة غيرهما سواءا كان التعارض من كل وجه أو من بعض، وقال جماعة: يجب
المصير إلى القول. واحتجوا: بأن القول يدل بنفسه، والفعل (يفتقر) (3) في الدلالة
إلى القول فكان القول أولى. وبأن الفعل يحتمل الاختصاص به عليه السلام، وليس كذلك
القول. وجواب الاول، أن الكلام ليس في الفعل المطلق، بل في الفعل الذى قام الدليل
على وجوب متابعته عليه السلام فيه، فصار كالقول، وهذا هو الجواب عن الثاني. فائدة
اختلف الناس في النبي - صلى الله عليه وآله - هل كان متعبدا بشرع من قبله أم لا ؟ و
هذا الخلاف عديم الفائدة، لانا لانشك أن جميع ما أتى به لم يكن نقلا عن الانبياء،
عليهم السلام بل عن الله تعالى بواسطة الملك، ونجمع على أنه صلى الله عليه وآله
أفضل الانبياء، وإذا أجمعنا على ثمرة المسألة، فالدخول بعد ذلك فيها كلفة.
(1) في نسخة: أو امتثال دال عليها (2) في نسخة: الاوقات (3) في نسخة: مفتقر (*)
================
[ 123 ]
الباب السادس في الاجماع وفيه فصول:
================
[ 125 ]
الفصل الاول وفيه مسائل: المسألة الاولى: الاجماع - وان كان في وضع اللغة
مشتركا بين الاتفاق و (الازماع) - (1) فهو في الاصطلاح: اتفاق من يعتبر قوله في
الفتاوى الشرعية على أمر من الامور الدينية، قولا كان أو فعلا، وهو ممكن الوقوع.
وفى الناس من أحاله، كما يستحيل اجماع أهل الاقليم الواحد على الاشتراك في ملبس
واحد ومأكل واحد، وهذا باطل، لما يعلم من الاتفاق على كثير من مسائل الفقه ضرورة.
ثم الفرق: أن التساوي في المأكل والمشرب مما يتساوى فيه الاحتمال، وليس كذلك
المسائل الدينية، لانها يصار إليها عند الادلة، فجاز الاتفاق عليها. ومن الناس من
أحال العلم به الا في زمن الصحابة، نظرا إلى كثرة المسلمين وانتشارهم، وكون ذلك لا
يعلم الا بالمشافهة لهم أو التواتر عنهم، وهما متعذران فيمن بلغ هذا الحد. لا يقال:
نحن نعلم اتفاق المسلمين على كثير من المسائل، كنبوة محمد
(1) في نسخة: الاعزام (*)
================
[ 126 ]
صلى الله عليه وآله، والصلوات الخمس، ونعلم غلبة كثير من المذاهب على بعض
البلاد. لانا نجيب عن الاول: بأنه لا معنى للمسلم الا من قال بهذه الاشياء فكأن
القائل: أجمع المسلمون على النبوة، يقول: أجمع من قال بالنبوة على النبوة. وأما
غلبة بعض المذاهب، فلا نسلم أنا نعلم ذلك في أهل البلد كافة، ولئن سلمنا أن الاكثر
منهم قائل به، لكن هذا مما لا يجدي في باب الاجماع. المسألة الثانية: عندنا أن زمان
التكليف لا يخلو من امام معصوم حافظ للشرع يجب الرجوع إلى قوله فيه. إذا تقرر هذا
فمتى (اجمعت) (1) الامة على قول، كان ذلك الاجماع حجة، ولو فرضنا خلو الزمان من ذلك
الامام لم يكن الاجماع حجة. وههنا بحثان: الاول: مع وجوده عليه السلام الاجماع حجة
للامن على قوله من الخطأ، و القطع على دخوله في جملة المجمعين، وعلى هذا، فالاجماع
كاشف عن قول الامام، لا أن الاجماع حجة في نفسه من حيث هو اجماع. البحث الثاني: لو
خلا الاجماع (عن) (2) المعصوم - عليه السلام - لم يكن حجة خلافا لساير الطوائف، ما
عدا الخوارج، والنظام. لنا: لو كان حجة لعلم ذلك اما بالعقل أو بالنقل، والقسمان
باطلان، بما يبطل به معتمد المخالف، وهم طائفتان: طائفة تتمسك بالمعقول، واخرى
بالمنقول.
(1) في بعض النسخ: اجتمعت (2) في بعض النسخ (من) (*)
================
[ 127 ]
أما المعقول: فقالوا لو لم يكن الاجماع (حجة) (1)، لاستحال اجماعهم عليه، كما
يستحيل تواطؤهم على التلفظ بالعبارة الواحدة، والتحلى بالزي الواحد. الثاني: أن
اجماع الخلق العظيم على الحكم يستدعى دلالة أو امارة، و كلاهما حجة. وجواب الاول:
منع الملازمة، وابداء الفارق بأن صورة الوفاق مما يتساوى فيه الاحتمال وتختلف فيه
الدواعى، وليس كذلك الاجماع على الحكم، لانه قد يحصل (عن) (2) شبهة [ ثم ] تعم تلك
الشبهة. وجواب الثاني: منع الحصر، لجواز أن يجمعوا لشبهة. ثم ان الوجهين منقوضان
باجماع اليهود والنصارى، وغيرهم من الفرق الموفين على عدد المسلمين، فانهم أجمعوا
على كثير من الاباطيل. وأما المتمسكون بالمنقول، فاستدلوا بوجوه: الاول: قوله
تعالى: " ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى و يتبع غير سبيل المؤمنين...
الاية " (3)، فلو لم يكن كل واحد منهما محظورا لقبح الجمع بينهما، كما يقبح " من
شاق الرسول وشرب ماءا، عاقبته " ومع ثبوت ذلك يكون اتباع غير سبيل المؤمنين محظورا،
فيكون اتباع سبيلهم واجبا. الثاني: قوله تعالى: " وكذلك جعلناكم امة وسطا " (4)،
والوسط: العدل
(1) في بعض النسخ: حقا (2) في نسخة: عند (3) النساء / 115 (4) البقرة / 143 (*)
================
[ 128 ]
والخيار، بالنقل عن أئمة اللغة وأهل التفسير، والموصوف بالعدالة مجانب
(لمواقعة) (1) الخطيئة، وذلك ينافي الاجماع عليها. الثالث: قوله تعالى: " كنتم خير
امة اخرجت للناس تأمرون بالمعرف وتنهون عن المنكر " (2) أخبر أنهم ينهون عن المنكر،
وهو يعم كل منكر، بما عرف في باب العموم، وهو ينافى الاجماع عليه. الرابع: قوله صلى
الله عليه وآله: " أمتي لا تجتمع على الخطأ " (3)، وصحة نقل الحديث مشهورة، ولو دفع
بعينه لكان معناه منقولا بالتواتر لوجود هذا المعنى في أخبار لا تحصى كثرة. وجواب
الاول: (بمنع) (4) عموم السبيل، فلعله أراد في ترك (المشاقة) (5) (الخاصة) (6). ولو
سلمنا عمومه، لزم [ ترك ] اتباع اجماعهم، لانهم ان أجمعوا من غير دلالة، لم يجز
الاتباع، وان كان لدلالة، لم يجز العمل بما أجمعوا عليه الا بعد الظفر بتلك
الدلالة، لانه قد كان من شأنهم لو لا الدلالة لما عملوا به، و لو سلمنا ذلك، لم يكن
فيه منافاة لمذهبنا، لان الواقع وجود الامام المعصوم عليه السلام، وهو أحد
المؤمنين، (واتباع) (7) غير سبيله غير جائز، ونحن نتكلم على تقدير عدمه.
(1) في نسخة: لموافقة (2) آل عمران / 110 (3) في بعض النسخ: على خطأ (4) في بعض
النسخ: نمنع (5) في نسخة: المشاققة (6) في نسخة: خاصة (7) في نسخة: فاتباع (*)
================
[ 129 ]
وجواب الثاني: منع عموم العدالة في الاشياء كلها، فلعلهم عدول في الشهادة على
الناس خاصة. ثم ان أراد بذلك امة النبي صلى الله عليه وآله لم يتحقق الاجماع الا
بعد اتفاق كل من كان ويكون من الامة، وان أراد البعض - وليس في الاية اشعار به -
دخل في حيز المجمل، فلعله أراد من ثبتت عصمته من الائمة عليهم السلام. وجواب
الثالث: ان (المنكر) اسم مفرد معرف باللام، وقد بينا أنه لا يقتضى العموم، وإذا كان
كذلك، جاز أن يراد به النهى عن الكفر، ومع قيام (الاحتمال) (1) يبطل التعلق بالاية.
لا يقال: هذا حاصل في سائر الامم، فلا يكون فيه مزية، وظاهر الاية اثبات المزية.
لانا نقول: المزية حاصلة، وهي مبالغتهم في النهي عن الكفر، كما [ لو ] صرح بهذا
المعنى لم تبطل المزية. وجواب الحديث: منع أصله، ولو سلمنا تواتره، لقلنا بموجبة من
حيث أن أمته - عليه السلام - لا تخلو (عن) (2) المعصوم، فيكون قولها حجة لدخول قوله
في الجملة. فرعان: الاول: جاحد (الحكم) (3) المجمع عليه كافر، لانه يجحد ما يعلم
(حقيقة) (4) من الشرع.
(1) في بعض النسخ: الاجمال (2) في نسخة: من (3) في نسخة: الحديث (4) في نسخة: حقيته
وفى اخرى: حقيقته (*)
================
[ 130 ]
الفرع الثاني: الاجماع لا يصدر عن مستند ظنى، لان معتمد المعصوم عليه السلام
الدليل القطعي، لا الحجة الظنية. نعم يجوز أن تكون أقوال باقى الامامية مستندة إلى
الظن، كخبر الواحد منضما إلى قوله الصادر عن الدلالة. المسألة الثالثة: لا يجوز أن
ينعقد اجماع على مسألة، ثم ينعقد بعده اجماع على خلافها، والا لكان قول المعصوم
خطأ. لا يقال: ربما كان قوله الاول تقية. لانا نقول: الاجماع لا يتقرر ما لم يعلم
الاتفاق قصدا. المسألة الرابعة: كل ما انعقد الاجماع عليه فهو حق، سواءا كان من
العقائد الدينية، أو الفروع الشرعية، أو غير ذلك، لكن كل ما يتوقف العلم بوجوب وجود
الامام المعصوم عليه السلام عليه، لم يصح الاستدلال عليه بالاجماع، والا لدار، وكل
مالا يكون كذلك، جاز الاستدلال عليه بالاجماع. الفصل الثاني في المجمعين، وفيه
مسائل: المسألة الاولى: قال القاضي أبو بكر: يعتبر في الاجماع عوام الامة، نظرا إلى
لفظ الخبر. وقال الاكثرون: المعتبر بقول العلماء وأهل الاجتهاد خاصة. وقال أهل
الظاهر: المعتبر باجماع الصحابة خاصة. والذي يجئ على مذهبنا اعتبار من يعلم دخول
المعصوم فيهم. فعلى هذا، ولو أجمع العلماء أو الفقهاء أو أهل البيت لكفى ذلك في
كونه حجة، لما قررناه.
================
[ 131 ]
فائدة اعتبر قوم بلوغ المجمعين حد التواتر. وعلى ما اخترناه، المعتبر من يعلم
دخول المعصوم في جملتهم. المسألة الثانية: اجماع أهل كل عصر حجة خلافا لاهل الظاهر
لنا: أن زمان التكليف لا يخلو من امام معصوم، ومتى كان كذلك فلابد من دخوله في
المجمعين، ومع دخوله يكون الاجماع حجة. ولغيرنا: الظواهر الدالة على كون الاجماع
حجة من غير تقييد. المسألة الثالثة: إذا اتفقت الامة على قولين، فان كان الثالث مما
يلزم منه الخروج (عن) (1) الاجماع كان باطلا بالاتفاق، وان لم يكن كذلك لم يجز
احداث الثالث عند قوم، لان الثالث ان كان باطلا لم يجز العمل به، وان كان حقا لزم
خلو الامة عنه، وهو باطل. وعلى ما أصلنا [ ه ] فالامام في احدى الطائفتين فتكون
محقة والخارج عن الحق باطل. المسألة الرابعة: إذا لم تفصل الامة بين مسألتين: فان
نصت على المنع من الفصل فلا كلام، وان عدم النص: فان كان بين المسألتين علقة، بحيث
يلزم من العمل بأحدهما العمل بالاخرى، لم يجز الفصل، كما في زوج وأبوين، وزوجة
وأبوين، فمن قال للام ثلث أصل التركة، قال في الموضعين، ومن قال ثلث الباقي. قال في
الموضعين، الا ابن سيرين. وان لم يكن بينهما علقة، قال قوم: (يجوز) (2) الفصل
بينهما.
(1) في نسخة: على. (2) في نسخة: بجواز.
================
[ 132 ]
وعلى ما ذهبنا إليه، لم يجز، لان الامام عليه السلام مع احدى الطائفتين قطعا،
ويلزم من ذلك وجوب متابعته في (الجميع) (1). المسألة الخامسة: لا يجوز انقسام
المجمعين إلى فرقتين تجمع كل واحدة منهما بين حق وباطل، لان الامام مع احداهما، وهو
يمنع من (اتفاقها) (2) على الخطأ. الفصل الثالث في كيفية العلم بالاجماع، وفيه
مسائل: المسألة الاولى: قد عرفت أن الاجماع انما كان حجة لدخول الامام عليه السلام
فيه، فالمعتبر حينئذ (قوله) (3) فعلى هذا، يعلم قول المعصوم عليه السلام بعينه
بأمرين: أحدهما: السماع منه مع المعرفة [ به ]. [ و ] الثاني النقل المتواتر. فان
فقد الامران، وأجمعت الامامية على أمر من الامور على وجه يعلم أنه لاعالم من
الامامية الا وهو قائل به، فانه يعلم دخول المعصوم عليه السلام فيه، لقيام الدليل
القاطع على حقية مذهبهم، والا من على المعصوم من ارتكاب الباطل. إذا تقرر هذا، فان
علم أن لا مخالف ثبت الاجماع قطعا، وان علم المخالف وتعين باسمه ونسبه كان الحق في
خلافه، وان جهل نسبه، قدح ذلك في
(1) في نسخة: الجمع. (2) في نسخة: اتفاقهما: (3) في نسخة: دخوله. (*)
================
[ 133 ]
الاجماع، لجواز أن يكون هذا المعصوم عليه السلام وان لم يعلم مخالف وجوزنا
وجوده لم يكن ذلك اجماعا، لامكان وقوع الجائز، وكون ذلك هو الامام عليه السلام.
المسألة الثانية: إذا اختلفت الامامية على قولين: فان كانت احدى الطائفتين معلومة
النسب، ولم يكن الامام أحدهم، كان الحق في الطائفة الاخرى، وان لم تكن معلومة
النسب: فان كان مع احدى الطائفتين دلالة قطعية توجب العلم وجب العمل على قولها، لان
الامام معها قطعا وان لم يكن مع احداهما دليل قاطع: قال الشيخ ره: تخيرنا في العمل
بأيهما شئنا، وقال بعض أصحابنا: طرحنا القولين، والتمسنا دليلا من غيرهما، وضعف
الشيخ ره هذا القول بأنه يلزم منه اطراح قول الامام. قلت: وبمثل هذا يبطل ما ذكره
ره، لان الامامية إذا اختلفت على قولين، فكل طائفة توجب العمل بقولها، وتمنع من
العمل بالقول الاخر، فلو تخيرنا لاستبحنا ما حظره المعصوم عليه السلام تفريع إذا
(اختلفت) (1) الامامية على قولين، فهل يجوز اتفاقها بعد ذلك على أحد القولين ؟ قال
الشيخ ره: ان قلنا بالتخيير لم يصح اتفاقهم بعد الخلاف لان ذلك يدل على أن القول
الاخر باطل، وقد قلنا أنهم مخيرون. ولقائل أن يقول: لم لا يجوز أن يكون التخيير
مشروطا بعدم الاتفاق فيما بعد ؟ وعلى هذا الاحتمال، يصح الاجماع بعد الاختلاف.
المسألة الثالثة: الاجماع يقع على ضروب:
(1) في نسخة: اختلف. (*)
================
[ 134 ]
منها: أن يجمع أهل الاجماع على المسالة بالقول الصريح. الثاني: أن يجمعوا عليها
فعلا. الثالث: أن يقول بعض، ويقرره الباقون. ولابد في هذه الوجوه من ارتفاع التقية.
الرابع: أن يعلم رضاهم بالمسألة. لا يقال: كيف يعلم اتفاق الامامية كلهم على ذلك،
مع كثرتهم وانتشارهم في البلاد. لانا نقول: كما يعلم اتفاق المسلمين على كثير من
المسائل،. كايجاب غسلة واحدة في الوضوء، (وأنه) (1) لا قائل بوجوب الثانية
والثالثة، وكما يعلم أنه إذا اجتمع أخ وجد، فانه لا قائل بأن الاخ يحوز المال دون
الجد، وغير ذلك من المسائل.
(1) في نسخة: وأن. (*)
================
[ 135 ]
الباب السابع في الاخبار وفيه مقدمة وفصول:
================
[ 137 ]
اما المقدمة فنقول: الخبر: كلام يفيد بنفسه نسبة أمرالى أمر نفيا أو اثباتا.
ومن الناس من قال: الخبر: ما يحتمل الصدق والكذب، وهو تعريف بما لايعرف [ الا ] به.
والصدق: هو الاخبار عن الشئ، على ما هو به. والكذب: هو الاخبار عن الشئ لاعلى ما هو
به. ولا يفتقر إلى كون المخبر معتقدا بكونه كذبا، واعتبره الجاحظ، و الخلاف لفظي.
ولابد من كون المخبر مريدا حتى تكون الصيغة مستعملة في فائدتها، لان الصيغة قد توجد
غير خبر. إذا عرفت هذا، فالخبر: اما أن يقطع بصدقه أو كذبه، أو يكون محتملا لكل
واحد من الامرين وما علم صدقه ينقسم الى: ما علم صدقه بمجرد الاخبار والى ما علم
صدقه بامر مضاف إلى الاخبار، كضرروة العقل أو استدلاله، و يدخل في ذلك جميع ماعد من
الاقسام الدالة على صدق الخبر، كاخبار الله تعالى ورسوله والمعصوم عليه السلام، وما
(اجمعت) (1) عليه الامة، وما ذكر بحضرة
(1) في نسخة اجمتعت. (*)
================
[ 138 ]
الرسول صلى الله عليه وآله بمسمع منه ولم يكن غافلا عنه فلم ينكره، لان كل ذلك
علم صحته بالدليل. وما علم صدقه بمجرد الاخبار فهو المتواتر، وسنفرد له فصلا، ان
شاء الله تعالى. وما علم كذبه فلا يكون الا بأمر مضاف إلى الخبر، وهو خمسة أشياء:
الاول: ما خالف ضرورة العقل. الثاني: ما أحالته العوائد. الثالث: ما خالف دليل
العقل. الرابع: ما خالف النص القاطع من الكتاب والسنة المتواترة. الخامس: ما خالف
الاجماع. الفصل الاول في المتواتر من الاخبار، وفيه مسائل: المسألة الاولى: الخبر
المتواتر مفيد للعلم، وانكره السمنية. لنا: أن الواحد منا يجد نفسه جازمة بالبلدان
والوقائع - وان لم يشاهدها - عند الاخبار عنها، كجزمنا بما نشاهده، جزما خاليا عن
التردد، وما تورده السمنية من الشبهة، فهو تشكيك في الضروريات، فلا يتسحق الجواب.
وأما كيفية حصول هذا العلم: فذهب أبو هاشم وأتباعه وجماعة من الفقهاء إلى كونه
ضروريا، وقال المفيد من أصحابنا: هو كسبي. وتوقف الشيخ ره والمرتضى في الاخبار عن
البلدان والوقائع، وقطعا على أن الاخبار الشرعية المتضمنة معجزات الانبياء والائمة
وغير ذلك من المذاهب المتواترة، كسبي
================
[ 139 ]
يفتقر إلى ضرب من الاستدلال. الظاهر أنه ضروري، لانه يجزم بهذه الامور من لا
يحسن الاستدلال [ و لا يعرفه، ولا أمنع أن يفتقر بعض الاخبار المتواترة إلى ضرب من
الاستدلال ] وليس هذا موضع الكشف عن غامض هذه المسألة. المسألة الثانية: شرائط
افادة الخبر المتواتر العلم أربعة: الاول: أن يخبروا عما علموه)، لا ما ظنوه.
الثاني: أن يكون ذلك المعلوم محسوسا. الثالث: أن يبلغوا حدا لا يجوز عليهم التواطؤ
والمراسلة. الرابع: أن يستوي الطرفان والوسط في هذه الشرائط، لانا نعلم أنه متى
اختلفت هذه الشرائط أو أحدها لا يحصل العلم بمجرد الاخبار. المسألة الثالثة: ليس
للتواتر عدد محصور، وحده قوم بسبعين، وآخرون بأربعين، وقوم بعدة أهل بدر، والكل
تحكم لا معنى له. لنا: أنا نحكم بوجود البلاد والوقائع عند الاخبار من غير تنبه
للعدد، فلو كان العدد شرطا، لتوقف العلم على حصوله، ولعل الهمه لو صرفت إلى دركه
لامكن ذلك بعد صعوبة. وتحقيقه: أنا إذا سمعنا بخبر عن واحد فقد أفادنا ظنا، ثم كلما
تكرر الاخبار بذلك قوي الظن، حتى يصير الاعتقاد علما، فعند ذلك ان ضبط العدد كان
ذلك هو المعتبر، لان الاخبار هو المقتضى للعلم، والسبب لا يختلف بحسب محاله إذا كان
تاما. المسألة الرابعة: شرط قوم شروطا ليست معتبرة، وهى أربعة: الاول: أن لا يجمعهم
مذهب واحد [ ولا نسب واحد ]. الثاني أن يكون عددهم غير محصور.
================
[ 140 ]
الثالث: أن لا يكونوا مكرهين على الاخبار. الرابع: العدالة. والكل فاسد، لانا
نجد النفس جازمة (بمجرد) (1) الاخبار المتواترة من دون هذه الامور، فلم تكن معتبره.
المسألة الخامسة: حكى بعض الاشعرية والمعتزلة: ان الامامية تعتبر قول المعصوم عليه
السلام في التواتر، وهو فرية عليهم، أو (غلط) (2) في حقهم، وانما يعتبرون ذلك في
الاجماع. المسألة السادسة: (التواتر) (3) بالمعنى مفيد للعلم ككرم حاتم وشجاعة علي
عليه السلام، وان كانت مفردات أخبارهما آحادا. الفصل الثاني فيما لا يقطع بصدقه ولا
كذبه، وفيه مسائل: المسألة الاولى: حكي عن أهل الظاهر أن خبر الواحد يفيد العلم،
وعن قوم أنه يوجب العلم الظاهر، وهذا باطل ضرورة، ولانه لو أوجبه الخبر لكونه خبرا،
لاوجبه كل خبر، ومن جملتها اخبارنا لهم أن خبر الواحد لا يوجب العلم. وحكي عن
النظام: ان خبر الواحد إذا اقترنت به قرائن أفاد العلم، كما إذا سمعت الواعية في
دار انسان، ونشرت نساؤه شعورهن وسودت أبوابه، و استغاث غلمانه، وأخبر بموته، فعند
ذلك يحصل العلم بصدق المخبر، وهو
(1) في بعض النسخ: بمخبر. (2) في نسخة: خلط. (3) في نسخة: المتواتر. (*)
================
[ 141 ]
باطل، لانه قد ينكشف بطلان الخبر في كثير من ذلك، نعم، [ قد ] يفيد الظن القوي،
ولا أحيل في بعض الاخبار انضمام قرائن قوية كثيرة تبلغ إلى حد يفيد معها العلم.
المسألة الثانية: يجوز التعبد بخبر الواحد عقلا، خلافا لابن قبه من أصحابنا وجماعة
من علماء الكلام. لنا: أن التعبد به يجوز اشتماله على مصلحة، فيجب الحكم بجواز
التعبد به، أما الاولى: فلان المانع من اشتماله على المصلحة هو ما يذكره الخصم ونحن
نبطله، وأما انه إذا كان كذلك، وجب الحكم بجواز التعبد به، فلان الشرائع (مقترنة)
(1) بالمصالح، والحكمة الالهية موكولة برعايتها، فيجب في الحكمة مهافتة (3) الشارع
على نصبها. احتج الخصم بوجهين: أحدهما: ان خبر الواحد لا يوجب العلم، فيجب أن لا
يعمل به، والاولى ظاهرة، ولانا لانتكلم الا فيما هذا شأنه من الاخبار، وأما الثانية
فلانه عمل بما لا يؤمن كونه مفسدة، وأيضا قوله تعالى: " وأن تقولوا على الله مالا
تعلمون " (2) الوجه الثاني: ثبت أنه لا يقبل خبر النبي الا بعد قيام المعجزة على
صدقه، ففي من عداه أولى. وجواب الاول: ان الامان من كونه مفسدة حاصل عند قيام
الدلالة على العمل به. وجواب الثاني: التزام التسوية، (فلانا) (4) لا نعمل بخبره ما
لم تقم الدلالة
(1) وفى نسخة: معذوقه، أي موسومه. (2) البقرة / 169. (3) كذا في النسخ (4) في نسخة:
فانا. (*)
================
[ 142 ]
على العمل به. ثم الوجهان منقوضان بالعمل بشهادة الشاهدين، واستقبال القبلة عند
غلبة الظن وعدم العلم بجهتها، وغير ذلك من الظنون الواردة في الشرع. المسألة
الثالثة: إذا ثبت [ جواز ] التعبد بخبر الواحد، فهل هو واقع أم لا ؟ منعه المرتضى
ره، وقال أكثر المعتزلة والفقهاء من العامة بوقوعه، و اعتبر أبو علي في الخبر رواية
عدلين حتى يتصل بالنبي صلى الله عليه وآله، واكتفى الباقون برواية الواحد العدل،
وعمل به الطوسي ره إذا كان الراوي من الطائفة المحقة وكان عدلا. احتج المرتضى ره:
بانه لو وجب العمل به لعلم اما بالعقل أو (بالنقل) (1) والقسمان باطلان. أما
الملازمة: فلانه لو كان التكليف به واردا لكان للمكلف إليه طريق، لان تكليف مالا
طريق (إلى العلم) (2) به قبيح عقلا. وأما انحصار الطريق في العقل والنقل فظاهر،
وأما انتفاء اللازم فبما سنبطل به معتمد المخالف، وهم طائفتان: طائفة تتمسك بالعقل
كابن سريج و أتباعه، و (أخرى) (3) بالنقل وهم الاكثر كالقاضي وأبي عبد الله ومن
تبعهما، ومنهم من يجمع في الدلالة بين العقل والنقل كالقفال وأبي الحسين. احتج ابن
سريج بأن العمل بخبر الواحد دافع للضرر، وكلما كان كذلك كان واجبا، أما أنه دافع
للضرر فلان المخبر عن الرسول إذا كان ثقة يغلب على الظن صدق قوله، ومخالفته مظنة
للضرر، وأما أن دفع الضرر واجب
(1) في نسخة: النقل. (2) في نسخة: للعلم. (3) في نسخة: الاخرى. (*)
================
[ 143 ]
فضروري. والجواب: لا نسلم أن مخالفة الخبر مظنة للضرر، وهذا لان علمنا بوجوب
نصب الدلالة من الشارع على ما يتوجه التكليف به، يؤمننا الضرر عند ظن صدق المخبر،
ثم ما ذكروه منقوض برواية الفاسق لا بل برواية الكافر، فان الظن يحصل عند خبره، لا
يقال: لولا الاجماع لقلنا به، لانا نقول: حيث منع الاجماع من اطراد هذه الحجة، دل
على بطلانها، لان الدليل العقلي لا يختلف بحسب مظانه. ثم ان الحجة مقلوبة عليهم،
لانه لو وجب العمل بخبر الواحد لجواز اشتماله على مصلحة لا يؤمن الضرر بفواتها،
فليجب اطراحه لجواز اشتماله على مفسدة لا يؤمن الضرر بفعلها، ويلزم (على ما ذكروه)
(2) وجوب العمل بقول مدعي النبوة دون المعجز بعين ما ذكروه. واحتج المتمسكون بالنقل
بوجوه: الاول: [ قوله تعالى ]: " فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في
الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون " (1). ووجه الدلالة: أن الله
تعالى أوجب الحذر بخبر الواحد، ومتى وجب الحذر وجب العمل [ لان ] عند سماع الخبر
المحذر: اما أن يمتنعوا عن استباحة ما حذر عنه، وهو عمل به، وإذا عمل به في موضع
وجب في كل موضع، إذ لا قائل بالفرق، واما أن لا يمتنعوا، وذلك يقتضي ترك الحذر الذي
دلت الاية على وجوبه.
(1) في نسخه: مما ذكروه، (2) التوبة / 122. (*)
================
[ 144 ]
الثاني: قوله تعالى: " ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " (1). ووجه الدلالة: انه
أمر بالتبين عند كونه فاسقا، (فوجب) (2) أن لا يحصل وجوب التبين عند عدمه، والا لما
كان لتعليق التبين على الفسوق فائدة. الثالث: انه عليه السلام كان يبعث رسله الى
البلدان والقبائل، وهم آحاد، و يوجب على المرسل إليهم القبول من المرسل. الرابع:
أجمعت الصحابة على العمل بخبر الواحد، واجماع الصحابة حجه، أما انهم أجمعوا فلانهم
رجعوا الى أزواج النبي صلى الله عليه وآله في الغسل من التقاء الختانين، ورجع أبو
بكر في توريث الجدة إلى خبر المغيره، ورجع عمر الى رواية عبد الرحمن في سيرة المجوس
بقوله: " سيروا بهم سنة أهل الكتاب "، ومنع من توريث المرأة من دية زوجها، ورجع عن
ذلك بخبر الضحاك بن قيس، وعن علي عليه السلام: " كنت إذا سمعت من رسول الله صلى
الله عليه وآله حديثا نفعني الله بما شاء أن ينفعني، فإذا حدثني به غيره استحلفته،
فإذا حلف لي صدقته "، وعمل علي عليه السلام بخبر المقداد في المذي، وهذه الاخبار
وان كانت آحادا، فان معناها متواتر، كما يعلم كرم حاتم، وشجاعة عمرو، وان كانت
مفردات أخبارهما آحادا. لا يقال: لم لا يجوز أن تكون الصحابة عملت عند هذه الاخبار،
لابها ؟ لانا نقول: لو عملوا لابها، لوجب نقل ذلك الموجب للعمل دينا وعادة لان
الجماعة إذا مستهم الحاجة إلى كشف ملتبس ظهر منهم الاستبشار عند وضوحه، والتعجب من
حصوله، فيظهر لا محالة، ولو صح من الواحد ستره لما استمر (3) في الجماعة كلهم،
ولكان يحدوهم الدين إلى اظهار السبب الموجب
(1) الحجرات / 6. (2) في نسخة: فيجب. (3) كذا في النسخ، ولعل الصواب: استتر (*)
================
[ 145 ]
للعمل لئلا يحصل التوهم انهم عملوا للخبر، وإذا ثبت أن بعضهم عمل بما ذكرناه
ولم ينكر الباقون مع ارتفاع الموانع من الانكار، كان ذلك اجماعا. والجواب عن الاية
الاولى أن نقول: لا نسلم وجوب الحذر، فان قال: (لعل) في حق الله للوجوب، قلنا: هي
في حقه للوجوب بمعنى تحقق حصول ما دخلت عليه، لا بمعنى استحقاق الذم بتركه سلمنا أن
الحذر واجب عنده، لكن لا نسلم أنه يلزم العمل بمضمونه، و لم لا يكون ثمرة الحذر
(البعث على) (1) استعلام الحق والفحص عنه ؟ ! على أن وجوب الحذر ينافي العمل بخبر
الواحد إذ مع العمل به يؤمن الحذر، فكيف يكون سببا له ؟ ثم نقول: كما يحتمل ذلك نقل
الخبر يحتمل نقل الفتوى، ومع قيام الاحتمال لا يعود حجة على (موضع) (2) النزاع على
أن تناوله (للفتوى) (3) أولى، لقوله تعالى: " ولينذروا قومهم " (4) لان العمل
بالخبر يختص العلماء دون غيرهم، (فتنزيلها) (5) على الاعم أولى. والجواب عن الاية
الثانية أن نقول: الاستدلال بها مبني على القول بدليل الخطاب، وهو باطل. فان قال:
ان تعليل التبين بكون المخبر فاسقا يقتضي عدم الحكم عند عدمه، فلا يجب التبين عند
خبر العدل.
(1) في نسخة: البحث عن. (2) في نسخة: محل. (3) في نسخة: الفتوى. (4) التوبة / 122
(5) في نسخة: وتنزيلها. (*)
================
[ 146 ]
(قلت) (1): هذا معارض بان عدم الامان من اصابة القوم بالجهالة علة في وجوب
التبين، وهو ثابت في العدل فيجب التبين عملا بالعلة. فان قال: لو استوى العدل
والفاسق في ذلك، لم يكن لذكر الفسوق فائدة. قلنا: لا نسلم، وما المانع أن تكون
الفائدة هي اظهار فسوق من نزلت الاية بسببه، وهو الوليد بن عقبة، فانه (يمكن) (2)
أنه كان على ظاهر العدالة عندهم فكشف عن فسوقه. والجواب عن الثالث: أن نقول: لا
نسلم أنه صلى الله عليه وآله كان يبعث رسله الى القبائل لرواية الخبر، ولم لا يجوز
أن يكون بعثهم للحكم والفتوى ؟ ! ومع قيام هذا الاحتمال يبطل التعلق بهذا
الاستدلال. والجواب عن الرابع: لا نسلم حصول الاجماع على ذلك. قوله: نقل بالتواتر
حكم الصحابة [ به ]. قلنا: لا نسلم تواتر ذلك، إذ لو كان كذلك لحصل لنا العلم به
كما حصل لك، ولحصل لكثير ممن أنكر ذلك من المعتزلة وغيرهم. قوله: عمل [ به ] بعض
الصحابة وسكت الباقون. قلنا: لا نسلم أن بعضا عمل. فان استدل بالاخبار المذكورة،
قلنا: هي آحاد، فيكون ذلك اثباتا للشئ بنفسه. سلمنا أن بعضهم عمل، ولكن لا نسلم أن
سكوت الباقين لا يحتمل الا الرضا، لان العامل بذلك هم أرباب الحكم كأبي بكر وعمر
وعثمان وأمثالهم، وليس كل أحد قادرا على الانكار عليهم، وان قدر الواحد أو العشرة
من الصحابة، فان وفاقهم لا يكون اجماعا، لانا
(1) في نسخة: قلنا. (2) في نسخة: ممكن. (*)
================
[ 147 ]
لا نعلم ارتفاع الاحتمال في حق الباقين. على أن هذا الاستدلال لو صح لكان
معارضا بمثله، فان بعض الصحابة رد خبر الواحد، ولم يعلم النكير من غيره، كما روي أن
أبا بكر رد خبر عثمان فيما رواه عن النبي صلى الله عليه وآله من اذنه برد الحكم بن
أبي العاص، وأن عمر رد خبر فاطمة بنت قيس، وأن عليا عليه السلام رد خبر بروع بنت
واشق، وأن عائشة ردت خبر ابن عمر في تعذيب الميت ببكاء أهله عليه، وغير ذلك مما
عددوه، وتقريره ما تقدم. وذهب شيخنا أبو جعفر إلى العمل بخبر العدل من رواة
أصحابنا، لكن لفظه وان كان مطلقا، فعند التحقيق تبين أنه لا يعمل بالخبر مطلقا، بل
بهذه الاخبار التي رويت عن الائمة عليهم السلام ودونها الاصحاب، لا أن كل خبر يرويه
الامامي يجب العمل به، هذا الذي تبين لي من كلامه، ويدعي اجماع الاصحاب على العمل
بهذه الاخبار، حتى لورواها غير الامامي وكان الخبر سليما عن المعارض واشتهر نقله في
هذه الكتب الدائرة بين الاصحاب عمل به، واحتج لذلك بوجوه ثلاثة: الاول: دعوى
الاجماع على ذلك، فانه ره ذكر أن قديم الاصحاب و حديثم إذا طولبوا بصحة ما أفتى به
المفتي (منهم) (1)، عول على المنقول في أصولهم المعتمدة وكتبهم المدونة، فيسلم له
خصمه منهم الدعوى في ذلك، وهذه سجيتهم من زمن النبي صلى الله عليه وآله إلى زمن
الائمة عليهم السلام، فلو لا أن العمل بهذه الاخبار جائز لانكروه وتبرأوا من العامل
به. الوجه الثاني: وجود الاختلاف من الاصحاب بحسب أختلاف الاحاديث يدل على أن
مستندهم إليها، إذ لو كان العمل بغيرها مما طريقه القطع لوجب
(1) في نسخة: بينهم (*)
================
[ 148 ]
أن يحكم كل واحد بتضليل مخالفه وتفسيقه، فلما لم يحكموا بذلك دل على أن مستندهم
الخبر، وعلى جواز العمل به. لا يقال: هذا دليل على أنهم غير معاقبين على العمل به،
وعدم العقاب لا يدل على كونه حقا. لانا نقول: الجواب عن ذلك من وجهين: أحدهما: أن
الغرض في جواز العمل بهذه الاخبار انما هو ارتفاع الفسق وارتفاع العقاب. [ و ]
الثاني: أنه لو كان العمل بها خطأ، لما جاز الاعلام بالعفو عن فعله لان ذلك يكون
اغراءا بالقبيح. الوجه الثالث: اعتناء الطائفة بالرجال، وتمييز العدل من المجروح،
والثقة من الضعيف، والفرق بين من يعتمد على حديثه ومن لا يعتمد، وكونهم إذا اختلفوا
في خبر نظروا في سنده، وذلك يدل على العمل بهذه الاخبار، لانهم لو لم يعملوا بها
لما كان لشروعهم في ذلك فائدة. المسألة الرابعة: قد يقترن بخبر الواحد قرائن تدل
على صدق مضمونه وان كانت غير دالة على صدق الخبر نفسه لجواز اختلافه مطابقا لتلك
القرينة والقرائن أربع: احداها أن يكون موافقا لدلالة العقل، أو لنص الكتاب خصوصه
أو عمومه أو فحواه، أو السنة المقطوع بها، أو لما حصل الاجماع عليه. وإذا تجرد عن
القرائن الدالة على صدقه، ولم يوجد ما يدل على خلاف متضمنه، افتقر العمل به إلى
اعتبار شروط نذكرها في الفصول المعقبة [ لهذه ]
================
[ 149 ]
الفصل الثالث في مباحث متعلقة بالمخبر، وفيه مسائل: المسألة الاولى: الايمان
معتبر في الراوي، وأجاز الشيخ ره العمل بخبر الفطحية، ومن ضارعهم، بشرط أن لا يكون
متهما بالكذب، ومنع من رواية الغلاة، كأبي الخطاب، وابن أبي العزاقر. لنا: قوله
تعالى: " ان جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا " (1). احتج الشيخ ره بأن الطائفة عملت بخبر
عبد الله بن بكير، وسماعة، وعلي بن أبي حمزة، وعثمان بن عيسى، وبما رواه بنو فضال،
والطاطريون. والجواب: أنا لا نعلم إلى الان أن الطائفة عملت بأخبار هولاء. المسألة
الثانية: عدالة الراوي شرط في العمل بخبره [ و ] قال الشيخ ره يكفي كونه ثقة متحرزا
عن الكذب في الرواية وان كان فاسقا بجوارحه، وادعى عمل الطائفة على أخبار جماعة هذه
صفتهم. ونحن نمنع هذه الدعوى، ونطالب بدليلها، ولو سلمنا [ ها ] لاقتصرنا على
المواضع التي عملت فيها بأخبار خاصة، ولم يجز التعدي في العمل إلى غيرها. ودعوى
التحرز (عن) (2) الكذب مع ظهور (الفسق) (3) مستبعدة، إذ الذي يظهر فسوقه لا يوثق
بما يظهر من تحرجه عن الكذب.
(1) الحجرات / 6 (2) في نسخة: من (3) في نسخة: الفسوق (*)
================
[ 150 ]
تفريع عدالة الرواي (تعلم) (1) باشتهارها بين أهل النقل، فمن اشتهرت عدالته من
الرواة أو جرحه عمل بالاشتهار وان خفي حاله وشهد بها محدث واحد هل يقبل قوله بمجرده
؟ الحق انه لا يقبل الا على ما يقبل عليه تزكية الشاهد وجرحه، وهو شهادة عدلين.
وإذا جرح بعض، وعدل آخرون، قدم العمل بالجرح، لانه شهادة بزيادة لم يطلع عليها
المعدل، ولان العدالة قد يشهد بها على الظاهر، وليس كذلك الجرح. المسألة الثالثة:
المجنون والصبي لاتقبل روايتهما في حال كونهما كذلك لان الوثوق بهما لا يحصل، لعدم
تحقق الضبط، سواء كان الصبي مميزا أو غير مميز. لا يقال: الصبي تقبل شهادته في
الجراح والشجاج، فيجب قبول روايته. لانا نقول: لم لا يجوز أن يكون ذلك احتياطا في
الدم ؟ لا لصحة خبره على أن منصب الرواية أعظم، إذ الحكم بها مستمر والثابت (عنها)
(2) شرع عام في المكلفين، وليس كذلك الشهادة، فلا يقاس أحدهما على الاخر. أما لو
تحمل الشهادة صبيا لقبلت إذا أداها بالغا. المسألة الرابعة: المجهول النسب إذا عرف
اسلامه لم يكف في قبول روايته، فان عرفت عدالته قبلت، لانا نتيقن ارتفاع الفسق
المانع من قبول الشهادة
(1) في نسخة: تظهر. (2) في نسخة: منها. (*)
================
[ 151 ]
فان عارضها رواية معروف النسب والعدالة كان الترجيح لجانب المعروف. المسألة
الخامسة: إذا قال أخبرني بعض أصحابنا، وعنى الامامية، يقبل وان لم يصفه بالعدالة -
إذا لم يصفه بالفسوق - لان اخباره بمذهبه شهادة بأنه من أهل الامانة، ولم يعلم منه
الفسوق المانع من القبول. فان قال (عن بعض أصحابه) (1)، لم يقبل، لامكان أن يعني
نسبته إلى الرواة (أو) (2) أهل العلم، فيكون البحث فيه كالمجهول. المسألة السادسة:
إذا أرسل الراوي الرواية، قال الشيخ ره: ان كان ممن عرف أنه لا يروي الا عن ثقة،
قبلت مطلقا، وان لم يكن كذلك، قبلت بشرط أن لا يكون لها معارض من المسانيد الصحيحة.
واحتج لذلك: بأن الطائفة عملت بالمراسيل عند سلامتها عن المعارض كما عملت
بالمسانيد، فمن أجاز أحدهما أجاز الاخر. المسألة السابعة: رواية المرأة المعروفة
بالعدالة مقبولة، للسبب المقتضي للقبول، ويستوي في ذلك الحرة والمملوكة. المسألة
الثامنة: يعتبر في الراوي الضبط، فان عرف له السهو غالبا لم يقبل وان عرض نادرا
قبل، لان أحدا لا يكاد يسلم منه، فلو كان زواله أصلا شرطا في القبول، لما صح العمل
الا عن معصوم من السهو، وهو باطل اجماعا من العاملين بالخبر. المسألة التاسعة: إذا
قال راوي الاصل: لم أرو لك هذه الرواية قاطعا، كان ذلك قادحا في الرواية، وان قال:
لا أذكر، أو: لا أعلم، لم يكن قادحا، لجواز السهو على الاصل، ووجود العدالة في
الفرع ينفي التهمة عنه.
(1) في نسخة: بين بعض أصحابنا. (2) في نسخة: و (*)
================
[ 152 ]
الفصل الرابع في مباحث متعلقة بالخبر، وفيه مسائل: المسألة الاولى: الالفاظ
التي تعلم نسبة الخبر بها إلى رسول الله صلى الله عليه وآله أو أحد الائمة عليهم
السلام أربع مراتب: الاولى: أن يقول: أسمعني رسول الله صلى الله عليه وآله أو
شافهني أو حدثني. ويلي ذلك في القوة: أن يقول: قال رسول الله، أو سمعت منه، أو حدث.
ويلي ذلك: أن يقول: أمر رسول الله صلى الله عليه وآله. ويليه: أن يقول: رويت عن
رسول الله صلى الله عليه وآله. وههنا الفاظ أخر ليست صريحة في الرواية: منها: أن
يقول: أمرنا بكذا أو: (نهينا) (1) عن كذا، أو: ابيح لنا كذا، أو يقول: من السنة
كذا، أو يقول الصحابي: كنا نفعل كذا، فهذه الالفاظ لا يعلم من نفسها الدلالة على
الرواية ما لم ينضم إليها ما يدل على القصد بها. أما إذا كانت الرواية عن بعض
الرواة، فالصريح فيها ثلاثة ألفاظ: أخبرني أو حدثني، أو يقال للراوي: هل حدثك أو
أخبرك فلان ؟ فيقول: نعم. وههنا أمور تقوم مقام ذلك: أحدها الاشارة بالجوارح، أو
بالكتابة، أو بتسليم كتاب الرواية ويسمى مناولة، أو بالاجازة المعهودة، وهو: أن
يأذن له أن يروي عنه ما صح له من احاديثه، اما بأن يحيله على كتاب مشهور، أو أخبار
معروفة. المسألة الثانية: يجب عرض الخبر على الكتاب، لقوله عليه السلام: " إذا روي
لكم عني حديث فاعرضوه على كتاب الله، فان وافق فاقبلوه، والا فردوه ".
(1) في نسخة: نهانا. (*)
================
[ 153 ]
المسألة الثالثة: إذا روى [ الراوي ] خبرا يخالف مذهبه، لا يكون ذلك طعنا في
الرواية، لجواز أن يروي ذلك لما ظنه دليلا وليس كذلك. المسألة الرابعة: يجوز رواية
الخبر بالمعنى، بشرط أن لا تكون العبارة الثانية قاصرة [ عن ] معنى الاصل، بل ناهضة
بجميع فوائدها، لان الصحابة كانت تروي مجالس النبي صلى الله عليه وآله بعد انقضائها
وتطاول المدد، ويبعد في العادة بقاء ألفاظه عليه السلام بعينها على الاذهان، و [
لان ] الله سبحانه وتعالى قص القصة الواحدة بألفاظ مختلفة، وحكى معناها عن الامم،
ومن المعلوم أن تلك القصة وقعت بغير اللغة العربية (1)، وان كانت باللغة العربية
فان الواقع منها يكون بعبارة واحدة، وذلك دليل على جواز نسبة المعنى إلى القائل،
وان اختلفت الالفاظ. احتج المانع: بقوله عليه السلام: " [ رحم الله ] من سمع مقالتي
فوعاها وأداها كما سمعها ". والجواب أن نقول: إذا أداها بمعانيها فقد امتثل، كما
تقول: حكى فلان رسالة فلان، إذا (أداها) (2) بالمعنى ولو خالفه (باللفظ) (3).
المسألة الخامسة: إذا روى الواحد رواية، ثم رواها ثانيا وزاد فيها زيادة (أو) (4)
اختلفت الرواة في الرواية بالزيادة والنقصان، هل يكون ذلك قادحا في الرواية أم لا ؟
نظر، فان كان الراوي واحدا ولم تكن الزيادة منافية لمعنى الاول، لم يكن ذلك قادحا،
لجواز أن يكون سمعها في مجلسين، فحكى كل
(1) في الاصل: لغة العربية. (2) في بعض النسخ: أتى. (3) في نسخة: في اللفظ. (4) في
نسخة: و. (*)
================
[ 154 ]
(واحدة منهما) (1) تارة، أو في مجلس واحد واقتصر على حكاية بعضه، وان تغاير
الراوي وكان المنفرد بالزيادة واحدا، وبالنقيصة جماعة يستحيل علهيم أن لا يسمعوا ما
نقله الواحد، كانت الزيادة مردودة، وان لم يستحل ذلك - بأن يكون سمعها في مجلسين،
أو في مجلس واحد يجوز أن يغفل الاخرون - قبلت الزيادة، فان كانت الزيادة منافية
لمعنى الاول، تضادت الرواية [ بها ]، ووجب التوقف عن العمل. الفصل الخامس في
التراجيح بين الاخبار المتعارضة، وفيه مسائل: المسألة الاولى: إذا تعارض خبران
وأحدهما موافق لعموم القرآن أو السنة المتواترة أو لاجماع الطائفة، وجب العمل
بالموافق، لوجهين: أحدهما: ان كل واحد من هذه الامور حجة في نفسه، فيكون دليلا على
صدق مضمون الخبر الموافق له. الثاني: أن المنافي لا يعمل به لو انفرد عن المعارض،
فما ظنك به معه ؟ !. وكذلك إذا تعارضا وكانت رواة أحدهما عدولا، كان الترجيح لجانب
ما رواه (العدول) (2)، لان رواية من ليس بعدل، لاتقبل مع السلامة عن المعارض فمع
وجود المعارض أولى. المسألة الثانية: رجح الشيخ ره بالضابط والاضبط، والعالم
والاعلم، محتجا بأن الطائفة قدمت ما رواه محمد بن مسلم، وبريد بن معاوية، والفضيل
(1) في نسخة: واحد، وفى اخرى: منها. (2) في نسخة: العدل (*)
================
[ 155 ]
ابن يسار، ونظائرهم، على من ليس له حالهم. ويمكن أن يحتج لذلك: بأن رواية
العالم والاعلم (1) أبعد من احتمال الخطأ، وأنسب بنقل الحديث على وجهه، فكانت أولى.
المسألة الثالثة: قال الشيخ ره: إذا روى أحد الراويين اللفظ، والاخر المعنى،
وتعارضا، فان كان راوي المعنى معروفا بالضبط والمعرفة فلا ترجيح وان لم يوثق منه
بذلك، ينبغي أن يؤخذ المروي لفظا، وهذا (حق) (2) لانه أبعد من الزلل. المسألة
الرابعة: إذا روى الخبر سماعا، وروى المعارض اجازة، كان الترجيح لجانب المسموع، الا
أن يكون أحاله على أصل مسموع، أو مصنف [ مشهور ]، فيكونان متساويين. المسألة
الخامسة: إذا كان راوي أحد الخبرين مجهولا، والاخر معروفا أو كان أحد السندين
متصلا، والاخر مرسلا، كان الترجيح للمعروف والمسند لوجود شرائط العمل فيهما على
اليقين، وعدم اليقين في الطرف الاخر. المسألة السادسة: إذا رويت روايتان وفي
احداهما زيادة عن الاخرى قال الشيخ ره: عمل على الرواية المتضمنة للزيادة، لانها في
حكم خبرين. ولقائل أن يقول: أتعني بذلك أنه يعمل بالزيادة كما يعمل بالاصل ؟ أم
تعني مع التعارض يكون أرجح ؟ ان أردت الاول فمسلم، وان أردت الثاني فممنوع المسألة
السابعة: إذا عمل أكثر الطائفة على أحدى الروايتين كانت أولى إذا جوزنا كون الامام
عليه السلام في جملتهم، لان الكثرة امارة الرجحان، والعمل بالراجح واجب.
(1) كذا، ولعل الصواب سقوط: الضابط والاضبط (2) في نسخة: أحق (*)
================
[ 156 ]
المسألة الثامنة: إذا كان أحد الخبرين موافقا للاصل، قال قوم: يكون أولى، لان
الظاهر أنه هو المتأخر، وقال آخرون: الناقل أولى، لان له حكم النقل، والموافق للاصل
يستغنى بالاصل عنه، فيغلب على الظن أنه لا حاجة للشارع إلى ذكره، للاستغناء بحكم
الاصل. والحق: انه اما أن يكونا عن الرسول صلى الله عليه وآله أو عن الائمة عليهم
السلام فان كان عن النبي صلى الله عليه وآله وعلم التاريخ، كان المتأخر أولى سواءا
كان مطابقا للاصل أو لم يكن، وان جهل التاريخ، وجب التوقف، لانه كما يحتمل أن يكون
أحدهما ناسخا يحتمل أن يكون منسوخا. واما ان كانا عن الائمة، وجب القول بالتخيير،
سواءا علم تاريخهما أو جهل، لان الترجيح مفقود عنهما، والنسخ لا يكون بعد النبي صلى
الله عليه وآله، فوجب القول بالتخيير. المسألة التاسعة: قال الشيخ ره: [ إذا تساوت
] الروايتان في العدالة والعدد عمل بأبعدهما من قول العامة، والظاهر [ أن ] احتجاجه
في ذلك برواية رويت عن الصادق عليه السلام وهو اثبات لمسألة (علمية) (1) بخبر واحد،
وما يخفى عليك ما فيه، مع انه قد طعن فيه فضلاء من الشيعة كالمفيد، وغيره. فان
احتج: بأن الابعد لا يحتمل الا الفتوى، والموافق للعامة يحتمل التقية فوجب الرجوع
إلى مالا يحتمل. [ قلنا: لا نسلم انه لا يحتمل ] الا الفتوى، لانه كما جاز الفتوى
لمصلحة يراها الامام، كذلك تجوز الفتوى بما يحتمل التأويل، مراعاة لمصلحة يعلمها
الامام، وان كنا لا نعلمها. فان قال: ذلك يسد باب العمل بالحديث.
(1) في نسخة: عملية (*)
================
[ 157 ]
قلنا: انما نصير إلى ذلك على تقدير التعارض وحصول مانع يمنع من العمل، لا
مطلقا، فلم يلزم سد باب العمل. المسألة العاشرة: إذا كان أحد الخبرين مشافهة،
والاخر مكاتبة، كان الترجيح لجانب المشافهة، لان المكاتبة تحتمل من الخلل ما لا
تحتمله المشافهة. المسألة الحادية عشرة: إذا كان أحد الخبرين حاظرا، والاخر مبيحا
وكان حكما هما مستفادين من الشرع، قال قوم، يكون الحاظر أولى، لقوله عليه السلام: "
دع ما يريبك إلى ما لا يريبك " ولانه أحوط في التحرز من الضرر. وجواب الاول: انه
خبر واحد، لا يثبت بمثله مسائل الاصول. [ و ] الثاني ضعيف، لان الضرر متوجه في
الاقدام على حظر ما لا يؤمن [ من ] كونه مباحا كما هو محتمل في الطرف الاخر:
والاولى: التوقف.
================
[ 159 ]
الباب الثامن في الناسخ والمنسوخ وفيه فصول:
================
[ 161 ]
الفصل الاول في النسخ، وفيه مسائل: المسألة الاولى: النسخ في الاصل هو الازالة،
من قولهم نسخت الشمس الظل، والتغيير، كما يقال: نسخت الريح الاثر، وقيل: هو حقيقة
في النقل، مجاز في غيره، وقيل: [ بل ] هو مشترك، والبحث لفظي. وفي الشرع: عبارة عن
الاعلام بزوال مثل الحكم الثابت بالدليل الشرعي بدليل شرعي متراخ عنه، على وجه
لولاه لكان الحكم الاول ثابتا. ومن الناس من يجعل النسخ رفعا، ومنهم من يجعله بيانا
لانتهاء مدة الحكم الاول. والناسخ: هو الدليل الثاني، وقد يطلق الناسخ على ناصب
دلالة النسخ، وقد يتجوز به في الحكم، كما يقال: نسخ شهر رمضان صوم عاشوراء، وفي
المعتقد، كما يقال: الحنفي ينسخ القرآن بالسنة. والمنسوخ: هو الدليل الاول، وقد
يستعمل في الحكم، ولا يطلق النسخ بالحقيقة الا حيث يكون الدليلان شرعيين، فلو كانا
عقليين أو أحدهما، لم يكن ذلك نسخا بالحقيقة، وان كان معنى النسخ موجودا فيه.
================
[ 162 ]
المسألة الثانية: النسخ في الشرائع جائز عقلا وشرعا: أما عقلا فلوجهين: أحدهما
أن الشرائع تابعة للمصالح، وهي جائزة الاختلاف، فجاز اختلاف ما هو تابع لها. الثاني
أن الدلائل القطعية دلت على نبوة نبينا صلى الله عليه وآله ويلزم من ذلك نسخ شرع من
قبله. وأما شرعا فوجوه: أحدها: [ ما ] نقل أن نوحا عليه السلام احل له كل دابة، ثم
حرم على لسان موسى عليه السلام كثير من الحيوان. الثاني: قوله تعالى: " ما ننسخ من
آية أو ننسها، نأت بخير منها أو مثلها " (1). الثالث: وقوع النسخ في شرعنا، كنسخ
التوجه إلى بيت المقدس باستقبال الكعبة، ونسخ الاعتداد في الوفاة بالحول إلى أربعة
أشهر وعشر، ونسخ ثبات الواحد في الجهاد لعشرة إلى ثباته لاثنين. احتج المانع بوجوه:
الاول: لو جاز النسخ، لزم منه الامر بالشئ والنهي عنه، لكن ذلك فاسد من وجوه:
الاول: انه يلزم منه البداء. الثاني: انه يؤدي إلى كون الشئ حسنا [ و ] قبيحا.
الثالث: ان يكون الامر يدل على حسن المأمور، فلو نهى عنه لانتقضت تلك الدلالة.
(1) البقرة / 106 (*)
================
[ 163 ]
الوجه الثاني: ان اطلاق الامر يدل على استمرار الالزام بالفعل، فلو لم يرد
دوامه، لوجب بيان مدته، والا لزم الاغراء باعتقاد الجهل. الوجه الثالث: لو جاز
النسخ لزم رفع الثقة بدوام الاحكام، وتمسك اليهود في المسألة بقول موسى عليه
السلام: " تمسكوا بالسبت [ أبدا " وبقوله: " تمسكوا بالسبت ] مادامت السماوات
والارض ". والجواب عن الاول (أن نقول: لا نسلم) (1) أنه يلزم منه الامر بالشئ و
النهي عنه، لانا بينا أن الدليل الاول تناول غير ما تناوله الثاني وانما يلزم
البداء لو كان الامر بنفس ما نهى عنه، والوقت والمكلف واحد. قوله: لو نهى عنه
لانتقضت دلالة الحسن. قلنا: لا نسلم أن الدليل الثاني دل على قبح ما لم يدل عليه
الاول، فلم تنتقض دلالته، وجرى ذلك مجرى ما علم زواله عقلا، فان الشرع إذا دل على
وجوب فعل، فإذا عجز عنه [ المكلف ] سقط بالعجز، ولا يلزم أن يكون العجز ناقضا
لدلالة الوجوب، فكذا مسألتنا. والجواب عن الثاني: قوله لو لم يرد دوامه لبينه
والالزم الاغراء باعتقاد الجهل. قلنا: لا نسلم، لان المكلف يعلم أن تغير المصالح
يوجب تغير التكاليف وذلك يمنعه عن القطع باعتقاد الدوام. قوله في الوجه الثالث:
يلزم أن لا يحصل الوثوق بدوام شئ من الاحكام. قلنا: نحن نعلم دوام كثير من الاحكام
بالضرورة من مقاصد الشرع، فيكون الوثوق بالدوام حيث [ يكون ] الامر كذلك دون غيره.
المسألة الثالثة: الزيادة على النص ان كانت رافعة لمثل الحكم الشرعي
(1) في نسخة: أنا لا نسلم. (*)
================
[ 164 ]
المستفاد من الحكم الشرعي، كانت نسخا، وان كانت رافعة لحكم من أحكامه المستفادة
من العقل، لم يكن ذلك نسخا. وفائدة ذلك: ما ثبت أن خبر الواحد لا ينسخ به حكم
الدليل المقطوع به فكل موضع (تعده) (1) نسخا لا يجوز استعمال خبر الواحد فيه. وقال
[ السيد ] المرتضى ره، وأبو جعفر ره: ان كانت [ الزيادة ] مغيرة للمزيد عليه، بحيث
لو فعل كما كان يفعل قبل الزيادة، لم يكن مجزيا، ووجب استئنافه، كان ذلك نسخا، والا
فلا. لنا: ما بيناه أولا من أن شرط النسخ أن يكون رافعا لمثل الحكم الشرعي المستفاد
بالدليل الشرعي، فبتقدير أن يكون ذلك الحكم مستفادا من العقل لا يكون الرفع [ لمثله
] نسخا حقيقيا، والا لكان كل خبر يرفع البراءة الاصلية نسخا، وهو باطل. لا يقال: لو
وجبت الصلاة ركعتين، ثم زيد عليها [ ركعة ] أخرى لكانت ناسخة، لان التسليم وجب
تأخيره إلى ما بعد الثالثة، وقد كان يجب أن يكون عقيب الثانية، ولان الركعتين كانتا
مجزيتين بانفرادهما (فصارتا) (2) غير مجزيتين لو انفردتا. لانا نقول: لا نسلم أن
ذلك نسخ لوجوب الركعتين، ولا للتشهد وان كان التغير فيهما ثابتا، بل بتقدير أن يكون
الشرع دل على (وجوب تعقيب التشهد بالتسليم) (3) للثانية، يلزم أن يكون الامر
بتأخيره نسخا لتعجيله، إذ لم
(1) في نسخة: نعده. (2) في بعض النسخ: فعادتا. (3) كذا الظاهر، ولكن في بعض النسخ:
وجوب تعقيب التشهد، وفى اخرى: وجوب تشهد التسليم. (*)
================
[ 165 ]
يرفع [ الدليل ] الثاني شيئا غير ذلك. واما الركعتان فان حكمهما باق من كونهما
واجبتين، وغاية ما في الباب أن وجوبهما كان منفردا، فصار منضما إلى الثالثة، والشئ
لا ينسخ بانضياف غيره إليه، كما [ لا ] ينسخ وجوب فريضة واحدة إذا وجب بعدها أخرى.
وأما كونهما لو انفردتا [ لما ] أجزأتا بعد أن كانتا مجزئتين، فان الاجزاء يعلم
لامن منطوق الدليل، بل علم بالعقل، فلم يكن نسخا، ولو علم الاجزاء من نفس الدليل
الشرعي، لكان المنسوخ اجزاؤهما منفردتين، لا وجوبهما. المسألة الرابعة: النقيصة من
العبادة لا تكون نسخا لها، سواءا كان الناقص جزءا منها أو شرطا لها، لكن ان دل
الدليل الشرعي على وجوب ذلك الجزء أو ذلك الشرط، ثم دل الاخر على ارتفاعه، كان ذلك
نسخا للجزء (والشرط) (1) خاصة، دون نفس العبادة. مثال ذلك: إذا أوجب صلاة ثلاثية
مثلا، ثم أسقط منها ركعة، كان ذلك نسخا لتلك الركعة حسب، ولم يكن نسخا للصلاة كلها،
أو أوجب فريضة و شرط لها شرطا ثم أسقط ذلك الشرط، كان نسخا له حسب، ولم يكن نسخا
للفريضة. لنا: ان الدليل المقتضي لثبوت الحكم السابق ثابت، والدليل الثاني ليس
رافعا لمثل حكمه، فلا يكون نسخا. فان قالوا: العبادة الاولى كانت غير مجزية بتقدير
أن لا يفعل الشرط، وقد صارت الان مجزية، فقد انتسخ الاجزاء. قلنا: لا نسلم أن ذلك
نسخ، لانا قد بينا أن الاجزاء إذا لم يتضمنه الدليل الشرعي يكون معلوما بالعقل، فلا
يكون زواله نسخا، ولو سلمنا أن ذلك نسخ،
(1) في نسخة: وللشرط (*)
================
[ 166 ]
لكان نسخا للاجزاء، لا نسخا للعبادة. المسألة الخامسة: يعلم النسخ بأن يقال:
هذا ناسخ، وذاك منسوخ، أو يكون حكم أحد الدليلين مضادا لحكم آخر، فيكون المتأخر
ناسخا، ويعلم التاريخ بوجوه: منها: أن يتضمن لفظ أحدهما ما يدل على التأخر أو
التقدم. ومنها: أن يضاف أحدهما إلى زمان أو مكان يعلم منه التقدم أو التأخر. ومنها:
أن يروي احدى الروايتين عن النبي صلى الله عليه وآله من انقطعت صحبته عند تجدد صحبة
راوي الاخرى. وهل يقبل قول الصحابي إذا قال: كذا منسوخ مطلقا، أو منسوخ بكذا ؟
الاظهر: لا، إذ يجوز ان يكون قال ذلك اجتهادا، لا عن سماع، وقد يخطئ المجتهد. الفصل
الثاني في مباحث متعلقة بالناسخ، وفيه مسائل: المسألة الاولى: من شرط الناسخ أن
يكون المراد به غير المراد بالمنسوخ نفسه، إذ لو اريد ازالة المنسوخ نفسه لكان أمرا
بنفس ما نهى عنه، ويلزم من هذا البداء. المسألة الثانية: من شرط الناسخ أن يكون
متراخيا، لانه لو كان متصلا لما كان نسخا، كما في قوله تعالى: " ولا تقربوهن حتى
يطهرن " (1) (وقوله) (2)
(1) البقرة / 222 (2) في نسخة: وكقوله (*)
================
[ 167 ]
تعالى: " ثم اتموا الصيام إلى الليل " (1) بل ذلك بالتقييد والتخصيص أشبه.
المسألة الثالثة: من شرط [ الناسخ ] أن يكون في قوة المنسوخ، فلا ينسخ المتواتر
بالاحاد، ولا المعلوم بالمظنون كالقياس وماشا كله. الفصل الثالث في مباحث متعلقة
بالمنسوخ، وربما وقعت مشتركة، وفيه مسائل: المسألة الاولى: إذا تضمن الدليل الاول
لفظ التأبيد، هل يجوز نسخه ؟. أنكره قوم، والحق خلافه، لانه قد يستعمل فيما لايراد
به الدوام، فانه يقال تعلم العلم أبدا. ولو سلمنا أنه حقيقة في الدوام، لكان ورود
الناسخ يدل على أنه لم يرد به الدوام، وكما أن العام حقيقة في الاستغراق ثم مع ورود
المخصص يعلم أنه لم يرد، فكذا هنا. المسألة الثانية: يجوز نسخ الحكم لا إلى بدل،
ومنعه قوم. لنا: نسخ الصدقة بين يدي المناجاة لا إلى بدل، ولان النسخ تابع للمصلحة
فإذا كان الشئ مصلحة في وقت امر به، وإذا انقلب [ إلى ] مفسدة نهي عنه، (ثم لا
يلزم) (2) البدل. المسألة الثالثة: لابد أن يكون المنسوخ مطلقا غير موقت بوقت معين
لانه لو وقت لم يكن ذلك نسخا، لان شرط تسميته أن يثبت الحكم لو لا الدليل المتراخي،
وذلك غير حاصل في هذه الصورة. المسألة الرابعة: لا يجوز نسخ الشئ قبل وقت فعله، مثل
أن يأمر في
(1) البقرة / 187 (2) في نسخة: ولا يلزم (*)
================
[ 168 ]
أول النهار بصلاة ركعتين عند الزوال، ثم ينسخهما قبل ذلك، وهو اختيار المرتضى
ره، وأبي جعفر ره. وقال المفيد ره: (يجوز) (1) ذلك، وهو اختيار جماعة من الفقهاء
والاشعرية. لنا: لو وقع ذلك، لزم أن يأمر بنفس ما نهى عنه، لكن ذلك محال لوجهين:
الاول: أن الامر يقتضي كونه حسنا، والنهي يقتضي كونه قبيحا، فيلزم كونه حسنا قبيحا
معا. [ و ] الثاني: أن الفعل الواحد اما أن يكون حسنا، واما أن يكون قبيحا [
فبتقدير أن يكون حسنا يلزم قبح النهي عنه، وبتقدير أن يكون قبيحا ] يقبح الامر به.
احتج المجيز لذلك بوجوه: الاول: قوله تعالى: " يمحو الله ما يشاء ويثبت وعنده أم
الكتاب " (2). الثاني: انه تعالى أمر ابراهيم عليه السلام بذبح اسماعيل، ثم نسخ ذلك
قبل ذبحه. الثالث: ماروي أن النبي صلى الله عليه وآله أمر ليلة المعراج بخمسين
صلاة، ثم اقتصر به على خمس. ولان المصلحة قد تتعلق بنفس الامر والنهي، فجاز
الاقتصار علهيما من دون ارادة فعل [ الاول وترك الثاني ]. والجواب عن الاول: أن
المحو والاثبات معلقان على المشيئة، فلا نسلم
(1) في بعض النسخ: بجواز (2) الرعد / 39 (*)
================
[ 169 ]
أنه يشاء مثل هذا القدر، على أنه (يحتمل) (1) أن يكون يمحو ما يشاء مما يثبته
غيره، وكذلك يثبت ما يشاء، فمن أين أنه يمحو ما يثبته هو تعالى. وقد قيل أن الحفظة
تثبت على العبد معاصيه وطاعاته، فيمحو الله سبحانه ما يشاء من المعاصي، وهذا وان لم
يكن معلوما، فهو محتمل، وبمثله يخرج الاحتجاج عن اليقين. والجواب عن الثاني: لم لا
يجوز أن يكون الامر كان بمقدمات الذبح ؟ و يكون الذبح - وان نطق به - غير مراد،
ويدل على ذلك قوله تعالى: " قد صدقت الرؤيا " (2). لا يقال: لو كان [ ذلك ]، مرادا
لما قال: " فانظر ماذا ترى " (3) ولما قال: " ان هذا لهو البلاء المبين " (4) ولما
قال: " وفديناه بذبح عظيم " (5). لانا نقول: غلب على ظن ابراهيم أن المراد الذبح،
فلهذا قال " ماذا ترى " وبواسطة ذلك الظن قال: " ان هذا لهو البلاء المبين ". وأما
الفداء فقد يجوز أن يسمى بذلك وان لم يجب ذبح المفدى، لمكان ظن ابراهيم أنه تعالى
أراد الذبح. والجواب عن الثالث: أنه خبر واحد، لا يثبت بمثله مسائل الاصول، على أن
فيه طعنا على الانبياء بالاقدام على المراجعة في الاوامر المطلقة. والجوب عن
الرابع: أن الامر والنهى يتبعان متعلقهما، فان كان حسنا
(1) في نسخة: محتمل (2) الصافات / 105 (3) الصافات / 102 (4) الصافات / 106 (5)
الصافات / 107 (*)
================
[ 170 ]
كانا كذلك، والا قبيحا، على أنه لو كان الامر كذلك، لم يكن متعلق الامر مرادا،
فلا يكون مأمورا به فلا يكون النسخ متناولا له. المسألة الخامسة: النسخ في القرآن
جائز، ويدل على ذلك وقوعه، كنسخ عدة الوفاة بالحول إلى أربعة أشهر وعشر، وكنسخ
الصدقة أمام المناجاة، وكنسخ الفرار من الزحف من العشرة. احتج المانع: بقوله تعالى:
" لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه " (1) والجواب: لا نسلم أن النسخ باطل،
ولا يلزم من كونه ابطالا، أن يكون باطلا. سلمناه جدلا، لكن لم لا يجوز أن يكون "
مابين يديه " اشارة إلى كتب الانبياء المتقدمة ؟ و " خلفه " اشارة إلى ما [ يكون ]
بعد النبي صلى الله عليه وآله أو بعد كمال نزوله، وهذا الاحتمال كاف في ابطال
الاحتجاج. المسألة السادسة: نسخ الحكم دون التلاوة جائز، وواقع، كنسخ الاعتداد
بالحول، وكنسخ الامساك في البيوت. كذلك نسخ التلاوة مع بقاء الحكم جائز، وقيل:
واقع، كما يقال انه كان في القرآن زيادة نسخت، وهذا و (ان لم يكن) (3) معلوما، فانه
يجوز. لا يقال: لو نسخ الحكم (لما) (3) بقى في التلاوة فائدة، فانه من الجائز أن
يشتمل على مصلحة تقتضي ابقائها، وأما بطلان دلالتها فلا نسلم، فان الدلالة باقية
على الحكم، نعم لا يجب العمل به. المسألة السابعة: يجوز دخول النسخ في الاخبار التى
تتضمن معنى الامر ومعنى النهى، كما يجوز في الامر والنهى. وكذلك في الخبر المأمور
به،
(1) فصلت / 42 (2) في نسخة: لو لم يكن (3) في نسخة: ما (*)
================
[ 171 ]
كالاخبار بالتوحيد والعدل، فيؤمر بذلك الخبر تارة، وينهى عنه اخرى بحسب اختلاف
المصلحة، وهذا لا بحث فيه. وهل يجوز أن يخبر الله تعالى بخبر محض، ثم يخبر بخلافه ؟
نظر، فان كان ذلك المخبر مما يتغير مدلول الخبر فيه، أمكن ذلك، والا لم (يجز) (1).
المسألة الثامنة: نسخ الكتاب بالكتاب جائز، والسنة المتواترة بمثلها، و الاحاد
بالاحاد، كما قيل في ادخار لحوم الاضاحي، وزيارة القبور. وهل يجوز نسخ السنة
المتواترة بخبر الواحد ؟ منعه الاكثرون، وهو الحق وقال قوم من أهل الظاهر بجوازه.
لنا: وجوه: أحدها: أن (خبر) (3) الواحد مظنون، والمتواتر معلوم، ولا يجوز ترك
المعلوم للمظنون. الثاني: ان خبر الواحد مختلف في العمل [ به ]، وليس كذلك
المتواتر، فيكون العمل بالمتفق عليه أولى. الثالث: لو وجب العمل بخبر الواحد لكونه
منسوبا إلى صاحب الشرع، لوجب في المتواتر، فيلزم التناقض، ولو عمل بالمتواتر لكونه
متواترا، لم يلزم العمل بالخبر الواحد، فلا يلزم التناقض. احتج الخصم بوجهين:
أحدهما: يجوز التخصيص به، فيجوز النسخ به. الثاني: وقع النسخ به، كما في قوله
تعالى: " واحل لكم ما وراء ذلكم " (3)
(1) يظهر من احدى النسخ (يخبر) (2) في نسخة: الخبر (3) النساء / 24 (*)
================
[ 172 ]
بقوله: " لا تنكح المرأة على عمتها، ولا على خالتها ". وقوله تعالى: " قل لا
أجد فيما أوحى إلى محرما على طاعم يطعمه " (1) بنهيه عن كل ذى ناب من السباع.
والجواب عن الاول: أن نمنع تخصيص الكتاب بخبر الواحد. ثم لو سلمناه لما لزم من
التخصيص النسخ، لان النسخ ازالة الحكم، والتخصيص ليس كذلك. وعن الثاني: لا نسلم أن
ذلك نسخ، بل هو تخصيص، على أنا لا نسلم أن التخصيص واقع بمجرد الخبر، بل لكون الامة
تلقته بالقبول وذلك غير ما نحن فيه. المسألة التاسعة: يجوز نسخ السنة المتواترة
بالقرآن، خلافا للشافعي. لنا: وقوعه، فان استقبال بيت المقدس نسخ بقوله: " فول وجهك
شطر المسجد الحرام " (2) وتحريم المباشرة: [ بالليل ] نسخ: بقوله " فالان باشروهن "
(3) احتج الشافعي: بقوله تعالى: لتبين للناس ما نزل إليهم " (4) فلو نسخ قوله
بالقرآن [ حتى يتبين ]، لما كان قوله بيانا. والجواب: لا نسلم أنه يلزم من كونه
مبينا ما نزل الينا، أن لا يكون في المنزل [ بيان ] لبعض أقواله. المسألة العاشرة:
نسخ الكتاب بالسنة المتواترة واقع، وحكى عن الشافعي انكاره.
(1) الانعام / 145 (2) البقرة / 144 (3) البقرة / 187 (4) النحل / 44 (*)
================
[ 173 ]
لنا: ان السنة المتواترة يقينية، فتكون مساوية للقرآن في اليقين، فكما جاز نسخ
الكتاب بالكتاب، جاز نسخه بالسنة المساوية في العلم، ولان الزانية كان يجب امساكها
في البيوت، ونسخ ذلك بالرجم في المحصنة. احتج المانع: بقوله تعالى: " ما ننسخ من
آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها " (1) والسنة ليست مماثلة للقرآن. وبقوله: "
قل ما يكون لي أن أبد له من تلقاء نفسي ان أتبع الا ما يوحى إلى " (2). والجواب عن
الاول: انه لا يلزم أن يكون المأتى به عوض المنسوخ ناسخا، فلم لا يجوز أن تنسخ
الاية بالسنة وهى دونها، ثم يأتي الله بآية خير من المنسوخة ولا تتضمن حكم النسخ.
والجواب عن الثاني: أنا نسلم أنه لايبد له الا بوحى من الله، ولا يلزم أن يكون
الناسخ قرآنا، بل يجوز أن يكون الامر بالنطق بالناسخ قرآنا، وذلك [ مما ] لا ينافي
ما قصدنا. المسألة الحادية عشرة: في الاجماع، هل ينسخ وينسخ به أم لا ؟ يحتاج ذلك
إلى تقديم مقدمة: وهي ان الاجماع هل يمكن استقراره قبل انقطاع الوحي أم لا ؟ أنكر
ذلك الجمهور بأجمعهم، وأجازه بعض أصحابنا. أما الجمهور فقالوا: إذا اتفق المسلمون
على شئ في زمن النبي صلى الله عليه وآله فان كان منضما إلى قوله صلى الله عليه وآله
ففيه الحجة، لا في قول غيره، فلم يكن اجماعا، وان كان منفردا عن قوله صلى الله عليه
وآله لم يعتد به.
(1) البقرة / 106 (2) يونس / 15 (*)
================
[ 174 ]
وأما المرتضى ره فانه أجاز وقوع الاجماع في زمن النبي صلى الله عليه وآله وسلم
بناءا على أن الاجماع هو اتفاق من يعلم أن المعصوم عليه السلام في جملتهم، وبأن
الادلة التى استدلوا بها على صحة الاجماع لا تختص بما بعد انقطاع الوحى. وقول
الجمهور: لا اعتبار بقول الجماعة، ضعيف، لانه لو لا اتفاق الجماعة لما علم قول
النبي صلى الله عليه وآله فكان اتفاقهم منضما إلى قوله من غير تعيين حجة. إذا عرفت
هذا فنقول: اختلف أصحابنا في الاجماع، هل ينسخ وينسخ به ؟ فقال المرتضى ره: يجوز
ذلك عقلا، لكن الاجماع منع منه. وقال [ شيخنا أبو جعفر ] الطوسي: الاجماع دليل
عقلي، والنسخ لا يكون الا بدليل شرعى، فلم يتحقق النسخ فيما يكون مستنده العقل،
وقال بعض المتأخرين: الاجماع لا يكون الا اتفاقا، ولا يكون الا عن مستند قطعي،
فيكون الناسخ ذلك المستند لانفس الاجماع، وفى هذه الوجوه اشكال. والذي يجئ على
مذهبنا أنه يصح دخول النسخ فيه، بناءا على أن الاجماع انضمام اقوال إلى قول لو
انفرد لكانت الحجة، فيه، فجائز حصول مثل هذا في زمن النبي صلى الله عليه وآله ثم
ينسخ ذلك الحكم بدلالة شرعية متراخية، و كذلك يجوز ارتفاع الحكم المعلوم من السنة
أو القرآن بأقوال يدخل في جملتها قول النبي صلى الله عليه وآله. المسألة الثانية
عشرة: هل يدخل النسخ فحوى الخطاب ؟ الحق: نعم، لانه دليل شرعي، فجاز رفع الحكم
الثابت به، كغيره من الادلة، لكن يجوز رفع المنطوق والفحوى، [ ورفع الفحوى ] دون
المنطوق، إذا تعلقت به مصلحة وان كان فيه بعد.
================
[ 175 ]
وهل يجوز رفع المنطوق به دون مادلت عليه الفحوى ؟ هذا جائز، و أنكر ذلك قوم،
وزعموا أن الفحوى انما علمت تبعا [ للتصريح ] (1) فإذا رفع الاصل تبعه الفرع.
(1) في نسخة: للصريح (*)
================
[ 177 ]
الباب التاسع في الاجتهاد وفيه فصول:
================
[ 179 ]
الفصل الاول وفيه مسائل: المسألة الاولى: في حقيقة الاجتهاد. الاجتهاد: افتعال
من الجهد، وهو في الوضع: بذل المجهود في طلب المراد مع المشقة، لانه يقال: " اجتهد
" في حمل الثقيل، ولا يقال ذلك في حمل الحقير. وهو في عرف الفقهاء: بذل الجهد في
استخراج الاحكام الشرعية، و بهذا الاعتبار يكون استخراج الاحكام من أدلة الشرع
اجتهادا، لانها (تبتنى) (1) على اعتبارات نظرية ليست مستفادة من ظواهر النصوص في
الاكثر، وسواء كان ذلك الدليل قياسا أو غيره، فيكون القياس على هذا التقرير أحد
أقسام الاجتهاد. فان قيل: يلزم على هذا أن يكون الامامية من أهل الاجتهاد. قلنا:
الامر كذلك، لكن فيه (ايهام) (2) من حيث أن القياس من جملة
(1) في نسخة: تبنى (2) كذا الظاهر وفى النسخ: ابهام. (*)
================
[ 180 ]
الاجتهاد، فإذا استثنى القياس كنا من أهل الاجتهاد في تحصيل الاحكام بالطرق
النظرية التى ليس أحدها القياس. المسألة الثانية: لا يجوز أن يكون النبي صلى الله
عليه وآله متعبدا بالقياس في الاحكام الشرعية، لانا نستدل [ على ] أن العبادة لم
ترد بالعمل به. وهل يجوز أن يكون متعبدا باستخراج الاحكام الشرعية بالطرق النظرية
الشرعية عدا القياس ؟ لا نمنع من جوازه، وان كنا (لا نعلم) (1) وقوعه. وعلى هذا
التقدير، فهل يجوز أن يخطئ في اجتهاده ؟ الحق أنه لا يجوز، لوجوه: الاول: أنه معصوم
من الخطأ، عمدا ونسيانا، بما ثبت في الكلام، ومع ذلك يستحيل عليه الغلط. الثاني:
انا مأمورون باتباعه، فلو وقع منه الخطأ في الاحكام، لزم الامر بالعمل بالخطأ، وهو
باطل. الثالث: لو جاز ذلك لم يبق وثوق بأوامره ونواهيه، فيؤدي ذلك إلى التنفير عن
قبول قوله. احتج المجيز لذلك بوجهين: الاول: قوله تعالى: " قل انما أنا بشر مثلكم
يوحى إلى " (2) ويلزم من المماثلة جواز الغلط عليه. الثاني: قوله عليه السلام: "
فمن قضيت له بشئ من حق أخيه فلا يأخذنه ان ما أقطع له (3) قطعة من النار " وهذا يدل
[ على ] أنه يجوز منه الغلط في الحكم والجواب عن الاول: انه لا يلزم من المماثلة في
البشرية المساواة في
(1) في نسخة: نعلم، وهو خطأ. (2) الكهف / 110 (3) زاد في نسخة: به (*)
================
[ 181 ]
الغلط، لوجود الدلالة المانعة من ذلك في حقه. والجواب عن الثاني: ان حكمه
للانسان بشئ من حق أخيه ليس بغلط، لانه هو الحكم المأمور به شرعا، سواء كان مطابقا
للباطن أو لم يكن، و الاصابة ليس الا [ في ] العمل بالاوامر الشرعية على الوجه الذى
عين له وهو موجود فيما يحكم به. المسألة الثالثة: الاحكام اما أن تكون مستفادة من
ظواهر النصوص المعلومة على القطع، والمصيب فيها واحد، والمخطئ لا يعذر، وذلك ما
يكون المعتقد فيه لا [ يتغير ] بتغير المصالح. واما أن تفتقر إلى اجتهاد ونظر،
ويجوز اختلافه باختلاف المصالح، فانه يجب على المجتهد استفراغ الوسع فيه، فان أخطأ
لم يكن مأثوما، ويدل على وضع الاثم عنه وجوه: أحدها: انه مع استفراغ الوسع يتحقق
العذر، فلا يتحقق الاثم. الثاني: أنا نجد الفرقة المحقة مختلفة في الاحكام الشرعية
اختلافا شديدا حتى يفتى الواحد منهم بالشئ ويرجع عنه إلى غيره، فلو لم يرتفع الاثم
لعمهم الفسق وشملهم الاثم، لان القائل منهم بالقول اما أن يكون استفرغ وسعه [ في
تحصيل ذلك الحكم أو لم يكن، فان لم يكن، تحقق الاثم، وان استفرغ وسعه ] ثم لم يظفر،
ولم يعذر، تحقق الاثم أيضا. الثالث: الاحكام الشرعية تابعة للمصالح، فجاز أن تختلف
بالنسبة إلى المجتهدين، كاستقبال القبلة، فانه يلزم كل من غلب على ظنه أن القبلة في
جهة أن يستقبل تلك الجهة - إذ لم يكن له طريق إلى العلم - ثم تكون الصلوات مجزية
لكل واحد منهم، وان اختلفت الجهات. فان قيل: لا نسلم أن مع استفراغ الوسع يمكن
الغلط في الحكم، و
================
[ 182 ]
ذلك لان الواقعة لابد فيها من حكم شرعى، ولابد من نصب دلالة على ذلك الحكم، فلو
لم يكن للمكلف طريق إلى العلم بها، (لكان) (1) نصبها عبثا (و) (2) لما كان لذلك
المخطئ طريق إلى العلم بالحكم مع تقدير استفراغ الوسع، وذلك تكليف بما لا يطاق.
والجواب: قوله: [ و ] لابد من نصب دلالة. قلنا: [ مسلم ]، لكن ما المانع أن يكون
فرض المكلف مع الظفر بتلك الدلالة العمل بمقتضاها، و مع عدم الظفر بها يكون الحكم
في الواقعة لاذلك الحكم، ومثاله: جهة القبلة فان مع العلم بها يجب التوجه، ومع عدم
العلم [ يكون ] فرضه التوجه إلى الجهة التى يغلب على ظنه أنها جهة القبلة، وكذلك
العمل بالبينة عند ظهور العدالة و (خفاء) (3) الفسق، [ ولو ظهر ] فسقها لوجب
اطراحها، فما المانع أن يكون الادلة التى وقع فيها النزاع كذلك ؟ ألا ترى أن العموم
يخص مع وجود المخصص، ويعمل بعمومه مع عدم المخصص ؟ ! الفصل الثاني في القياس، وفيه
مسائل: المسألة الاولى: القياس في الوضع: هو المماثلة. وفى الاصطلاح: عبارة عن
الحكم على معلوم بمثل الحكم الثابت لمعلوم
(1) في نسخة: كان. (2) في نسخة: أو. (3) في نسخة: أخفاء. (*)
================
[ 183 ]
آخر، لتساويهما في علة الحكم. فموضع الحكم المتفق عليه يسمى: أصلا. وموضع الحكم
المختلف فيه يسمى: فرعا. والعلة: هي الجامع الموجب لاثبات مثل حكم الاصل في الفرع،
فان كانت العلة معلومة، ولزوم الحكم لها معلوما من حيث هي، كانت النتيجة علمية، ولا
نزاع في كون مثل ذلك دليلا، وان كانت العلة مظنونة، أو كانت معلومة، لكن لزوم الحكم
لها (1) - خارجا عن موضع الوفاق - مظنونا، كانت النتيجة ظنية، وهل هو دليل في
الشرعيات ؟ فيه خلاف. المسألة الثانية: النص على علة الحكم وتعليقه عليها مطلقا،
يوجب ثبوت الحكم ان ثبتت العلة، كقوله: الزنا يوجب الحد، والسرقة توجب القطع. أما
إذا حكم في شئ بحكم ثم نص على علته فيه: فان نص مع ذلك على تعديته وجب، وان لم ينص،
لم يجب تعدية الحكم الا مع القول بكون القياس حجة، مثاله: إذا قال: الخمر حرام
لانها مسكرة، فانه يحتمل أن يكون [ التحريم ] معللا [ بالاسكار مطلقا، ويحتمل أن
يكون معللا ] باسكار الخمر، ومع الاحتمال لا يعلم وجوب التعدية. المسألة الثالثة:
من الناس من منع من التعبد بالقياس عقلا، وأكثرهم قالوا بجوازه. احتج المانع بوجوه:
أحدها: ان العمل [ بالقياس ] اقدام على مالا يؤمن كونه مفسدة، فيكون قبيحا،
كالاقدام على ما يعلم كونه مفسدة. الثاني: ان القياس موجب للظن مع امكان العمل
بالعلم، فيكون باطلا.
(1) زاد في نسخة: كان. (*)
================
[ 184 ]
الثالث: ان عمومات القرآن والسنة المتواترة كافلة بتحصيل الاحكام الشرعية،
والقياس: ان طابقها فلا حاجة إليه، وان نافاها لم يجز العمل به. [ و ] احتج شيخنا
المفيد ره لذلك [ أيضا ] بأنه لاسبيل إلى علة الحكم في الاصل، فلا سبيل إلى القياس،
أما الاولى: فلان العلة اما أن تعلم بطريق علمي أو ظنى، والقسمان باطلان أما العلم
فظاهر، وأما الظن فلانه لاحكم له الا عن امارة، والامارة مفقودة، ومع عدم الوقوف
على علة الحكم تستحيل تعديته. والجواب عن الاول: ان الامن [ من ] المفسدة يحصل
بتقدير وجود الدلالة الشرعية، كما في غيره من الامور المظنونة. والجواب عن الثاني:
انا لا نستعمل القياس في موضع يكون العلم بالحكم ممكنا، بل في موضع يفقد العلم [
بالحكم ]. و [ الجواب ] عن الثالث: لا نسلم أن عمومات القرآن كافلة بالاحكام، فان
في مسائل الديات والمواريث والبيوعات وغيرها، ما يعلم خروجه عن مدلولات العموم.
والجواب عن احتجاج المفيد أن نقول: لا نسلم أنه لاسبيل إلى تحصيل علة الحكم. قوله:
اما أن يعلم بطريق علمي أو ظنى. قلنا: لم لا يجوز أن يكون علميا ؟ كما إذا نص
الشارع على العلة، سلمنا أنها لا تكون علمية، فلم لا تكون ظنية ؟ !. قوله: الظن لا
حكم له الا عن امارة. قلنا: سلمنا ذلك، والامارة قد تحصل بالطرق التى أشار إليها
مثبتوا القياس، كالدوران والسبر، فانه مهما ثبت الحكم عند شئ، وانتفى عند انتفائه،
كان ذلك امارة دالة على التعليل،
================
[ 185 ]
وكذلك إذا (عددت) (1) أوصاف محل الوفا، وأبطلت الا قسما واحدا، غلب على الظن
أنه علة الحكم، وذلك كاف في حصول الظن أن الحكم معلل بتلك العلة. المسألة الرابعة:
الجمع بين الاصل والفرع قد يكون بعدم الفارق، و يسمى: تنقيح المناط. فان علمت
المساواة من كل وجه، جاز تعدية الحكم إلى المساوي، وان علم الامتياز أو جوز، لو تجز
التعدية الا مع النص على ذلك، لجواز اختصاص الحكم بتلك المزية، وعدم ما يدل على
التعدية. وقد يكون الجمع بعلة موجودة في الاصل والفرع، فيغلب على الظن ثبوت الحكم
في الفرع، ولا يجوز تعدية الحكم - والحال هذه - بما (سندل) (2) عليه. فان نص الشارع
على العلة، وكان هناك شاهد حال يدل على سقوط اعتبار ما عدا تلك العلة في ثبوت
الحكم، جاز تعدية الحكم، وكان ذلك برهانا. ولنفرض أمثلة توقف (منها) (3) على
التحقيق: الاول: قوله عليه السلام - وقد سئل عن بيع الرطب بالتمر مثلا بمثل -: "
أينقص إذا جف ؟ فقيل: نعم، (فقال) (4): لا، اذن " فقد علل التحريم بنقصانه عند
الجفاف، وشاهد الحال (يقضى) (5) أنه لا اعتبار بما عدا تلك العلة من
(1) في بعض النسخ: عدت. (2) في نسخة: يستدل. (3) في نسخة: بها (4) في نسخة: قال.
(5) في نسخة: يقتضى (*)
================
[ 186 ]
أوصاف الاصل، فكأنه نص على أن كل ما نقص بعد الجفاف من الربويات، لا يجوز بيعه
مثلا بمثل. ويمكن التوقف هنا، فان من المحتمل أن يكون النقصان موجبا للمنع من البيع
في الرطب بالتمر خاصة، لجواز اشتماله على ما يوجب اختصاص النهى. غاية مافى الباب أن
ذلك لا يعلم، لكن عدم العلم بالشئ لا يدل على انتفائه في نفس الامر. الثاني: انه
إذا قال: وطأت عامدا في شهر رمضان، فقال: عليك الكفارة أو قال: ملكت عشرين دينارا
وحال عليها الحول، فقال: عليك الزكاة، علم أن الحكم متعلق بذلك، ولا اعتبار بأوصاف
السائل، بل يحكم بأن كل من اتفق له ذلك، ثبت له ذلك الحكم. الثالث: إذا حكم في
واقعة وعلم بشاهد الحال أن الحكم فيها باعتبارها لا باعتبار محلها، عدي الحكم (لما
روى) (1) أن عليا عليه السلام قضى في دابة تنازعها اثنان، وأقاما البينة: أنها لمن
شهد له بالنتاج، فلا يقصر الحكم على الدابة، بل يعدى إلى كل ما حصل فيه هذا المعنى.
المسألة الخامسة: ذهب ذاهب إلى أن الخبرين إذا تعارضا، وكان القياس موافقا لما
تضمنه أحدهما، كان ذلك وجها يقتضى ترجيح ذلك الخبر على معارضة. ويمكن أن يحتج لذلك:
بأن الحق في أحد الخبرين، فلا يمكن العمل بهما ولا طرحهما، فتعين أن يعمل بأحدهما،
وإذا كان التقدير تقدير التعارض،
(1) في نسخة: كما روى. (*)
================
[ 187 ]
فلابد (في) (1) العمل بأحدهما من مرجح، (والقياس مما يصلح) (2) أن يكون مرجحا،
لحصول الظن به فتعين العمل بما طابقه. لا يقال: أجمعنا على أن القياس مطرح في
الشرع. لانا نقول: بمعنى أنه ليس بدليل على الحكم، لا بمعنى أنه لا يكون مرجحا لاحد
الخبرين على الاخر، وهذا لان فائدة كونه مرجحا كونه (دافعا) (3) للعمل بالخبر
المرجوح، فيعود الراجح كالخبر السليم عن المعارض، ويكون العمل به، لا بذلك القياس،
وفى ذلك نظر. المسألة السادسة: قال شيخنا المفيد ره: " خبر الواحد القاطع للعذر هو
الذى يقترن إليه دليل يفضى بالنظر فيه (4) الى العلم، وربما يكون ذلك اجماعا أو
شاهدا من عقل، أو حاكما من قياس ". فان عنى بالقياس البرهان، فلا اشكال، وان عنى
القياس الفقهي، فموضع النظر، لان الخبر بتقدير أن لا يكون حجة، فمع انضياف ذلك
القياس الفقهي [ ان ] صار حجة: فاما لكونه خبرا، وذلك نقض لما يذهب إليه من طرح
العمل بالخبر، وان كان بالقياس، لزم منه اثبات حكم شرعى بالقياس الفقهي، وهو باطل،
إذ لافرق بين أن يثبت به الحكم أو الدلالة الدالة على الحكم. المسألة السابعة:
القائلون بجواز التعبد بالقياس عقلا، منهم من يقول: ورد التعبد به، وهم الاكثر،
وأطبق أصحابنا على المنع من ذلك الا شاذا [ منهم ].
(1) في نسخة: من (2) في نسخة: فالقياس ما يصلح (3) في نسخة: رافعا (4) اضاف في
نسخة: دليل (*)
================
[ 188 ]
لنا وجوه: الاول: ان العمل بالقياس عمل بالظن، والعمل بالظن غير جائز، أما
الاولى فظاهرة. و [ أما ] الثانية: فبقوله تعالى: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (1)
وبقوله " ان الظن لا يغنى من الحق شيئا " (2) وبقوله: " وأن تقولوا على الله مالا
تعلمون " (3). لا يقال: مع وجود الدلالة عليه، لا يكون عملا بالمظنون، بل بالمقطوع
به، كالعمل بالشاهدين والحكم (بالارش) (4) واستقبال القبلة. لانا نقول: وجد المنع
فوجب طرده، فإذا خرج ما أشرتم إليه وجب تناوله لما بقى، عملا بمقتضى الدليل، وسنبطل
ما يزعمون أنه دليل على العمل به، فيبقى ما ذكرناه من الدليل سليما عن المعارض.
الثاني: أجمعت الامامية على ترك العمل به، ونقل عن أهل البيت عليهم السلام المنع
منه متواترا نقلا ينقطع به العذر. الثالث: لو تعبدنا بالعمل به لوجدت الدلالة عليه،
لكن الدلالة مفقودة، فالعمل به غير جائز. أما الملازمة: فلان التكليف يستدعى وجود
دلالة، والا لكان التكليف به - من دون دلالة [ عليه ] - تكليفا بما لاسبيل إلى
العلم به، وهو تكليف بالمحال. وأما بطلان [ اللازم ]: فبالإستقراء. الرابع: لو ورد
التعبد به، لاشتهر ذلك بين أهل الشرع، لكن ذلك
(1) الاسراء / 36 (2) يونس / 36 (3) البقرة / 169 (4) في نسخة: بالاروش. (*)
================
[ 189 ]
باطل. أما الملازمة: فلان الاستدلال به مما يعم، والوقائع التى تستدرك بالقياس
كثيرة عندهم، والعادة قاضية بأن مثل ذلك مما يشتهر العلم به، فلما لم يشتهر دل على
بطلانه. لا يقال: قد اشتهر ذلك بين الصحابة حتى أن خصومكم (تدعى) (1) الاجماع عليه.
لانا نقول: لو كان كذلك لما اختص الخصم بعلمه دوننا، لما ذكرناه من عموم البلوى به،
وزوال الاغراض الباعثة على اخفائه. [ و ] احتج بعض أصحابنا [ أيضا ]: بأن القول
بورود التعبد به مع بطلان الحجج التى ذكرها الخصم مما لا يجتمعان، والثابت بطلانها،
فلا يكون التعبد به ثابتا. بيان أنهما لا يجتمعان: أن القائل بكونه حجة يتمسك في
ذلك بالوجوه التي يذكرونها، فهو يقول: انها حق والمنكر له يبطلها ويمنع من كونه حجة
فالقول بكونه حجة مع أن تلك الحجج باطلة، قول ليس لاحد، فيكون منفيا. لا يقال: نحن
نجوز أن يكون غير ما ذكر دليلا على كون القياس حجة، فلا يلزم من القول ببطلان هذه
الحجج بطلان القياس. لانا نقول: مع القول بكونه حجة وتجويز وجود حجة لم يذهب ذاهب
إلى القول ببطلان هذه الحجج المذكورة. واحتج الجمهور على وقوع التعبد به بوجوه
معقولة ومنقولة. أما المعقول: فقالوا: القياس يفيد الظن، والعمل بالظن واجب. أما
افادة الظن فظاهرة، وأما [ أن ] العمل بالظن واجب، فلما ثبت من أن التحرز
(1) في نسخة: يدعون. (*)
================
[ 190 ]
من الضرر المظنون واجب كالمعلوم. وأما المنقول: (فوجوه) (1): الاول: قالوا:
أجمعت الصحابة على العمل بالقياس، فيكون حجة. أما أن الصحابة عملت به، فلان بعض
الصحابة عمل به، ولم يظهر من الباقين انكار [ ه ]، وقد بينا أن مثل ذلك حجة، فيما
سلف. أما أن بعض الصحابة عمل به فمن وجهين: أحدهما: أن الصحابة اختلفوا في مسائل
كثيرة، وليس تمسكهم فيها بالنص، فتعين أنهم عولوا على الاجتهاد الثاني: انهم
استدلوا في كثير من المسائل بالقياس وأشاروا إلى التشبيه بين المسائل، كما قال ابن
عباس: " ألا يتق الله زيد يجعل ابن الابن ابنا، و لا يجعل أب الاب أبا ". وما روي
من قول عمر لابي موسى: " وقس الامور برأيك ". وما روى عنه أنه قضى في زوج، وأم،
واخوة لام، وأخوة لاب و أم أن للام: السدس، وللزوج: النصف، وللاخوة من الام: الثلث،
فقال الباقون: " هب أن أبانا كان حمارا، ألسنا من أم واحدة ؟ ! " فشرك بينهم، وغير
ذلك من المسائل. وأما أن الباقين لم ينكروا، فلانه لو حصل ذلك لظهر، لان القياس من
الاصول التي لو وقعت فيها المناكرة لظهرت. وأما أن مثل ذلك اجماع، فلان سكوتهم لا
يحتمل الا الرضا به، لما عرف من تحرج الصحابة في انكار الباطل والمنع من العمل به.
الوجه الثاني: قوله عليه السلام لمعاذ وأبى موسى: " بم تقضيان ؟ قالا: إذا لم
(1) في نسخة: فلوجوه. (*)
================
[ 191 ]
نجد الحكم (في) (1) الكتاب والسنة، نقيس الامر بالامر، فما كان أقرب إلى الحق
عملنا به. فقال: أصبتما ". وقوله عليه السلام لابن مسعود: " اجتهد برأيك ". الوجه
الثالث: نبه النبي صلى الله عليه وآله على القياس، وذلك اذن في العمل به، أما
تنبيهه فبقوله لعمر - وقد سأله عن القبلة -: " لو تمضمضت بماء ثم مججته أكنت شاربه
؟ ! " وقوله صلى الله عليه وآله للخثعمية: " أرايت لو كان على أبيك دين فقضيته أكان
يجزى ؟ فقالت: نعم، فقال صلى الله عليه وآله: فدين الله أحق أن يقضى ". الوجه
الرابع: قوله تعالى: " فاعتبروا يا أولى الابصار " (2) والاستدلال بهذه الاية ضعيف.
والجواب عن الاول: قوله: العمل بالظن واجب. قلنا: متى ؟ إذا أمكن العلم، أو [ إذا ]
لم يمكن، ونحن قادرون على تحصيل الاحكام من ظواهر النصوص المعلومة، سلمنا أنه لا
طريق الهيا الا بالقياس، لكن لا نسلم وجوب العمل بالظن، إذ لو وجب ذلك، لوجب العمل
بقول الشاهد الواحد، لا بل كان يجب العمل بقول المدعى بمجرده إذا غلب على ظن الحاكم
صدقه، حتى يمعل بقول مدعى النبوة من دون المعجز. لا يقال: منعت الادلة من العمل بما
ذكرته. لانا نقول: لو كان الظن وجها لوجوب العمل، لاطرد ذلك، كما أن رد الوديعة لما
كان وجها موجبا لم يختلف وجوب الفعل الذي يقع عليه، [ على ] أن الدلالة قد منعت من
ذلك، وهو قوله تعالى: " وأن تقولوا على الله مالا تعلمون " (3).
(1) في بعض النسخ: من. (2) الحشر / 2. (3) البقرة / 169. (*)
================
[ 192 ]
وأما الجواب عن المنقول فنقول: لا نسلم أن الصحابة عملت به، قوله: عمل بعض ولم
ينكر الباقون، قلنا: لا نسلم أن بعضا عمل، قوله: اختلاف الصحابة مع استبعاد أن يكون
مستندهم [ النص دليل على العمل. قلنا: لم لا يجوز أن يكون مستندهم ] النصوص ؟ !
والاستبعاد الذى ذكر تموه لا يفيد اليقين قوله: استدلوا على كثير من المسائل
بالقياس. قلنا: هذا منقول بطريق الاحاد فلا يثمر العلم، سلمنا [ صحة ] نقلها، لكن
لا نسلم أنهم استندوا في ذلك إلى القياس، وان كان معنى القياس فيه موجودا. أما
(قصة) (1) ابن عباس فانه يحتمل أنه رأى ابن الابن يسمى ابنا، و كذلك أب الاب يسمى
أبا، (فألزمه) (2) التسوية ظنا أنه انما عمل (في) (3) أحدهما بوقوع الاسم عليه،
والاخر مثله في تناول اللفظ، وليس ذلك قياسا. [ وأما ] قول عمر: " قس الامور برأيك
" فغاية ما أمره بالمقايسة، فجائز أن يكون أراد التسوية في مدلولات الالفاظ. وأما
(الشركة) (4): فلا نسلم أن الاخوة للاب والام استدلوا بالقياس، بل بطريق أن ولد
الام يستحقون الثلث، ومن كان من ولد الاب والام فهو من ولد الام. قوله: لو انكر
الباقون لظهر. قلنا: أولا لا نسلم أن السكوت دليل الرضا فانه يحتمل وجوها كثيرة غير
ذلك، وقد ذكر [ نا ] ذلك في باب الاجماع، سلمنا أنه يدل على الرضا، لكن لا نسلم
أنهم سكتوا، ولم لا يجوز أن يكونوا
(1) في نسخة: قضية. (2) في نسخة: لزمه. (3) في نسخة: من، وفى اخرى: بأحدهما. (4) في
نسخة: المشتركة. (*)
================
[ 193 ]
أنكروا ذلك، قوله: لو كان لنقل. قلنا: لا نسلم ذلك، سلمنا [ ه ] لكن لا نسلم
أنه يجب استمرار النقل حتى يتصل بنا، ثم نقول: يجب أن ينقل ذلك متواترا أو آحادا،
الاول ممنوع، والثاني مسلم، وقد نقل الانكار في مواضع: منها: ماروي عن أبى بكر أنه
قال: " أي سماء تظلني ؟ ! وأي أرض تقلني ؟ ! إذا قلت في كتاب الله برأيي ". وعن عمر
أنه قال: " فان جاءك ما ليس في الكتاب والسنة، فاقض بما أجمع عليه أهل العلم، فان
لم تجد فلا عليك أن لا تقضي ". وعن ابن عباس: " تتخذ الناس رؤساء جهالا يقيسون
الامور برأيهم ". وقال: إذا قلتم في دين الله بالقياس أحللتم كثيرا مما حرم الله،
وحرمتم كثيرا مما أحل الله ". والجواب عن خبر أبى موسى ومعاذ أن نقول: هو خبر واحد،
لا يجوز العمل به في مسألة علمية، ثم هو مطعون فيه بوجوه: منها: أنه مرسل، ومنها:
أن بعض المحدثين روى أنه لما قال " اجتهد " قال رسول الله صلى الله عليه وآله "
اكتب [ كتابا ] إلى، أكتب اليك ". ثم نقول: لا نسلم أن قوله: " [ أجتهد ] برأيي "
(1) اشارة إلى القياس، بل كما يحتمل ذلك، يحتمل أنه أراد الاجتهاد في العمل بدلالة
الاصل، (وبدلالة) (1) الاحتياط، وغير ذلك من وجوه الاجتهاد، ومع الاحتمال يجب
التوقف. والجواب عن تنبيه النبي صلى الله عليه وآله على القياس أن نقول: هي أخبار
آحاد لا توجب العمل في مسألة علمية، على أنا نطالب بصحتها، ولو سلمناها [ لما ]
(1) في نسخة: اجتهد برأيك. (2) في بعض النسخ: ودلالة. (*)
================
[ 194 ]
كان ذلك أمرا بالقياس، لان التشبيه لا يقتضى تعدي الحكم، كما لو قال: عبدى
(سالم) حر لانه حبشي، لم يغلب على الظن أنه يريد عتق كل حبشي له. وأما الاية:
فبعيدة عن الدلالة على مرادهم، لان ظاهرها الامر بالاتعاظ فأين ذلك من قياس الفرع
على الاصل ؟ !.
================
[ 195 ]
الباب العاشر وهى خاتمة الكتاب في فصول مختلفة:
================
[ 197 ]
الفصل الاول في المفتى والمستفتي، وفيه مسائل: المسألة الاولى: يجوز للعامي
العمل بفتوى العالم في الاحكام الشرعية، وقال الجبائي: يجوز ذلك في مسائل الاجتهاد،
دون ما عليه دلالة (قطعية) (1) ومنع بعض المعتزلة ذلك في الموضعين. لنا: اتفاق
علماء (الاعصار) (2) على الاذن للعوام في العمل بفتوى العلماء من غير تناكر، وقد
ثبت أن اجماع أهل كل عصر حجة. الثاني: لو وجب على العامي النظر في أدلة الفقه، لكان
ذلك اما قبل وقوع الحادثة أو عندها، والقسمان باطلان، أما قبلها فمنفي بالاجماع،
ولانه يؤدي إلى استيعاب وقته بالنظر في ذلك، فيؤدي إلى الضرر بأمر المعاش المضطر
إليه، وأما عند نزول الواقعة فذلك متعذر، لاستحالة اتصاف كل عامي عند نزول الحادثة
بصفة المجتهدين. لا يقال: هذا لازم في المسائل العقلية الاعتقادية، مع انه لا يسوغ
فيها التقليد.
(1) في بعض النسخ: قاطعة. (2) في نسخة: الامصار. (*)
================
[ 198 ]
لانا نقول: تلك حصولها سهل بأوائل الادلة، وهي عقائد مضبوطة، وليس كذلك الفقه
وحوادثه، لانتشارها، وانفراد كل مسألة منها بدليل [ على ] حياله. واحتجوا لذلك
أيضا: بقوله: " فاسألوا أهل الذكر ان كنتم لا تعلمون " (1) ويمكن أن يقال: سلمنا
وجوب السؤال، ولكن لا نسلم وجوب العمل. واحتجوا أيضا: بقوله تعالى: " فلولا نفر من
كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم إذا رجعوا إليهم لعلهم يحذرون
" (2). ولقائل أن يقول: الانذار مما يوجب الحذر لكن قد يكون باعثا على النظر في
الادلة، فلم لا يجوز أن يكون هو المراد ؟ ! واحتج المانعون بوجوه: الاول: قوله
تعالى: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " (3)، و " لا تقف ما ليس لك به علم "
(4)، و: " ان الظن لا يغني من الحق شيئا " (5) وثانيها: أنه عمل بما لا يؤمن كونه
مفسدة، فيكون قبيحا، لان المفتي جائز الخطأ، فكل ما يفتي به يجوز أن يكون مخطئا
فيه، فيكون الاقدام على العمل، على مالا يؤمن كونه مفسدة، وقبح ذلك ظاهر. وثالثها:
لو جاز التقليد في الشرعيات، لجاز في (العقليات) (6)، والثاني
(1) الانبياء / 7. (2) التوبة / 122. (3) البقرة / 169. (4) الاسراء / 36. (5) يونس
/ 36. (6) في نسخة: القطعيات (*)
================
[ 199 ]
محال، (فالاول) (1) مثله. والجواب عن الايات أن نقول: خص منها العمل بشهادة
الشاهدين، و استقبال [ جهة ] القبلة مع الظن عند عدم العلم، والظن بأروش الجنايات
وقيم المتلفات، وانما خص لوجود الدلالة، كذا هنا. وعن الثاني: أن الامن من المفسدة،
بما أشرنا إليه من الدلالة الدالة على جواز العمل بالفتوى. وعن الثالث: بالفرق بين
الامرين بتشعب مسائل الفقه وكثرة أدلتها، و سهولة أدلة الكلام وقلتها، وبأن
العقليات الغرض فيها الاعتقاد، فلا يبنى الا على العلم، والشرعيات يجوز التعويل
فيها على الظنون عند وجود الدلائل الدالة على اشتمالها على المصلحة. المسألة
الثانية: لا يجوز تقليد العلماء في اصول العقائد، خلافا للحشوية. ويدل على ذلك
وجوه: أحدها: قوله تعالى: " وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون " (2). الثاني: ان
التقليد: قبول قول الغير من غير حجة، فيكون جزما في غير موضعه، وهو قبيح عقلا.
الثالث: لو جاز تقليد المحق لجاز تقليد المبطل، لانه اما أن يكون تقليد المحق
مشروطا بالعلم بكونه حقا أو لم يكن، ويلزم من الاول طلب العلم (وأن لا) (3) يكون
تقليدا "، وان جاز تقليد المحق [ من ] دون العلم بكونه حقا لزم
(1) في نسخة: والاول (2) البقرة / 169 (3) في نسخة: وان، وفى أخرى: والا (*)
================
[ 200 ]
تقليد المبطل، لاشتراكهما في سبب الاتباع، وهو مجرد التقليد، (وإذا) (1) ثبت
أنه غير جائز، فهل هذا الخطأ موضوع عنه ؟ قال شيخنا أبو جعفر ره: نعم (وخالفه) (2)
الاكثرون. احتج ره: باتفاق فقهاء (الاعصار) (3) على الحكم بشهادة (العامي) (4) مع
العلم بكونه لا يعلم تحرير العقائد بالادلة القاطعة. لا يقال: قبول الشهادة انما
كان لانهم يعرفون أوائل الادلة، وهو سهل المأخذ. لانا نقول: ان كان ذلك حاصلا لكل
مكلف لم يبق من يوصف بالمؤاخذة فيحصل الغرض وهو سقوط الاثم، وان لم يكن معلوما لكل
مكلف لزم أن يكون الحكم بالشهادة موقوفا على العلم بحصول تلك الادلة (للشاهد) (5)
منهم، لكن [ ذلك ] محال، ولان النبي (صلى الله عليه وآله) كان يحكم باسلام الاعرابي
[ من ] غير أن يعرض عليه أدلة الكلام، (ولا يلزمه) (6) بها، بل يأمره بتعلم الامور
الشرعية اللازمة كالصلاة وما أشبهها. المسألة الثالثة: الذي [ يسوغ ] له الفتوى هو
العدل العالم بطرق العقائد الدينية الاصولية، وبطرق الاحكام الشرعية وكيفية استنباط
الاحكام منها. وبالجملة: يجب أن يعرف جميع ما يتوقف عليه كل واقعة يفتي فيها،
(1) في نسخة: وان (2) في نسخة: وخالف (3) في اكثر النسخ: الامصار (4) في نسخة:
الراوى (5) في نسخة: للمشاهد (6) في نسخة: ولا يلزم (*)
================
[ 201 ]
بحيث إذا سئل عن لمية ذلك الحكم أتى به وبجميع أصوله التي (يبتنى) (1) عليها.
وانما وجب ذلك، لان الفتوى مشروطة بالعلم بالحكم، وما لم يكن عارفا بتلك الامور لا
يكون عالما به، لان الشك في احدى مقدمات الدليل (2) أو في مقدمات مقدماته، شك في
الحكم، ولا تجوز الفتوى مع الشك في الحكم. [ و ] إذا تقرر هذا: فلا يجوز (للمفتي)
(3) أن يتعرض للفتوى حتى يثق من نفسه بذلك، ولا يجوز للمستفتي أن يستفتيه حتى يعلم
منه ذلك من ممارسته و ممارسة العلماء وشهادتهم له باستحقاق منصب الفتوى وبلوغه
اياه، ولا يكتفي العامي بمشاهدة المفتي متصدرا، ولا داعيا إلى نفسه، ولا مدعيا، ولا
باقبال العامة عليه، ولا اتصافه بالزهد والتورع، فانه قد يكون غالطا في نفسه أو
مغالطا. وإذا ثبت ذلك: فان كان في البلد واحد بهذه الصفة تعين للفتوى، وان كان
أكثر: فان تساووا في العلم والعدالة جاز استفتاء كل منهم، فان اختلفوا في الفتوى -
والحال هذه - كان المستفتي مخيرا في العمل بقول أيهم شاء وان كان أحدهم أرجح في
العلم والعدالة وجب العمل (بفتواه) (4). وان اتفق اثنان أحدهما أعلم والاخر أكثر
عدالة وورعا، قدم الاعلم، لان الفتوى تستفاد من العلم لا من الورع، والقدر الذي
عنده من الورع يحجزه عن الفتوى بما لا يعلم، فلا اعتبار برجحان ورع الاخر.
(1) في بعض النسخ: يبنى (2) في نسخة اضافة: أو في مقدمات الدليل (3) في نسخة: من
المفتى (4) في نسخة: بقوله (*)
================
[ 202 ]
تفريع العالم إذا كان من أهل الاجتهاد وحصل له حكم الواقعة بنظر صحيح، لم يجز
له العدول إلى العمل بفتوى من هو أعلم [ منه ]، لانه عدول عما يعلم الى ما يظن،
وكذا (ان) (1) لم يجتهد، لم يجز له الرجوع إلى قول الاعلم، لان تحصيل العلم ممكن في
حقه. أما إذا أشكل عليه طريق الواقعة جاز له الرجوع الى الاعلم، لانه بالنسبة إليه
في تلك الواقعة كالعامي. المسألة الرابعة: لا يجوز للعامي أن يفتي بما ينقله عن
العلماء، سواءا نقل عن حي أو ميت، لانه قول بما لا يعلم فكان حراما. المسألة
الخامسة: إذا أفتى المجتهد عن نظر في واقعة، ثم وقعت بعينها في وقت آخر، [ فان ]
كان ذاكرا لدليلها جاز له الفتوى، وان نسيه افتقر الى استئناف نظر، فان أدى نظره
إلى الاول فلا كلام، وان خالفه وجب الفتوى بالاخير، والاولى تعريف من استفتاه [
أولا ]، لانه عامل بقوله وقد رجع عنه، فلو استمر لبقي عاملا بالفتوى من غير دليل
ولا فتوى مفت. الفصل الثاني في مسائل مختلفة: المسألة الاولى: اتفق أهل العدل على
قبح التصرف فيما فيه مضرة خالية (من) (2) نفع، وكذا مالا منفعة فيه، وكذا ما علم
وجه قبحه كالظلم.
(1) في نسخة: إذا (2) في بعض النسخ: عن (*)
================
[ 203 ]
واختلفوا فيما عدا ذلك مما ينتفع به ولا يعلم كونه واجبا ولا مندوبا، فقال قوم:
انه على الحظر، وهو مذهب طائفة منا وقال الاخرون: على الاباحة، و هو اختيار المرتضى
ره، وتوقف آخرون فيه عقلا، وأباحوا منها مادل عليه الشرع، وهو اختيار شيخنا المفيد
ره. احتج القائلون بالحظر بانه تصرف في ملك الغير بغير اذنه، فيكون قبيحا. أجاب
الاخرون بأنا لا نسلم أنه تصرف بغير اذن المالك، وهذا لان الادلة التي نذكرها يلزم
منها الاذن، سلمنا أنه لم يأذن، لكن كما لم يأذن لم يحظر، ثم نقول: لا نسلم أن مال
الغير يحرم التصرف فيه الا مع المنع، أو مع مضرة تتوجه على المالك، أو فوت مصلحة
له، يدل على ذلك أنا نستبيح الاستناد الى جدار الغير من غير اذنه، وكذا نستضئ بضوء
مصباحه، ولا علة لذلك الا خلوه من غرض يقتضي المنع، والاشياء بالنسبة إلى الله
سبحانه تجري هذا المجري. ثم ما ذكر تموه منقوض بالتنفس في الهواء فانه يستباح عقلا
من غير توقف على اذن. لا يقال: ذلك لمكان الضرورة، لانا نقول: لو كان كذلك لما جاز
أن نستبيح منه الا ما يدفع الضرورة، وليس كذلك ثم نقول: لو قبح منه الاقدام لانه
تصرف في مال الغير، لقبح الاحجام (لمثل) (1) ذلك، إذ تصرف في نفسه - اقداما (أو)
(2) احجاما - تصرف في ملك الغير، فيلزم الجمع بين النقيضين. احتج القائلون [
بالاباحة ] بوجوه:
(1) في نسخة: بمثل (2) في نسخة: و (*)
================
[ 204 ]
الاول: ان ذلك تحصيل لمنفعة خالية عن الضرر، فتكون حسنه، أما الاولى: فلان
المالك سبحانه لا ينتفع ولا يستضر ولا ينقص ملكه شئ، وأما المنتفع فلانا نتكلم على
هذا التقدير، وأما الثانية: فيدل عليها وجهان: الاول: أن مثل ذلك خال عن وجوه
القبح، والثاني: أن الاستظلال بجدار الغير يحسن من غير اذن مالكه، ولاوجه لحسنه الا
عدم استضرار المالك وانتفاع المستظل، وهذا الوجه حاصل فيما ذكرنا [ ه ] فيجب أن
يحسن. لا يقال: هذا باطل بالربا والزنا وغير ذلك من المحرمات، فان المالك لا يستضر
بفعلها، وهي نافعة للفاعل، فلو كان وجها يقتضي الحسن لما قبح شئ منها. لانا نقول:
ورود النهي عنها دليل على اشتمالها على مفسدة عائدة إلى المكلف تقتضي المنع، وليس
كذلك ما نحن فيه. الوجه الثاني: لو لم تكن (المشتهيات) (1) على الاباحة لزم أن يكون
تعالى فاعلا للقبيح، لكن هذا اللازم محال، وبيانه: (انه) (2) بتقدير أن لا يكون
مخلوقه للانتفاع: اما أن يكون في خلقها غرض حكمي، واما أن لا يكون، ويلزم من الثاني
العبث، وان كان: فاما النفع عائد إليه تعالى وهو محال، واما الضرر عائد إلى غيره،
وهو قبيح، لعدم الوجوه المقتضية لحسنه، فتعين أن تكون للانتفاع. ولقائل أن يقول: لم
لا يجوز أن يكون فيه غرض غير الانتفاع ؟ وهو اما امتناع المكلف منه، لتحصيل الثواب
بمنع النفس عن تناوله، أو ليستدل بها على الصانع سبحانه، أوغير ذلك من الوجوه.
(1) في بعض النسخ: المشتبهات. (2) في نسخة: أن. (*)
================
[ 205 ]
فان قالوا: خلقها يحسن مع عدم التكليف. كان لقائل أن يمنع ذلك. وكذلك (ان
قالوا): (1) يمكن الاستدلال على الصانع سبحانه من دونها بغيرها. قلنا: العقل لايمنع
من ترادف الادلة ولا يقبحه. الوجه الثالث: قالوا قد علمنا حسن التنفس في الهواء من
دون اذن المالك والاستظلال بجدار الغير والاستضاءة (2) بمصابيحه، والعلة في ذلك أنه
لا ضرر فيه على المالك ولا على غيره، إذ لا وجه يضاف إليه الجواز الا (ذاك) (3)
ولان ذلك الحكم يدور مع هذه العلة وجودا وعدما، فيجب أن يحسن التصرف فيما ذكرناه
للاشتراك في الموجب. الوجه الرابع: الاستدلال بالشرع على الاباحة، وهو أمران:
القرآن، و الاجماع. أما القرآن: فقوله تعالى: " خلق لكم ما في الارض جميعا " (4)
وقوله تعالى: " قل من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق " (5)
وقوله: " احل لكم الطيبات " (6). وأما الاجماع: فلان أهل الشرائع كافة لا يخطئون من
بادر الى تناول شيئ من المشتهيات، سواء علم الاذن فيها من الشرع أو [ لم ] يعلم،
ولا
(1) في نسخة: أن يقول. (2) في النسخ: الاستضواء. (3) في بعض النسخ: ذلك. (4) البقرة
/ 29 (5) الاعراف / 32 (6) المائدة / 5. (*)
================
[ 206 ]
يوجبون عليه عند تناول شئ من المأكل أن يعلم التنصيص على (الاباحة) (1)
ويعذرونه في كثير من المحرمات إذا تناولها من غير علم، ولو كانت محظورة لاسرعوا إلى
تخطئته حتى يعلم الاذن. المسألة الثانية: إذا ثبت حكم في وقت، ثم جاء وقت آخر ولم
يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم، هل يحكم ببقائه على ما كان ؟ أم يفتقر الحكم به في
الوقت الثاني إلى دلالة، كما يفتقر نفيه الى الدلالة. حكي عن المفيد ره: أنه يحكم
ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه، وهو المختار. وقال المرتضى ره: لا يحكم بأحد
الامرين الا لدلالة. مثال ذلك: المتيمم إذا دخل في الصلاة، فقد أجمعوا على المضي
فيها، فإذا رأى الماء في اثناء الصلاة، هل يستمر على فعلها استصحابا للحال الاول ؟
أم يستأنف الصلاة (بوضوء) (2) فمن قال بالاستصحاب قال بالاول، ومن (اطرحه) (3) قال
بالثاني. لنا وجوه: الاول: ان المقتضي للحكم الاول ثابت فيثبت الحكم، والعارض لا
يصلح (رافعا) (4) له، فيجب الحكم بثبوته (في) (5) الثاني. أما أن مقتضي الحكم الاول
ثابت، فلانا نتكلم على هذا التقدير.
(1) في بعض النسخ: اباحته. (2) في بعض النسخ: لوضوء. (3) في نسخة: طرحه. (4) في
نسخة: دافعا، و (له) محذوفة من احدى النسخ. (5) في نسخة: على. (*)
================
[ 207 ]
وأما أن العارض لا يصلح رافعا، فلان العارض انما هو احتمال تجدد ما يوجب زوال
الحكم، لكن احتمال ذلك يعارضه احتمال عدمه، فيكون كل واحد منهما مدفوعا بمقابله،
فيبقى الحكم الثابت سليما عن (رافع) (1). الوجه الثاني: الثابت أولا قابل للثوبت
ثانيا - والا لانقلب من الامكان الذاتي الى الاستحالة - فيجب أن يكون في الزمان
الثاني جائز الثبوت كما كان أولا، فلا ينعدم الا (لمؤثر) (2)، لاستحالة خروج الممكن
من أحد طرفيه الى الاخر (لا) (3) لمؤثر، فإذا كان التقدير تقدير عدم العلم بالمؤثر،
فيكون بقاؤه أرجح من عدمه في اعتقاد المجتهد، والعمل بالراجح واجب. الوجه الثالث:
عمل الفقهاء باستصحاب الحال في كثير من المسائل، و الموجب للعمل هناك موجود في موضع
الخلاف، (فيثبت) (4) العمل به. أما الاولى: فكمن تيقن الطهارة وشك في الحدث، فانه
يعمل على يقينه، وكذلك بالعكس ومن تيقن طهارة ثوبه في حال، بني على ذك حتى يعلم
(رافعها) (5) ومن (شهد) (6) بشهادة بنى على بقائها حتى يعلم رافعها، ومن غاب غيبة
منقطعة، [ حكم ] ببقاء أنكحته، ولم تقسم أمواله، وعزل نصيبه في المواريث، وما (ذاك)
(7) [ الا ] لاستصحاب حال حياته.
(1) في نسخة: دافع. (2) في نسخة: بالمؤثر. (3) في بعض النسخ: الا. (4) في نسخة:
فثبت. (5) في بعض النسخ: خلافها. (6) في نسخة: يشهد. (7) في نسخة: ذلك. (*)
================
[ 208 ]
وهذه العلة موجودة في مواضع الاستصحاب، [ فيجب العمل به ]. الوجه الرابع: أطبق
العلماء على أن مع عدم الدلالة الشرعية يجب (بقاء) (1) الحكم على ما تقتضيه البراءة
الاصلية، ولا معنى للاستصحاب الا هذا. فان قال: ليس هذا استصحابا، بل هو ابقاء
الحكم على ما كان، لاحكما بالاستصحاب. قلنا: [ نحن ] نعني بالاستصحاب هذا القدر، لا
نعني به شيئا سوى ذلك. احتج المانع: بأن ذلك (حكم) (2) بغير دليل، فيكون باطلا. أما
انه حكم بغير دليل، فلأن ثبوت الحكم بالدليل في وقت أوفي حال لا يتناول ما عدا تلك
الحال وذلك الزمان، فلو حكم بذلك الحكم في الحال الثاني، لكان حكما بغير دليل. وأما
أن الحكم بغير دليل باطل، فبالاتفاق. الوجه الثاني: لو كان الاستصحاب حجة، لوجب
فيمن علم زيدا في الدار ولم يعلم خروجه أن يقطع ببقائه فيها وكذا كان يلزم إذا علم
أن زيدا حي، [ ثم ] انقضت مدة ولا يعلم فيها موته، أن يقطع ببقائه، وكل ذلك باطل.
الوجه الثالث: استدل بعض الجمهور بأن العمل بالاستصحاب يلزم منه التناقض، فيكون
باطلا، وذلك أن الاستدلال به كما يصح أن يكون حجة للمستدل، يصح مثله لخصمه، فانه
إذا قال: الثابت قبل وجود الماء للمصلي المضي في صلاته، فيثبت ذلك الحكم إذا وجد
الماء، كان لخصمه أن يقول:
(1) في نسخة: ابقاء. (2) في بعض النسخ: عمل. (*)
================
[ 209 ]
الثابت اشتغال ذمته بصلاة متيقنة، فيجب أن يبقى الشغل، (أو) (1) يقول: قبل
الصلاة لو وجد الماء لما جاز [ له ] الدخول فيها بتيممه، فكذلك بعد الدخول فيها.
والجواب عن الاول: أن نقول: قوله: ان ذلك عمل بغير حجة. (قلنا): (2) لا نسلم، لان
الدليل دل على أن الثابت لا يرتفع الا برافع، فإذا كان التقدير تقدير عدمه، كان
بقاء الثابت راجحا في اعتقاد المجتهد، والعمل بالراجح لازم. قوله في الوجه الثاني:
لو كان الاستصحاب حجة، لوجب القطع ببقاء ما يعلم الانسان وقوعه في الازمان المنقضية
إذا لم يعلم له رافعا. قلنا: نحن لا ندعي القطع، ولكن ندعي رحجان الاعتقاد لبقائه،
وذلك يكفي في العمل به. قوله في الوجه الثالث: يلزم منه التناقض. (لا نسلم) (3) "
إذ ليس كل موضع يستعمل فيه الاستصحاب يفرض فيه ذلك الفرض، ووجود التعارض في الادلة
المظنونة لا يوجب سقوطها حيث تسلم عن المعارض، كما في أخبار الاحاد والقياس، عند من
يعمل بهما. والذى نختاره نحن: أن ننظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم، فان كان
يقتضيه مطلقا، وجب القضاء باستمرار الحكم، كعقد النكاح مثلا، فانه يوجب حل الوطء
مطلقا، فإذا وقع الخلاف في الالفاظ التي يقع بها الطلاق كقوله أنت خلية، وبرية، فان
المستدل على [ أن ] الطلاق لا يقع (بها) (4) لو قال: حل الوطء
(1) في نسخة: و. (2) في نسخة: قلت. (3) في نسخة: فلا نسلم. (4) في بعض النسخ: بهما.
(*)
================
[ 210 ]
ثابت قبل النطق بهذه، فيجب أن يكون ثابتا بعدها، لكان استدلالا صحيحا، لان
المقتضي للتحليل - وهو العقد - اقتضاه مطلقا، ولا يعلم أن الالفاظ المذكورة رافعة
لذلك الاقتضاء، فيكون الحكم ثابتا، عملا بالمقتضي. لا يقال: المقتضي هو العقد، ولم
يثبت أنه باق، فلم يثبت الحكم. لانا نقول: وقوع العقد اقتضى حل الوطء لا مقيدا
بوقت، (فلزم) (1) دوام الحل، نظرا الى وقوع المقتضي لا الى دوامه، فيجب أن يثبت
الحل حتى يثبت الرافع، فان كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه، فليس ذلك عملا
بغير دليل. وان كان يعني به أمرا وراء ذلك، فنحن مضربون عنه. المسألة الثالثة:
النافي للحكم: ان قال: لا أعلم، لم يكن عليه دليل، لان قوله لا يعد مذهبا، وان قال:
أعلم انتفاء الحكم، كان عليه اقامة الدليل كما يلزم المثبت، وسواء نفى حكما شرعيا
أو عقليا، ويدل على ذلك وجهان: الاول: ان النافي جازم بالنفي فيكون مدعيا للعلم به،
فاما أن يكون علمه اضطرارا أو استدلالا، والاول: باطل، لانا [ لا ] نعلم ذلك، فتعين
الثاني ويلزم من ذلك تعويله على مستنده ان كان معتقدا، وابرازه ان كان مناظرا،
ليتحقق دعواه وليتمكن من تركيب الحجة على مناظره. الثاني: [ لو لم يلزم ] النافي
اقامة الدلالة، لزم من ذلك (التفصي) (2) من الادلة في كل دعوى، لكن ذلك باطل. وبيان
ذلك: ان المدعي لقدم العالم إذا طولب بالدلالة، عدل عن هذا اللفظ، بأن يقول: ليس
العالم بحادث، فيسقط عنه الدليل، لكن لو صح ذلك له، لامكن خصمه أن يقول: ليس العالم
بقديم، فيسقط عنه الدليل أيضا، و
(1) في نسخة: فيلزم. (2) في بعض النسخ: التقضى. (*)
================
[ 211 ]
بطلان ذلك ظاهر. احتج الخصم: بأن (النفي) (1) عدم، والعدم لا يفتقر الى
الدلالة. وبأن اثبات الاحكام موقوف على ثبوت الادلة، فيكون عدمها مستندا الى عدم
الادلة، كما أن المعجز دلالة على النبوة، وعدمها دليل على عدم النبوة، ويؤيد ذلك
قوله - عليه السلام -: " البينة على المدعي واليمين على (من انكر) (2) ". والجواب:
قوله: النفي عدم. قلنا: هذا صحيح، لكن الجزم بذلك النفي هو المفتقر الى الدلالة.
قوله: اثبات الاحكام يفتقر الى الدلالة، فيكفي في نفيها عدم الدلالة. قلنا: هذا محض
الدعوى، فما الدليل عليه ؟ فان من علم دليل الثبوت جزم به، ومن عدمه فانه يجوز ثبوت
الحكم كما يجوز عدمه، إذ عدم الدليل لا يدل على عدم المدلول كما يدعيه. قوله: عدم
المعجز دليل على عدم النبوة. قلنا: لا نسلم، فان من لا يعلم معجز النبي، لا يجوز له
الجزم بنفي (نبوته) (3)، أما إذا ادعى النبوة ولا معجز له، فانا ننفي (نبوته) (4)
لا لعدم المعجز، [ بل ] لعلمنا عقلا أنه لو كان نبيا لكان له معجز، فنستدل بعدم
اللازم على عدم الملزوم، وذلك من الادلة القاطعة، فكان مستند الحكم بانتفاء (نبوته)
(5) إلى ذلك الدليل، لا إلى مجرد عدم المعجز
(1) في نسخة: المنع. (2) في نسخة: المنكر. (3) (4) (5) في نسخة: ثبوته. (*)
================
[ 212 ]
وكذا إذا حكمنا بانتفاء واقعة، لو وقعت لعلمت، مثل انكار مدينة قريبة لم يسمع
ببنائها، أو وقوع حادثة في ملأ ولم تسمع منهم، فانا نحكم بانتفاء ذلك كله، لان ذلك
مما لو كان لظهر، فلما لم يظهر، دل ذلك على عدمه. وأما قوله عليه السلام: " واليمين
على من أنكر " فانا نقول: لا نسلم أن القول قوله من غير حجة، بل الحجة معه بتقدير
عدم البينة من طرف المدعي، و ذلك انه إذا ادعى عليه عينا فانها تكون في يده، واليد
دلالة [ على ] الملك، فكان الحكم باليد لا بعدم البينة بمجرده، وان ادعى عليه دينا،
فالاصل براءة الذمم، فهو مستدل بالاصل على أن ايجاب اليمين عليه يجرى مجرى الحجة في
جنبه شرعا، وذلك مما يدل على أنه لم يثبت قوله بعدم البينة، إذ لو ثبت ثبوتا باتا [
تاما ] لما كلف [ اليمين ]. وإذا ثبت هذا، فاعلم: أن الاصل خلو الذمة عن الشواغل
الشرعية، فإذا ادعى مدع حكما شرعيا، جاز لخصمه أن يتمسك في انتفائه بالبراءة
الاصلية، فيقول: لو كان ذلك الحكم ثابتا، [ لكان ] عليه دلالة شرعية، لكن ليس كذلك
فيجب نفيه، ولا يستمر (1) هذا الدليل الا ببيان مقدمتين: احداهما: انه لادلالة عليه
شرعا، بأن (نضبط) (2) طرق الاستدلالات الشرعية، ونبين عدم دلالتها عليه. والثانية:
أن (نبين) (3) أنه لو كان هذا الحكم ثابتا لدلت عليه احدى تلك الدلائل، لانه لو لم
يكن عليه دلالة، لزم التكليف [ بما لا طريق للمكلف الى
(1) كذا في النسخ ولعل الصحيح: ولا يتم. (2) في نسخة تضبط. (3) في نسخة: أن يتبين.
(*)
================
[ 213 ]
العلم به، وهو تكليف ] بما لا يطاق، ولو كان عليه دلالة غير تلك (الادلة) (1)
لما كانت أدلة الشرع منحصرة [ فيها ]، لكن قد بينا انحصار الاحكام في تلك الطرق.
وعند هذا يتم كون ذلك دليلا على نفي الحكم. والله أعلم. الفصل الثالث (فيما ألحق)
(2) بأدلة الاصول وليس منها، وفيه مسائل: المسألة الاولى: إذا اختلف الناس على
أقوال، وكان بعضها يدخل في بعض - كما اختلف في حد الخمر، فقال قوم: ثمانون، وآخرون:
أربعون وفي دية اليهودي، فقيل: كدية المسلم، وقيل: ثمانون، وقيل: على النصف وقيل:
على الثلث - هل يكون الاخذ بالاقل حجة ؟ حكم بذلك قوم، وأنكر [ ه ] آخرون. أما
القائلون [ بذلك ] فقالوا: قد حصل الاجماع على وجوب الاقل، و الاجماع حجة، واختلف
في الزائد، والبراءة الاصلية نافية له، فيثبت الاقل بالاجماع، (وينفى) (3) الزائد
بالاصل، لان التقدير تقدير عدم الدلالة الشرعية وقد بينا أن مع عدمها يكون العمل
بالبراءة الاصلية [ لازما ]. لا يقال: الذمة مشغولة بشئ، وقد اختلف فيما تبرأ به
الذمة، وفي الاقل خلاف، وبالاكثر تبرأ الذمة يقينا، فيجب الاخذ به احتياطا لبراءة
الذمة.
(1) في نسخة: الدلالة. (2) في نسخة: فيما يتعلق (3) في نسخة: وينتفى. (*)
================
[ 214 ]
لانا نقول: لا نسلم اشتغال الذمة مطلقا، لان الاصل دال على خلوها، فلا تشتغل
الا مع قيام الدليل، وقد ثبت اشتغالها بالاقل، فلا يثبت اشتغالها بالاكثر، [
والاشتغال بالاكثر ] مغاير للاشتغال المجرد، ومغاير للاشتغال بالاقل فيكون الاشتغال
بالاكثر والاشتغال المطلق منفيا بالاصل. لا يقال: فان لم يثبت دلالة على الاكثر،
فانه من الممكن أن يكون هناك دليل، ولا يلزم من عدم الظفر به عدمه، فكان العمل
بالاكثر أحوط. لانا نقول: ذلك الدليل المحتمل لا يعارض الاصل، لانا قد بينا أن مع
تقدير عدم الدلالة الشرعية يجب العمل بالبراءة الاصلية، وذلك يرفع ما أوما [ نا ]
إليه من الاحتمال. المسألة الثانية: إذا اختلف (الامة) (1) على قولين، هل يجب الاخذ
بأخفهما حكما بتقدير عدم الدلالة على كل واحد منهما - ؟ صار إلى ذلك قوم وقال
آخرون: بالاثقل، والكل باطل. واحتج الاولون: بالنقل والعقل. أما النقل: فقوله
تعالى: " يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر " (2) و قوله: " ما جعل عليكم في
الدين من حرج " (3) وقوله - عليه السلام -: " لا ضرر في الاسلام " وقوله: " بعثت
بالحنيفية السهلة السمحة ". [ و ] أما العقل: فلان احتمال الاخف مساو لاحتمال
الاثقل في عدم الدلالة والاخذ (بالاثقل) (4) احتياط لحق الله سبحانه، وهو غني لا
يتضرر، وبالاقل
(1) في بعض النسخ: الامامية. (2) البقرة / 185. (3) الحج / 78. (4) في نسخة:
بالاكثر. (*)
================
[ 215 ]
تخفيف عن العبد، وهو فقير يتضرر، فيكون (الترخيص) (1) في حق من لا (يتضرر) (2)
أولى. احتج القائلون بالاثقل بوجهين: أحدهما: أن العمل بالاثقل أحوط، فيجب الاخذ
به. الثاني: أن العمل بالاثقل افضل، فيجب العمل به، أما أنه أفضل: فلقوله عليه
السلام: " أفضل العبادات أحمزها " وأما انه إذا كان أفضل وجب العمل به فلان الافضل
خير، فيجب الاستباق إليه بقوله: " فاستبقوا الخيرات " (3). والجواب: أما الايات،
فالجواب عن الاولى: لا نسلم أن ارادة اليسرلا تتناول الاثقل بل هو يسر [ كما أن
الاخف يسر ]، ثم لا يلزم من ارادة اليسر اختصاصها بالايسر. وعن الثانية: لا نسلم أن
الاثقل حرج، فان قال: الحرج هو الضيق، وهو يتناول الاثقل، قلنا: لو تناول الاثقل
لاجل ضيق المشقة، لتناول الاخف فالاولى: صرف الضيق إلى ما يقصر عنه الطاقة، [ فيكون
متناولا للاثقل، لانه مما يدخل تحت الطاقة ]. والجواب عن الخبر الاول: أن نقول: نفي
الضرر يتناول الجميع، و هو متروك الظاهر، فيحمل على ما وقع الاتفاق على تركه. وعن
الخبر الثاني: أن الخفيف والثقيل سهل سمح، إذ كل واحد منهما دون طاقة العبد. ثم
الخبران معارضان بقوله - عليه السلام -: " الحق ثقيل مري، والباطل خفيف وبي ".
(1) في نسخة: الترجيح (2) في نسخة: يستضر (3) البقرة / 148. (*)
================
[ 216 ]
والجواب عن المعقول: أن نقول: قوله: ان الله سبحانه غني لا يتضرر فيكون الترخيص
في حقوقه. قلنا: حقوق الله لا تنفك عن مصلحة عائدة الى العبد، فيكون الترخيص فيها
ترخيصا في حق المتضرر، فعدوله حينئذ يكون تركا (لمصلحة) (1)، وهو غير جائز. ويمكن
أن يجاب الاخرون بأن نقول: قوله: العمل بالاثقل أحوط. قلنا: سنبين أن الاحتياط
دلالة ضعيفة، بل باطلة. قوله: العمل بالاثقل أفضل. قلنا: متى ؟ إذا ثبت أنه مأمور [
به ]، أو إذا لم يثبت، ونحن فلا نسلم أنه مأمور [ به ]، قوله عليه السلام: " أفضل
العبادات أحمزها " قلنا: لا نسلم (أنه) (2) عبادة، وانما يثبت ذلك إذا ثبت أنه
مأمور به. المسألة الثالثة: العمل بالاحتياط غير لازم. وصار آخرون: إلى وجوبه وقال
آخرون: مع اشتغال الذمة يكون العمل بالاحتياط واجبا، ومع عدمه لا يجب. مثال ذلك:
إذا ولغ الكلب في الاناء فقد نجس، واختلفوا هل يطهر بغسلة واحدة ؟ أم لابد من سبع،
وفيما عدا الولوغ، هل يطهر بغسلة ؟ أو لابد من ثلاث. احتج القائلون بالاحتياط:
بقوله عليه السلام: " دع ما يريبك إلى ما لا يريبك "، وبأن الثابت اشتغال الذمة
يقينا، فيجب أن لا يحكم ببراءتها الا بيقين، ولا يقين الا مع الاحتياط والجواب عن
الحديث: أن نقول: هو خبر واحد (لا نعمل) (3) بمثله في
(1) في نسخة: لمصلحته. (2) في نسخة: أنها. (3) في نسخة: لا يعمل. (*)
================
[ 217 ]
مسائل الاصول، سلمنا [ ه ]، لكن الزام المكلف بالاثقل مظنة الريبة، لانه الزام
مشقة لم يدل الشرع عليها، فيجب اطراحها بموجب الخبر. والجواب عن الثاني: أن نقول:
البراءة الاصلية - مع عدم الدلالة الناقلة - حجة، وإذا كان التقدير [ تقدير ] عدم
الدلالة الشرعية على الزيادة، كان العمل بالاصل أولى، وحينئذ لا نسلم اشتغال الذمة
مطلقا، بل لا نسلم اشتغالها الا بما حصل الاتفاق عليه، أو اشتغالها بأحد الامرين.
ويمكن أن يقال: قد أجمعنا على الحكم بنجاسة الاناء، واختلفنا فيما به يطهر، فيجب أن
يؤخذ بما حصل الاجماع عليه في الطهارة (ليزول) (1) ما أجمعنا عليه من النجاسة بما
أجمعنا عليه من الحكم بالطهارة. المسألة الرابعة: شريعة من قبلنا هل هي حجة في
شرعنا ؟ قال قوم: نعم ما لم يثبت نسخ ذلك الحكم بعينه، وأنكر الباقون ذلك، وهو
الحق. لنا: وجوه. الاول: قوله تعالى: " وما ينطق عن الهوى ان هو الا وحي يوحى "
(2). الثاني: لو كان متعبدا بشرع غيره، لكان ذلك الغير أفضل، لانه يكون تابعا لصاحب
ذلك الشرع، لكن ذلك باطل بالاتفاق. الثالث: لو كان متعبدا بشرع غيره، لوجب عليه
البحث عن ذلك الشرع لكن ذلك باطل، لانه لو وجب لفعله، ولو فعله لاشتهر، ولوجب على
الصحابة والتابعين بعده والمسلمين إلى يومنا هذا متابعته عليه السلام على الخوض
فيه، ونحن نعلم من الدين خلاف ذلك. الرابع: لو كان متعبدا بشرع من قبله، لكان طريقه
إلى ذلك اما الوحي أو
(1) في نسخة: فيزول. (2) النجم / 3. (*)
================
[ 218 ]
النقل [ و ] يلزم من الاول أن يكون شرعا له لا شرعا ليغره، ومن الثاني التعويل
على نقل اليهود، وهو باطل، لانه ليس بمتواتر، لما تطرق إليه من القدح المانع من
افادة اليقين، ونقل الاحاد منهم لا يوجب العمل لعدم الثقة. واحتج الاخرون: بقوله
تعالى: " فبهديهم اقتده " (1) وبقوله: " ثم أوحينا اليك أن اتبع ملة ابراهيم حنيفا
" (2) وبقوله: " شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا " (3) وبقوله: " انا أوحينا اليك
كما أوحينا إلى نوح والنبيين " (4) وبقوله: " انا أنزلنا التوراة فيها هدى ونور
يحكم بها النبيون " (5). وبأنه عليه السلام رجع في معرفة الرجم في الزنا إلى
التوارة. أجاب الاولون: عن الاية الاولى: بانها تتضمن الامر بالاقتداء بهديهم كلهم،
فلا يكون ذلك اشارة إلى شرعهم، لانه مختلف، فيجب صرفه إلى (ما اتفقوا) (6) عليه،
وهو دلائل العقائد العقلية، دون الفروع الشرعية. وعن الثانية: بأن ملة ابراهيم -
عليه السلام - المراد بها العقليات، دون الشرعيات يدل على ذلك قوله: " ومن يرغب عن
ملة ابراهيم الا من سفه نفسه " (7) فلو
(1) الانعام / 90. (2) النحل / 123. (3) الشورى / 13. (4) النساء / 163. (5)
المائدة / 44. (6) في نسخة: ما اتفق. (7) البقرة / 130. (*)
================
[ 219 ]
أراد الشرعيات لما جاز نسخ شئ منها، [ وقد نسخ كثير من شرعه، فتعين أن المراد
منه العقليات ]. وعن الاية الثالثة: أنه لا يلزم من وصية نوح بشرعنا، أنه أمره به،
بل يحتمل أن يكون (وصاته) (1) به أمرا منه بقبوله عند (انتهاء اعقابهم) (2) إلى
زمانه عليه السلام، أو وصاه به بمعنى أطلعه عليه وأمره بحفظه. ولو سلمنا أن المراد
أنه شرع لنا ما شرع لنوح، لاحتمل أن يكون المراد به من الاستدلال بالمعقول على
العقائد الدينية، ولو لم يحتمل ذلك لم يبعد أن يتفق الشرعان (ثم) (3) لا يكون شرعه
حجة علينا من حيث ورد على نبينا صلى الله عليه وآله بطريق الوحى، فلا تكون شريعته
شريعة لنا، باعتبار ورودها عنه. وعن الاية الرابعة: أن المساواة في الوحي لا تستلزم
المساواة في الشرع. وعن الاية الخامسة: ان ظاهرها يقتضى اشتراك الانبياء جميعا في
الحكم بها، وذلك غير مراد، لان ابراهيم ونوحا وادريس وآدم لم يحكموا بها، لتقدمهم
على نزولها، فيكون المراد: أن الانبياء عليهم السلام يحكمون بصحة ورودها عن الله،
وأن فيها نورا وهدى، ولا يلزم أن يكونوا متعبدين بالعمل بها، كما أن كثيرا من آيات
القرآن منسوخة وهي عندنا نور وهدى. وأما رجوعه عليه السلام في (تعرف) (4) حد الرجم
[ في التوارة ]، فلا نسلم أن مراجعته (التوراة) (5) ليعرفه، بل لم لا يجوز أن يكون
ذلك لاقامة الحجة على
(1) في نسخة: وصاية. (2) في نسخة: انتهائهم. (3) في بعض النسخ: لم. (4) في نسخة:
تعريف. (5) في نسخة: للتوراة. (*)
================
[ 220 ]
من أنكر وجوده في التوراة ؟ !. المسألة الخامسة: الاستقراء: هو الحكم على جملة
بحكم، لوجوده فيما اعتبر من جزئيات تلك الجملة، ومثاله: أن تستقرئ الزنج، فتجد (كل
موجود منهم) (1) أسود، فتحكم بالسواد على من لم تره كما حكمت على من رأيته. وحاصله
التسوية من غير جامع، ومثاله من الفقهيات: إذا اختلف في الوتر، فنقول: هو مندوب،
لانه لو كان واجبا لما جاز أن يصلى على الراحلة (2)، لكنه يصلى على الراحلة،
والمقدم مستفاد من الاستقراء إذ لا شئ من الواجب يصلى على الراحلة، والاستثناء
معلوم بالاجماع. وهل مثل ذلك حجة في الاحكام ؟ الحق أنه ليس بحجة، لان موارد
الاحكام مختلفة، فلا يلزم من اختصاصها ببعض الاعيان، وجودها في الباقي، [ و لان
ثبوت الحكم فيما وجد، قد يكون مع وجوده في الباقي ]، وقد يكون مع فقده، ومع
الاحتمال لا يجوز الحكم بأحدهما دون الاخر [ و ] لان وجود الحكم في فرد من أفراد
النوع، لا يلزم منه وجوده في باقى الافراد، فكذا وجوده فيما هو أكثر من الواحد. فان
قيل: مع كثرة الصور يغلب الظن أن الباقي مماثل لما وجد والعمل بالظن واجب. قلنا: لا
نسلم أنه يغلب على الظن [ ان الباقي مماثل لما وجد ]، إذ لاتعلق بين ما رأيت وما لم
تره، ولا بين ما علمته من ذلك وما لم تعلمه، ولو سلمنا حصول الظن، لكن الظن الحاصل
من غير امارة لا عبرة به، وليس وجود الحكم فيما رأيته من أجزاء الجملة، امارة
لوجوده في الباقي، سلمناه، لكن
(1) في بعض النسخ: الموجود منهم. (2) اضاف في نسخة: إليه. (*)
================
[ 221 ]
الظن قد يخطئ فلا يعمل به الا مع وجود دلالة تدل عليه. فان قيل: مع الظن يرجح
في ذهن المجتهد ارادة الشارع لتعميم الحكم فتصير المخالفة مظنة الضرر. قلنا: غلبة
الظن المذكور معارض بغلبة الظن أن شرعية الحكم تستدعى الدلالة، ومع ارتفاع الدلالة
بغلب على الظن انتفاء الحكم، فينتفى ظن الضرر على أن مع النهى عن العمل بالظن يزول
ظن الضرر، والنهى موجود بقوله: " ولا تقف ما ليس لك به علم " (1) وقوله: " ان الظن
لا يغنى من الحق شيئا " (2). المسألة السادسة: في المصالح. المصلحة: هي ما يوافق
الانسان في مقاصده لدنياه أو لاخرته أولهما، و حاصله: تحصيل منفعة أو دفع مضرة،
ولما كانت الشرعيات مبتنيات على المصالح، وجب النظر في رعايتها، والمصالح تنقسم
ثلاثة أقسام: معتبرة شرعا، وملغاة، ومرسلة. فالمعتبرة: كتحريم القتل وشرع القصاص،
لاستبقاء الانفس، وفرض الجهاد وقتل المرتد، لحفظ الدين، وتحريم الزنا واقامة الحد،
لحفظ الانساب، والقطع في السرقة، لحفظ الاموال. والملغاة: كما يقال: الغنى في كفارة
الوطء في نهار شهر رمضان عمدا يصوم شهرين (تحتما) (3)، لان ذلك يكون أزجر له عن
المعاودة، لكن الشرع أسقط هذه المصلحة عن درجة الاعتبار. والمرسلة: ما عدا القسمين،
وهذه المصلحة ان كان معها مفسدة راجحة
(1) الاسراء / 36. (2) يونس / 36. (3) في نسخة: تحتيما. (*)
================
[ 222 ]
أو مساوية، كانت ملغاة، وان كانت المصلحة صافية عن المفسدة، أو راجحة حكي عن
مالك، أنها حجة، حتى قال: (نضرب) (1) المتهم بالسرقة محافظة على المال، وأنكر ذلك
الاكثر، ومنهم من اعتبر في العمل بها شروطا ثلاثة أن تكون ضرورية، وكلية، وقطعية،
وأما مالا يكون كليا كالفروع (الجزئية) (2) مثل مسائل الاجارة، وجزئيات المساقاة،
ورعاية الكفاءة في النكاح، فانه لا يجوز التعويل على المصالح المرسلة فيها الا مع
دلالة شرعية تدل على اعتبارها. احتج الاولون: بأن الحكمة باعثة على رعاية المصلحة،
فحيث (ثبت) (3) أن في الشئ مصلحة (يعلم تعلق) (4) داعي (الحكم) (5) به تحصيلا لتلك
المصلحة [ والجواب: متى تكون الحكمة باعثة على رعاية المصلحة ؟ ] إذا تحقق خلوها من
جميع المفاسد، أم إذا لم يتحقق ؟ الاول مسلم، والثاني ممنوع، والتقدير تقدير عدم
(التحقق) (6)، غاية مافى الباب أن يغلب [ على ] الظن، لكن التكليف من فعل الله
سبحانه، فيبنى على ما علمه، لاعلى ما ظنناه نحن. لا يقال: المكلف يبني في كثير من
الشرعيات على الظن. لانا نقول: حيث دل الدليل الشرعي على العمل به، لا بمجرد الظن.
ثم نقول: لو جاز العمل بالمصلحة المرسلة، لوجب حضور مجالس
(1) في نسخة: يضرب. (2) في النسخ: الغريبة، ولكن كتب في هامش احدى النسخ: الجزئية
ظ، و هو الصواب (3) في بعض النسخ: يثبت. (4) في نسخة: تعلم تعلق. (5) في نسخة:
الحكمة. (6) في النسخ: التحقيق، والصحيح ما أثبتناه. (*)
================
[ 223 ]
الوعظ، تحصيلا لمصلحة الانزجار، ولوجب الحد في الغصب، (تحصينا) (1) للمال. وما
حكي عن مالك من جواز ضرب المتهم [ بالسرقة، باطل، لانه لو جازذلك، لجاز ضرب المتهم
] بالقتل والمتهم بالغصب، محافظة على الانفس والاموال، لكن ذلك باطل اجماعا. وأما
الفريق الثاني: فانا نفرض لما ذكروه مثالا، فنقول: إذا تترس أهل الحرب بالاساري من
المسلمين، هل يجوز رميهم وان أدى ذلك إلى تلف (الاسرى) (2) ؟ قال هؤلاء: نعم، إذ
علمنا أنا إذا لم نرمهم ظهروا على الاسلام فقالوا: هذه ضرورية، لانه [ لا ] يندفع
استئصال المسلمين الا بالرمي، وكلية لان الضرر عام في المسلمين كافة، وقطعية، لانا
نتيقن تسلط أهل الكفر مع عدم الرمي، واحتجوا لوجوب [ مثل ] هذا القدر بأن قالوا:
المحافظة على الدماء مقصود للشارع، والرمي مفض إلى ذلك القصد، فيكون واجبا وان أدى
إلى قتل الاسير. والجواب: ما الذي تعنى بالقصد ؟ ان عنيت أن الشرع منع من القتل و
أوجب القصاص، فمسلم، وان عنيت أنه قصد حفظها بغير ذلك (مما لم يدل) (3) عليه الشرع،
فلا نسلم، أو نقول: لا نسلم أن المحافظة على الدماء الدماء مقصود للشارع، والرمي
مفض إلى ذلك القصد، فيكون واجبا وان أدى إلى قتل الاسير. والجواب: ما الذي تعنى
بالقصد ؟ ان عنيت أن الشرع منع من القتل و أوجب القصاص، فمسلم، وان عنيت أنه قصد
حفظها بغير ذلك (مما لم يدل) (3) عليه الشرع، فلا نسلم، أو نقول: لا نسلم أن
المحافظة على الدماء مقصودة كيف كان، بل لم لا يجوز أن تكون المحافظة مقصودة بتحريم
القتل والقصاص لاغير، ولا يلزم من تشريع هذه الزواجر شرع طريق آخر. ثم نقول: هذه
المصلحة دل الشرع على الغائها، فيجب سقوطها عن
(1) في نسخة: تحصيلا. (2) في نسخة: الاسارى. (3) في بعض النسخ: مما يدل. (*)
================
[ 224 ]
الاعتبار، يدل على ذلك قوله تعالى: " ومن يقتل مؤمنا متعمدا فجزاؤه جهنم خالدا
فيها " (1) وقوله: " ولا تقتلوا النفس التى حرم الله الا بالحق " (2) وقوله عليه
السلام " من سعى في دم امرء مسلم ولو بشطر كلمة، جاء يوم القيامة مكتوبا على جبينه
آيس من رحمة الله " وغير ذلك من الاحاديث الدالة على المنع من قتل المسلم ومع وجود
النص لااعتبار بغيره. فعلى هذا النهج يكون احتجاجك على ما يرد عليك من هذا الباب.
والله العاصم، [ والحمد لله رب العالمين وصلى الله على محمد وآله الطاهرين ]
(1) النساء / 93. (2) الانعام / 151