فرائد الاصول للشيخ الانصاري...
الجزء الثاني
الموضع الثاني في الشك في المكلف به
مع العلم بنوع التكليف بأن يعلم الحرمة أو الوجوب ويشتبه الحرام أو الواجب ومطالبه أيضا ثلاثة
المطلب الاول: دوران الامر بين الحرام وغير الواجب
ومسائله أربع
[ المسألة ] الاولى: لو علم التحريم وشك في الحرام من جهة إشتباه الموضوع الخارجي وإنما قدمنا الشبهة الموضوعية هنا، لاشتهار عنوانها في كلام العلماء، بخلاف عنوان الشبهة الحكمية.
ثم الحرام المشتبه بغيره إما مشتبه في أمور محصورة، كما لو دار الامر بين أمرين أو أمور محصورة، و يسمى بالشبهة المحصورة، وإما مشتبه في أمور غير محصورة.
أما [ المقام ] الاول [ الشبهة المحصورة ] فالكلام فيه يقع في مقامين أحدهما جواز إرتكاب كلا الامرين أو الامور وطرح العلم الاجمالي وعدمه، وبعبارة أخرى حرمة المخالفة القطعية للتكليف المعلوم وعدمها.
الثاني وجوب إجتناب الكل وعدمه، وبعبارة أخرى وجوب الموافقة القطعية للتكليف المعلوم وعدمه.
[404]
أما المقام الاول [ وهو جواز إرتكاب الامرين أو عدمه ] فالحق فيه عدم الجواز وحرمة المخالفة القطعية، وحكي عن ظاهر بعض جوازه.لنا على ذلك وجود المقتضي للحرمة وعدم المانع عنها.
أما ثبوت المقتضي فلعموم دليل تحريم ذلك العنوان المشتبه، فإن قول الشارع: (إجتنب عن الخمر)، يشمل الخمر الموجود المعلوم المشتبه بين الانائين أو أزيد.ولا وجه لتخصيصه بالخمر المعلوم تفصيلا.
مع أنه لو خص الدليل بالمعلوم تفصيلا خرج الفرد المعلوم إجمالا عن كونه خمرا واقعيا و كان حلالا واقعيا.
ولا أظن أحدا يلتزم بذلك حتى من يقول بكون الالفاظ أسامي للامور المعلومة.فإن الظاهر إرادتهم الاعم من المعلوم إجمالا.
وأما عدم المانع فلان العقل لا يمنع من التكليف عموما أو خصوصا بالاجتناب عن عنوان الحرام المشتبه في أمرين أو أمور والعقاب على مخالفة هذا التكليف.
وأما الشرع فلم يرد فيه ما يصلح للمنع عدا ما ورد من قولهم عليهم السلام: (كل شئ حلال حتى تعرف أنه حرام بعينه).
و (كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه)، وغير ذلك.
بناء على أن هذه الاخبار كما دلت على حلية المشتبه مع عدم العلم الاجمالي وإن كان محرما في علم الله سبحانه، كذلك دلت على حلية المشتبه مع العلم الاجمالي.
ويؤيده إطلاق الامثلة المذكورة في بعض هذه الروايات، مثل الثوب المحتمل للسرقة والمملوك المحتمل للحرية والمرأة المحتملة للرضيعة.فإن إطلاقها يشمل الاشتباه مع العلم الاجمالي، بل الغالب ثبوت العلم الاجمالي.
لكن مع كون الشبهة غير محصورة.
ولكن هذه الاخبار لا تصلح للمنع، لانها كما تدل على حلية كل واحد من المشتبهين، كذلك تدل على حرمة ذلك المعلوم إجمالا، لانه أيضا شئ علم حرمته.
[405]
فإن قلت: إن غاية الحل معرفة الحرام بشخصه ولم يتحقق في المعلوم الاجمالي.
قلت: أما قوله عليه السلام: (كل شئ حلال حتى تعلم أنه حرام بعينه)، فلا يدل على ما ذكرت، لانه قوله عليه السلام (بعينه) تأكيد للضمير جئ به للاهتمام في إعتبار العلم.
كما يقال: (رأيت زيدا نفسه بعينه)، لدفع توهم وقوع الاشتباه في الرؤية.وإلا فكل شئ علم حرمته فقد علم حرمة نفسه.
فإذا علم نجاسة إناء زيد وطهارة إناء عمرو فاشتبه الاناءان، فاناء زيد شئ علم حرمته بعينه.
نعم يتصف هذا المعلوم المعين بكونه لا بعينه إذا أطلق عليه عنوان أحدهما فيقال أحدهما لا بعينه في مقابل أحدهما المعين عند القائل.
وأما قوله عليه السلام: (فهو لك حلال حتى تعرف الحرام منه بعينه)، فله ظهور في ما ذكر، حيث أن قوله (بعينه) قيد للمعرفه، فمؤداه إعتبار معرفة الحرام بشخصه.
ولا يتحقق ذلك إلا إذا أمكنت الاشارة الحسية إليه.
وأما إناء زيد المشتبه باناء عمرو في المثال وإن كان معلوما بهذا العنوان إلا أنه مجهول بإعتبار الامور المميزة له في الخارج عن إناء عمرو، فليس معروفا بشخصه.
إلا أن بقاء الصحيحة على هذا الظهور يوجب المنافاة لما دل على حرمة ذلك العنوان المشتبه، مثل قوله: (إجتنب عن الخمر).
لان الاذن في كلا المشتبهين ينافي المنع عن عنوان مردد بينهما يوجب الحكم بعدم حرمة الخمر المعلوم إجمالا في متن الواقع.
وهو مما يشهد الاتفاق والنص على خلافه حتى نفس هذه الاخبار حيث أن مؤداها ثبوت الحرمة الواقعية للامر المشتبه.
فإن قلت: مخالفة الحكم الظاهري للحكم الواقعي لا يوجب إرتفاع [ الحكم ] الواقعي، كما في الشبهة المجردة عن العلم الاجمالي.
مثلا قول الشارع (إجتنب عن الخمر) شامل للخمر الواقعي الذي لم يعلم به المكلف ولو إجمالا، وحليته في الظاهر لا يوجب خروجه عن العموم المذكور حتى لا يكون حراما واقعيا فلا ضير في إلتزام ذلك في الخمر الواقعي المعلوم إجمالا.
قلت: الحكم الظاهري لا يقدح مخالفته للحكم الواقعي في نظر الحاكم مع جهل المحكوم بالمخالفة، لرجوع ذلك إلى معذورية المحكوم الجاهل، كما في أصالة البراءة، وإلى بدلية الحكم الظاهري عن الواقع أو كونه طريقا مجعولا إليه على الوجهين في الطرق الظاهرية المجعولة.
وأما مع علم المحكوم بالمخالفة فيقبح من الجاعل جعل كلا الحكمين، لان العلم بالتحرين يقتضي وجوب الامتثال بالاجتناب عن ذلك المحرم.فإذن الشارع في فعله ينافي حكم العقل بوجوب الاطاعة.
فإن قلت: إذن الشارع في فعل المحرم مع علم المكلف بتحريمه إنما ينافي حكم العقل من حيث أنه إذن في المعصية والمخالفة.وهو إنما يقبح مع علم المكلف بتحقق المعصية حين إرتكابها حينئذ.
[406]
والاذن في إرتكاب المشتبهين ليس كذلك إذا كان على التدريج، بل هو إذن في المخالفة مع عدم علم المكلف بها إلا بعدها.
وليس في العقل ما يقبح ذلك وإلا لقبح الاذن في إرتكاب جميع المشتبهات بالشبهة الغير المحصورة أو في إرتكاب مقدار يعلم عادة بكون الحرام فيها وفي إرتكاب الشبهة المجردة التي يعلم المولى إطلاع العبد بعد الفعل على كونه معصية، وفي الحكم بالتخيير الاستمراري بين الخبرين أو فتوى المجتهدين.
قلت: إذن الشارع في أحد المشتبهين ينافي أيضا حكم العقل بوجوب إمتثال التكليف المعلوم المتعلق بالمصداق المشتبه لايجاب العقل حينئذ الاجتناب عن كلا المشتبهين.
نعم لو أذن الشارع في إرتكاب أحدهما مع جعل الاخر بدلا عن الواقع في الاجتزاء بالاجتناب عنه جاز.
فإذن الشارع في أحدهما لا يحسن إلا بعد الامر بالاجتناب عن الاخر بدلا ظاهريا عن الحرام الواقعي، فيكون المحرم الظاهري هو أحدهما على التخيير.وكذا المحلل الظاهري، ويثبت المطلوب، وهو حرمة المخالفة القطعية بفعل المشتبهين.
[ وحاصل معنى تلك الصحيحة (أن كل شئ فيه حلال وحرام فهو لك حلال حتى تعرف أن في إرتكابه فقط أو في إرتكابه المقرون مع إرتكاب غيره إرتكابا للحرام)، والاول في العلم التفصيلي والثاني في العلم الاجمالي ].
فإن قلت: إذا فرضنا المشتبهين مما لا يمكن إرتكابهما إلا تدريجا، ففي زمان إرتكاب أحدهما يتحقق الاجتناب عن الاخر قهرا.
فالمقصود من التخيير وهو ترك أحدهما حاصل مع الاذن في إرتكاب كليهما، إذ لا يعتبر في ترك الحرام القصد، فضلا عن قصد الامتثال.
قلت: الاذن في فعلهما في هذه الصورة أيضا ينافي الامر بالاجتناب عن العنوان الواقعي المحرم، لما تقدم من أنه، مع وجود دليل حرمة ذلك العنوان المعلوم وجوده في المشتبهين، لا يصح الاذن في أحدهما إلا بعد المنع عن الاخر بدلا عن المحرم الواقعي.
ومعناه المنع عن فعله بعده، لان هذا هو الذي يمكن أن يجعله الشارع بدلا عن الحرام الواقعي حتى لا ينافي أمره بالاجتناب عنه، إذ تركه في زمان فعل الاخر لا يصلح أن يكون بدلا [ عن حرمته ].
وحنيئذ فإن منع في هذه الصورة عن واحد من الامرين المتدرجين في الوجود لم يجز إرتكاب الثاني بعد إرتكاب الاول وإلا لغى المنع المذكور.
فإن قلت: الاذن في أحدهما يتوقف على المنع عن الاخر في نفس تلك الواقعة بأن يرتكبهما دفعة والمفروض إمتناع ذلك في ما نحن فيه من غير حاجة إلى المنع المذكور ولا يتوقف على المنع عن الاخر بعد إرتكاب الاول، كما في التخيير الظاهري الاستمراري.
[407]
قلت: تجويز إرتكابهما من أول الامر ولو تدريجا طرح لدليل حرمة الحرام الواقعي والتخيير الاستمراري في مثل ذلك ممنوع.
والمسلم منه ما إذا لم يسبق التكليف بمعين أو يسبق التكليف بالفعل حتى يكون المأتي به في كل دفعة بدلا عن المتروك على تقدير وجوبه دون العكس بأن يكون المتروك في زمان الاتيان بالاخر بدلا عن المأتي به على تقدير حرمته، وسيأتي تتمة ذلك في الشبهة الغير المحصورة.
فإن قلت: إن المخالفة القطعية للعلم الاجمالي فوق حد الاحصاء في الشرعيات، كما في الشبهة الغير المحصورة، وكما لو قال القائل في مقام الاقرار: هذا لزيد بل لعمرو، فإن الحاكم يأخذ المال لزيد وقيمته لعمرو، مع أن أحدهما أخذ للمال بالباطل.
وكذا يجوز للثالث أن يأخذ المال من يد زيد وقيمته من يد عمرو، مع علمه بأن أحد الاخذين تصرف في مال الغير بغير إذنه.
ولو قال: هذا لزيد بل لعمرو بل لخالد، حيث أنه يغرم لكل من عمور وخالد تمام القيمة، مع أن حكم الحاكم بإشتغال ذمته بقيمتين مخالف للواقع قطعا.
وأي فرق بين قوله عليه السلام: (إقرار العقلاء على أنفسهم جائز)، وبين أدلة حل ما لم يعرف كونه حراما، حتى أن الاول يعم الاقرارين المعلوم مخالفة أحدهما للواقع، والثاني لا يعم الشيئين المعلوم حرمة أحدهما.
وكذلك لو تداعيا عينا في موضوع يحكم يتنصيفها بينهما مع العلم بأنها ليست إلا لاحدهما.
وذكروا ايضا في باب الصلح أنه لو كان لاحد الودعيين درهم وللاخر درهمان، فتلف عند الودعي أحد الدراهم، فإنه يقسم أحد الدرهمين الباقيين بين المالكين، مع العلم الاجمالي بأن دفع أحد النصفين دفع للمال إلى غير صاحبه.
وكذا لو إختلف المتبايعان في المبيع والثمن وحكم بالتحالف وإنفساخ البيع، فإنه يلزم مخالفة العلم الاجمالي بل الفصيلي في بعض الفروض، كما لا يخفى.
قلت: أما الشبهة الغير المحصورة فسيجئ وجه جواز المخالفة فيها.
وأما الحاكم فوظيفته أخذ ما يستحقه المحكوم له على المحكوم عليه بالاسباب الظاهرية، كالاقرار والحلف والبينة وغيرها.فهو قائم مقام المستحق في أخذ حقه.ولا عبرة بعلمه الاجمالي.
نظير ذلك ما إذا أذن المفتي لكل واحد من واجدي المني في الثوب المشترك في دخول المسجد، فإنه إنما يأذن كلا منهما بملاحظة تكليفه في نفسه.فلا يقال إنه يلزم من ذلك إذن الجنب في دخول المسجد وهو حرام.
وأما غير الحاكم ممن إتفق له أخذ المالين من الشخصين المقر لهما في مسألة الاقرار، فلا نسلم
[408]
جواز أخذه لهما، بل ولا لشئ منهما إلا إذا قلنا بأن ما يؤخذه منهما يعامل [ معه ] معاملة الملك الواقعي، نظير ما يملكه ظاهرا بتقليد أو إجتهاد يخالف لمذهب من يريد ترتيب الاثار، بناء على أن العبرة في ترتيب آثار الموضوعات الثابتة في الشريعة، كالملكية والزوجية وغيرهما، بصحتهما عند المتلبس بهما، كالمالك والزوجين، ما لم يعلم تفصيلا من يريد ترتيب الاثر خلاف ذلك، ولذلك قيل بجواز الاقتداء في الظهرين بواجدي المني في صلاة واحدة، بناء على أن المناط في صحة الاقتداء الصحة عند المصلي ما لم يعلم تفصيلا فساده.
وأما مسألة الصلح فالحكم فيها تعبدي، وكأنه صلح قهري بين المالكين أو يحمل على حصول الشركة بالاختلاط.
وقد ذكر بعض الاصحاب أن مقتضى القاعدة الرجوع إلى القرعة.
وبالجملة فلا بد من التوجيه في جميع ما يوهم جواز المخالفة القطعية الراجعة إلى طرح دليل شرعي، لانها كما عرفت ممنا يمنع عنها العقل والنقل، خصوصا إذا قصد من إرتكاب المشتبهين التوصل إلى الحرام، هذا مما لا تأمل فيه، ومن يظهر منه جواز الارتكاب فالظاهر أنه قصد غير هذه الصورة.
ومنه يظهر أن إلزام القائل بالجواز بأن تجويز ذلك يفضي إلى إمكان التوصل إلى فعل جميع المحرمات على وجه مباح، بأن يجمع بين الحلال والحرام المعلومين تفصيلا، كالخمر والخل، على وجه يوجب الاشتباه فيرتكبهما محل نظر، خصوصا على ما مثل به من الجمع بين الاجنبية والزوجة.هذا كله فيما إذا كان الحرام المشتبه عنوانا واحدا مرددا بين أمرين.وأما إذا كان مرددا بين عنوانين.كما مثلنا سابقا بالعلم الاجمالي بأن أحد المايعين إما خمر أو الاخر مغصوب.
فالظاهر أن حكمه كذلك، إذ لا فرق في عدم جواز المخالفة للدليل الشرعي بين كون ذلك الدليل معلوما بالتفصيل وكونه معلوما بالاجمال، فإن من إرتكب الانائين في المثال يعلم بأنه خالف دليل حرمة الخمر أو دليل حرمة المغصوب، ولذا لو كان إناء واحد مرددا بين الخمر والمغصوب لم يجز إرتكابه، مع أنه لا يلزم منه إلا مخالفة أحد الدليلين لا بعينه.
وليس ذلك إلا من جهة أن مخالفة الدليل الشرعي محرم عقلا وشرعا، سواء تعين للمكلف أو تردد بين دليلين.
ويظهر من صاحب الحدائق التفصيل في باب الشبهة المحصورة بين كون المردد بين المشتبهين فردا من عنوان فيجب الاجتناب عنه وبين كونه مرددا بين عنوانين فلا يجب.
فإن أراد عدم وجوب الاجتناب عن شئ منهما في الثاني وجواز إرتكابهما معا فظهر ضعفه بما ذكرنا، وإن أراد عدم وجوب الاحتياط فيه فسيجئ ما فيه.
[409]
وأما المقام الثاني: [ وهو وجوب إجتناب الكل وعمدمه ] فالحق فيه وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين وفاقا للمشهور، وفي المدارك أنه مقطوع به في كلام الاصحاب، ونسبه المحقق البهبهاني في فوائده إلى الاصحاب، وعن المحقق المقدس الكاظمي في شرح الوافية دعوى الاجماع صريحا، وذهب جماعة إلى عدم وجوبه، وحكي عن بعض القرعة.
لنا على ما ذكرنا أنه إذا ثبت كون أدلة تحريم المحرمات شاملة للمعلوم إجمالا ولم يكن هنا مانع عقلي أو شرعي من تنجز التكليف به، لزم بحكم العقل الاحتراز عن إرتكاب ذلك المحرم بالاجتناب عن كلا المشتبهين.
وبعبارة أخرى: التكليف بذلك المعلوم إجمالا إن لم يكن ثابتا جازت المخالفة القطعية، والمفروض في هذا المقام التسالم على حرمتها، وإن كان ثابتا وجب الاحتياط فيه بحكم العقل، إذ يحتمل أن يكون ما يرتكبه من المشتبهين هو الحرام الواقعي، فيعاقب عليه، لان المفروض لما كان ثبوت التكليف بذلك المحرم لم يقبح العقاب عليه إذا إتفق إرتكابه ولو لم يعلم به حين الارتكاب واختبر ذلك من حال العبد إذا قال له المولى: (إجتنب، وتحرز عن الخمر المردد بين هذين الانائين)، فإنك لا تكاد ترتاب في وجوب الاحتياط.
ولا فرق بين هذا الخطاب وبين الادلة المحرمات الثابتة في الشريعة إلا العموم والخصوص.
فإن قلت: أصالة الحل في كلا المشتبهين جارية في نفسها ومعتبرة لولا المعارض.
وغاية ما يلزم في المقام تعارض الاصلين، فتخيير في العمل في أحد المشتبهين، ولا وجه لطرح كليهما.
قلت: أصالة الحل غير جارية هنا بعد فرض كون المحرم الواقعي مكلفا بالاجتناب عنه منجزا على ما هو مقتضى الخطاب بالاجتناب عنه لان مقتضى العقل في الاشتغال اليقيني بترك الحرام الواقعي هو الاحتياط والتحرز عن كلا المشتبهين حتى لا يقع في محذور فعل الحرام.وهو معنى
[410]
المرسل المروي في بعض كتب الفتاوى: (أترك ما لا بأس به حذرا عما به البأس).فلا يبقى مجال للاذن في فعل أحدهما.
وسيجئ في باب الاستصحاب أيضا أن الحكم في تعارض كل أصلين إذا لم يكن أحدهما حاكما على الاخر هو التساقط، لا التخيير.
فإن قلت: قوله: (كل شئ لك حلال حتى تعرف أنه حرام) ونحوه، يستفاد منه حلية المشتبهات بالشبهة المجردة عن العلم الاجمالي جميعا، وحلية الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي على البدل، لان الرخصة في كل شبهة مجردة لا تنافي الرخصة في غيرها، لاحتمال كون الجميع حلالا في الواقع.فالبناء على كون هذا المشتبه بالخمر خلا، لا ينافي البناء على كون المشتبه الاخر خلا.
وأما الرخصة في شبهة مقرونة بالعلم الاجمالي والبناء على كونه خلا لما تستلزم وجوب البناء على كون المحرم هو المشتبه الاخر، فلا يجوز الرخصة فيه جميعا نعم يجوز الرخصة فيه بمعنى جواز إرتكابه والبناء على أن المحرم غيره، مثلا الرخصة في إرتكاب أحد المشتبهين بالخمر مع العلم بكون أحدهما خمرا، فإنه لما علم من الادلة تحريم الخمر الواقعي ولو تردد بين الامرين كان معنى الرخصة في إرتكاب أحدهما الاذن في البناء على عدم كونه هو الخمر المحرم عليه وأن المحرم غيره، فكل منهما حلال، بمعنى جواز البناء على كون المحرم غيره.
والحاصل أن مقصود الشارع من هذه الاخبار أن يلغى من طرفي الشك في حرمة الشئ و حلية إحتمل الحرمة ويجعل الحلية في حكم متيقنها.
ولما كان في المشتبهين بالشبهة المحصورة شك واحد ولم يكن فيه إلا إحتمال كونه هذا حلالا وذاك حراما واحتمال العكس، كان إلغاء إحتمال الحرمة في أحدهما إعمالا له في الاخر وبالعكس، وكان الحكم الظاهري في احدهما بالحل حكما ظاهريا بالحرمة في الاخر، وليس في معنى حلية كل منهما إلا الاذن في إرتكابه وإلغاء إحتمال الحرمة فيه المستلزم لاعماله في الاخر.
فتأمل حتى لا تتوهم أن إستعمال قوله: (كل شئ لك حلال)، بالنسبة إلى الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي والشبهات المجردة إستعمال في معنيين.
قلت: الظاهر من الاخبار المذكورة البناء على حلية محتمل التحريم والرخصة فيه، لا وجوب البناء على كونه هو الموضوع المحلل.ولو سلم فظاهرها البناء على كون كل مشتبه كذلك.وليس الامر بالبناء على كون أحد المشتبهين هو الخل أمرا بالبناء على كون الاخر هو الخمر، فليس في الروايات من البدلية عين ولا أثر، فتدبر.
[411]
احتج من جوز إرتكاب ما عدا مقدار الحرام ومنع عنه بوجهين الاول: الاخبار الدالة على حل ما لم يعلم حرمته التي تقدم بعضها.
وإنما منع من إرتكاب مقدار الحرام إما لاستلزامه لعلم بارتكاب الحرام وهو حرام، وإما لما ذكره بعضهم من أن إرتكاب مجموع المشتبهين حرام لاشتماله على الحرام.
قال في توضيح ذلك: (إن الشارع منع عن إستعمال الحرام المعلوم وجوز إستعمال ما لم يعلم حرمته والمجموع من حيث المجموع معلوم الحرمة ولو بإعتبار جزئه وكذا كل منهما بشرط الاجتماع مع الاخر فيجب إجتنابه، وكل منهما بشرط الانفراد مجهول الحرمة فيكون حلالا).
والجواب عن ذلك أن أخبار المتقدمة على ما عرفت إما أن لا تشمل شيئا من المشتبهين وإما أن تشملهما جميعا.
وما ذكر من الوجهين لعدم جواز إرتكاب الاخير بعد إرتكاب الاول فغير صالح للمنع.
أما (الاول)، فلانه إن أريد أن مجرد تحصيل العلم بإرتكاب الحرام حرام، فلم يدل دليل عليه، نعم تحصيل العلم بإرتكاب الغير للحرام حرام من حيث التجسس المنهي عنه وإن لم يحصل له العلم.
وإن أريد أن الممنوع عنه عقلا من مخالفة أحكام الشرع بل مطلق الموالي هي المخالفة العلمية، دون الاحتمالية فإنها لا تعد عصايانا في العرف، فعصيان الخطاب بإجتناب الخمر المشتبه هو إرتكاب المجموع المحرم الواقعي وإن لم يعرف حين الارتكاب.وحاصله منع وجوب المقدمة العلمية.
ففيه، مع إطباق العلماء بل العقلاء، كما حكي، على وجوب المقدمة العلمية، أنه إن أريد من حرمة المخالفة العلمية المخالفة المعلومة حين المخالفة، فهذا إعتراف بجواز إرتكاب المجموع تدريجا، إذ
[412]
لا يحصل معه مخالفة معلومة تفصيلا، وإن أريد منها حرمة المخالفة التي تعلق العلم بها ولو بعدها، فمرجعها إلى حرمة تحصيل العلم الذي به يصير المخالفة المعلومة، وقد عرفت منع حرمتها جدا.
مما ذكرنا يظهر فساد (الوجه الثاني)، فإن حرمة المجموع إذا كان بإعتبار جزئه الغير المعين فضم الجزء الاخر لا دخل له في حرمته.
نعم له دخل في كون الحرام معلوم التحقق، فهي مقدمة للعلم بإرتكاب الحرام لا لنفسه، فلا وجه لحرمتها بعد عدم حرمة العلم بإرتكاب الحرام.
ومن ذلك يظهر فساد جعل الحرام كلا منهما بشرط الاجتماع مع الاخر، فإن حرمته وإن كانت معلومة إلا أن الشرط شرط لوصف كونه معلوم التحقق لا لذات الحرام، فلا يحرم إيجاد الاجتماع إلا إذا حرم جعل ذات الحرام معلومة التحقق ومرجعه إلى حرمة تحصيل العلم بالحرام.
الثاني: ما دل بنفسه أو بضميمة ما دل على المنع عن إرتكاب الحرام الواقعي على جواز تناول الشبهة المحصورة، فيجمع بينه على تقدير ظهوره في جواز تناول الجميع وبين ما دل على تحريم العنوان الواقعي بأن الشارع جعل بعض المحتملات بدلا عن الحرام الواقعي فيكفي تركه في الامتثال الظاهري.
كما لو إكتفى بفعل الصلاة إلى بعض الجهات المشتبهة ورخص في ترك الصلاة إلى بعضها، وهذه الاخبار كثيرة: منها: موثقة سماعة.
قال: (سألت أبا عبدالله، عليه السلام، عن رجل أصاب مالا من عمال بني أمية، وهو يتصدق منه ويصل قرابته ويحج ليغفر له ما اكتسب، ويقول: إن الحسنات يذهبن السيئات.
فقال عليه السلام: إن الخطيئة لا تكفر الخطيئة وإن الحسنة تحط الخطيئه.
ثم قال: إن كان خلط الحرام حلالا فاختلطا جميعا فلم يعرف الحرام من الحلال فلا بأس)(1).
فإن ظاهره نفي البأس عن التصدق والصلة والحج من المال المختلط وحصول الاجر في ذلك.وليس فيه دلالة على جواز التصرف في الجميع.
ولو فرض ظهوره فيه صرف عنه بما دل على وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي، وهو مقتضى بنفس لحرمة التصرف في الكل، فلا يجوز ورود الدليل على خلافها ومن جهة حكم العقل بلزوم الاحتياط لحرمة التصرف في البعض المحتمل أيضا.
لكن عرفت أنه يجوز الاذن في ترك بعض المقدمات العلمية بجعل بعضها الاخر بدلا ظاهريا عن ذي المقدمة.
___________________________________
(1) وسائل الشيعة، ج 8، 104
[413]
والجواب عن هذا الخبر: أن ظاهره جواز التصرف في الجميع، لانه يتصدق ويصل ويحج بالبعض ويمسك الباقي، فقد تصرف في الجميع بصرف البعض وإمساك البعض الاخر، فلا بد إما من الاخذ به وتجويز المخالفة القطعية وإما من صرفه عن ظاهره وحينئذ فحمله على إرادة نفي البأس عن التصرف في البعض وإن حرم عليه إمساك مقدار الحرام ليس بأولى من حمل الحرام على حرام خاص يعذر فيه الجاهل، كالربا، بناء على ما ورد في عدة أخبار من حلية الربا الذي أخذ جهلا ثم لم يعرف بعينه في المال المخلوط.
وبالجملة فالاخبار الواردة في حلية ما لم يعلم حرمته على أصناف.
منها: ما كان من قبيل قوله عليه السلام (كل شئ لك حلالا حتى تعرف أنه حرام)(1).
وهذا الصنف لا يجوز الاستدلال به لمن لا يرى جواز إرتكاب المشتبهين، لان حمل تلك الاخبار على الواحد لا بعينه في الشبهة المحصورة والآحاد المعينه في المجردة من العلم الاجمالي، والشبهة الغير المحصورة متعسر بل متعذر، فيجب حملها على صورة عدم التكليف الفعلي بالحرام الواقعي.
ومنها: ما دل ارتكاب كلا المشتبهين في خصوص الشبهة المحصورة مثل الخبر المتقدم.
وهذا أيضا لا يلتزم المستدل بمضمونه ولا يجوز حمله على غير الشبهة المحصورة، لان موردها فيها، فيجب حملها على أقرب المحتملين من إرتكاب البعض مع إبقاء ما عدا المقدار ومن وروده في مورد خاص، كالربا ونحوه، مما يمكن إلتزام خروجه عن قاعدة الشبهة المحصورة.ومن ذلك يعلم حال ما ورد في الربا من حل جميع المال المختلط به.
ومنها: ما دل على جواز أخذ ما علم فيه الحرام إجمالا، كأخبار جواز الاخذ من العامل والسارق والسلطان.
وسيجئ حمل جلها أو كلها على كون الحكم بالحل مستندا إلى كون الشئ مأخوذا من يد المسلم ومتفرعا على تصرفه المحمول على الصحة عند الشك.
فالخروج، بهذه الاصناف من الاخبار، عن القاعدة العقلية الناشية عما دل من الادلة القطعية على وجوب الاجتناب عن العناوين المحرمة الواقعية، وهي وجوب دفع الضرر المقطوع به بين المشتبهين ووجوب إطاعة التكاليف المعلومة المتوقفة على الاجتناب عن كلا المشتبهين، مشكل
___________________________________
(1) الكافي، ج 5، ص 313 وسائل الشيعة، ح 12، ص 60، ح 22050
[414]
حدا، خصوصا مع إعتضاد القاعدة بوجهين آخرين، هما كالدليل على المطلب.
أحدهما الاخبار الدالة على هذا المعنى: منها: قوله عليه السلام: (ما إجتمع الحلال والحرام إلا غلب الحرام الحلال)(1)، والمرسل المتقدم: (أتركوا ما لا بأس به حذرا عما به الباس)،(2) وضعفها ينجبر بالشهرة المحققة والاجماع المدعى في كلام من تقدم.
ومنها: رواية ضريس عن السمن والجبن في أرض المشركين: (قال أما ما علمت أنه قد خلطه الحرام فلا تأكل، وأما ما لم تعلم فكل)، فإن الخلط يصدق مع الاشتباه.
ورواية إبن سنان: (كل شئ حلال حتى يجيئك شاهدان أن فيه الميتة)، فإنه يصدق على مجموع قطعات اللحم أن فيه الميتة.
ومنها: قوله، صلى الله عليه وآله، في حديث التثليث: (وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم)، بناء على أن المراد بالهلاكة ما هو أثر للحرام.
فإن كان الحرام لم يتنجز التكليف به فالهلاك المترتب عليه منقصته الذاتية، وإن كان مما يتنجز التكليف به، كما في ما نحن فيه، كان المترتب عليه هو العقاب الاخروي.
وحيث أن دفع العقاب المحتمل واجب بحكم العقل وجب الاجتناب عن كل مشتبه بالشبهة المحصورة.
وما كان دفع الضرر غير العقاب غير لازم إجماع كان الاجتناب عن الشبهة المجردة غير واجب بل مستحبا.
وفائدءة الاستدلال بمثل هذا الخبر معارضته لما يفرض من الدليل على جواز إرتكاب أحد المشتبهين مخيرا وجعل الاخر بدلا عن الحرام الواقعي، فإن مثل هذا الدليل لو فرض وجوده حاكم على الادلة الدالة على الاجتناب عن عنوان المحرم الواقعي، لكنه معارض بمثل خبر التثليث و بالنبويين، بل مخصص بهما.
[ لو فرض عمومه للشبهة الابتدائية، فيسلم ] تلك الادلة، [ فتأمل ].
الثاني ما يستفاد من أخبار كثيرة من كون الاجتناب عن كل واحد من المشتبهين أمرا مسلما مفروغا عنه بين الائمة عليهم السلام والشيعة بل العامة أيضا، بل استدل صاحب الحدائق على أصل القاعدة باستقراء مواردها في الشريعة.
لكن الانصاف عدم بلوغ ذلك حدا يمكن الاعتماد عليه مستقلا، وإن كان ما يستشم منها قولا وتقريرا من الروايات كثيرة:
___________________________________
(1) عوالي اللئالي، ج 2، ص 132.
(2) تهذيب الاحكام، ج 9، ص 79.
وسائل الشيعة، ج 16، ص 494.
[415]
منها: ما ورد في المائين المشتبهين، خصوصا مع فتوى الاصحاب بلا خلاف بينهم على وجوب الاجتناب عن إستعمالهما مطلقا.
ومنها: ما ورد في الصلاة في الثوبين المشتبهين.
ومنها: ما ورد في وجوب غسل الثوب من الناحية التي يعلم باصابة بعضها للنجاسة معللا بقوله: (حتى يكون على يقين من طهارته)، فإن وجوب تحصيل اليقين بالطهارة على ما يستفاد عن التعليل يدل على عدم جريان أصالة الطهارة بعد العلم الاجمالي بالنجاسة.
وهو الذي بنينا عليه وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة وعدم جواز الرجوع فيها إلى أصالة الحل، فإنه لو جرى أصالة الطهارة وأصالة حل الطهارة والصلاة في بعض المشتبهين لم يكن للاحكام المذكورة وجه ولا للتعليل في الحكم الاخير لوجوب تحصيل اليقين بالطهارة بعد اليقين بالنجاسة.
و [ منها ]: ما دل على بيع الذبائح المختلط ميتتها بمذكيها [ ممن يستحل الميتة ] من أهل الكتاب، بناء على حملها على ما لا يخالف عمومات حرمة بيع المشتبه بأن يقصد بيع المذكى خاصة أو مع مالا تحله الحياة من الميتة.
وقد يستأنس له مما ورد من وجوب القرعة في قطيع الغنم المعلوم وجود الموطوء في بعضها.
و هي الرواية المحكية في جواب الامام الجواد، عليه السلام، لسؤال يحيى بن أكثم عن قطيع غنم نزى الراعي على واحدة منها ثم أرسلها في الغنم، حيث قال عليه السلام: (يقسم الغنم نصفين ثم يقرع بينهما.
فكل ما وقع السهم عليه قسم غيره قسمين.وهكذا حتى يبقى واحد ونجى الباقي)(1).
وهو حجة القول بوجوب القرعة، لكنها لا تنهض لاثبات حكم مخالف للاصول.نعم هي دالة على عدم جواز إرتكاب شئ منها قبل القرعة.
فإن التكليف بالاجتناب عن الموطوءة الواقعية واجب بالاجتناب عن الكل حتى يتميز الحلال ولو بطريق شرعي، هذا.
ولكن الانصاف أن الرواية أدل على مطلب الخصم بناء على حمل القرعة على الاستحباب، إذ على قول المشهور لا بد من طرح الرواية أو العمل بها في خصوص موردها.
___________________________________
(1) تحف العقول، ص 480 وسائل الشيعة، ج 16، ص 436، ح 30269.
[416]
وينبغي التنبيه على أمور الاول إنه لا فرق في وجوب الاجتناب عن المشتبه الحرام بين كون المشتبهين مندرجين تحت حقيقة واحدة وغير ذلك، لعموم ما تقدم من الادلة.
ويظهر من كلام صاحب الحدائق التفصيل، فإنه ذكر كلام صاحب المدارك في مقام تأييد ما قواه من عدم وجوب الاجتناب من المشتبهين.
وهو: (أن المستفاد من قواعد الاصحاب أنه لو تعلق الشك بوقوع النجاسة في الاناء وخارجه لم يمنع من إستعماله.
وهو مؤيد لما ذكرناه.
قال مجيبا عن ذلك: أولا بأنه من باب الشبهة الغير المحصورة.
وثانيا أن القاعدة المذكورة إنما تتعلق بالافراد المندرجة تحت ماهية واحدة والجزئيات التي تحويها حقيقة واحدة إذا إشتبه طاهرها بنجسها وحلالها بحرامها، فيفرق بين المحصور وغير المحصور بما تضمنه تلك الاخبار، لا وقوع الاشتباه كيف إتفق)(1)، إنتهى كلامه رفع مقامه.
وفيه بعد منع كون ما حكاه صاحب المدارك عن الاصحاب مختصا بغير المحصور، بل لو شك في وقوع النجاسة في الاناء، فظاهرهم الحكم بطهارة الماء.
كما يدل عليه تأويلهم لصحيحة علي بن جعفر الواردة في الدم الغير المستبين في الماء بذلك أنه لا وجه لما ذكره من إختصاص القاعدة.
أما أولا، فلعموم المذكورة خصوصا عمدتها، وهي أدلة الاجتناب من العناوين المحرمة الواقعية، كالنجس والخمر ومال الغير وغير ذلك [ بضميمة حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل ].
وأما ثانيا، فلانه لا ضابطة لما ذكره من الاندارج تحت ماهية واحدة، ولم يعلم الفرق بين تردد
___________________________________
(1) الحدائق الناضرة، 1، ص 517.
[417]
النجس بين ظاهر الاناء وباطنه أو بين الماء وقطعة من الارض أو بين الماء ومايع آخر، أو بين مائعين مختلفي الحقيقة وبين تردده ما بين مائين أو ثوبين أو مائعين متحدي الحقيقة.
نعم هنا شئ آخر: وهو أنه هل يشترط في العنوان المحرم الواقعي والنجس الواقعي المردد بين المشتبهين أن يكون على كل تقدير متعلقا لحكم واحد أم لا.مثلا، إذا كان أحد المشتبهين ثوبا و الآخر مسجدا.حيث أن المحرم في أحدهما اللبس وفي الآخر السجدة.
فليس هنا خطاب جامع للجنس الواقعي، بل العلم بالتكليف مستفاد من مجموع قول الشارع: (لا تلبس النجس في الصلاة ولا تسجد على النجس).وأولى من ذلك بالاشكال ما لو كان المحرم على كل تقدير عنوانا غيره على التقدير الآخر.
كما لو دار الامر بين كون أحد المائعين نجسا وكون الآخر مال الغير لامكان تكليف إدراج الفرض الاول تحت خطاب الاجتناب عن النجس بخلاف الثاني.وأولى من ذلك ما لو تردد الامر بين كون هذه المرأة أجنبية أو كون هذا المايع خمرا.
وتوهم إدراج ذلك كله في وجوب الاجتناب عن الحرام مدفوع بأن الاجتناب عن الحرام عنوان منتزع من الادلة المتعلقة بالعناوين الواقعية.فالاعتبار بها لا به، كما لا يخفى.والاقوى أن المخالفة القطعية في جميع ذلك غير جائز، ولا فرق عقلا وعرفا في مخالفة نواهي الشارع بين العلم التفصيلي بخصوص ما خالفه وبين العلم الاجمالي بمخالفة أحد النهيين.
ألا ترى أنه لو إرتكب مايعا واحد يعلم أنه مال الغير أو نجس لم يعذر لجهله التفصيلي بما خالفه، فكذا حال من ارتكب النظر إلى المرأة وشرب المايع في المثال الاخير.
والحاصل أن النواهي الشرعية بعد الاطلاع عليها بمنزلة نهي واحد عن عدة أمور.
فكما تقدم أنه لا يجتمع نهي الشارع عن أمر واقعي واحد، كالخمر مع الاذن في إرتكاب المائعين المردد بينهما الخمر، فكذا لا يجتمع النهي عن عدة أمور مع الاذن في إرتكاب كلا الامرين المعلوم وجودا أحد تلك الامور فيهما.
وأما الموافقة القطعية فالاقوى أيضا وجوبها، لعدم جريان أدلة الحلية ولا أدلة البراءة عقليها و نقليها.
أما النقلية، فلما تقدم من إستوائها بالنسبة إلى كل من المشتبهين وإبقاؤهما يوجب التنافي مع أدلة تحريم العناوين الواقعية، وإبقاء واحد على سبيل البدل غير جائز، إذ بعد خروج كل منهما بالخصوص ليس الواحد لا بعينه فردا ثالثا يبقى تحت أصالة العموم.
[418]
وأما العقلية، فلمنع إستقلاله في المقام بقبح مؤاخذة من إرتكب الحرام المردد بين الامرين، بل الظاهر إستقلال العقل في المقام بعد عدم القبح المذكور بوجوب دفع الضرر، أعني العقاب المحتمل في إرتكاب احدهما.
وبالجملة فالظاهر عدم التفكيك في هذا المقام بين المخالفة القطعية والمخالفة الاحتمالية.
فإما أن يجوز الاولى وإما أن يمنع الثانية.
الثاني: أن وجوب الاجتناب عن كل من المشتبهين هل هو بمعنى لزوم الاحتراز عنه حذرا من الوقوع في المؤاخذة بمصادفة ما إرتكبه للحرام الواقعي، فلا مؤاخذه إلا على تقدير الوقوع في الحرام، أو هو بمعنى لزوم الاحتراز عنه من حيث أنه مشتبه فيستحق المؤاخذة بإرتكاب احدهما، ولو لم يصادف الحرام.
ولو إرتكبهما إستحق عقابين فيه وجهان بل قولان، أقواهما الاول، لان حكم العقل بوجوب دفع الضرر هو بمعنى العقاب المحتمل، بل المقطوع حكم إرشادي.
وكذا لو فرض أمر الشارع بالاجتناب عن عقاب محتمل أو مقطوع بقوله (تحرز عن الوقوع في معصية النهي عن الزنا)، لم يكن إلا إرشاديا، ولم يترتب على موافقته ومخالفته سوى خاصية نفس المأمور به وتركه، كما هو شأن الطلب الارشادي.
وإلى هذا المعنى أشار، صلوات الله عليه، بقوله: (أتركوا ما لا بأس به حذرا ما به البأس)، وقوله: (من إرتكب الشبهات وقع في المحرمات وهلك من حيث لا يعلم).
ومن هنا ظهر أنه لا فرق في ذلك بين الاستناد في وجوب الاجتناب إلى حكم العقل وبين الاستناد فيه إلى حكم الشرع بوجوب الاحتياط.
وأما حكمهم بوجوب دفع الضرر المظنون شرعا و إستحقاق العقاب على تركه وإن لم يصادف الواقع فهو خارج عما نحن فيه، لان الضرر الدنيوي إرتكابه مع العلم حراما شرعا.والمفروض أن الظن في باب الضرر طريق شرعي.
فالمقدم مع الظن كالمقدم مع القطع مستحق للعقاب.كما لو ظن سائر المحرمات بالظن المعتبر.
نعم لو شك في هذا الضرر يرجع إلى أصالة الاباحة وعدم الضرر إستحالة ترخيص الشارع في الاقدام على الضرر الدنيوي المقطوع إذا كان في الترخيص مصلحة أخروية فيجوز ترخيصه بالاقدام على المحتمل لمصلحة ولو كانت تسهيل الامر على المكلف بوكول الاقدام على إرادته.
وهذا بخلاف الضرر الاخروي، فإنه على تقدير ثبوته يقبح من الشارع الترخيص فيه.
[419]
نعم وجوب دفعه عقلي ولو مع الشك، لكن لا يترتب على ترك دفعه إلا نفسه على تقدير ثبوته واقعا حتى أنه لو قطع به ثم لم يدفعه واتفق عدمه واقعا لم يعاقب عليه إلا من باب التجري، وقد تقدم في المقصد الاول المتكفل لبيان مسائل حجية القطع الكلام فيه وسيجئ أيضا.
فإن قلت: قد ذكر العدلية في الاستدلال بوجوب دفع الضرر على وجوب شكر المنعم بأن في تركه إحتمال المضرة وجعلوا ثمرة وجوب شكر المنعم وعدم وجوبه إستحقاق العقاب على ترك الشكر لمن لم يبلغه دعوة نبي، فيدل ذلك على إستحقاق العقاب بمجرد ترك دفع الضرر الاخروي المحتمل.
قلت: حكمهم بإستحقاق العقاب على ترك الشكر بمجرد إحتمال الضرر في تركه لاجل مصادفة الاحتمال للواقع، فإنا لما علمنا بوجوبه عند الشارع وترتب العقاب على تركه.
فإذا احتمل العاقل العقاب على تركه، فإن قلنا بحكومة العقل في مسألة دفع الضرر المحتمل صح عقاب تارك الشكر من أجل إتمام الحجة عليه بمخالفة عقله، وإلا فلا.
فغرضهم أن ثمرة حكومة العقل بدفع الضرر المحتمل إنما يظهر في الضرر الثابت شرعا مع عدم العلم به من طريق الشرع، لان الشخص بمخالفة العقل وإن لم يكن ضرر في الواقع، وقد تقدم في بعض مسائل الشبهة التحريمية شطر من الكلام في ذلك.
وقد يتمسك لاثبات الحرمة في المقام بكونه تجريا فيكون قبيحا عقلا فيحرم شرعا، وقد تقدم في فروع حجيه العلم الكلام في حرمة التجري حتى مع القطع بالحرمة إذا كان مخالفا للواقع.
كما أفتى به في التذكره فيما إذا اعتقد ضيق الوقت فأخر وانكشف بقاء الوقت وإن تردد في النهاية.
وأضعف من ذلك التمسك بالادلة الشرعيه الدالة على الاحتياط، لما تقدم من أن الظاهر من مادة الاحتياط التحرز عن الوقوع في الحرام، كما يوضح ذلك النبويان السابقان وقولهم صلوات الله عليهم: (إن الوقوف عند الشبهة اولى من الاقتحام في الهلكة).
(1) الثالث: إن وجوب الاجتناب عن كلا المشتبهين إنما هو مع تنجز التكليف بالحرام الواقعي على كل
___________________________________
(1) المحاسن، ص 215 بحار الانوار، ج 2، ص 259.
[420]
تقدير بأن يكون كل منهما بحيث لو فرض القطع بكونه الحرام كان التكليف بالاجتناب منجزا.
فلو لم يكن كذلك بأن لم يكلف به أصلا.
كما لو علم بوقوع قطرة من البول في أحد الانائين أحدهما بول أو متنجس بالبول أو كثير لا ينفعل بالنجاسة أو أحد ثوبين أحدهما نجس بتمامه لم يجب الاجتناب عن الاخر.لعدم العلم بحدوث التكليف بالاجتناب عن ملاقي هذه القطرة.
إذ لو كان ملاقيها هو الاناء النجس لم يحدث بسببه تكليف بالاجتناب أصلا.فالشك في التكليف بالاجتناب عن الاخر شك في أصل التكليف، لا المكلف به.
وكذا لو كان التكليف في أحدهما معلوما، لكن لا على وجه التنجز، بل معلقا على تمكن المكلف منه، فإن ما لا يمكن المكلف من إرتكابه لا يكلف منجزا بالاجتناب عنه، كما لو علم وقوع النجاسة في أحد شيئين لا يتمكن المكلف من إرتكاب واحد معين منهما، فلا يجب الاجتناب عن الاخر، لان الشك في أصل تنجز التكليف، لا في المكلف به تكليفا منجزا.
وكذا لو كان إرتكاب الواحد المعين ممكنا عقلا، لكن المكلف أجنبي عنه وغير مبتلى به بحسب حاله، كما إذا تردد النجس بين إنائه وإناء لا دخل للمكلف فيه أصلا، فإن التكليف بالاجتناب عن هذا الاناء الاخر الممكن عقلا غير منجز عرفا.
ولهذا لا يحسن التكليف المنجز بالاجتناب عن الطعام او الثوب الذي ليس من شأن المكلف الابتلاء به.
نعم يحسن الامر بالاجتناب عنه مقيدا بقوله: إذا إتفق لك الابتلاء بذلك العارة أو بملك أو إباحة فاجتنب عنه.
والحاصل: أن النواهي المطلوب فيها حمل المكلف على الترك مختصة بحكم العقل والعرف بمن يعد مبتلى بالواقعة المنهي عنها.ولذا يعد خطاب غيره بالترك مستهجنا إلا على وجه التقييد بصورة الابتلاء.
ولعل السر في ذلك ان غير المبتلى تارك للمنهي عنه بنفس عدم الابتلاء، فلا حاجة إلى نهيه، فعند الاشتباه لا يعلم المكلف تنجز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي.
وهذا باب واسع ينحل به الاشكال عما علم من عدم وجوب الاجتناب عن الشبهة المحصورة في مواق، مثل ما إذا علم إجمالا بوقوع النجاسة في إنائه أو في موضع من الارض التي لا يبتلى به المكلف عادة أو بوقوع النجاسة في ثوبه او ثوب غيره، فإن الثوبين لكل منهما من باب الشبهة المحصورة مع عدم وجوب إجتنابهما.
فإذا جرى أحدهما في ثوبه أصالة الحل والطهارة لم يعارض بجريانها في ثوب غيره، إذ لا يترتب على هذا المعارض ثمرة عملية للمكلف يلزم من ترتبها مع العمل
[421]
بذلك الاصل طرح التكليف المنجز بالامر المعلوم إجمالا.
ألا ترى أن زوجة شخص لو شكت في أنها هي المطلقة أوغيرها من ضراتها جاز لها ترتيب أحكام الزوجية على نفسها، ولو شك الزوج هذا الشك لم يجز له النظر إلى إحداهما.
وليس ذلك إلا لان أصالة عدم تطليقة كل منهما متعارضان في حق الزوج بخلاف الزوجة، فإن أصالة عدم تطلق ضرتها لا تثمر لها ثمرة عملية.
نعم لو إتفق ترتب تكليف على زوجية ضرتها دخلت في الشبهة المحصورة، ومثل ذلك كثر في الغاية.
ومما ذكرنا يندفع ما تقدم من صاحب المدارك، رحمه الله، من الاستنهاض على ما اختاره من عدم وجوب الاجتناب في الشبهة المحصورة بما يستفاد من الاصحاب من عدم وجوب الاجتناب عن الاناء الذي علم بوقوع النجاسة فيه أو في خارجه، إذ لا يخفى أن خارج الاناء، سواء كان ظهره أو الارض القريبة منه، ليس مما يبتلى به المكلف عادة، ولو فرض كون الخارج مما يسجد عليه المكلف إلتزمنا وجوب الاجتناب عنهما، للعلم الاجمالي بالتكليف المردد بين حرمة الوضوء بالماء النجس وحرمة السجدة على الارض النجسة.
ويؤيد ما ذكرنا صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السلام فيمن رعف فامتخط فصار الدم قطعا صغارا فأصاب إناءه، هل يصلح الوضوء منه؟ فقال عليه السلام: (إن لم يكن شئ يستبين في الماء فلا بأس به، وإن كان شيئا بينا فلا)(1).
حيث إستدل به الشيخ، قدس سره، على العفو عما لا يدركه الطرف من الدم، وحملها المشهور على أن إصابة الاناء لا يستلزم إصابة الماء.فالمراد أنه مع عدم تبين شئ في الماء يحكم بطهارته.
و معلوم أن ظهر الاناء وباطنه الحاوي للماء من الشبهة المحصورة.وما ذكرنا واضح لمن تدبر.
إلا أن الانصاف: أن تشخيص موارد الابتلاء لكل من المشتبهين وعدم الابتلاء بواحد معين منهما كثيرا ما يخفى.
ألا ترى أنه لو دار الامبر بين وقوع النجاسة على الثوب ووقوعها على ظهر طائر أو حيوان قريب منه لا يتفق عادة إبتلاؤه بالموضع النجس منه لم يشك أحد في عدم وجوب الاجتناب عن الثوب.
أما لو كان الطرف الاخر أرضا لا يبعد إبتلاء المكلف به في السجود و التيمم وإن لم يحتج إلى ذلك فعلا، ففيه تأمل.
___________________________________
(1) الكافي، ج 3، ص 74 وسائل الشيعة، ج 1، ص 112، ح 375.
[422]
والمعيار في ذلك وإن كان صحة التكليف بالاجتناب عنه على تقدير العلم بنجاسته وحسن ذلك من غير تقييد التكليف بصورة الابتلاء وإتفاق صيرورته واقعة له، إلا أن تشخيص ذلك مشكل جدا.
نعم يمكن أن يقال عند الشك في حسن التكليف التنجيزي عرفا بالاجتناب وعدم حسنه إلا معلقا لاصل البراءة من التكليف المنجز، كما هو المقرر في كل ما شك فيه في كون التكليف منجزا او معلقا على أمر محقق العدم او علم التعليق على أمر.لكن شك في تحققه أو كون المتحقق من أفراده، كما في المقام.
إلا أن هذا ليس بأولى من أن يقال إن الخطابات بالاجتناب عن المحرمات مطلقة غير معلقة والمعلوم تقييدها بالابتلاء في موضع العلم بتقبيح العرف توجيهها من غير تعلق بالابتلاء.
كما لو قال: (اجتنب عن ذلك الطعام النجس الموضوع قدام أمير البلد)، مع عرم جريان العادة بإبتلاء المكلف به، أو: (لا تصرف في اللباس المغصوب الذي لبسه ذلك الملك أو الجارية التي غصبها الملك وجعلها من خواص نسوانه)، مع عدم إستحالة إبتلاء الملكف بذلك كله عقلا ولا عادة، إلا أنه بعيد الاتفاق.وأما لو شك في قبح التنجيز فيرجع إلى الاطلاقات.
فمرجع المسألة إلى أن المطلق المقيد بقيد مشكوك التحقق في بعض الموارد لتعذر ضبط مفهومه على وجه لا يخفى مصداق من مصاديقه، كما هو شأن أغلب المفاهيم العرفية، هل يجوز التمسك به أولا.والاقوى الجواز.
فيصير الاصل في المسألة وجوب الاجتناب، إلا ما علم عدم تنجز التكليف بأحد المشتبهين على تقدير العلم بكونه الحرام، إلا أن يقال: إن المستفاد من صحيحة علي بن جعفر المتقدمه كون الماء وظاهر الاناء من قبيل عدم تنجز التكليف، فيكون ذلك ضابطا في الابتلاء و عدمه، إذ يبعد حملها على خروج ذلك عن قاعدة الشبهة لاجل النص فافهم.
الرابع: أن الثابت في كل المشتبهين لاجل العلم الاجمالي بوجوبد الحرام الواقعى فيهما هو وجوب الاجتناب، لانه اللازم من باب المقدمة من التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي.
أما سائر الاثار الشرعيه المترتبة على ذلك الحرام، فلا تترتب عليهما، لعدم جريان باب المقدمة فيها فيرجع فيها إلى الاصول الجارية في كل المشتبهين بالخصوص، فإرتكاب أحد المشتبهين لا يوجب حد الخمر على المرتكب، بل يجري أصالة عدم موجب الحد ووجوبه.وهل يحكم بتنجس ملاقيه وجهان بل قولان مبنيان على أن تنجس الملاقي إنما جاء من
[423]
وجوب الاجتناب عن ذلك النجس، بناء على أن الاجتناب عن النجس يراد به ما يعم الاجتناب عن ملاقيه ولو بوسائط.
ولذا استدل السيد أبوالمكارم في الغنية على تنجس الماء القليل بملاقاة النجاسة بما دل على وجوب هجر النجاسات في قوله تعالى: (والرجز فاهجر)، ويدل عليه أيضا ما في بعض الاخبار من إستدلاله، عليه السلام، على حرمة الطعام الذي مات فيه فارة ب: (أن الله سبحانه حرم الميتة)، فإذا حكم الشارع بوجوب هجر كل واحد من المشتبهين فقد حكم بوجوب هجر كل ما لاقاه.
وهذا معنى ما استدل به العلامة، رحمه الله في المنتهى على ذلك: بأن الشارع أعطاهما حكم النجس.
وإلا فلم يقل أحد أن كلا من المشتبهين بحكم النجس في جميع آثاره وأن الاجتناب عن النجس لا يراد به إلا الاجتناب عن العين، وتنجس الملاقي للنجس حكم وضعي سببي يترتب للعنوان الواقعي من النجاسات، نظير وجوب الحد للخمر.فإذا شك في ثبوته للملاقي جرى فيه أصل الطهارة وأصل الاباحة.والاقوى هو الثاني.
أما أولا، فلما ذكر، وحاصله منع ما في الغنية من دلالة وجوب هجر النجس على وجوب الاجتناب عن ملاقي الرجز إذا لم يكن عليه أثر من ذلك الرجز، فتنجيسه حينئذ ليس إلا مجرد تعبد خاص.
فإذا حكم الشارع بوجوب هجر المشتبه في الشبهة المحصورة، فلا يدل على وجوب هجر ما يلاقيه.
نعم قد يدل بواسطة بعض الامارات الخارجية، كما أستفيد نجاسة البلل المشتبه الخارج قبل الاستبراء من أمر الشارع بالطهارة عقيبه من جهة إستظهار أن الشارع جعل هذا المورد من موارد تقديم الظاهر على الاصل، فحكم بكون الخارج بولا، لا أنه أوجب خصوص الوضوء بخروجه.
وبه يندفع تعجب صاحب الحدائق، رحمه الله، من حكمهم بعدم النجاسة فيما نحن فيه وحكمهم بها في البلل، مع كون كل منهما مشتبها حكم عليه ببعض أحكام النجاسة.
وأما الرواية فهي رواية عمر بن شمر، عن جابر الجعفي، عن ابي جعفر، عليه السلام: (إنه أتاه رجل فقال له: وقعت فارة في خابية فيها سمن أو زيت، فما ترى في أكله؟ فقال أبوجعفر، عليه السلام: لا تأكله، فقال الرجل: الفأرة أهون علي من أن أترك طعامى لاجلها.
فقال أبوجعفر، عليه السلام: إنك لم تستخف بالفأرة وإنما إستخففت بدينك، إن الله حرم الميتة من كل شئ)(1).
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 1، ص 119 وسائل الشيعة، ج 1، ص 149.
[424]
وجه الدلالة أنه، عليه السلام، جعل ترك الاجتناب عن الطعام إستخفافا بتحريم الميتة.ولولا إستلزامه لتحريم ملاقيه لم يكن أكل الطعام إستخفاف بتحريم الميتة.فوجوب الاجتناب عن شئ يستلزم وجوب الاجتناب عن ملاقيه.
لكن الرواية ضعيفة سندا، مع أن الظاهر من الحرمة فيها النجاسة، لان مجرد التحريم لا يدل على النجاسة فضلا عن تنجس الملاقي وإرتكاب التخصيص في الروايه بإخراج ما عدا النجاسات من المحرمات كما ترى، فالملازمة بين نجاسة الشئ وتنجس ملاقيه، لا حرمة الشئ وحرمة ملاقيه.
فإن قلت: وجوب الاجتناب عن ملاقي المشتبه وإن لم يكن من حيث ملاقاته له إلا انه يصير كملاقيه في العلم الاجمالي بنجاسته أو نجاسة المشتبه الاخر، فلا فرق بين الملاقيين في كون كل منها أحد طرفي الشبهة، فهو نظير ما إذا قسم أحد المشتبهين قسمين وجعل كل قسم في إناء.
قلت: ليس الامر كذلك، لان أصالة الطهارة والحل في الملاقي، بالكسر سليم عن معارضة أصالة الطهارة للمشتبه الاخر، بخلاف أصالة الطهارة والحل في الملاقي، بالفتح، فإنها معارضة بها في المشتبه الاخر.
والسر في ذلك أن الشك في الملاقي، بالكسر ناش عن الشبهه المتقومة بالمشتبهين، فالاصل فيهما أصل في الشك السببي والاصل فيه أصل في الشك المسبب.
وقد تقرر في محله أن الاصل في الشك السببي حاكم ووارد على الاصل في الشك المسبب، سواء كان مخالفا له، كما في أصالة طهارة الماء الحاكمه على أصالة نجاسة الثوب النجس المغسول به، أم موافقا، كما في أصالة طهارة الماء الحاكمة على أصالة إباحة الشرب.
فما دام الاصل الحاكم الموافق أو المخالف جاريا لم يجر الاصل المحكوم، لان الاول رافع شرعي للشك المسبب ومنزلة الدليل بالنسبة إليه.
وإذا لم يجر الاصل الحاكم لمعارضته بمثله زال المانع عن جريان الاصل في الشك المسبب ووجب الرجوع إليه، لانه كالاصل بالنسبة إلى المتعارضين.
ألا ترى أنه يجب الرجوع عند تعارض أصالة الطهارة والنجاسة عند تتميم الماء النجس كرا بطاهر، وعند غسل المحل النجس بمائين مشتبهين بالنجس إلى قاعدة الطهارة، ولا تجعل القاعدة كأحد المتعارضين.
نعم ربما تجعل معاضدا لاحدهما الموافق لها بزعم كونهما في مرتبة واحدة.
لكنه توهم فاسد، ولذا لم يقل أحد في مسألة الشبهة الحصورة بتقديم أصالة الطهارة في المشتبه
عنوان
[425]
الملاقي، بالفتح، لاعتضادها بأصالة طهارة الملاقي، بالكسر.
فالتحقيق في تعارض الاصلين مع إتحاد مرتبتهما لاتحاد الشبهة الموجبة لهما الرجوع إلى ما ورائهما من الاصول التي لو كان أحدهما سليما عن المعارض لم يرجع إليه، سواء كان هذا الاصل مجانسا لهما أو من غير جنسهما، كقاعدة الطهارة في المثالين، فافهم واغتنم.وتمام الكلام في تعارض الاستصحابين إن شاء الله تعالى.
نعم لو حصل للاصل في هذا الملاقي، بالكسر، أصل أخر في مرتبته، كما لو وجد معه ملاقي المشتبه الاخر كانا من الشبهة المحصورة ولو كان ملاقاة شئ لاحد المشتبهين قبل العلم الاجمالي وفقد الملاقي، بالفتح، ثم حصل العلم الاجمالي بنجاسة المشتبه الباقي أو المفقود قام ملاقيه مقامه في وجوب الاجتناب عنه وعن الباقي، لان أصالة الطهارة في الملاقي، بالكسر، معارضة بأصالة الطهارة في المشتبه الاخر، لعدم جريان الاصل في المفقود حتى يعارضه، لما أشرنا إليه في الامر الثالث من عدم جريان الاصل فيما لا يبتلى به المكلف ولا أثر له بالنسبة إليه.
فمحصل ما ذكرنا: أن العبرة في حكم الملاقي بكون أصالة الطهارة سليمة أو معارضة.
[ ولو كان العلم الاجمالي قبل فقد الملاقي والملاقاة ففقد، فالظاهر طهارة الملاقي ووجوب الاجتناب عن صاحب الملاقي، ولا يخفى وجهه، فتأمل جيدا ].
الخامس: لو إضطر إلى إرتكاب بعض المحتملات، فإن كان بعضها معينا فالظاهر عدم وجوب الاجتناب عن الباقي إن كان الاضطرار قبل العلم أو معه، لرجوعه إلى عدم تنجز التكليف بالاجتناب عن الحرام الواقعي، لاحتمال كون المحرم هو المضطر إليه، وقد عرفت توضحيه في الامر المتقدم.
وإن كان بعده فالظاهر وجوب الاجتناب عن الآخر، لان الاذن في ترك بعض المقدمات العلمية بعد ملاحظة وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي يرجع إلى إكتفاء الشارع في إمتثال ذلك التكليف بالاجتناب عن بعض المشتبهات.
ولو كان المضطر إليه بعضا غير معين وجب الاجتناب عن الباقي وإن كان الاضطرار قبل العلم الاجمالي، لان العلم حاصل بحرمة واحد من أمور لو علم حرمته تفصيلا وجب الاجتناب عنه، وترخيص بعضها على البدل موجب لاكتفاء الامر بالاجتناب عن الباقي.
فإن قلت: ترخيص ترك بعض المقدمات دليل على عدم إرادة الحرام الواقعي ولا تكليف بما عداه، فلا مقتضي لوجوب الاجتناب عن الباقي.
[426]
قلت: المقدمة العلمية مقدمة للعلم، واللازم من الترخيص فيها عدم وجوب تحصيل العلم، لا عدم وجوب الاجتناب عن الحرام الواقعي رأسا.
وحيث أن الحاكم بوجوب تحصيل العلم هو العقل بملاحظة تعلق الطلب الموجب للعقاب على المخالفة الحاصلة من ترك هذا المحتمل كان الترخيص المذكور موجبا للامن من العقاب على المخالفة الحاصلة من ترك هذا الذي رخص في تركه، فيثبت من ذلك تكليف متوسط بين نفي التكليف رأسا وثبوته معلقا بالواقع على ما هو عليه.
وحاصله ثبوت التكليف بالواقع من الطريق الذي رخص الشارع، في إمتثاله منه، وهو ترك باقي المحتملات.
وهذا نظير جميع الطرق الشرعية المجعولة للتكاليف الواقعية ومرجعة إلى القناعة عن الواقع ببعض محتملاته معينا كما في الاخذ بالحالة السابقة في الاستصحاب، أو مخيرا كما في موارد التخيير.
ومما ذكرنا تبين أن مقتضى القاعدة عند انسداد باب العلم التفصيلي بالاحكام الشرعية وعدم وجوب تحصيل العلم الاجمالي فيها بالاحتياط، لمكان الجرح أو قيام الاجماع على عدم وجوبه، أن يرجع في ما عدا البعض المرخص في ترك الاحتياط فيه، أعني موارد الظن مطلقا أو في الجملة، إلى الاحتياط.
مع أن بناء أهل الاستدلال بدليل الانسداد بعد إبطال الاحتياط ووجوب العمل بالظن مطلقا أو في الجملة على الخلاف بينهم على الرجوع في غير موارد الظن المعتبر إلى الاصول الموجودة في تلك الموارد دون الاحتياط.
نعم لو قام بعد بطلان وجوب الاحتياط دليل عقلي أو إجماع على كون الظن مطلقا أو في الجملة حجة وطريقا في الاحكام الشرعية أو منعوا أصاله وجوب الاحتياط عند الشك في المكلف به، صح ما جروا عليه من الرجوع في موارد عدم وجود هذا الطريق إلى الاصول الجارية في مواردها.
لكنك خبير بأنه لم يقم ولم يقيموا على وجوب إتباع المظنونات إلا بطلان الاحتياط، مع إعتراف أكثرهم بأنه الاصل في المسألة وعدم جواز ترجيح المرجوح.
ومن المعلوم أن هذا لا يفيد إلا مخالفة الاحتياط بموافقة الطرف الراجح في المظنون دون الموهوم.
ومقتضى هذا لزوم الاحتياط في غير المظنونات.
السادس لو كان المشتبهات مما يوجد تدريجا، كما إذا كانت زوجة الرجل مضطربة في حيضها بأن تنسى وقتها وإن حفظت عددها، فيعلم إجمالا انها حائض في الشهر ثلاثة أيام مثلا، فهل يجب
[427]
على الزوج الاجتناب عنها تمام الشهر ويجب على الزوجه أيضا الامساك عن دخول المسجد وقراءة العزيمة تمام الشهر أم لا.
وكما إذا علم التاجر إجمالا بابتلائه في يومه أو شهره بمعاملة ربوية، فهل يجب عليه الامساك عما لا يعرف حكمه من المعاملات في يومه وشهره أم لا.
التحقيق أن يقال: إنه لا فرق بين الموجودات فعلا والموجودات تدريجا في وجوب الاجتناب عن الحرام المردد بينها إذا كان الابتلاء دفعة، وعدمه لاتحاد المناط في وجوب الاجتناب.
نعم قد يمنع الابتلاء دفعة في التدريجات، كما في مثال الحيض، فإن تنجز تكليف الزوج بترك وطي الحائض قبل زمان حيضها ممنوع، فإن قول الشارع: (فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن)، ظاهر في وجوب الكف عن الابتلاء بالخائص، إذ الترك قبل الابتلاء حاصل بنفس عدم الابتلاء، فلا يطلب.
فهذا الخطاب، كما أنه مختص بذوي الازواج ولا يشمل العزاب إلا على وجه التعليق، فكذلك من لم يبتل بالمرأة الحائض.
ويشكل الفرق بين هذا وبين ما إذا نذر أو حلف في ترك الوطي في ليلة خاصة، ثم اشتبهت بين ليلتين أو أزيد.
لكن الاظهر هنا وجوب الاحتياط، وكذا في المثال الثاني من المثالين المتقدمين.
وحيث قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشبهه التدريجية، فالظاهر جواز المخالفة القطعية، لان المفروض عدم تنجز التكليف الواقعي بالنسبة إليه، فالواجب الرجوع في كل مشتبه إلى الاصل الجاري في خصوص ذلك المشتبه إباحة وتحريما.
فيرجع في المثال الاول إلى إستصحاب الطهر إلى أن يبقى مقدار الحيض، فيرجع فيه إلى أصالة الاباحة، لعدم جريان الاستصحاب، وفي المثال الثاني إلى أصاله الاباحة والفساد، فيحكم في كل معاملة يشك في كونه ربوية بعدم إستحقاق العقاب على إيقاع عقدها وعدم ترتب الاثر عليها، لان فساد الربا ليس دائرا مدار الحكم التكليفي، ولذا يفسد في حق القاصر بالجهل والنسيان والصغر على وجه.
وليس هنا مورد التمسك بعموم صحة العقود وإن قلنا بجواز التمسك بالعام عند الشك في مصداق ما خرج عنه بخروج بعض الشبهات التدريجية عن العموم لفرض العلم بفساد بعضها، فيسقط العام عن الظهور بالنسبة إليها ويجب الرجوع إلى أصالة الفساد.
اللهم إلا أن يقال: إن العلم الاجمالي بين المشتبهات التدريجية، كما لا يقدح في إجراء الاصول العملية فيها، لا يقدح في الاصول اللفظية، فيمكن التمسك فيما نحن فيه بصحة كل واحد من المشتبهات بأصالة العموم، لكن الظاهر الفرق بين الاصول اللفظية والعملية، فتأمل.
[428]
السابع: قد عرفت أن المانع من إجراء الاصل في كل من المشتبهين بالشبهة المحصورة هو العلم الاجمالي [ بالتكليف] المتعلق بالمكلف.
وهذا العلم قد ينشأ عن إشتباه المكلف به، كما في المشتبه بالخمر أو النجس أو غيرهما، وقد يكون من جهة إشتباه المكلف، كما في الخنثى العالم إجمالا بحرمة إحدى لباسي الرجل والمرأه عليه.وهذا من قبيل ما لو علم أن هذا الاناء خمر أو أن هذا الثوب مغصوب.
وقد عرفت في الامر الاول أنه لا فرق بين الخطاب الواحد المعلوم وجود موضوعه بين المشتبهين وبين الخطابين المعلوم وجود موضوع أحدهما بين المشتبهين.
وعلى هذا فيحرم على الخنثى كشف كل من قبيله، لان أحدهما عورة قطعا، والتكلم مع الرجال والنساء إلا لضرورة، وكذا إستماع صوتها وإن جاز للرجال والنساء إستماع صوتها بل النظر إليها، لاصالة الحل، بناء على عدم العموم في آية الغض للرجال وعدم جواز التمسك بعموم آية حرمة إبداء الزينه على النساء، لاشتباه مصداق المخصص.
وكذا يحرم عليه التزويج والتزوج، لوجوب إحراز الرجولية في الزوج والانوثية في الزوجة، إذ الاصل عدم تأثير العقد ووجوب حفظ الفرج.
ويمكن أن يقال بعدم توجه الخطابات التلكيفية المختصة إليها، إما لانصرافها إلى غيرها، خصوصا في حكم اللباس المستنبط مما دل على حرمة تشبه كل من الرجل والمرأه على الاخر، وإما لاشتراط التكليف بعلم المكلف بتوجه الخطاب إليه تفصيلا، وإن كان مرددا بين خطابين متوجهين إليه تفصيلا، لان الخطابين بشخص واحد بمنزلة خطاب واحد لشيئين، إذ لا فرق بين قوله: (إجتنب عن الخمر) و: (إجتنب عن مال الغير)، وبين قوله: (إجتنب عن كليهما)، بخلاف الخطابين الموجهين إلى صنفين يعلم المكلف دخوله تحت أحدهما.
لكن كل من الدعويين خصوصا الاخيرة ضعيفة، فإن دعوى عدم شمول ما دل على وجوب حفظ الفرج عن الزنا أو العورة عن النظر للخنثى كما ترى.
وكذا دعوى إشتراط التكليف بالعلم بتوجه خطاب تفصيلي، فإن المناط في وجوب الاحتياط في الشبهة المحصورة عدم جواز إجراء أصل البراءه في المشتبهين، وهو ثابت في ما نحن فيه، ضرورة عدم جواز جريان أصالة الحل في كشف كل من قبلي الخنثى، للعلم بوجوب حفظ الفرج من النظر
[429]
والزنا على كل أحد.
فمسألة الخنثى نظير المكلف المردد بين كونه مسافرا أو حاضرا، لبعض الاشتباهات، فلا يجوز له ترك العمل بخطابيهما.
الثامن: أن ظاهر كلام الاصحاب التسوية بين كون الاصل في كل واحد من المشتبهين في نفسه هو الحل أو الحرمة، لان المفروض عدم جريان الاصل فيهما، لاجل معارضته بالمثل، فوجوده كعدمه.
ويمكن الفرق بين المجوزين لارتكاب ما عدا مقدار الحرام وتخصيص الجواز بالصورة الاولى، ويحكمون في الثانية بعدم جواز الارتكاب، بناء على العمل بالاصل فيهما، ولا يلزم ههنا مخالفة قطعية في العمل، ولا دليل على حرمتها إذا لم تتعلق بالعمل، إذا وافق الاحتياط.
إلا أن إستدلال بعض المجوزين للارتكاب بالاخبار الدالة على حلية المال المختلط بالحرام، ربما يظهر منه التعميم، وعلى التخصيص، فيخرج عن محل النزاع.
كما لو علم بكون إحدى المرأتين أجنبية أو إحدى الذبيحتين ميتة أو أحد المالين مال الغير أو أحد الاسيرين محقون الدم أو كان الاناءان معلومي النجاسة سابقا فعلم طهارة أحدهما.
وربما يقال: إن الظاهر أن محل الكلام في المحرمات المالية ونحوها، كالنجس، لا في الانفس والاعراض.
فيستظهر أنه لم يقل أحد فيها بجواز الارتكاب، لان المنع في مثل ذلك ضروري.
وفيه نظر.
التاسع: أن المشتبه بأحد المشتبهين حكمه حمكهما، لان مقدمة المقدمة مقدمة.وهو ظاهر.
[430]
المقام الثاني في الشبهة الغير المحصورة والمعروف فيها عدم وجوب الاجتناب، ويدل [ عليه ] وجوه:
الاول: الاجماع الظاهر المصرح به في الروض وعن جامع المقاصد وادعاه صريحا المحقق البهبهاني، رحمه الله، في فوائده وزاد عليه نفي الريب فيه وأن مدار المسلمين في الاعصار والامصار عليه.وتبعه في دعوى الاجماع غير واحد ممن تأخر عنه.وزاد بعضهم دعوى الضرورة عليه في الجملة.وبالجملة فنقل الاجماع مستفيض، وهو كاف في المسألة.
الثاني: ما استدل به جماعة من لزوم المشقة في الاجتناب ولعل المراد لزومه به في أغلب أفراد هذه الشبهة لاغلب أفراد المكلفين، فيشمله عموم قوله تعالى: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)(1)، وقوله تعالى: (ما جعل الله عليكم في الدين من حرج)(2) بناء على أن المراد ما كان الغالب فيه الحرج، فهو مرتفع عن جميع المكلفين، حتى من لا حرج بالنسبة إليه.
وهذا المعنى وإن كان خلاف الظاهر، إلا أنه يتعين الحمل عليه، بمعونة ما ورد من إناطة الاحكام الشرعية الكلية وجودا وعدما بالعسر واليسر الغالبين.
وفي هذا الاستدلال نظر، لان أدلة نفي العسر والحرج من الآيات والروايات لا تدل إلا على
___________________________________
(1) البقرة: 185.
(2) الحج: 78.
[431]
أن ما كان فيه ضيق على مكلف فهو مرتفع عنه.
وأما إرتفاع ما كان ضيقا على الاكثر عمن هو عليه في غاية السهولة فليس فيه إمتنان على أحد، بل فيه تفويت مصلحة التكليف من غير تداركها بالتسهيل.
وأما ما ورد من دوران الاحكام مدار السهولة على الاغلب، فلا ينتفع فيما نحن فيه، لان الشبهة الغير المحصورة ليست واقعة واحدة حكم فيها بحكم حتى يدعى أن الحكم بالاحتياط في أغلب مواردها عسر على أغلب الناس، فيرتفع حكم الاحتياط فيها مطلقا، بل هي عنوان لموضوعات متعددة لاحكام متعددة.
والمتقضي للاحتياط في كل موضوع هو نفس الدليل الخاص التحريمي الموجود في ذلك الموضوع.
والمفروض أن ثبوت التحريم لذلك الموضوع مسلم، ولا يرد منه حرج على الاغلب وأن الاجتناب في صورة إشتباهه أيضا في غاية اليسر.فأي مدخل للاخبار الواردة في أن الحكم الشرعي يتبع الاغلب في اليسر والعسر.
وكأن المستدل بذلك جعل الشبهة الغير المحصورة واقعة واحدة، مقتضى الدليل فيها وجوب الاحتياط لولا العسر، لكن لما تعسر الاحتياط في أغلب الموارد على أغلب الناس حكم بعدم وجوب الاحتياط كلية.
وفيه: أن دليل الاحتياط في كل فرد من الشبهة ليس إلا دليل حرمة ذلك الموضوع.
نعم لو لزم الحرج من جريان حكم العنوان المحرم الواقعي في خصوص مشتبهاته الغير المحصورة على أغلب المكلفين في أغلب الاوقات كأن يدعى أن الحكم بوجوب الاحتياط عن النجس كالواقعي مع إشتباهه في أمور غير محصورة يوجب الحرج الغالبي أمكن إلتزام إرتقاع وجوب الاحتياط في خصوص النجاسة المشتبهة، لكن لا يتوهم من ذلك إطراد الحكم بإرتفاع التحريم في الخمر المشتبه بين مايعات غير محصورة والمرأة المحرمة المشتبهة في ناحية مخصوصة إلى غير ذلك من المحرمات.
ولعل كثيرا ممن تمسك في هذا المقام بلزوم المشقة أراد المورد الخاص كما ذكروا ذلك في الطهارة والنجاسة.
هذا كله، مع أن لزوم الحرج في الاجتناب عن الشبهة الغير المحصورة التي يقتضي الدليل المتقدم وجوب الاحتياط فيها ممنوع.
ووجهه أن كثيرا من الشبهات الغير المحصورة لا يكون جميع المحتملات مورد إبتلاء الملكف، ولا يجب الاحتياط في هذه الشبهة وإن كانت محصورة كما أوضحناه سابقا.
وبعد إخراج هذا عن محل الكلام فالانصاف منع غلبة التعسر في الاجتناب.
* * *
[432]
الثالث الاخبار الدالة على حلية كل ما لم يعلم حرمته
فإنها بظاهرها وإن عمت الشبهة المحصورة إلا أن مقتضى الجمع بينها وبين ما دلت على وجوب الاجتناب بقول مطلق هو حمل أخبار الرخصة على غير المحصورة وحمل أخبار المنع على المحصور.
وفيه: أولا أن المستند في وجوب الاجتناب في المحصور هو إقتضاء دليل نفس الحرام المشتبه لذلك بضميمة حكم العقل، وقد تقدم بما لا مزيد عليها أن أخبار حل الشبهة لا تشمل صورة العلم الاجمالي بالحرام.
وثانيا لو سلمنا شمولها لصورة العلم الاجمالي حتى يشمل الصورة الغير المحصورة لكنها تشمل الحصورة أيضا وأخبار وجوب الاجتناب مختصة بغير الشبهة الابتدائيه إجماعا، فهي على عمومها للشبة الغير المحصورة أيضا أخص مطلقا من أخبار الرخصة.
والحاصل: أن أخبار الحل نص في الشبهة الابتدائية وأخبار الاجتناب نص في الشبهة المحصورة، وكلا الطرفين ظاهران في الشبهة الغير المحصورة.
فإخراجها عن أحدهما وإدخالها في الاخر ليس جمعا بل ترجيحا بلا مرجح.
إلا أن يقال: إن أكثر أفراد الشبهة الابتدائية ترجع بالاخرة إلى الشبهة الغير المحصورة، لانا نعلم إجمالا بوجود النجس والحرام في الوقايع المجهولة بغير المحصورة.
فلو اخرجت هذه الشبهة عن أخبار الحل لم يبق تحتها من الافراد إلا النادر، وهو لا يناسب مساق هذا الاخبار، فتدبر.
الرابع بعض الاخبار الدالة على أن: مجرد العلم بوجود الحرام بين المشتبهات لا يوجب الاجتناب عن جميع ما يحتمل كونه حراما.
مثل ما في محاسن البرقي عن أبي الجارود قال: (سألت أبا جعفر عليه السلام عن الجبن فقلت: أخبرني من رأى أنه يجعل فيه الميتة.
فقال: أمن أجل مكان واحد يجعل فيه الميتة حرم جميع ما في الارض ! فما علمت فيه ميتة فلا تأكله، وما لم تعلم فاشتر وبع وكل.
والله إني لاعترض السوق فأشتري اللحم والسمن والجبن.
والله ما أظن كلهم يسمون، هذه البربر وهذه السودان)(1)، الخبر.
___________________________________
(1) المحاسن، ص 495، ح 597 وسائل الشيعة، ج 17، ص 91.
[433]
فإن قوله: (أمن أجل مكان واحد)، الخبر، ظاهر في أن مجرد العلم بوجود الحرام لا يوجب الاجتناب عن محتملاته.
وكذا قوله عليه السلام: (والله ما أظن كلهم يسمون)، فإن الظاهر منه إرادة العلم بعدم تسمية جماعة حين الذبح، كالبربر والسودان.
إلا أن يدعى أن المراد أن جعل الميتة في الجبن في مكان واحد لا يوجب الاجتناب عن جبن غيره من الاماكن.
ولا كلام في ذلك، لا أنه لا يوجب الاجتناب عن كل جبن يحتمل أن يكون من ذلك المكان، فلا دخل له بالمدعى.
وأما قوله: (ما أظن كلهم يسمون)، فالمراد منه عدم وجوب الظن أو القطع بالحلية، بل يكفي أخذها من سوق المسلمين، بناء على أن السوق أمارة شرعية لحل الجبن المأخوذ منه ولو من يد مجهول الاسلام.
إلا أن يقال: إن سوق المسلمين غير معتبر مع العلم الاجمالي بوجود الحرام، فلا مسوغ للارتكاب إلا كون الشبهة غير محصورة، فتأمل.
الخامس أصالة البراءة بناء على أن المانع من إجرائها ليس إلا العلم الاجمالي بوجود الحرام، لكنه إنما يوجب الاجتناب عن محتملاته من باب المقدمة العلمية التي لا يجب إلا لاجل وجوب دفع الضرر، وهو العقاب المحتمل في فعل كل واحد من المحتملات الغير المحصورة [ وهذا لا يجري في المحتملات الغير المحصورة ]، ضرورة أن كثرة الاحتمال توجب عدم الاعتناء بالضرر المعلوم وجوده بين المحتملات.
ألا ترى الفرق الواضح بين العلم بوجود السم في أحد إنائين وواحد من ألفي إناء.
وكذلك بين قدف أحد الشخصين لا بعينه وبين قذف واحد من أهل بلد، فإن الشخصين كلاهما يتأثران بالاول ولا يتأثر أحد من أهل البلد بالثاني.
وكذا الحال لو أخبر شخص بموت الشخص المردد بين ولده وشخص آخر، وبموت المردد بين ولده وبين كل واحد من أهل بلده، فإنه لا يضطرب خاطره في الثاني أصلا.
وإن شئت قلت: إن إرتكاب المحتمل في الشبهة الغير المحصورة لا يكون عند العقلاء، إلا كإرتكاب الشبهة الغير المقرونة بالعلم الاجمالي.
وكأن ما ذكره الامام عليه السلام في الرواية المتقدمة من قوله: (أمن أجل مكان واحد)، الخبر، بناء على أن الاستدلال به إشارة إلى هذا المعنى، حيث جعل كون حرمة الجبن في مكان
[434]
واحد، منشاء لحرمة جميع محتملاته الغير المحصورة من المنكرات المعلومة عند العقلاء التي لا ينبغي للمخاطب أن يقبلها.
كما يشهد بذلك كلمة الاستفهام الانكاري، لكن عرفت أن فيه إحتمالا آخر يتم معه الاستفهام الانكاري أيضا.
وحاصل هذا الوجه أن العقل إذا لم يستقل دفع العقاب المحتمل عند كثرة المحتملات.
فليس ما يوجب على المكلف الاجتناب من كل محتمل، فيكون عقابه حينئذ عقابا من دون برهان.
فعلم من ذلك أن الامر إكتفى في المحرم المعلوم إجمالا بين المحتملات بعدم العلم التفصيلي بإتيانه ولم يعتبر العلم بعدم إتيانه، فتأمل.
السادس [ عدم الابتلاء ] أن الغالب عدم إبتلاء المكلف إلا ببعض معين من محتملات الشبهة الغير المحصورة ويكون الباقي خارجا عن محل إبتلائه، وقد تقدم عدم وجوب الاجتناب في مثله مع حصر الشبهة فضلا عن غير المحصورة * * *
[435]
[ ضابط المحصور والارتكاب والنسبة وبقية المسائل ] هذا غاية ما يمكن أن يستدل به على حكم الشبهة الغير المحصورة، وقد عرفت أن أكثرها لا يخلو من منع أو قصور، لكن المجموع منها لعله يفيد القطع أو الظن بعدم وجوب الاحتياط في الجملة والمسألة فرعية يكتفى فيها بالظن.
إلا أن الكلام يقع في موارد: الاول في أنه هل يجوز إرتكاب جميع المشتبهات في غير المحصور بحيث يلزم العلم الفصيلي أم يجب إبقاء مقدار الحرام؟ ظاهر إطلاق القول بعدم وجوب الاجتناب هو الاول، لكن يحتمل أن يكون مرادهم عدم وجوب الاحتياط فيه في مقابلة الشبهة المحصورة التي قالوا فيها بوجوب الاجتناب.
وهذا غير بعيد عن سياق كلامهم.
فحينئذ لا يعم معقد إجماعهم بحكم إرتكاب الكل، إلا أن الاخبار لو عمت المقام دلت على الجواز.
وأما الوجه الخامس فالظاهر دلالته على جواز الارتكاب، لكن مع عدم العزم على ذلك من أول الامر.
وأما معه فالظاهر صدق المعصية عند مصادفة الحرام فيستحق العقاب.
فالاقوى في المسألة عدم جوز الارتكاب إذا قصد ذلك من أول الامر، فإن قصده المخالفة والمعصية، فيستحق العقاب بمصادفة الحرام.
والتحقيق عدم جواز إرتكاب الكل، لاستلزامه طرح الدليل الواقعي الدال على وجوب الاجتناب عن المحرم الواقعي، كالخمر في قوله: (إجتنب عن الخمر)، لان هذا التكليف لا يسقط
[436]
من المكلف مع علمه بوجود الخمر بين المشبهات.
غاية ما ثبت في غير المحصور الاكتفاء في إمتثاله بترك بعض المحتملات، فيكون البعض المتروك بدلا ظاهريا عن الحرام الواقعي، وإلا فإخراج الخمر الموجود يقينا بين المشتبهات عن عموم قوله: (إجتنب عن كل خمر)، إعتراف بعدم حرمته واقعا وهو معلوم البطلان.هذا إذا قصد الجميع من أول الامر لانفسها.
ولو قصد نفس الحرام من إرتكاب الجميع فارتكب الكل مقدمة فالظاهر إستحقاق العقاب للحرمة من أول الارتكاب بناء على حرمة التجري.فصور إرتكاب الكل ثلاثة عرفت كلها.
الثاني اختلف عبارات الاصحاب في بيان ضابط المحصور وغيره.
فعن الشهيد والمحقق الثانيين والميسي وصاحب المدارك أن المرجع فيه إلى العرف.
فما كان غير محصور في العادة بمعنى أنه يعسر عده، لا ما إمتنع عده، لان كل ما يوجد من الاعداد قابل للعد والحصر.
وفيه مضافا إلى أنه إنما يتجه إذا كان الاعتماد في عدم وجود الاجتناب على الاجماع المنقول على جواز الارتكاب في غير المحصور أو على تحصيل الاجماع من إتفاق من عبر بهذه العبارة الكاشف عن إناطة الحكم في كلام المعصوم بها أن تعسر العد غير متحقق فيما مثلوا به لغير المحصور، كالالف مثلا، فإن عد الالف لا يعد عسرا.
وربما قيد المحقق الثاني عسر العد بزمان قصير.
قال في فوائد الشرائع كما عن حاشية الارشاد، بعد أن ذكر أن غير المحصور من الحقائق العرفية.
(إن طريق ضبطه أن يقال: لا ريب أنه إذا أخذ مرتبة عليا من مراتب العدد كألف مثلا، قطع بأنه مما لا يحصر ولا يعد عادة، لعسر ذلك في الزمان القصير، فيجعل طرفا، ويوجد مرتبة أخرى دنيا جدا كالثلاثة نقطع بأنها محصورة، لسهولة عدها في الزمان اليسير.
وما بينهما من الوسائط كلما جرى مجرى الطرف الاول ألحق به، وكذا ما جرى مجرى الطرف الثاني ألحق به، وما يفرض فيه الشك يعرض على القوانين والنظائر ويراجع فيه إلى الغالب.فإن غلب على الظن إلحاقه باحد الطرفين، وإلا عمل فيه بالاستصحاب إلى أن يعلم الناقل.وبهذا ينضبط كل ما ليس
[437]
بمحصور شرعا في أبواب الطهارة والنكاح وغيرهما)(1).
أقول: وللنظر فيما ذكر قدس سره مجال.
أما أولا، فلان جعل الالف من غير المحصور مناف لما عللوا عدم وجوب الاجتناب به من لزوم العسر في الاجتناب.
فإنا إذا فرضنا بيتا عشرون ذراعا في عشرين ذراعا، وعلم بنجاسة جزء يسير منه يصح السجود عليه نسبته إلى البيت الواحد إلى الالف، فأي عسر في الاجتناب عن هذا البيت والصلاة في بيت آخر، وأي فرق بين هذا الفرض وبين أن يعلم بنجاسة ذراع منه أو ذراعين مما يوجب حصر الشبهة، فإن سهولة الاجتناب وعسره لا يتفاوت بكون المعلوم إجمالا، قليلا أو كثيرا، وكذا لو فرضنا أوقية من الطعام يبلغ ألف حبة بل أزيد يعلم بنجاسة أو غصبية حبة منها، فإن جعل هذا من غير المحصور ينافي تعليل الرخصة فيه بتعسر الاجتناب.
وأما ثانيا، فلان ظن الفقيه بكون العدد المعين جاريا مجرى المحصور في سهولة الحصر أو مجرى غيره ولا دليل عليه.
وأما ثالثا، فلعدم إستقامة الرجوع في موارد الشك إلى الاستصحاب حتى يعلم الناقل، لانه إن أريد إستصحاب الحل والجواز، كما هو الظاهر من كلامه.
ففيه: أن الوجه المقتضي لوجوب الاجتناب في المحصور وهو وجوب المقدمة العلمية بعد العلم بحرمة الامر الواقعي المردد بين المشتبهات قائم بعينه في غير المحصور، والمانع غير معلوم، فلا وجه للرجوع إلى الاستصحاب إلا أن يكون نظره إلى ما ذكرنا في الدليل الخامس من أدلة عدم وجوب الاجتناب، من أن المقتضي لوجوب الاجتناب في الشبهة الغير المحصورة هو حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل غير موجود.
وحينئذ فمرجع الشك في كون الشبهة محصورة أو غيرها إلى الشك في وجود المقتضي للاجتناب، ومعه يرجع إلى أصالة الجواز، لكنك عرفت التأمل في ذلك الدليل.
فالاقوى وجوب الرجوع مع الشك إلى أصالة الاحتياط لوجود المقتضي وعدم المانع.
وكيف كان، فما ذكروه من أصالة إحالة غير المحصور وتمييزه عن غيره إلى العرف لا يوجب إلا زيادة التحير في موارد الشك.
وقال كاشف اللثام في مسألة المكان المشتبه بالنجس: (لعل الضابط أن ما يؤدي إجتنابه إلى ترك الصلاة غالبا فهو غير محصور، كما أن إجتناب شاة أو إمرأة
___________________________________
(1) فوائد الشرائع، ص
[438]
مشتبهة في صقع من الارض يؤدي إلى الترك غالبا)(1)، إنتهى.واستصوبه في مفتاح الكرامة(2).وفيه ما لا يخفى من عدم الضبط.
ويمكن أن يقال بملاحظة ما ذكرنا في الوجه الخامس: إن غير المحصور ما بلغ كثرة الوقائع المحتملة للتحريم إلى حيث لا يعتني العقلاء بالعلم الاجمالي الحاصل فيها.
ألا ترى أنه لو نهى المولى عبده عن المعاملة مع زيد، فعامل العبد مع واحد من أهل القرية كبيرة يعلم بوجود زيد فيها لم يكن ملوما وإن صادف زيدا.
وقد ذكرنا أن المعلوم بالاجمال قد يؤثر مع قلة الاحتمل ما لا يؤثر مع الانتشار وكثرة الاحتمال، كما قلناه في سب واحد مردد بين إثنين أو ثلاثة ومردد بين أهل بلدة.
ونحوه ما إذا علم إجمالا بوجود بعض القرائن الصارفة المختفية لبعض ظواهر الكتاب والسنة أو حصول النقل في بعض الالفاظ، إلى غير ذلك من الموارد التي لا يعتنى فيها بالعلوم الاجمالية المترتب عليها الاثار المتعلقه بالمعاش والمعاد في كل مقام.
وليعلم أن العبرة في المحتملات كثرة وقلة بالوقائع التي يقع موردا للحكم بوجوب الاجتناب مع العلم التفصيلي بالحرام.
فإذا علم حبة أرز محرمة أو نجسة في ألف حبة، والمفروض أن تناول ألف حبة من الارز في العادة بعشر لقمات، فالحرام مردد بين عشرة محتملات، لا ألف محتمل، لان كل لقمة يكون فيها الحبة حرام أخذها لاشتمالها على مال الغير أو مضغها لكونه مضغا للنجس، فكأنه علم إجمالا بحرمة واحدة من عشر لقمات.
نعم لو إتفق تناول الحبوب في مقام يكون تناول كل حبة واقعة مستقلة كان له حكم غير المحصور.
وهذا غاية ما ذكروا أو يمكن أن يذكر في ضابط المحصور وغيره.ومع ذلك فلم يحصل للنفس وثوق بشئ منها.
فالاولى الرجوع في موارد الشك إلى حكم العقلاء بوجوب مراعاة العلم الاجمالي الموجود في ذلك المورد، فإن قوله (إجتنب عن الخمر) لا فرق في دلالته على تنجز التكليف بالاجتناب عن الخمر بين الخمر المعلوم المردد بين أمور محصورة وبين الموجود المردد بين أمور غير محصورة.
غاية الامر قيام الدليل في غير المحصورة على إكتفاء الشارع على الحرام الواقعي ببعض محتملاته، كما تقدم سابقا.
___________________________________
(1) كشف اللثام، ج، ص.
(2) مفتاح الكرامة، ج، ص.
[439]
فإذا شك في كون الشبهة محصورة أو غير محصورة شك في قيام الدليل على قيام بعض المحتملات مقام الحرام الواقعي في الاكتفاء عن إمتثاله بترك ذلك البعض فيجب ترك جميع المحتملات لعدم الامن من الوقوع في العقاب بإرتكاب البعض.
الثالث إذا كان المردد بين الامور الغير المحصورة أفرادا كثيرة، نسبة مجموعها إلى المشتبهات كنسبة الشئ إلى الامور المحصورة.
كما إذا علم بوجود خمس مأة شاة محرمة في ألف وخمس مأة شاة، فإن نسبة مجموع المحرمات إلى المشتبهات كنسبة الواحد إلى الثلاثة.
فالظاهر أنه ملحق بالشبهة المحصورة، لان الامر متعلق بالاجتناب عن مجموع الخمس مأة في المثال.
ومحتملات هذا الحرام المتبائنة ثلاثة، فهو كإشتباه الواحد في الثلاثة.
وأما ما عدا هذه الثلاثه من الاحتمالات فهي إحتمالات لا تنفك عن الاشتمال على الحرام.
الرابع أنا ذكرنا في (المطلب الاول) المتكفل لبيان حكم أقسام الشك في الحرام مع العلم بالحرمة: (أن مسائله: أربع منها الشبهة الموضوعية).
[440]
وأما [ المسائل ] الثلاث الاخر وهي ما إذا إشتبه الحرام بغير الواجب، لاشتباه الحكم من جهة عدم النصر أو إجمال النص أو تعارض النصين.فحكمهما يظهر مما ذكرنا في الشبهة المحصورة.لكن أكثر ما يوجد من هذه الاقسام الثلاثة هو القسم الثاني.كما إذا تردد الغناء المحرم بين مفهومين بينهما عموم من وجه، فإن مادتي الافتراق من هذا القسم.
ومثل ما إذا ثبت بالدليل حرمة الاذان الثالث يوم الجمعة واختلف في تعيينه.
مثل قوله، صلى الله عليه وآله: (من جدد قبرا أو مثل مثالا فقد خرج عن الاسلام)(1)، حيث قرء: جدد بالجيم، والحاء المهملة، والخاء المعجمة، وقرء جدث بالجيم والثاء المثلثة.
___________________________________
(1) المحاسن، ص 612 ومسائل الشيعة، ج 2، ص 868.
المطلب الثاني: إشتباه الواجب بغير الحرام
وهو على قسمين: لان الواجب إما مردد بين أمرين متباينين، كما إذا تردد الامر بين وجوب الظهر والجمعة في يوم الجمعه، وبين القصر والاتمام في بعض المسائل.
وإما مردد بين الاقل والاكثر، كما إذا ترددت الصلاة الواجبة بين ذات السورة وفاقدتها، للشك في كون السورة جزءا.
وليس المثالان الاولان من الاقل والاكثر، كما لا يخفى.
واعلم أنا لم نذكر في الشبهة التحريمية من الشك في المكلف به صور دوران الامر بين الاقل والاكثر، لان مرجع الدوران بينهما في تلك الشبهة، إلى الشك في أصل التكليف، لان الاقل حينئذ معلوم الحرمة والشك في حرمة الاكثر.
اما
___________________________________
(1) المطلب الثاني في إشتباه الواجب بغير الحرام ومسائله أيضا أربع الاولى ما إذا كان الاشتباه في الحكم الشرعي وهو على قسمين، لان الواجب أما مردد بين أمرين متباينين، كما إذا تردد بين وجوب الظهر والجمعة في يوم الجمعة، وبين القصر والاتمام في بعض المسائل، وإما مردد بين الاقل والاكثر، كما إذا ترددت الصلاة الواجبة بين ذات السورة وفاقدتها، للشك في كون السورة جزءا.
وليس المثالان الاولان من الاقل والاكثر، كما لا يخفى.
واعلم أنا لم نذكر في الشبهة التحريمية من الشك في التكليف صور دوران الامر بين الاقل والاكثر، لان مرجع الدوران بينهما في تلك الشهبة إلى الشك في أصل التكليف، لان الاكثر حينئذ معلوم الحرمة والشك في حرمة الاقل.
القسم الاول: فيما إذا دار الامر في الواجب بين أمرين متباينين
فالكلام فيه يقع في أربعة مسائل، على ما ذكرنا في أول الباب، لانه إما أن يشتبه الواجب بغير الحرام من جهة عدم النص المعتبر أو إجماله أو تعارض النصين أو من جهة إشتباه الموضوع.
___________________________________
أما القسم الاول فالكلام فيه إما في جواز المخالفة القطعية في غير ما علم، بإجماع أو ضرورة، حرمتها (كذا في الاصل) ].
[442]
أما [ المسألة ] الاولى [ ما إذا اشتبه الواجب في الشريعة بغير الحرام من جهة عدم النص المعتبر ]
فالكلام فيها: إما في جواز المخالفة القطعية في غير ما علم بإجماع أو ضرورة حرمتها، كما في المثالين السابقين، فإن ترك الصلاتين فيهما رأسا مخالف للاجماع بل الضرورة، وإما في وجوب الموافقة القطعية.
أما الاول: فالظاهر حرمة المخالفة القطعية، لانها عند العقلاء معصية، فإنهم لا يفرقون بين الخطاب المعلوم تفصيلا او إجمالا في حرمة مخالفته وفي عدها معصية.
ويظهر من المحقق الخوانساري دوران حرمة المخالفة مدار الاجماع وأن الحرمة في مثل الظهر والجمعة من جهته.
ويظهر من الفاضل القمي، رحمه الله الميل إليه.والاقوى ما عرفت.
وأما الثاني، ففيه قولان، أقواهما الوجوب، لوجود المقتضي وعدم المانع.
أما الاول، فلان وجوب الامر المردد ثابت في الواقع، والامر به على وجه يعم العالم والجاهل صادر من الشارع وأصل إلى من علم به تفصيلا، إذ ليس موضوع الوجوب في الاوامر مختصا بالعالم بها وإلالزم الدور، كما ذكره العلامة، رحمه الله، في التحرير، لان العلم بالوجوب موقوف على الوجوب، فكيف يتوقف الوجوب عليه.
وأما المانع، فلان المتصور منه ليس إلا الجهل التفصيلي بالواجب، وهو غير مانع عقلا ولا نقلا.
أما العقل، فلان حكمه بالعذر إن كان من جهة عجز الجاهل عن الاتيان بالواقع حتى يرجع الجهل إلى فقد شرط من شروط وجود المأمور به، فلا إستقلال للعقل بذلك، كما يشهد به جواز التكليف بالمجمل في الجملة، كما اعترف به غير واحد ممن قال بالبراءة فيما نحن فيه، كما سيأتي، وإن كان من جهة كونه غير قابل لتوجه التكليف إليه فهو أشد منعا، وإلا جاز إهمال المعلوم إجمالا
[443]
رأسا بالمخالفة القطعية.
فلا وجه لالتزام حرمة المخالفة القطعية ويقبح عقاب الجاهل المقصر على ترك الواجبات الواقعية وفعل المحرمات، كما هو المشهور.
ودعوى: (أن مرادهم تكليف الجاهل في حال الجهل برفع الجهل والاتيان بالواقع.نظير تكليف الجنب بالصلاة حال الجنابة، لا التكليف بإتيانه مع وصف الجهل.فلا تنافي بين كون الجهل مانعا والتكليف في حاله.
وإنما الكلام في تكليف الجاهل مع وصف الجهل، لان المفروض فيما نحن فيه عجزه عن تحصيل العلم)، مدفوعة برجوعها حينئذ إلى ما تقدم من دعوى كون عدم الجهل من شروط وجود المأمور به نظير الجنابة، وقد تقدم بطلانها.
وأما النقل، فليس فيه ما يدل على العذر، لان أدلة البراءة غير جارية في المقام، لاستلزام إجرائها جواز المخالفة القطعية، والكلام بعد فرض جرمتها.
بل في بعض الاخبار ما يدل على وجوب الاحتياط.
مثل صحيحة عبدالرحمن المتقدمة في جزاء الصيد: (إذا أصبتم مثل هذا ولم تدروا، فعليكم بالاحتياط حتى تسألوا عنه فتعلموا)(1)، وغيرها.
فإن قلت: إن تجويز الشارع لترك أحد المحتملين والاكتفاء بالاخر يكشف عن عدم كون العلم الاجمالي علية تامة لوجوب الاطاعة حينئذ، كما عن عدم تجويز الشارع للمخالفة مع العلم التفصيلي دليل على كون العلم التفصيلي علة تامة لوجوب الاطاعة.
وحينئذ فلا ملازمة بين العلم الاجمالي ووجوب الاطاعة، فيحتاج إثبات الوجوب إلى دليل آخر غير العلم الاجمالي.
وحيث كان مفقودا فأصل البراءة يقتضي عدم وجوب الجميع وقبح العقاب على تركه لعدم البيان.
نعم لما كان ترك الكل معصية عند العقلاء حكم بتحريمها، ولا تدل حرمة المخالفة القطعية على وجوب الموافقة القطعية.
قلت: العلم الاجمالي كالتفصيلي علية تامة لتنجز التكليف بالمعلوم، إلا أن المعلوم إجمالا يصلح لان يجعل أحد محتمليه بدلا عنه في الظاهر.
فكل مورد حكم الشارع بكفاية أحد المحتملين للواقع إما تعيينا كحكمه [ بالاخذ ] بالاحتمال المطابق للحالة السابقة، وأما تخييرا كما في موارد التخيير بين الاحتمالين، فهو من باب الاكتفاء عن الواقع بذلك المحتمل، لا الترخيص لترك الواقع بلا بدل في الجملة.
فإن الواقع إذا علم به إرادة المولى بشئ وصدور الخطاب عنه إلى العبد وإن لم يصل
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 5، ص 466 الكافي، ج 4، ص 391 بحار الانوار، ج 2، ص 259.
[444]
إليهم، لم يكن بد عن موافقته، إما حقيقة بالاحتياط وإما حكما بفعل ما جعله الشارع بدلا عنه، وقد تقدم الاشارة إلى ذلك في الشبهة المحصورة.
ومما ذكرنا يظهر عدم جواز التمسك في المقام بأدلة البراءة، مثل رواية الحجب والتوسعة ونحوهما، لان العمل بها في كل من الموردين بخصوصه يوجب طرحها بالنسبة إلى أحدهما المعين عند الله تعالى المعلوم وجوبه، فإن وجوب واحدة من الظهر والجمعة أو من القصر والاتمام مما لم يحجب الله علمه عنا، فليس موضوعا عنا ولسنا في سعة منه.
فلا بد إما من الحكم بعدم جريان هذه الاخبار في مثل المقام مما علم وجوب شئ إجمالا، وإما من الحكم بأن شمولها للواحد المعين المعلوم وجوبه ودلالتها بالمفهوم على عدم كونه موضوعا عن العباد وكونه محمولا عليهم ومأخوذين به و ملزمين عليه دليل علمي بضميمة حكم العقل بوجود المقدمة العلمية على وجوب الاتيان بكل من الخصوصيتين.
فالعلم بوجوب كل منهما لنفسه وإن كان محجوبا عنا إلا أن العلم بوجوبه من باب المقدمة ليس محجوبا عنا.
ولا منافاة بين عدم وجوب الشئ ظاهرا لذاته ووجوبه ظاهرا من باب المقدمة.
كما لا تنافي بين عدم الوجوب النفسي واقعا وثبوت الوجوب الغيري كذلك.
واعلم أن المحقق القمي، رحمه الله وبعد ما حكى عن المحقق الخوانساري الميل إلى وجوب الاحتياط في مثل الظهر والجمعة والقصر والاتمام قال: (إن دقيق النظر يقتضي خلافه، فإن التكليف بالمجمل المحتمل لافراد متعددة بإرادة فرد معين عند الشارع مجهول عند المخاطب مستلزم لتأخير البيان عن وقت الحاجة الذي اتفق أهل العدل على إستحالته.
وكل ما يدعى كونه من هذا القبيل فيمكن منع، إذ غاية ما يسلم في القصر والاتمام والظهر والجمعه وأمثالها أن الاجماع وقع على أن من ترك الامرين بأن لا يفعل شيئا منهما يستحق العقاب، لا أن من ترك أحدهما المعين عند الشارع المبهم عندنا بأن ترك فعلهما مجتمعين يستحق العقاب.
ونظير ذلك مطلق التكليف بالاحكام الشرعية، سيما في أمثال زماننا على مذهب اهل الحق من التخطئة، فإن التحقيق أن الذي ثبت علينا بالدليل هو تحصيل ما يمكننا تحصيله من الادلة الظنية، لا تحصيل الحكم النفس الامري في كل واقعة.ولذا لم نقل بوجوب الاحتياط وترك العمل بالظن الاجتهادي من أول الامر.
[445]
نعم لو فرض حصول الاجماع أو ورود النص على وجوب شئ معين عند الله تعالى مردد عندنا بين أمور من دون إشتراط بالعلم به المستلزم ذلك الفرض لاسقاط قصد التعيين في الطاعة لتم ذلك.
ولكن لا يحسن حينئذ قوله - يعني المحقق الخوانساري -، فلا يبعد القول بوجوب الاحتياط حينئذ، بل لا بد من القول باليقين والجزم بالوجوب.ولكن من أين هذا الفرض وأنى يمكن إثباته)(1)، إنتهى كلامه رفع مقامه.
وما ذكره، قدس الله سرة، قد وافق فيه بعض كلمات ذلك المحقق التي ذكرها في مسألة الاستنجاء بالاحجار.
حيث قال بعد كلام له: والحاصل: إذا ورد نص أو إجماع على وجوب شئ معين معلوم عندنا أو ثبوت حكم إلى غاية معلومة عندنا، فلا بد من الحكم بلزوم تحصيل اليقين أو الظن بوجود ذلك الشئ المعلوم حتى يتحقق الامتثال إلى أن قال: - وكذا إذا ورد نصر أو إجماع على وجوب شئ معين في الواقع مردد في نظرنا بين أمور، وعلم أن ذلك التكليف غير مشروط بشئ من العلم بذلك الشئ مثلا أو على ثبوت حكم إلى غاية معينة في الواقع مرددة عندنا بين أشياء، وعلم أيضا عدم إشتراطه بالعلم وجب الحكم بوجوب تلك الاشياء المردد فيها في نظرنا وبقاء ذلك الحكم إلى حصول تلك الاشياء.
ولا يكفي الاتيان بواحد منها في سقوط التكليف وكذا حصول شئ واحد من الاشياء في إرتفاع الحكم المعين إلى أن قال: - وأما إذا لم يكن كذلك، بل ورد نص مثلا على أن الواجب الشئ الفلاني، ونص آخر على أن هذا الواجب شئ آخر، أو ذهب بعض الامة إلى وجوب شئ وبعض آخر إلى وجوب شئ آخر دونه، وظهر بالنص والاجماع في الصورتين أن ترك ذينك الشيئين معا سبب لاستحقاق العقاب، فحينئذ لم يظهر وجوب الاتيان بهما حتى يتحقق الامتثال، بل الظاهر الاكتفاء بواحد منهما، سواء إشتركا في أمر أو تباينا بالكلية.وكذا
___________________________________
(1) القوانين المحكمة، ص 267.
[446]
الكلام في ثبوت الحكم إلى غايه معينة)(1)، إنتهى كلامه رفع مقامه.وأنت خبير بما في هذه الكلمات من النظر.
أما ما ذكره الفاضل القمي، رحمه الله، من حديث التكليف المجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة فلا دخل له في المقام، إذ لا إجمال في الخطاب أصلا.
إنما طرء الاشتباه في المكلف به من جهة تردد ذلك الخطاب المبين بين أمرين وإزالة هذا التردد العارض من جهة أسباب إختفاء الاحكام غير واجبة على الحكيم تعالى حتى يقبح تأخيره عن وقت الحاجة، بل يجب عند هذا الاختفاء الرجوع إلى ما قرره الشارع كلية في الوقائع المختفية، وإلا فما يقتضيه العقل من البراءة والاحتياط.
ونحن ندعي أن العقل حاكم بعد العلم بالوجوب والشك في الواجب وعدم الدليل من الشارع على الاخذ بأحد الاحتمالين المعين أو المخير والاكتفاء به من الواقع بوجوب الاحتياط حذرا من ترك الواجب الواقعي، وأين ذلك من مسألة التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة، مع أن التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت العمل لا دليل على قبحه إذا تمكن المكلف من الاطاعة ولو بالاحتياط.
وأما ما ذكره تبعا للمحقق المذكور: (من تسليم وجوب الاحتياط إذا قام الدليل على وجوب شئ معين في الواقع غير مشروط بالعلم به).
ففيه: أنه إذا كان التكليف بالشئ قابلا لان يقع مشروطا بالعلم ولان يقع منجزا غير مشروط بالعلم بالشئ، كان ذلك إعترافا بعدم قبح التكليف بالشئ المعين المجهول، فلا يكون العلم شرطا عقليا.
وأما إشتراط التكليف به شرعا فهو غير معقول بالنسبة إلى الخطاب الواقعي، فإن الخطاب الواقعي في يوم الجمعة، سواء فرض قوله: (صل الظهر) أم فرض قوله) (صل الجمعة)، لا يعقل أن يشترط بالعلم بهذا الحكم التفصيلي.
نعم بعد إختفاء هذا الخطاب المطلق يصح أن يرد خطاب مطلق.
كقوله: (اعمل بذلك الخطاب ولو كان عندك مجهولا، وائت بما فيه ولو كان غير معلوم)، كما يصح أن يرد خطاب مشروط وأنه لا يجب عليك ما اختفى عليك من التكليف في يوم الجمعة وأن وجوب إمتثاله عليك مشروط بعلمك به تفصيلا.
ومرجع الاول إلى الامر بالاحتياط، ومرجع الثاني إلى البراءة عن الكل إن أفاد نفي وجوب الواقع رأسا المستلزم لجوازم المخالفة القعطية، وإلى نفي ما علم إجمالا بوجوبه وإن أفاد نفي
___________________________________
(1) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص 77.
[447]
وجوب القطع بإتيانه وكفاية إتيان بعض ما يحتمل.
فمرجعه إلى جعل البدل للواقع والبراءة عن إتيان الواقع على ما هو عليه.
لكن دليل البراءة على الوجه الاول ينافي العلم الاجمالي المعتبر بنفس أدلة البراءة المغياة بالعلم، وعلى الوجه الثاني غير موجود، فيلزم من هذين الامرين أعني وجوب مراعاة العلم الاجمالي وعدم وجود دليل على قيام أحد المحتملين مقام المعلوم إجمالا حكم العقل بوجوب الاحتياط، إذ لا ثالث لذينك الامرين، فلا حاجة إلى أمر الشارع بالاحتياط.
ووجوب الاتيان بالواقع غير مشروط بالعلم التفصيلي به، مضافا إلى ورود الامر بالاحتياط في كثير من الموارد.
وأما ما ذكره: (من إستلزام ذلك الفرض أعني تنجز التكليف بالامر المردد من دون إشتراط بالعلم به لاسقاط قصد التعيين في الطاعة).
ففيه: أن سقوط قصد التعيين إنما حصل بمجرد التردد والاجمال في الواجب، سواء قلنا فيه بالبراءة والاحتياط، وليس لازما لتنجز التكليف بالواقع وعدم إشتراطه بالعلم.
فإن قلت: إذا سقط قصد التعيين لعدم التمكن فبأيهما ينوي الوجوب والقربة.
قلت: له في ذلك طريقان: أحدهما أن ينوي بكل منهما الوجوب والقربة لكونه بحكم العقل مامورا بالاتيان بكل منهما.
وثانيهما أن ينوي بكل منهما حصول الواجب به أو بصاحبه تقربا إلى الله تعالى، فيفعل كلا منهما، لتحصيل الواجب الواقعي وتحصيله لوجوبه والتقرب به إلى الله تعالى، فملخص ذلك أني أصلي الظهر، لاجل تحقق الفريضة الواقعية به أو بالجملة التي أفعل بعدها أو فعلت قبلها قربة إلى الله تعالى، وملخص ذلك أني أصلي الظهر إحتياطا قربة إلى الله تعالى.وهذا الوجه هو الذي ينبغي أن يقصد.
ولا يرد: أن المعتبر في العبادة قصد التقرب والتعبد بها بالخصوص، ولا ريب أن كلا من الصلاتين عبادة، فلا معنى لكون الداعي في كل منهما التقرب المردد بين تحققه به أو بصاحبه.لان القصد المذكور إنما هو معتبر في العبادات الواقعية دون المقدمية.
وأما الوجه الاول، فيرد عليه: أن المقوصد إحراز الوجه الواقعي، وهو الوجوب الثابت في أحدهما المعين.
ولا يلزم من نية الوجوب المقدمي قصده.
وأيضا فالقربة غير حاصلة بنفس فعل أحدهما ولو بملاحظة وجوبه الظاهري، لان هذا الوجوب مقدمي، ومرجعه إلى وجوب تحصيل العلم بفراغ الذمة ودفع إحتمال ترتب ضرر العقاب بترك بعض منهما.وهذا الوجوب إرشادي، لا تقرب فيه أصلا.
[448]
نظير أوامر الاطاعة، فإن إمتثالها لا يوجب تقربا.
وإنما المقرب نفس الاطاعة، والقرب هنا أيضا نفس الاطاعة الواقعية المرددة بين الفعلين، فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.
ومما ذكرنا يندفع توهم أن الجميع بين المحتملين مستلزم لاتيان غير الواجب على جهة العبادة، لان قصد القربة المعتبر في الواجب الواقعي لازم المراعاة في كلا المحتملين ليقطع بإحرازه في الواجب الواقعي.
ومن المعلوم أن الاتيان بكل من المحتملين بوصف أنها عبادة مقربة يوجب التشريع بالنسبة إلى ما عدا الواجب الواقعي فيكون محرما.فالاحتياط غير ممكن في العبادات.
وإنما يمكن في غيرها من جهة أن الاتيان بالمحتملين لا يعتبر فيهما قصد التعيين والتقرب، لعدم إعتباره في الواجب الواقعي المردد، فيأتي بكل منهما لاحتمال وجوبه.
ووجه إندفاع هذا التوهم مضافا إلى أن غاية ما يلزم من ذلك عدم التمكن من تمام الاحتياط في العبادات، حتى من حيث مراعاة قصد التقرب المعتبر في الواجب الواقعي من جهة إستلزامه للتشريع المحرم.
فيدور الامر بين الاقتصار على أحد المحتملين وبين الاتيان بهما مهملا، لقصد التقرب في الكل فرارا عن التشريع.
ولا شك أن الثاني أولى، لوجوب الموافقة القطعية بقدر الامكان.
فإذا لم يمكن الموافقة بمراعاة جميع ما يعتبر في الواقعي في كل من المحتملين اكتفي بتحقق ذات الواجب في ضمنها أن إعتبار قصد التقرب والتعبد في العبادة الواجبة واقعا لا يقتضي بقصده في كل مهما.
كيف وهو غير ممكن، وإنما يقتضي بوجوب قصد التقرب والتعبد في الواجب المردد بينهما بأن يقد في كل منهما أني أفعله ليتحقق به أو بصاحبه التعبد بإتيان الواجب الواقعي.
وهذا الكلام بعينه جار في قصد الوجه المعتبر في الواجب، فإنه لا يعتبر قصد ذلك الوجه خاصة في خصوص كل منهما بأن يقصد أني أصلي الظهر لوجوبه، ثم يقصد أني أصلي الجمعة لوجوبها، بل يقصد أني أصلي الظهر، لوجوب الامر الواقعي المردد بينه وبين الجمعة التي أصليها بعد ذلك او صليتها قبل ذلك.
والحاصل: أن نية الفعل هو قصده على الصفة التى هو عليها التي بإعتبارها صار واجبا، فلا بد من ملاحظة ذلك في كل من المحتملين.
فإذا لاحظنا ذلك فيه وجدنا الصفة التي هو عليها الموجبة للحكم بوجوبه هو إحتمال تحقق الواجب المتعبد به والمتقرب به إلى الله تعالى في ضمنه، فيقصد هذا المعنى.
والزائد على هذا المعنى غير موجود فيه، فلا معنى لقصد التقرب في كل منهما بخصوصه، حتى يرد أن التقرب والتعبد بما لم يتعبد به الشارع تشريع محرم.
[449]
نعم هذا الايراد متوجه على ظاهر من اعتبر في كل من المحتملين قصد التقرب والتعبد به بالخصوص، لكنه مبني أيضا على لزوم ذلك من الامر الظاهري بإتيان كل منهما عبادة، فيكون كل منهما واجبة في مرحلة الظاهر.
كما إذا شك في الوقت أنه صلى الظهر أم لا، فإنه يجب عليه فعلها فينوي الوجوب والقربة وإن احتمل كونها في الواقع لغوا غير مشروع.
فلا يرد عليه ايراد التشريع إذ التشريع إنما يلزم لو قصد بكل منهما، أنه الواجب واقعا المتعبد به في نفس الامر.
ولكنك عرفت أن مقتضى النظر الدقيق خلاف هذا البناء، وأن الامر المقدمي خصوصا الموجود في المقدمة العلمية التي لا يكون الامر بها إرشاديا، لا يوجب موافقة التقرب ولا يصير منشأ لصيرورة الشئ من العبادات إذا لم يكن في نفسه [ منها ].
وقد تقدم في مسألة (التسامح في أدلة السنن) ما يوضح حال الامر بالاحتياط.
كما أنه قد إستوفينا في بحث (مقدمة الواجب) حال الامر المقدمي وعدم صيرورة المقدمة بسببه عبادة، وذكرنا ورود الاشكال من هذه الجهة على كون التيمم من العبادات على تقدير عدم القول برجحانه في نفسه كالوضوء، فإنه لا منشأ حنيئذ لكونه منها إلا الامر المقدمي به من الشارع.
فإن قلت: يمكن إثبات الوجوب الشرعي المصحح لنية الوجه والقربة [ في المحتملين ]، لان الاول منهما واجب بالاجماع ولو فرارا عن المخالفة القطعية، والثاني واجب بحكم الاستصحاب المثبت للوجوب الشرعي الظاهري، فإن مقضتى الاستصحاب بقاء الاشتغال وعدم الاتيان بالواجب الواقعي وبقاء وجوبه.
قلت: أما المحتمل المأتي به أولا فليس واجبا في الشرع لخصوص كونه ظهرا أو جمعة.
وإنما وجب لاحتمال تحقق الواجب به الموجب للفرار عن المخالفة أو للقطع بالموافقة إذا أتى معه بالمحتمل الآخر.
وعلى أي تقدير فمرجعه إلى الامر باحراز الواقع ولو إحتمالا.
وأما المحتمل الثاني فهو أيضا ليس إلا بحكم العقل من باب المقدمة.
وما ذكر من (الاستصحاب)، فيه بعد منع جريان الاستصحاب في هذا المقام من جهة حكم العقل من أول الامر بوجوب الجميه إذ بعد الاتيان بأحدهما يكون حكم العقل باقيا قطعا، وإلا لم يكن حاكما بوجوب الجميع وهو خلاف الفرض -: أن مقتضى الاستصحاب وجوب البناء على بقاء الاشتغال حتى يحصل اليقين بإرتفاعه.
أما وجوب تحصيل اليقين بإرتفاعه فلا يدل عليه الاستصحاب.وإنما يدل عليه العقل المستقل بوجوب القطع بتفريغ الذمة عند إشتغالها.وهذا معنى الاحتياط، فمرجع الامر إليه.
[450]
وأما إستصحاب وجوب ما وجب سابقا في الواقع أو إستصحاب عدم الاتيان بالواجب الواقعي، فشئ منهما لا يثبت وجوب المحتمل الثاني حتى يكون وجوبه شرعيا إلا على تقدير القول بالاصول المثبتة وهي منفية، كما قرر في محله.
ومن هنا ظهر الفرق بين ما نحن فيه وبين إستصحاب عدم فعل الظهر وبقاء وجوبه على من شك في فعل، فإن الاستصحاب بنفسه مقتض هناك لوجوب الاتيان بالظهر الواجب في الشرع على الوجه الموظف من قصد لوجوب والقربة وغيرهما.
ثم إن تتمة الكلام فيما يتعلق بفروع هذه المسألة تأتي في الشبهة الموضوعية إن شاء الله تعالى.
[451]
المسألة الثانية ما إذا إشتبه الواجب في الشريعة بغيره من جهة إجمال النص بأن يتعلق التكليف الوجوبي بامر مجمل.
كقوله: (أئتني بعين)، وقوله تعالى: (حافظوا على الصلوات والصلاة الوسطى)، بناء على تردد الصلاة الوسطى بين صلاة الجمعة كما في بعض الروايات، وغيرها كما في بعض آخر.
والظاهر أن الخلاف هنا بعينه الخلاف في المسألة الاولى، والمختار فيها هو المختار هناك، بل هنا أولى، لان الخطاب هنا تفصيلا متوجه إلى المكلفين، فتأمل.
وخروج الجاهل لا دليل عليه، لعدم قبح تكليف الجاهل بالمراد من المأمور به إذا كان قادرا على إستعلامه من دليل منفصل.فمجرد الجهل لا يقبح توجه الخطاب.
ودعوى: (قبح توجهه إلى العاجز عن إستعلامه تفصيلا القادر على الاحتياط فيه بإتيان المحتملات)، أيضا ممنوعة، لعدم القبح فيه أصلا.
وما تقدم من البعض من منع التكليف بالمجمل، لاتفاق (العدلية) على إستحالة تأخير البيان، قد عرفت منع قبحه أولا، وكون الكلام فيما عرض له الاجمال ثانيا.
ثم إن المخالف في المسألة ممن عثرنا عليه هو الفاضل القمي، رحمه الله، والمحقق الخوانساري في ظارهر بعض كلماته، لكنه، قدس سره، وافق المختار في ظاهر بعضها الاخر.
قال - في مسألة التوضي بالماء المتشبه بالنجس، بعد كلام له في منع التكليف في العبادات إلا بما ثبت من أجزائها وشرائطها ما لفظه: (نعم لو حصل يقين المكلف بأمر ولم يظهر معنى ذلك الامر، بل يكون مرددا بين أمور، فلا يبعد القول بوجوب تلك الامور جميعا حتى يحصل اليقين بالبراءة)(1)، إنتهى.
___________________________________
(1) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص 282.
[452]
ولكن التأمل في كلامه يعطي عدم ظهور كلامه في الموافقة، لان الخطاب المجمل الواصل إلينا لا يكون مجملا للمخاطبين.فتكليف المخاطبين بما هو مبين.وأما نحن معاشر الغائبين فلم يثبت اليقين بل ولا الظن بتلكليفنا بذلك الخطاب.
فمن كلف به لا إجمال فيه عنهده، ومن عرض له الاجمال لا دليل على تكليفه بالواقع المردد، لان إشتراك غير المخاطبين معهم فيما لم يتمكنوا من العلم به عين الدعوى.
فالتحقيق أن هنا مسألتين: إحداهما إذا خوطب شخص بمجمل هل يجب عليه الاحتياط أو لا؟ الثانية أنه إذا علم تكليف الحاضرين بامر معلوم لهم تفصيلا وفهموه من خطاب هو مجمل بالنسبة إلينا معاشر الغائبين، فهل يجب علينا تحصيل القطع بالاحتياط بإتيان ذلك الامر أم لا.والمحقق حكم بوجوب الاحتياط في الاول دون الثاني.
فظهر من ذلك أن مسألة إجمال النص إنما يغاير المسألة السابقة، أعني عدم النص فيما فرض خطاب مجمل متوجه إلى المكلف، إما لكونه حاضرا عند صدور الخطاب وإما للقول بإشتراك الغائبين مع الحاضرين في الخطاب.
أما إذا كان الخطاب للحاضرين وعرض له الاجمال بالنسبة إلى الغائبين، فالمسألة من قبيل عدم النص لا إجمال النص، إلا أنك عرفت أن المختار فيهما وجوب الاحتياط.
[ المسألة ] الثالثة ما إذا إشتبه الواجب بغيره لتكافؤ النصين كما في بعض مسائل القصر والاتمام.
فالمشهور فيه التخيير، لاخبار التخيير السليمة عن المعارض حتى ما دل على الاخد بما فيه الاحتياط، لان المفروض عدم موافقة شئ منهما للاحتياط، إلا أن يستظهر من تلك الادلة مطلوبية الاحتياط عند تصادم الادلة.
لكن قد عرفت فيما تقدم أن أخبار الاحتياط لا تقاوم سندا ولا دلالة لاخبار التخيير.
[453]
[ المسألة ] الرابعة ما إذا اشبه الواجب بغير الحرام من جهة إشتباه الموضوع كما في صورة إشتباه الفائتة أو القبلة أو الماء المطلق.
والاقوى هنا أيضا وجوب الاحتياط، كما في الشبهة المحصورة، لعين ما مر فيها من تعلق الخطاب بالفائتة واقعا مثلا، وإن لم يعلم تفصيلا.ومقتضاه ترتب العقاب على تركها ولو مع الجهل.
وقضية حكم العقل بوجوب دفع الضرر المحتمل وجوب المقدمة العلمية والاحتياط بفعل جميع المحتملات.
وقد خالف في ذلك الفاضل القمي، رحمه الله، فمنع وجوب الزائد على واحدة من المحتملات مستندا في ظاهر كلامه إلى ما زعمه جامعا لجميع صور الشك في المكلف به من قبح التكليف بالمجمل وتأخير البيان عن وقت الحاجة.
وأنت خبير بأن الاشتباه في الموضوع ليس من التكليف بالمجمل في شئ، لان المكلف به مفهوم معين طرأ الاشتباه في مصداقه لبعض العوارض الخارجية، كالنسيان ونحوه، والخطاب الصادر لقضاء الفائتة عام في المعلومة تفصيلا والجهولة.
ولا مخصص له بالمعلومة لا من العقل ولا من النقل، فيجب قضاؤها، ويعاقب على تركها مع الجهل كما يعاقب مع العلم.
ويؤيد ما ذكرنا ما ورد من وجوب قضاء ثلاث صلوات على من فاتته فريضة معللا ذلك ببراءة الذمة على كل تقدير، فإن ظاره التعليل يفيد عموم مراعاة ذلك في كل مقام إشتبه عليه الواجب.
ولذا تعدى المشهور عن مورد النص وهو تردد الفائتة بين رباعية وثلاثية وثنائية - إلى الفريضة الفائتة من المسافر المرددة بين ثنائية وثلاثية، فاكتفوا فيها بصلاتين.
[454]
وينبغي التنبيه على أمور الاول: أنه يمكن القول بعدم وجوب الاحتياط في مسألة إشتباه القبلة ونحوها مما كان الاشتباه الموضوعي في شرط من شروط الواجب، كالقبلة واللباس وما يصح السجود عليه وشبهها، بناء على دعوى سقوط هذه الشروط عند الاشتباه ولذا أسقط الحلي وجوب الستر عند إشتباه الساتر الطاهر بالنجس وحكم بالصلاة عاريا بل النزاع فيما كان من هذا القبيل ينبغي أن يكون على هذا الوجه، فإن القائل بعدم وجوب الاحتياط ينبغي أن يقول بسقوط الشروط عند الجهل، لا بكفاية الفعل مع إحتمال الشرط، كالصلاة المحتمل وقوعها إلى القبلة بدلا عن القبلة الواقعية.
ثم الوجه في دعوى سقوط الشرط الجهول إما إنصراف أدلته إلى صورة العلم به تفصيلا.
كما في بعض الشروط، نظير إشتراط الترتب بين الفوائت، وإما دوران الامر بين إهمال هذا الشرط المجهول وإهمال شرط آخر، وهو وجود مقارنة العمل لوجهه بحيث يعلم بوجوب الواجب وندب المندوب حين فعله.
وهذا يتحقق مع القول بسقوط الشرط المجهول.وهذا هو الذي يظهر من كلام الحلي.وكلا الوجهين ضعيفان.
أما الاول، فلان مفروض الكلام ما إذا ثبت الوجوب الواقعي للفعل بهذا الشرط وإلا لم يكن من الشك في المكلف به، للعلم حينئذ بعدم وجوب الصلاة إلى القبلة الواقعية المجهولة بالنسبة إلى الجاهل.
وأما الثاني، فلان ما دل على وجوب مقارنة العمل بقصد وجهه والجزم مع النية إنما يدل عليه مع التمكن.
ومعنى التمكن القدرة على الاتيان به مستجمعا للشرائط جازما بوجه من الوجوب والندب حين الفعل.
أما مع العجز عن ذلك فهو المتعين للسقوط دون الشرط المجهول الذي اوجب العجز عن الجزم بالنية.
والسر في تعيينه للسقوط هو أنه إنما لوحظ إعتباره في الفعل المستجمع
[455]
للشرائط، وليس إشتراطه في مرتبة سائر الشرائط، بل متأخرا عنه.
فإذا قيد إعتباره بحال التمكن سقط حال العجز، يعني العجز عن إتيان الفعل الجامع للشرائط مجزوما به.
الثاني: إن النية في كل من الصلوات المتعددة على الوجه المتقدم في مسألة الظهر والجمعة.
وحاصله: أنه ينوي في كل منهما فعلهما إحتياطا لاحراز الواجب الواقعي المردد بينها وبين صاحبها تقربا إلى الله على أن يكون التقرب علة للاحراز الذي جعل غاية للفعل.ويترتب على هذا أنه لا بد من أن يكون حين فعل أحدهما عازما على فعل الاخر.
إذ النية المذكورة لا تتحقق بدون ذلك، فإن من قصد الاقتصار على أحد الفعلين ليس قاصدا لامتثال الواجب الواقعي على كل تقدير، نعم هو قاصد لامتثاله على تقدير مصادفة هذا المحتمل له لا مطلقا.وهذا غير كاف في العبادات المعلوم وقوع التعبد بها.
نعم لو احتمل كون الشئ عبادة كغسل الجنابة إن احتمل الجنابة اكتفى به بقصد الامتثال على تقدير تحقق الامر به.
لكن ليس هنا تقدير آخر يراد منه التعبد على ذلك التقدير.فغاية ما يمكن قصده هنا هو التعبد على طريق الاحتمال.
فهذا غاية ما يمكن قصده هنا، بخلاف ما نحن فيه مما علم فيه ثبوت التعبد باحد الامرين، فإن لا بد فيه من الجزم بالتعبد.
الثالث: إن الظاهر أن وجوب كل من المحتملات عقلي لا شرعي، لان الحاكم بوجوبه ليس إلا العقل من باب وجوب دفع العقاب المحتمل على تقدير ترك أحد المحتملين، حتى أنه لو قلنا بدلالة أخبار الاحتياط أو الخبر المتقدم في الفائتة على وجوب ذلك كان وجوبه من باب الارشاد.
وقد تقدم الكلام من ذلك من فروع للاحتياط في الشك في التكليف.
وأما إثبات وجوب التكرار شرعا في ما نحن فيه بالاستصحاب وحرمة نقض اليقين بغير اليقين شرعا فقد تقدم في المسألة الاولى عدم دلالة الاستصحاب على ذلك إلا بناء على أن المتسصحب يترتب عليه الامور الاتفاقية المقارنة معه.وقد تقدم إجمالا ضعفه وسيأتي إن شاء الله تعالى تفصيلا.
وعلى ما ذكرنا، فلو ترك المصلي المتحير في القبلة أو الناسي لفائتة جميع المحتملات لم يستحق إلا عقابا واحدا، وكذا لو ترك أحد المحتملات واتفق مصادفته للواجب الواقعي، ولو لم يصادف لم
[456]
يستحق عقابا من جهة مخالفة الامر به.نعم قد يقال بإستحقاقه العقاب من جهة التجري.وتمام الكلام فيه قد تقدم.
الرابع: لو إنكشف مطابقة ما أتى به للواقع قبل فعل الباقي أجزأ عنها، لانه صلى الصلاة الواقعية قاصدا للتقرب بها إلى الله تعالى وإن لم يعلم حين الفعل أن المقرب هو هذا الفعل، إذ لا فرق بين أن يكون الجزم بالعمل ناشيا عن تكرار الفعل أو ناشيا عن إنكشاف الحال.
الخامس: لو فرض محتملات الواجب غير محصورة لم يسقط الامتثال في الواجب المردد بإعتبار شرطه كالصلاة إلى القبلة المجهولة وشبهها قطعا، إذ غاية الامر سقوط الشرط، فلا وجه لترك المشروط رأسا.
وأما في غيره مما كان نفس الواجب مرددا، فالظاهر أيضا عدم سقوطه ولو قلنا بجواز إرتكاب الكل في الشبهة الغير المحصورة، لان فعل الحرام لا يعلم هناك به إلا بعد الارتكاب، بخلاف ترك الكل هنا، فإنه يعلم به مخالفة الواجب الواقعي حين المخالفة.
وهل يجوز الاقتصار على واحد، إذ به يندفع محذور المخالفة أم يجب الاتيان بما تيسر من المحتملات؟ وجهان، من أن التكليف بإتيان الواقع ساقط، فلا مقتضي لايجاب مقدماته العلمية، وإنما وجب الاتيان بواحد فرارا من المخالفة القطعية، ومن أن اللازم، بعد الالتزم بحرمة مخالفة الواقع، مراعاته مهما أمكن.
وعليه بناء العقلاء في أوامرهم العرفية.
والاكتفاء بالواحد التخييري عن الواقع إنما يكون منع نص الشارع عليه.
وأما مع عدمه وفرض حكم العقل بوجوب مراعاة الواقع فيجب حتى يقطع بعدم العقاب، إما لحصول الواجب وإما لسقوطه بعدم تيسر الفعل، وهذا لا يحصل إلا بعد الاتيان بما تيسر.وهذا هو الاقوى.
وهذا الحكم مطرد في كل مورد وجد المانع من الاتيان ببعض غير معين من المحتملات ولو طرأ المانع من بعض معين منها.
ففي الوجوب كما هو المشهور إشكال من عدم العلم بوجود الواجب بين الباقي، والاصل البراءة.
[457]
السادس: هل تشرط في تحصيل العلم الاجمالي بالبراءة بالجمع بين المشتبهين عدم التمكن من الامتثال التفصيلي بإزالة الشبهة أو إختياره ما يعلم به البراءة تفصيلا، أم يجوز الاكتفاء به وإن تمكن من ذلك، فلا يجوز إن قدر على تحصيل العلم بالقبلة أو تعيين الواجب الواقعي من القصر والاتمام أو الظهر والجمعة الامتثال بالجمع بين المشتبهات وجهان بل قولان.ظاهر الاكثر الاول، لوجوب إقتران الفعل المأمور به عندهم بوجه الامر.
وسيأتي الكلام في ذلك عند التعرض بشروط الطهارة والاحتياط إن شاء الله تعالى.
ويتفرع على ذلك أنه لو قدر على العلم التفصيلي من بعض الجهات وعجز عنه من جهة أخرى، فالواجب مراعاة العلم التفصيلي من تلك الجهة فلا يجوز إن قدر على الثوب الطاهر المتيقن وعجز عن تعيين القبلة تكرار الصلاة في الثوبين إلى أربع جهات، لتمكنه من العلم التفصيلي بالمأمور به من حيث طهارة الثوب إن لم يحصل مراعاة ذلك العلم التفصيلي على الاطلاق.
السابع: لو كان الواجب المشتبه أمرين مترتبين شرعا، كالظهر والعصر المرددين بين القصر والاتمام أو بين الجهات الاربع، فهل يعتبر في صحة الدخول في محتملات الواجب اللاحق الفراغ اليقيني من الاول بإتيان جميع محتملاته، كما صرح به في الموجز وشرحه والمسالك والروض والمقاصد العلية، أم يكفي فيه فعل بعض محتملات الاول، بحيث يقطع بحصول الترتيب بعد الاتيان بمجموع محتملات المشتبهين، ما عن نهاية الاحكام والمدارك فيأتي بظهر وعصر قصرا، ثم بهما تماما قولان، متفرعان على القول المقدم في الامر السادس، من وجوب مراعاة العلم التفصيلي مع الامكان، مبنيان على أنه هل يجب مراعاة ذلك من جهة نفس الواجب.
فلا يجب إلا إذا أوجب إهماله ترددا في أصل الواجب، كتكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين على أربع جهات فإنه يوجب ترددا في الواجب زائدا على التردد الحاص من جهة إشتباه القبلة.
فكما
[458]
يجب رفع التردد مع الامكان كذلك يجب تقليله.
أما إذا لم يوجب إهماله ترددا زائدا في الواجب، فلا يجب، كما في ما نحن فيه، فإن الاتيان بالعصر المقصورة بعد الظهر المقصورة لا يوجب ترددا زائدا على التردد الحاصل من جهة القصر والاتمام، لان العصر المقصورة إن كانت مطابقة للواقع كانت واجدة لشرطها، وهو الترتب على الظهر، وإن كانت مخالفة للواقع لم ينفع وقوعها مترتبة على الظهر الواقعية، لان الترتب إنما هو بين الواجبين واقعا.
ومن ذلك يظهر عدم جواز التمسك بأصالة بقاء الاشتغال بالظهر وعدم فعل الواجب الواقعي.
وذلك لان المترتب على بقاء الاشتغال وعدم فعل الواجب عدم جواز الاتيان بالعصر الواقعي، وهو مسلم، ولذا لا يجوز الاتيان حينئذ بجميع محتملات العصر، وهذا المحتمل غير معلوم أنه العصر الواقعي.
والمصحح للاتيان به هو المصحح لاتيان محتمل الظهر المشترك معه في الشك وجريان الاصلين فيه أو أن الواجب مراعاة العلم التفصيلي من جهة نفس الخصومة المشكوكة في العبادة وإن لم يوجب إهماله ترددا في الواجب، فيجب على المكلف [ العمل التفصيلي ] عند الاتيان بكون ما يأتي به هو نفس الواجب الواقعي.
فإذا تعذر ذلك من بعض الجهات لم يعذر في إهماله من الجهة المتمكنة.
فالواجب على العاجز عن تعيين كون صلاة العصر قصرا أو تماما العلم الفصيلي بكون المأتي به مترتبا على الظهر، ولا يكفي العلم بترتبه على تقدير صحته.هذا كله مع تنجز الامر بالظهر والعصر دفعة واحدة في الوقت المشترك.
أما إذا تحقق الامر بالظهر فقط في الوقت المختص ففعل بعض محتملاته، فيمكن أن يقال بعدم الجواز نظرا إلى الشك في تحقق الامر بالعصر، فكيف يقدم على محتملاتها التي لا تجب إلا مقدمة لها، بل الاصل عدم الامر، فلا يشرع الدخول في مقدمات الفعل.
ويمكن أن يقال: إن أصالة عدم الامر إنما يقتضي عدم مشروعية الدخول في المأمور به و محتملاته التي تحتمله على تقدير عدم الامر واقعا.كما إذا صلى العصر إلى غير الجهة التي صلى الظهر.أما ما لا يحتمله إلا على تقدير الامر، فلا يقتضي الاصل المنع عنه، كما لا يخفى.
القسم الثاني: فيما إذا دار الامر في الواجب بين الاقل والاكثر
ومرجعه إلى الشك في جزئية شئ للمأمور به وعدمها.
وهو على قسمين، لان الجزء المشكوك إما جزء خارجي، أو جزء ذهني وهو القيد وهو على قسمين، لان القيد إما منتزع من أمر خارجي مغاير للمأمور به في الوجود الخارجي فيرجع إعتبار ذلك القيد إلى إيجاب ذلك الامر الخارجي كالوضوء الذي يصير منشأ للطهارة المقيد بها الصلاة، وإما خصوصية متحدة في الوجود مع المأمور به، كما إذا دار الامر بين وجوب مطلق الرقبة أو رقبة خاصة، ومن ذلك دوران الامر بين إحدى الخصال وبين واحدة معينة منها.
والكلام في كل من القسمين في أربع مسائل.
أما مسائل القسم الاول وهو الشك في الجزء الخارجي ف
[ المسألة ] الاولى منها أن يكون ذلك مع عدم النص المعتبر في المسألة
فيكون ناشيا من ذهاب جماعة إلى جزئية الامر الفلاني، كالاستعاذة قبل القراءة في الركعة الاولى مثلا، على ما ذهب إليه بعض فقهائنا.
وقد إختلف في وجوب الاحتياط هنا، فصرح بعض متأخري المتأخرين بوجوبه، وربما يظهر من كلام بعض القدماء كالسيد، رحمه الله، والشيخ، لكن لم يعلم كونه مذهبا لهما، بل ظاهر كلماتهم الاخر
[460]
خلافه.
وصريح جماعة إجراء أصالة البراءة وعدم وجوب الاحتياط.
والظاهر أنه المشهور بين العامة والخاصة المتقدمين منهم والمتأخرين، كما يظهر من تتبع كتب القوم، كالخلاف والسرائر وكتب الفاضلين والشهيدين والمحقق الثاني ومن تأخر عنهم.
بل الانصاف: أنه لم أعثر، في كلمات من تقدم على المحقق السبزوارى، على من يلتزم بوجوب الاحتياط في الاجزاء والشرائط، وإن كان فيهم من يختلف كلامه في ذلك، كالسيد والشيخ الشهيد، قدس سره.وكيف كان فالمختار جريان اصل البراءة.
لنا على ذلك حكم العقل وما ورد من النقل أما العقل فلاستقلاله بقبح مؤاخذة من كلف بمركب لم يعلم من أجزائه إلا عدة أجزاء ويشك في أنه هو هذا أو له جزء آخر، وهو الشئ الفلاني، ثم بذل جهده في طلب الدليل على جزئية ذلك الامر فلم يقتدر، فأتى بما علم وترك المشكوك خصوصا مع إعتراف المولى بأنه ما نصبت لك عليه دلالة، فإن القائل بوجوب الاحتياط لا ينبغي أن يفرق في وجوبه بين أن يكون الامر لم ينصب دليلا أو نصب واختفى.
غاية الامر أن ترك النصب من الامر قبيح.وهذا لا يرفع التكليف بالاحتياط عن المكلف.
فإن قلت: إن بناء العقلاء على وجوب الاحتياط في الاوامر العرفية الصادرة من الاطباء أو الموالي، فإن الطبيب إذا أمر المريض بتركيب معجون فشك في جزئية شئ له مع العلم بأنه غير ضار له فتركه المريض مع قدرته عليه إستحق اللوم.وكذا المولى إذا أمر عبده بذلك.
قلت: أما أوامر الطبيب بهي إرشادية، ليس المطلوب فيها إلا إحراز الخاصية المترتبة على ذات المأمور به، ولا يتكلم فيها من حيث إلاطاعة والمعصية، ولذا لو كان بيان ذلك الدواء بجملة خبرية غير طلبية كان اللازم مراعاة الاحتياط فيها وإن لم يترتب على مخالفته وموافقته ثواب أو عقاب.
والكلام في المسألة من حيث قبح عقاب الامر على مخالفة المجهول وعدمه.
وأما أوامر الموالي الصادرة بقصد الاطاعة، فنلتزم فيها بقبح المؤاخذة إذا عجز العبد عن تحصيل العلم بجزء فاطلع عليه المولى وقدر على رفع جهله ولو على بعض الوجوه الغير المتعارفة إلا أنه إكتفى بالبيان المتعارف فأختفى على العبد لبعض العوارض.
[461]
نعم قد يأمر المولى بمركب يعلم أن المقصود منه تحصيل عنوان يشك في حصوله إذا أتى بذلك المركب بدون ذلك الجزء المشكوك.
كما إذا أمر بمعجون وعلم أن المقصورد منه إسبال الصفراء بحيث كان هو المأمور به في الحقيقة أو علم أنه الغرض من المأمور به.فإن تحصيل العلم بإتيان المأمور به لازم كما سيجئ في المسألة الرابعة.
فإن قلت: إن الاوامر الشرعية كلها من هذا القبيل لابتنائها على مصالح في المأمور به، فالمصلحة فيها إما من قبيل العنوان في المأمور به أو من قبيل الغرض.
وبتقرير آخر: المشهور بين العدلية أن الواجبات الشرعية إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية.
فاللطف إما هو المأمور به حقيقة أو غرض للامر، فيجب تحصيل العلم بحصول اللطف ولا يحصل إلا بإتيان كل ما شك في مدخليته.
قلت: أولا مسألة البراءة والاحتياط غير مبنية على كون كل واجب فيه مصلحة وهو لطف في غيره، فنحن نتكلم فيها على مذهب الاشاعرة المنكرين للحسن والقبح رأسا، أو مذهب بعض العدلية المكتفين بوجود المصلحة في الامر وإن لم يكن في المأمور به.
وثانيا إن نفس الفعل من حيث هو ليس لطفا، ولذا لو أتي به [ لا ] على وجه الامتثال لم يصح ولم يترتب عليه لطف ولا أثر آخر من آثار العبادة الصحيحة.بل اللطف إنما هو في الاتيان به على وجه الامتثال.
وحينئذ فيحتمل أن يكون اللطف منحصرا في إمتثاله التفصيلي مع معرفة وجه الفعل ليوقع الفعل على وجه.
فإن من صرح من العدلية بكون العبادات السمعية إنما وجبت لكونها ألطافا في الواجبات العقلية قد صرح بوجوب إيقاع الواجب على وجهه ووجوب إقترانه به.وهذا متعذر فيما نحن فيه، لان الاتي بالاكثر لا يعلم أنه الواجب أو الاقل المتحقق من ضمنه.ولذا صرح بعضهم كالعلامة، رحمه الله.
ويظهر من آخر منهم وجوب تميز الاجزاء الواجبة من المستحبات لنوقع كلا على وجهه.
وبالجملة، فحصول اللطف بالفعل المأتي به من الجاهل فيما نحن فيه غير معلوم [ وإن أحرز الواقع ] بل ظاهرهم عدمه، فلم يبق عليه إلا التخلص من تبعة مخالفة الامر الموجه عليه، فإن هذا واجب عقلي في مقام الاطاعة والمعصية، ولا دخل له بمسألة اللطف، بل هو جار على فرض عدم اللطف وعدم المصلحة في المأمور به رأسا.
وهذا التخلص يحصل بالاتيان بما يعلم أن مع تركه يستحق العقاب والمؤاخذة وأما الزائد فيقبح المؤاخذة عليه مع عدم البيان.
فإن قلت: إن ما ذكر في وجوب الاحتياط في المتبائنين بعينه موجود هنا.وهو أن المقتضي وهو
[462]
تعلق الوجوب الواقعي بالامر الواقعي المردد بين الاقل والاكثر موجود، والجهل التفصيلي به لا يصلح مانعا لا عن لا عن المأمور به ولا عن توجه الامر كما تقدم في المتباينين حرفا بحرف.
قلت: نختار هنا أن الجهل مانع عقلي عن توجه التكليف بالمجهول إلى المكلف، لحكم العقل بقبح المؤاخذة على ترك الاكثر المسبب عن ترك الجزء المشكوك من دون بيان، ولا يعارض بقبح المؤاخذة على ترك الاقل من حيث هو من دون بيان، إذ يكفي في البيان المسوغ للمؤاخذة عليه العلم التفصيلي بأنه مطلوب للشارع بالاستقلال أو في ضمن الاكثر، ومع هذا العلم لا يقبح المؤاخذة.
وما ذكر في المتبائنين سندا لمنع كون الجهل مانعا من إستلزامه لجواز المخالفة القطعية وقبح خطاب الجاهل المقصر، وكونه معذورا بالنسبة إلى الواقع، مع أنه خلاف المشهور أو المتفق عليه غير جار فيما نحن فيه.
أما الاول، فلان عدم جواز المخالفة القطعية لكونها مخالفة معلومة بالتفصيل، فإن وجوب الاقل بمعنى إستحقاق العقاب بتركه معلوم تفصيلا وإن لم يعلم أن العقاب لاجل ترك نفسه أو لترك ما هو سبب في تركه وهو الاكثر.
فإن هذا العلم غير معتبر في إلزام العقل بوجوب الاتيان، إذ مناط تحريك العقل إلى فعل الواجبات وترك المحرمات دفع العقاب.ولا يفرق في تحريكه بين علمه بأن العقاب لاجل هذا الشئ أو لما هو مستند إليه.
وأما عدم معذورية الجاهل المقصر، فهو للوجه الذي لا يعذر من أجله الجاهل بنفس التكليف المستقل، وهو العلم الاجمالي بوجود واجبات ومحرمات كثيرة في الشريعة، وأنه لولاه لزم إخلال الشريعة، لا العلم الاجمالي الموجود في المقام، إذ الموجود في المقام علم تفصيلي، وهو وجوب الاقل، بمعنى ترتب العقاب على تركه وشك في أصل وجوب الزائد ولو مقدمة.
وبالجملة، فالعلم الاجمالي فيما نحن فيه غير مؤثر في وجوب الاحتياطن لكون أحد طرفيه معلومخ الالزام تفصيلا والاخر مشكوك الالزام رأسا.
ودوران الالزام في الاقل بين كونه مقدمة أو نفسيا لا يقدح في كونه معلوما بالتفصيل، لما ذكرنامن أن العقل يحكم بوجوب القيام بما علم إجمالا أو تفصيلا إلزام المولى به على أي وجه كان، ويحكم بقبح المؤاخذة على ما شك في إلزامه.
والمعلوم إلزامه تفصيلا هو الاقل والمشكوك إلزامه رأسا هو الزائد، والمعلوم إلزامه إجمالا هو الواجب النفسي المردد بين الاقل والاكثر.
ولا عبرة به بعد إنحلاله إلى معلوم تفصيلي ومشكوك كما في كل معلوم إجمالي كان كذلك.
كما لو علم إجمالا بكون أحد الانائين اللذين أحدهما المعين نجس خمرا، فإنه يحكم بحلية الطاهر منهما.
والعلم الاجمالي لا يؤثر في وجوب الاجتناب عنه.
[463]
ومما ذركنا يظهر أنه يمكن التمسك في عدم وجوب الاكثر بأصالة عدم وجوبه، فإنها سليمة في هذا المقام عن المعارضة بأصالة عدم وجوب الاقل، لان وجوب الاقل معلوم تفصيلا فلا يجري فيه الاصل.
وتردد وجوبه بين الوجوب النفسي والغيري مع العلم التفصيلي لورود الخطاب التفصيلي بوجوبه بقوله: (وربك فكبر)، وقوله: (وقوموا لله قانتين)، وقوله: (فاقرءوا ما تيسر منه)، وقوله: (واركعوا واسجدوا)، وغير ذلك من الخطابات المتضمنة للامر بالاجزاء لا يوجب جريان أصالة عدم الوجوب وأصالة البراءة.
لكن الانصاف أن التمسك بأصالة عدم وجوب الاكثر لا ينفع في المقام بل هو قليل الفائدة، لانه إن قصد به نفي أثر الوجوب الذي هو إستحقاق العقاب بتركه فهو، وإن كان غير معارض بأصالة عدم وجوب الاقل كما ذكرنا، إلا أنك قد عرفت فيما تقدم في الشك في التكليف المستقل أن إستصحاب عدم التكليف المستقل وجوبا أو تحريما لا ينفع في رفع إستحقا العقاب على الترك أو الفعل، لان عدم إستحقاق العقاب ليس من آثار عدم الوجوب والحرمة والواقعيين حتى يحتاج إلى إحرازهما بالاستصحاب، بل يكفي فيه عدم العلم بهما.
فمجرد الشك فيهما كاف في عدم إستحقاق العقاب القاطع، وقد أشرنا إلى ذلك عند التمسك في حرمة العمل بالظن باصالة عدم حجيته، وقلنا إن الشك في حجيته كاف في التحريم فلا يحتاج إلى إحراز عدمها بالاصل.
وإن قصد به نفي الاثار المترتبة على الوجوب النفسي المستقل.فاصالة عدم هذا الوجوب في الاكثر معارضة بأصالة عدمه في الاقل.
فلا يبقى لهذا الاصل فائدة إلا في نفي ما عدى العقاب من الاثار المترتبة على مطلق الوجوب الشامل للنفسي والغيري.
ثم بما ذكرنا، في منع جريان الدليل العقلي المتقدم في المتباينين فيما نحن فيه، يقدر على منع سائر يتمسك به لوجوب الاحتياط في هذا المقام: مثل إستصحاب الاشتغال بعد الاتيان بالاقل، وأن الاشتغال اليقيني يقتضي وجوب تحصيل اليقين بالبراءة.
ومثل أدلة إشتراك الغائبين مع الحاضرين في الاحكام المقتضية لاشتراكنا معاشر الغائبين مع الحاضرين العالمين بالمكلف به تفصيلا.
ومثل وجوب دفع الضرر وهو العقاب المحتمل قطعا، وبعبارة أخرى، وجوب المقدمة العلمية للواجب.
ومثل أن قصد القربة غير ممكن بالاتيان بالاقل لعدم العلم بمطلوبيته في ذاته، فلا يجوز الاقتصار عليه
[464]
في العبادات، بل لا بد من الاتيان بالجزء المشكوك.
فإن الاول مندفع مضافا إلى منع جريانه على الاقل في مورد الاحتياط، كما تقدم في المتبائنين بأن بقاء وجوب الامر المردد بين الاقل والاكثر بالاستصحاب لا يجدي بعد فرض كون وجود المتيقن قبل الشك غير مجد في الاحتياط.
نعم لو قلنا بالاصل المثبت وأن الاستصحاب الاشتغال بعد الاتيان بالاقل يثبت كون الواجب هو الاكثر فيجب الاتيان به، أمكن الاستدلال بالاستصحاب، لكن يمكن أن يقال: إنا نفينا في الزمان السابق وجوب الاكثر لقبح المؤاخذة من دون بيان، فتعين الاشتغال بالاقل، فهو منفي في الزمان السابق [ فكيف يثبت في الزمان اللاحق ].
وأما الثاني، فهو حاصل الدليل المتقدم في المتباينين المتوهم جريانه في المقام، وقد عرفت الجواب وأن الاشتغال اليقيني إنما هو بالاقل وغيره مشكوك فيه.
وأما الثالث، ففيه أن مقتضى الاشتراك كون الغائبين والحاضرين على نهج واحد مع كونهما في العلم والجهل على صفة واحدة.
ولا ريب أن وجوب الاحتياط على الجاهل من الحاضرين فيما نحن فيه عين الدعوى.
وأما الرابع، فلانه يكفي قصد القربة الاتيان بما علم من الشارع الالزام به وأداء تركه إلى إستحقاق العقاب لاجل التخلص عن العقاب، فإن هذا المقدار كاف في نية القربة المعتبرة في العبادات حتى لو علم باجزائها تفصيلا.
وأما الخامس، فلان وجوب المقدمة فرع وجوب ذي المقدمة، وهو الامر المتردد بين الاقل والاكثر، وقد تقدم أن وجوب المعلوم إجمالا مع كون أحد طرفيه متيقن الالزام من الشارع ولو بالالزام المقدمي، غير مؤثر في وجوب الاحتياط، لكون الطرف الغير المتيقن وهو الاكثر فيما نحن فيه موردا لقاعدة البراءة.كما مثلنا له بالخمر المردد بين إنائين أحدهما المعين نجس.
نعم لو ثبت أن ذلك، أعني تيقن أحد طرفي المعلوم بالاجمال تفصيلا وترتب أثره عليه، لا يقدح في وجوب العمل بما يقتضيه من الاحتياط، فيقال في المثال: إن التكليف بالاجتناب عن هذا الخمر المردد بين الانائين يقتضي إستحقاق العقاب على تناوله بتناول أي الانائين اتفق كونه خمرا فيجب الاحتياط بالاجتناب عنهما، فكذلك فيما نحن فيه.
والدليل العقلي على البراءة من هذه الجهة يحتاج إلى مزيد تأمل.
بقي الكلام في أنه كيف يقصد القربة بإتيان الاقل مع عدم العلم بكونه مقربا لتردده بين الواجب النفسي المقرب الغير المقرب.
فنقول: يكفي في قصد القربة قصد التخلص من العقاب
[465]
فإنها إحدى الغايات المذكورة في العبادات.وأما الدليل النقلي فهو الاخبار الدالة على البراءة الواضحة سندا ودلالة.
ولذا عول عليها في المسألة من جعل مقتضى العقل فيها وجوب الاحتياط بناء على مراعاة العلم الاجمالي، وإن كان اللازم في احد طرفيه معلوما بالتفصيل، وقد تقدم أكثر تلك الاخبار في الشك في التكليف التحريمي والوجوبي: منها: قوله عليه السلام: (ما حجب الله علمه عن العباد فهو موضوع عنهم)(1).فإن وجوب الجزء المشكوك محجوب علمه عن العباد فهو موضوع عنهم.فدل على أن الجزء المشكوك وجوبه غير واجب على الجاهل.كما دل على أن الشئ المشكوك وجوبه النفسي غير واجب في الظاهر على الجاهل.ويمكن تقريب الاستدلال بأن وجوب الاكثر مما حجب علمه فهو موضوع.
ولا يعارض بأن وجوب الاقل كذلك، لان العلم بوجوبه المردد بين النفسي والغيري غير محجوب، فهو غير موضوع.
و [ منها ] قوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي..ما لا يعلمون)(2).
فان وجوب الجزء المشكوك مما لم يعلم فهو مرفوع عن المكلفين، أو إن العقاب والمؤاخذة المترتبة على تعمد ترك الجزء المشكوك الذي هو سبب لترك الكل مرفوع عن الجاهل.
إلى غير ذلك من أخبار البراءة الجارية في الشبهة الوجوبية.
وكان بعض مشايخنا، رحمه الله، يدعي ظهورها في نفي الوجوب النفسي المشكوك وعدم جريانها في الشك في الوجوب الغيري.
ولا يخفى على المتأمل عدم الفرق بين الوجوبين في نفي ما يترتب على من إستحقاق العقاب، لان ترك الواجب الغيري منشأ لاستحقاق العقاب ولو من جهة كونه منشأ لترك الواجب النفسي.
نعم لو كان الظاهر من الاخبار نفي العقاب المترتب على ترك الشئ من حيث خصوص ذاته
___________________________________
(1) التوحيد، ص 413.
(2) التوحيد، ص 353.
[466]
أمكن دعوى ظهورها في ما ادعى.
مع إمكان أن يقال إن العقاب على ترك الجزء أيضا من حيث خصوص ذاته، لان ترك الجزء عين ترك الكل، فافهم.
هذا كله إن جعلنا المرفوع والموضوع في الروايات خصوص المؤاخذة.
وأما لو عممناه لمطلق الاثار الشرعية المترتبة على الشئ المجهول كانت الدلالة اوضح، لكن سيأتي ما في ذلك.
ثم إنه لو فرضنا عدم تمامية الدليل العقلي المتقدم، بل كون العقل حاكما بوجوب الاحتياط ومراعاة حال العلم الاجمالى بالتكليف المردد بين الاقل والاكثر كانت هذه الاخبار كافية في المطلب حاكمة على ذلك الدليل العقلي، لان الشارع أخبر بنفي العقاب على ترك الاكثر لو كان واجبا في الواقع، فلا يقتضي العقل وجوبه من باب الاحتياط الراجح إلى وجوب دفع العقاب المحتمل.
وقد توهم بعض المعاصرين عكس ذلك وحكومة أدلة الاحتياط على هذه الاخبار فقال: (لا نسلم حجب العلم في المقام لوجود الدليل في المقام وهي أصالة الاشتغال في الاجزاء والشرائط المشكوكة.
ثم قال: لان ما كان لنا طريق إليه في الظاهر لا يصدق في حقه الحجب إلا لدلت هذه الاخبار على عدم حجية الادلة الظنية، كخبر الواحد وشهادة العدلين وغيرهما.
قال: ولو التزم تخصيصها بما دل على حجية تلك الطرق تعين تخصيصها أيضا بما دل على حجية أصالة الاشتغال من عمومات أدلة الاستصحاب ووجوب المقدمة العلمية.
ثم قال: والتحقيق بهذه الاخبار على نفي الحكم الوضعي وهي الجزئية والشرطية)(1)، إنتهى.
أقول: قد ذكرنا في المتبائنين وفيما نحن فيه أن إستصحاب الاشتغال لا يثبت لزوم الاحتياط، إلا على القول بإعتبار الاصل المثبت الذي لا نقول به وفاقا لهذا الفاضل، وأن العمدة في وجوب الاحتياط هو حكم العقل بوجوب إحراز محتملات الواجب الواقعي بعد إثبات تنجز التكليف وأنه المؤاخذ به والمعاقب على تركه ولو حين الجهل به وتردده بين متباينيين أو الاقل أو الاكثر.
ولا ريب
___________________________________
(1) الفصول الغرويه، ص 50 بحر الفوائد، ج 2 ص 161.
[467]
أن ذلك الحكم مبناه وجوب دفع العقاب المحتمل على ترك ما يتركه المكلف.
وحينئذ فإذا أخبر الشارع في قوله (ما حجب الله) وقوله (رفع عن أمتي) وغيرهما بأن الله سبحانه وتعالى لا يعاقب على ترك ما لم يعلم جزئيته، فقد إرتفع إحتمال العقاب في ترك ذلك المشكوك وحصل الامن منه، فلا يجري فيه حكم العقل بوجوب دفع العقاب المحتمل.
نظير ما إذا أخبر الشارع بعدم المؤاخذة على ترك الصلاة إلى جهة خاصة من الجهات لو فرض كونها القبلة الواقعية، فإنه يخرج بذلك عن باب المقدمة، لان المفروض تركها لا يفضي إلى العقاب.
نعم لو كان مستند الاحتياط أخبار الاحتياط كان لحكومة تلك الاخبار على أخبار البراءة وجه أشرنا إليه في الشبهة التحريمية من أقسام الشك في التكليف.
ومما ذكرنا يظهر حكومة هذه الاخبار على إستصحاب الاشتغال على تقدير القول بالاصل المثبت أيضا، كما اشرنا إليه سابقا، لانه إذا أخبر الشارع بعدم المؤاخذة على ترك الاكثر الذي حجب العلم بوجوبه كان المستصحب، وهو الاشتغال المعلوم سابقا، غير متيقن إلا بالنسبة إلى الاقل وقد إرتفع بإتيانه.واحتمال بقاء الاشتغال حينئذ من جهة الاكثر ملقى بحكم هذه الاخبار.
وبالجملة، فما ذكره من حكومة أدلة الاشتغال على هذه الاخبار ضعيف جدا، نظرا إلى ما تقدم.
وأضعف من ذلك أنه، رحمه الله، عدل، من أجل هذه الحكومة التي زعمها لادلة الاحتياط على هذه الاخبار، عن الاستدلال بها لمذهب المشهور من حيث نفي الحكم التكليفي إلى التمسك بها في نفي الحكم الوضعي، أعني جزئية الشئ المشكوك أو شرطيته، وزعم أن ماهية المأمور به تبين ظاهرا كونها للاقل بضميمة نفي جزئية المشكوك ويحكم بذلك على أصالة الاشتغال.
قال في توضيح ذلك: (إن مقتضي هذه الروايات أن ماهيات العبادات عبارة عن الاجزاء المعلومة بشرائطها المعلومة، فيتبين مورد التكليف ويرتفع منها الاجمال والابهام)(1).
ثم أيد هذا المعنى، بل استدل عليه بفهم العلماء منها ذلك حيث قال: (إن من الاصول المعروفة عندهم أصالة العدم، وعدم الدليل دليل العدم،
___________________________________
(1) الفصول الغرويه، ص 50
[468]
ويستعملونه في نفي الحكم التكليفي والوضعي.
ونحن قد تفحصنا، فلم نجد لهذا الاصل مستندا يمكن التمسك له غير عموم هذه الاخبار، فتعين تعميمها للحكم الوضعي ولو بمساعدة افهامهم، فيتناول الجزئية المبحوث عنها في المقام)(1)، إنتهى.
أقول: أما ما ادعاه، من عموم تلك الاخبار لنفي غير الحكم الالزامي التكليفي، فلولا عدوله عنه في باب البراءة والاحتياط من الادلة العقلية، لذكرنا بعض ما فيه من منع العموم أولا، ومنع كون الجزئية أمرا مجعولا شرعيا غير الحكم التكليفي وهو إيجاب المركب المشتمل على ذلك الجزء ثانيا.
وأما ما استشهد به، من فهم الاصحاب وما ظهر بالتفحص، ففيه: أن: أول ما يظهر للمتفحص في هذا المقام أن العلماء لم يستندوا في الاصلين المذكورين إلى هذه الاخبار.
أما أصل العدم، فهو الجاري عندهم في غير الاحكام الشرعية [ أيضا من الاحكام اللفظية، كأصالة عدم القرينة وغيرها ] فكيف يستند فيه بالاخبار المتقدمة.
وأما عدم الدليل دليل العدم، فالمستند فيه عندهم شئ أخر، ذكره كل من تعرض لهذه القاعدة، كالشيخ وإبن زهرة [ والفاضلين ] والشهيد وغيرهم، ولا إختصاص له بالحكم التكليفي والوضعي.
وبالجملة فلم نعثر على من يستدل بهذه الاخبار في هذين الاصلين: أما رواية الحجب ونظائرها فظاهر.
وأما النبوي المتضمن لرفع الخطأ والنسيان وما لا يعلمون، فأصبحنا بين من يدعي ظهورها في رفع المؤاخذة ولا ينفي به غير الحكم التكليفي، كأخواته من رواية الحجب وغيرها، وهو المحكي عن أكثر الاصوليين، وبين من يتعدى عن ذلك إلى الاحكام الغير التكليفية، لكن في موارد وجود الدليل على ذلك الحكم وعدم جريان الاصلين المذكورين، بحيث لولا النبوي لقالوا بثبوت ذلك الحكم.
ونظرهم في ذلك أن النبوي، بناء على عمومه لنفي الحكم الوضعي، حاكم على تلك الادلة المثبتة لذلك الحكم الوضعي.
ومع ما عرفت كيف يدعي أن مستند الاصلين المذكورين المتفق عليهما هو هذه الروايات التي ذهب الاكثر إلى إختصاصها بنفي المؤاخذة.
___________________________________
(1) الفصول الفروية، ص 50
[469]
نعم يمكن التمسك به أيضا في مورد جريان الاصلين المذكورين، بناء على أن صدق رفع أثر هذه الامور، أعني الخطأ والنسيان وأخواتهما، كما يحصل بوجود المقتضي لذلك الاثر تحقيقا، كما في موارد ثبوت الدليل المثبت لذلك الاثر الشامل لصورة الخطأ والنسيان، كذلك يحصل بتوهم ثبوت المقتضي، ولو لم يكن عليه دليل ولا له مقتض محقق، لكن تصادق بعض موارد الاصلين والرواية مع تباينهما الجزئي لا يدل على الاستناد لهما بها، بل يدل على العدم.
ثم إن في الملازمة التي صرح بها في قوله: (وإلا لدلت هذه الاخبار على نفي حجية الطريق الظنية كخبر الواحد وغيره)، منعا واضحا، ليس هنا محل ذكره، فافهم.
* * *
واعلم أن هنا أصولا ربما يتمسك بها على المختار: منها: أصالة عدم وجوب الاكثر.وقد عرفت سابقا حالها.
ومنها: أصالة عدم وجوب الشئ المشكوك في جزئية.
حاله حال سابقه بل أردء، لان الحادث المجعول هو وجوب المركب المشتمل عليه، فوجوب الجزء في ضمن الكل عين وجوب الكل ووجوبه المقدمي بمعنى.
اللابدية لازم له غير حادث بحدوث مغاير كزوجية الاربعة، وبمعنى الطلب الغيري حادث مغير، لكن لا يترتب عليه أثر يجدي فيما نحن فيه إلا على القول بإعتبار الاصل المثبت ليثبت بذلك كون الماهية هي الاقل.
ومنها: أصالة عدم جزئية الشئ المشكوك.
وفيه: أن جزئية الشئ المشكوك، كالسورة للمركب الواقعي وعدمها، ليست أمرا حادثا مسبوقا بالعدم.
وإن أريد أصالة عدم صيرورة السورة جزء لمركب مأمور به، ليثبت بذلك خلو المركب المأمور به منه، ومرجعه إلى أصالة عدم الامر بما يكون هذا جزء منه، ففيه: ما مر من أنه أصل مثبت.
وإن اريد أصالة عدم دخل هذه المشكوك في المركب عند إختراعه له الذي هو عبارة عن ملاحظة عدة أجزاء غير مرتبطة في نفسها شيئا واحدا، ومرجعها إلى أصالة عدم ملاحظة هذا الشئ مع المركب المأمور به شيئا واحدا، فإن الماهيات المركبة لما كان تركبها جعليا حاصلا بالاعتبار وإلا فهي أجزاء لا إرتباط بينها في أنفسها ولا وحدة تجمعها إلا بإعتبار معتبر توقف جزئية شئ لها على ملاحظته معها واعتبارها مع هذا الشئ أمرا واحدا.
فمعنى جزئية السورة للصلاة ملاحظة السورة مع
[470]
باقي الاجزاء شيئا واحدا، وهذا معنى إختراع الماهيات وكونها مجعولة.
فالجعل والاختراع فيها من حيث التصور والملاحظة لا من حيث الحكم حتى يكون الجزئية حكما شرعيا وضعيا في مقابل الحكم التكليفي، كما إشتهر في ألسنة جماعة إلا أن يريدوا بالحكم الوضعي هذا المعنى.
وتمام الكلام يأتي في باب الاستصحاب إن شاء الله تعالى عند ذكر التفصيل بين الاحكام الوضعية والاحكام التكليفية.
ثم إنه إذا شك في الجزئية بالمعنى المذكور فالاصل عدمها.
فإذا ثبت عدمها في الظاهر يترتب عليه كون الماهية المأمور بها هي الاقل، لان تعين الماهية في الاقل يحتاج إلى جنس وجودى وهي الاجزاء المعلومة، وفصل عدمي هو عدم جزئية غيرها وعدم ملاحظته معها، والجنس موجود بالفرض والفصل ثابت بالاصل.فتعين المأمور به فله وجه.
إلا أن يقال: إن جزئية الشئ مرجعها إلى ملاحظة المركب منه ومن الباقي شيئا واحدا.
كما أن عدم جزئيته راجع إلى ملاحظة غيره من الاجزاء شيئا واحدا.
فجزئية الشئ وكلية المركب المشتمل عليه مجعول بجعل واحد، فالشك في جزئية الشئ شك في كلية الاكثر ونفي جزئية الشئ نفي لكليته، فإثبات كلية الاقل بذلك إثبات لاحد الضدين بنفي الآخر وليس أولى من العكس.
ومنه يظهر عدم جواز التمسك بأصالة عدم إلتفات الامر حين تصور المركب إلى هذا الجزء حتى يكون بملاحظته شيئا واحدا مركبا من ذلك ومن باقي الاجزاء، لان هذا أيضا لا يثبت أنه اعتبر بالتركيب بالنسبة إلى باقي الاجزاء.
هذا، مع أن أصالة عدم الالتفات لا تجري بالنسبة إلى الشارع المنزه عن الغفلة، بل لا يجري مطلقا في ما دار أمر الجزء بين كونه جزءا واجبا أو جزءا مستحبا لحصول الالتفات فيه قطعا، فتأمل.
[471]
المسألة الثانية ما إذا كان الشك في الجزئية ناشيا من إجمال الدليل كما إذا علق الوجوب في الدليل اللفظي بلفظ مردد بأحد أسباب الاجمال بين مركبين يدخل أقلهما جزءا تحت الاكثر بحيث يكون الاتي بالاكثر آتيا بالاقل.
والاجمال قد يكون في المعنى العرفي، كأن وجب غسل ظاهر البدن، فيشك في أن الجزء الفلاني، كباطن الاذن أو عكرة؟ البطن، من الظاهر أو الباطن، وقد يكون في المعنى الشرعي كالاوامر المتعلقة، في الكتاب والسنة بالصلاة وأمثالها، بناء على أن هذه الالفاظ موضوعة للماهية الصحيحة يعني الجامعة لجميع الاجزاء الواقعية.
والاقوى هنا أيضا جريان أصالة البراءة، لعين ما أسلفناه في سابقه من العقل والنقل.
وربما يتخيل جريان قاعده ألاشتغال هنا، وإن جرت أصالة البراءة في المسألة المتقدمة، لفقد الخطاب التفصيلي المتعلق بالامر المجمل في تلك المسألة ووجوده هنا، فيجب الاحتياط بالجمع بين محتملات الواجب المجمل، كما هو الشأن في كل خطاب تعلق بأمر مجمل.
ولذا فرعوا على القول بوضع الالفاظ للصحيح، كما هو المشهور، وجوب الاحتياط في أجزاء العبادات وعدم جواز إجراء أصل البراءة فيها.
وفيه: ان وجوب الاحتياط في المحتمل المردد بين الاقل والاكثر ممنوع، لان المتيقن من مدلول هذا الخطاب وجوب الاقل بالوجوب المردد بين النفسي والمقدمي، فلا محيص عن الاتيان به، لان تركه مستلزم للعقاب.
واما وجوب الاكثر فلم يعلم من هذا الخطاب فيبقى مشكوكا، فسيجئ فيه ما مر من الدليل العقلي والنقلي.
والحاصل: أن مناط وجوب الاحتياط عدم جريان أدلة البراءة في واحد معين من المحتملين، لمعارضته بجريانها في المحتمل الاخر حتى يخرج المسألة بذلك عن مورد البراءة ويجب الاحتياط فيها،
[472]
لاجل تردد الواجب المستحق على تركه العقاب بين أمرين لا معين لاحدهما، من غير فرق في ذلك بين وجود خطاب تفصيلي في المسألة متعلق بالمجمل وبين وجود خطاب مردد بين خطابين.
وإذا فقد المناط المذكور وأمكن البراءة في واحد معين لم يجب الاحتياط من غير فرق في ذلك بين الخطاب التفصيلي وغيره.
فإن قلت: إذا كان متعلق الخطاب مجملا فقد تنجز التكليف بمراد الشارع من اللفظ، فيجب القطع بالاتيان بمراده واستحق العقاب على تركه مع وصف كونه مجملا وعدم القناعة باحتمال تحصيل المراد واحتمال الخروج عن إستحقاق العقاب.
قلت: التكليف ليس متعلقا بمفهوم المراد من اللفظ ومدلوله حتى يكون من قبيل التكليف بالمفهوم المبين المشتبه مصداقه بين أمرين حتى يجب الاحتياط فيه ولو كان المصداق مرددا بين الاقل والاكثر نظرا إلى وجوب القطع بحصول المفهوم المعين المطلوب من العبد، كما سيجئ في المسألة الرابعة.
وإنما هو متعلق بمصداق المراد والمدلول، لانه الموضوع له اللفظ والمستعمل فيه و إتصافه بمفهوم المراد والمدلول بعد الوضع والاستعمال.
فنفس متعلق التكليف مردد بين الاقل والاكثر لا مصداقه.
ونظير هذا التوهم: أنه إذا كان اللفظ في العبادات موضوعا للصحيح، والصحيح مردد مصداقه بين الاقل والاكثر، فيجب فيه الاحتياط.
ويندفع: بأنه خلط بين الوضع للمفهوم والمصداق، فافهم.
وأما ما ذكره بعض متأخري المتأخرين من (الثمرة بين القول بوضع ألفاظ العبادات للصحيح وبين وضعها للاعم)، فغرضه بيان الثمرة على مختاره من وجوب الاحتياط في الشك في الجزئية، لا أن كل من قال بوضع الالفاظ للصحيحة فهو قائل بوجوب الاحتياط وعدم جواز إجراء أصل البراءة في أجزاء العبادات.
كيف ! والمشهور، مع قولهم بالوضع للصحيحة، قد ملاوا طواميرهم من إجراء الاصل عند الشك في الجزئية والشرطية بحيث لا يتوهم من كلامهم أن مرادهم بالاصل غير أصالة البراءة.
والتحقيق: أن ما ذكروه ثمرة للقولين من وجوب الاحتياط على القول بوضع الالفاظ للصحيح و عدمه على القول بوضعها للاعم محل نظر.
أما الاول، فلما عرفت من أن غاية ما يلزم من القول بالوضع للصحيح كون هذه الالفاظ مجملة، وقد عرفت أن المختار والمشهور في المجمل المردد بين الاقل والاكثر عدم وجوب الاحتياط.
[473]
وأما الثاني، فوجه النظر موقوف على توضيح ما ذكروه من وجه ترتب تلك الثمرة، أعني عدم لزوم الاحتياط على القول بوضع اللفظ للاعم.
وهو أنه إذا قلنا بأن المعنى الموضوع له اللفظ هو الصحيح، كان كل جزء من أجزاء العبادة مقوما لصدق حقيقة معنى لفظ الصلاة.فالشك في حزئيته شئ شك في صدق الصلاة.
فلا إطلاق للفظ الصلاة على هذا القول بالنسبة إلى واجدة الاجزاء وفاقدة بعضها، لانه الفاقدة ليست بصلاة.
فالشك في كون المأتي به فاقدا أو واجدا شك في كونها صلاة أو ليست بها.
وأما إذا قلنا بأن الموضوع له هو القدر المشترك بين الواجدة لجميع الاجزاء والفاقدة لبعضها نظير السرير الموضوع للاعم من جامع أجزائه ومن فاقد بعضها الغير المقوم لحقيقته بحيث لا يخل فقده، لصدق إسم السرير على الباقي كان لفظ الصلاة من الالفاظ المطلقة الصادقة على الصحيحة والفاسدة.
فإذا أريد بقوله: (أقيموا الصلاة)، فرد مشتمل على جزء زائد على مسمى الصلاة، كالصلاة مع السورة، كان ذلك تقييدا للمطلق، وهكذا إذا أريد المشتملة على جزء آخر، كالقيام، كان ذلك تقييدا آخر للمطلق.
فإرادة الصلاة الجامعة لجميع الاجزاء تحتاج إلى تقييدات بعدد الاجزاء الزائدة على ما يتوقف عليها صدق مسمى الصلاة.
أما القدر الذي يتوقف عليه صدق الصلاة، فهي من مقومات معنى المطلق، لا من القيود المقسمة له.
وحينئذ فإذا شك في جزئية شئ للصلاه، فإن شك في كونه جزءا مقوما لنفس المطلق، فالشك فيه راجع إلى الشك في صدق إسم الصلاة.
ولا يجوز فيه إجراء البراءة، لوجوب القطع بتحقق مفهوم الصلاة كما أشرنا إليه فيما سبق ولا إجراء أصالة إطلاق اللفظ وعدم تقييده، لانه فرع صدق المطلق على الخالي من ذلك المشكوك.
فحكم هذا المشكوك عند القائل بالاعم حكم جميع الاجزاء عند القائل بالصحيح.
وأما إن علم أنه ليس من مقومات حقيقة الصلاة، بل هو على تقدير إعتباره وكونه جزءا في الواقع ليس إلا من الاجزاء التى يقيد معنى اللفظ بها، لكون اللفظ موضوعا للاعم من واجده وفاقده.
وحينئذ فالشك في إعتباره وجزئيته راجع إلى الشك في تقييد إطلاق الصلاة في (أقيموا الصلاة) بهذا الشئ، بأن يراد منه مثلا أقيموا الصلاة المشتملة على جلسة الاستراحة.
ومن المعلوم: أن الشك في التقييد يرجع فيه إلى أصالة الاطلاق وعدم التقييد، فيحكم بأن مطلوب الامر غير مقيد بوجود هذا المشكوك، وبأن الامتثال يحصل بدونه، وأن هذا المشكوك غير
[474]
معتبر في الامتثال.وهذا معنى نفي جزئيته بمقتضى الاطلاق.نعم هنا توهم، نظير ما ذكرناه سابقا، من الخلط بين المفهوم والمصداق.
وهو توهم: (أنه إذا قام الاجماع بل الضرورة على أن الشارع لا يأمر بالفاسدة، لان الفاسد ما خالف المأمور به، فكيف يكون مأمورا به، فقد ثبت تقييد الصلاة دفعة واحدة بكونها صحيحة جامعة لجميع الاجزاء.
فكلما شك في جزئية شئ كان راجعا إلى الشك في تحقق العنوان المقيد للمأمور به، فيجب الاحتياط ليقطع بتحقق ذلك العنوان على تقييده.
لانه كما يجب القطع بحصول نفس العنوان وهو الصلاة، فلا بد من إتيان كل ما يحتمل دخله في تحققها كما أشرنا إليه، كذلك يجب القطع بتحصيل القيد المعلوم الذي قيد به العنوان.
كما لو قال: (أعتق مملوكا مؤمنا)، فإنه يجب القطع بحصول الايمان، كالقطع بكونه مملوكا).
ودفعه: يظهر مما ذكرناه، من أن الصلاة لم تقيد بمفهوم الصحيحة وهو الجامع الاجزاء، وإنما قيدت بما علم من الادلة الخارجية إعتباره.
فالعلم بعدم إرادة الفاسدة يراد به العلم بعدم إرادة هذه المصاديق الفاقدة للامور التي دل الدليل على تقييد الصلاة بها، لا أن مفهوم الفاسدة خرج عن المطلق وبقي مفهوم الصحيحة.
فكلما شك في صدق الصحيحة والفاسدة وجب الرجوع إلى الاحتياط لاحراز مفهوم الصحيحة.
وهذه المغالطة جارية في جميع المطلقات بأن يقال: إن المراد بالمأمور به في قوله: (أعتق رقبة) ليس إلا الجامع لشروط الصحة، لان الفاقد للشرط غير مراد قطعا.
فكلما شك في شرطية شئ كان شكا في تحقق العنوان الجامع للشرائط، فيجب الاحتياط، للقطع بإحرازه.
وبالجملة، فاندفاع هذا التوهم غير خفي بأدنى إلتفات، فلنرجع إلى المقصود ونقول: إذا عرفت أن ألفاظ العبادات على القول بوضعها للاعم كغريها من المطلقات كان لها حكمها، ومن المعلوم أن المطلق ليس يجوز دائما التمسك به بإطلاقه، بل له شروط، كأن لا يكون واردا في مقام حكم القضية المهملة بحيث لا يكون المقام مقام بيان.
ألا ترى أنه لو راجع المريض الطبيب فقال له في غير وقت الحاجة: (لا بد لك من شرب الدواء والمسهل)، فهل يجوز للمريض أن يأخذ بإطلاق الدواء والمسهل.
وكذا لو قال المولى لعبده: (يجب عليك المسافرة غدا).
وبالجملة، فحيث لا يقبح من المتكلم ذكر اللفظ المجمل لعدم كونه إلا في مقام هذا المقدار من البيان، لا يجوز أن يدفع القيود المحتملة للمطلق بالاصل، لان جريان الاصل لا يثبت الاطلاق و عدم إرادة المقيد، إلا بضميمة أنه إذا فرض ولو بحكم الاصل عدم ذكر القيد وجب إرادة الاعم من
[475]
المقيد وإلا قبح التكليف، لعدم البيان.
فإذا فرض العلم بعدم كونه في مقام البيان لم يقبح الاخلال بذكر القيد مع إرادته في الواقع.
والذي يقتضيه التدبر في جميع المطلقات الواردة في الكتاب في مقام الامر بالعبادة كونها في غير مقام بيان كيفية العبادة، فإن قوله تعالى: (أقيموا الصلاة)، إنما هو في مقام بيان تأكيد الامر بالصلاة والمحافظة عليها، نظير قوله: (من ترك الصلاة فهو كذا وكذا).
و (أن صلاة الفريضة خير من عشرين أو ألف حجة)، نظير تأكيد الطبيب على المريض في شرب الدواءن إما قبل بيانه له حتى يكون إشارة إلى ما يفصله له حين العمل، وإما بعد البيان له حتى يكون إشارة إلى المعهود المبين له في غير هذا الخطاب.
والاوامر الواردة بالعبادات فيه، كالصلاة والصوم والحج، كلها على أحد الوجهين، والغالب فيها الثاني.
وقد ذكر موانع أخر لسقوط إطلاقات العبادات عن قابلية التمسك فيها بأصالة الاطلاق وعدم التقييد، لكنها قابلة للدفع أو غير مطردة في جميع المقامات، وعمدة الموهن لها ما ذكرناه.
فحينئذ إذا شك في جزئية شئ لعبادة لم يكن هنا ما يثبت به عدم الجزئية من أصالة عدم التقييد، بل الحكم هنا هو الحكم على مذهب القائل بالوضع للصحيح في رجوعه إلى وجوب الاحتياط أو إلى أصالة ألبراءة، على الخلاف في المسألة.
فالذي ينبغي أن يقال في ثمرة الخلاف بين الصحيحي والاعمي هو لزوم الاجمال على القول بالصحيح وحكم المجمل مبني على الخلاف في وجوب الاحتياط أو جريان أصالة البراءة وإمكان البيان والحكم بعدم الجزئية، لاصالة عدم التقييد على القول بالاعم، فافهم.
[476]
المسألة الثالثة فيما إذا تعارض نصان متكافئان في جزئية شئ لشئ وعدمها كأن يدل أحدهما على جزئية السورة والاخر على عدمها.
ومقتضى إطلاق أكثر الاصحاب القول بالخيير بعد التكافؤ ثبوت التخيير هنا.لكن ينبغي أن يحمل هذا الحكم منهم على ما إذا لم يكن هناك إطلاق يقتضي أصالة عدم تقييده عدم جزئية المشكوك، كان يكون هنا إطلاق معتبر للامر بالصلاة بقول مطلق.
وإلا فالمرجع بعد التكافؤ إلى هذا المطلق، لسلامته عن المقيد بعد إبتلاء ما يصلح لتقييده بمعارض مكافئ.
وهذا الفرض خارج عن موضوع المسألة، لانها كأمثالها من مسائل هذه المقصد مفروضة فيما إذا لم يكن هناك دليل إجتهادي سليم عن المعارض متكفلا لحكم المسألة حتى تكون موردا للاصول العلمية.
فإن قلت: فأي الفريقين بين وجود هذا المطلق وعدمه، وما المانع من الحكم بالتخيير هنا؟ كما لو لم يكن مطلق.
فإن حكم المتكافئين إن كان هو التساقط، حتى أن المقيد المبتلى بمثله بمنزلة العدم فيبقى المطلق سالما، كان اللازم في صورة عدم وجود المطلق التي حكم فيها بالتخيير هو التساقط والرجوع إلى الاصل المؤسس فيما لا نص فيه من البراءة والاحتياط على الخلاف.
وإن كان حكمهما التخيير، كما هو المشهور نصا وفتوى، كان اللازم عند تعارض المقيد للمطلق الموجود بمثله الحكم بالتخيير ههنا، لا تعيين الرجوع إلى المطلق الذي هو بمنزلة تعيين العمل بالخبر المعارض للقيد.
قلت: أما لو قلنا بأن المتعارضين مع وجود المطلق غير متكافئين، لان موافقة احدهما للمطلق الموجود مرجح له فيؤخذ به ويطرح الاخر، فلا إشكال في الحكم وفي خروج مورده عن محل الكلام.
وإن قلنا: إنهما متكافئان، والمطلق مرجح، لا مرجح، نظرا إلى كون أصالة عدم التقييد
[477]
تعبديا، لا من باب الظهور النوعي، فوجه عدم شمول أخبار التخيير لهذا القسم من المتكافئين دعوى ظهور إختصاص تلك الاخبار بصورة عدم وجود الدليل الشرعي في تلك الواقعة وأنها مسوقة لبيان عدم جواز طرح قول الشارع في تلك الواقعة والرجوع إلى الاصول العقلية والنقلية المقررة لحكم صورة فقدان قول الشارع فيها، والمفروض وجود قول الشارع هنا ولو بضميمة أصالة الاطلاق المتعبد بها عند الشك في المقيد.
والفرق بين هذا الاصل وبين تلك الاصول الممنوع في هذه الاخبار عن الرجوع إليها وترك المتكافئين، هو ان تلك الاصول عملية فرعية مقررة لبيان العمل في المسألة الفرعية عند فقد الدليل الشرعي فيها.
وهذا الاصل، مقرر لاثبات كون الشئ وهو المطلق دليلا وحجة عند فقد ما يدل على عدم ذلك.
فالتخيير مع جريان هذا الاصل تخيير مع وجود الدليل الشرعي المعين لحكم المسألة المتعارض فيها النصان.
بخلاف التخيير مع جريان تلك الاصول، فإنه تخيير بين المتكافئين عند فقد دليل ثالث في موردهما، هذا.
ولكن الانصاف: أن أخبار التخيير حاكمة على هذا الاصل وإن كان جاريا في المسألة الاصولية، كما أنها حاكمة على تلك الاصول الجارية في المسألة الفرعية، لان مؤداها بيان حجية أحد المعارضين كمؤدى أدلة حجية الاخبار، ومن المعلوم حكومتها على مثل هذا الاصل.فهي دالة على مسألة أصولية، وليس مضمونها حكما عمليا صرفا.
فلا فرق بين أن يرد في مورد هذا الدليل المطلق: (إعمل بالخبر الفلاني المقيد لهذا المطلق)، وبين قوله: (إعمل بأحد هذين المقيد أحدهما له).
فالظاهر أن حكم المشهور في المقام بالرجوع إلى المطلق وعدم التخيير مبني على ما هو المشهور فتوى ونصا من ترجيح أحد المتعارضين بالمطلق أو العام الموجود في تلك المسألة، كما يظهر من ملاحظة النصوص والفتاوى.
وسيأتي توضيح ما هو الحق من المسلكين في باب التعادل والتراجيح إن شاء الله تعالى.
[478]
المسألة الرابعة فيما إذا شك في جزئية شئ للمأمور به من جهة الشبهة في الموضوع الخارجي
كما إذا أمر بمفهوم مبين مردد مصداقه بين الاقل والاكثر.ومنه ما إذا وجوب صوم شهر هلالى وهو ما بين الهلالين فشك في أنه ثلاثون أو ناقص.
ومثل ما أمر بالطهور لاجل الصلاة، أعني الفعل الرافع للحدث أو المبيح للصلاة، فشك في جزئية شئ للوضوء أو الغسل الرافعين.
واللازم في المقام الاحتياط، لان المفروض تنجز التكليف بمفهوم مبين معلوم تفصيلا وإنما الشك في تحققه بالاقل.
فمقتضى أصالة عدم تحققه وبقاء الاشتغال عدم الاكتفاء به ولزوم الاتيان بالاكثر.
ولا يجري هنا ما تقدم من الدليل العقلي والنقلي الدال على البراءة، لان البيان الذي لا بد منه في التكليف قد وصل من الشارع، فلا يقبح المؤاخذة على ترك ما بينه تفصيلا.فإذا شك في تحققه في الخارج فالاصل عدمه.
والعقل أيضا يحكم بوجوب القطع بإحراز ما علم وجوبه تفصيلا، أعني المفهوم المعين المبين المأمور به.
ألا ترى أنه لو شك في وجود باقي الاجزاء المعلومة، كأن لم يعلم أنه أتى بها أم لا، كان مقتضى العقل والاستصحاب وجوب الاتيان بها.
والفارق بين ما نحن فيه وبين الشبهة الحكمية من المسائل المتقدمة التي حكمنا فيها بالبراءة، هو أن نفس متعلق التكليف مردد بين إختصاصه بالمعلوم وجوبه تفصيلا وبين تعلقه بالمشكوك.
وهذا الترديد لا حكم له بمقتضى العقل، لان مرجعه إلى المؤخذة على ترك المشكوك، وهي قبيحة بحكم العقل.
فالعقل والنقل الدالان على البراءة مبينان لمتعلق التكليف من أول الامر في مرحلة الظاهر.
وأما ما نحن فيه فمتعلق التكليف فيه مبين معين معلوم تفصيلا، لاتصرف للعقل والنقل فيه.
وإنما يشك في تحققه في الخارج بإتيان الاجزاء المعلومة.
والعقل والنقل المذكوران لا يثبتان تحققه في الخارج، بل الاصل عدم تحققه، والعقل أيضا مستقل بوجوب الاحتياط مع الشك في التحقق.
القسم الثاني وهو الشك في كون الشئ قيدا للمأمور به
فقد عرفت أنه على قسمين، لان القيد قد يكون منشاؤه فعلا خارجيا مغايرا للمقيد في الوجود الخارجي، كالطهارة الناشية من الوضوء، وقد يكون قيدا متحدا معه في الوجود الخارجي.
أما الاول، فالكلام فيه هو الكلام فيما تقدم، فلا نطيل بالاعادة، وأما الثاني فالظاهر إتحاد حكمهما.
وقد يفرق بينهما بإلحاق الاول بالشك في الجزئية دون الثاني، نظرا إلى جريانت العقل والنقل الدالين؟ على عدم المؤاخذة على ما لم يعلم من الشارع المؤاخذة عليه في الاول، فإن وجوب الوضوء إذا لم يعلم المؤاخذة عليه كان التكليف به ولو مقدمة منفيا بحكم العقل والنقل، والمفروض أن الشرط الشرعي إنما انتزع من الامر بالوضوع في الشريعة فينتفي بإنتفاء إنتزاعه في الظاهر.
وأما ما كان متحدا من القيد في الوجود الخارجي، كالايمان في الرقبة المؤمنة.
فليس مما يتعلق به وجوب وإلزام مغاير لوجوب أصل الفعل ولو مقدمة، فلا يندرج فيما حجب الله علمه عن العباد.
والحاصل: أن أدلة البراءة ولو مقدمة، فلا يندرج فيما حجب الله علمه عن العباد.
والحاصل: أن أدلة البراءة من العقل والنقل إنما تنفي الكلفة الزائدة الحاصلة من فعل المشكوك والعقاب المترتب على تركه مع إتيان ما هو معلوم الوجوب تفصيلا، فإن الاتي بالصلاة بدون التسليم المشكوك في وجوبه معذور في ترك التسليم لجهله.
وأما الاتي بالرقبة الكافرة فلم يأت في الخارج بما هو معلوم له تفصيلا حتى يكون معذورا في الزائد المجهول، بل هو تارك للمأمور به رأسا.وبالجملة فالمطلق والمقيد من قبيل المتبائنين، لا الاقل والاكثر.
وكان هذا هو السر فيما ذكره بعض القائلين بالبراءة عند الشك في الشرطية والجزئية كالمحقق القمي، رحمه الله، في باب المطلق والمقيد، من تأييد استدلال العلمة، رحمه الله، في النهاية على
[480]
وجوب حمل المطلق على المقيد بقاعدة الاشتغال، ورد ما اعترض عليه، بعدم العلم بالشغل حتى يستدعي العلم بالبراءة بقوله: (وفيه: أن المكلف به حينئذ هو المردد بين كونه نفس المقيد أو المطلق، ونعلم أنا مكلفون بأحدهما، لاشتغال الذمة بالمجمل، ولا يحصل البراءه إلا بالمقيد إلى أن قال: - وليس هنا قدر مشترك يقيني يحكم بنفي الزائد عنه بالاصل، لان الجنس الموجود في ضمن المقيد لا ينفك عن الفصل، ولا تفارق لهما، فليتأمل)(1) إنتهى، هذا.
ولكن الانصاف: عدم خلو المذكور عن النظر، فإنه لا بأس بنفي القيود المشكوكة للمأمور به بأدلة البراءة من العقل والنقل، لان المنفي فيها الالزام بما لا يعلم ورفع كلفته.
ولا ريب أن التكليف بالمقيد مشتمل على كلفة زائدة وإلزام زائد على ما في التكليف بالمطلق وإن لم يزد المقيد الموجود في الخارج على المطلق الموجود في الخارج.
ولا فرق عند المتأمل بين إتيان الرقبة الكافرة وإتيان الصلاة بدون الوضوء.
مع أن ما ذكره - من تغاير وجود منشأ حصول الشرط مع وجود المشروط في الوضوء واتحادهما في الرقبة المؤمنة كلام ظاهري، فإن الصلاة حال الطهارة بمنزلة الرقبة المؤمنة في كون كل منهما أمرا واحدا في مقابل الفرد الفاقد للشرط.
وأما وجوب إيجاد مقدمة لتحصيل ذلك المقيد في الخارج، فهو أمر يتفق بالنسبة إلى الفاقد للطهارة.
ونظيره قد يتفق في الرقبة المؤمنة يحث أنه قد يجب بعض المقدمات لتحصيلها في الخارج، بل قد يجب السعي في هداية الرقبة الكافرة إلى الايمان مع التمكن إذا لم يوجد غيرها وانحصر الواجب في العتق.
وبالجملة، فالامر بالمشروط بشئ لا يقتضي بنفسه إيجاد أمر زائد مغائر له في الوجود الخارجي، بل قد يتفق وقد لا يتفق.
وأما الواجد للشرط فهو لا يزيد في الوجود الخارجي على الفاقد له، فالفرق بين الشروط فاسد جدا.
فالتحقيق أن حكم الشرط بجميع أقسامه واحد، سواء ألحقناه بالجزء أم بالمتبائنين.
وأما ما ذكره القمي، رحمه الله، فلا ينطبق على ما ذكره، في باب البراءة والاحتياط، من إجراء البراءة حتى في المتبائنين فضلا عن غيره، فراجع.
___________________________________
(1) القوانين المحكمة، ص 157.
[481]
ومما ذكرنا يظهر الكلام في ما لو دار الامر بين التخيير والتعيين، كما لو دار الواجب في كفارة رمضان بين خصوص العتق للقادر عليه وبين إحدى الخصال الثلاث.
فإن في إلحاق ذلك بالاقل والاكثر، فيكون نظير دوران الامر بين المطلق والمقيد أو المتبائنين، وجهين بل قولين: من عدم جريان أدلة البراءة في المعين، لانه معارض بجريانها في الواحد المخير، وليس بينهما قدر مشترك خارجي أو ذهني يعلم تفصيلا وجوبه فيشك في جزء زائد خارجي أو ذهني، ومن أن الالزام بخصوص أحدهما كلفة زائدة على الالزام باحدهما في الجملة، وهو ضيق على المكلف.
وحيث لم يعلم المكلف بتلك الكلفة فهي موضوعة عن المكلف بحكم (ما حجب الله علمه عن العباد)(1)، وحيث لم يعلم بذلك الضيق فهو في سعة منه، بحكم: (الناس في سعة ما لم يعلموا)(2).
وأما وجوب الواحد المردد بين المخير والمعين فيه فهو معلوم، فليس موضوعا عنه ولا هو في سعة من جهته.
والمسألة في غاية الاشكال، لعدم الجزم بإستقلال العقل بالبراءة عن التعيين بعد العلم الاجمالي وعدم كون المعين المشكوك فيه أمرا خارجا عن المكلف به مأخوذ فيه على وجه الشطرية أو الشرطية، بل هو على تقديره عين المكلف به.
والاخبار غير منصرفة إلى نفي التعيين، لانه في معنى نفي الواحد المعين، فيعارض بنفي الواحد المخير.
فلعل الحكم بوجوب الاحتياط وإلحاقه بالمتبائنين لا يخلو عن قوة، بل الحكم في الشرط وإلحاقه بالجزء لا يخلو عن إشكال، لكن الاقوى فيه الالحاق.
فالمسائل الاربع في الشرط حكمها حكم مسائل الجزء، فراجع.ثم إن مرجع الشك في المانعية إلى الشك في الشرطية وعدمه.
وأما الشك في القاطعية - بأن يعلم أن عدم الشئ لا مدخل له في العبادة إلا من جهة قطعه للهيئة الاتصالية المعتبرة في نظر الشارع فالحكم فيه إستصحاب الهيئة الاتصالية وعدم خروج الاجزاء السابقة عن قابلية صيرورتها أجزاء فعلية، وسيتضح ذلك بعد ذلك إن شاء الله.
ثم إن الشك في الجزئية أو الشرطية قد ينشأ عن الشك في حكم تكليفي نفسي، فيصير أصالة البراءة في ذلك الحكم التكليفي حاكما على الاصل في الشرطية والجزئية، فيخرج عن موضوع مسألة الاحتياط والبراءة، فيحكم بما يقتضيه الاصل الحاكم من جوب ذلك المشكوك في شرطيته أو عدم وجوبه.
___________________________________
(1) التوحيد، ص 413.
(2) المحاسن، ص 452.
[482]
وينبغي التنبيه على أمور متعلقة بالجزء والشرط [ الامر ] الاول إذا ثبت جزئية شئ وشك في ركنيته، فهل الاصل كونه ركنا أو عدم كونه كذلك أو مبني على مسألة البراءة والاحتياط في الشك في الجزئية أو التبعيض بين أحكام الركن فيحكم ببعضها و نفي بعضها الاخر؟ وجوه، لا يعرف الحق منها إلا بعد معرفة معنى الركن، فنقول: إن الركن في اللغة والعرف معروف، وليس له في الاخبار ذكر حتى يتعرض لمعناه في زمان صدور تلك الاخبار، بل هو إصطلاح خاص للفقهاء.
وقد إختلفوا في تعريفه بين من قال بأنه ما تبطل العبادة بنقصه عمدا وسهوا، وبين من عطف على النقص زيادته.
والاول أوفق بالمعنى اللغوي والعرفي.
وحينئذ فكل جزء ثبت في الشرع بطلان العبادة بالاخلال في طرف النقيصة أو فيه وفي طرف الزيادة، فهو ركن.
فالمهم بيان حكم الاخلال بالجزء في طرف النقيصة أو الزيادة، وأنه إذا ثبت جزئية، فهل الاصل يقتضي بطلان المركب بنقصه سهوا كما يبطل بنقصه عمدا وإلا لم يكن جزءا.
فهنا مسائل ثلاث: بطلان العبادة بتركه سهوا.وبطلانها بزيادته عمدا.وبطلانها بزيادته سهوا.
[483]
أما [ المسألة ] الاولى [ وهي بطلان العبادة بترك الجزء سهو ]
فالاقوى فيها أصالة بطلان العبادة بنقص الجزء سهوا إلا أن يقوم دليل عام أو خاص على الصحة، لان ما كان جزءا في حال العمد كان جزءا في حال الغفلة.فإذا إنتفى ينتفي المركب، فلم يكن المأتي به موافقا للمأمور به.وهو معنى فساده.
أما عموم جزئيته لحال الغفلة، فلان الغفلة لا توجب تغير المأمور به، فإن المخاطب بالصلاة مع السورة إذا غفل عن السورة في الاثناء لم يتغير الامر المتوجه إليه قبل الغفلة ولم يحدث بالنسبة إليه من الشارع أمر آخر حين الغفلة، لانه غافل عن غفلته.فالصلاة المتأتي بها من غير سورة غير مأمور بها بامر أصلا.غاية الامر عدم توجه الامر الفعلي بالصلاة مع السورة إليه، لاستحالة تكليف الغافل.فالتكليف ساقط عنه ما دام الغفلة.نظير من غفل عن الصلاة رأسا أو نام عنها.
فإذا إلتفت إليه والوقت باق وجب عليها الاتيان به بمقتضى الامر الاول.
فإن قلت: عموم جزئية الجزء لحال النسيان يتم فيما لو ثبت الجزئية بمثل قوله: (لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب)، دون ما لو قام الاجماع مثلا على جزئية شئ في الجملة واحتمل إختصاصها بحال الذكر، كما إنكشف ذلك بالدليل في الموارد التي حكم الشارع فيها بصحة الصلاة المنسي فيها بعض الاجزاء على وجه يظهر من الدليل كون صلاته تامة.
مثل قوله عليه السلام: (تمت صلاته، ولا يعيد).
وحينئذ فمرجع الشك إلى الشك في الجزئية حال النسيان فيرجع فيها إلى البراءة والاحتياط على الخلاف.
وكذا لو كان الدال على الجزئية حكما تكليفيا مختصا بحال الذكر وكان الامر بأصل العبادة مطلقا، فإن يقتصر في تقييده على مقدار قابلية دليل التقييد، أعني حال الذكر، إذ لا تكليف حال الغفلة، فالجزء المنتزع من الحكم التكليفي نظير الشرط المنتزع منه في إختصاصه بحال الذكر، كلبس الحرير ونحوه.
[484]
قلت إن أريد بعدم جزئية ما ثبت جزئيته في الجملة في حق الناسي إيجاب العبادة الخالية عن ذلك الجزء عليه، فهو غير قابل لتوجه الخطاب إليه بالنسبة إلى المغفول عنه إيجابا وإسقاطا.
وإن اريد به إمضاء الخالي عن ذلك الجزء من الناسي بدلا عن العبادة الواقعية، فهو حسن، لانه حكم في حقه بعد زوال غفلته، لكن عدم الجزئية بهذا المعنى عند الشك مما لم يقل به أحد من المختلفين في مسألة البراءة والاحتياط، لان هذا المعنى حكم وضعي لا يجري فيه أدلة البراءة، بل الاصل فيه العدم بالاتفاق.
وهذا معنى ما اخترناه من فساد العبادة الفاقدة للجزء نسيانا بمعنى عدم كونها مأموارا بها ولا مسقطا عنه.
ومما ذكرناه ظهر أنه ليس هذه المسألة من مسألة إقتضاء الامر للاجزاء في شئ، لان تلك المسألة مفروضة فيما إذا كان المأتي به مأمورا بأمر شرعي، كالصلاة مع التيمم أو بالطهارة المظنونة.وليس في المقام أمر بما أتى به الناسي أصلا.
وقد يتوهم: (أن في المقام أمرا عقليا، لاستقلال العقل بأن الواجب في حق الناسي هو هذا المأتي به، فيندرج لذلك في إتيان المأمور به بالامر العقلي).
وهو فاسد جدا، لان العقل ينفي تكليفه بالمنسي ولا يثبت له تكليفا بما عداه من الاجزاء، وإنما يأتي بها بداعي الامر بالعبادة الواقعية غفلة عن عدم كونه إياها.كيف والتكليف، عقليا كان أو شرعيا، يحتاج إلى الالتفات.
وهذا الشخص غير ملتفت إلى أن ناس عن الجزء حتى يكلف بما عداه.
ونظير هذا التوهم توهم [ أن ] ما أتى به الجاهل المركب بإعتقاده أنه مأمور به [ من باب إتيان المامور به ] بالامر العقلي.وفساده يظهر مما ذكرنا بعينه.
وأما ما ذكره: من: (أن دلالة الجزء قد يكون من قبيل التكليف، وهو لاختصاصه بغير الغافل لا يفيد إطلاق الامر بالكل إلا بقدر مورده، وهو غير غافل.
فإطلاق الامر بالكلي المقتضي لعدم جزئية هذا الجزء له بالنسبة إلى الغافل بحاله).
ففيه: أن التكليف المذكور إن كان تكليفا نفسيا فلا يدل على كون متعلقه جزءا للمأمور به حتى يقيد به الامر بالكل، وإن كان تكليفا غيريا، فهو كاشف عن كونه متعلقه جزءا، لان الامر الغيري إنما يتعلق بالمقدمة، وإنتفاؤه بالنسبة إلى الغافل لا يدل على نفي جزئيته في حقه، لان الجزئية
[485]
غير مسببة عنه، بل هو مسبب عنها.
ومن ذلك يعلم الفرق بين ما نحن فيه وبين ما ثبت إشتراطه من الحكم التكليفي، كلبس الحرير، فإن الشرطية مسببة عن التكليف، عكس ما نحن فيه، فينتفي بإنتفائه.
والحاصل: أن الامر الغيري بشئ، لكونه جزءا، وإن إنتفى في حق الغافل عنه من حيث إنتفاء الامر بالكل في حقه إلا أن الجزئية لا تنتفي بذلك.
وقد يتخيل: أن أصالة العدم على الوجه المتقدم وإن إقتضت ما ذكر، إلا أن إستصحاب الصحة حاكم عليها.
وفيه: ما سيجئ في المسأله الاتية من فساد التمسك به في هذه المقامات.وكذا التمسك بغيره مما سيذكر هناك.
فإن قلت: إن الاصل الاولي وإن كان ما ذكرت إلا أن هنا أصلا ثانويا يقتضي إمضاء ما يفعله الناسي خاليا عن الجزء والشرط المنسي عنه.
وهو قوله صلى الله عليه وآله: (رفع عن أمتي تسعة: الخطأ والنسيان..)، بناء على أن المقدر ليس خصوص المؤاخذة، بل جميع الاثانر الشرعية المترتبة على الشئ المنسي لولا النسيان، فإنه لو ترك الصورة لا للنسيان يترتب حكم الشارع عليه بالفساد ووجوب الاعادة.وهذا مرفوع مع ترك السورة نسيانا.
وإن شئت قلت: إن جزئية السورة مرتفعة حال النسيان.
قلت: بعد تسليم إرادة رفع جميع الاثار إن جزئية السورة ليست من الاحكام المجعولة لها شرعا، بل هي ككلية الكل.
وإنما المجعول الشرعي وجوب الكل، والوجوب مرتفع حال النسيان بحكم الرواية، ووجوب الاعادة بعد التذكر مترتب على الامر الاول لا على ترك السورة.
ودعوى: (أن ترك السورة سبب لترك الكل الذي هو سبب وجود الامر الاول، لان عدم الرافع من أسباب البقاء، وهو من المجعولات القابلة للارتفاع في الزمان الثاني.
فمعنى رفع النسيان رفع ما يترتب عليه وهو ترك الجزء.
ومعنى رفعه رفع ما يترتب عليه وهو ترك الكل، ومعنى رفعه رفع ما يترتب عليه وهو وجود الامر في الزمان الثاني).
مدفوعة: بما تقدم، في بيان معنى الرواية في الشبهة التحريمية في الشك في أصل التكليف، من أن المرفوع في الرواية الاثار الشرعية الثابتة لولا النسيان، لا الاثار الغير الشرعية ولا ما يترتب على هذه الاثار من الاثار الشرعية.
فالاثار المرفوعة في هذه الرواية نظير الاثار الثابتة للمستصحب بحكم أخبار الاستصحاب في أنها هي خصوص الاثار الشرعية المجعولة للشارع دون الاثار العقلية والعادية،
[486]
ومن دون ما يترتب عليها من الاثار الشرعية.
نعم لو صرح الشارع بأن حكم نسيان الجزء الفلاني مرفوع، أو أن نسيانه كعدم نسيانه، أو أنه لا حكم لنسيان السورة مثلا، وجب حمله، تصحيحا للكلام، على رفع الاعادة وإن لم يكن أثرا شرعيا، فافهم.
وزعم بعض المعاصرين الفرق بين أصالة عدم الجزئية ومضمون النبوي حيث حكم في مسألة البراءة والاشتغال في الشك في الجزئية بأن أصالة عدم الجزئية لا يثبت بها ما يترتب عليه من كون المأمور به هو الاقل، لانه لزم غير شرعي.أما رفع الجزئية الثابتة بالنبوي فيثبت به كون المأمور به هو الاقل.
وذكر في وجه الفرق ما لا يصلح له من إرادة راجعة فيما ذكره في أصالة العدم.
وكيف كان، فالقاعدة الثانوية في النسيان غير ثابتة.
نعم يمكن دعوى القاعدة الثانوية في خصوص الصلاة من جهة قوله عليه السلام: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة، الطهور والوقت والقبلة والركوع والسجود)(1).
وقوله عليه السلام في مرسلة سفيان: (يسجد سجدتي السهو في كل زيادة ونقيصة)(2).
وقوله عليه السلام في من نسي الفاتحة: (اليس قد أتممت الركوع والسجود)(3)، وغيره.
ثم إن الكلام في الشرط كالكلام في الجزء.والاصل الاولي والثانوي المزيف والمقبول، وهو غاية المسئول.
___________________________________
(1) وسائل الشيعة، ج 4، ص 683 الخصال، ص 284.
(2) تهذيب الاحكام، ج 1، ص.
(3) الكافي، ج 4، ص 348.
[487]
المسألة الثانية في زيادة الجزء عمدا
وإنما يتحقق في الجزء الذي لم يعتبر فيه إشتراط عدم الزيادة.
فلو أخذ بشرطه فالزيادة عليه موجب لاختلاله من حيث النقيصة، لان فاقد الشرط كالمتروك.كما أنه لو أخذ في الشرع لا بشرط الوحدة والتعدد فلا إشكال في عدم الفساد.ويشترط في صدق الزيادة قصد كونه من الاجزاء.
أما زيادة صورة الجزء لا بقصدها، كما لو سجد للعزيمة في الصلاة، لم تعد زيادة في الجزء.
نعم ورد في بعض الاخبار: (أنها زيادة في المكتوبة)(1).وسيأتي الكلام في معنى الزيادة في الصلاة.ثم الزيادة العمدية تتصور على وجوده.
أحدها: أن يزيد جزءا من أجزاء الصلاة بقصد كون الزائد جزءا مستقلا.كما لو اعتقد شرعا أو تشريعا أن الواجب في كل ركعة ركوعان، كالسجود.
الثاني: أن يقصد كون مجموع الزائد والمزيد عليه جزءا واحدا.كما لو إعتقد أن الواجب في الركوع الجنس الصادق على الواحد والمتعدد.
الثالث: أن يأتي بالزائد بدلا عن المزيد بعد رفع اليد عنه إما إقتراحا.كما لو قرأ سورة.
ثم بدا له في الاثناء أو بعد الفراغ وقرأ أخرى لغرض ديني كالفضلية أو دنيوي كالاستعجال، وإما لايقاع الاول على وجه فاسد بفقد بعض الشروط، كأن يأتي ببعض الاجزاء رياء أو مع عدم الطمأنينة المعتبرة فيها ثم يبدو له في إعادته على وجه صحيح.
أما الزيادة على الوجه الاول، فلا إشكال في فساد العبادة إذا نوى ذلك قبل الدخول في الصلاة أو في الاثناء، لان ما أتى به وقصد الامتثال به وهو المجموع المشتمل على الزيادة غير مأمور به، وما أمر به وهو ما عدا تلك الزيادة لم يقصد الامتثال به.
___________________________________
(1) الكافي (الفروع)، ج 3، ص 318 تهذيب الاحكام، ج، ص
[488]
وأما الاخيران فمقتضى الاصل عدم بطلان العبادة فيهما، لان مرجع الشك إلى الشك في مانعية الزيادة، ومرجعها إلى شرطية عدمها، وقد تقدم أن مقتضى الاصل فيه البراءة.
وقد يستدل على البطلان بأن الزيادة تغيير لهيئة العبادة الموظفة فتكون مبطلة.
وقد إحتج به في المعتبر على بطلان الصلاة بالزيادة.
وفيه نظر، لانه إن أريد تغيير الهيئة المعتبرة في الصلاة فالصغرى ممنوعة، لان إعتبار الهيئة الحاصلة من عدم الزيادة أول الدعوى.فإذا شك فيه فالاصل البراءة.
وإن أريد أنه تغيير للهيئة المتعارفة المعهودة للصلاة فالكبرى ممنوعة، لمنع كون تغيير الهيئة المتعارفة مبطلا.
ونظير الاستدلال بهذا البطلان في الضعف الاستدلال للصحة بإسصحابها، بناء على أن العبادة قبل هذه الزيادة كانت صحيحة والاصل بقاؤها وعدم عروض البطلان لها.
وفيه: أن المستصحب إن كان صحة مجموع الصلاة فلم يتحقق بعد، وإن كان صحة الاجزاء السابقة منها فهي غير مجدية، لان صحة الاجزاء إما عبارة عن مطابقتها للامر المتعلق بها وإما ترتب الاثر عليها.
والمراد بالاثر المترتب عليها حصول المركب بها منضمة مع باقي الاجزاء والشرائط.
إذ ليس أثر الجزء المنوط به صحته إلا حصول الكل به منضما إلى تمام غيره مما يعتبر في الكل.
ولا يخفى أن الصحة بكلا المعنيين باقية للاجزاء السابقة، لانها بعد وقوعها مطابقة للامر بها لا تنقلب عما وقعت عليه، وهي بعد على وجه لو إنضم إليها تمام ما يعتبر في الكل حصل الكل.
فعدم حصول الكل لعدم إنضمام تمام ما يعتبر في الكل إلى تلك الاجزاء لا يخل بصحتها.
ألا ترى أن صحة الخل من حيث كونه جزءا للسكنجبين لا يراد بها إلا كونه على صفة لو إنضم إليه تمام ما يعتبر في تحقق السكنجبين لحصل الكل.
فلو لم ينضم إليه تمام ما يعتبر فلم يحصل لذلك الكل لم يقدح ذلك في إتصاف الخل بالصحة في مرتبة جزئيته.
فإذا كان عدم حصول الكل يقينا لعدم حصول تمام ما يعتبر في الكل غير قادح في صحة الجزء، فكيف إذا شك في حصول الكل من جهة الشك في إنضمام تمام ما يعتبر، كما فيما نحن فيه.
فإن الشك في صحة الصلاة بعد تحقق الزيادة المذكورة من جهة الشك في إنضمام تمام ما يعتبر إلى الاجزاء، لعدم كون عدم الزيادة شرطا وعدم إنضمامه، لكون عدم الزيادة أحد الشرائط المعتبرة ولم يتحقق فلا يتحقق الكل.
ومن المعلوم أن هذا الشك لا ينافي القطع بصحة الاجزاء السابقة، فإستصحاب صحة تلك
[489]
الاجزاء غير محتاج إليه، لانا نقطع ببقاء صحتها، لكنه لا يجدي في صحة الصلاة بمعنى إستجماعها لما عداها من الاجزاء والشرائط الباقية.
فإن قلت: فعلى ما ذكرته فلا يفرض البطلان للاجزاء السابقة أبدا، بل هي باقية على الصحة بالمعنى المذكور إلى أبد الدهر وإن وقع بعدها ما وقع من الموانع من أن من الشائع في النصوص والفتاوى إطلاق المبطل والناقض على مثل الحدث وغيره من قواطع الصلاة.
قلت: نعم ولا ضير في إلتزام ذلك.
ومعنى بطلانها عدم الاعتداد بها في حصول الكل، لعدم التمكن من ضم تمام الباقي إليها، فيجب إستيناف الصلاة إمتثالا للامر.
نعم إن حكم الشارع على بعض الاشياء بكونه قطعا للصلاة أو ناقضا يكشف عن أن لاجزاء الصلاة في نظر الشارع هيئة إتصالية ترتفع ببعض الاشياء دون بعض، فإن الحدث يقطع ذلك الاتصال والتجشأ لا يقطعه، والقطع يوجب الانفصال القائم بالمنفصلين وهما في ما نحن فيه الاجزاء السابقة والاجزاء التي تلحقها بعد تخلل ذلك القاطع.
فكل من السابق واللاحق يسقط عن قابلية ضمه إلى الاخر وضم الاخر إليه.
ومن المعلوم أن الاجزاء السابقة كانت قابلة للضم إليها وصيرورتها أجزاء فعلية للمركب، والاصل بقاء تلك القابلية وتلك الهيئة الاتصالية بينها وبين ما يلحقها، فيصح الاستصحاب في كل ما شك في قاطعية الموجود، ولكن هذا مختص بما إذا شك في القاطعية وليس مطلق الشك في مانعية الشئ، كالزيادة فيما نحن فيه، شكا في القاطعية.
وحاصل الفرق بينهما أن عدم الشئ في جميع آنات الصلاة قد يكون بنفسه من جملة الشروط، فإذا وجد آنا ما فقد إنتفى الشرط على وجه لا يمكن تداركه، فلا يتحقق المركب من هذه الجهة.
وهذا لا يجدي فيه القطع بصحة الاجزاء السابقة فضلا عن إستصحابها.
وقد يكون إعتباره من حيث كونه وجوده قاطعا ورافعا للهيئة الاتصالية والارتباطية في نظر الشارع بين الاجزاء.
فإذا شك في رافعية شئ لها حكم ببقاء تلك الهئية وإستمرارها وعدم إنفصال الاجزاء السابقة عما يلحقها من سائر الاجزاء.
وربما يرد إستصحاب الصحة بأنه: (إن أريد صحة الاجزاء المأتي بها بعد طرو المانع الاجمالي فغير مجد، لان البراءة إنما يتحقق بفعل الكل دون البعض.
وإن أريد إثبات عدم مانعية الطاري أو صحة بقية الاجزاء فساقط، لعدم التعويل على
[490]
الاصول المثبتة)، إنتهى.وفيه نظر يظهر مما ذطكرنا.
وحاصله: ان الشك إن كان في مانعية شئ وشرطية عدمه للصلاة، فصحة الاجزاء السابقة لا يستلزم عدمها ظاهرا ولا واقعا، حتى يكون الاستصحاب بالنسبة إليها من الاصول المثبتة، وإن كان في قاطعية الشئ ورفعه للاتصال والاستمرار الموجود للعبادة في نظر الشارع.فإستصحاب بقاء الاتصال كاف.إذ لا يقصد في المقام سوى بقاء تلك الهيئة الاتصالية.
والشك إنما هو فيه، لا في ثبوت شرط أو مانع آخر حتى يقصد بالاستصحاب دفعة ولا في صحة بقية الاجزاء من غير جهة زوال الهيئة الاتصالية بينها وبين الاجزاء السابقة، والمفروض إحراز عدم زوالها بالاستصحاب.
ولكن يمكن الخدشة فيما إخترناه من الاستصحاب: بأن المراد بالاتصال والهيئة الاتصالية إن كان ما بين الاجزاء السابقة بعضها مع بعض فهو باق لا ينفع، وإن كان ما بينها وبين ما لحقها من الاجزاء الاتية فالشك في وجودها لا بقائها.
وأما أصالة بقاء الاجزاء السابقة على قابلية إلحاق الباقي بها فلا يبعد كونها من الاصول المثبتة.
اللهم إلا أن يقال: إن إستصحاب الهيئة الاتصالية من الاستصحابات العرفية الغير المبنية على التدقيق، نظير إستصحاب الكرية في الماء المسبوق بالكرية.
ويقال في بقاء الاجزاء السابقة على قابلية الاتصال: إنه لما كان المقصود الاصلي من القطع وعدمه هو لزوم إستيناف الاجزاء السابقة وعدمه وكان الحكم بقابليتها لالحاق الباقي بها في قوة الحكم بعدم وجوب إستينافها خرج من الاصول المثبتة التي ذكر في محله عدم الاعتداد بها في الاثبات، فافهم.
وبما ذكرنا يظهر سر ما أشرنا إليه في المسألة السابقة من عدم الجدوى في إستصحاب الصحة لاثبات صحة العبادة المنسي فيها بعض الاجزاء، عند الشك في جزئية المنسي حال النسيان.
وقد يتمسك لاثبات صحة العبادة عند الشك في طرو المانع بقوله تعالى: (ولا تبطلوا أعمالكم)، فإن حرمة الابطال إيجاب للمضي فيها، وهو مسلتزم لصحتها ولو بالاجماع المركب أو عدم القول بالتفكيك بينهما في غير الصوم والحج.
وقد استدل بهذه الاية غير واحد تبعا للشيخ، قدس سره.
وهو لا يخلو عن نظر يتوقف على بيان ما يحتمله الاية الشريفة من المعاني، فنقول: إن حقيقة
[491]
الابطال، بمقضتى رضع باب الافعال، إحداث البطلان في العمل الصحيح وجعله باطلا.
نظير قولك: أقمت زيدا أو أجلسته أو أغنيته.
والاية بهذا المعنى راجعة إلى النهي عن جعل العمل لغوا لا يترتب عليه أثر كالمعدوم، بعد أن لم يكن كذلك.
فالابطال هنا نظير [ الابطا في ] قوله تعالى: (لا تبطلوا صدقاتكم بالمن والاذى)(1)، بناء على أن النهي عن تعقيبها بهما، بشهادة قوله تعالى: (ثم لا يتبعون ما أنفقوا منا ولا أذى)(2)، الاية.
الثاني: أن يراد به إيجاد العمل على وجه باطل.
من قبيل قوله: (ضيق فم الركية)، يعني أحدثه ضيقا.
لا أحدث فيه الضيق بعد السعة.
والاية بهذا المعنى نهي عن إتيان الاعمال مقارنة للوجوه المانعة عن صحتها أو فاقدة للامور المقتضية للصحة.
والنهي عن هذين الوجهين ظاهره الارشاد، إذ لا يترتب على إحداث البطلن في العمل أو إيجاده باطلا عدا فوت مصلحة العمل الصحيح.
الثالث: أن يراد من إبطال العمل قطعه ورفع اليد عنه، كقطع الصلاة والصوم والحج، وقد إشتهر التمسك بحرمة قطع العمل بها.
ويمكن إرجاع هذا إلى المعنى الاول، بأ، يراد من الاعمال ما يعم الجزء المتقدم من العمل، لانه أيضا عمل لغة، وقد وجد على وجه قابل لترتب الاثر وصيرورته جزءا فعليا للمركب، فلا يجوز جعله باطلا ساقطا عن قابلية كونه جزءا فعليا.
فجعل هذا المعنى مغايرا للاول مبني على كون المراد من العمل مجموع المركب الذي وقع الابطال في أثنائه.
وكيف كان فالمعنى الاول أظهر، لكونه المعنى.
الحقيقي، ولموافقته لمعنى الابطال في الاية الاخرى المتقدمة ومناسبته لما قبله من قوله تعالى: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)(3)، فإن تعقيب إطاعة الله وإطاعة الرسول بالنهي عن الابطال يناسب الاحباط، لا إتيان العمل على الوجه الباطل، لانها مخالفة لله والرسول.
هذا كله معه ظهور الاية في حرمة إبطال الجميع فيناسب الاحباط بمثل الكفر، لا إبطال شئ من الاعمال الذي هو المطلب.
ويشهد لما ذكرنا - مضافا إلى ما ذكرنا ما ورد من تفسير الاية بالمعنى الاول: فعن الامالي وثواب الاعمال عن الباقر، عليه السلام، قال: (قال رسول الله صلى الله عليه وآله: (من قال: سبحان الله، غرس له الله بها شجرة في الجنة، ومن قال: الحمد لله، غرس الله له بها شجرة في الجنة، ومن قال: لا إله إلا الله، غرس
___________________________________
(1) البقرة: 264.
(2) البقرة: 262.
(3) محمد: 33.
[492]
الله له بها شجرة في الجنة.
فقال له رجل من قريش: إن شجرتنا في الجنة لكثير.(1) قال " ص ": نعم، ولكن إياكم أن ترسلوا إليها نارا فتحرقوها.
إن الله عزوجل يقول: يا أيها الذين أمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا أعمالكم)(2).
هذا إن قلنا بالاحباط مطلقا أو بالنسبة إلى بعض المعاصي.
وإن لم نقل به وطرحنا الخبر، لعدم إعتبار مثله في مثل المسألة، كان المراد في الاية الابطال بالكفر، لان الاحباط به إتفاقي.
وببالي أني وجدت أو سمعت ورود الرواية في تفسير الاية: (ولا تبطلوا أعمالكم) بالشرك.
هذا كله، مع أن إرادة المعنى الثالث الذي يمكن الاستدلال به موجب لتخصيص الاكثر، فإن ما يحرم قطعه من الاعمال بالنسبة إلى ما لا يحرم في غاية القلة.فإذا ثبت ترجيح المعنى الاول.
فإن كان المراد بالاعمال ما يعم بعض العمل المتقدم كان دليلا أيضا على حرمة قطع العمل في الاثناء، إلا أنه لا ينفع فيما نحن فيه.
لان المدعي فيما نحن فيه هو إنقطاع العمل بسبب الزيادة الواقعة، كإنقطاعه بالحدث الواقع فيه لا عن إختيار.
فرفع اليد عنه بعد ذلك لا يعلم كونه قطعا له وإبطالا.فلا معنى لقطع المنقطع وإبطال الباطل.ومما ذكرنا يظهر ضعف.
الاستدلال على الصحة فيما نحن فيه بإستصحاب حرمة القطع لمنع كون رفع اليد بعد وقوع الزيادة قطعا لاحتمال حصول الانقطاع.فلم يثبت في الان اللاحق موضوع القطع، حتى يحكم عليه بالحرمة.
وأضعف منه إستصحاب وجوب إتمام العمل للشك في الزمان اللاحق في القدرة على إتمامه وفي أن مجرد إلحاق باقي الاجزاء إتمام له.
فلعل عدم الزيادة من الشروط والاتيان بما عداه من الاجزاء والشرائط تحصيل لعبض الباقي لا تمامه حتى يصدق إتمام العمل.
ألا ترى أنه إذا شك بعد الفراغ عن الحمد في وجوب السورة وعدمه لم يحكم على إلحاق ما عداها إلى الاجزاء السابقة أنه إتمام العمل.
وربما يجاب عن حرمة الابطال ووجوب الاتمام الثابتين بالاصل بأنهما لا يدلان على صحة العمل، فيجمع بينهما وبين أصالة الاشتغال بوجوب إتمام العمل ثم إعادته، للشك في أن التكليف هو إتمام هذا العمل او عمل آخر مستأنف.
وفيه نظر، فإن البراءة اليقينية على تقدير العمل بإستصحاب وجوب التمام يحصل بالتمام، وأن
___________________________________
(1) ثواب الاعمال، ص 26.
(2) محمد: 33.
[493]
هذا الوجوب يرجع إلى إيجاب امتثال الامر بكلي الصلاة في ضمن هذا الفرد، وعلى تقدير عدم العمل به تحصل بالاعادة من دون الاتمام.
واحتمال وجوبه وحرمة القطع مدفوع بالاصل، لان الشبهة في أصل التكليف الوجوبي أو التحريمي، بل لا إحتياط مستحبا في الاتمام مراعاة لاحتمال وجوبه وحرمة القطع، لانه موجب لالغاء الاحتياط من جهة أخرى، وهي مراعاة نية الوجه التفصيلي في العبادة، فإنه لو قطع العمل المشكوك فيه واستأنفه نوى الوجوب على وجه الجزم.
وإن أتمه ثم أعاد فاتت منه نية الوجوب في ما هو الواجب عليه.
ولا شك أن هذا الاحتياط على تقدير عدم وجوبه أولى من الاحتياط المتقدم، لانه كان الشك فيه في أصل التكليف.
وهذا شك في المكلف به.
والحاصل: أن الفقيه إذا كان مترددا بين الاتمام والاستيناف، فالاولى له الحكم بالقطع، والامر بالاعادة بنية الوجوب.
ثم إن ما ذكرناه من حكم الزيادة وأن مقتضى أصل البراءة عدم مانعيتها إنما هو بالنظر إلى الاصل الاولي، وإلا فقد يقتضي الدليل في خصوص بعض المركبات البطلان، كما في الصلاة، حيث دلت الاخبار المستفيضة على بطلان الفريضة بالزيادة فيها.
مثل قوله صلى الله عليه وآله: (من زاد في صلاته فعليه الاعادة)(1).
وقوله عليه السلام: (وإذا إستيقن أنه زاد في المكتوبة فليستقبل صلاته)(2).
وقوله صلى الله عليه وآله فيما حكي عن تفسير العياشي في من أتم في السفر: (إنه يعيده).
قال: (لانه زاد في فرض الله عزوجل)(3)، دل بعموم التعليل على وجوب الاعادة لكل زيادة في فرض الله عزوجل.
وما ورد في النهي عن قراءة العزيمة في الصلاة من التعليل بقوله عليه السلام: (لان السجود زيادة في المكتوبة)(4).
وما ورد في الطواف: (لانه مثل الصلاة المفروضة في أن الزيادة مبطلة له)(5).
ولبيان معنى الزيادة وأن سجود العزيمة كيف يكون زيادة في المكتوبة مقام آخر، وإن كان ذكره هنا لا يخلو عن مناسبة، إلا أن الاشتغال بالواجب ذكره بمقضتى وضع الرسالة أهم من ذكر ما يناسب.
___________________________________
(1) وسائل الشيعة، ج 5 ص 332.
(2) وسائل الشيعة، ج 5، ص 332، مع تفاوت.
(3) تفسير العياشي، ص 50.
(4) الكافي (الفروع)، ج 3، ص 318.
(5) وسائل الشيعة، ج 9، ص 527.
[494]
المسألة الثالثة في ذكر الزيادة سهوا التي تقدح عمدا
وإلا فما لا يقدح عمدا فسهوها أولى بعدم القدح والكلام هنا كما في النقص نسيانا، لان مرجعه إلى الاختلال بالشرط نسيانا، وقد عرفت أن حكمه البطلان ووجوب الاعادة.
* * *
فثبت من جميع المسائل الثلاث أن الاصل في الجزء أن يكون نقصه مخلا ومفسدا دون زيادته.
نعم لو دل دليل على قدح زيادته عمدا كان مقتضى القاعدة البطلان بها سهوا، إلا أن يدل دليل على خلافه.
مثل قوله عليه السلام: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة)(1)، بناء على شموله لمطلق الاختلال الشامل للزيادة.
وقوله عليه السلام في المرسلة: (تسجد سجدتي السهو لكل زيادة ونقيصة تدخل عليك)(2).
فتلخص من جميع ماذكرنا: أن الاصل الاولي فيما ثبت جزئيته الركنية إن فسر الركن بما يبطل الصلاة بنقصه.
وإن عطف على النقص الزيادة عمدا وسهوا، فالاصل يقتضي التفصيل بين النقص والزيادة عمدا وسهوا.
لكن التفصيل بينهما غير موجود في الصلاة، إذ كل ما تبطل الصلاة بالاخلال به سهوا يبطل بزيادته عمدا وسهوا.
فأصالة البراءه الحاكمة بعدم البأس بالزيادة معارضة، بضميمة عدم الاشتغال الحاكمة ببطلان العبادة بالنقص سهوا.
فإن جوزنا القول بالفصل في الحكم الظاهري الذي يقتضيه الاصول العملية فيما لا فصل فيه من حيث الحكم الواقعي، فيعمل بكل من الاصلين، وإلا فاللازم ترجيح قاعدة الاشتغال على البراءة، كما لا يخفى.
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 1 ص.
(2) تهذيب الاحكام، ج 1، ص الوافي، ج 2، ص 149.
[495]
هذا كله مع قطع النظر عن القواعد الحاكمة على الاصول.
وأما بملاحظتها فمقتضى: (لا تعاد الصلاة إلا من خمسة)، والمرسلة المذكورة، عدم قدح الزيادة والنقص سهوا، ومقتضى عموم أخبار الزيادة المتقدمة قدح الزيادة عمدا وسهوا.
وبينهما تعارض العموم من وجه في الزيادة السهوية، بناء على إختصاص (لا تعاد) بالسهو.
والظاهر حكومة قوله (لا تعاد) على أخبار الزيادة، لانها كأدلة سائر ما يخل فعله أو تركه بالصلاة، كالحدث والتكلم وترك الفاتحة.
وقوله: (لا تعاد) يفيد أن الاخلال بما دل الدليل على عدم جواز الاخلال به إذا وقع سهوا لا يوجب الاعادة إن كان من حقه أن يوجبها.
والحاصل: أن هذه الصحيحة مسوقة لبيان عدم قدح الاخلال سهوا بما ثبت قدح الاخلال به في الجملة.
ثم لو دل دليل على قدح الاخلال بشئ سهوا كان أخص من الصحيحة إن إختصت بالنسيان وعممت بالزيادة والنقصان.والظاهر أن بعض أدلة الزيادة مختصة بالسهو.
مثل قوله: (إذا إستيقن أنه زاد في المكتوبة إستقبل الصلاة).
___________________________________
(1) وسائل الشيعة، ج 5، ص 332.
[496]
الامر الثاني إذا ثبت جزئية شئ أو شرطيته في الجملة، فهل يقتضي الاصل جزئيته وشرطيته المطلقتين حتى إذا تعذر سقط التكليف بالكل أو المشروط أو إختصاص إعتبارها بحال التمكن.فلو تعذر لم يسقط التكليف؟ وجهان بل قولان.
للاول: أصالة من الفاقد وعدم ما يصلح لاثبات التكليف، كما سنبين.
ولا يعارضها إستصحاب وجوب الباقي، لان وجوبه كان مقدمة لوجوب الكل فينتفي بإنتفائه، وثبوت الوجوب النفسي له مفروض الانتفاء.
نعم إذا ورد الامر بالصلاة مثلا وقلنا بكونها إسما للاعم كان ما دل على إعتبار الاجزاء الغير المقومة فيه من قبيل التقييد.
فإذا لم يكن للمقيد إطلاق بأن قام الاجماع على جزئيته في الجملة أو على وجوب المركب من هذا الجزء في حق القادر عليه، كان القادر المتيقن منه ثبوت مضمونه بالنسبة إلى القادر.
أما العاجز فيبقى إطلاق الصلاة بالنسبة إليه سليما عن القيد.ومثل ذلك الكلام في الشروط.
نعم لو ثبت الجزء والشرط بنفس الامر بالكل والمشروط، كما لو قلنا بكون الالفاظ أسامي للصحيح، لزم من إنتفائهما إنتفاء الامر ولا أمر آخر بالعاري عن المفقود.
وكذلك لو ثبت أجزاء المركب من أوامر متعددة، فإن كلا منها أمر غيري إذا إرتفع بسبب العجز إرتفع الامر بذي المقدمة أعني الكل فينحصر الحكم بعدم سقوط الباقي في الفرض الاول كما ذكرنا.
ولا يلزم فيه من ذلك إستعمال لفظ المطلق في المعنيين.
أعني المجرد عن ذلك الجزء بالنسبة إلى العاجز، والمشتمل على ذلك الجزء بالنسبة إلى القادر، لان المطلق، كما بين في موضعه، موضوع للماهية المهملة الصادقة على المجرد عن القيد والمقيد.كيف ولو كان كذلك كان كثير من المطلقات مستعملا كذلك.فإن الخطاب
[497]
الوارد بالصلاة قد خوطب به جميع المكلفين الموجودين أو مطلقا، مع كونهم مختلفين في التمكن من الماء وعدمه في الحضر والسفر والصحة والمرض وغير ذلك.
وكذا غير الصلاة من الواجبات.
وللقول الثاني: إستصحاب وجوب الباقي إذا كان المكلف مسبوقا بالقدرة، بناء على أن المستصحب هو مطلق الوجوب، بمعنى لزوم الفعل، من غير إلتفات إلى كونه لنفسه أو لغيره، أو الوجوب النفسي المعلق بالموضوع الاعم من الجامع لجميع الاجزاء والفاقد لبعضها، ودعوى صدق الموضوع عرفا على هذا المعنى الاعم الموجود في اللاحق ولو مسامحة، فإن أهل العرف يطلقون على من عجز عن السورة بعد قدرته عليها أن الصلاة كانت واجبة عليه حال القدرة على السوره، ولا يعلم بقاء وجوبها بعد العجز عنها، ولو لم يكف هذا المقدار في الاستصحاب لاختل جريانه في كثير من الاستصحابات: مثل إستصحاب كثرة الماء وقلته، فإن الماء المعين الذي أخذ بعضه أو زيد عليه يقال إنه كان كثيرا أو قليلا، والاصل بقاء ما كان، مع أن هذا الماء الموجود لم يكن متيقن الكثرة أو القلة، وإلا لم يعقل الشك فيه.
فليس الموضوع فيه إلا هذا الماء مسامحة في مدخلية الجزء الناقص أو الزائد في المشار إليه.
ولذا يقال في العرف: هذا الماء كان كذا وشك في صيرورته كذا من غير ملاحظه زيادته ونقيصه.
ويدل على المطلب أيضا النبوي والعلويان المرويان في عوالي اللئالي.
فعن النبي صلى الله عليه وآله: (إذا أمرتكم بشئ فأتوا منه ما استطعتم)(1).
وعن علي عليه السلام: (الميسور لا يسقط بالمعسور)(2).
وما (ما لا يدرك كله لا يترك كله)(3).
وضعف إسنادها مجبور بإشتهار التمسك بها بين الاصحاب في أبواب العبادات، كما لا يخفى على المتتبع.
نعم قد يناقش في دلالتها: أما الاولى، فلاحتمال كون (من) بمعنى الباء أو بيانيا، و (ما) مصدرية زمانية.
وفيه: أن كون (من) بمعنى الباء مطلقا وبيانية في خصوص المقام مخالف للظاهر بعيد، كما لا يخفى على العارف بأساليب الكلام.
والعجب معارضة هذا الظاهر بلزوم تقييد الشئ بناء على المعنى المشهور بما كان له أجزاء حتى يصح الامر بإتيان ما أستطيع منه ثم تقييده بصورة تعذر إتيان جميعه، ثم إرتكاب التخصيص فيه بإخراج ما لا يجري فيه هذه القاعدة إتفاقا، كما في كثير
___________________________________
(1) عوالي اللئالي، ج 4، ص 58.
(2) عوالي اللئالي، ج 4، ص 58.
(3) عوالي اللئالي، ج 4، ص 58.
[498]
من المواضع، إذ لا يخفى أن التقييدين الاولين يستفادان من قوله: (فأتوا منه)، إلخ، وظهوره حاكم عليهما.
نعم، إخراج كثير من الموارد لازم ولا بأس به في مقابل ذلك المجاز البعيد.
والحاصل أن المناقشة في ظهور الرواية، من إعوجاج الطريقة في فهم الخطابات العرفية.
وأما الثانية، فلما قيل من أن معناه أن الحكم الثابت للميسور لا يسقط بسبب سقوط المعسور.ولا كلام في ذلك.
لان سقوط حكم شئ لا يوجب بنفسه سقوط الحكم الثابت للاخر.
[ فتحمل الرواية على دفع توهم السقوط في الاحكام المستقلة التي يجمعها دليل واحد، كما في أكرم العلماء.
] وفيه: أولا، أن عدم السقوط محمول على نفس الميسور لا على حكمه.
فالمراد به عدم سقوط الفعل الميسور بسبب سقوط المعسور، يعني أن الفعل الميسور إذ لم يسقط عند عدم تعسر شئ فلا يسقط بسبب تعسره.وبعبارة أخرى ما وجب عند التمكن من شئ آخر فلا يسقط عند تعذره.
وهذا الكلام إنما يقال في مقام يكون إرتباط وجوب الشئ بالتمكن من ذلك الشئ الاخر محققا ثابتا من دليله، كما في الامر بالكل، أو متوهما كما في الامر بما له عموم أفرادي.
وثانيا، أن ما ذكر من عدم سقوط الحكم الثابت للميسور بسبب سقوط الحكم الثابت للمعسور، كاف في إثبات المطلوب، بناء على ما ذكرنا في توجيه الاستصحاب، من أن اهل العرف يتسامحون فيعبرون عن وجوب باقي الاجزاء بعد تعذر غيرها من الاجزاء ببقاء وجوبها، وعن عدم وجوبها بإرتفاع وجوبها وسقوطه، لعدم مداقتهم في كون الوجوب الثابت سابقا غيريا.
وهذا الوجوب الذي يتكلم في ثبوته وعدمه نفسي، فلا يصدق على ثبوته البقاء ولا على عدمه السقوط والارتفاع.
فكما يصدق هذا الرواية لو شك بعد ورود الامر باكرام العلماء بالاستغراق الافرادي في ثبوت حكم إكرام البعض الممكن الاكرام وسقوطه بسقوط حكم إكرام من يتعذر إكرامه، كذلك يصدق لو شك بعد الامر بالمركب في وجوب [ باقي ] الاجزاء بعد تعذر بعضه، كما لا يخفى.
[ وبمثل ذلك يقال في دفع دعوى جريان الايراد المذكور على تقدير تعلق السقوط بنفس الميسور لا بحكمه، بان يقال: إن سقوط المقدمة لما كان لازما لسقوط فيها فالحكم بعدم الملازمة في الخبر لا بد أن يحمل على الافعال المستقلة في الوجوب، لدفع توهم السقوط الناشي عن إيجابها بخطاب واحد.].
وأما الثالثة، فبما قيل، من أن جملة (لا يترك خبرية لا تفيد إلا الرجحان، مع أنه لو أريد منها الحرمة لزم مخالفة الظاهر فيها، إما بحمل الجملة على مطلق المرجوحية أو إخراج المندوبات، ولا رجحان للتخصيص.
مع أنه قد يمنع كون الجملة إنشاء، لا مكان كونه إخبارا عن طريقة الناس وأنهم لا يتركون الشئ بمجرد عدم إدراك بعضه، مع إحتمال كون لفظ الكل للعموم الافرادي،
[499]
لعدم ثبوت كونه حقيقة في الكل المجموعي، ولا مشتركا معنويا بينه وبين الافرادي.
فلعله مشترك لفظي أو حقيقة خاصة في الافراي، فيدل على أن الحكم الثابت لموضوع عام بالعموم الافرادي إذا لم يمكن الاتيان به على وجه العموم لا يترك موافقته في ما أمكن من الافراد.
ويرد على [ الاول ] ظهور الجملة في الانشاء الالزامي، كما ثبت في محله، مع أنه إذا ثبت الرجحان في الواجبات ثبت الوجوب، لعدم القول بالفصل في المسألة الفرعية.
وأما دوران الامر بين تخصيص الموصول والتجوز في الجملة، فممنوع، لان المراد بالموصول في نفسه ليس هو العموم قطعا، لشموله للافعال المباحة، بل المحرمة، فكما يتعين حمله على الافعال الراجحة بقرينة قوله (لا يترك)، كذلك حمله على الواجبات بنفس هذه القرينة، الظاهرة في الوجوب.
وأما إحتمال كونه إخبارا عن طريقة الناس، فمدفوع بلزوم الكذب أو إخراج أكثر وقائعهم.
وأما إحتمال كون لفظ الكل للعموم الافرادي، فلا وجه له، لان المراد بالموصول هو فعل المكلف.وكله عبارة عن مجموعه.
نعم لو قام قرينة على إرادة المتعدد من الموصول بأن أريد أن الافعال التي لا يدرك كلها، كإكرام زيد وإكرام عمرو وإكرام بكر، لا يترك كلها كان لما احتمله وجه.
لكن لفظ الكل حينئذ أيضا مجموعي لا إفرادي، إذ لو حمل على الافرادي كان المراد: (ما لا يدرك شئ منها لا يترك شئ منها)، ولا معنى له، فما إرتكبه في إحتمال العموم الافرادي مما لا ينبغي له، لم ينفعه في شئ.
فثبت مما ذكرنا: أن مقتضى الانصاف تمامية الاستدلال بهذه الروايات.
ولذا شاع بين العلماء بل جميع الناس الاستدلال بها في المطالب، حتى أنه يعرفه العوام بل النسوان والاطفال.
ثم إن الرواية الاولى والثالثة وإن كانتا ظاهرتين في الواجبات إلا أنه يعلم جريانها في المستحبات بتنقيح المناط العرفي مع كفاية الرواية الثانية في ذلك.
وأما الكلام في المشروط فنقول: إن الاصل فيها ما مر في الاجزاء من كون دليل الشرط إذا لم يكن فيه إطلاق عام بصورة التعذر وكان لدليل المشروط إطلاق، فاللازم الاقتصار في التقييد على حصول التمكن من الشرط.
[500]
وأما القاعدة المستفادة من الروايات المتقدمة، فالظاهر عدم جريانها.
أما الاولى والثالثة، فإختصاصهما بالمركب الخارجي واضح.
وأما الثانية، فلاختصاصهما، كما عرفت سابقا، بالميسور الذي كان له مقتض للثبوت حتى ينفي كون المعسور سببا لسقوطه.
ومن المعلوم أن العمل الفاقد للشرط، كالرقبة الكافرة مثلا، لم يكن المقتضي للثبوت فيه موجودا حتى لا يسقط بتعسر الشرط، وهو الايمان، هذا.
ولكن الانصاف جريانها في بعض الشروط التي يحكم العرف، ولو مسامحة بإتحاد المشروط الفاقد لها مع الواجد لها.
ألا ترى أن الصلاة المشروطة بالقبلة أو الستر أو الطهارة إذ لم يكن فيها هذه الشروط كانت عند العرف هي التي فيها هذه الشروط.فإذا تعذر أحد هذه صدق الميسور على الفاقد لها.ولولا هذه المسامحة لم يجر الاستصحاب بالتقرير المتقدم.
نعم لو كان بين واجد الشرط وفاقده تغاير كلي في العرف، نظير الرقبة الكافرة بالنسبة إلى المؤمنة، أو الحيوان الناهق بالنسبة إلى الناطق، وكذا ماء غير الرمان بالنسبة إلى ماء الرمان، لم تجر القاعدة المذكورة.
ومما ذكرنا يظهر ما في كلام صاحب الرياض، حيث بنى وجوب غسل الميت بالماء القراح، بدل ماء السدر، على أن ليس الموجود في الرواية الامر بالغسل بماء السدر على وجه التقييد، وإنما الموجود: (وليكن في الماء شئ من السدر)(1).
توضيح ما فيه: أنه لا فرق بين العبارتين، فإنه إن جعلنا ماء السدر من القيد والمقيد، كان قوله (وليكن فيه شئ من السدر) كذلك، وإن كان من إضافة الشئ إلى بعض أجزائه كان الحكم فيهما واحدا.
ودعوى: (أنه من المقيد، لكن لما كان الامر الوارد بالمقيد مستقلا فيختص بحال التمكن ويسقط حال الضرورة ويبقى المطلقات غير مقيدة بالنسبة إلى الفاقد)، مدفوعة: بأن الامر في هذا المقيد للارشاد وبيان الاشتراط فلا يسقط بالتعذر، وليس مسوقا لبيان التكليف، إذ التكليف المتصور هنا هو التكليف المقدمي، [ لان جعل السدر في الماء مقدمة للغسل بماء السدر المفروض فيه عدم التركيب الخارجي، لا جزء خارجي له حتى يسقط عنه التعذر.] وتقييده بحال التمكن ناش من تقييد وجوب ذيها، فلا معنى لاطلاق أحدهما وتقييد الاخر، كما لا يخفى على المتأمل.
___________________________________
(1) الكافي (الفروع)، ج 3، ص 139.
(اغسله بماء وسدر).
[501]
ويمكن أن يستدل على عدم سقوط المشروط بتعذر شرطه برواية عبدالاعلى مولى آل سام، قال: (قلت لابي عبدالله عليه السلام: عثرت فانقطع ظفري فجعلت على إصبعي مرارة، فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزوجل: (ما جعل عليكم في الدين من حرج)، إمسح عليه)(1).
فإن معرفة حكم المسألة، أعني المسح على المرارة من آية نفي الحرج، متوقفة على كون تعسر الشرط غير موجب لسقوط المشروط، بأن يكون المنفي بسبب الحرج مباشرة اليد الماسحة للرجل الممسوحة، ولا ينتفي بإنتفائه أصل المسح المستفاد وجوبه من آية الوضوء، إذ لو كان سقوط المعسور، وهي المباشرة، موجبا لسقوط أصل المسح، لم يمكن معرفة وجوب المسح على المرارة من مجرد نفي الحرج، لان نفي الحرج يدل على سقوط المسح في هذا الوضوء رأسا، فيحتاج وجوب المسح على المرارة إلى دليل خاص.
فرعان الاول: لو دار الامر بين ترك الجزء وترك الشرط كما في ما إذا لم يتمكن من الاتيان بزيارة عاشوراء بجميع أجزائها في مجلس واحد، على القول بإشتراط إتحاد المجلس فيها فالظاهر تقديم ترك الشرط، فيأتي بالاجزاء تامة في غير المجلس، لان فوات الوصف أولى من فوت الموصوف، ويحتمل التخيير.
الثاني: لو جعل الشارع للكل بدلا إضطراريا، كالتيمم ففي تقديمه على الناقص وجهان، من أن مقتضى البدلية كونه بدلا عن التام فيقدم على الناقص كالمبدل، ومن أن الناقص حال الاضطرار تام، لانتفاء جزئية المفقود، فيقدم على البدل كالتام ويدل عليه رواية عبدالاعلى المتقدمة.
___________________________________
(1) الكافي (الفروع)، ج 3، ص 33 تهذيب الاحكام، ج 1، ص 363، ح 1097.
[502]
الامر الثالث لو دار الامر بين الشرطية والجزئية، فليس في المقام أصل كلى يتعين به أحدهما، فلا بد من ملاحظة كل حكم يترتب على أحدهما وأنه موافق للاصل أو مخالف.
الامر الرابع لو دار الامر بين كون الشئ شرطا أو مانعا أو بين كونه جزءا أو كونه زيادة مبطلة، ففي التخيير هنا، لانه من دوران الامر في ذلك الشئ بين الوجوب والتحريم أو وجوب الاحتياط بتكرار العبادة وفعلها مرة مع ذلك الشئ وأخرى بدونه، وجهان.
مثاله الجهر بالقراءة في ظهر الجمعة حيث قيل بوجوبه وقيل بوجوب الاخفات وإبطال الجهر، وكالجهر بالبسملة في الركعتين الاخيرتين، وكتدارك الحمد عند الشك فيه بعد الدخول في السورة.
فقد يرجح الاول: أما، بناء على ما اخترناه، من أصالة البراءة مع الشك في الشرطية و الجزئية، فلان المانع من إجراء البراءة عن اللزوم الغيري في كل من الفعل والترك، ليس إلا لزوم المخالفة القطعية.
وهي غير قادحة، لانها لا تتعلق بالعمل، لان واحدا من فعل ذلك الشئ و تركه ضروري مع العبادة، فلا يلزم من العمل بالاصل في كليهما معصية متيقنة.كما كان يلزم في طرح المتبائنين كالظهر والجمعة.
وبتقرير آخر: إذا أتى بالعبادة مع واحد منهما قبح العقاب من جهة إعتبار الاخر في الواقع لو كان معتبرا، لعدم الدليل عليه وقبح المؤاخذة من دون بيان.فالاجزاء المعلومة مما يعلم كون تركها منشأ للعقاب.وأما هذا المردد بين الفعل والترك فلا يصح إستناد العقاب إليه لعدم لعلم به.
وتركهما جميعا غير ممكن، حتى يقال: إن العقاب على تركهما معا ثابت، فلا وجه لنفيه عن كل منهما.
[503]
وأما بناء على وجوب الاحتياط عند الشك في الشرطية والجزئية، فلان وجوب الاحتياط فرع بقاء وجوب الشرط الواقعي المردد بين الفعل والترك، وإيجابه مع الجهل مستلزم لالقاء شرطية الجزم بالنية واقتران الواجب الواقعي بنية الاطاعة به بالخصوص مع التمكن، فيدور الامر بين مراعاة ذلك الشرط المردد وبين مراعاة شرط الجزم بالنية.
وبالجملة، فعدم وجوب الاحتياط في المقام [ يكون ] لمنع إعتبار ذلك الامر المردد بين الفعل والترك في العبادة واقعا في المقام.
نظير القول بعدم وجوب الاحتياط بالصلاة مع إشتباه القبلة، لمنع شرطية الاستقبال مع الجهل، لا لعدم وجوب الاحتياط في الشك في المكلف به.
وقد يرجح الثاني، وإن قلنا بعدم وجوبه في الشك في الشرطية والجزئية، لان مرجع الشك هنا إلى المتبائنين، لمنع جريان أدلة نفي الجزئية والشرطية عند الشك في المقام من العقل والنقل.
وما ذكر من (أن إيجاب الامر الواقعي المردد بين الفعل والترك مستلزم لالغاء الجزم بالنية) مدفوع بإلتزام ذلك، ولا ضير فيه.
ولذا وجب تكرار الصلاة في الثوبين المشتبهين، وإلى الجهات الاربع، وتكرار الوضوء بالمائين عند إشتباه المطلق والمضاف مع وجودهما، والجمع بين الوضوء والتيمم إذا فقد أحدهما، مع أن ما ذكرنا في نفي كل من الشرطية والمانعية بالاصل إنما يستقيم لو كان كل من الفعل والترك توصليا على تقدير الاعتبار، وإلا فيلزم من العمل بالاصلين مخالفة عملية، كما لا يخفى.
والتحقيق أنه إن قلنا بعدم وجوب الاحتياط في الشك في الشرطية والجزئية وعدم حرمة المخالفة القطعية للواقع إذ لم تكن عملية، فالاقوى التخيير هنا وإلا تعين الجمع بتكرار العبادة، ووجهه يظهر مما ذكرنا.
* * *
المطلب الثالث في إشتباه الواجب بالحرام
بأن يعلم أن أحد الفعلين واجب والاخر محرم واشتبه أحدهما بالاخر.
وأما لو علم أن واحدا من الفعل والترك واجب والاخر محرم، فهو خارج عن هذا المطلب.
لانه من دوران الامر بين الوجوب والحرمة الذي تقدم حكمه في (المطلب الثالث) من مطالب الشك في التكليف.
والحكم فيما نحن فيه وجوب الاتيان بأحدهما وترك الاخر مخيرا في ذلك لان الموافقة الاحتمالية في كلا التكليفين أولى من الموافقة القطعية في أحدهما مع المخالفة القطعية في الاخر.
ومنشأ ذلك أن الاحتياط لدفع الضرر المحتمل لا يحسن بإرتكاب الضرر المقطوع، والله العالم.
خاتمة فيما يعتبر في العمل بالاصل
والكلام، تارة في الاحتياط، وأخرى في البراءة أما الاحتياط فالظاهر أنه لا يعتبر في العمل به أمر زائد على تحقق موضوعه، ويكفي في موضوعه إحراز الواقع المشكوك فيه به ولو كان على خلافه دليل إجتهادي بالنسبة إليه، فإن قيام الخبر الصحيح على عدم وجوب شئ لا يمنع من الاحتياط فيه، لعموم أدلة رجحان الاحتياط، غاية الامر عدم وجوب الاحتياط وهذا مما لا خلاف فيه ولا إشكال.
إنما الكلام يقع في بعض الموارد من جهة تحقق موضوع الاحتياط وإحراز الواقع، كما في العبادات المتوقفة صحتها على نية الوجه، فإن المشهور أن الاحتياط فيها غير متحقق إلا بعد فحص المجتهد عن الطرق الشرعية المثبتة لوجه الفعل وعدم عثوره على طريق منها، لان نية الوجه حينئذ ساقطة قطعا.
فإذا شك في وجوب غسل الجمعة وإستحبابه أو في وجوب السورة وإستحبابها، فلا يصح له الاحتياط بإتيان الفعل قبل الفحص عن الطرق الشرعية، لانه لا يتمكن من الفعل بنية الوجه.
والفعل بدونها غير مجد، بناء على إعتبار نية الوجه لفقد الشرط، فلا يتحقق قبل الفحص إحراز الواقع.
فإذا تفحص: فإن عثر على دليل الوجوب أو الاستحباب أتي بالفعل ناويا لوجوبه أو إستحبابه، وإن لم يعثر عليه فله أن يعمل بالاحتياط، لان المفروض سقوط نية الوجه، لعدم تمكنه منها.
وكذا لا يجوز للمقلد الاحتياط قبل الفحص عن مذهب مجتهده، نعم يجوز له بعد الفحص.
ومن هنا إشتهر بين أصحابنا: (أن عبادة تارك طريقي الاجتهاد والتقليد غير صحيحة إن علم إجمالا بمطابقتها للواقع، بل يجب أخذ أحكام العبادات عن إجتهاد أو تقليد).
[507]
ثم إن هذه المسألة، أعنى بطلان عبادة تارك الطريقين، يقع الكلام فيها في مقامين، لان العامل التارك في عمله لطريقي الاجتهاد والتقليد، إما أن يكون حين العمل بانيا على الاحتياط وإحراز الواقع، وإما أن لا يكون كذلك.
فالمتعلق بما نحن فيه هو الاول، وأما الثاني فسيجئ الكلام فيه في شروط البراءة.
فنقول: إن الجاهل التارك للطريقين الباقي على الاحتياط على قسمين، لان إحرازه للواقع تارة لا يحتاج إلى تكرار العمل، كالاتي بالسورة في صلاته إحتياطا وغير ذلك من موارد الشك في الشرطية والجزئية، وأخرى يحتاج إلى التكرار، كما في المتبائنين، كالجاهل بوجوب القصر والاتمام في مسيرة أربع فراسخ والجاهل بوجوب الظهر أو الجمعة عليه.
أما الاول، فالاقوى فيه الصحة، بناء على عدم إعتبار نية الوجه في العمل.
والكلام في ذلك قد حررناه في (الفقه) في نية الوضوء.
نعم لو شك في إعتبارها ولم يقلم دليل معتبر من شرع أو عرف حاكم بتحقق الاطاعة بدونها، كان مقتضي الاحتياط اللازم الحكم بعدم الاكتفاء بعبادة الجاهل، حتى على المختار من إجراء البراءة في الشك في الشرطية.
لان هذا الشرط ليس على حد سائر الشروط المأخوذة في المأمور به الواقعة في حيز الامر، حتى إذا شك تعلق الالزام به من الشارع حكم العقل بقبح المؤاخذة المسببة عن تركه والنقل بكونه مرفوعا عن المكلف، بل هو على تقدير إعتباره شرط لتحقق الاطاعة وسقوط المأمور به وخروج المكلف عن العهدة.
ومن المعلوم أن مع الشك في ذلك لا بد من الاحتياط وإتيان المأمور به على وجه يقطع معه بالخروج عن العهدة.
وبالجملة، فحكم الشك في تحقق الاطاعة والخروج عن العهدة بدون الشئ غير حكم الشك في أن أمر المولى متعلق بنفس الفعل لا بشرط أو به بشرط كذا.
والمختار في الثاني البراءة والمتعين في الاول الاحتياط.
لكن الانصاف: أن الشك في تحقق الاطاعة بدون نية الوجه غير متحقق، لقطع العرف بتحققها وعدهم الاتى بالمأمور به بنية الوجه الثابت عليه في الواقع مطيعا وإن لم يعرفه تفصيلاء، بل لا بأس بالاتيان به بقصد القربة المشتركة بين الوجوب والندب من غير أن يقصد الوجه الواقعي المعلوم للفعل إجمالا.
وتفصيل ذلك في (الفقه).
إلا أن الاحوط عدم إكتفاء الجاهل عن الاجتهاد أو التقليد بالاحتياط، لشهرة القول بذلك بين الاصحاب ونقل غير واحد إتفاق المتكلمين على وجوب إتيان الواجب والمندوب لوجوبه أو ندبه
[508]
أو لوجههما.
ونقل السيد الرضي، قدس سره، إجماع أصحابنا على بطلان صلاة من صلى صلاة لا يعلم أحكامها، وتقرير أخيه الاجل علم الهدى، قدس سره، له على ذلك في مسألة الجاهل بالقصر.
بل يمكن أن يجعل هذان الاتفاقان المحكيان من أهل المعقول والمنقول المعتضدان بالشهرة العظيمة دليلا في المسألة فضلا عن كونهما منشأ للشك الملزم للاحتياط، كما ذكرنا.
وأما الثاني، وهو ما يتوقف الاحتياط فيه على تكرار العبادة، فقد يقوى في النظر أيضا جواز ترك الطريقين فيه إلى الاحتياط بتكرار العبادة، بناء على عدم إعتبار نية الوجه.
لكن الانصاف عدم العلم بكفاية هذا النحو من الاطاعة الاحتمالية وقوة إحتمال إعتبار الاطاعة التفصيلية في العبادة بأن يعلم المكلف حين الاشتغال بما يجب عليه أنه هو الواجب عليه.
ولذا يعد تكرار العبادة لاحراز الواقع مع التمكن من العلم التفصيلي به أجنبيا عن سيرة المتشرعة، بل من أتى بصلوات غير محصورة لاحراز شروط صلاة واحدة بأن صلى في موضع تردد فيه القبلة بين أربع جهات في خمسة أثواب، أحدها طاهر، ساجدا على خمسة أشياء: أحدها ما يصح السجود عليه، مائة صلاة مع التمكن من صلاة واحدة يعلم فيها تفصيلا إجتماع الشروط الثلاثة يعد في الشرع والعرف لاعبا بأمر المولى.
والفرق بين الصلاة الكثيرة وصلاتين لا يرجع إلى محصل.
نعم لو كان ممن لا يتمكن من العلم التفصيلي، كان ذلك منه محمودا مشكورا.
وببالي أن صاحب الحدائق، قدس سره، قد يظهر منه دعوى الاتفاق على عدم مشروعية التكرار مع التمكن من العلم التفصيلي.
ولقد بالغ الحلي في السرائر حتى اسقط إعتبار الشرط المجهول تفصيلا ولم يجوز التكرار المحرز له، فأوجب الصلاة عاريا على من عنده ثوبان مشتبهان ولم يجوز تكرار الصلاة فيها مع ورود النص به، لكن من طريق الآحاد، مستندا في ذلك إلى وجوب مقارنة الفعل الواجب لوجهه.
وكما لا يجوز الدخول في العمل بانيا على إحراز الواقع بالتكرار، وكذا لا يجوز بانيا على الفحص بعد الفراغ، فإن طابق الواقع وإلا أعاده.
ولو دخل في العبادة بنية الجزم، ثم إتفق له ما يوجب تردده في الصحة ووجوب الاتمام وفي البطلان ووجوب الاستيناف، ففي جواز الاتمام بانيا على الفحص بعد الفراغ والاعادة مع المخالفة وعدمه وجهان: من إشتراط العلم بالصحة حين العمل كما ذكرنا، ولذا لم يجوز هذا من أول الامر.
[509]
وبعبارة أخرى الجزم بالنية معتبر في الاستدامة كالابتداء، ومن أن المضي في العمل ولو مترددا بانيا على إستكشاف حاله بعد الفراغ، محافظة على عدم إبطال العمل المحتمل حرمته واقعا على تقدير صحته، ليس بأدون من الاطاعة التفصيلية ولا يأباه العرف ولا سيرة المشترعة.
وبالجملة فما اعتمد عليه في عدم جواز الدخول في العمل مترددا من السيرة العرفية والشرعية غير جار في المقام.
ويمكن التفصيل بين كون الحادث الموجب للتردد في الصحة مما وجب على المكلف تعلم حكمه قبل الدخول في الصلاة لعموم البلوى، كأحكام الخلل الشائع وقوعها وإبتلاء المكلف بها.
فلا يجوز لتارك معرفتها إذا حصل له التردد في الاثناء المضي والبناء على الاستكشاف بعد الفراغ، لان التردد حصل من سوء إختياره.
فهو في مقام الاطاعة كالداخل في العمل مترددا، وبين كونه مما لا يتفق إلا نادرا.ولاجل ذلك لا يجب تعلم حكمه قبل الدخول للوثوق بعدم الابتلاء غالبا.فيجوز هنا المضي في العمل على الوجه المذكور.هذا بعض الكلام في الاحتياط.
[510]
وأما البراءة فإن كان الشك الموجب للرجوع إليها من جهة الشبهة في الموضوع، فقد تقدم أنها غير مشروطة بالفحص عن الدليل المزيل لها، وإن كان من جهة الشبهة في الحكم الشرعي، فالتحقيق أن ليس لها إلا شرط واحد، وهو الفحص عن الادلة الشرعية.والكلام يقع تارة في اصل الفحص وأخرى في مقداره.
أما وجوب أصل الفحص وحاصله عدم معذورية الجاهل المقصر في التعلم فيدل عليه وجوه:
الاول: الاجماع القطعي على عدم جواز العمل بأصل البراءه قبل إستفراغ الوسع في الادلة.
الثاني: الادلة الدالة على وجوب تحصيل العلم، مثل آيتي النفر للتفقه وسؤال أهل الذكر والاخبار الدالة على وجوب تحصيل العلم وتحصيل التفقه والذم على ترك السؤال.
الثالث: ما دل على مؤاخذة الجهال بفعل المعاصي المجهولة المستلزم لوجوب تحصيل العلم، لحكم العقل بوجوب التحرز عن مضرة العقاب.
مثل قوله صلى الله عليه وآله، فيمن غسل مجدورا أصابته جنابة، فكز، فمات: (قتلوه، قتلهم الله.
ألا سألوا، ألا يمموه)(1).
وقوله صلى الله عليه وآله لمن أطال الجلوس في بيت الخلاء لاستماع الغناء: (ما كان اسوء حالك لو مت على هذه الحالة)(2)، ثم أمره بالتوبة وغسلها.
___________________________________
(1) الكافي (الفروع)، ج 3، ص 68.
(2) مستدرك الوسائل، ج 2 ص 459.
[511]
وما ورد في تفسير قوله تعالى: (فلله الحجة البالغة) من أنه: (يقال للعبد يوم القيامة: (هل علمت.
فإن قال: نعم، قيل: فهلا عملت.
وإن قال لا، قيل له: هلا تعلمت حتى تعمل)(1).
وما رواه القمي في تفسير قوله تعالى: (الذين تتوفهم الملائكة ظالمي أنفسهم): (نزلت فيمن اعتزل عن أمير المؤمنين عليه السلام ولم يقاتل معه.
(قالوا فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض) أي لم نعلم من الحق فقال الله تعالى: (ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها)، أي دين الله وكتابه واضحا متسعا، فتنظروا فيه، فترشدوا وتهتدوا به سبيل الحق)(2).
الرابع: أن العقل لا يعذر الجاهل القادر على الاستعلام في المقام الذي نظيره في العرفيات ما إذا ورد من يدعي الرسالة من المولى وأتى بطومار يدعي أن الناظر فيه يطلع على صدق دعويه أو كذبها، فتأمل.
والنقل الدال على البراءة في الشبهة الحكمية معارض بما تقدم من الاخبار الدالة على وجوب الاحتياط حتى يسأل عن الواقعة.
كما في صحيحة عبدالرحمن المتقدمة، وما دل على وجوب التوقف بناء على الجمع بينها وبين أدلة البراءه بحملها على صورة التمكن من إزالة الشبهة.
الخامس: حصول العلم الاجمالي لكل أحد قبل الاخذ في إستعلام المسائل بوجود واجبات ومحرمات كثيرة في الشريعة ومعه لا يصح التمسك بأصل البراءة، لما تقدم من أن مجراه للشك في أصل التكليف لا في المكلف به مع العلم بالتكليف.
فإن قلت: إذا علم المكلف تفصيلا بعدة أمور من الواجبات والمحرمات يحتمل إنحصار التكاليف فيها كان الشك بالنسبة إلى مجهولاته شكا في أصل التكليف.
وبتقرير آخر: إن كان إستعلام جملة من الواجبات والمحرمات تفصيلا موجبا لكون الشك في الباقي شكا في أصل التكليف، فلا مقتضي لوجوب الفحص وعدم الرجوع إلى البراءة وإلا لم يجز الرجوع إلى البراءة ولو بعد الفحص، إذ الشك في المكلف به فلا يرجع فيه إلى البراءة ولو بذل الجهد في الفحص وطلب الحكم الواقعي.
[ فإن قلت: هذا يقتضي عدم جواز الرجوع إلى البراءة في أول الامر ولو بعد الفحصن لان الفحص لا يوجب جريان البراءة مع العلم الاجمالي.].
قلت: المعلوم إجمالا وجود التكاليف الواقية في الوقائع التي يقدر على الوصول إلى مداركها.
وإذا تفحص وعجز عن الوصول إلى مدارك الواقعة خرجت تلك الواقعة عن الوقائع التي علم إجمالا بوجود التكاليف فيها فيرجع إلى البراءة، هذا.
ولكن لا يخلو عن نظر، لان العلم الاجمالي إنما هو بين
___________________________________
(1) الامالي، ص 9 الصافي، ص 555.
(2) تفسير القمى الصافي، ص 387.
[512]
جميع الوقايع من غير مداخلية تمكن المكلف من الوصول إلى مدارك التكليف وعجزه عن ذلك.فدعوى إختصاص أطراف العلم الاجمالي بالوقايع المتمكن من الوصول إلى مداركها مجازفة.مع أن هذا الدليل إنما يوجب الفحص قبل إستعلام جملة من التكاليف يحتمل إنحصار المعلوم إجمالا فيها.فتأمل، وراجع ما ذكرنا في رد إستدلال الاخباريين على وجوب الاحتياط في الشبهة التحريمية بالعلم الاجمالي.وكيف كان.
فالاولى ما ذكر في (الوجه الرابع) من أن العقل لا يعذر الجاهل القادر على الفحص، كما لا يعذر الجاهل بالمكلف به العالم به إجمالا.ومناط عدم المعذورية في المقامين هو عدم قبح مؤاخذة الجاهل فيهما.فإحتمال الضرر بإرتكاب الشبهة غير مندفع بما يأمن معه من ترتب الضرر.ألا ترى أنهم حكموا بإستقلال العقل، بوجوب النظر في معجزة مدعي النبوة وعدم معذوريته في تركه مستندين في ذلك إلى وجوب دفع الضرر المحتمل، لا إلى أنه شك في المكلف به.
هذا كله، مع أن في الوجه الاول وهو الاجماع القطعي كفاية.ثم إن في حكم أصل البراءة كل أصل عملي خالف الاحتياط.
بقي الكلام في حكم الاخذ بالبراءة مع ترك الفحص والكلام فيه إما في إستحقاقه العقاب وإما في صحة العمل الذي أخذ فيه بالبراءة.أما العقاب فالمشهور أنه على مخالفة الواقع لو إتفقت.
فإذا شرب العصير العنبي من غير فحص عن حكمه، فإن لم يتفق كونه حراما واقعا فلا عقاب، ولو إتفقت حرمته كان العقاب على شرب العصير، لا على ترك التعلم.
أما الاول، فلعدم المقتضي للمؤاخذة عدا ما يتخيل من ظهور أدلة وجوب الفحص وطلب تحصيل العلم في الوجوب النفسي.
وهو مدفوع: بأن المستفاد من أدلته بعد التأمل إنما هو وجوب الفحص لئلا يقع في مخالفة الواقع، كما لا يخفى، أو ما يتخيل من قبح التجري بناء على أن الاقدام على ما لا يؤمن كونه مضرة، كالاقدام على ما يعلم كونه كذلك.
كما صرح به جماعة، منهم الشيخ في العدة وأبوالمكارم في الغنية.لكنه قد أسلفنا في صغرى وكبرى هذا الدليل.
وأما الثاني، فلوجود المقضتي، وهو الخطاب الواقعي الدال على وجوب الشئ أو تحريمه.ولا مانع
[513]
منه عدا ما يتخيل من جهل المكلف به.
وهو غير قابل للمنع عقلا ولا شرعا: أما العقل، فلا يقبح مؤاخذة الجاهل التارك للواجب إذا علم أن بناء الشارع على تبليغ الاحكام على النحو المعتاد المستلزم لاختفاء بعضها لبعض الدواعي وكان قادرا على إزالة الجهل عن نفسه.
وأما النقل، فقد تقدم عدم دلالته على ذلك، وأن الظاهر منها، ولو بعد ملاحظة ما تقدم من أدلة الاحتياط، الاختصاص بالعاجز، مضافا إلى ما تقدم في بعض الاخبار المتقدمة في (الوجه الثالث) المؤيدة بغيرها.
مثل رواية تيمم عمار المتضمنة لتوبيخ النبي، صلى الله عليه وآله، إياه بقوله: (افلا صنعت هكذا)(1).
وقد يستدل أيضا بالاجماع على مؤاخذة الكفار على الفروع معهم مع أنهم جاهلون بها.
وفيه: أن معقد الاجماع تساوي الكفار والمسلمين في التكليف بالفروع كالاصول ومؤاخذتهم عليها بالشروط المقررة للتكليف.وهذا لا ينفي دعوى إشتراط العلم بالتكليف في حق المسلم والكافر.وقد خالف فيما ذكرنا صاحب المدارك تبعا لشيخه المحقق الاردبيلي، حيث جعلا عقاب الجاهل على ترك التعلم بقبح تكليف الغافل.وفهم منه بعض المدققين أنه قول بالعقاب على ترك المقدمه دون ذي المقدمة.
ويمكن توجيه كلامه بإرادة إستحقاق عقاب ذي المقدمه حين ترك المقدمة، فإن من شرب العصير العنبي غير ملتفت حين الشرب إلى إحتمال كونه حراما قبح توجه النهي إليه في هذا الزمان، لغفلته، وإنما يعاقب على النهي الموجه إليه قبل ذلك حين إلتفت إلى أن في الشريعة تكاليف لا يمكن إمتثالها إلا بعد معرفتها.فإذا ترك المعرفة عوقب عليه من حيث إفضائه إلى مخالفة تلك التكاليف.ففي زمان الارتكاب لا تكليف، لانقطاع التكاليف حتى ترك المقدمة وهي المعرفة.
ونظيره من ترك قطع المسافة في آخر أزمنة الامكان، حيث أنه يستحق أن يعاقب عليه، لافضائه إلى ترك أفعال الحج في أيامها، ولا يتوقف إستحقاق عقابه على حضور زمان أيام الحج وأفعاله.وحينئذ.
فإن أراد المشهور توجه النهي إلى الغافل حين غفلته، فلا ريب في قبحه، وإن أرادوا إستحقاق العقاب على المخالفة وإن لم يتوجه إليه نهي وقت المخالفة: فإن أرادوا أن الاستحقاق على
___________________________________
(1) الكافي (الفروع)، ج 3، ص 62: (يا عمار، تمعكت كما تتمعك الدابة).
[514]
المخالفة وقت المخالفة لا قبلها لعدم تحقق معصيته.
ففيه أنه لا وجه لترقب حضور زمان المخالفة لصيرورة الفعل مستحيل الوقوع لاجل تكر المقدمة مضافا إلى شهادة العقلاء قاطبة بحسن مؤاخذة من رمى سهما لا يصيب زيدا ولا يقتله إلا بعد مدة مديدة بمجرد الرمي، وإن أرادوا إستحقاق العقاب في زمان ترك المعرفة على ما يحصل بعد من المخالفة، فهو حسن لا محيص عنه، هذا.
ولكن بعض كلماتهم ظاهرة في الوجه الاول، وهو توجه النهي إلى الجاهل حين عدم التفاته، فانهم يحكمون بفساد الصلاة في المغصوب جاهلا بالحكم، لان الجاهل كالعامد وأن التحريم لا يتوقف على العلم به، ولو لا توجه النهي إليه حين المخالفة لم يكن وجه للبطلان، بل كان كناسي الغصبية.
والاعتذار عن ذلك بأنه يكفي في البطلان إجتماع الصلاة المأمور بها مع ما هو مبغوض في الواقع ومعاقب عليه ولو لم يكن منهيا عنه بالفعل مدفوع، مضافا إلى عدم صحته في نفسه، بأنهم صرحوا بصحة صلاة من توسط أرضا مغصوبة في حال الخروج عنها لعدم النهي عنه وإن كان آثما بالخروج.
[ إلا أن يفرق بين المتوسط للارض المغصوبة وبين الغافل بتحقق المبغوضية في الغافل وإمكان تعلق الكراهة الواقعية بالفعل المغفول عن حرمته مع بقاء الحكم الواقعي بالنسبة إليه، لبقاء الاختيار فيه وعدم ترخيص الشارع للفعل في مرحلة الظاهر بخلاف المتوسط، فإنه يقبح منه تعلق الكراهة الواقعية بالخروج، كالطلب الفعلي لتركه، لعدم التمكن من ترك الغصب.
ومما ذكرنا من عدم الترخيص يظهر الفرق بين جاهل الحكم وجاهل الموضوع المحكوم بصحة عبادته مع الغصب وإن فرض فيه الحرمة الواقعية.نعم يبقى الاشكال في ناسي الحكم خصوصا المقصر.
وللتأمل في حكم عبادته مجال، بل تأمل بعضهم في ناسي الموضوع، لعدم ترخيص الشرعي من جهة الغفلة، فافهم ].
ومما يؤيد إرادة المشهور للوجه الاول دون الاخير أنه يلزم حينئذ عدم العقاب في التكاليف الموقتة التي لا تتنجز على المكلف إلا بعد دخول أوقاتها.
فإذا فرض غفلة المكلف عند الاستطاعة عن تكليف الحج، والمفروض أن لا تكليف قبلها، فلا سبب هنا لاستحقاق العقاب راسا.
أما حين الاتفات إلى إمتثال تكليف الحج، فلعدم التكليف به لفقد الاستطاعة، وأما بعد الاستطاعة فلفقد الالتفات وحصول الغفلة.وكذلك الصلاة والصيام بالنسبة إلى أوقاتها.ومن هنا قد يلجأ إلى ما يأباه كلام صاحب المدارك ومن تبعه، من أن العلم واجب نفسي
[515]
والعقاب على تركه من حيث هو، لا من حيث إفضائه إلى المعصية، أعني ترك الواجبات وفعل المحرمات المجهولة تفصيلا.
وما دل بظاهره من الادلة المتقدمة على كون وجوب تحصيل العلم من باب المقدمة محمول على بيان الحكمة في وجوبه وأن الحكمه في إيجابه لنفسه صيرورة المكلف قابلا للتكليف بالواجبات والمحرمات حتى لا يفوته منفعة التكليف بها ولا تناله مضرة إهماله عنها.فإنه قد يكون الحكمة في وجوب الشئ لنفسه صيرورة المكلف قابلا للخطاب.
بل الحكمة الظاهرة في الارشاد وتبليغ الانبياء والحجج ليست إلا صيرورة الناس عالمين قابلين للتكاليف.
لكن الانصاف: ظهور أدلة وجوب العلم في كونه واجبا غيريا، مضافا إلى ما عرفت من الاخبار في الوجه الثالث الظاهرة في المؤاخذة على نفس المخالفة.
ويمكن أن يلتزم حينئذ بإستحقاق العقاب على ترك تعلم التكاليف الواجب مقدمة وإن كانت مشروطة بشروط مفقودة حين الالتفات إلى ما يعلمه إجمالا من الواجبات المطلقة و المشروطة، لاستقرار بناء العقلاء في مثال الطومار المتقدم على عدم الفرق في المذمة على ترك التكاليف المسطورة فيه بين المطلقة والمشروطة، فتأمل.
هذا خلاصة الكلام بالنسبة إلى عقاب الجاهل التارك للفحص العالم بما يطابق البراءة.
وأما الكلام في الحكم الوضعي وهي صحة العمل الصادر من الجاهل وفساده فيقع الكلام فيه تارة في المعاملات، وأخرى في العبادات.
أما المعاملات: فالمشهور فيها أن العبرة فيها بمطابقة الواقع ومخالفته، سواء وقعت عن أحد الطريقين أعني الاجتهاد والتقليد أم لا عنهما.فاتفقت مطابقته للواقع، لانها من قبيل الاسباب لامور شرعية.فالعلم والجهل لا مدخل له في تأثيرها وترتب المسببات عليها.فمن عقد على إمرأة لا يعرف تأثيره في حلية الوطئ فانكشف بعد ذلك صحته، كفى في صحته من حين وقوع.وكذا لو إنكشف فساده رتب عليه حكم الفاسد من حين الوقوع.وكذا من
[516]
ذبح ذبيحة بفري ودجيه، فانكشف كونه صحيحا أو فاسدا، ولو رتب عليه أثر قبل الانكشاف، فحكمه في العقاب ما تقدم من كونه مراعى بمخالفة الواقع كما إذا وطئها، فإن العقاب عليه مراعى.
وأما حكمه الوضعي كما لو باع لحم تلك الذبيحة فكما ذكرنا هنا من مراعاته حتى ينكشف الحال.
* * *
ولا إشكال فيما ذكرنا بعد ملاحظة أدله سببية تلك المعاملات، ولا خلاف ظاهرا في ذلك أيضا إلا من بعض مشايخنا المعاصرين، قدس سره، حيث أطال الكلام هنا في تفصيل ذكره بعد مقدمة هي: أن العقود والايقاعات، بل كل ما جعله الشارع سببا، لهما حقائق واقعية هي ما قرره الشارع أولا، وحقائق ظاهرية هي ما يظنه المجتهد أنه ما وضعه الشارع، وهي قد تطابق الواقعية وقد تخالفها.
ولما لم يكن لنا سبيل في المسائل الاجتهادية إلى الواقعية فالسبب والشرط والمانع في حقنا هي الحقائق الظاهرية ومن البديهيات التي إنعقد عليها الاجماع بل الضرورة أن ترتب الآثار على الحقائق الظاهرية يختلف بالنسبة إلى الاشخاص.فإن ملاقاة الماء القليل للنجاسة سبب لتنجسه عند واحد دون غيره.وكذا قطع الحلقوم للتذكية والعقد الفارسي للتمليك أو الزوجية.
وحاصل ما ذكره من الفصيل: أن غير المجتهد والمقلد على ثلاثة أقسام، لانه إما غافل عن إحتمال كون ما أتى به من المعاملة مخالفا للواقع، وإما أن يكون غير غافل، بل يترك التقليد مسامحة.
فالاول: في حكم المجتهد أو المقلد، لانه يتعبد بإعتقاده كتعبد المجتهد بإجتهاده والمقلد بتقليده ما دام غافلا.
فإذا تنبه فإن وافق إعتقاده قول من يقلده فهو، وإلا كان كالمجتهد المتبدل رأيه، وقد مر حكمه في باب رجوع المجهتد.
وأما الثاني وهو المتفطن لاحتمال مخالفة ما أوقعه من المعاملة للواقع فإما أن يكون ما صدر عنه موافقا أو مخالفا للحكم القطعي الصادر من الشارع وإما أن لا يكون كذلك، بل كان حكم المعاملة ثابتا بالظنون الاجتهادية.
[517]
أنه ثبت من الشارع قطعا أن المعاملة الفلانية سبب لكذا وليس معتقدا لخلافه حتى يتعبد بخلافه ولا دليل على التقييد في مثله بعلم وإعتقاد، ولا يقدح كونه محتملا للخلاف أو ظانا به، لانه مأمور بالفحص والسؤال.
كما أن من إعتقد حلية الخمر مع إحتمال الخلاف يحرم عليه الخمر وإن لم يسأل، لانه مأمور بالسؤال.
وأما الثاني: فالحق عدم ترتب الاثر في حقه ما دام باقيا على عدم التقليد، بل وجود المعاملة كعدمها سواء طابقت على أحد الاقوال أم لا.
إذ المفروض عدم القطع بالوضع الواقعي من الشارع بل هو مظنون للمجتهد فترتب الاثر إنما هو في حقه.
ثم إن قلد بعد صدور المعاملة المجتهد القائل بالفساد، فلا إشكال فيه، وإن قلد من يقول بترتب الاثر فالتحقيق فيه التفصيل بما مر في نقض الفتوى [ بالمعنى الثالث، فيقال ] من أن ما لم يختص أثره بمعين أو بمعينين كالطهارة والنجاسة والحلية والحرمة وأمثالها يترتب عليه الاثر.
فإذا غسل ثوبه من البول مرة بدون تقليد أو اكتفى في الذبيحة بقطع الحلقوم مثلا كذلك، ثم قلد من يقول بكفاية الاول في الطهارة والثاني في التذكية، ترتب الاثر على فعله السابق، إذ المغسول يصير طاهرا بالنسبة إلى كل من يرى ذلك.وكذا المذبوح حلالا بالنسبة إليه كل من يرى ذلك ولا يشترط كونه مقلدا حين الغسل والذبح.
وأما ما يختص أثره بمعين أو معينين، كالعقود والايقاعات وأسباب شغل الذمة وأمثالها، فلا يترتب عليه الاثر، إذ آثار هذه الامور لا بد أن تتعلق بالمعين، إذ لا معنى لسببية عقد صادر عن رجل خاص على إمرأة خاصة لحليتها على كل من يرى جواز هذا العقد ومقلديه.
وهذا الشخص حال العقد لم يكن مقلدا فلم يترتب في حقه الاثر كما تقدم، وأما بعده وإن دخل في مقلديه لكن لا يفيد لترتب الاثر في حقه، إذ المظنون لمجتهده سببية هذا العقد متصلا بصدوره للاثر ولم يصر هذا سببا كذلك.
وأما السببية المنفصلة فلا دليل عليها، إذ ليس هو مظنون المجتهد ولا دليل على كون الدخول في التقليد كإجازة المالك، والاصل في المعاملات الفساد.
مع أن عدم ترتب الاثر كان ثابتا قبل التقليد فيستصحب)(1)، إنتهى كلامه ملخصا.
___________________________________
(1) النراقي، مناهج الاحكام، ص 311.
[518]
والمهم في المقام بيان ما ذكره في المقدمة، من أن كل ما جعله الشارع من الاسباب لها حقائق واقعية وحقائق ظاهرية، فنقول بعد الاغماض عما هو التحقيق عندنا تبعا للمحققين، من أن التسبيبات الشرعية راجعة إلى تكاليف شرعية: - إن الاحكام الوضعية على القول بتأصلها هي الامور الواقعية المجعولة للشارع، نظير الامور الخارجية الغير المجعولة كحياة زيد وموت عمرو، ولكن الطريق إلى تلك المجعولات كغيرها قد يكون هو العلم وقد يكون هو الظن الاجتهادي أو التقليد، وكل واحد من الطرق قد يحصل قبل وجود ذي الاثر وقد يحصل معه وقد يحصل بعده.
ولا فرق بينهما في أنه بعد حصول الطريق يجب ترتيب الاثر على ذي الاثر من حين حصوله.
إذا عرفت ذلك فنقول: إذا كان العقد الصادر من الجاهل سببا للزوجية، فكل من حصل له إلى سببية هذا العقد عقلي أعني العلم أو جعلي بالظن الاجتهادي أو التقليد يترتب في حقه أحكام تلك الزوجية من غير فرق بين نفس الزوجين وغيرهما.
فإن أحكام زوجية هند لزيد ليست مختصة بهما، فقد يتعلق بثالث حكم مترتب على هذه الزوجية كأحكام المصاهرة وتوريثها منه والانفاق عليها من ماله وحرمة العقد عليها حال حياته.ولا فرق بين حصول هذا الطريق حال العقد أو قبله أو بعده.ثم إنه إذا اعتقد سببيته وهو في الواقع غير سبب فلا يترتب عليه شئ في الواقع.نعم لا يكون مكلفا بالواقع ما دام معتقدا.فإذا زال الاعتقاد رجع الامر إلى الواقع وعمل على مقتضاه.وبالجملة فحال الاسباب الشرعية حال الامور الخارجية كحياة زيد وموت عمرو.
فكما أنه لا فرق بين العلم بموت زيد بعد مضي مدة من موته وبين قيام الطريق الشرعي في وجوب ترتيب آثار الموت من حينه، فكذلك لا فرق بين حصول العلم بسببية العقد لاثر بعد صدوره وبين الظن الاجتهادي به بعد الصدور، فإن مؤدى الظن الاجتهادي الذي يكون حجة له وحكما ظاهريا في حقه هو كون هذا العقد المذكور حين صدوره محدثا لعلاقة الزوجية بين زيد وهند.والمفروض أن دليل حجية هذا الظن لا يفيد سوى كونه طريقا إلى الواقع.فأي فرق بين صدور العقد ظانا بكونه سببا وبين الظن به بعد صدوره.وإذا تأملت في ما ذكرنا عرفت مواقع النظر في كلامه المتقدم فلا نطيل بتفصيلها.
ومحصل ما ذكرنا: أن الفعل الصادر من الجاهل باق على حكمه الواقعي التكليفي والوضعي.فإذا لحقه العلم أو الظن الاجتهادي أو القليد كان هذا الطريق كاشفا حقيقيا أو جعليا عن حاله
[519]
حين الصدور، فيعمل بمقتضى ما إنكشف.
بل حققنا في مباحث الاجتهاد والتقليد أن الفعل الصادر من المجتهد أو المقلد أيضا باق على حكمه الواقعي.
فإذا لحقه إجتهاد مخالف للسابق كانت كاشفا عن حاله حين الصدور، فيعمل بمقتضى ما انكشف خلافا لجماعة، حيث تخيلوا أن الفعل الصادر عن إجتهاد أو تقليد إذا كان مبنيا على الدوام وإستمرار الاثار، كالزوجية والملكية، لا يؤثر فيه الاجتهاد اللاحق، وتمام الكلام في محله.
وربما يتوهم: الفساد في معاملة الجاهل من حيث الشك في ترتب الاثر على ما يوقعه، فلا يتأتى منه قصد الانشاء في العقود والايقاعات.
وفيه: أن قصد الانشاء إنما يحصل بقصد تحقق مضمون الصيغة وهو الانتقال في البيع والزوجية في النكاح.
وهذا يحصل مع القطع بالفساد شرعا، فضلا عن الشك فيه.ألا ترى أن الناس يقصدون التمليك في القمار وبيع المغصوب وغيرهما من البيوع الفاسدة.
ومما ذكرنا يظهر أنه لا فرق في صحة معاملة الجاهل مع إنكشافها بعد العقد بين شكه في الصحة حين صدورها وبين قطعه بفسادها، فافهم، هذا كله حال المعاملات.
وأما العبادات: فملخص الكلام فيها: أنه إذا أوقع الجاهل عبادة عمل فيها بما يقتضيه البراءة، كأن صلى بدون السورة، فإن كان حين العمل متزلزلا في صحة عمله بانيا على الاقتصار عليه في الامتثال، فلا إشكال في الفساد وإن إنكشف الصحة بعد ذلك بلا خلاف في ذلك ظاهرا، لعدم تحقق نية القربة، لان الشاك في كون المأتي به موافقا للمأمور به كيف يتقرب به وما يرى من الحكم بالصحة فيما شك في صدور الامر به على تقدير صدوره، كبعض الصلوات والاغسال التي لم يرد بها نص معتبر وإعادة بعض العبادات الصحيحة ظاهرا من باب الاحتياط فلا يشبه ما نحن فيه، لان الامر على تقدير وجوده هناك لا يمكن قصد إمتثاله إلا بهذا النحون فهو أقصى ما يمكن هناك من الامتثال، بخلاف ما نحن فيه حيث يقطع بوجود أمر من الشارع، فإن إمتثاله لا يكون إلا بإتيان ما يعلم مطابقته له وإتيان ما يحتمله لاحتمال مطابقته له لا يعد إطاعة عرفا.
وبالجملة فقصد التقرب شرط في صحة العبادة إجماعا، نصا وفتوى، وهو لا يتحقق مع الشك في كون العمل مقربا.
وأما قصد التقرب في الموارد المذكوره من الاحتياط فهو غير ممكن على وجه الجزم، والجزم فيه
[520]
غير معتبر إجماعا، إذ لولاه لم يتحقق إحتياط في كثير من الموارد مع رجحان الاحتياط فيها إجماعا.
وكيف كان فالعامل بما يقتضيه البراءة مع الشك حين العمل لا يصح عبادته وإن انكشف مطابقته للواقع.
أما لو غفل عن ذلك أو سكن إلى قول من يسكن إليه من أبويه وأمثالهما، فعمل بإعتقاد التقرب، فهو خارج عن محل كلامنا الذي هو في عمل الجاهل الشاك قبل الفحص بما يقتضيه البراءة، إذ مجرى البراءة في الشاك دون الغافل او معتقد الخلاف.
وعلى أي حال، فالاقوى صحته إذا انكشف مطابقته للواقع، إذ لا يعتبر في العبادة إلا إتيان المأمور به على قصد التقرب والمفروض حصوله والعلم بمطابقته للواقع أو الظن بها من طريق معتبر غير معتبر في صحة العبادة لعدم الدليل، فإن أدلة وجوب رجوع المجتهد إلى الادلة ورجوع المقلد إلى المجتهد إنما هي لبيان الطرق الشرعية التي لا يقدح مع موافقتها مخالفة الواقع، لا لبيان إشتراط كون الواقع مأخوذا من هذه الطرق، كما لا يخفى على من لاحظها.
ثم إن مراة مطابقة العمل الصادر للواقع العلم بها أو الطريق الذي يرجع إليه المجتهد أو المقلد.
وتوهم: (أن ظن المجتهد أو فتواه لا يؤثر في الواقعة السابقة)، غلط، لان مؤدى ظنه نفس الحكم الشرعي الثابت للاعمال الماضية والمستقبلة.
وأما ترتيب الاثر على الفعل الماضي فهو بعد الرجوع، فإن فتوى المجتهد بعدم وجوب السورة كالعلم، في أن أثرها قبل العمل عدم وجوب السورة في الصلاة وبعد العمل عدم وجوب إعادة الصلاة الواقعة من غير سورة، كما تقدم نظير ذلك في المعاملات.
[521]
ولنختم الكلام في الجاهل العامل قبل الفحص بامور الاول هل العبرة في باب المؤاخذة والعدم لموافقة الواقع الذي يعتبر مطابقة العمل له ومخالفته، وهو الواقع الاولي الثابت في كل واقعة عند المخطئة، فإذا فرضنا العصير العنبي الذي تناوله الجاهل حراما في الواقع وفرض وجود خبر معتبر يعثر عليه بعد الفحص على الحلية فيعاقب ولو عكس الامر لم يعاقب أو العبرة بالطريق الشرعي المعثور عليه بعد الفحص فيعاقب في صورة العكس دون الاصل أو يكفي مخالفة أحدهما فيعاقب في الصورتين أم يكفي في عدم المؤاخذة موافقة أحدهما فلا عقاب في الصورتين وجوه: من أن التكليف الاولي إنما هو بالواقع وليس التكليف بالطرق الظاهرية إلا من عثر عليها.
ومن أن الواقع إذا كان في علم الله سبحانه غير ممكن الوصول إليه وكان هنا طريق مجعول مؤداه بدلا عنه.
فالمكلف به هو مؤدى الطريق دون الواقع على ما هو عليه، فكيف يعاقب الله سبحانه على شرب العصير من يعلم أنه لم يعثر بعد الفحص على دليل حرمته.ومن أن كلا من الواقع ومؤدى الطريق تكليف واقعي.
أما إذا كان التكليف ثابتا في الواقع، فلانه كان قادرا على موافقة الواقع بالاحتياط وعلى إسقاطه عن نفسه بالرجوع إلى الطريق الشرعي المفروض دلالته على نفي التكليف.فإذا لم يفعل شيئا منهما فلا مانع من مؤاخذته.
وأما إذا كان التكليف ثابتا بالطريق الشرعي فلانه قد ترك موافقة خطاب مقدور على العلم به، فإن أدلة وجوب الرجوع إلى خبر العادل أو فتوى المجتهد يشمل العالم والجاهل القادر على المعرفة.
ومن عدم التكليف بالواقع لعدم القدره، وبالطريق الشرعي لكونه ثابتا في حق من اطلق عليه من باب حرمة التجري.
فالمكلف به فعلا المؤاخذ على مخالفته الواجب والحرام الواقعيان المنصوب عليهما طريق.فإذا لم يكن وجوب أو تحريم فلا مؤاخذة.نعم لو إطلع على ما يدل ظاهرا على الوجوب
[522]
أو التحريم الواقعي مع كونه مخالفا للواقع بالفرض.فالموافقة له لازمة من باب الانقياد وتركها تجر.وإذا لم يطلع على ذلك لتركه الفحص فلا تجري أيضا.
وأما إذا كان وجوب واقعي وكان الطريق الظاهري نافيا، فلان المفروض عدم التمكن من الوصول إلى الواقع.
فالمتضمن للتكليف متعذر الوصول إليه، والذي يمكن الوصول إليه ناف للتكليف.والاقوى هو الاول، ويظهر وجهه بالتأمل في الوجوه الاربعة.
وحاصله أن التكليف الثابت في الواقع وإن فرض تعذر الوصول إليه تفصيلا، إلا أنه لا مانع من العقاب بعد كون المكلف محتملا له قادرا عليه غير مطلع على طريق شرعي ينفيه ولا واجدا لدليل يؤمن من العقاب عليه مع بقاء تردده، وهو العقل والنقل الدالان على براءة الذمة بعد الفحص والعجز عن الوصول إليه، وإن احتمل التكليف وتردد فيه.
أما إذا لم يكن التكليف ثابتا في الواقع، فلا مقتضي للعقاب من حيث الخطابات الواقعية.
ولو فرض هنا طريق ظاهري مثبت للتكليف لم يعثر عليه المكلف، لم يعاقب عليه، لان مؤدى الطريق الظاهري غير مجعول منحيث هو هو في مقابل الواقع، وإنما هو مجعول بعنوان كونه طريقا إليه.فإذا أخطأ لم يترتب عليه شئ.
ولذا لو أدى عبادة بهذا الطريق فتبين مخالفتها للواقع، لم يسقط الامر ووجب إعادتها.
نعم إذا عثر عليه المكلف لم يجز مخالفته، لان المفروض عدم العلم بمخالفته للواقع، فيكون معصية ظاهرية من حيث فرض كون دليله طريقا شرعيا إلى الواقع.فهو في الحقيقة نوع من التجري.وهذا المعنى مفقود مع عدم الاطلاع على هذا الطريق.
ووجوب رجوع العامي إلى المفتي لاجل إحراز الواجبات الواقعية، فإذا رجع وصادف الواقع وجب من حيث الواقع، وإن لم يصادف الواقع لم يكن الرجوع إليه في هذه الواقعة واجبا في الواقع ويترتب عليه آثار الوجوب ظاهرا مشروطة بعدم إنكشاف الخلاف إلا إستحقاق العقاب على الترك، فإنه يثبت واقعا من باب التجري.
ومن هنا يظهر أنه لا يتعدد العقاب مع مصادفة الواقع من جهة تعدد التكليف.
نعم لو قلنا بأن مؤديات الطرق الشرعية أحكام واقعية ثانوية لزم من ذلك إنقلاب التكليف إلى مؤديات تلك الطرق.
وكان أوجه الاحتمالات حنيئذ الثاني منها.
[523]
معذور، لا من حيث العقاب ولا من جهة سائر الاثار، بمعنى أن شيئا من آثار الشئ المجهول عقابا أو غيره من الاثار المترتبة على ذلك الشئ في حق العالم لا يرتفع عن الجاهل لاجل جهله.
وقد إستثنى الاصحاب من ذلك القصر والاتمام والجهر والاخفات، فحكموا بمعذورية الجاهل في هذين الموضعين.
وظاهر كلامهم إرادتهم العذر من حيث الحكم الوضعي، وهي الصحة بمعنى سقوط الفعل ثانيا دون المؤاخذة.
وهو الذي يقتضيه دليل المعذورية في الموضعين أيضا.
فحينئذ يقع الاشكال في أنه إذا لم يكن معذورا من حيث الحكم التكليفي كسائر الاحكام المجهولة للمكلف المقصر، فيكون تكليفه بالواقع وهو القصر بالنسبة إلى المسافر باقيا.
وما يأتي به من الاتمام المحكوم بكونه مسقطا، إن لم يكن مأمورا به فكيف يسقط الواجب، وإن كان مأمورا به فكيف يجتمع الامر به مع فرض وجود الامر بالقصر.
ودفع هذا الاشكال، إما بمنع تعلق التكليف فعلا بالواقعي المتروك، وإما بمنع تعلقه بالمأتي به، وإما بمنع التنافي بينهما.
فالاول: إما بدعوى كون القصر مثلا واجبا على المسافر العالم، وكذا الجهر والاخفات.
وإما بمعنى معذوريته فيه، بمعنى كون الجهل بهذه المسألة كالجهل بالموضوع، يعذر صاحبه ويحكم عليه ظاهرا، بخلاف الحكم الواقعي.
وهذا الجاهل وإن لم يتوجه إليه خطاب مشتمل على حكم ظاهري، كما في الجاهل بالموضوع، إلا أن مستغنى عنه بإعتقاده لوجوب هذا الشئ عليه في الواقع.
وإما من جهة القول بعدم تكليف الغافل بالواقع وكونه مؤاخذا على ترك التعلم، فلا يجب عليه القصر، لغفلته عنه.
نعم يعاقب على عدم إزالة الغفلة، كما تقدم إستظهاره من صاحب المدارك و من تبعه.
وإما من جهة تسليم تكليفه بالواقع، إلا أن الخطاب بالواقع ينقطع عند الغفلة لقبح خطاب العاجز.
وان كان العجز بسوء إختياره فهو معاقب حين الغفلة على ترك القصر، لكنه ليس مأمورا به حتى يجتمع مع فرض وجود الامر بالاتمام.
لكن هذا كله خلاف ظاهر المشهور، حيث أن الظاهر منهم كما تقدم بقاء التكليف بالواقع المجهول بالنسبة إلى الجاهل.
ولذا يبطلون صلاة الجاهل بحرمة الغصب، إذ لولا النهي حين الصلاة لم يكن وجه للبطلان.
والثاني: منع تعلق الامر بالمأتي به وإلتزام أن غير الواجب مسقط عن الواجب، فإن قيام ما
[524]
اعتقد وجوبه مقام الواجب الواقعي غير ممتنع.
نعم قد يوجب إتيان غير الواجب فوات الواجب فيحرم، بناء على دلالة الامر بالشئ على النهي عن الضد، كما في آخر الوقت، حيث يستلزم فعل التمام فوت القصر.ويرد هذا الوجه أن الظاهر من الادلة كون المأتي به مأمورا به في حقه.
مثل قوله عليه السلام في الجهر والاخفات: (تمت صلاته)، ونحو ذلك.
والموارد التي قام فيها غير الواجب مقام الواجب نمنع عدم وجوب البدل، بل الظاهر في تلك الموارد سقوط الامر الواقعي وثبوت الامر بالبدل، فتأمل.
والثالث: بما ذكره كاشف الغطاء، رحمه الله، من أن التكليف بالاتمام مرتب على معصية الشارع بترك القصر، فقد كلفه بالقصر والاتمام على تقدير معصية في التكليف بالقصر.
وسلك هذا الطريق في مسألة الضد في تصحيح فعل غير الاهم من الواجبين المضيقين، إذا ترك المكلف الامتثال بالاهم.
ويرده: أنا لا نعقل الترتب في المقامين، وإنما يفعل ذلك فيما إذا حدث التكليف الثاني بعد تحقق معصية الاول.
كمن عصى بترك الصلاة مع الطهارة الترابية فكلف لضيق الوقت بالبراءة.
الثالث إن وجوب الفحص إنما هو في إجراء الاصل في الشبهة الحكمية الناشية من عدم النص أو إجمال بعض ألفاظه او تعارض النصوص.
أما إجراء الاصل في الشبهة الموضوعية: فإن كانت الشبهة في التحريم، فلا إشكال ولا خلاف ظاهرا في عدم وجوب الفحص.
ويدل عليه إطلاق الاخبار، مثل قوله عليه السلام: (كل شئ لك حلال حتى تعلم)(1)، وقوله: (حتى يستبين لك غير هذا او تقوم به البينة)(2)، وقوله: (حتى يجيئك شاهدان يشهدان أن فيه الميتة)(3)، وغير ذلك، السالم عما يصلح لتقييدها.
وإن كانت الشبهة وجوبية، فمقتضى أدلة البراءة حتى العقل كبعض كلمات العلماء عدم وجوب الفحص أيضا وهو مقتضى حكم العقلاء في بعض الموارد.
مثل قول المولى لعبده: (أكرم العلماء أو المؤمنين)، فإنه لا يجب الفحص في المشكوك حاله في المثالين، إلا أنه قد يترا اى أن بناء
___________________________________
(1) الكافي (الفروع) ج 6، ص 339.
(2) الكافي، ج 5، ص 313.
(3) الكافي (الفروع)، ج 6، ص 339: (كل شئ كل حلال حتى يجيئك شاهدان يشهدان عندك أن فيه ميتة).
ص 224.
[525]
العقلاء في بعض الموارد على الفحص والاحتياط.
كما إذا أمر المولى بإحضار علماء البلد أو أطبائها أو إضافتهم أو إعطاء كل واحد منهم دينارا.
فإنه قد يدعى أن بناءهم على الفحص عن أولئك وعدم الاقتصار على المعلوم إبتداء مع إحتمال وجود غيرهم في البلد.
قال في المعالم، في مقام الاستدلال على وجوب التبين في خبر مجهول الحال بآية التثبت في خبر الفاسق: (إن وجوب التثبت فيها متعلق بنفس الوصف، لا بما تقدم العلم به منه.
ومقتضى ذلك إرادة الفحص والبحث عن حصوله وعدمه.
ألا ترى أن قول القائل: (أعط كل بالغ رشيد من هذه الجماعة مثلا درهما)، يقتضي إرادة السؤال والفحص عمن جمع الوصفين، لا الاقتصار على من سبق العلم بإجتماعهما فيه)(1)، إنتهى.
وأيد ذلك المحقق القمي، رحمه الله، في القوانين ب (أن الواجبات المشروطة بوجود شئ إنما يتوقف وجوبها على وجود الشرط لا على العلم بوجوده.فبالنسبة إلى العلم مطلق لا مشروط.مثل أن من شك في كون ماله بمقدار إستطاعة الحج، لعدم علمه بمقدار المال.
لا يمكنه أن يقول: إني لا أعلم أني مستطيع ولا يجب علي شئ، بل يجب عليه محاسبة ماله ليعلم أنه واجد للاستطاعة أو فاقد لها.
نعم لو شك بعد المحاسبة في أن هذا المال هل يكفيه في الاستطاعة أم لا، فالاصل عدم الوجوب حنيئذ)(1).
ثم ذكر المثال المذكور في المعالم بالتقريب المتقدم عنه(2).
وأما كلمات الفقهاء فمختلفة في فروع هذه المسألة: فقد أفتى جماعة منهم، كالشيخ والفاضلين وغيرهم، بأنه لو كان له فضة مغشوشة بغيرها وعلم بلوغ الخالص نصابا وشك في مقداره وجب التصفية، ليحصل العلم بالمقدار أو الاحتياط بمقدار ما تيقن معه البراءة.
نعم إستشكل في التحرير في وجوب ذلك، وصرح غير واحد من هؤلاء، مع عدم العلم ببلوغ الخالص النصاب، بأنه لا يجب التصفية، والفرق بين المسألتين مفقود إلا ما ربما يتوهم من أن العلم بالتكليف ثابت مع العلم ببلوغ النصاب، بخلاف ما لم يعلم به.
وفيه: أن العلم بالنصاب لا يوجب الاحتياط مع القدرة المتيقن ودوران الامر بين الاقل والاكثر مع كون الزائد على تقدير وجوبه تكليفا مستقلا.ألا ترى أنه لو علم بالدين وشك في قدره، لم
___________________________________
(1) معالم الدين، ص 201.
(2) القوانين المحكمة، ص 224.
[526]
يوجب ذلك الاحتياط والفحص، مع أنه لو كان هذا المقدار يمنع من إجراء البراءة قبل الفحص لمنع منها بعده، إذ العلم الاجمالي لا يجوز معه الرجوع إلى البراءة ولو بعد الفحص.
وقال في التحرير في باب نصاب الغلات: (ولو شك في البلوغ، ولا مكيال هنا ولا ميزان، ولم يوجد، سقط الوجوب دون الاستحباب)(1) إنتهى.وظاهره جريان الاصل مع تعذر الفحص وتحصيل العلم.
وبالجملة فما ذكروه من إيجاب تحصيل العلم بالواقع مع التمكن في بعض افراد الاشتباه في الموضوع مشكل.
وأشكل منه فرقهم بين الموارد، مع ما تقرر عندهم من أصالة نفي الزائد عند دوران الامر بين الاقل والاكثر.
وما ما ذكره صاحب المعالم، رحمه الله، وتبعه عليه المحقق القمي، رحمه الله، من تقريب الاستدلال بآية التثبت على رد خبر مجهول الحال من جهة إقتضاء تعلق الامر بالموضوع الواقعي المقتضي وجوب الفحص عن مصاديقه وعدم الاقتصار على القدر المعلوم(2) فلا يخفي ما فيه، لان رد خبر مجهول الحال ليس مبنيا على وجوب الفحص عند الشك وإلا لجاز الاخذ به ولم يجب التبين فيه بعد الفحص واليأس عند العلم بحاله، كما لا يجب الاعطاء في المثال المذكور بعد الفحص عن حال المشكوك وعدم العلم بإجتماع الوصفين فيه، بل وجه رده قبل الفحص وبعده أن وجوب التبين شرطي، ومرجعه إلى إشتراط قبول الخبر في نفسه من دون إشتراط التبين فيه بعدالة المخبر.
فإذا شك في عدالته شك في قبول خبره في نفسه، والمرجع في هذا الشك والمتعين فيه عدم قبول، لان عدم العلم بحجية شئ كاف في عدم حجيته.
ثم الذي يمكن أن يقال في وجوب الفحص أنه إذا كان العلم بالموضوع المنوط به التكليف يتوقف كثيرا على الفحص بحيث لو أهمل الفحص لزم الوقوع في مخالفة التكليف كثيرا تعين هنا بحكم العقلاء إعتبار الفحص ثم العمل بالبراءة، كبعض الامثلة المتقدمة.فإن إضافة جميع علماء البلد أو أطبائهم لا يمكن للشخص الجاهل إلا بالفحص.
فإذا حصل العلم ببعض، واقتصر على ذلك نافيا لوجوب إضافة من عداه بأصالة البراءة من غير تفحص زائد على ما حصل به المعلومين عد مستحقا للعقاب والملامة عند إنكشاف ترك إضافة من يتمكن من تحصيل العلم به بفحص زائد.ومن هنا يمكن أن يقال في مثال الحج المتقدم: إن العلم بالاستطاعة في أول ازمنة حصولها
___________________________________
(1) تحرير الاحكام، ص 62.
(2) معالم الدين، ص 201.
[527]
يتوقف غالبا على المحاسبة.فلو بنى الامر على تركها ونفي وجوب الحج بأصالة البراءة لزم تأخير الحج عن أول سنة الاستطاعة بالنسبة إلى كثير من الاشخاص، لكن الشأن في صدق هذه الدعوى.
وأما ما استند إليه المحقق المتقدم من أن الواجبات المشروطة يتوقف وجوبها على وجود الشرط لا العلم بوجوده ففيه: أنه مسلم، ولا يجدي، لان الشك في وجود الشرط يوجب الشك في وجوب المشروط وثبوت التكليف والاصل عدمه.
غاية الامر الفرق بين إشتراط التكليف بوجود الشئ وإشتراطه بالعلم به، إذ مع عدم العلم في الصورة الثانية نقطع بإنتفاء التكليف من دون حاجة إلى الاصل وفي الصورة الاولى يشك فيه، فينفى بالاصل.
وأما الكلام في مقدار الفحص
فملخصه أن حد الفحص هو اليأس عن وجدان الدليل فما بأيدينا من الادلة ويختلف ذلك بإختلاف الاعصار.
فإن في زماننا هذا إذا ظن المجتهد بعدم وجود دليل التكليف في الكتب الاربعة وغيرها من الكتب المعتبرة في الحديث التي يسهل تناولها على نوع أهل العصر، على وجه صار مأيوسا، كفى ذلك منه في إجراء البراءة.
أما عدم وجوب الزائد، فللزوم الحرج وتعطيل إستعلام سائر التكاليف، لان إنتهاء الفحص في واقعة إلى حد يحصل العلم بعدم وجود دليل التكليف يوجب الحرمان من الاطلاع على دليل التكليف في غيرها من الوقائع.
فيجب فيها إما الاحتياط، وهو يؤدي إلى العسر، وإما لزوم التقليد لمن بذل فيها جهده على وجه علم بعدم دليل التكليف فيها.
وجوازه ممنوع، لان هذا المجتهد المتفحص ربما يخطئ ذلك المجتهد في كثير من مقدمات إستنباطه للمسألة.
نعم لو كان جميع مقدماته مما يرتضيها هذا المجتهد وكان التفاوت بينهما أنه أطلع على ما لم يطلع هذا، أمكن أن يكون قوله حجة في حقه.
لكن اللازم حينئذ أن يتفحص في جميع المسائل إلى حيث يحصل الظن بعدم وجود دليل التكليف، ثم الرجوع إلى هذا المجتهد.فإن كان مذهبه مطابقا للبراءة كان مؤيدا لما ظنه من عدم الدليل.وإن كان مذهبه مخالفا للبراءة كان شاهد عدل على وجود دليل التكليف.
فإن لم يحتمل في حقه الاعتماد على الاستنباطات الحدسية أو العقلية من الاخبار، أخذ بقوله في وجود دليل وجعل فتواه كروايته.
ومن هذا القبيل ما حكاه غير واحد، من أن القدماء كانوا يعملون برسالة الشيخ أبي الحسن علي بن بابويه عن إعواز النصوص.
والتقييد بإعواز النصوص مبني على ترجيح النص المنقول بلفظه على الفتوى التي يحتمل الخطأ في النقل بالمعنى.
وإن احتمل في حقه إبتناء فتواه على الحدس والعقل، لم يكن دليل على إعتباره في حقه وتعين العمل بالبراءة.
[529]
تذنيب ذكر الفاضل التوني لاصل البراءة شروطا أخر الاول: أن لا يكون إعمال الاصل موجبا لثبوت حكم شرعي من جهة أخرى، مثل أن يقال، في أحد الانائين المشتبهين: الاصل عدم وجوب الاجتناب عنه، فإنه يوجب الحكم بوجوب الاجتناب عن الاخر أو عدم بلوغ الملاقي للنجاسة كرا و عدم تقدم الكرية حيث يعلم بحدوثها على ملاقاة النجاسة، فإن إعمال الاصول يوجب الاجتناب عن الاناء الاخر أو الملاقي أو الماء.
أقول: توضيح الكلام في هذا المقام أن إيجاب العمل بالاصل لثبوت حكم آخر إما بإثبات الاصل المعمول به لموضوع أنيط به حكم شرعي، كأن يثبت بالاصل براءة ذمة الشخص الواجد لمقدار الدين مانع عن الاستطاعة، فيدفع بالاصل ويحكم بوجوب الحج بذلك المال.
ومنه المثال الثاني، فإن أصالة عدم بلوغ الماء الملاقي للنجاسة كرا يوجب الحكم بقلته التي أنيط بها الانفعال.
وإما لاستلزام نفي الحكم به حكما يستلزم عقلا أو شرعا أو عادة ولو في هذه القضية الشخصية لثبوت حكم تكليفي في ذلك المورد أو في مورد آخر، كنفي وجوب الاجتناب عن أحد الانائين.
فإن كان إيجابه للحكم على الوجه الاول، كالمثال الثاني، فلا يكون ذلك مانعا عن جريان الاصل، لجريان أدلته من العقل والنقل من غير مانع.ومجرد إيجابه حكما وجوديا آخر لا يكون مانعا عن جريان أدلته.كما لا يخفى على من تتبع الاحكام الشرعية والعرفية.ومرجعه في الحقيقة إلى رفع المانع.
فإذا إنحصر الطهور في ماء مشكوك الاباحه بحيث لو كان محرم الاستعمال لم يجب الصلاة لفقد الطهورين.
فلا مانع من إجراء أصالة الحل وإثبات كونه واجدا للطهور فيجب عليه الصلاة.
[530]
ومثاله العرفي ما إذا قال المولى لعبده: (إذا لم يكن عليك شغل واجب من قبلي فاشتغل بكذا).
فإن العقلاء يوجبون عليه الاشتغال بكذا إذا لم يعلم بوجوب شئ على نفسه من قبل المولى.
وإن كان على الوجه الثاني الراجح إلى وجود العلم الاجمالي بثبوت حكم مردد بين حكمين: فإن أريد بإعمال الاصل في نفي أحدهما إثبات الاخر، ففيه: أن مفاد أدلة أصل البراءة مجرد نفي التكليف دون إثباته وإن كان الاثبات لازما واقعيا لذلك النفي.
فإن الاحكام الظاهرية إنما تثبت بمقدار مدلول أدلتها ولا يتعدى إلى أزيد منه بمجرد ثبوت الملازمة الواقعية بينه وبين ما ثبت، إلا أن يكون الحكم الظاهري الثابت بالاصل موضوعا لذلك الحكم الاخر، كما ذكرنا في مثال براءة الذمة عن الدين والحج، وسيجئ توضيح ذلك في باب تعارض الاستصحابين.
وإن أريد بإعماله في أحدهما مجرد نفيه دون الاثبات، فهو جار، إلا أنه معارض بجريانه في الاخر.
فاللازم إما إجراؤه فيهما، فيلزم طرح ذلك العلم الاجمالي لاجل العمل بالاصل، وإما إهماله فيهما، فهو المطلوب، وإما إعمال أحدهما بالخصوص، فترجيح بلا مرجح.نعم لو لم يكن العلم الاجمالي في المقام مما يضر طرحه لزم العمل بهما.كما تقدم أنه أحد الوجهين فيما إذا دار الامر بين الوجوب والتحريم.
وكيف كان، فسقوط العمل بالاصل في المقام لاجل المعارض، ولا إختصاص لهذا الشرط بأصل البراءة، بل يجري في غيره من الاصول والادلة.
ولعل مقصوده صاحب الوافية ذلك، وقد عبر هو، رحمه الله، [ عن هذا الشرط ] في باب الاستصحاب بعدم المعارض.
وأما أصالة عدم بلوغ الماء الملاقي للنجاسة كرا، فقد عرفت أنه لا مانع من إستلزام جريانها الحكم بنجاسة الملاقي، فإنه نظير أصالة البراءه من الدين المستلزم لوجوب الحج.
وقد فرق بينهما المحقق القمي، رحمه الله، حيث إعترف بأنه لا مانع من إجراء البراءة في الدين وإن إستلزم وجوب الحج، ولم يحكم بنجاسة الماء مع جريان أصالة عدم الكرية، جمعا بينها وبين أصالة طهارة الماء.
ولم يعرف وجه فرق بينهما أصلا.(1)
___________________________________
(1) القوانين المحكمة، ص 272
[531]
ثم إن مورد الشك في البلوغ كرا الماء المسبوق بعدم الكرية.وأما المسبوق بالكرية، فالشك في نقصانه من الكرية والاصل هنا بقاؤها.
ولو لم يكن مسبوقا بحال، ففي الرجوع إلى طهارة الماء، للشك في كون ملاقاته مؤثرة في الانفعال، فالشك في رافعيتها للطهارة، أو إلى النجاسة، لان الملاقاة مقتضية للنجاسة والكرية مانعة عنها بمقتضى قوله عليه السلام: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ)، ونحوه، مما دل على سببية الكرية، لعدم الانفعال المستلزمة لكونها مانعة عنه، والشك في المانع في حكم العلم بعدمه، وجهان.
وأما أصالة عدم تقدم الكرية على الملاقاة، فهو في نفسه ليس من الحوادث المسبوقة بالعدم حتى يجري فيه الاصل، نعم نفس الكرية حادثة، فإذا شك في تحققها حين الملاقاة حكم بأصالة عدمها.وهذا معنى عدم تقدم الكرية على الملاقاة.
لكن هنا أصالة عدم حدوث الملاقاة حين حدوث الكرية، وهو معنى عدم تقدم الملاقاة على الكرية فيتعارضان.
ولا وجه لما ذكره من الاصل.
وقد يفصل فيها بين ما كان تاريخ واحد من الكرية والملاقاة معلوما، فإنه يحكم بأصالة تأخر المجهول بمعنى عدم ثبوته في زمان يشك في ثبوته فيه فيلحقه حكمه من الطهارة والنجاسة، وقد يجهل التأريجاه بالكلية.
وقضية الاصل في ذلك التقارن، ومرجعه إلى نفي وقوع كل منهما في زمان يحتمل وقوعه فيه، وهو مقتضى ورود النجاسة على ما وكر حال الملاقاة فلا يتنجس به)(1)، إنتهى.
وفيه: أن تقارن ورود النجاسة والكرية موجب لانفعال الماء، لان الكرية مانعة عن الانفعال بما يلاقيه بعد الكرية على ما هو مقتضى قوله عليه السلام: (إذا كان الماء قدر كر لم ينجسه شئ)، فإن الضمير المنصوب راجع إلى الكر المفروض كريته، فإذا حصلت الكرية حال الملاقاة كان المفروض الملاقاة غير كر، فهو نظير ما إذا حصلت الكرية بنفس الملاقاة فيما إذا تمم الماء النجس كرا بطاهر والحكم فيه النجاسة، إلا أن ظاهر المشهور فيما نحن فيه الحكم بالطهارة.
بل إدعى المرتضى، قدس سره، عليه الاجماع حيث استدل بالاجماع على طهارة كر رأى فيه نجاسة لم يعلم تقدم وقوعها على الكرية على كفاية تتميم النجس كرا في زوال نجاسته.
ورده الفاضلان وغيرهما بأن الحكم بالطهارة هنا لاجل الشك في حدوث سبب النجس، لان الشك مرجعه إلى الشك في كون الملاقاة مؤثرة لوقوعها قبل الكرية أو غير مؤثرة، لكنه يشكل، بناء
___________________________________
(1) الفصول الغروية، ص 354.
[532]
على أن الملاقاة سبب للانفعال والكرية مانعة.
فإذا علم بوقوع السبب في زمان لم يعلم فيه وجود المانع، وجب الحكم بالمسبب، إلا أن الاكتفاء بوجود السبب من دون إحراز عدم المانع ولو بالاصل محل تأمل، فتأمل.
الثاني: أن لا يتضرر بأعمالها مسلم.كما لو فتح قفس طائر فطار، أو حبس شاة فمات ولدها، أو أمسك رجلا فهرب دابته.
فإن إعمال البراءة فيها يوجب تضرر المالك، فيحتمل إندراجه في قاعدة الاتلاف وعموم قوله: (لا ضرر و لا ضرار).
فإن المراد نفي الضرر من غير جبران بحسب الشرع، وإلا فالضرر غير منفي، فلا علم حينئذ ولا ظن بأن الواقعة غير منصوصه، فلا يتحقق شرط التمسك بالاصل من فقدان النص، بل يحصل القطع بتعلق حكم شرعي بالضار، ولكن لا يعلم أنه مجرد التغزير أو الضمان أو هما معا، فينبغي له تحصيل العلم بالبراءة ولو بالصلح(1).
ويرد عليه: أنه إن كان قاعدة نفي الضرر معتبرة في مورد الاصل، كان دليلا، كسائر الادلة الاجتهادية الحاكمة على البراءة، وإلا فلا معنى للتوقف في الواقعة وترك العمل بالبراءة، ومجرد إحتمال إندراج الواقعة في قاعدة الاتلاف أو الضرر لا يوجب رفع اليد عن الاصل.
والمعلوم تعلقه بالضار فيما نحن فيه هو الاثم والتعزير إن كان متعمدا، وإلا فلا يعلم وجوب شئ عليه، فلا وجه لوجوب تحصيل العلم بالبراءة ولو بالصلح.
وبالجملة، فلا يعلم وجه صحيح لما ذكره في خصوص أدلة الضرر، كما لا وجه لما ذكره في تخصيص مجرى الاصل بما إذا لم يكن جزء عبادة، بناء على أن المثبت لاجراء العبادة هو النص، لان النص قد يصير مجملا وقد لا يكون نص في المسألة.
فإن قلنا بجريان أصل عدم العبرة بالعلم بثبوت التكليف المردد بين الاقل والاكثر فلا مانع منه، وإلا فلا مقتضي له، وقد قدمنا ما عندنا في المسألة.
___________________________________
(1) الوافية، ص، مخطوط.
[533]
[ قاعدة لا ضرر ] وحيث جرى ذكر حديث نفي الضرر والضرار ناسب بسط الكلام في ذلك في الجملة فنقول: قد إدعى فخرالدين في الايضاح، في باب الرهن، تواتر الاخبار على نفي الضرر والضرار.
فلا نتعرض من الاخبار الواردة في ذلك إلا لما هو أصح ما في الباب سندا وأوضحه دلالة.وهي الرواية المتضمنة لقصة سمرة بن جندب مع الانصاري.
وهي ما رواه غير واحد عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام: (إن سمرة بن جندب كان له عذق، وكان طريقه إليه في جوف منزل لرجل من الانصار، وكان يجئ إلى عذقه بغير إذن من الانصاري.
فقال الانصاري: يا سمرة ! لا تزال تفجأنا على حال لا نحب أن تفجأنا عليها، وإذا دخلت فاستأذن.
فقال: لا أستأذن في طريقي إلى عذقي.
فشكاه الانصاري إلى رسول الله صلى الله عليه وآله.
فأتاه، فقال: إن فلانا قد شكاك وزعم أنك تمر عليه وعلى أهله بغير إذنه فاستأذن عليه إذا أردت أن تدخل.
فقال: يا رسول الله ! أستأذن في طريقي إلى عذقي؟ فقال له رسول الله " ص ": خل عنه ولك عذق في مكان كذا.
قال: لا.
قال: فلك إثنان.
فقال: لا أريد.
فجعل " ص " يزيد حتى بلغ عشر أعذق.
فقال " ص ": خل عنه ولك عشر أعذق في مكان كذا، فأبى، فقال: خل عنه ولك بها عذق في الجنة.
فقال: لا أريد.
فقال له روسول الله " ص ": إنك رجل مضار، ولا ضرر ولا ضرار على مؤمن.
قال عليه السلام: ثم أمر بها رسول الله " ص " فقلعت، ثم رمي بها إليه.
وقال له رسول الله " ص " إنطلق
[534]
فاغرسها حيث شئت)(1)، الخبر.
وفي رواية أخرى موثقة: (إن سمرة بن جندب كان له عذق في حائط رجل من الانصار وكان منزل الانصاري بباب البستان وفي آخرها -: قال رسول الله صلى الله عليه وآله للانصاري: إذهب فاقلعها وارم بها إليه، فإنه لا ضرر ولا ضرار)(2)، الخبر.
وأما معنى اللفظين، فقال في الصحاح: (الضر خلاف النفع.وقد ضره وضاره بمعنى.والاسم الضرر ثم قال: والضرار المضارة)(3).
وعن النهاية الاثيرية: (في الحديث: (لا ضرر ولا ضرار في الاسلام).الضر ضد النفع.
ضره يضره ضرا وضرار.
وأضر به يضره إضرار.
فمعنى قوله: لا ضرر: لا يضر الرجل أخاه بنقصه شيئا من حقه.
والضرار فعال من الضر، أي لا يجازيه على إضراره بإدخال الضرر عليه.
والضرر فعل الواحد، والضرار فعل الاثنين، والضرر إبتداء الفعل، والضرار الجزاء عليه.
وقيل: الضرر ما تضر به صاحبك وتنتفع أنت به.
والضرار أن تضره بغير أن تنفع.
وقيل: هما بمعنى.
والتكرار للتأكيد)(4) إنتهى.
وعن المصباح: (ضره يضره)، من باب قتل: إذا فعل به مكروها، وأضر به.
يتعدى بنفسه ثلاثيا وبالباء رباعيا.
والاسم الضرر.
وقد يطلق على نقص في الاعيان.
وضاره مضارة وضرارا بمعنى ضره)(5)، إنتهى.
وفي القاموس: (الضر ضد النفع، وضاره يضاره ضرارا.
ثم قال: والضرر سوء الحال ثم قال: الضرار الضيق)(6) إنتهى.
إذا عرفت ما ذكرناه، فاعلم أن المعنى بعد تعذر إرادة الحقيقة عدم تشريع الضرر.
بمعنى أن الشارع لم يشرع حكما يلزم منه ضرر على أحد، تلكيفيا كان أو وضعيا.
فلزوم البيع مع الغبن حكم يلزم منه ضرر على المغبون فينتفي بالخبر.
وكذلك لزوم البيع من غير شفعة للشريك.وكذلك وجوب
___________________________________
(1) الكافي، ج 5، ص 294.
(2) تهذيب الاحكام، ج 7، ص 146.
(3) الصحاح، ج 2، ص 719.
(4) النهاية، ج 3، ص 82.
(5) المصباح، ج 2، ص 492.
(6) القاموس، ج 2، ص 77
[535]
الوضوء على من لا يجد الماء إلا بثمن كثير.وكذلك سلطنة المالك على الدخول إلى عذقه وإباحته له من دون إستيذان من الانصاري.وكذلك حرمة الترافع عند حكام الجور إذا توقف أخذ الحق عليه.ومنه براءة ذمة الضار من تدارك ما أدخله من الضرر.
إذ كما أنه تشريع حكم يحدث معه الضرر منفي بالخبر، كذلك تشريع ما يبقى معه الضرر الحادث، بل يجب أن يكون الحكم المشروع في تلك الواقعة على وجه يتدارك ذلك الضرر كأن لم يحدث.
إلا أنه قد ينافي هذا قوله (لا ضرار)، بناء على أن معنى الضرار المجازاة على الضرر.
وكذا لو كان بمعنى المضارة التي هي من فعل الاثنين، لان فعل البادي منهما ضرر قد نفي بالفقرة الاولى فالضرار المنفي بالفقرة الثانية إنما يحصل بفعل الثاني.
وكأن من فسره بالجزاء على الضرر أخذه من هذا المعنى، لا على أنه معنى مستقل.
ويحتمل أن يراد من النفي النهي عن إضرار النفس أو الغير إبتداء أو مجازاة.
لكن لا بد أن يراد بالنهي زائدا على التحريم الفساد وعدم المضي، للاستدلال به في كثير من رواياته على الحكم الوضعي دون محض التكليف.فالنهي نظير الامر بالوفاء في الشروط والعقود.فكل إضرار بالنفس أو الغير محرم غير ماض على من أضره.وهذا المعنى قريب من الاول، بل راجع إليه.
والاظهر بملاحظة نفس الفقرة ونظائرها وموارد ذكرها في الروايات وفهم العلماء هو المعنى الاول.
ثم إن هذه القاعدة حاكمة على جميع المعلومات الدالة بعمومها على تشريع الحكم الضرري، كأدلة لزوم العقود، وسلطنة الناس على أموالهم، ووجوب الوضوء على واجدإ الماء، وحرمة الترافع إلى حكام الجور، وغير ذلك.
وما يظهر من غير واحد من التعارض بين العمومات المثبتة للتكليف وهذه القاعدة، ثم ترجيح هذه، إما بعمل الاصحاب وإما بالاصول، كالبراءة في مقام التكليف وغيرها في غيره، فهو خلاف ما يقتضيه التدبر في نظائرها، من أدله رفع الحرج، ورفع الخطأ والنسيان، ونفي السهو على كثير السهو، ونفي السبيل على المحسنين، ونفي قدرة العبد على شئ، ونحوها.مع أن وقوعها في مقام الامتنان يكفي في تقديمها على العمومات.
والمراد بالحكومة أن يكون أحد الدليلين بمدلوله اللفظي متعرضا لحال دليل آخر من حيث إثبات حكم لشئ أو نفيه عنه.
فالاول مثل ما دل على الطهارة بالاستصحاب أو بشهادة العدلين، فإنه حاكم على ما دل على أنه لا صلاة إلا بطهور، فإنه يفيد بمدلوله اللفظي على أن ما
[536]
ثبت من الاحكام للطهارة، في مثل لا صلاة إلا بطهور وغيرها، ثابت للمتطهر بالاستصحاب أو بالبينة.
والثاني مثل الامثلة المذكورة.
وأما المتعارضان فليس في أحدهما دلالة لفظية على حال الاخر من حيث العموم خصوص، وإنما يفيد حكما منافيا لحكم الاخر.
وبملاحظة تنافيهما وعدم جواز تحققهما واقعا يحكم بإرادة خلاف الظاهر في أحدهما المعين إن كان الاخر أقوى منه.
فهذا الاخر الاقوى قرينة عقلية على المراد من الاخر.وليس في مدلوله اللفظي تعرض لبيان المراد منه.
ومن هنا ملاحظة الترجيح في القرينة، لان قرينيته بحكم العقل بضميمة المرجح.
أما إذا كان الدليل بمدلوله اللفظي كاشفا عن حال الاخر، فلا يحتاج إلى ملاحظة مرجح له بل هو متعين للقرينة بمدلوله له، وسيأتي لذلك توضيح في تعارض الاستحصابين، إن شاء الله تعالى.
ثم إنه يظهر مما ذكرنا من حكومة الرواية وورودها في مقام الامتنان نظير أدلة نفي الحرج والاكراه أن مصلحة الحكم الضرري المجعول بالادلة العامة لا تصلح أن تكون تداركا للضرر، حتى يقال إن الضرر يتدارك بالمصلحة العائدة إلى المتضرر وإن الضرر المقابل بمنفعة راجحة عليه ليس بمنفي، بل ليس ضررا.
توضيح الفساد: أن هذه القاعدة تدل على عدم جعل الاحكام الضررية وإختصاص ادلة الاحكام بغير موارد الضرر.
نعم لولا الحكومة ومقام الامتنان كان للتوهم المذكور مجال.
وقد يدفع: بأن العمومات الجاعلة للاحكام إنما تكشف عن المصلحة في نفس الحكم ولو في غير مورد الضرر.
وهذه المصلحة لا يتدارك بها الضرر الموجود في مورده، فإن الامر بالحج والصلاة مثلا يدل على عوض ولو مع عدم الضرر.
ففي مورد الضرر لا علم بوجود ما يقابل الضرر.
وهذا الدفع أشنع من أصل التوهم، لانه إن سلم عموم الامر بصورة الضرر كشف عن وجود مصلحة يتدارك بها الضرر في هذا المورد.
مع أنه يكفي حينئذ في تدارك الضرر الاجر المستفاد من قوله صلى الله عليه وآله: (أفضل الاعمال أحمزها)(1)، وما اشتهر في الالسن وارتكز في العقول من: (أن الاجر على قدر المشقة)، فالتحقيق في دفع التوهم المذكور ما ذكرناه من (الحكومة) و (الورود) في مقام الامتنان.
___________________________________
(1) نهج البلاغة، الحكم 249: (أفضل الاعمال ما أكرهت نفسك عليه).
[537]
ثم إنك قد عرفت بما ذكرنا أنه لا قصور في القاعدة المذكورة من حيث مدركها سندا أو دلالة.
إلا أن الذي يوهن فيها هي كثيرة التخصيصات فيها بحيث يكون الخارج منها أضعاف الباقي.كما لا يخفى على المتتبع.
خصوصا على تفسير الضرر بإدخال المكروه، كما تقدم، بل لوبني عى العمل بعموم هذه القاعدة حصل منه فقه جديد.
ومع ذلك فقد إستقرت سيرة الفريقين على الاستدلال بها في مقابل العمومات المثبتة للاحكام وعدم رفع اليد عنها إلا بمخصص قوي في غاية الاعتبار، بحيث يعلم منهم إنحصار مدرك الحكم في عموم هذه القاعدة.
ولعل هذا كاف في جبر الوهن المذكور وإن كان في كفايته نظر، بناء على أن لزوم تخصيص الاكثر على تقدير العموم قرينة على إرادة معنى لا يلزم منه ذلك.
غاية الامر تردد بين العموم وإرادة ذلك المعنى، وإستدلال العلماء لا يصلح معينا خصوصا لهذا المعنى المرجوح المنافي لمقام الامتنان وضرب القاعدة إلا أن يقال مضافا إلى منع أكثرية الخارج وإن سلمت كثرته -: إن الموارد الكثيرة الخارجة عن العام إنما خرجت بعنوان واحد جامع لها وإن لم نعرفه على وجه التفصيل.
وقد تقرر أن تخصيص الاكثر لا إستهجان فيه إذا كان بعنوان واحد جامع لافراد هي أكثر من الباقي.
كما إذا قيل: (أكرم الناس)، ودل دليل على إعتبار العدالة، خصوصا إذا كان المخصص مما يعلم به المخاطب حال الخطاب.ومن هنا ظهر وجه صحة التمسك بكثير من العمومات مع خروج أكثر أفرادها.
كما في قوله عليه السلام: (المؤمنون عن شروطهم)(1) وقوله تعالى: (أوفوا بالعقود)(2)، بناء على إرادة العهود، كما في الصحيح.
ثم إنه يشكل الامر من حيث أن ظاهرهم في الضرر المنفي الضرر النوعي لا الشخصي، فحكموا بشرعية الخيار للمغبون نظرا إلى ملاحظة نوع البيع المغبون وإن فرض عدم تضرره في خصوص مقام.
كما إذا لم يوجد راغب في المبيع وكان بقاؤه ضررا على البائع، لكونه في معرض الاباق أو التلف أو الغصب.
وكما إذا لم يترتب على ترك الشفعة ضرر على الشفيع، بل كان له فيه نفع.
وبالجملة، فالضرر عندهم في بعض الاحكام حكمة لا يعتبر إطرادها، وفي بعض المقامات يعتبرون إطرادها، مع أن ظاهر الرواية إعتبار الضرر الشخصي، إلا أن يستظهر منها إنتفاء الحكم
___________________________________
(1) الكافي (الفروع)، ج 5، ص 404 وسائل الشيعة، ج 6 ص 325.
(2) المائدة: 1
[538]
رأسا إذا كان موجبا للضرر غالبا وإن لم يوجب دائما، كما قد يدعى نظير ذلك في أدلة نفي الحرج.
ولو قلنا بأن التسلط على ملك الغير بإخراجه عن ملكه قهرا عليه بخيار أو شفعة ضرر أيضا، صار الامر أشكل.
إلا أن يقال: إن الضرر أوجب وقوع العقد على وجه متزلزل يدخل فيه الخيار، فتأمل.
ثم إنه قد يتعارض الضرران بالنسبة إلى شخص واحد أو شخصين، فمع فقد المرجح يرجع إلى الاصول والقواعد الاخر.
كما أنه إذا أكره على الولاية من قبل الجائر المستلزمة للاضرار على الناس، فإنه يرجع إلى قاعدة نفي الحرج، لا إلزام الشخص تحمل الضرر لدفع الضرر عن غيره حرج.وقد ذكرنا توضيح ذلك في مسألة التولي من قبل الجائر من كتاب المكاسب.
ومثله: إذا كان تصرف المالك في ملكه موجبا لتضرر جاره وتركه موجبا لتضرر نفسه، فإنه يرجع إلى عموم: (الناس مسلطون على أموالهم)(1)، ولو عد مطلق حجره عن التصرف في ملكه ضررا، لم يعتبر في ترجيح المالك ضرر زائد على ترك التصرف فيه، فيرجع إلى عموم التسلط.
ويمكن الرجوع إلى قاعدة نفي الحرج، لان منع المالك لدفع الضرر الغير حرج وضيق عليه، إما لحكومته إبتداء على نفي الضرر وإما لتعارضهما والرجوع إلى الاصل.
ولعل هذا أو بعضه منشأ إطلاق جماعة وتصريح آخرين بجواز تصرف المالك في ملكه وإن تضرر الجار: بأن يبني داره مدبغة أو حماما أو بيت القصارة أو الحدادة بل حكي عن الشيخ والحلبي وإبن زهرة دعوى الوفاق عليه.
ولعله أيضا منشأ ما في التذكرة من: (الفرق بين تصرف الانسان في الشارع المباح بإخراج روشن أو جناح وبين تصرفه في ملكه) حيث اعتبر في الاول عدم تضرر الجار بخلاف الثاني، فإن المنع من التصرف في المباح لا يعد ضررا بل فوات إنتفاع.
نعم ناقش في ذلك صاحب الكفاية - مع الاعتراف بأنه المعروف بين الاصحاب بمعارضة عموم التسلط لعموم نفي الضرر، قال في الكفاية: (ويشكل جواز ذلك فيما إذا تضرر الجار تضررا فاحشا.
كما إذا حفر في ملكه بالوعة ففسد بها بئر الغير، أو جعل حانوته في صف العطارين حانوت حداد، أو جعل داره مدبغة أو مطبخة)(3)، إنتهى.
واعترض عليه تبعا للرياض بما حاصله: (إنه لا معنى للتأمل بعد إطباق
___________________________________
(1) عوالي اللئالي، ج 3، ص 208.
(2) تذكرة الفقهاء، ج 2، ص 182.
(3) كفاية الاحكام، ص 241.
[539]
الاصحاب نقلا وتحصيلا والخبر المعمول عليه بل المتواتر من: (أن الناس مسلطون على أموالهم)، وأخبار الاضرار على ضعف بعضها وعدم تكافؤها لتلك الادلة محمولة على ما إذا لم يكن له غرض إلا الاضرار، بل فيها كخبر سمرة إيماء إلى ذلك.
سلمنا، لكن التعارض بين الخبرين بالعموم من وجه، والترجيح للمشهور للاصل والاجماع)(1)، إنتهى.
ثم فصل المعترض بين أقسام التصرف بأنه إن قصد به الاضرار من دون ان يترتب عليه جلب نفع أو دفع ضرر، فلا ريب في أنه يمنع.
كما دل عليه خبر سمرة بن جندب، حيث قال له النبي صلى الله عليه وآله: (إنك رجل مضار) وإذا ترتب عليه نفع أو دفع ضرر وعلى جاره ضرر يسير، فإنه جائز قطعا.وعليه بنوا جواز رفع الجدار على سطح الجار.وأما إذا كان ضرر الجار كثيرا يتحمل عادة، فإنه جائز على كراهية شديدة.وعليه بنوا كراهة التولي من قبل الجائز لدفع ضرر يصيبه.وأما إذا كان ضرر الجار كثيرا لا يتحمل عادة لنفع يصيبه، فإنه لا يجوز له ذلك.وعليه بنوا حرمة الاحتكار في مثل ذلك.وعليه بنى جماعة كالفاضل في التحرير والشهيد في اللمعة الضمان إذا أجج نارا بقدر حاجته مع ظنه التعدي إلى الغير.
وأما إذا كان ضرره كثيرا وضرر جاره كذلك، فإنه يجوز له دفع ضرره وإن تضرر جاره أو أخوه المسلم.
وعليه بنوا جواز الولاية من قبل الجائر إلى أن قال والحاصل: أن أخبار الاضرار فيما يعد إضرار معتدا به عرفا، والحال أنه لا ضرر بذلك على المضر، لان الضرر لا يزال بالضرر)(2)، إنتهى.
أقول: الاوفق بالقواعد تقديم المالك، لان حجر المالك عن التصرف في ماله ضرر يعارض ضرر الغير، فيرجع إلى عموم قاعدة السلطنة ونفي الحرج، نعم في الصورة الاولى التي يقصد المالك مجرد الاضرار من غير غرض في التصرف يعتد به لا يعد فواته ضررا.
والظاهر عدم الفرق بين كون ضرر المالك بترك التصرف أشد من ضرر الغير أو أقل، إما لعدم ثبوت الترجيح بقلة الضرر كما سيجئ، وإما لحكومة نفي الحرج على نفي الضرر.
فإن تحمل الغير على الضرر ولو يسيرا، لاجل دفع الضرر عن الغير ولو كثيرا، حرج وضيق.
ولذا إتفقوا على أنه يجوز للمكره الاضرار على الغير بما دون
[540]
القتل، دفع الضرر عن نفسه، ولو كان أقل من ضرر الغير.هذا كله في تعارض ضرر المالك و ضرر الغير.
وأما في غير ذلك فهل يرجع إبتداء إلى القواعد الاخر أو بعد الترجيح بقلة الضرر؟ وجهان بل قولان.
يظهر الترجيح من بعض الكلمات المحكية عن التذكرة وبعض موارد الدروس ورجحه غير واحد من المعاصرين.
ويمكن أن ينزل عليه ما عن المشهور، من أنه لو أدخلت الدابة رأسها في القدر بغير تفريط من أحد المالكين كسر القدر وضمن قيمته صاحب الدابة، معللا بأن الكسر لمصلحته، فيحمل إطلاق كلامهم على الغالب، من أن ما يدخل من الضرر على مالك الدابة، إذا حكم عليه بتلف الدابة وأخذ قيمتها، أكثر مما يدخل على صاحب القدر بتلفه وأخذ قيمته.
وبعبارة أخرى: تلف إحدى العينين وتبدلها بالقيمة أهون من تلف الاخرى.
وحينئذ فلا يبقى مجال للاعتراض على تعليل الحكم بكونه لمصلحة صاحب الدابة، بما في المسالك من (أنه قد يكون المصلحة لصاحب القدر فقط يكون المصلحة مشتركة بينها).
وكذلك حكمهم بضمان صاحب الدابة إذا دخلت في دار لا تخرج إلا بهدمها، معللا بأنه لمصلحة صاحب الدابة.
فإن الغالب أن تدارك المهدوم أهون من تدراك الدابة.
والله العالم.
قد تمت الكتاب بعون الملك الوهاب وباعانة جناب المستطاب ميرزا محمد هادي سلمه الله طالقاني الاصل وطهراني المسكن بيد أقل الطلاب [..] تحريرا في شهر ذي حجة الحرام سنة 1267.
[ وقد كتب المصنف، عليه الرحمة، في الهامش: ] (بسم الله الرحمن الرحيم) (قد قوبل بنسخة صححها بيده الجانية العبد الاحقر مرتضى الانصاري) [ وفي أدناه نقش خاتمة الشريف: ] (لا إله إلا الله الملك الحق المبين، عبده مرتضى الانصاري)
[541]
المقام الثاني في الاستصحاب وهو، لغة، أخذ الشئ مصاحبا.
ومنه: إستصحاب أجزاء ما لا يؤكل لحمه في الصلاة.
وعند الاصوليين عرف بتعاريف، أسدها وأخضرها: (إبقاء ما كان).
والمراد بالابقاء الحكم بالبقاء.ودخل الوصف في الموضوع مشعر بعليته للحكم.
فعلة الابقاء هو أنه كان، فيخرج إبقاء الحكم لاجل وجود علته او دليله.
وإلى ما ذكرنا يرجع تعريفه في الزبدة ب (أنه إثبات الحكم في الزمان الثاني تعويلا على ثبوته في الزمان الاول)(1).
بل نسبه شارح الدروس إلى القوم، فقال: (إن القوم ذكروا أن الاستصحاب إثبات حكم في زمان لوجوده في زمان سابق عليه)(2).
وأزيف التعاريف تعريفه ب (أنه كون حكم أو وصف يقيني الحصول في الان السابق مشكوك البقاء في الان اللاحق)(3).
إذ لا يخفى أن كون حكم أو وصف كذلك هو محقق مورد الاستصحاب ومحله، لا نفسه.
ولذا صرح في المعالم كما عن غاية المأمول ب (أن أستصحاب الحال، محله أن يثبت حكم في وقت ثم يجئ وقت آخر ولا يقوم دليل على إنتفاء ذلك الحكم، فهل يحكم ببقائه على ما كان، وهو الاستصحاب)(4)، إنتهى.
ويمكن توجيه التعريف المذكور: بأن المحدود هو الاستصحاب المعدود من الادلة.
وليس الدليل إلا ما أفاد العلم أو الظن بالحكم، والمفيد للظن الحكم في الان اللاحق ليس إلا
___________________________________
(1) زبدة الاصول، ص 72.
(2) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص 76.
(3) القوانين المحكمة، ص 275.
(4) معالم الدين، ص 231
[542]
كونه يقيني الحصول في الان السابق مشكوك البقاء في الان ا للاحق، فلا مناص عن تعريف الاستصحاب المعدود من الامارات إلا بما ذكره، قدس سره.
لكن فيه: أن الاستصحاب كما صرح به هو، قدس سره، في أول كتابه -: (إن أخد من العقل كان داخلا في الدليل العقلي، وإن أخذ من الاخبار فيدخل في السنة)(1).
وعلى كل تقدير فلا يستقيم تعريفه بما ذكره، لان دليل العقل هو حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي.
وليس هنا إلا حكم العقل ببقاء ما كان على ما كان.
والمأخوذ من السنة ليس إلا وجوب الحكم ببقاء ما كان على ما كان، فكون الشئ معلوما سابقا مشكوكا فيه لا ينطبق على الاستصحاب بأحد الوجهين.
نعم ذكر المختصر: (أن معنى إستصحاب الحال أن الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء)(2).
فإن كان الحد هو خصوص الصغرى على التعريف المذكور، وإن جعل خصوص الكبرى إنطبق على تعاريف المشهور.
وكأن صاحب الوافية إستظهر منه كون التعريف مجموع المقدمتين، فوافقه في ذلك، فقال: (إن الاستصحاب هو التمسك بثبوت ما ثبت في وقت أو حال على بقائه فيما بعد ذلك الوقت أو في غير تلك الحال، فيقال: إن الامر الفلاني قد كان ولم يعلم عدمه، وكل ما كان كذلك فهو باق)(3)، إنتهى.ولا ثمرة مهمة في ذلك.
___________________________________
(1) القوانين المحكمة، ج 2 ص 13.
(2) شرح مختصر الاصول، ج 2، ص 284.
(3) الوافية، ص مخطوط
[543]
بقي الكلام في أمور الاول إن عد الاستصحاب من الاحكام الظاهرية الثابتة للشئ بوصف كونه مشكوك الحكم، نظير أصل البراءة وقاعدة الاشتغال، مبني على إستفادته من الاخبار، وأما بناء على كونه من احكام العقل فهو دليل ظني إجتهادي، نظير القياس والاستقراء على القول بهما.
وحيث أن المختار عندنا هو الاول، ذكرناه في الاصول العملية المقررة للموضوعات بوصف كونها مشكوكة الحكم.
لكن ظاهر كلمات الاكثر، كالشيخ والسيدين والفاضلين والشهيدين وصاحب المعالم، كونه حكما عقليا، ولذا لم يتمسك أحد هؤلاء فيه بخبر من الاخبار.
نعم ذكر في العدة، إنتصارا للقائل بحجيته، ما روي عن النبي، صلى الله عليه وآله، من: (أن الشيطان ينفخ بين إليتي المصلي فلا ينصرفن أحدكم إلا بعد أن يسمع صوتا أو يجد ريحا)(1).
ومن العجب أنه إنتصر بهذا الخبر الضعيف المختص بمورد خاص ولم يتمسك بالاخبار الصحيحة العامة المعدودة في حديث الاربعمائة من أبواب العلوم.
وأول من تمسك بهذه الاخبار فيما وجدته والد الشيخ البهائي، فيما حكي عنه، في العقد الطهماسبي، وتبعه صاحب الذخيرة وشارح الدروس، وشاع بين من تأخر عنهم.
نعم ربما يظهر من الحلي في السرائر الاعتماد على هذه الاخبار، حيث عبر عن إستصحاب نجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره من قبل نفسه ب (نقض اليقين باليقين)، وهذه العبارة ظاهر أنها مأخوذة من الاخبار.
الثاني إن عد الاستصحاب على تقدير إعتباره من باب إفادة الظن من الادلة العقلية، كما فعله غير
___________________________________
(1) عدة الاصول، ص 304 الكافي، ج 3، ص 36 من لا يحضره الفقيه، ج 1، ص 62.
[544]
واحد منهم، بإعتبار أنه حكم عقلي يتوصل به إلى حكم شرعي بواسطة خطاب الشارع.
فنقول: إن الحكم الشرعي الفلاني ثبت سابقا ولم يعلم إرتفاعه، وكل ما كان كذلك فهو باقل.
فالصغرى شرعية والكبرى عقلية ظنية.
فهو والقياس والاستحسان والاستقراء، نظير المفاهيم والاستلزامات، من العقليات الغير المستقلة.
الثالث إن مسألة الاستصحاب على القول بكونه من الاحكام العقلية مسألة أصولية يبحث فيها عن كون الشئ دليلا على الحكم الشرعي، نظير حجية القياس والاستقراء.
نعم يشكل ذلك بما ذكره المحقق القمي، قدس سره، في القوانين، وحاشيته، من أن مسائل الاصول ما يبحث فيها عن حال الدليل بعد الفراغ عن كونه دليلا، لا عن دليلية الدليل.
وعلى ما ذكره، قدس سره، فيكون مسألة الاستصحاب كمسائل حجية الادلة الظنية، كظاهر الكتاب وخبر الواحد ونحوهما، من المبادي التصديقية للمسائل الاصولية.
وحيث لم يتبين في علم آخر أحتيج إلى بيانها في نفس العلم، كأكثر المبادي التصورية.
نعم ذكر بعضهم: (أن موضوع الاصول ذوات الادلة من حيث يبحث عن دليليتها أو عما يعرض لها بعد الدليلية)(1).
ولعله موافق لتعريف الاصول ب (أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الاحكام الفرعية عن أدلتها)(2).
أما على القول بكونه من الاصول العملية، ففي كونه من المسائل الاصولية غموض، من حيث أن الاستصحاب حينئذ قاعدة مستفادة من السنة.
وليس التكلم فيه تكلما في أحوال السنة، بل هو نظير سائر القواعد المستفادة من الكتاب والسنة.
والمسألة الاصولية هي التي بمعونتها يستنبط هذه القاعدة من قولهم عليه السلام: (لا تنقص اليقين بالشك).
وهي المسائل الباحثة عن أحوال طريق الخبر وعن أحوال الالفاظ الواقعة فيه.
فهذه القاعدة كقاعدة البراءة والاشتغال، نظير قاعدة نفي الضرر والحرج، من القواعد الفرعية المتعلقة بعمل المكلف.
نعم يندرج تحت هذه القاعدة مسألة أصولية يجري فيها الاستصحاب.
كما
___________________________________
(1) الفصول الغروية، ص 11.
(2) القوانين المحكمة، ص 3.
[545]
يندرج المسألة الاصولية أحيانا تحت أدلة نفي الحرج، كما ينفى الفحص عن المعارض حتى يقطع بعدمه بنفي الحرج.
نعم يشكل كون الاستصحاب من المسائل الفرعية: بأن إجراءها في موردها أعني صورة الشك في بقاء الحكم الشرعي السابق، كنجاسة الماء المتغير بعد زوال تغيره مختص بالمجتهد وليس وظيفة للمقلد.
فهي مما يحتاج إليه المجتهد فقط ولا ينفع للمقلد.
وهذا من خواص المسألة الاصولية، فإن المسائل الاصولية لما مهدت للاجتهاد وإستنباط الاحكام من الادلة اختص التكلم فيها بالمتسنبط، ولا حظ لغيره فيها.
فإن قلت: إن إختصاص هذه المسألة بالمجتهد، لاجل أن موضوعها وهو الشك في الحكم الشرعي وعدم قيام الدليل الاجتهادي عليه ولا يتشخص إلا للمجتهد، وإلا فمضمونه، وهو العمل على طبق الحالة السابقة وترتيب آثارها، مشترك بين المجتهد والمقلد.
قلت: جميع المسائل الاصولية كذلك، لان وجوب العمل بخبر الواحد وترتيب آثار الصدق عليه ليس مختصا بالمجتهد.
نعم تشخيص مجرى خبر الواحد وتعيين مدلوله وتحصيل شروط العمل به مختص بالمجتهد، لتمكنه من ذلك وعجز المقلد عنه.
فكأن المجتهد نائب عن المقلد في تحصيل مقدمات العمل بالادلة الاجتهادية وتشخيص مجاري الاصول العملية، إلا فحكم الله الشرعي في الاصول والفروع مشترك بين المجتهد والمقلد، هذا.
وقد جعل بعض السادة الفحول الاستصحاب دليلا على الحكم في مورده، وجعل قولهم عليهم السلام: (لا تنقض اليقين بالشك)، دليلا على الدليل، نظير آية النبأ بالنسبة إلى خبر الواحدن حيث قال: (إن إستصحاب الحكم المخالف للاصل في شئ دليل شرعى رافع لحكم الاصل ومخصص لعمومات الحل إلى ان قال في آخر كلام له سيأتي نقله: - وليس عموم قولهم عليهم السلام: (لا تنقض اليقين بالشك) بالقياس إلى أفراد الاستصحاب وجزئياته إلا كعموم آية النبأ بالقياس إلى آحاد الاخبار المعتبرة)(1)، إنتهى.
أقول: معنى الاستصحاب الجزئي في المورد الخاص، كإستصحاب نجاسة الماء المتغير، ليس إلا
___________________________________
(1) بحر العلوم، الفوائد، الفائدة 35، ص 116.
[546]
الحكم بثبوت النجاسة في ذلك الماء النجس سابقا.
وهل هذا إلا نفس الحكم الشرعي وهل الدليل عليه إلا قولهم عليهم السلام: (لا تنقض اليقين بالشك).
وبالجملة فلا فرق بين الاستصحاب وسائر القواعد المستفادة من العمومات.
هذا كله في الاستصحاب الجاري في الشبهة الحكمية المثبت للحكم الظاهري الكلي.
أما الجاري في الشبهة الموضوعية، كعدالة زيد ونجاسة ثوبه وفسق عمرو وطهارة بدنه، فلا إشكال في كونه حكما فرعيا، سواء كان التكلم فيه من باب الظن أم كان من باب كونها قاعدة تبعدية مستفادة من الاخبار، لان التكلم فيه على الاول نظير التكلم في إعتبار سائر الامارات، كيد المسلمين وسوقهم والبينة والغلبة ونحوها، في الشبهات الخارجية، وعلى الثاني من باب أصالة الطهارة وعدم الاعتناء بالشك بعد الفراغ ونحو ذلك.
الرابع إن المناط في إعتبار الاستصحاب، على القول بكونه من باب التعبد الظاهري، هو مجرد عدم العلم بزوال الحالة السابقة.
وأما على القول من باب الظن المعهود من طريقة الفقهاء عدم إعتبار إفادة الظن في خصوص المقام.
كما يعلم ذلك من حكمهم بمقتضيات الاصول كلية مع عدم إعتبارهم أن يكون العامل بها ظانا ببقاء الحالة السابقة.
ويظهر من ذلك لادنى متتبع في احكام العبادات والمعاملات والمرافعات والسياسات.
نعم ذكر شيخنا البهائي، قدس سره، في الحبل المتين، في باب الشك في الحدث بعد الطهارة، ما يظهر منه إعتبار الظن الشخصي، حيث قال: (لا يخفى أن الظن الحاصل بالاستصحاب في من تيقن الطهارة وشك في الحدث لا يبقى على نهج واحد، بل يضعف بطول المدة شيئا فشيئا، بل قد يزول الرجحان ويتساوى الطرفان، بل ربما يصير الراجح مرجوحا.
كما إذا توضأ عند عادته البقاء وذهل عن التحفظ ثم شك عند المغرب في صدور الحدث منه ولم يكن من عادته البقاء على الطهارة إلى ذلك الوقت.
والحاصل أن المدار على الظن، فما دام باقيا فالعمل عليه وإن ضعف)(1)، إنتهى كلامه، رفع في الخلد مقامه.
___________________________________
(1) الحبل المتين، ص 37.
[547]
ويظهر من شارح الدروس إرتضاؤه، حيث قال بعد حكاية هذا الكلام: (ولا يخفى أن هذا إنما يصح لو بنى المسألة على أن ما تيقن بحصوله في وقت ولم يعلم أو يظن طرو ما يزيله يحصل الظن ببقائه، والشك في نقيضه لا يعارضه، إذ الضعيف لا يعارض القوي.
لكن هذا البناء ضعيف جدا، بل بناؤها على الروايات مؤيدة بأصالة البراءة في بعض الموارد، وهي تشمل الشك والظن معا، فإخراج الظن منه مما لا وجه له أصلا)(1)، إنتهى كلامه.
ويمكن إستظهار ذلك من الشهيد، قدس سره، في الذكرى حيث ذكر: (أن قولنا: (اليقين لا ينقضه الشك)، لا نعني به إجتماع اليقين والشك، بل المراد أن اليقين الذي كان في الزمن الاول ل يخرج عن حكمه بالشك في الزمان الثاني لاصالة بقاء ما كان، فؤول إلى إجتماع الظن والشك في الزمان الواحد فيرجح إ الظن عليه، كما هو مطرد في العبادات)(2)، إنتهى كلامه.
ومراده من الشك مجرد الاحتمال، بل ظاهر كلامه أن المناط في إعتبار الاستصحاب من باب أخبار عدم نقض اليقين بالشك هو الظن أيضا، فتأمل.
الخامس إن المستفاد، من تعريفنا السابق الظاهر في إستناد الحكم بالبقاء إلى مجرد الوجود السابق، أن الاستصحاب يتقوم بأمرين: أحدهما: وجود الشئ في زمان، سواء علم به في زمان وجوده أم لا، نعم لا بد من إحراز ذلك حين إرادة الحكم بالبقاء بالعلم أو الظن المعتبر.
وأما مجرد الاعتقاد بوجود شئ في زمان مع زوال ذلك الاعتقاد في زمان آخر، فلا يتحقق معه الاستصحاب الاصطلاحي، وإن توهم بعضهم جريان عموم (لا تنقض) فيه، كما سننبه عليه.
والثاني: الشك في وجوده في زمان لا حق عليه، فو شك في زمان سابق عليه فلا إستصحاب، وقد يطلق عليه الاستصحاب القهقرى مجازا.
ثم المعتبر هو الشك الفعلي الموجود حال الالتفات إليه.
أما لو لم يلتفت فلا إستصحاب وإن
___________________________________
(1) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص 142.
(2) ذكرى الشيعة، ص 98.
[548]
فرض الشك فيه على فرض الالتفات.
فالمتيقن للحدث إذا التفت إلى حاله في اللاحق فشك جرى الاستصحاب في حقه.
فلو غفل عن ذلك وصلى بطلت صلاته، لسبق الامر بالطهارة، ولا يجري في حقه حكم الشك في الصحة بعد الفراغ عن العمل، لان مجراه الشك الحادث بعد الفراغ، لا الموجود من قبل.
نعم لو غفل عن حاله بعد اليقين بالحدث وصلى ثم إلتفت وشك في كونه محدثا حال الصلاة أو متطهرا جرى في حقه قاعدة الشك بعد الفراغ، لحدوث الشك بعد العمل وعدم وجوده قبله حتى يوجب الامر بالطهارة والنهي عن الدخول فيه بدونها.
نعم هذا الشك اللاحق يوجب الاعادة بحكم إستصحاب عدم الطهارة لولا حكومة قاعدة الشك بعد الفراغ عليه، فافهم.
[549]
السادس في تقسيم الاستصحاب إلى أقسام ليعرف أن الخلاف في مسألة الاستصحاب في كلها أو بعضها، فنقول: إن له تقسيما بإعتبار المستصحب، وآخر بإعتبار الدليل الدال عليه، وثالثا بإعتبار الشك المأخذوذ فيه.
أما بالاعتبار الاول فمن وجوه الوجه الاول من حيث أن المستصحب قد يكون أمرا وجوديا، كوجوب شئ أو طهارة شئ أو رطوبة ثوب أو نحو ذلك.
وقد يكون عدميا، وهو على قمسين:
أحدهما عدم إشتغال الذمة بتكليف شرعي.
ويسمى عند بعضهم بالبراءة الاصلية وأصالة النفي.
والثاني غيره، كعدم نقل اللفظ من معناه وعدم القرينة وعدم موت زيد ورطوبة الثوب وحدوث موجب الوضوء أو الغسل ونحو ذلك.ولا خلاف في كون الوجودي محل النزاع.
وأما العدمي فقد مال الاستاد، قدس سره، إلى عدم الخلاف فيه، تبعا لما حكاه عن استاده السيد صاحب الرياض، رحمه الله، من دعوى الاجماع على إعتباره في العدميات.
واستشهد على ذلك، بعد نقل الاجماع المذكور، بإستقرار سيرة العلماء على التمسك بالاصول العدمية، مثل اصالة عدم القرينة والنقل والاشتراك وغير ذلك، وببنائهم هذه المسألة على كفاية العلة المحدثه للابقاء.
أقول: ما إستظهره، قدس سره، لا يخلو عن تأمل: أما دعوى الاجماع فلا مسرح لها في المقام، مع ما سيمر بك من تصريحات كثير بخلافه، وإن كان يشهد لها ظاهر التفتازاني في شرح الشرح، حيث قال:
[550]
(إن خلاف الحنفية المنكرين للاستصحاب إنماهو في الاثبات دون النفي الاصلي)(1).
وأما سيرة العلماء فقد إستقرت في باب الالفاظ على التمسك بالاصول الوجودية والعدمية كلتيهما.
قال الوحيد البهبهاني في رسالته الاستصحابية، بعد نقل القول بإنكار إعتبار الاستصحاب مطلقا عن بعض وإثباته عن بعض والتفصيل عن بعض آخر، ما هذا لفظه: (لكن الذي نجد من الجميع حتى من المنكر مطلقا أنه يستدلون بأصالة عدم النقل فيقولون: الامر حقيقة في الوجوب عرفا، فكذا لغة، لاصالة عدم النقل.
ويستدلون بأصالة بقاء المعنى اللغوي فينكرون الحقيقة الشرعية إلى غير ذلك، كما لا يخفى على المتتبع)(2)، إنتهى.
وحينئذ فلا شهادة في السيرة الجارية في باب الالفاظ على خروج العدميات.
وأما إستدلالهم على إثبات الاستصحاب بإستغناء الباقي عن المؤثر الظاهر الاختصاص بالوجودي فمع أنه معارض بإختصاص بعض أدلتهم الاتي بالعدمي وبأنه يقتضي أن يكون النزاع مختصا بالشك من حيث المقتضي لا من حيث الرافع يمكن توجيهه بأن الغرض الاصلي هنا لما كان هو التكلم في الاستصحاب الذي هو من أدلة الاحكام الشرعية اكتفوا بذكر ما بثبت الاستصحاب الوجودي، مع أنه يمكن أن يكون الغرض تتميم المطلب في العدمي بالاجماع المركب بل الاولوية، لان الموجود إذا لم يحتج في بقائه إلى المؤثر، فالمعدوم كذلك بالطريق الاولى.
نعم ظاهر عنوانهم للمسألة بإستصحاب الحال وتعريفهم له ظاهر الاختصاص بالوجودي، إلا أن الوجه فيه بيان الاستصحاب الذي هو من الادلة الشرعية للاحكام.
ولذا عنونه بعضهم بل الاكثر بإستصحاب حال الشرع.
ومما ذكرنا يظهر عدم جواز الاستشهاد على إختصاص محل النزاع بظهور قولهم في عنوان المسألة (إستصحاب الحال) في الوجودي، وإلا لدل تقييد كثير منهم العنوان ب (إستصحاب حال الشرع) على إختصاص النزاع بغير الامور الخارجية.
___________________________________
(1) تعليقة شرح مختصر الاصول، ص 284.
(2) الرسالة الاستصحابية، ص، مخطوط.
عنوان
[551]
وممن يظهر منه دخول العدميات في محل الخلاف الوحيد البهبهاني فيما تقدم عنه، بل لعله صريح في ذلك، بملاحظة ما ذكره قبل ذلك في تقسم الاستصحاب.
وأصرح من ذلك في عموم محل النزاع إستدلال النافين في كتب الخاصة والعامة بأنه لو كان الاستصحاب معتبرا لزم ترجيح بينة النافي، لاعتضاده بالاستصحاب، وإستدلال المثبتين كما في المنية بأنه لو لم يعتبر الاستصحاب لانسد باب إستنباط الاحكام من الادلة، لتطرق إحتمالات فيها لا تندفع إلا بالاستصحاب(1).
وممن أنكر الاستصحاب في العدميات صاحب المدارك، حيث أنكر إعتبار إستصحاب عدم التذكية الذي تمسك به الاكثر لنجاسة الجلد المطروح.
وبالجملة، فالظاهر أن التتبع يشهد بأن العدميات ليست خارجة عن محل النزاع، بل سيجئ عند بيان أدلة الاقوال -: أن القول بالتفصيل بين العدمي والوجودى بناء على إعتبار الاستصحاب من باب الظن وجوده بين العلماء لا يخلو من إشكال، فضلا عن إتفاق النافين عليه، إذ ما من إستصحاب وجودي إلا ويمكن معه فرض إستصحاب عدمي يلزم من الظن به الظن بذلك المستصحب الوجودي، فيسقط فائدة نفي إعتبار الاستصحابات الوجودية.
وانتظر لتمام الكلام.
ومما يشهد بعدم الاتفاق في العدميات إختلافهم في أن المنافي يحتاج إلى دليل ام لا.فلاحظ ذلك العنوان تجده شاهد صدق على ما إدعيناه.
نعم ربما يظهر من بعضهم خروج بعض الاقسام من العدميات من محل النزاع، كإستصحاب النفي المسمى بالبراءة الاصلية، فإن المصرح به في كلام جماعة، كالمحقق والعلامة والفاضل الجواد، الاطباق على العمل عليه، وكإستصحاب عدم النسخ، فإن المصرح به في كلام غير واحد، كالمحدث الاسترابادي والمحدث البحراني، عدم الخلاف فيه.
بل مال الاول إلى كونه من ضروريات الدين، وألحق الثاني بذلك إستصحاب عدم التخصيص والتقييد.
والتحقيق: أن إعتبار الاستصحاب بمعنى التعويل في تحقق شئ في الزمان الثاني على تحققه في الزمان السابق عليه مختلف فيه من غير فرق بين الوجودي والعدمي.
نعم قد يتحقق في بعض الموارد قاعدة أخرى توجب الاخذ بمقتضى الحالة السابقة، كقاعدة قبح التكليف من غير بيان، أو
___________________________________
(1) المنية، ص، مخطوط.
[552]
عدم الدليل دليل العدم، أو ظهور الدليل الدال على الحكم في إستمراره أو عمومه أو إطلاقه أو غير ذلك.
وهذا لا ربط له بإعتبار الاستصحاب.ثم إنا لم نجد في أصحابنا من فرق بين الوجودي والعدمي.نعم حكى شارح الشرح هذا التفصيل عن الحنفية.
الثاني إن المستصحب قد يكون حكما شرعيا، كالطهارة المستصحبة بعد خروج المذي، والنجاسة المستصحبة بعد زوال تغير المتغير بنفسه، وقد يكون غيره، كإستصحاب الكرية والرطوبة، والوضع الاول عند الشك في حدوث النقل أو في تأريخه.والظاهر بل صريح جماعة وقوع الخلاف في كلا القسمين.
نعم نسب إلى بعض التفصيل بينهما بإنكار الاول والاعتراف بالثاني، ونسب إلى آخر العكس، حكاهما الفاضل القمي في القوانين(1).
وفيه نظر يظهر بتوضيح المراد من الحكم الشرعي وغيره، فنقول: الحكم الشرعي يراد به تارة الحكم الكلي الذي من شأنه أن يؤخذ من الشارع، كطهارة من خرج منه المذي أو نجاسة ما زال تغيره بنفسه، وأخرى يراد به ما يعم الحكم الجزئي الخاص في الموضوع، كطهارة هذا الثوب ونجاسته، فإن الحكم بهما من جهة عدم ملاقاته للنجس أو ملاقاته ليس وظيفة للشارع.نعم وظيفته إثبات الطهارة كلية لكل شئ شك في ملاقاته للنجس وعدمها.
وعلى الاطلاق الاول جرى الاخباريون، حيث أنكروا إعتبار الاستصحاب في نفس أحكام الله تعالى.
وجعله الاسترابادي من أغلاط من تأخر عن المفيد، مع إعترافه بإعتبار الاستصحاب في مثل طهارة الثوب ونجاسته وغيرهما مما شك فيه من الاحكام الجزئية لاجل الاشتباه في الامور الخارجية(2).
وصرح المحدث الحر العاملي بأن أخبار الاستصحاب لا تدل على إعتباره في نفس الحكم الشرعي وإنما تدل على إعتباره في موضوعاته ومتعلقاته.والاصل في ذلك عندهم أن الشبهة في الحكم الكلي لا مرجع فيها إلا الاحتياط دون البراءة
___________________________________
(1) القوانين، ص 283.
(2) الفوائد المدنية، ص 141:
[553]
أو الاستصحاب، فإنهما عندهم مختصان بالشبهة في الموضوع.وعلى الاطلاق الثاني جرى بعض آخر.
قال المحقق الخوانساري في مسألة الاستنجاء بالاحجار: (وينقسم إلى قسمين بإعتبار الحكم المأخوذ فيه إلى شرعي وغيره ومثل للاول بنجاسة الثوب أو البدن، وللثاني برطوبته.
ثم قال: - ذهب بعضهم إلى حجيته بقسميه وبعضهم إلى حجية القسم الاول فقط)(1)، إنتهى.
إذا عرفت ما ذكرناه، ظهر أن عد القول بالتفصيل بين الاحكام الشرعية والامور الخارجية قولين متعاكسين، ليس على مكا ينبغي.
لان المراد بالحكم الشرعي إن كان هو الحكم الكلي الذي أنكره الخباريون، فليس هنا من يقول بإعتبار الاستصحاب فيه ونفيه في غيره.
فإن ما حكاه المحقق الخوانساري واستظهره السبزواري هو إعتباره في الحكم الشرعي بالاطلاق الثاني الذي هو أعم من الاول.وإن أريد بالحكم الشرعي الاطلاق الثاني الاعم.
فلم يقل أحد بإعتباره في غير الحكم الشرعي وعدمه في الحكم الشرعي، لان الاخباريين لا ينكرون الاستصحاب في الاحكام الجزئية.
ثم إن المحصل من القول بالتفصيل بين القسمين المذكورين في هذا التقسيم ثلاثة:
الاول: إعتبار الاستصحاب في الحكم الشرعي مطلقا، جزيئا كان كنجاسة الثوب أو كليا كنجاسة الماء المتغير بعد زوال التغير.وهو الظاهر مما حكاه المحقق الخوانساري.
الثاني: إعتباره في ما عدى الحكم الشرعي الكلي وإن كان حكما جزئيا.وهو الذي حكاه في الرسالة الاستصحابية عن الاخباريين.
الثالث: إعتباره في الحكم الجزئي دون الكلي ودون الامور الخارجية.
وهو الذي ربما يستظهر مما حكاه السيد شارح الوافية عن المحقق الخوانساري في حاشية له على قول الشهيد، قدس سره، في تحريم إستعمال الماء النجس والمشتبه.
الثالث من حيث أن المستصحب قد يكون حكما تكليفيا وقد يكون وضعيا شرعيا، كالاسباب
___________________________________
(1) مشارق الشموس في شرح الدروس، ص 76.
[554]
والشروط والموانع.
وقد وقع الخلاف من هذه الجهة: ففصل صاحب الوافية بين التكليفي وغيره، بالانكار في الاول دون الثاني.
وإنما لم ندرج هذا التقسيم في التقسيم الثاني، مع أنه تقسيم لاحد قسميه، لان الظاهر كلام المفصل المذكرو وإن كان هو التفصيل بين الحكم التكليفي والوضعي، إلا أن آخر كلامه ظاهر في إجراء الاستصحاب في نفس الاسباب والشروط والموانع دون السببية والشرطية والمانعية.وسيتضح ذلك عند نقل عبارته عند التعرض لادلة الاقوال.
وأما الاعتبار الثاني فمن وجوه أيضا أحدها: من حيث أن الدليل المثبت للمستصحب إما أن يكون هو الاجماع وإما أن يكون غيره.وقد فصل بين هذين القسمين الغزالي فأنكر الاستصحاب في الاول.
وربما يظهر من صاحب الحدائق فيما حكي عنه في الدرر النجفية: أن محل النزاع في الاستصحاب منحصر في إستصحاب حال الاجماع.وسيأتي تفصيل ذلك عند نقل أدلة الاقوال إن شاء الله.
الثاني: من حيث انه قد يثبت بالدليل الشرعي وقد يثبت بالدليل القطعي.ولم أجد من فصل بينهما.
إلا أن في تحقق الاستصحاب مع ثبوت الحكم بالدليل العقلي، وهو الحكم العقلي المتوصل به إلى حكم شرعي، تأملا، نظرا إلى أن الاحكام العقلية كلها مبنية مفصلة من حيث مناط الحكم.
والشك في بقاء المستصحب وعدمه لا بد وأن يرجع إلى الشك في موضوع الحكم، لان الجهات المقتضية للحكم العقلي بالحسن والقبح كلها راجعة إلى قيود فعل المكلف الذي هو الموضوع.
فالشك في حكم العقل حتى لاجل وجود الرافع لا يكون إلا للشك في موضوعه، والموضوع لا بد أن يكون محرزا معلوم البقاء في الاستصحاب، كما سيجئ.
ولا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون الشك من جهة الشك في وجود الرافع وبين أن يكون لاجل الشك في إستعداد الحكم، لان إرتفاع الحكم العقلي لا يكون إلا بإرتفاع موضوعه، فيرجع الامر بالاخرة إلى تبدل العنوان.
ألا ترى أن العقل إذا حكم بقبح الصدق الضار، فحكمه يرجع إلى أن الضار من حيث أنه ضار حرام.
ومعلوم أن هذه القضية غير قابلة للاستصحاب عند الشك في الضرر، مع العلم بتحققه سابقا، لان قولنا: (المضر قبيح) حكم دائمي لا يحتمل إرتفاعه أبدا، ولا
[555]
ينفع في إثبات القبح عند الشك في بقاء.
ولا يجوز أن يقال: إن هذا الصدق كان قبيحا سابقا فيستصحب قبحه، لان الموضوع في حكم العقل بالقبح ليس هذا الصدق، بل عنوان المضر، والحكم له مقطوع البقاء.
وهذا بخلاف الاحكام الشرعية، فإنه قد يحكم الشارع على صدق بكونه حراما، ولا يعلم أن المناط الحقيقي فيه باق في زمان الشك أو مرتفع، [ إما من جهة المناط أو من جهة الجهل ببقائه مع معرفته، ] فيستصحب الحكم الشرعي.
فإن قلت: على القول بكون الاحكام الشرعية تابعة للاحكام العقلية، فما هو مناط الحكم وموضوعه في الحكم العقلي بقبح هذا الصدق فهو المناط والموضوع في حكم الشرع بحرمته.
إذ المفروض، بقاعدة التطابق، أن موضوع الحرمة ومناطه هو بعينه موضوع القبح ومناطه.
قلت: هذا مسلم، لكنه مانع عن الفرق بين الحكم الشرعي والعقلي من حيث الظن بالبقاء في الان اللاحق، لا من حيث جريان أخبار الاستصحاب وعدمه.
فإنه تابع لتحقق موضوع المستصحب ومعروضه بحكم العرف.
فإذا حكم الشارع بحرمة شئ في زمان وشك في الزمان الثاني، ولم يعلم أن المناط الحقيقي واقعا الذي هو المناط والموضوع في حكم العقل باق هنا أم لا، فيصدق هنا أن الحكم الشرعي الثابت لما هو الموضوع له في الادلة الشرعية كان موجودا سابقا وشك في بقائه ويجري فيه أخبار الاستصحاب.
نعم لو علم مناط هذا الحكم وموضوعه المعلق عليه في حكم العقل لم يجر الاستصحاب، لما ذكرنا من عدم إحراز الموضوع.
ومما ذكرنا يظهر أن الاستصحاب لا يجري في الاحكام العقلية ولا في الاحكام الشرعية المستندة إليها، سواء كانت وجودية أو عدمية، إذا كان العدم مستندا إلى القضية العقلية، كعدم وجوب الصلاة مع السورة على ناسيها، فإنه لا يجوز إستصحابه بعد الالتفات، كما صدر من بعض من مال إلى الحكم بالاجزاء في هذه الصورة وأمثالها من موارد الاعذار العقلية الرافعة للتكليف مع قيام مقتضيه.
وأما إذا لم يكن العدم مستندا إلى القضية العقلية، بل كان لعدم المقتضي وإن كان القضية العقلية موجودة أيضا، فلا بأس بإستصحاب العدم المطلق بعد إرتفاع القضية العقلية.
ومن هذا الباب إستصحاب حال العقل المراد به في إصطلاحهم إستصحاب البراءة والنفي.
فالمراد إستصحاب الحال التي يحكم العقل على طبقها، وهو عدم التكليف، لا الحال المستندة إلى العقل، حتى يقال إن مقتضى ما تقدم هو عدم جواز إستصحاب عدم التكليف عند إرتفاع القضية العقلية وهي قبح تكليف غير المميز أو المعدوم.
[556]
ومما ذكرنا ظهر أنه لا وجه للاعتراض على القوم في تخصيص إستصحاب حال العقل بإستصحاب النفي والبراءة بأن الثابت بالعقل قد يكون عدميا وقد يكون وجوديا، فلا وجه للتخصيص.
وذلك لما عرفت من أن الحال المستند إلى العقل المنوط بالقضيه العقلية لا يجري فيه الاستصحاب وجوديا كان أو عدميا.وما ذكره من الامثلة يظهر الحال فيها مما تقدم.
الثالث: إن دليل المستصحب إما أن يدل على إستمرار الحكم إلى حصول رافع أو غاية وإما أن لا يدل.
وقد فصل بين هذين القسمين المحقق في المعارج والمحقق الخوانساري في شرح الدروس، فأنكرا الحجية في الثاني واعترفا بها في الاول، مطلقا، كما يظهر من المعارج، أو بشرط كون الشك في وجود الغاية كما يأتي من شارح الدروس.
وتخيل بعضهم، تبعا لصاحب المعالم، أن قول المحقق، قدس سره، موافق للمنكرين، لا محل النزاع ما لم يكن الدليل مقتضيا للحكم في الان اللاحق لولا الشك في الرافع.
وهو غير بعيد بالنظر إلى كلام السيد والشيخ وإبن زهرة وغيرهم، حيث أن المفروض في كلامهم هو كون دليل الحكم في الزمان الاول قضية مهملة ساكتة عن حكم الزمان الثاني، ولو مع فرض عدم الرافع إلا أن الذي يقضتيه التدبر في بعض كلماتهم مثل إنكار السيد لاستصحاب البلد المبني على ساحل البحر، مع كون الشك فيه نظير الشك في وجود الرافع للحكم الشرعي، وغير ذلك مما يظهر للمتأمل ويقتضيه الجمع بين كلماتهم وبين ما يظهر من بعض إستدلال المثبتين والنافين هو عموم النزاع لما ذكر المحقق.
فما ذكره في المعارج أخيرا ليس رجوعا عما ذكره أولا، بل لعله بيان لمورد تلك الادلة التي ذكرها لاعتبار الاستصحاب وأنها لا تقتضي إعتبارا أزيد من مورد يكون الدليل فيه مقتضيا للحكم مطلقا ويشك في رافعه.
وأما بإعتبار الشك في البقاء فمن وجوه أيضا أحدها: من جهة أن الشك قد ينشأ من إشتباه الامر الخارجي، مثل الشك في حدوث البول أو كون
[557]
كالطهارة في المثالين، أم موضوعا كالرطوبة، والكرية، وعدم نقل اللفظ عن معناه الاصلي، وشبه ذلك.
وقد ينشأ من إشتباه الحكم الشرعي الصادر من الشارع، كالشك في بقاء نجاسة المتغير بعد زوال تغيره وطهارة المكلف بعد حدوث المذي منه، ونحو ذلك.
والظاهر دخول القسمين في محل النزاع، كما يظهر من كلام المنكرين حيث ينكرون إستصحاب حياة زيد بعد غيبته عن النظر والبلد المبني على ساحل البحر، ومن كلام المثبتين حيث يستدلون بتوقف نظام معاش الناس ومعادهم على الاستصحاب.ويحكى عن الاخباريين إختصاص الخلاف بالثاني.
وهو الذي صرح به المحدث البحراني، ويظهر من كلام المحدث الاسترابادي، حيث قال في فوائده.
(اعلم أن للاستصحاب صورتين معتبرتين بإتفاق الامة، بل أقول إعتبارهما من ضروريات الدين.
إحدهما: أن الصحابة وغيرهم كانوا يستصحبون ما جاء به نبينا، صلى الله عليه وآله، إلى أن يجئ ناسخه، الثانية: أنا نستصحب كل أمر من الامور الشرعية، مثل كون الرجل مالك أرض وكونه زوج إمرأة، وكونه عبد رجل، وكونه على ضوء، وكون الثوب طاهرا أو نجسا، وكون الليل أو النهار باقيا، وكون ذمة الانسان مشغولة بصلاة أو طواف، إلى أن يقطع بوجود شي ء جعله الشارع سببا مزيلا لنقض تلك الامور.
ثم ذلك الشئ قد يكون شهادة العدلين، وقد يكون قول الحجام المسلم ومن في حكمه، وقد يكون قول القصار ومن في حكمه، وقد يكون بيع ما يحتاج إلى الذبح والغسل في سوق المسلمين، وأشباه ذلك من الامور الحسية)(1)، إنتهى.
ولولا تمثيله بإستصحاب الليل والنهار، لاحتمل أن يكون معقد إجماعه الشك من حيث المانع وجودا أو منعا.
إلا أن الجامع بين جميع أمثلة الصورة الثانية ليس إلا الشبهة الموضوعية، فكأنه إستثني من محل الخلاف صورة واحدة من الشبهة الحكمية، أعني الشك في النسخ وجميع صور الشبهة الموضوعية.
وأصرح من العبارة المذكورة في إختصاص محل الخلاف بالشبهة الحكمية ما حكي عنه في الفوائد أنه قال في جملة كلام له:
___________________________________
(1) الفوائد المدنية، ص 143.
[558]
(إن صورة الاستصحاب المختلف فيه راجعة إلى أنه إذا ثبت حكم بخطاب شرعي في موضوع في حال من حالاته نجريه في ذلك الموضوع عند زوال الحالة القديمة وحدوث نقيضها فيه.
ومن المعلوم أنه إذا تبدل قيد موضوع المسألة بنقيض ذلك القيد إختلف موضوع المسألتين.
فالذي سموه إستصحابا راجع في الحقيقة إلى إسراء حكم لموضوع إلى موضوع آخر متحد معه بالذات مختلف بالقيد والصفات)(1)، إنتهى.
الثاني: من حيث أن الشك بالمعنى الاعم الذي هو المأخوذ في تعريف الاستصحاب، قد يكون مع تساوي الطرفين، وقد يكون مع رجحان البقاء أو الارتفاع، فلا إشكال في دخول الاولين في محل النزاع.
وأما الثالث، فقد يتراءى من بعض كلماتهم عدم وقوع الخلاف فيه.
قال شارح المختصر: (معنى إستصحاب الحال أن الحكم الفلاني قد كان ولم يظن عدمه، وكل ما كان كذلك فهو مظنون البقاء.
وقد اختلف في صحة حجية الاستدلال به لافادته الظن، وعدمها لعدم إفادته)(2)، إنتهى.
والتحقيق: أن محل الخلاف إن كان في إعتبار الاستصحاب من باب التعبد والطريق الظاهري عم صورة الظن الغير المعتبر بالخلاف.
وإن كان من باب إفادة الظن، كما صرح به شارح المختصر، فإن كان من باب الظن الشخصي، كما يظهر من كلمات بعضهم، كشيخنا البهائي في حبل المتين وبعض من تأخر عنه، كان محل الخلاف في غير صورة الظن بالخلاف، إذ مع وجوده لا يعقل ظن البقاء، وإن كان من باب إفادة نوعه الظن لو خلي وطبعه وإن عرض لبعض أفراده ما يسقطه عن إفادة الظن، عم الخلاف صورة شالظن بالخلاف أيضا.
ويمكن أن يحمل كلام العضدي على إرادة أن الاستصحاب من شأنه بالنوع أن يفيد الظن عند فرض عدم الظن بالخلاف، وسيجئ زيادة توضيح لذلك إن شاء الله.
الثالث: من حيث أن الشك في بقاء المستصحب، قد يكون من جهة المقتضي، والمراد به الشك من
___________________________________
(1) الفوائد المدنية، ص 143.
(2) شرح مختصر الاصول، ج 2، ص 284.
[559]
حيث إستعداده وقابليته في ذاته للبقاء، كالشك في بقاء الليل والنهار، وخيار الغبن بعد الزمان الاول، وقد يكون من جهة طرو الرافع مع القطع بإستعداده للبقاء.
وهذا على أقسام، لان الشك إما في وئجود الرافع، كالشك في حدوث البول، وإما أن يكون في رافعية الموجود، إما لعدم تعين المستصحب وتردده بين ما يكون الموجود رافعا وبين ما لا يكون، كفعل الظهر المشكوك كونه رافعا لشغل الذمة بالصلاة المكلف بها قبل العصر يوم الجمعة من جهة تردده بين الظهر والجمعة، وإما للجهل بصفة الموجود من كونه رافعا، كالمذي، أو مصداقا لرافع معلوم المفهوم، كالرطوبة المرددة بين البول والودي، أو مجهول المفهوم.
ولا إشكال في كون ما عدا الشك في وجود الرافع محلا للخلاف.
وإن كان يشعر ظاهر إستدلال بعض المثبتين بأن المقتضي للحكم الاول موجود، إلى آخره، يوهم الخلاف.
وأما هو فالظاهر أيضا ووقع الخلاف فيه، كما يظهر من إنكار السيد، قدس سره، للاستصحاب في البلد المبني على ساحل البحر، وزيد الغائب عن النظر، وأن الاستصحاب لو كان حجة لكان بينة النافي أولى، لاعتضاده بالاستصحاب.
وكيف كان فقد يفصل بين كون الشك من جهة المقتضي وبين كونه من جهة الرافع فينكر الاستصحاب في الاول، وقد يفصل في الرافع بين الشك في وجوده والشك في رافعيته فينكر الثاني مطلقا أو إذا لم يكن الشك في المصداق الخارجي
* * *
[560]
هذه جملة ما حضرني من كلمات الاصحاب والمتحصل منها في بادي النظر أحد عشر قولا:
الاول: القول بالحجية مطلقا.
الثاني: عدمها مطلقا الثالث: التفصيل بين العدمي والوجودي.
الرابع: التفصيل بين الامور الخارجية وبين الحكم الشرعي مطلقا، فلا يعتبر في الاول.
الخامس: التفصيل بين الحكم الشرعي الكلي وغيره، فلا يعتبر إلا في عدم النسخ.
السادس: التفصيل بين الحكم الجزئي وغيره، فلا يعتبر في غير الاول وهذا هو الذي تقدم أنه ربما يستظهر من كلام المحقق الخوانساري في حاشية شرح الدروس، على ما حكاه السيد في شرح الوافية.
السابع: التفصيل بين الكلي التكليفي الغير التابع للحكم الوضعي وغيره، فلا يعتبر في الاول.
[ التفصيل بين الاحكام الوضعية، يعني نفس الاسباب والشروط والموانع، والاحكام التكليفية التابعة لها وبين غيرها من الاحكام الشرعية فيجري في الاول دون الثاني ].
الثامن: التفصيل بين ما ثبت بالاجماع وغيره، فلا يعتبر في الاول.
التاسع: التفصيل بين كون المستصحب مما ثبت بدليله أو من الخارج إستمراره، فشك في الغاية الرافعة وبين غيره، فيعتبر في الاول دون الثاي، كما هو ظاهر المعارج.
العاشر: هذا التفصيل مع إختصاص الشك بوجود الغاية، كما هو الظاهر من المحقق السبزواري فيما سيجئ من كلامه.
الحادي عشر: زيادة الشك في مصداق الغاية من جهة الاشتباه المصداقي دون المفهومي، كما هو ظاهر ما سيجئ من المحقق الخوانساري.
ثم إنه لو بني على ملاحظة ظواهر كلمات من تعرض لهذه المسألة في الاصول والفروع لزادت الاقوال على العدد المذكور بكثيرن بل يحصل لعالم واحد قولان أو أزيد في المسألة.إلا أن صرف الوقت في هذا مما لا ينبغي.
[561]
والاقوى هو القول التاسع وهو الذي اختاره المحقق، فإن المحكي عنه في المعارج أنه قال: (إذا ثبت حكم في وقت، ثم جاء وقت آخر ولم يقم دليل على إنتفاء ذلك الحكم، هل يحكم ببقائه على ما كان؟ أم يفتقر الحكم به في الوقت الثاني إلى دلالة؟ كما يفتقر نفيه إلى الدلالة.حكي عن المفيد، رحمه الله، أنه يحكم ببقائه ما لم تقم دلالة على نفيه.
وهو المختار.وقال المرتضى، قدس سره، لا يحكم.ثم مثل بالمتيمم الواجد للماء في أثناء الصلاة.
ثم احتج للحجية بوجوه منها: أن المقتضي للحكم الاول موجود، ثم ذكر أدلة المانعين وأجاب عنها، ثم قال: - (والذي نختاره: أن ننظر في دليل ذلك الحكم، إن كان يقتضيه مطلقا، وجب الحكم بإستمرار الحكم، كعقد النكاح، فإنه يوجب حل الوطئ مطلقا.
فإذا وقع الخلاف في الالفاظ التي يقع بها الطلاق، فالمستدل على أن الطلاق لا يقع بها لو قال: حل الوطئ ثابت قبل النطق بهذه الالفاظ، فكذا بعده، كان صحيحا، لان المقتضي للتحليل وهو العقد إقتضاه مطلقا، ولا يعلم أن الالفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء، فيثبت الحكم عملا بالمقضتي.
(لا يقال: إن المقتضي هو العقد، ولم يثبت أنه باق).
(لانا نقول: وقوع العقد إقتضى حل الوطئ لا مقيدا بوقت، فيلزم دوام الحل نظرا إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه.
فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع ثم قال: - (فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس هذا عملا بغير دليل، وإن كان يعني أمرا آخر وراء هذا فنحن مضربون عنه)(1)، إنتهى.
ويظهر من صاحب المعالم إختياره، حيث جعل هذا القول من المحقق نفيا بحجية الاستصحاب.
فيظهر أن الاستصحاب المختلف فيه غيره.
___________________________________
(1) معارج الاصول، ص 206.
[562]
لنا على ذلك وجوه
الاول: ظاهر كلمات جماعة الاتفاق عليه
فمنها: ما عن المبادي حيث قال: (الاستصحاب حجة، لاجماع الفقهاء على أنه متى حصل حكم، ثم وقع الشك في أنه ما يزيله أم لا، وجب الحكم ببقائه على ما كان أولا.
ولولا القول بأن الاستصحاب حجة، لكان ترجيحا لاحد طرفي الممكن من غير مرجح)(1)، إنتهى.
ومراده، وإن كان الاستدلال به على حجية مطلق الاستصحاب، بناء على ما ادعاه، من أن الوجه في الاجماع على الاستصحاب مع الشك في طرو المزيل، هو إعتباره الحالة السابقة مطلقا، لكنه ممنوع، لعدم الملازمة، كما سيجئ.
ونظير هذا ما عن النهاية، من: (أن الفقهاء بأسرهم على كثرة إختلافهم إتفقوا على أنا متى تيقنا حصول شئ وشككنا في حدوث المزيل له، أخذنا بالمتيقن).
وهو عين الاستصحاب، لانهم رجحوا إبقاء الثابت على حدوث الحادث.
ومنها: تصريح صاحب المعالم والفاضل الجواد بأن ما ذكره المحقق أخيرا في المعارج راجع إلى قول السيد المرتضى المنكر للاستصحاب.
فإن هذا شهادة منهما على خروج ما ذكره المحقق عن مورد النزاع وكونه موضع وفاق.
إلا أن في صحة هذه الشهادة نظرا، لان ما مثل في المعارج من الشك في الرافعية من مثال النكاح هو بعينه ما أنكره الغزالي.
ومثل له بالخارج من غير السبيلين، فإن الطهارة كالنكاح، في أن سببها مقتض لتحققه دائما إلى أن يثبت الرافع.
___________________________________
(1) مبادى الاصول إلى علم الاصول، ص 250.
[563]
الثاني [ حكم الشارع بالبقاء ]
انا تتبعنا موارد الشك في بقاء الحكم السابق المشكوك من جهة الرافع، فلم نجد من أول الفقه إلى آخره موردا إلا حكم الشارع فيه بالبقاء، إلا مع أمارة توجب الظن بالخلاف، كالحكم بنجاسة الخارج قبل الاستبراء، فإن الحكم بها ليس لعدم إعتبار الحالة السابقة وإلا لوجب الحكم بالطهارة، لقاعدة الطهارة بل لغلبة بقاء جزء من البول أو المني في المخرج، فرجح هذا الظاهر على الاصل، كما في غسالة الحمام عند بعض، والبناء على الصحة المستند إلى ظهور فعل المسلم.
والانصاف: أن هذا الاستقراء يكاد يفيد القطع.
وهو أولى من الاستقراء الذي ذكره غير واحد، كالمحقق البهبهاني وصاحب الرياض، أنه المستند في حجية شهادة العدلين على الاطلاق.
الثالث الاخبار المستفيضة
منها: صحيحة زرارة ولا يضرها الاضمار -: (قال: قلت له: الرجل ينام وهو على وضوء، أيوجب الخفقة والخفقتان عليه الوضوء؟ قال: يا زرارة ! قد تنام القلب والاذن.فإذا نامت العين والاذن فقد وجب الوضوء.
قلت: فإن حرك في جنبه شئ وهو لا يعلم؟ قال: لا، حتى يستيقن أنه قد نام، حتى يجئ من ذلك أمر بين، وإلا فإنه على يقين من وضوئه، ولا ينقض اليقين أبدا بالشك، ولكن ينقضه بيقين آخر)(1).
وتقرير الاستدلال: أن جواب الشرط في قوله عليه السلام: (وإلا فإنه على يقين)، محذوف قامت العلة مقامه، لدلالة ما عليه، وجعله نفس الجزاء يحتاج إلى تكلف.
وإقامة العلة مقام الجزاء لا تحصى كثرة في القرآن وغيره، مثل قوله تعالى: (وإن تجهر بالقول بإنه يعلم السر وأخفى.
وإن تكفروا فإن الله غني عنكم.
ومن كفر فإن ربي غني كريم.
ومن كفر فإن الله غني عن العالمين.
وإن يكفر بها هؤلاء فقد وكلنا بها قوما ليسوا بها بكافرين.
وإن يسرق فقد سرق أخ له من قبل.
وإن
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 1، ص 8.
[564]
يكذبوك فقد كذبت)، إلى غير ذلك.
فمعنى الرواية: إن لم يستيقن أنه قد نام، فلا يجب عليه الوضوء، لانه على يقين من وضوء في السابق.
وبعد إهمال تقييد اليقين بالوضوء وجعل العلة نفس اليقين يكون قوله عليه السلام: (ولا ينقض اليقين)، بمنزلة كبرى كلية للصغرى المزبورة، هذا.
ولكن مبنى الاستدلال على كون اللام في اليقين للجنس، إذ لو كان للعهد لكانت الكبرى المنضمة إلى الصغيرى: (ولا ينقض اليقين بالوضوء بالشك)، فيفيد قاعدة كلية في باب الوضوء وأنه لا ينقض إلا باليقين بالحدث.
واللام وإن كان ظاهرا في الجنس إلا أن سبق يقين الوضوء ربما يوهن الظهور المذكور، بحيث لو فرض إرادة خصوص يقين الوضوء لم يكن بعيدا عن اللفظ من إحتمال أن لا يكون قوله عليه السلام: (فإنه على يقين)، علة قائمة مقام الجزاء، بل يكون الجزاء مستفادا من قوله (ولا تنقض)، وقوله: (فإنه على يقين) توطئة له.
والمعنى: أنه إن لم يستيقن النوم فهو مستيقن لوضوئه السابق ويثبت على مقتضى يقينه ولاينقضه، فيخرج قوله (ولا ينقض) عن كونه بمنزلة الكبرى، فيصير عموم اليقين وإرادة الجنس منه أوهن.
لكن الانصاف: أن الكلام مع ذلك لا يخلو عن ظهور، خصوصا بضميمة الاخبار الاخر الاتية المتضمنة لعدم نقض اليقين بالشك.
وربما يورد على إرادة العموم من اليقين أن النفي الوارد على العموم لا يدل على السلب الكلي.
وفيه: أن العموم مستفاد من الجنس في حيز النفي.
فالعموم بملاحظة النفي، كما في (لا رجل في الدار)، لا في حيزه، كما في: (لم آخذ كل الدراهم).
ولو كان اللاز لاستغراق الافراد كان الظاهر، بقرينة المقام والتعليل وقوله (أبدا)، هو إرادة عموم النفي، لا نفي العموم.
وقد أورد على الاستدلال بالصحيحة بما لا يخفى جوابه على الفطن.
والمهم في هذا الاستدلال إثبات إرادة الجنس من اليقين.
ومنها: صحيحة أخرى لزرارة مضمرة أيضا: (قال: قلت له: أصاب ثوبي دم رعاف أو غيره أو شئ من المني، فعلمت أثره إلى أن أصيب له الماء، فحضرت الصلاة ونسيت أن بثوبي شيئا وصليت، ثم إني ذكرت بعد ذلك؟ قال عليه السلام: تعيد الصلاة وتغسله.
قلت: فإن لم أكن رأيت موضعه وعلمت أنه أصابه فطلبته ولم أقدر عليه فلما
[565]
صليت وجدته؟ قال عليه السلام: تغسله وتعيد.
قلت: فإن ظننت أنه أصابه ولم أتيقن ذلك فنظرت ولم أر شيئا فصليت فيه فرأيت ما فيه؟ قال: تغسله ولا تعيد الصلاة.
قلت: لم ذلك؟ قال: لانك كنت على يقين من طهارتك فشككت، وليس ينبغي لك أن تنقض اليقين بالشك أبدا.
قلت: فإني قد علمت أنه قد أصابه ولم أدر أين هو فأغسله.
قال: تغسل من ثوبك الناحية التي ترى أنه قد أصابها حتى تكون على يقين من طهارتك.
قلت: فهل علي إن شككت أنه أصابه شئ أن أنظر فيه؟ قال: لا، ولكنك إنما تريد أن تذهب بالشك الذي وقع من نفسك.
قلت: إن رأيته في ثوبي وأنا في الصلاة؟ قال: تنقض الصلاة وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته.
وإن لم تشك ثم رأيته رطبا قطعت الصلاة وغسلته ثم بنيت على الصلاة، لانك لا تدري لعله شئ أوقع عليك فليس ينبغي.
لك أن تنقض اليقين بالشك)(1)، بالحديث.والتقريب كما تقدم في الصحيحة الاولى، وإرادة الجنس من اليقين لعله أظهر هنا.
وأما فقه الحديث، فبيانه: أن مورد الاستدلال يحتمل وجهين:
أحدهما: أن يكون مورد السؤال فيه أن يرى بعد الصلاة نجاسة يعلم أنها هي التي خفيت عليه قبل الصلاة.وحينئذ فالمراد اليقين بالطهارة قبل ظن الاصابة والشك حين إرادة الدخول في الصلاة.
لكن عدم نقض اليقين بذلك الشك إنما يصلح علة لمشروعية الدخول في العبادة المشروطة بالطهارة مع الشك فيها وأن الامتناع عن الدخول فيها نقض لاثار تلك الطهارة المتيقنة، لا لعدم
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 1، ص 421 وسائل الشيعة، ج 2، ص 1006
[566]
وجوب الاعادة على من تيقن أنه صلى في النجاسة، كما جزم به السيد الشارح للوافية، إذ الاعادة ليست نقضا لاثر الطهارة المتيقنة بالشك، بل هو نقض باليقين، بناء على أن من آثار حصول اليقين بنجاسة الثوب حين الصلاة ولو بعدها وجوب إعادتها.
وربما يتخيل حسن التعليل لعدم الاعادة بملاحظة إقتضاء إمتثال الامر الظاهري للاجزاء، فيكون الصحيحة من حيث تعليلها دليلا على تلك القاعدة وكاشفة عنها.
وفيه: أن ظاهر قوله: (فليس ينبغي) يعني: ليس ينبغي لك الاعادة لكونه نقضا.
كما أن قوله عليه السلام في الصحيحة: (لا ينقض اليقين بالشك أبدا) عدم إيجاب إعادة الوضوء، فافهم، فإنه لا يخلو عن دقة.
ودعوى: (أن من آثار الطهارة السابقة إجزاء الصلاة معها عدمها وعدم وجوب الاعادة لها.
فوجوب الاعادة نقض لاثار الطهارة السابقة) مدفوعة: بأن الصحة الواقعية وعدم الاعادة للصلاة مع الطهارة المتحققة سابقا من الاثار العقلية الغير المجعولة للطهارة المتحققة لعدم معقولية عدم الاجزاء فيها، مع أنه يوجب الفرق بين وقوع تمام الصلاة مع النجاسة فلا يعيد وبين وقوع بعضها معها فيعيد.
كما هو ظاهر قوله عليه السلام بعد ذلك: (وتعيد إذا شككت في موضع منه ثم رأيته)، إلا أن يحمل هذه الفقره، كما إستظهره شارح الوافية، على ما لو علم الاصابة وشك في موضعها ولم يغسلها نسيانا.
وهو مخالف لظاهر الكلام وظاهر قوله بعد ذلك: (وإن لم تشك ثم رأيته)(1)، إلخ.
والثاني: أن يكون مورد السؤال رؤية النجاسة بعد الصلاه مع إحتمال وقوعها بعدها.
فالمراد: أنه ليس ينبغي أن تنقض يقين الطهارة بمجرد إحتمال وجود النجاسه حال الصلاة.وهذا الوجه سالم مما يرد على الاول، إلا أنه خلاف ظاهر السؤال.
نعم مورد قوله عليه السلام أخيرا: (فليس ينبغي لك)، إلخ، هو الشك في وقوعه أول الصلاة او حين الرؤية، ويكون المراد من قطع الصلاة الاشتغال عنها بغسل الثوب مع عدم تخلل المنافي لا إبطالها، ثم البناء عليها الذي هو خلاف الاجماع.
لكن تغريع عدم نقض اليقين على إحتمال تأخر الموضوع يأبى عن حمل اللام على الجنس، فافهم.
ومنها: صحيحة ثالثة لزرارة: (وإذا لم يدر في ثلاث هو أو في أربع وقد أحرز الثلاث، قام فأضاف إليها
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 1، ص 421 وسائل الشيعة، ج 1، ص 1006
[567]
أخرى، ولا شئ عليه.
ولا ينقض اليقين بالشك، ولا يدخل الشك في اليقين، ولا يخلط أحده بالاخر، ولكنه ينقض الشك باليقين ويتم على اليقين فيبني عليه، ولا يعتد بالشك في حال من الحالات)(1).وقد تمسك بها في الوافية وقرره الشارح وتبعه جماعة ممن تأخر عنه.
وفيه تأمل، لانه إن كان المراد بقوله عليه السلام: (قام فأضاف إليها أخرى)، القيام للركعة الرابعة من دون تسليم في الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة حتى يكون حاصل الجواب هو البناء على الاقل، فهو مخالف للمذهب وموافق لقول العامة ومخالف لظاهر الفقرة الولى من قوله: (يركع ركعتين بفاتحة الكتاب)، فإن ظاهره بقرينة تعيين الفاتحخة إرادة ركعتين منفصلتين، أعني صلاة الاحتياط.
فتعين أن يكون المراد به القيام بعد التسليم في الركعة المرددة إلى ركعة مستقلة، كما هو مذهب الامامية.
فالمراد باليقين كما في اليقين الوارد في الموثقة الاتية، على ما صرح به السيد المرتضى واستفيد من قوله، عليه السلام، في أخبار الاحتياط: (إن كنت قد نقصت فكذا، وإن كنت قد أتممت فكذا) هو اليقين بالبراءة.
فيكون المراد وجوب الاحتياط وتحصيل اليقين بالبراءة، بالبناء على الاكثر وفعل الصلاة مستقلة قابلة لتدارك ما يحتمل نقصه.
وقد اريد من اليقين والاحتياط في غير واحد من الاخبار هذا النحو من العمل، منها قوله، عليه السلام، في الموثقة الاتية: (إذا شككت فابن على اليقين).
فهذه الاخبار الآمرة بالبناء على اليقين وعدم نقضه، يراد منها البناء على ما هو المتيقن من العدد والتسليم عليه مع جبره بصلاة الاحتياط.
ولهذا ذكر في غير واحد من الاخبار ما يدل على أن العمل محرز للواقع، مثل قوله عليه السلام: (ألا أعلمك شيئا إذا فعلته، ثم ذكرت أنك نقصت أن أتممت لم يكن عليك شئ)(2)، وقد تصدى جماعة، تبعا للسيد المرتضى، لبيان أن هذا العمل هو الاخذ باليقين الاحتياط دون مايقوله العامة من البناء على الاقل.
ومبالغة الامام، عليه السلام، في هذه الصحيحة بتكرار عدم الاعتناء بالشك وتسمية ذلك في غيرها بالبناء على اليقين والاحتياط تشعر بكونه في مقابل العامة زاعمين بكون مقتضى البناء على اليقين هو البناء على الاقل وضم الركعة المشكوكة.
___________________________________
(1) الكافي ج 3، ص 352 بحبر الانوار، ج 2، ص 281.
(2) تهذيب الاحكام، ج 2، ص 349.
[568]
ثم لو سلم ظهور الصحيحة في البناء على الاقل المطابق للاستصحاب كان هناك صوارف عن هذا الظاهر، مثل تعين حملها حينئذ على التقية، وهو مخالف للاصل.
ثم إرتكاب الحمل على التقية في مورد الرواية، وحمل القاعدة المستشهد بها لهذا الحكم المخالف للواقع على بيان الواقع، ليكون التقية في إجراء القاعدة في المورد، لا في نفسها، مخالفة أخرى للظاهر وإن كان ممكنا في نفسه.
مع أن هذا المعنى مخالف لظاهر صدر الرواية الابي عن الحمل على التقية.
مع أن العلماء لم يفهموا منها إلا البناء على الاكثر، إلى غير ذلك مما يوهن إرادة البناء على الاقل.
وأما إحتمال: (كون المراد من عدم نقض اليقين بالشك عدم جواز البناء على وقوع المشكوك بمجرد الشك، كما هو مقتضى الاستصحاب، فيكون مفاده عدم جواز الاقتصار على الركعة المرددة بين الثالثة والرابعة، وقوله: (لا يدخل الشك في اليقين)، يراد به أن الركعة المشكوك فيها المبني على عدم وقوعها لايضمها إلى اليقين، أعني القدر المتيقن من الصلاة، بل يأتي بها مستقلة على ما هو مذهب الخاصة).
ففيه: من المخالفة لظاهر الفقرات الست أو السبع ما لا يخفى على المتأمل.
فإن مقتضى التدبر في الخبر أحد معنيين، إما الحمل على التقية، وقد عرفت مخالفته للاصول والظواهر، وإما حمله على وجوب تحصيل اليقين بعدد الركعات على الوجه الاحوط.
وهذا الوجه وإن كان بعيدا في نفسه، لكنه منحصر بعد عدم إمكان الحمل على ما يطابق الاستصحاب، ولا أقل من مساواته ما ذكره هذا القائل.فيسقط الاستدلال بالصحيحة، خصوصا على مثل هذه القاعدة.
وأضعف من هذا دعوى: (أن حملها على وجوب تحصيل اليقين في الصلاة بالعمل على الاكثر والعمل على الاحتياط بعد الصلاه على ما هو فتوى الخاصة.
وصريح أخبارهم الاخر لا ينافي إرادة العموم من القاعدة لهذا وللعمل على اليقين السابق في الموارد الاخر).
ويظهر إندفاعها، بما سيجئ في الاخبار الاتية، من عدم إمكان الجمع بين هذين المعنيين في المراد من العمل على اليقين وعدم نقضه.
ومما ذكرنا ظهر عدم صحة الاستدلال بموثقة عمار عن أبي الحسن عليه السلام: (قال: إذا شككت فابن على اليقين.
قلت:) هذا أصل؟ قال: نعم).
فإن جعل البناء على الاقل ينافي ما جعله الشارع أصلا في غير من الاخبار: مثل قوله عليه السلام: (أجمع لك السهو كله في كلمتين: متى شككت فابن على الاكثر)، وقوله عليه السلام فيما تقدم: (ألا أعلمك شيئا)، إلى آخر ما تقدم.
[569]
فالوجه فيه: إما الحمل على التقيه وإما ما ذكره بعض الاصحاب في معنى الرواية، بإرادة البناء على الاكثر ثم الاحتياط بفعل ما ينفع لاجل الصلاه على تقدير الحاجة ولا يضر بها على تقدير الاستغناء.
نعم يمكن أن يقال بعدم الدليل على إختصاص الموثقة بشكوك الصلاه فضلا عن الشك في ركعاتها، فهو أصل كلي خرج منه الشك في عدد الركعات، وهو غير قادح.
لكن يرد عليه عدم الدلالة على إرادة اليقين السابق على الشك ولا المتيقن السابق على المشكوك اللاحق.
فهو أضعف دلالة من الرواية الاتية الصريحة في اليقين السابق، لاحتمالها لارادة إيجاب العمل بالاحتياط، فافهم.
ومنها: ما عن الخصال بسنده عن محمد بن مسلم عن أبي عبدالله عليه السلام قال: قال أمير المؤمنين صلوات الله وسلامه عليه: (من كان على يقين فشك فليمض على يقينه، فإن الشك لا ينقض اليقين)(1).
وفي روايه أخرى عنه عليه السلام: (من كان على يقين فأصابه شك فليمض على يقينه، فإن اليقين لا يدفع بالشك).
وعدها المجلسي في البحار في سلك الاخبار التي يستفاد منها القواعد الكلية.
أقول: لا يخفى أن الشك واليقين لا يجتمعان حتى ينقض أحدهما الاخر.
بل لا بد من إختلافهما، إما في زمان نفس الوصفين، كأن يقطع يوم الجمعة بعدالة زيد في زمان ثم يشك يوم السبت في عدالته في ذلك الزمان، وإما في زمان متعلقهما وإن اتحد زمانهما، كأن يقطع يوم السبت بعدالة زيد يوم الجمعة ويشك في زمان هذا القطع بعدالته في يوم السبت.
وهذا هو الاستصحاب، وليس منوطا بتعدد زمان الشك واليقينن كما عرفت في المثال، فضل عن تأخر الاول عن الثاني.
وحيث أن صريح الرواية إختلاف زمان الوصفين وظاهرها إتحاد زمان متعلقيهما، تعين حملها على القاعدة الاولى.
وحاصلها عدم العبرة بطرو الشك في شئ بعد اليقين بذلك الشئ.
ويؤيده أن النقض حينئذ محمول على حقيقته، لانه رفع اليد عن نفس الاثار التي رتبها سابقا على المتيقن بخلاف الاستصحاب، فإن المراد بنقض اليقين فيه رفع اليد عن ترتب الاثار في غير زمان اليقين.
وهذا ليس نقضا لليقين السابق إلا إذا أخذ متعلقه مجردا عن التقييد بالزمان الاول.
وبالجملة، فمن تأمل في الرواية وأغمض عن ذكر بعض أدله الاستصحاب جزم بما ذكرناه في
___________________________________
(1) الخصال، ص 619.
(2) الارشاد، ص 159 بحار الانوار، ج 2، ص 272.
[570]
معنى الرواية.
اللهم إلا أن يقال بعد ظهور كون الزمان الماضي في الرواية ظرفا لليقين: إن الظاهر تجريد متعلق اليقين عن التقييد بالزمان، فإن قوله القائل: (كنت متيقنا أمس بعدالة زيد) ظاهر في إرادة اصل العدالة، لا العدالة المتقيدة بالزمان الماضي وإن كان ظرفه في الواقع ظرف اليقين.
لكن لم يلاحظه على وجه التقييد، فيكون الشك فيما بعد هذا الزمان بنفس ذلك المتيقن مجردا عن ذلك التقييد ظاهرا في تحقق أصل العدالة في زمان الشك فينطبق على الاستصحاب، فافهم.
ثم لو سلم أن هذه القاعدة بإطلاقها مخالفة للاجماع أمكن تقييدها بعدم نقض اليقين السابق بالنسبة إلى الاعمال التي رتبها حال اليقين به، كالاقتداء في مثال العدالة بذلك الشخص.
والعمل بفتواه او شهادته أو تقييد الحكم بصورة عدم التذكر لمستند القطع السابق وإخراج صورة تذكره والتفطن لفساده وعدم قابليته لافادة القطع.
فالانصاف: أن قوله عليه السلام: (فإن اليقين لا ينقض بالشك)، بملاحظة ما سبق في الصحاح من قوله: (لا ينقض اليقين بالشك)، ظاهره مساوقته لها.ويبعد حمله على المعنى الذي ذكرنا.
لكن سند الرواية ضعيف بالقاسم بن يحيى، لتضعيف العلامة له في الخلاصة، وإن ضعف ذلك بعض بإستناده إلى تضعيف إبن الغضايري المعروف عدم قدحه، فتأمل.
ومنها: مكاتبة علي بن محمد القاساني: (قال: كتبت إليه وأنا بالمدينة عن اليوم الذي يشك فيه من رمضان، هل يصام أم لا؟ فكتب عليه السلام: اليقين لا يدخله الشك، صم للرؤية وأفطر للرؤية)(1).
فإن تفريع تحديد كل من الصوم والافطار على رؤية هلالى رمضان وشوال لا يستقيم إلا بإراده عدم جعل اليقين السابق مدخولا بالشك، أي مزاحما به.
والانصاف: أن هذه الرواية أظهر ما في هذا الباب من أخبار الاستصحاب، إلا أن سندها غير سليم.
هذه جملة ما وقفت عليه من الاخبار المستدل بها للاستصحاب، وقد عرفت عدم ظهور الصحيح منها وعدم صحة الظاهر منها.فلعل الاستدلال بالمجموع بإعتبار التجابر والتعاضد.
___________________________________
(1) تهذيب الاحكام، ج 4، ص 159.
[571]
وربما يؤيد ذلك بالاخبار الواردة في الموارد الخاصة مثل رواية عبدالله بن سنان الواردة: (فيمن يعير ثوبه الذمي، وهو يعلم أنه يشرب الخمر ويأكل لحم الخنزير.
قال: فهل علي أن أغسله؟ فقال: لا، لانه أعرته إياه وهو طاهر، ولم تستيقن أنه نجسه)(1).
وفيها دلالة واضحة على أن وجه البناء على الطهارة وعدم وجوب غسله هو سبق طهارته وعدم العلم بإرتفاعها.
ولو كان المستند قاعدة الطهارة لم يكن معنى لتعليل الحكم بسبق الظهارة ن إذ الحكم في القاعدة مستند إلى نفس عدم العلم بالطهارة والنجاسة.
نعم الرواية مختصة بإستصحاب الطهارة دون غيرها، ولا يبعد عدم القول بالفصل بينها وبين غيرها مما يشك في إرتفاعها بالرافع.
ومثل قوله عليه السلام في موثقة عمار: (كل شئ طاهر حتى تعلم أنه قذر)(2).
بناء على أنه مسقو لبيان إستمرار طهارة كل شئ إلى أن يعلم حدوث قذارته، لا ثبوتها له ظاهرا وإستمرار هذا الثبوت إلى أن يعلم عدمها.
فالغاية، وهي العلم بالقذارة، على الاول غاية للطهاره رافعة لاستمرارها.
فكل شئ محكوم ظاهرا بإستمرار طهارته إلى حصول العلم بالقذارة فغاية الحكم غير مذكورة ولا مقصودة، وعلى الثاني غاية للحكم بثبوتها، والغاية وهي العلم بعدم الطهارة رافعة للحكم.
فكل شئ يستمر الحكم بطهارته إلى كذا.
فإذا حصلت الغاية إنقطع الحكم بطهارته، لانفسها.
والاصل في ذلك أن القضية المغياة - سواء كانت إخبارا عن الواقع وكانت الغاية قيدا للمحمول، كما في قولنا: الثوب ظاهر إلى أن يلاقي نجسا، أم كانت ظاهرية مغياة بالعلم بعدم المحمول، كما في ما نحن فيه - قد يقصد المتكلم مجرد ثبوت المحمول للموضوع ظاهرا أو واقعا من غير
___________________________________